Полный текст (116 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
فصل في ذكر جبل هنتاتة
وعملنا على الصعود إلى الجبل المطل عليها، والجارح المرفرف على دراجها مقتصرين على حدود هنتاتة، عنصر الدعوة، وأولياء الدولة المرينية، وحلفاء الطاعة المخصوصين برعي الجوار، والاستماتة من دون الحرمة، وشد عروة الوفاء، وسد الخلّة، واستحقاق لشُّفوف على غيرهم والمزية، إذ كان ذلك أقوى بواعث الوجهة، وأخلص مقاصد الرحلة.
وقدمت بين يدي وصولي إلى مراكش، المخاطبة إلى عميد تلك البقعة، وشاه تلك الرقعة، صدر هذه الحدود القصوى، المتميز بالرجاحة والرأي والسياسة، المتفق فيه على إفاضة العدل، وكف اليد، والتجافي عن مال الجباية، والمستأثر بحمد الجمهور من الرعية، وحب أولي العفاف والخيرية، إلى النُّبْل الذي لا يطيش نَبْلُه، والإدراك الذي لا يُفَلُّ حدُّه، والدهاء الذي لا يُسبَر غوره، والمعروف الذي لا يتجاوز محالَّ الضرورة حكمته، عامر بن محمد بن علي:
تقول ليَ الأظعان والشوق في الحشا ... له الحكم يمضي بين ناه وآمر
إذا جبل التوحيد أصبحت فارعاً ... فخيم قرير العين في دار عامر
وَزُرْ تربها المعصوم إن مزارها ... هو الحجّ يمضي نحوه كل ضامِر
سنلقى بمثوى عامر بن محمد ... ثغور الأماني من ثنايا البشائر
ولله ما تبلوه من سعد وجهة ... ولله ما تلقاه من يٌمن طائر
وتستعمل الأمثال في الدهر منكما ... بخير مَزُور أو بأغبط زائر
لم يكن همي، أبقاك الله، مع فراغ البال، وإسعاف الآمال، ومساعدة الأيام والليال، إذ الشمل جميع، والزمن كله ربيع، والدهر مطيع سميع، إلا زيارتك في جبلك الذي يعصم من الطوفان، ويواصل أمنه بين النوم والأجفان، وأن أرى الأفق الذي طلعت منه الهداية، وكانت إليه العودة ومنه البداية. فلما حُمَّ الواقع) وعجز عن خرق الدولة الأندلسية الراقع (وأصبحت ديار الأندلس وهي البلاقع، وحسنت من استدعائك إياي المواقع، قوي العزم وإن لم يكن ضعيفاً، وعرضت على نفسي السفر بسببك فألفيته خفيفاً، والتمست الإذن حتى لا ترى في قبلة السدادة تحريفاً، واستقبلتك بصدر مشروح، وزنْد العزم مقدوح، والله يحقق السول، ويسهل بمثوى الأماثل المثول، ويهيئ من قبيل هنتاتة القبول بفضله.
فأكرم الوفادة، وأطرأ بين يدي الإمارة، واستدعي من محل سكناه بمراكش إلى دار الكرامة، وشرك في الطعام نبهاء الدولة وعلية الخاصة. وأطرف من استجلاء منزله بقرة العين، انفساح خطة، والتفاف شجرة، وجرية ماء، واستبحار بركة. واستكثر من كل طرفة، ونقل من جلسة إلى جلسة، وحرص على تتميم البر بكل حيلة.
وفي يوم الاثنين المتصل بيوم القدوم، توجهنا إلى الجبل في كنف أصحابه تحت إغراء بره، وفي مركب قرة عينه، فخرجنا نستقبل بين يديه السهل، ونساير الجهة، ونشاهد الآثار، ونتخطى المعاهد، ونَنْشَق النسيم البليل القريب العهد بمادة الثلج وعنصر البرد، ولما بلغنا درج الجبل، وانتحينا طريقه من السفح، وهي تركب ضفة الوادي الملتف بعادي شجر الحور والطَرْفاء وشجر الخلاف والدردار، وأمعنا) و (، وتسمو عن جانبها الجبال الشم، والشعبات التي تزلُّ بها العُصْم، وتفضي دروبه إلى أقوار فسيحة، وأجواء رحيبة، يكتنفها العمران، ويموج بها السنبل.
стр. 2
ولما كدنا أن نختم عدد نُوَب المجاز، ونأتي على عَنَتِه، تلقتنا الخيل راكضة أمام اليعسوب المتبوع عبد العزيز بن محمد الهنتاتي، صنوه وحافظ سيقته، وقسيمه في قعساء عزته، الحسن الوجه، الراجح الوقار، النبيه المركب، الملوكي البزة، الظاهر الحياء، المحكِّم الوَخْط إيثاراً للحشمة، واستكثاراً من مواد التجلة على الفَنَاء والجدَة. فرَّحب وأسْهَل، وارتاح واغتبط، وألطف وقدَّم. وصعدنا الجبل إلى حلة سكناه، المستندة إلى سفح الطَّوْد، وقد هيأ ببعض السهل الموطأ للاعتمار بين يدينا من المضارب كل سامي العماد، بعيد الطُّنُب، سوّي القامة، مقدَّر التفاصيل، بديع النقش والصنعة، ظاهر الجدة، مصون عن البِذْلَة، يظلل من مراتب الوطاء الرفيع، ولحف الحرر ومساند الوشي، وانطاع مزعفر الجلد ما تضيق عنه القصور المحجَّبةِ والأبهاء المنضدة. ولم يكد يقر القرار، ولا تنزع الخِفاف، حتى غمر من الطعام البحر، وطما الموج، ووقع البَهْت، وأُمِّل الطَّحْو، ما بين قصاع الشيزي أفعمها الثُرُد، وهيل بها السمن، وتراكبت عليها لِسمَان الحُملان الأعجاز، وأخونة تنوء بالعصبة أولى القوة، غاصة من الآنية بالمُذْهَبِ والمُحْكَم، مُهْدِيةً كل مختلف الشكل، لذيذ الطعم، مُهانٍ فيه عزيز التابل، محترم عنده سيدة الأحامرة الثلاثة إلى السمك الرضراض والدجاج فاضل أصناف الطيَّار، ثم تتلوها صحون نحاسية تشتمل على طعام خاص من الطير والكُبَّاب واللقالق، يقع منها بعد الفراغ إلمام ذلك الرئيس في نفر من خاصته بما يدل على اختصاص ذلك بنفسه. ويتلو ذلك من أصناف الحلواء بين مُسْتَبْطَن للباب البُر، ومعالج بالقَلْو، وأطباق مُدَّخر الفاكهة وأوعية العود المحكم الخلَق، المشتملة على مُجاج الشهد. وقد قام السماط من خدام وأساودة أخذتهم الآداب وهذبتهم الدُّربة، فخفَّت منهم الحركة وسكنت الأصوات، وانشمرت الأذيال. وقد اعتمَّ من الآنية النحاسية للوضوء والوقود كل ثمين القيمة، فاضل أجناسه في الطيب والأحكام والفخامة.
ولم يكد يفرغ من الأكل إلا وقد جن الليل، وتلاحق من الطعام السيل، مربياً على ما تقدم بالروية وانفساح زمن الاحتفال، وتفنن أصناف الحلواء، وتعدَّى عسليّها إلى السكر، وكان السَّمر والمجالسة في كنف لألاء الشموع الضحاكة فوق المنصات النحاسية، والأتوار اللاطونية فاستعيد الكثير من تاريخ القطر وسيره، وخبر لجأ السلطان المقدس أمير المسلمين أبي الحسن إلى قنتة، والتحرم بمنبع وعز جواره على تفئه هيض جناحه، وَتَبرّى أثيره عميد العساكر منه، وإطراق العيون عند نجدته، وتصامم المسامع عند هاء استغاثته، وقد خَذل النصير، وزلت الأقدام، وساءت الظنون، وما كان من إجابة هذا النَّدْب عبد العزيز لندائه، والتبجح بمنعة جبله، ووفور عدته، وأصيل وفائه، واستصحابه إلى مقر أهله ومفزع ولده، ودفتعه عنه بنفسه وقبيله، ورضاه بتغير ما تناله الأيدي بالسهل من نعمته، فعادت قاعاً صفصفاً بمرأى من عينه، فعاثت فيها ألسنة النار بأرض البوار عن طيب من نفسه حتى لكادت الكرة أن تتاح، والدولة أن تدول، والملك أن يثب، والعثرة أن يقال لها لعاً. لولا طارق الأجل الدى فَصَل الخطة وأصْمت الدعوة، ورفع المنازعة. فتوفاه الله بين السحر والنحر، والأنف والعين، واستأمن من بعده لمن كان خلص إليه من خدامه، وانحدر طوعاً بين يدي سريره، وأبقى محل وفاته مرفَّهاً عن الابتذال بالسكنى، مفترشاً بالحصباء، مقصوداً بالابتهال والدعاء فتخلُفُها أي منقبة شَمَّاء، ومأثرة بلغت ذوائبها أعنان السماء، ويداً على الخلق بيضاء.
стр. 3
ومن الغد كان التوجه إلى ذلك المحل المبارك، فاقتحمنا وعراً نزل فيه الذُّر، ولا يسلكه مع الحلم الطيف. وتسنَّمنا شعاباً تعجز عنها العُصْم، وتجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتقطع عمن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا ولم نكد إلى المحل المقصود وهي دار قوراء نبيهة البنية بالنسبة إلى جنسها ... ساذجة بادية ملطخة الجدران بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال مستعمل على أرجل متخذة من اللبن، والحجر مُلبَّس بالطين، والبيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، وقد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، وتمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى وكحل العيون المرهى، إذ كان ﵀ آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، ولا آثرت الملاذ، مُغْنِياً في بِرِّ والديه مصرِّفاً في انتساخ الذكر الحكيم يمني يديه، محافظاً على الصلاة قيُّوماً عليها بالليل، كثير الصدقة والصوم، مجالساً للعلماء، مستكشفاً أحوال الرعايا، حانياً على الضعفاء، معملاً في سبيل الله بيض الظُبا، صابراً على اللأواء، محتسباً في البلوى، مستشعراً شعار التقوى، ألحقه الله بالرفيق الأعلى. وبإِزائه مصراع باب عسلت عليه جثته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، ولا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضَّ ذلك الملك الحُلاحِل من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، ووجوه الغَرانِقَة الغر، والتوكؤ على النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، واستنقال طلعة البدر، واستجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغُبْر، وسكنى المحل الخشن، ومفارقة الأهل والولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا الله من الدنيا على حذر وتَوَقِّ، وكتبنا ممن قدر قدره، ولم يأمن مكره. فقعدنا وقرأنا وأفضنا في الترحم ودعونا.
وكان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلة بمسجد إمامهم المهدي ودار سكناه، وأثر مدرسته وسجنه، كل ذلك من الخمول واللطو واستهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدَّبْر، وقرى النمل، وأعشاش الخُشاش من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدُّوَيْرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إنّ مفاتِحَه لتَنُوا بالعُصْبَة أولِي القوة؛ ولمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحباً لبعض القشر، برياً من الصنعة بأزمَّة المنابر المتخذة من الألُوَّة والصندل المقاصري في لونيه، والأبنوس الحبشي، وأنياب الفيول، وأرعاها بعُصيَّاه، واستاقها بين يدي طاعته كالذَّوْد الشائل والسائمة الواردة ما بين قُرُطبَة وأشبيليَّة وغَرناطة وإفريقيَّة والمغرب، سُنَّة الله في إدالة الدول، وتعقيب النِحَل، ألم تر [أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده] .
وانحدرنا عن ذلك المرفق فأسْهَلْنا ببطن الوادي، وأرحنا بجلسة مُوَطَّاة، مُعَدَّة لاستجمام السلطان ﵀، قد ظللتها الأشجار، تجري تحتها عين خرَّارة كأعظم الأنهار فوق حَصىً كدُرِّ النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب وخُروت تفضي إليه، يُجعَل الجعائل على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتَضح متعاطي ذلك لخَصَرِها وما يؤثّر البرد الشديد في حسِّ عصبها. وجُلب إلى ذلك المكان من الطعام والفاكهة والشهد ما يحار فيه الوصف.
ثم انتقلنا إلى محل النزول، ومثوى الكرامة من المضارب، ودعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر ولا تنال منه إلا العين. وتشاهد من أجناس الفرش المرفوعة والمراتب المقدرة، والستُر الديباجية المسدولة على الأرائك الممهدة، والسيوف المعلقة، تتخللها العِدَّة من أصْونة مُدمِجِ القرآن وصحيح الحديث ساكنة في جفون منقوشة محلاة بالإبريز، مُقلَّدة بمحامل الحرير النسيج.
وعند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف والهدايا من المقرَّبات الكاملة تختال في الحلية، والكسا الرفيعة طيّ الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر وبان التقصير.
ثم غمر الطعام وتخلف الشيخ عن المجالسة والمؤاكلة معتذراً عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، وكدر الشِّرْب تطيراً من وداعنا إياه حلْسَ فراش أو رهين شكاية. ثم) أنه حَدْسُنَا أنه آلمُ الحُسَبَاء (وتَذكرنا قول الأول:
стр. 4
إذا غدا الطَيبُ في مفارقهم ... راحوا كأنهُم مرضى من الكَرَمِ
فحقَّت الظِّنَّة، وصدقت المَخِيلَة.
ومن الغد كان الانصراف، فَشيَّعَ وأبعد، وتألم للمفارقة وتوجع، كثَّرَ الله مِثْلَه، وكافأ قوله وفعله، وأورث عز تلك البقعة عَقِبَه.
ولم أبرح يوم زيارة محل وفاة السلطان أمير المسلمين أن قلت:
يا حُسْنَها من أربع وديار ... أضحت لباغي الأمن دار قرارِ
وجبال عز لا تَذِلُّ أنوفُها ... إلا لعز الواحد القهار
ومقر توحيد وأسُّ خلافة ... آثارها تُنبي عن الأخبار
ما كنت أحسب أن أنهار الندى ... تجري بها في جملة الأنهار
ما كنت أحسب أن أنوار الحجى ... تلتاح في قُنَنٍ وفي أحجار
مَحَّت جوانبها البُرودُ وإن تكن ... شَبَّت بها الأعداء جّذْوةَ نار
هَدَّتْ بِناها في سبيل وفائها ... فكأنها صرعى بغير عُقار
لما توعدها على المجد العِدَا ... رضيت بعَيْثِ النار لا بالعار
عَمَرت بِحلَة عامر وأعزها ... عبد العزيز بمرهف بتار
فرسا رِهان أحرزا قَصْبَ الندى ... والبأسَ في طَلَقٍ وفي مضمار
ورثا عن النَّدْب الكريم أبيهما ... محض الوفاء ورفعة المقدار
وكذا الفروع تطول وهي شبيهة ... بالأصل في وَرَقٍ وفي إثمار
أزرت وجوه الصِّيدِ من هنتاتة ... في جوها بمطالع الأقمار
لله أي قبيلة تركت لها النُظَ ... راء دعوى الفخر يوم فخار
نصرتْ أمير المسلمين وملكه ... قد أسلمته عزائم الأنصار
آوت عندما ذهب الرَّدَى ... والرَّوْعُ بالأسماع والأبصار
وتخاذل الجيش اللُّهام وأصبح ال ... أبطال بين تقاعد وفرار
كُفِرت صنائعُه فيمّمَ دارها ... مستظهراً منها بعز جوار
وأقام بين ظهورها لا يتقى ... وقع الرَّدَى وقد ارتمى بشَرار
فكأنها الأنصار لما آنست ... فيما تقدم غربة المختار
لما غدا لحظاً وهم أجفانه ... نابت شفارهم عن الأشفار
حتى دعاه الله بين بيوتهم ... فأجاب ممتثلاً لأمر الباري
لو كان يُمنَع من قضاء الله ما ... خَلَصَت إليه نوافذ الأقدار
قد كان يأمل أن يكافئ بعض ما ... أوْلَوْه لولا قاطع الأعمار
ما كان يقنعه لو امتد المدى ... إلا القيامُ بحقها من دار
فيعيد ذاك الماءَ ذائب فضة ... ويعيد ذاك التُّرب ذَوْبَ نُضَار
حتى تفوز على النوى أوطانها ... من ملكه بجلائل الأوطار
حتى يلوح على وجوه وجوههم ... أثر الرعاية ساطع الأنوار
ويسوّغ الأمل القصيّ كِرَامها ... من غير ما ثُنْيا ولا استقصار
ما كان يرضى الشمس أو بدر الدجى ... عن درهم فيه ولا دينار
أو أن يُتوَّجَ أو يُقلَّدَ هَامُها ... ونحورها بأهله ودراري
حقٌ على المولى ابنِهِ إيثار ما ... بذلوه من نصر ومن إيثارِ
فلمثلها ذُخِرَ الجزاء ومثلُه ... مَنْ لا يُضيع صنائع الأحرار
وهو الذي يقضي الديون ومثله ... يرضيه في علن وفي أسرار
حتى تحُجَّ محلّةٌ رفعوا بها ... علم الوفاء لأعين النظار
فيصير منها البيتُ بيتاً ثانياً ... للطائفين إليه أي بدار
تُغني قلوب القوم عن هَدْيٍ به ... ودموعُهم تكفي لرمي جمار
حُييتِ من دار تكفَّل سعيها ال ... محمود بالزُّلفى وعقبى الدار
وضفت عليك من الإله عناية ... ما كرَّ ليل فيك إثر نهار
فلا تسل عن حسن موقعه لديه، وسرور نفسه به. وفي الحين طير به إلى أخيه كبيره وهو على سموِّ قدره وعلوِّ ذروته، أشد الناس إيجاباً لحقه، وانخفاضاً لبأوه، وتطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانَةِ القول، وانكسار الطرف تتميماً لوظائف المجد، وإقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، وعَقَّب الصلة الجزيلة عذره، وبلغ قصبات السبق فضله.
стр. 5
وانحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات ورُيكَةَ عن درج نزلنا لجَرَّاه عن الظَّهر. وقدنا الدواب قوداً، فجازت ناجية عن صراط بعد سياط ومياط. واجتزنا على ديار هنتاتة بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، وقد أسْهلوا وانبسطوا، ومثلت لهم الديار الحُمْر، تحف بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب الزُّرْق. وأرحنا من تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، تُوسِعُه ما شاء من ثناء ورحمة.
ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل مُوَطَّأٍ لا نَشَزَ فيه ينال جميعه السَّقْي الرَّغد، وتركبه الخلجان وقد تموَّج به العشب، وعافته الأيادي وغَلَّتْ أيدي فلاحه الفتنة. وهذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفْيَح، فبلغت الغاية من رحب الساحة وانفساح القورة، مثّلَت قصبتها منها قبله، وسورها مُحْمَرُّ التُّرْب، سَجِحُ الجِلْدَة، مُنْدَمِلُ الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذَوْبِ الثلج وسؤر الجبل، قامت بضفتيها الأرحاء واردة وصادرة، مرفوعة الأسداد، منيعة البناء. يمر أحدهما بشرقي المسجد الجامع طامي العباب محكم الجسور، نظيف الحافة، نزهة للأبصار وعبرة لأعين النظار. ومسجدها المذكور عتيق عادي كبير الساحة، رحيب الكنف متجدد الألقاب. ومئذنته لا نظير لها في معمور الأرض. أسسها أولوهم مربعة الشكل وما زالوا يَبْخَسُون الذَّرْع، ويجحدون العرض، حتى صارت مُجَسَّماً كاد يجتمع في زاوية المخروط. وأدير عليه فارز من الخشب يطيف بناء لاط، وقد أطل سامي جامورِها فوقه، فَقَبُحَتْ حتى مَلُحَتْ واستحقت الشُّهْرة والغرابة.
وأهل هذه البلدة ينسب إليهم نُوكٌ وغَفلةِ عِلّتُها، إن صدقت الأخبار، سلامة وسذاجة، فَتَعْمُرُ بملحهم الأسمار، وتتجمل بنوادر حكاياتهم الأخبار. فمنها أن ملك المغرب لما عجب من هذه المئذنة، استأذنوه في نقلها إلى بلدة على سبيل الهدية، يجعلونها تحفة قدومه، وطُرفة وفادته.
وبازائها المسجد، بينه وبين النهر المار بازائه قبة عظيمة القبو، فخمة البنية، ترقص فيها فوارة خرقاء في خُصَّة من الحجر الأدكن مشطوفة الباطن رحيبة القطر، قد تثلمت بعض حافاتها لمماسة الأيدي، ومباشرة أجرام الخزف والفخار عند الاغتراف بما ينبئ عن قديم عهد وطول مدة.
وللسلطان بهذه المدينة دورٌ حافلة تدل على همم ومعالي أمم، واحتفال عوالم درجوا وأمم، قد ركلها العفا وجذب معاطفها الخراب. فما شئت من خُشُبٍ منقوشة وأطُمٍ مرقومة.
وبداخل هذه المدينة بساتين وجنات، ولم يبلغ الخراب من مدينة ما بلغ من هذه الأيِّم المهتضمة، فتشعثت محاسنها، وأخلقت ملابسها وأوحش عمرانها لتتابع الفتن وعيْث الشُّرار الذين لا تُعبِّدهم الطاعة ولا تزغهم الشريعة. أنقذ الله من لَهاَة التَّبار فريستها واستدرك بمدافعته مسكنْها.
وأطرفني الخطيب بها بأخبار من اعتقل فيها من مخلوع ملوك الأندلس وأمراء طوائفها كالمعتمد بن عَبَّاد، وأبي محمد عبد الله بن بُلُقّين بن باديس أمير وطننا غرناطة. ووقفني على تاريخ صدر عنه أيام اعتقاله، يشرح الحادثة على ملكه في أسلوب بليغ ختمه بمقطوعات من شعره تشهد بفضله.
وزرت بخارجها قبر المعتمد على الله أَبي القاسم محمد بن عبَّاد، أمير حِمْص وقرطبة والجزيرة وما إلى ذلك الصقع الغربي ﵀، وهو بالمقبرة القبلية عن يسار الخارج من البلد، قد تَوَقل نشزاً غير سام وإلى جانبه قبر الحرة حظيته وسكن نفسه اعتماد إشراكاً لاسمها في حروف لقبه، المنسوبة إلى رُمَيْك مولاها، المتولعة بشأنه معها أخبار القصاص وحكايات الأسمار إلى أجداث من ولدهما. فترحمنا عليه وأنشدته:
قد زرت قبرك عن طوع بأغمات ... رأيت ذلك من أوْلي المهماتِ
لم لا أزورُك يا أندى الملوك يداً ... ويا سراج الليالي المدْلَهِماتِ
وأنت مولىً تَخَطَّى الدهر مصرعه ... إلى حياتي أجادت فيه أبياتي
أناف قبرك في هَضْبٍ يميزه ... فتنتحيه حَفِيَّات التحيات
كَرُمْتَ حياً وَميْتاً واشتهرت علا ... فأنت سلطان أحياء وأَموات
ما ريئ مثلك في ماض ومعتقد ... أن لا يرى الدهر في حال ولا آت
стр. 6
وزرت أَجداثاً لأولياء وصالحين ختمتها بقبر الولي المتبرك به أبي عبد الله محمد الهَزْميرِيّ.
وكان الانصراف عنها من الغد، وماشينا أدواح الزيتون والأشجار، تساوقها جَرِيَّاتِ الأنهار، تتخللها أطلال الحِلَل والديار نَيِّفاً على شطر البريد لا تنال صفح ثراه الشمس ولا ترتاده الحرباء، تتجاوب أصوات الحمام المطوّق فوق غصونه. وقد اقتطعت ذلك الجناب الخصيب أيدي الوحشة، وأخيفت من حلل غابة السابلة، وسكن ربوعه الآهلة البوم، فيا لها من مدينة غَزُر ماؤها وصح هواؤها، وأينعت أرجاؤها، وضفى عليها من المحاسن رداؤها.
وانْتَهَبْنَا السهل انتهاباً، فدخلنا المدينة في مُتَمَكَّنِ الضحى، وألفينا محلّة ولد السلطان مولانا قد استعجل الأمر استقدامها، فخيمتْ على فرسخين، فشرعنا في الإياب وانتحينا طريق الساحل لنستدرك بمدينة آسفي. زيارة من بها من أولياء الله الصالحين وعباده المقربين.
وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان
قلت نعم والفرقدان، سبحان من استأثر بالبقاء لا إله إلا هو.
ولقيت بهذه المدينة جملة من أولي الدين والدنيا، فمن أهل الدنيا الشيخ الجليل كبير القطر، ومفزع الرأي ومسيطر خاصة الإمارة، متصرف وجوه الوجوه أبو ثابت عامر بن محمد، وأخوه هضبة الوقار، ونير الأفق، وزهرة روض ذلك الحَزْن، وياقوتة ذلك الجبل، وقد مر من التعريف بهما ما يغني عن الإعادة. ومنهم نائب الملك وحافظ الرَّسم وجار القصر الشيخ الفقيه علي بن العباس بن موسى بن أبي حَمُّو، المعتام لكفالة أولياء العهد، المستظهر بأمانته وصدقه على حفظ الأقطار المستباح الحِمَى في سبيل الوفاء، أجمل الشيوخ وَجْنَةً. وأسناهم شيبة، وأحسنهم صورة، إلى الخُلُق السهل واللسان البلبل الإطراء والبر، والذرع الفسيح، والمخاطبة الفضلة بفرائد التسويد، تكررت على المدى زيارته، وانصرفت شطر الوجهة عنايته، واسترخصت في استجلاب القصور والمعاهد هِشَّته، وخفت إليها على الكبر والرَّقْبة حركته.
ثم جمعت بين الغُرَّةِ العتيقة والمهنَّدة المحلاة والصامت الدَّثِرِ هديته، عن خصاصة متقرره، وحال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، وما جرَّه كف يده، ووازع عفته، وجناه الوفاء من نكبته. أصلح الله حاله، وزاده من جميل نظر المُلك ما يقيم أوده.
ومنهم والي الوطن ومؤمن السبل وجَمَّاعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد الله بن حسُّون بن أبي العَلي وقد مر بعض ذكره. وهو فريد العصر بل الدهر في الخلال المُبِرَّة والخصال الحرة، من مُذَكِّرٍ بالبرامكة، مُغَبِّرٍ في وجوه سُيَّاقِهم انتهازاً لفرص المكارم، وتهالكاً في هوى المآثر، ما شئت من مُغْلٍ لبضائع الحمد، منتقب بوَرد الخجِلَة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غائمات، والمَهَى مستردفات، والجياد عِراباً، يقوم على الأصلين والمنطق، وهما الفنانان المهذبان للعقل المستدعيان لكثير من المواد، يُعترف له بالتقدم في ذلك، مشاركٌ في غيره، حسن الصورة، مهيب جَزْلٌ وقور حاسر عن الاطلاع والكفاية، لم يبلغ عندي في البر مداه، ولا بل جناحُ شكري ندى كَنَدَاه. ولقد أقسم بالغموس بعد أن بان رِزْحُه من وظائفه الباهظة، وقعود زمنه عن أمله، وقصور وُجده عن مرمى هَمِّه أن لو ألفى سَعَتَه التي تعودها، لنقدني ثمن ما غُصبْتُه بالأندلس عن يد، إبلاغاً في المكارمة ونزعاً إلى هدف الحرية، واسترقاقاً لرقَبة السؤدد. حفظ الله نعمته، وحاط حظوته، ورد عنه النوائب صاغرة، والحوادث ناكصة. وكثيراً ما خاطبته بعد وداعه من محال كرامته بالطريق من عمالته الفسيحة الخطَّة، وقد ألزَمَ من نبلاء خُدامه من تمم الوظائف وكمل المآرب بمثل قولي:
يا خاتمَ الفضل أو يا حاتم الزمن ... ومشتري الحمد بالغالي من الثمن
ومرسل المثل الجاري بكل عُلا ... فوق البسيطة من شام إلى يمن
يا من إذا ما حكاه الجِلَّة افتضحوا ... إذ التَورُّمُ ممتاز من السِمَنِ
يا من تلقيتُ منه الخَلْقَ في رجل ... وقدتُ نافرة الأيام في رسن
لله ماذا رأت عيني وقد لمحت ... ذاك الكمال وماذا قُلِّدت أذني
ذع ذكر قيصر أو كسرى وما جمحت ... به الحكاية عن سيف بن ذي يزن
стр. 7
ما الفخر إلا لملك أنت تخدمه ... فَحُلَّ منه محلَّ الروح في البدن
إن لم يَفُز منه بالغايات مثلك أو ... تعلو الكواكب في آفاقه فمن؟
تبأى العلا منك يوم الفخر بابن أب ... جمّ السيادة عفّ السر والعلن
ماضي العزيمة ميمونٌ نقيبته ... جارٍ من البر والتقوى على سَنَن
إلى مضاء كنصل السيف يعْضده ... رأي يفرِّق بين الماء واللبن
أفادني زمني لقياك معتذراً ... عما جناه فلا أدعو على زمني
من بعد لقياك لا آسى على وطر ... مهما تعذَّر أو أبكي على وطن
عقدتُ صفقة وُدِّي فيك رابحة ... إن حالت الحال لا تَخشى من الغَبْنِ
فالبس نسيجة ما قدمت مُعْلمة ... من صنعة اليمن تنسى صنعة اليمن
من زار رَبْعَك لم تبرح جوارحه ... تروي أحاديث ما أوليت من مِنَنِ
فالعين عن قُرّةٍ والكف عن صلة ... والقلب عن جابر والأذْنُ عن حسن
ومنهم صاحب الأشغال ملك الحضرة الشيخ الفقيه الموصوف بالسلامة والعفَّة، الكاسع إلى صف الانقباض، المتحيز إلى فئة العافية، المَعْفِي اليد عن غمسها، في كيل الجباية، أبو الحسين بن الرئيس الصدر، مُؤَمَّل الدول الأولى، المخصوص باليد الطولى، أبي محمد عبد الله بن أبي مَدْيَنْ. جالسته فرأيت ذكاءه متوارياً في حجر تغافل، وسذاجة تَشِفُّ عن ظرف، وخاطبني صحبة بَرَنْكَانه بما نصه:
أيا سيداً حاز سبْقَ العلا ... بفضل النُّهى والسجايا الحِسان
ويا نخبة الوقت والمقتدى ... به في فنون علوم اللسان
ويا أوحد العصر في نثره ... وفي نظم الشعر كنظم الجُمان
بَنَانٌ تريك بخط اليراع ... بمَهْرِقِها سحرَ علم البيان
لقد حُزت في العلم أعلامه ... بحفظ النصوص وفهم المعان
وحزت ذُرى كل شأو رفيع ... فلا تسألنْ عن فُلٍ أو فلان
وَفُقْتَ ابن أوْس بنظم بديعٍ ... كما فقت نثراً بديع الزمان
أنار بك القطر لمَّا قَدِمتَ ... وظرف الزمان وظرف المكان
وأنَّسْتَ منا نفوساً لها ... بقربك ما تشتهي من أمان
تَقَبَّلْ هدية من لم يزل ... يُحِبُّك بالسمع قبل العِيان
فلما رأى شخصَكُم زاده ... ولوعاً بكم حُين تلك المعان
سلامٌ زكيٌ كعرفٍ زكي ... يَخصُّكمُ ما بدا النَيِّران
ومن أهل العلم والدين الشيخ الفقيه القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله الهرغي الزقندري، وزَقَنْدر معدن الفضة ببعض تلك الجهات ولذلك ما قلت أداعبه:
سألتُك عبد الله إيضاحَ مشكل ... وأنت لكشف المعضلات بمرصَد
زقَنْدَرُ قالوا عنه معدن فضة ... فما بالُه أبداك نُدرةَ عَسْجَدِ
стр. 8
فاضل متفنن حَسَن الهيئة، راجح الوزان كثير الوقار بعيد عن الدِّخْلة، متساوي الظاهر والطوية، مُطَّرِح للهوادة، ما شئت من رجل غزير الحِفْظ، جيد المعرفة، مضطلع بفنون، سديد النظر، جَمَّ المشاركة في حديث ورواية وتاريخ وخَبَر وكلام وفقه ونظم ونثر، إلى فضل المجالسة وحسن العشرة والغفلة عن نصيب النفس والاحتطاب في حبل الرفيق، وإقطاع، غبيط السذاجة وفضل الفكاهة، والجهر بالتلاوة في سبيل الورد المترتب ناشئَةَ الليل ومبادئ الإسحار. رحل وحج ولقي كثيراً من الفضلاء، وأخذ عن عدد كثير من أهل المغرب دراية ورواية. فمن المراكشيين: أبو العباس الغفائري، وأبو الحجاج الدَّغْوي، وأبو القاسم بن مُعَنْصِر، وأبو القاسم ابن القشاش، وأبو عبد الله بن مسعود. ومن أهل أغمات: أبو يحيى الجزولي من حفَّاظ المذهب. ومن الفاسيين: أبو محمد عبد العزيز القروي، والقاضي أبو عبد الله ابن عبد الرزاق. ومن أهل تازا: أبو محمد الرَّجَّالي. ومن التلمسانيين: الشيخ الفقيه النظَّار أبو موسى بن الإمام والقاضي أبو العباس المديوني، والشيخ المحقق نسيج وحده في العقليات أبو عبد الله الآبلي. ومن التونسيين أبو عبد الله بن دمعون، وابن هارون، وابن عبد السلام، والراوية الرَحَّال أبو عبد الله بن جابر ومن أهل الإسكندرية: أبو العباس بن فتوح، وجمال الدين بن سلامة القضاعي، والعدل أبو الحسن بن الفرات، والمشايخ الأربعة محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله، وإسماعيل الضرير، وأبو الحسن الإقبالي، وجمال الدين بن عبد الرزاق الربعي وناصر الدين بن المُنَيِّر. ومن أهل مصر قاضي المالكية تقي الدين الإحساني، وأبو الحسن المارديني، وعز الدين بن جماعة، وجمال الدين الدلاصي، وأبو حامد السَّبوكي. ومن أهل دمشق: شهاب الدين بن فضل الله كاتب الإنشاء، وشمس الدين بن نباتة، وأبو الخير الحريري، وشمس الدين السلاوي آخر أصحاب ابن عبد الكريم، وتقي الدين بن عبد الكافي، والعلامة الأديب أبو الفضل ابن صرايا. ومن الصالحية: عز الدين المقدسي، والمسند عبد الرحيم التنوخي. ومن أهل مكة: شمس الدين النَوْفَري، وإمام الموسم خليل بن محمد. ومن أهل المدينة: عفيف الدين المطري من ذرية سعد بن عُبادة.
ولي قضاء مَرَّاكُش في منتصف رمضان عام ستين بعد ولايته أغمات وسَبتة ومولده بمراكش في سابع عشر ربيع الأول عام خمسة وسبعمائة. وابتدأ لهذا العهد تخريج الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.
وأنشدني من نظمه ولها حكاية تدل على ظرفه وحسن عهده:
ولما تجاوزنا زَلولاً وشنَّة ... وطاشت حلوم لم تكن قبل طائشة
تيقنت أن لا منزلاً بعد سبتة ... يَسُرُّ وأن لا إلف من بعد عائشة
توجه مؤانساً لي متحفياً إلى جبل هنتاتة، فأمتع ما شاء حفظه الله وأحسن مجازاته.
ومنهم الشيخ العدل القاضي برباط آسفي عبد الرحمن بن علي بن أبي العيش القيسي المعروف بطالب عافية، من الصدور الجلة وأعلام الطلبة بتلك البلدة فضلاً وعدالة وتفنناً ومشاركة، يخوض في كل فن، ويُلقي دَلْوَه إلى كل حوض، أصيل الحفظ جيد البحث، بعيد عن السآمة، لا يمر له وقت ضياعاً إلا عن مذاكرة في فن أو إجراء طُرفة، غير مُبال بِتَهْويم نوم، وهجوم هاجرة، أو مخالطة كد إلى حُسن العشرة ودماثة الخُلُق، وإيثار التخلي والعزلة والحَوْم على السلوك والتجريد. شارك القاضي أبا محمد في كثير ممن ذُكرَ أخذه عنه من أعلام بلده.
ومنهم الأستاذ المتفنن النظَّار أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن الفَخَّار، أستاذ المدرسة العظمى من أهل العلم والفضل والمشاركة والتفنن، يقري بها علم اللسان والأصلين والفروع، فَيُمْتِعُ ويَحْسِبُ على طَرَش كدَّر ﵀ الانتفاع به ونغّص الأنس بمجلسه نفعه الله..
وانتابني من الظرفاء والأدباء الشيخ الفقيه المكَتِّب أبو عبد الله محمد بن القاسم ابن عمر بن عبد الله الصَّيْرَفي، من أهل النبل والظَرْف على خُلُقٍ زعموا غير سَبْط، كتب عن الأمراء بمراكش، وأبي العباس بن حسين الغفائري، والخطيب المحدِّث أبي عبد الله بن رُشَيْد، والقاضي أبي الحجاج الطُّرطوشي، والمقرئ أبي الحسن ابن برني، وأبي العباس الفرقسي، وأبي العباس بن برني، وأبي العباس بن القرّاق، وأنشدني من شعره:
стр. 9
مَنْ لَمْ يُفِدْكَ بنفعه أو جاهه ... فلأيما اصْتَصْنَعْتَه مَخْدُوما
فَلْتَخْدِمِ الله الذي من أمَّهُ ... بضمير صدق يلْفَ منه رحيما
ومن نثر قوله: وأما الكتابة فلفظ نِحْلَةٍ حُذفت تاؤه، ومعقل خُذْلَةٍ شرع من غير مَحلِّه إيتاؤه، وهي خطة استغنى الناس بذَيَّانها عن سَحْبَانها وعن مُلاك أزمَّة آدابها بجهلة طُلاَّبها، فمن رأسَها معهم من ذوي المروءات والهمم من سائر الأمم، فقد ارتكب الصعاب وَثوى مقعداً من المذلة والهُون أنَّى شاء من سائر الأبواب فهو ينشد سائليه عن حاله بلسان عذر كليل، وقلب عليل، معتذراً في الضرائر بما قد قيل:
ألا قاتل الله الضرار فإنها ... تُعَلِّمُ خير الناس شرَّ الطبائع
وتَحْمِل ذا الطبع الشريف تكرُّماً ... على ذِلَّةٍ في عيشه وتصانع
وكان السفر من مراكش يوم الأحد الثالث والعشرين من جمادى الآخرة وقصدنا باب الرَّخا من أبوابها غَلَساً لنصايح تربة الشيخ، قصد التزود ببركتها، فتعذر فتح الباب وطال به الوقوف وأعْييَ علاجه، فانصرفنا عنه وفي أنفس بعض المشيغين حزازة من ذلك، فأنشدت منهم الشيخ القاضي أبا محمد الزقندري بديهة:
يا محلاًّ لخُلَّتي وانتحائي ... لم يُبِحْ لي الخروجَ بابُ الرخاءِ
دلَّ أن الرخاء مغتبطٌ بي ... فبحقٍ تَبَجُّحي وانتخاءِ
فحُفِظ واستُطْرف، وتحول المحزون إلى ضده والله الموفق للأقوال والأعمال بفضله.
وحثثنا السير على تَفِيَّةِ ارتحال الجيش وتوقع الفساد في السُّبُل، صحبة لِمَّةٍ من أشياخ وراء سكان الصقع، واستقبلنا حي بني الحارث من عرب العمود، جَذْوَة شَرار الشِرار أولى الحِرابة والخرابة. فنزلنا بمحلة من حِلَل رِعاء البَهْم وقد أوقع في طريقنا يومئذ بمحروبين حار أحدهما ونجا ثانيه برأَس طِمِرَّة ولجام.
ورحلنا من الغد في قفر تَنْدر ببعض مَهامَه به أبيات نابية للمُسَمَّيْن، وبتنا بحِلَّةٍ من حلل بني جابر أولي إبل وشاء. ورحلنا من الغد فتجاوزنا غَوْلاَ، وتخطينا مَظَنَّة اعتراض، ومَسْبَعَةَ فُسَّاق في حَدِّ بين بلاد بني الحارث، وبني وراء، يُولي كلٌّ منهم خٌطّة المَلام جاره عند إعداء الرُّفُق المصابة، وإصراخ السلطان لندائهم.
ودخلنا بلاد بني ماقِر، فكان المبيت بسورها تحت خصبٍ وأمَنَه، ومنها صرفنا مَن صَحَب من أشياخ تلك الأرض عن شكر وإطراء، وإن كنا في مَظنَّة الروْع، نرى منهم اخزرارَ عيون ومخايلَ فتنة.
ومن الغد سلكنا وطن بني ماقر وهو كثير العمران، متعدد الديار والأشجار سَقْيُه من نطاف عذبة تَخْتزنُ بها بركات الأمطار فيقع بها أمْنُهم والاجتزاء إلى زمن المطر. وبها كثير من الصالحين وأولي الخير وأرباب التلاوة، وربما ألفِيَ بها ضدُّهم، ولله درُّ القائل:
الناس كالأرض ومنها هُمُ ... من خشن فيها ومن لَيِّن
مَرْوٌ تَشَكَّى الرِّجْلُ منه الأذى ... وإِثْمِدُ يُجْعَل في الأعين
ووردْنَا مدينة آسفي وقد تمكن النهار، فلقينا موكب أرباب الخُطط باين مُعدين. ولما شارفنا، ركبنا إليها صردوكها أحمد بن يوسف حفيد الوليّ أبي محمد صالح، القائم في ظل صيته، وأثير الناس من أجله، رجل أدَمُ اللون، قد تَعَجَّل الوَخْطُ منه، ذقن كث ذو تيقور، جالس السلطان، وقاد ركب الحجاز، وجرَّ ببلده دنيا عريضة واقتعد غارب غنيّ جمّ، يفد على باب السلطان في سبيل دالَّةٍ بقديمه، ويقفل إلى وطنه مجدد الصكوك مستجاد الخِلعة. خاطبته بين يدي قدومي بقولي:
يا حفيد الوليِّ يا وارثَ الفخ ... ر الذي نال في مقام وحالِ
لك يا أحمد بن يوسف جُبنا ... كل قفر يُعْيِي أكُفَّ الرِّحال
стр. 10
أبقاك الله كثابةَ انتفاع ونوراً بأعلى يَفَاع، ومتضعاً على علو ارتفاع، ترى الوِتْرَ في إشفاع، وتقابل الوهم بطرادٍ من الحقيقة ودفاع. إن حثَّت على لقاء الأعلام شهرتهم فلك الشهرة، وأنت العلم والشهاب الذي تُجلَى به الظُّلَم. ورباط جدِّكَ بالمغرب الركن المستلم، فإلى أين يذهب عن جنابك الذاهب، وقد وضحت المذاهب، والله المانع والواهب. وإني من لدن اجتليت غرّتك التي تلوح عليها سيما الولاية إرثاً واكتساباً وانتماء إلى جناب الله وانتساباً جزاء من ربك عطاء حساباً؛ أؤمل التوسل والتقرب وأخطبُ منك الأنس الذي أنْسى به التغرب إلى أن تَهَيّأ بفضل الله وتيسر، وتبين مجمل الشوق وتَفَسَّر، وشتان ما بين من أثرى وأعسر، فأنا الآن والحمد لله قد حططتُ بمثوى الولاية رحلي، وعَثَرَتْ بأزهار أسرار الأبرار نَحْلي، وأخذت من الدهر ذَحْلي، وحللت من رباط الشيخ أبي محمد بالحرم الأمين، وظفرت من ودّ حافده بالذخر الثمين فيا ليت قومي يعلمون ما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين. عَرَّفتك أبقاك الله بقصدي وحركة رَصْدي لتعلم أن هذه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها، وبركة الشيخ نفع الله به تلاحظها وتراعيها، فما اسْتَبْعَدَ المرام من قَصَد الكرام، وما فقد الإيناس من أمَّل الناس، وتَنَخَّل الأفراد، وتخطى الأجناس، وترك للنص القياس، وَتَمَلَّك المِنَن لمَّا أحرز الرياس، وسيدي بعد وما يظهر له من تأنيس غُرْبَة وإزاحة كُرْبَة، ورعْي وسيلة وقُرْبَة، وإتحاف باجتلاء حمى مَزُورٍ وتُربَة، والله يبقيه مقصوداً على بعد المكان، مُرَجِّحاً في الفضل طَرَفِ الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان؛ مُدْرَجاً في الوصولِ لسِنَام الإسلام والإيمان والإحسان.
واضْطَبَن من ابن عمه الخطيب بالبلدة، شاحباً صامتاً مهمهماً بذِكْر، مُنتبذاً عند الأكل إشعاراً بالإمساك، أومأ مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمه وشُحٍّ مطاع، فرحب الكل وأطرأ اللقاء. وجئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد وهو من المشاهد الحافلة والمآلف الجامعة. فضاؤه رَحْبٌ مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا ومدافن، وبطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة وتربة الشيخ في بيت عُمِدَ سَمْكُه لانفساح عرضه بقائم من الخشب، وقبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دُهْمَسه، فتخاله منحوتاً من الألُوَة قد امَّلَسَت من الاستلام حافته، وسُوي من نظيف الرمل سَبَجُه، وبازائه قبور شبيهة به في الشكل لولده وحفدته، تتخللها الحُصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة والدعاء، وحضر الفقهاء والطلبة والصوفية وقد استعرضهم أبو العباس طائفتين ورتبهم للسلام علينا غابطاً إياهم مُطْرياً مؤنساً، فدعوا وأجملوا، وعرض علينا طعام الشيخ أبي محمد ﵀، وقري ضيفه الجاري عليه من بيت المال حافده المذكور مُحكّضماً في قُلِّه وكُثْرِه، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام ولا شراب.
وانصرفنا إلى المحل المعين للنزول. وهذا البلد فسيح طيب الهواء كريم التربة خصيب الجناب. وأهله أولو خَيْريَّة وجنوح إلى الصلاح؛ وهو لَبِنَةُ التمام للمسَوَّرات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، ولا محلَّةٌ مسورة، ودونه أمم تتصل بالسوس الأقصى إلى تخوم الحبشة من وراء الصحراء.
ومن ساعة إلمامنا انزوى عنا الشيخ أبو العباس صردوك، لِلَهْوِه، واشتغل زعموا بعقد نكاح على بكر يلاعبها وتلاعبه، لم يَقْسم الله للضيف من مأدبتنا بحظ، وشحَّ بإيناسه وتردده، فَحَدَسْنا أنّ ذلك إبقاءٌ على نفسه لما تُكْشِفُ المجالسة من حال يَمُدُّ لها أبو حنيفة رجلَه. وهممت أثناء طريقي أن أخاطبه بسعوط افتتحته بأبيات مطلعها:
إذا لم تهذِّبك الأبوةُ والحج ... فأنت على فَوْتِ الجَنَي ثمرٌ فَجٌّ
ثم تصدقتُ على حِلْم الشيخ بجهله، وحَرَّمت صيد آبِدِه في حرم مَحَلِّه، أصلحنا الله وإياه.
стр. 11
وصلينا بمسجدها الجامع وهو مبنى عتيق، ومجمع فسيح متعدد الزيارات والصحون والتعاريج، سبق منه ما بين يَدَي المحراب بعضٌ على أيدي قوم من الصالحين، رفعوا به عَمَداً تناهز الأربعين، بادية ضخمة خشنة على سبيل من الجفاء والسذاجة يباشرها سقف لاطئ من غير نقش ولا إحكام عَلَتْها خُشُبٌ بالية، وقُضُبٌ ناخرة، بما يدل على قِدَمِ العهد، وينبئ على اجتناب فضول العمل. فلم تمتد إلى تغييرها يد، ودارت بها الزيادة النبيهة والبُلاطات من جهاته. وبصحن هذا المسجد جِبَابٌ للماء ينتابها الناس لسقيهم ووضوئهم فَيَحسِبُهُم. ويقابل القبلة من جوفي الصحن زاوية بها فقراء يدعون ذكراً لله، فَيُعاطَوْن مقام التوكل، فلا يُغبُّ عنهم التفقد.
وبهذه البلدة، المدرسة والمارستان، وعليها مسحةٌ من قبول الله. وهواؤها أطيب أهوية البلدان، يستدعى الدثار في القيظ لبرده ولطيف مسراه. وتردد بها إليّ صاحب السوق ومقيم رسم المارستان، الشيخ الحاج أبو الضياء منير بن أحمد بن محمد ابن منير الهاشمي الجزيري، من أهل الظَّرف والخيريَّة والتمسك بأذيال أهداب الطَّلب. حَسَنُ الخطّ جميل العشرة، خفيفٌ في سبيل المشاركة. نشأ بالخضراء، وحضر حصارها، وحج وخدم الصاحب بدمشق فأحظاه. أنشدني من شعره يخاطب السلطان عند قدومه من الحج قوله:
قدموا عليك عَقِبَ حَطِّ حُمُولِ ... زِوارُ خيرٍ منبئٍ ورسول
شُّعْثاً على حُبِّ التحية ترتمي ... بهُم لبابك في ذُرًى وسهول
ليكون خاتمةَ الكمال ومِسْكَهُ ... تقبيلُ كَفِّكَ في بساط قَبول
من قصيدة جارية على هذا الأسلوب. مولده بالخضراء عام خمسة وسبعمائة.
وكان الرحيل يوم السبت الخامس والعشرين من الشهر المذكور إلى منزل ينسب لأبي خَدُّو فيه رجل من بني المنسوب إليه اسم يعقوب، طِرْفٌ في الجود زعموا جرَّ بذلك المرزأة إلى عتاده. فألطف وأجزل ورتب الحرسة وآنس في الليل وطلبني بتذكرة تُثْبِتُ عندي معرفته في الآتي، فكتبت له:
نزلنا على يعقوب نجل أبي خَدُّو ... فعرفنا الفضل الذي ما له حدُّ
وقابلنا بالبشر واحتفل القِرَى ... فلم يبق لحم لم نَتَلْهُ ولا زُبْدُ
يحق علينا أن نقوم بحقه ... ويلقاه منّضا البِرُّ والشكر والحمد
قيل لبشار بن برد، بينما أنت تقول:
إذا ما غضبنا غضبةً مضريةً ... هتكنا حجاب الشمس أو قَطَرَتْ دماً
ثم تقول:
ربَابة ربةُ البيت ... تصب الخلَّ في الزيت
لها سبعُ دجاجات ... وديك حسنُ الصوت
فقال، قلت ذلك أخاطب امرأة من البادية في خيمة قرتني بدجاجة وبيض كانت لديها أحسن من: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل.
ثم سافرنا منه إلى سور موسى من مجامع دُكاَّلَة، وهو حَلْقٌ ذو شرفات وأبراج، بادي الانثلام والتشعيث غير حرز الغلق لجهل هذه الأمة المُصْحِرة بالتحصين، وهو بعض ما يلجأ إليه أهل هذا الوطن المتكاثف العمارة، الجمِّ الماشية، المُنْبَثِّ الحِلَل، الغاصِّ على انفساح مداه بالراغية والثاغية والصاهلة والناهقة، البالغ عدد أزواجه لإثارة الأرض ومعالجة الحرث، ثلاثة آلاف زوج من أزواج الثيران تثير أرضه وتعالج حرثه، يُتَحَرَّم به عند الغارة الشعواء المُصْمَئِلَّة يطرقهم بها عدوُّهم من بني الحارث وأحلافهم من سكان السهل والجبل فَيَسُدُّ عندها. وعلى ذلك فهم لحم على وَضَم ولقمة بين لَحْيَيْنِ، ويخارجه سوق جامعة يُحْشَر إليها الناس ضحى، ويتقاطرون من كل مَرْمىً يَمْثُلون في صعيد واحد، قد خيمت تجارتهم وظلوا، ولا ينفضُّ الجمع إلا مع انقضاء بياض يوم.
стр. 12
وقد كان رُفع إلى السلطان المُغْرّى بالبناء وتخليد الآثار أبي عنان ﵀، خَبَرُ ما عليه الناس من إخافة عدوهم، واهتضام عَرْصَتِهم واستهداف عَقْوَتِهم، فأمر بارتياد مَحَلٍّ لتأسيس مدينة، فاختير على غَلواتٍ منهم، محلٌ أرضه صخر منطبق على تراب، يتأتى فيه اتخاذ الخندق غير مثلوم الشفا، بعيد المَهْوَى، يبني السور بما يخرج منه من الثرى ويصون الأطباق المعدة للاختزان عن أضرار السماء، ويكون سطح الأرض على خمس قامات من منبع الماء. فشُرع في البناء واستُبعد الفضاء، وَمَثلَتْ الأبواب العديدة، والأبراج المشيدة. وعاق عن إتمامها هجوم حِمامِه وانصرام أيامه، فرغب أهله في التنبيه على تكميل نقيصته واحتياز حسنته.
وتلقانا مشرف المَحْبَى بها الشيخ الفقير الخير أبو عبد الله اللَّجَائي، قريع الأمانة والفضل، العف اليد، الحَصُور عن مساس الجباية، المتَّصلِ الاستعمال باستصحاب الحال الرقيقة، وسقوط التهمة من أهل الطلب والسذاجة وحسن العهد وكرم العِشْرة، الجواد على كونه مَنِيناً عدم العتاد في حال الكِبْرة. تلقانا في جملة من أتباعِ الخِدْمة، ثم تلاهم مركب القاضي والعدول، وقاضيها الحاج أبو عبد الله محمد ابن سعيد بن عثمان بن سعيد الصنهاجي الزَّمُّوري، رجل مختصر البنية والثوب قد طرقه الوَخْطُ على حداثة، يحفظ غُثاءً من منقول كتب التفسير وغيرها، ذاكرٌ لمسائل متعددة، مسترسل اللسان في أسلوب يفضحه الإعراب عادةً لا جهلاً بقانون النحو. شموسٌ عند المذاكرة في المسائل العلمية، أطرفَ بحديث رحلته. ولما نزلنا خَنَس فلم نسمع له ذكراً إلى أن شيَّعنا من الغد، فَسَعَّطْتُهُ بخردل العَتْب ديدني في مقصِّري هذا الصِّنق القَمنْ بفعل الأغنياء في البر المستحق لولا رؤية الفضل لنفسه بمزية الفضل، فَزَلَّة العالم معروفة بعدم الإقالة، فاستعتب واعترف، وسألته الإجازة فيما يحمله، واكتتاب شيء من منظومة الكثير، وقد سَمَّى موضوعات ذكرها من تأليفه فوعد بذلك مُطَيِّراً به إلى محل المبيت ليلتئذ. وتلاحق بي رسوله بنزرٍ يتضمن ذكر أشياخ أكثرهم غير مسمَّى، وجلب شيئاً من حاله حتى عن القابلة التي التقطته ورؤيتها إياه على هيئة عن المُكَلَّف المخاطَب بوظائف الشريعة من سجود ورفع يد إلى السماء، إلى أمثال هذا. فخاطبته وأعدت الرسول إليه بقولي:
أليس قليلٌ نظرةً إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل
وصَلَتْ أيُّها الفاضل رُقْعَتُك التي تضمنت الفوائد، وَصِلَتُك التي استصحبت العائد، وشاهد فضلك الذي بين تصريفه الأصلي والزايد، متفننة في ضروب لا تجنح شمسها لغروب، هزت ألحانها مني عِطْفَىْ طَروب، واستقر قِراها بين يدي أكول لمثلها وشروب. فلله ما تضمنت من فوائد رحلة حجازية لَبِسَتْ من حسن الحِجَى زِيَّه، وذِكر أعلام وأركان استلام إلا أنها كانت كَلَيْلَةِ الوصل ما عابها إلا القِصَر، فَلَوَدِدْتُ أن لو أمدها بسواده مني القلبُ أو البصر. بَخَسَ وزنها الاختصار لا بل الاقتصار، وافتقرت إلى شرحٍ يقع به على مُتَعَاصِي معانيها الانتصار، ووعد المجلس القاضوي باكتتاب شيء من منظومه بعد اعترافه بأنه كثير ومهاد وثير فما كان إلا الوعد، والأخلافُ من بعد:
يا لُوَاةَ الدَّيْن عن مَيْسَرَةٍ ... والضنينات وما كنَّ لئاما
والظن بسيدي أنه دعا عند شربه من بئر الحَرَم، بأن تُرفَع عنه مؤنة الكرم، فأُجِيبَتْ الدعوة كما ورد، واستقام العمل واطرد، فكان اللقاء على مسافة قصيرة، وملاحظة البر بمُقْلةٍ غير بصيرة، والزيارة مُزْوَرَّة، وأظنه لاحظ بيت شاعر المعرة:
لو اختصرتم من الإحسان زُرْتُكُم ... والعذب يُهجر للإفراط في الخَصَرِ
стр. 13
والقِري قد كُفِي القاضي والحمد لله مؤنته الثقيلة، ولم يُحْوَج إلى تشويش العقل واستخدام العقيلة، وهذا القِسْم غير معدود ولا تقع المشاحَّةُ إلا في مَوْدود. وَهمَّ بتحفة شعره ثم قال بالبداء وناداه الإنجاز فصمَّ عن النداء فاطَّرد باب الشُّحِّ حِسَّاً ومعنى، وموحداً ومثنى حتى دُكَّالة، شرَّابةٌ لسَرْو القضاة أكَّالة، وبيدها لتحجير أيديهم وكالة. وهذه الحركة كانت لمحبة حركة الفتح، ووجهة المد والمنْح، فلو لم يقع فيها بُخْلُه تَمِيمة، لَلَقَعَتْها العين وعَسُر الهَيْن، والقاضي أعزه الله كمال، وعيب الكمال لا يُنكر، والغالب الفضل، وغير الغالب لا يذكر، وهو على التَّافه يُشكر. داعبتُه حفظه الله مداعبة من يعتقد خلاف مقاله، ويَرْجُح القناطر المقنطرة بمثقاله، ولا يقول في حال سَرْوه بانتقاله، ومع اليوم غد، ولكل شيء أمَد، ويُرجَّى أن يمتع الله منه بوقت يقع فيه استدراك، ويرتفع باختصاص النزول لديه اشتراك إن شاء الله.
وكان المبيت بحصن أسَايس من حصون دُكَّالة شأنه ما قبلُه بطلل، دار عادية ملوكية الوضع، تنسب لأحد أشياخ الوطن ممن غَمَسَ يده من الجباية في الدم والفَرْث تدل على انسحاب دنيا كانت سحابة صيف، والله يتجاوز عما جرت من نكير، فهو الذي يؤاخذ بما كسبت الأيدي ويعفو عن كثير.
ورحلنا من الغد ف يسهل اقتحمنا به حدود الصَّناهِجَة، وبتنا بموضع يعرف باسكاون بازاء رَجُلٍ مُنْتَمٍ للصوفية أَعجم اللسان، قام بالنزول على خصاصة واضطرار، فأنَبْنَا له واحتسبنا كَدْحه.
وعُدنا من الغد إلى أزَمُّور، فرأينا صدق المثل في قولهم العود أحمد، فتلقينا بها أصناف الفضلاء مصحرين، ولوظائف البر متممين، وقاهم الله معَرَّات السنين، وكرَّم وجوههم يوم تبيض وجوه وتسود وجوه في يوم العرض والدين.
وبرز إلينا الحسن بن يحيى بن حَسُّون، فتى الفتيان بالمغرب، وغاية السَّرو، وآية المروءة، والمثل البعيد في الإيثار على الخصاصة، ومخجل الضيف وريحانة التلطف، فأربى الخُبْرُ على الخَبَر والحمد لله.
وكان السفر عن تشييع تتعلق بالأهداب أظفاره، وفضل عمَّ الخافقين اعتذاره وأوجب ذلك ما خاطبتهم به:
إحسانكم يا بني يحيى بن حسُّون ... أزرَى على كل منثور وموزون
قد جددت زينةَ الدنيا برامكةٌ ... منكم مكارِمُها لم ترض بالدون
أبناء يحيى وَقَتْهُمْ كلما وُلدُوا ... عناية الله من موسى وهارون
بالأحسن الندب زاد الله بيتكم ... حُسناً فأهلاً بطلْق الوجه ميمون
ما زالَ يكْلَفُ بالعَليا ويُمْحَضُها ... هوى يعود على الأموال بالهون
ما زلتُ أسمع عنكم كل مكرَمة ... والآنَ كم بين معلوم ومظنون
أثْرَتْ بكم كفُّ أزمور دياركم ... فأيُّ دُرٍّ بصون المجد مكنون
أبقاكم الله في سعدٍ عقائله ... تبدي لكم غرر الأبكار والعون
وردَّني لبلادي شاكراً لكُمُ ... بأمر ربي بين الكاف والنون
إلى مدينة آنفا، واستدرك استدعائنا منهم إلى كل احتفاء واحتفال، أفاضل ذهبوا من البر كلَّ مذهب كالقاضي بها الشيخ الفقيه الحاج البادي القشف والسذاجة أبي بكر عثمان بن صالح المْسراتي المراكشيِّ النشأة، قرأ بمراكش على أبي الحسن المُرسي وأبي عبد الله العَبْدَري؛ وبحَاحَة، على أبي زكريا يحيى ابن سعيد، وأبي زيد بن عبد الله وأخيه أبي بكر. وبأغمات: على أبي العباس المعروف بأيَّزْم. وحج سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، ووَليَ القضاء بقصر كتامة، وحصن القاهرة وأزمور وآنفا. وأقرأ بمدرستها كتاب أبي عمرو بن الحاجب. مولده في حدود عشرة وسبعمائة. والعدل السريّ أبي العباس أحمد بن شرف بن علي السَّلي من أهل تامسنا، نبيه المسكن فَعْم الخوان، مُنْجِبِ غلمان. والعدل الفاضل أبي العباس أحمد بن أبي بكر بن موسى البرغَواطي خير منقبض متحلٍّ بسكينة. والشيخ الخطيب الخَيِّر أبو الحسن علي بن أبي حَدّوا الأصيل البيت النابه الأبوَّة المحمول عليه في سبيل بغي زعموا. والنجباء السراة أولاد الفقيه القاضي الرائق الخط، الجَمَّاعة للدفاتر، الموسوم بالرجاحة أبي علي عمر بن محمد الزناتي، كافأ الله ما بذلوا من رغبة، وخَطَوْا من إلمام.
فصل في ذكر العودة إلى مدينة سلا
стр. 14
ثم كان الارتحال إلى التربة المولوية المحترمة بشالة - فألقيت بها البَرْك، وحططت الرَّحْلَ، وَفَصَّلْت الخطة، وخاطبت اللسان المنعم المولى بما نصه بعد البسملة:) مولاي، المرجو المؤمَّل لإتمام الصنيعة، وصلة النعمة وإحراز الفخر، أبقاكم الله تضرب بكم الأمثال في البر والرضا وعلو الهمة ورعي الوسيلة، مقبِّل موطئ قدمكم، المنقطع إلى تربة المولى والدكم، ابن الخطيب، من الضريح المقدس بشالة وقد حط رحل الرجاء في القبة المقدسة وتذمم بالتربة الزكية وقعد بازاء لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة، وزيارة الرّثبُط المقصودة والتُرَب المعظمة، وقد عزم ألاَّ يبرح طوعاً من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعي، حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض، ثم عليكم والتماس شفاعته في أمر يسهل عليكم لا يجرُّ إنفاذَ مال، ولا اقتحام خطر ولا التهجم على خطة، إنما هو إعمال لسان، وخط بنان، وصرف عزم وإحراز فخر وأجر، وإطابة ذكر. وذلك أن العبد عرفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم إلى المولى المقدس والدكم بلسان المقال ما يَحضُر مما يفتح الله فيه ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقى عنه من الجواب، وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب) يعني ابن مرزوق (سنّي الله أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم:) يا فلان، أنت والحمد لله ممن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الغرضين (، وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر، جزاكم الله جزاء المحسنين، وقد تقدم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أدَّاه من حضر ذلك المشهد من خدامكم، والعبد يعرض عليكم الجواب وهو: إني لما فرغت من مخاطبته بمرأى من الملأ الكبير، والجم الغفير، أكببت على اللحد الكريم داعياً ومخاطباً. وأصغيت بأذني عند قبره وجعل فؤادي يتلقى ما يوحيه إليه لسان حال فكأني به يقول لي:) قل لمولاك يا ولدي وقرة عيني المخصوص برضاي وبري الذي ستر حريمي وردّ ملكي وصان أهلي وأكرم صنائعي ووصل عملي، أسلّم عليك وأسأل الله أن يرضى عنك ويُقبل عليك) الدنيا دار غرور، والآخرة خير لمن اتقى (.) وما الناس إلا هالك وابن هالك (
стр. 15
ولا تجد إلا ما قدمت من عمل يقتضي العفو والمغفرة، أو ثناء يجلب الدعاء بالرحمة. ومثلك من ذُكِّر فتذكر وعُرِّفَ فما أنكر، وهذا ابن الخطيب وقف على قبري وتهمَّم بي، وسبق الناس إلى رثائي، وأنشدني ومجدَّني وبكاني ودعا لي وهنأني بمصير أمري إليك، وعفر وجهه في تُربي، وأمَّلني لمّا انقطعت مني آمال الناس، فلو كنت يا ولدي حياً لما وسعني إلا أن أعمل معه ما يليق بي، وأن أستقل فيه الكثير، وأحتقر العظيم، لكن لما عجزت عن جزائه، وكلتهُ إليك وأحلته يا حبيب قلبي عليك، وقد أخبرني أنه سليبُ المال، كثيرُ العيال، ضعيف الجسم، قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن، وأمَّل أن ينقطع بجواري ويستتر بدخيلي وخِدْمتي ويرّد عليه حقه ووجوه من ضاجعني من سَلفي، ويعبد الله تحت حُرمَتك وحرمتي. وقد كنت تشوفت إلى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالصُ المحبة، وخطيبنا العظيم المزية، القديم القُربة، أبو عبد الله بن مرزوق فاسألهُ يُذكّرْك، واستخبره يخبرك، فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات إلى أن نلحق جميعاً برضوان الله ورحمته التي وسعت كل شيء. وله يا ولدي ولد نحيف يخدم ببابك، وينوب عنه في ملازمة بيت كُتّابك، وقد استقر بدارك قراره، وتعيَّن بأمرك مرتبَّه ودثاره، فيكون الشيخ خديم الشيخ، والشباب خديم الشباب، هذه رغبتي منك وحاجتي إليك، واعلم أن هذا الحديث لا بد أن يُذكر ويُتحدث به في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار، فاعمل ما يبقى لك فخره، ويتخلّد ذكره، وقد أقام مجاوراً ضريحي تالياً كتاب الله عليّ، منتظراً ما يصله منك ويقرؤه عليَّ من السَّعي في خلاص ماله والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره، وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة، فالله الله يا إبراهيم، اعمل ما يُسمع عني وعنك فيه، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال،: انتهى. والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه منتظر منكم قضاء حاجته، ولتعلموا وتتحققوا أني لو ارتكبت الجرائم، ورزأت الأموال، وسفكت الدماء، وأخذت حسائِفَ الملوك الأغرة ممن وراء النهر من التَّطَر، وخلف البحر من الروم، ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم الله مني من غير عهد، بعد أن بلغهم تذدُّمي بهذا الدخيل، ومقامي بين هذه القبور الكريمة، ما وسع أحداً منهم من حيث الحياء والحشمة من الأموات والأحياء وإيجاب الحقوق التي لا يغفلها الكبار للكبار، إلا الجود الذي لا يتعقبُه البُخل، والعفو الذي لا تفسده المؤاخذة، فضلاً عن سلطان الأندلس، أسعده الله بموالاتكم، فهو فاضل وابن ملوك أفاضل، وحوله أكياسٌ ما فيهم من يجهل قدركم وقدر سلفكم لا سيما مولاي والدكم الذي أتوسل به إليكم وإليهم، فقد كان يتبنّى مولاي أبا الحجاج ويشمله بكنفه، وصارخه بنفسه، وأمدَّه بأمواله، ثم صيَّر الله ملكه إليكم وأنتم من أنتم ذاتاً وقبيلاً، فقد قرَّت يا مولاي عين العبد بما رأت بهذا الوطن المراكشي من وفور حُشودكم وكثرة جنودكم، وترادف أموالكم وعُدَدِكم، زادكم الله من فضله. ولا شك عند عاقل أنكم إن انحلّت عروة تأميلكم أو أعرضتم عن ذلك الوطن، استولت عليه يد عدوه، وقد علم تطارحي بين الملوك الكرام الذين خضعت لهم التيجان، وتعلقي بثوب الملك الصالح والد الملوك مولاي والدكم، وشهرة حُرْمةِ شالَة معروفة، حاشَ لله أن يضيعها أهل الأندلس، وما تُوسل إليهم قط بها إلى الآن، وما يجهلون اغتنام هذه الفضيلة الغربية. وأملي منكم أن يتعين من بين يديكم خَديمٌ بكتاب كريم يتضمن الشفاعة في ردِّ ما أُخِذَ لي، ويخر بمثواي مترامياً على قبر والدكم ويقرر ما لَزِمكم بسبب هذا الترامي من الضرورة المهمة والوظيفة الكبيرة عليكم، وعلى قبيلتكم حيث كانوا، وتطلبون منهم عادة المُكارَمَة بحل هذه العقدة. ومن المعروم أني لو طلبت بهذه الوسائل من صُلب ما لهم، ما وَسِعَهُمْ بالنظر العقلي إلا حفظُ الوجه مع هذا القبيل وهذا الوطن، فالحياء والحشمة يأبيان العذر عن هذا القبر الكريم بي وتعينوني لخدمة هذا المولى وزيارته وتَفَقُّدِه ومدح النبي ﷺ ليلة المولد في جواره وبين يديه، وهو غرض غريب مناسبٌ لِبركم به إلى أن حج بيت الله بعناية مقامكم وأعود داعياً مُثنياً مستدعياً للشكر والثناء من أهل المشرق والمغرب، وأتعوض من ذمتي بالأندلس ذمة عند الرباط
стр. 16
المبارك ترثها ذريتي. وقد ساوَمْتُ في شيء من ذلك منتظراً ثمنه مما يباع بالأندلس بشفاعتكم، ولو ظننت أنهم يتوقفون لكم في مثل هذا، أو تُتوقع فيه وحشة أو جفاء، والله ما طلبته، لكنهم أسرى وأفضل. وانقطاعي أيضاً لوالدكم معاً لا يسع مجدكم إلا عمل ما يليق بكم فيه، وهاأنا أرتقب جوابكم بما لي عندكم من القبول، وَيسعني مجدكم في الطلب وخروج الرسول لاقتضاء هذا الغرض والله يطَّلع من مولاي على ما يليق به والسلام.
وكتب في الحادي عشر من شهر رجب عام أحد وستين وسبعمائة وفي مُدرج الكتاب بَعْدَ نَثْرٍ اختصرناه:
مَوْلاَيَ هَا أنَا فِي جِوَارِ أَبِيكَا ... فَابذُلْ مِنَ البِرِّ المُقَدَّرِ فِيكَا
أَسْمِعْهُ مَا يُرْضيهِ مِنْ تَحْت الثَّرَى ... واللهُ يُسمعُك الَّذِي يُرْضِيكَا
واجْعَلْ رِضَاهُ إذا نَهَدْتَ كتيبةً ... تُهْدِي إلْيكَ النَّصْر أو اتَهْدِيكَا
واجْبُرْ بِجَبْرِي قَلْبَه تَنَلِ المُنَى ... وتُطَالِعِ الفَتْحَ المُبِينَ وشيكا
فهو الذي سنّ البُرورَ بأُمِّهِ ... وأَبِيه فاشْرَع شَرْعَه لِبَنِيكَا
وابْعَثْ رَسُولَكَ مُنْذِراً ومُحَذِّراً ... وَبِمَا تُؤَمِّلُ نَيْلَهُ يَأْتِيكَا
قد هَزَّ عَزْمُكَ كُلَّ قطرٍ نَازِحٍ ... وأَخَاَفَ مَمْلُوكاً بِه وَمَلِيكَا
فَإِذَا سَمَوْتَ إلَى مَرَامٍ شَاسِعٍ ... فَغُصُونُهُ ثَمَرَ المُنَي تُجْنِيكَا
ضَمِنَتْ رِجَالُ اللهِ مِنْكَ مَطَالِبِي ... لمَّا جَعَلْتُكَ في الثَّوَابِ شَرِيكا
فَلَئِنْ كَفَيْتَ وُجُوهَهَا فِي مَقْصِدِي ... وَرَعَيْتَها بركاتُها تَكْفِيكاَ
وإذا قَضَيْتَ حَوائِجي وأَرَيْتَنِي ... أملاً فَرَبُّكَ مَا أَرَدْتَ يُرِيكَا
واشْدُدْ عَلَى قَوْلِ يداً فَهُوَ الذي ... بُرْهَانُه لاَ يَقْبَلُ التّشْكِيكاَ
مَوْلاَيَ ما اسْتَأثَرْتُ عَنْكَ بِمُهْجَتِي ... أَنَّى وَمُهْجَتيَ الَّتِي تَفْدِيكَا
لَكِنْ رأيتُ جَنَابَ شَلَّةَ مَغْنماً ... يُضْفي عَلَيَّ العِزَّ في نَادِيكَا
وفُرُوضُ حَقِّكَ لاَ تَفُوتُ فَوَقْتُها ... باقٍ إذَا اسْتَجْزَيْتَهُ يَجْزِيكَا
وَوَعَدْتَنِي وَتَكَرَّرَ الوَعْدُ الَّذِي ... أَبَتِ المَكَارِمُ أَنْ يَكُونَ أَفِيكَا
أَضْفَى عَلَيْكَ اللهُ سِتْرَ عِنَايَةٍ ... مِنْ كُلِّ مَحْذُورِ الصُّرُوفِ يَقِيكَا
بِبَقَائِكَ الدُّنْيَا تُحَاطُ وَأَهْلُهَا ... فاللهُ ﷻ يُبْقِيكَا
فوردت المراجعة المولوية بما نصه بعد البسملة والتصلية: من عبد الله المستعين بالله إبراهيم أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أيَّد الله أمره وأعز نصره، إلى الشيخ الفقيه الأجل السني الأعز الأحظى الأوجه الأنوه الصدر الأحفل المصنف البليغ الأعرف الأكمل أبي عبد الله ابن الشيخ الأجل الأعز الأسنى الوزير الأرفع الأمجد الأصيل الأكمل المبرور المرحوم أبي محمد بن الخطيب، وصل الله عزته، ووالى رفعته: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 17
أما بعد حمدِ الله تعالى، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد رسوله الكريم المصطفى والرضا عن آله وصحبه أعلام الإسلام وأئمة الرشد والهدى وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي العزيز المنصور المستعيني بالنصر الأعز والفتح الأسنى، فإنَّا كتبناه إليكم - كتب الله لكم بلوغ الأمل، ونجح القول والعمل - من منزلنا الأسعد بضفة وادي ملوية يمّنه الله، وصُنع الله جميل، ومَنُّه جزيل، والحمد لله، ولكم عندنا المكانة الواضحة الدلائل، والعناية المتكفلة برعي الوسائل، ذلكم لِمَا تميزتم به من التمسك بالجناب العلي، المولوي العلوي، جدد الله عليه ملابس غفرانه، وسقاه غيوث رحمته وحنانه. وما أهديتم إلينا من التقرب إلينا بخدمة ثراه الطاهر، والاشتمال بمطارف حرمته السامية المظاهر، وإلى هذا، وصل الله حظوتكم ووالى رفعتكم، فإنه ورد علينا خطابكم الحسن عندنا قصدُه المُقابل - بالإسعاف المستعذب ورده، فوقفنا على ما نصه واستوفينا ما شرحه وقصه، فآثرنا حسن تلطفكم في التوسل بأكبر الوسائل إلينا، ووعينا أكمل الرعاية حق ذلكم الجناب العزيز علينا، وفي الحين عيَّنا لكمال مطلبكم، وتمام مأربكم والتوجه بخطابنا في حقكم والاعتمال بوفقكم، خديمنا أبَا البقاء بن تاسكورت وأبا زكريا بن فرقاجة أنجدهما الله وتولاهما.. وأمس تاريخه انفصلا مودّعين إلى الغرض المعلوم، بعد التأكيد عليهما فيه، وشرح العمل الذي يوفيه، فكونوا على علم من ذلكم، وابسطوا له جملة آمالكم، وإنا لنحتسب ثواب الله في جبر أحوالكم وبرء اعتلالكم، والله سبحانه يصل مبرتكم ويوالي تكرمتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كتب في الرابع والعشرين لرجب عام أحد وستين وسبعمائة. فراجعت أيده الله وشَكَر نعمته بما نصه: مولاي خليفة الله بحق، وكبير ملوك الأرض حجّة، ومعدن الشفقة والحرمة ببرهان وحكمة، أبقاكم الله عالي الدرجة في المنعِمين، وافر الحظ عند جزاء المحسنين، وأراكم ثمرة بِرّ أبيكم في البنين، وصنع لكم في عدوكم الصنع الذي لا يقف عند معتاد، وأذاق العذاب الأليم من أراد في مثابتكم بإلحاد، عبدكم الذي ملكتم رِقَّه، وأويتم غربته، وسترتم أهله وولده، وأسنيتم رزقه، وجبرتم قلبه، يقبل موطئ الأخمص الكريم من رجلكم الطاهرة، المستوجبة بفضل الله لموقف النصر، الفارعة هضبة العز، المعملة الخطو في مجال السعد، وميَّسر الحظ فلان: من شالة التي تأكد بمُلْكِكُم الرِّضيِّ احترامها وتجدد برعيكم عهدها واستبشر بمُلْكِكُم دفينها، وأشرق بحسناتكم نورها، وقد ورد على العبد الجواب المولوي البر الرحيم، المنعم المحسن بما يليق بالمُلك الأصيل، والقدر الرفيع، والهمة السامية، والعزة القعساء، من رعى الدخيل والنصرة للذمام، والاهتزاز لبر الأب الكريم، فثاب الرجاء، وانبعث الأمل وقوى القصد، وزار اللطف فالحمد لله الذي أجرى الخير على يدكم الكريمة، وأعانكم على رعي ذمام الصالحين، المتوسل إليكم أولاً بقبوركم، ومتعبداتهم وتراب أجداثهم، ثم بقبر مولاي ومولاكم ومولى الخلق أجمعين الذي تسبب في وجودكم، واختصكم بحبه، وغمركم بلطفه وحنانه، وعلمكم آداب الشريعة، وأورثكم ملك الدنيا، وهيأتكم دعواته بالاستقامة إلى ملك الآخرة بعد طول المدى وانفساح البقاء، وفي علومكم المقدسة ما تضمنت الحكايات عن العرب من النصرة عن طائر داست أفراخه ناقة في جوار رئيس منهم، وما انتهى إليه الامتعاض لذلك مما أُهِينَتْ فيه الأنفس وهلكت الأموال، وقُصارى من امتعض لذلك أن يكون كبعض خدامكم من عرب تامسنا فما الظن بكم وأنتم الكريم ابن الكريم ابن الكريم فيمن لجأ أولاً إلى حماكم بالأهل والولد عن حسنة تبرعتم بها، وصدقة حملتكم الجرية على بذلها؟ ثم فيمن حطّ رحل الاستجارة بضريح أكرم الخلق عليكم دامع العين خافق القلب دامي القرحة، يتغطى بردائه، ويستجير بعليائه، كأنني تراميت عليه في الحياة أمام الذعر الذي يذهل العقل، ويحجب عن التمييز، بقصر داره ومضجع رقاده. ما مِنْ يوم إلا وأجهر بعد التلاوة بلفظ: يا آل يعقوب، يا آل مرين نسأل الله أن لا يقطع عني معروفكم ولا يسلبني عنايتكم، ويستعملني ما بقيت في خدمتكم، ويتقبل دعائي فيكم.
стр. 18
ولحين وصول الجواب الكريم نهضت إلى القبر المقدس ووضعته وبازائه، وقلت: يا مولاي يا كبير الملوك، وخليفة الله، وبركة بني مرين، صاحب الشهرة والذكر، في المشرق والمغرب، عبدك المنقطع إليك، المترامي بين يدي قبرك المتوسل إلى الله ثم إلى ولدك بك، ابن الخطيب، وصله من مولاه ولدك ما يليق بمقامه من رعى وجهك والتقرب إلى الله برعيك، والاشتهار في شرق الدنيا وغربها بِبِرِّك، وأنتم من أنتم من إذا صنع صنيعة كمّلها وإذا بدأ منَّةً تممها، وإذا أسدى يداً أبرزها طاهرة بيضاء غير معيبة ولا ممنونة ولا منتقصة، وأنا بعد، تحت ذيل حرمتك وظل دخيلك، حتى يتم أملي، ويخلص قصدي، وتحف نعمتك بي، ويطمئن إلى نائلك قلبي، ثم قلت للطلبة: أيها السادة بيني وبينكم تلاوة كتاب الله تعالى منذ أيام ومناسبة النحلة وأخوّة التآلف بهذا الرباط المقدس والسكنى بين أظهركم، فأَمَّنوا على دعائي بإخلاصٍ من قلوبكم. واندفعتُ في الدعاء والتوسل بما ترجو أن يتقبّله الله ولا يضيعه، وخاطب العبد مولاه شاكراً لنعمته مشيداً بصنيعته مسروراً بقبوله، وشأنه من التعلق والتطارح شأنه حتى يكمل القصد ويتم الغرض، معمور الوقت بخدمة يرفعها ودعاء يردّده والله المستعان.
تهنئة ابن الخطيب للسلطان أبي سالم المريني بمناسبة فتح تلمسان
وفي يوم الخميس السابع عشر من شعبان من هذا العام ورد كتاب فتح تلمسان فأصدرت إلى بابه العلي ما نصه: مولاي فتاح الأقطار والأمصار، فائدة الأزمان والأعصار، أثير هيات الله الآمنة من الاعتصار، قدرة أولي الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود الأنصار، مستصرخ الملك الغريب من وراء الأبحار، مصداق دعاء الأب المولى في الأصائل والأبكار، أبقاكم الله لا تقف إيالتكم عند حد، ولا تحصى فتوحات الله عليكم بعَدّ، ولا تفيق أعداؤكم من كد، ميسراً على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجد، عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور، الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور، ويذل لعز طاعتكم أنْفَ الأسد الهصور، ويبقى الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ في الصور.
стр. 19
فلان، من الضريح المقدس بشالة، وهو الذي تعددت على المسلمين حقوقه وسطع نوره وتلألأ شروقه، وبلغ مجده السماء لما بسقت فروعه، ووشجت عروقه، وعظم ببنوتكم فخره، فما فوق البسيطة فخر يفوقه، حيث الجلال قد رست هضابه، والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الأمامية أثوابه، والقرآن العزيز ترتل أحزابه، والعمل الصالح يرفع إلى الله ثوابه، والمستجير يخفي بالهيبة سؤاله، فيجهر بنعرة العز جوابه. وقد تفيأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة، وخميلة أنيقة، وحط بجُوديّ الجود نفساً في طوفان الضر غريقه، والتحف رفرف الهيبة الذي لا تهتدي النفس فيها إلا بهداية الله طريقه، واعتز بعزة الله وقد توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة، إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمه وأباه وجده سيقة يرى بركم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضا فسطاطاً، وأعلى به يد العناية المرينية اهتماماً واغتباطاً، وحرر له أحكام الحرمة نصاً جلياً واستنباطاً، وضمن له حسن العقبى التزاماً واشتراطاً، وقد عقد البصر بطريق رحمتكم المنتظرة المرتقبة، ومد اليد إلى لطائف شفاعتكم التي تتكفل بعتق المال كما تكلفت بعتق الرقبة، وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة لما شنفت الآذان البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح، ولا شهاب دُجُنّة إلا اقتبس من نورها واقتدح، ولا صدر إلا انشرح، ولا غصنٍ عِطْفٍ إلا مرح، بشرى الفتح القريب، وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب، ونبأ الصنع العجيب، وهدية السميع المجيب. فتْحُ تلمسان الذي قلد المنابر عقود الابتهاج، ووهب الإسلام منيحة النصر غنيةً عن الهياج، وألحف الخلق ظلاً ممدوداً، وفتح باب الحج وكان مسدوداً، وأقر عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً، وأضرع بسيف الحق جباهاً أبيَّةً وخدوداً، وملككم حق أبيكم الذي أهان عليه الأموال، وخاض من دونه الأهوال وأخلص فيها الضراعة والسؤال، من غير كد يغمز عِطف المسرة، ولا جهد يكدر صفو النعم الثرَّة، ولا حَصَر ينفض به المنجنيق ذرابته، ويظهر بتكرر الركوع إنابته.
فالحمد لله الذي أقال العثار ونظم بدعوتكم الانتثار وجعل ملككم يجدد الآثار ويأخذ الثار، والعبد يهنئ مولاه بما أنعم الله عليه ووالاه، وما أجدره بالشكر وأولاه، فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المُعَلّى والرقيب، وإذا استَهَموا حظوظ الجذَل فليَ القِسْم الوافر والنصيب، وإذا اقتسموا فريضة شكر الله فليَ الحظ والتعصيب، لتَضَاعُفِ أسباب العبودية قِبَلي وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي، وتقاصَر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي، فمقامكم المقام الذي نَفَّس الكُرْبَة، وأنَّس الغربة، ورَعَى الوسيلة والقربة، وأنعش الأرماق، وفك الوثاق، وأّخذ على الدهر بالاستقالة العهدَ والميثاق، وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء، ويَمْثُل بين يدي الخلافة العظيمة السَّنا والسناء، ويمد بسبب البِدَار إلى تلك السماء، فقد باشر به اليد التي يحنُّ مولاي لتذكر تقبيلها، ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها.
ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القِداح، ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح، وكان فتحه إياها أبا عُذْرَةِ الافتتاح، وقلت يَهْنِيكَ يا مولاي رَدُّ ضالتك المنشودة، وحَيْز لقطتِك المُفْردة المشهودة، ورد أَمَتِك المودودة، فقد استحقها وارثُك الأرضَى، وسيفك الأمضى، وقاضي دَيْنِك وقرة عينك مُستنقِذُ دارِك من يد غاصبها، ورادُّ رُتَبك إلى مناصبها، وعامر المثوى الكريم، وستر الأهل والحريم، مولاي هذه تلمسان قد طاعت وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت، والأمم إلى هنائه قد تداعت، وعدوك وعدوه قد شردته المخافة، وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة، وعن قريب تتحكم فيه يد أحكامه وتُسْلِمُه السلامةُ إلى حِمامِه، فلتطب يا مولاي نفْسك، وليستبشر رَمْسُك، فقد تمت بركتك وزكا غرسُك، نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما يفتح له أبواب السماء قبولاً، ويترادف إليك مدداً موصولاً، وعَدَداً آخِرَتُهُ خير لك من الأولى، ويُعَرِّفُهُ بركةَ رضاك، ظَعْناً وحُلولاً، ويُضفي عليه منه ستراً مسدولاً.
стр. 20
ولم يقنع العبد بخدمة النثر حتى أجهد القريحة التي ركضها الدهر فأنضاها، واستشفَّها الحادث الجلل وتقاضاها، فلقي من خدمة المنظوم ما يتعهد حلمكم تقصيره، ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرة العَتْب وليَّه ونصيره، وإحالة مولاي على الله في نفس جَبَرها، ووسيلة عرَفَها مجدُه فما أنكرها، وحرمةٍ بضريح مولاي والده شكرها، ويطلع العبد منه على كمال أملِه ونُجْح عمله وتسويغ مقترحه وَتتميم جذله:
أطَاعَ لِسَانِي في مَدِيحِك إحْسانِي ... وقَدْ لَهِجَتْ نَفْسِي بِفَتْحِ تِلْمِسَان
فَأَطْلَعْتُها تَفْتَرُّ عَنْ شَنَبِ المُنَى ... وتُسْفِرُ عَنْ وَجْهٍ مِنَ السَّعْدِ حَسَّانِ
كَمَا ابْتَسَمَ الغَوَارُ عن أَدْمُعِ الحَيَا ... وَحَفَّ بخّدِّ الوَرْدِ عَارِضُ نِيسَانِ
كَمَا صَفَّقَتْ رِيحُ الشَّمَالِ شَمُولَها ... فَبَانَ ارْتِيَاحُ السكر في غُصُن البَان
تُهَنِّيكَ بالفَتْحِ الذي مُعْجِزَاته ... خوارق لم تُذْخَر سِوَاكَ لإِنْسَانِ
خَفَفْتَ إليها والجُفُونُ ثَقِيلَةٌ ... كَمَا خَفَّ شَئْنُ الكَفِّ من أُسْدِ خفَّانِ
وقُدْتَ إلى الأَعْدَاءِ فيهَا مُبَادِراً ... لِيُوثَ رِجَالٍ في مَنَاكِب عِقْبَانِ
تَمُدُّ بنودُ النَّصرِ) مِنْهُمْ (ظِلاَلَها ... على كُلِّ مِطْعَامِ العَشِيَّاتِ مِطْعَانِ
جَحاجِحَةٌ غرُّ الوُجُوهِ كَأَنَّمَا ... عَمَائِمُهُمْ فيهَا مَعَاقِد تِيجَانِ
أمدَّك فِيهَا اللهُ) بالمَلأِ (العُلا ... فَجَيْشُكَ مَهْمَا حُققَ الأَمْرُ جَيْشَانِ
لقد جُلِّيَتْ مِنْكَ البلادُ لخَاطِبٍ ... لَقَدْ حَنِيتْ مِنْكَ الغُصُونُ إلى حَانِي
لقد كَسَتِ الإسْلامَ) بَيْعَتُكَ (الرِّضَا ... وكانَت عَلَى أَهْلِيهِ بَيْعَةَ رِضْوَانِ
ولِلهِ مِنْ مُلْكٍ سَعِيدِ) ونُصْبةٍ ( ... قَضَى المُشْتَرِي فِيهَا بِعَزْلَةِ كِيوَانِ
وسَجَّلَ حُكْمَ العَدْلِ) بَيْنَ بُيُوتِها ( ... وُقُوفاً مَعَ المِشْهُورِ مِنْ رَأى يُونَانِ
جَلاَ كُلُّ مِصرِيٍّ لَهَا حس ... ن فيها جدّه كل كلداني
فلم تَخْشَ سهمَ القوس صفحةُ بدرِها ... ولم تَشك فيها الشمس من نَحْس ميزانِ
ولم يعترض مُبْتزَّها قَطْعُ قاطعٍ ... ولا نَازَعَتْ نَوْبَهرها كفُّ عُدْوانِ
تولَّى اختيارُ الله حُسْنَ اختيارِها ... فلم تَحْتَج الفَرْغَان فيها لِفَرْغَانِي
ولا صارِفت فيها دقائقُ نِسبةٍ ... ولا حُقِّقَتْ فيها طوالعُ بُلدانِ
وجوهُ القضايا في كَمالِكَ شأنُها ... وجوبٌ إذا خَصَّت سِواكَ بإمكانِ
ومَنْ قاسَ منكَ الجودَ بالبَحْرِ والحَيَا ... فَقَد قاسَ تَمويهاً قياسَ سُفُسطَاني
وطاعتُك العُظمى بِشارَةُ رَحمةٍ ... وعِصيانُكَ المَحذور نَزْغةُ شيطانِ
وحبُّكَ عنوانُ السعادةِ والرِّضا ... ويُعْرَفُ مقدارُ الكتابِ بِعُنوانِ
ودِينُ الهُدى جِسْمٌ وذاتُكَ روحُهُ ... وكم وَصْلَةٍ ما بينَ روحٍ وجُثْمانِ
تضِنُّ بكَ الدُّنيا وتَحْرُسُكَ العُلَى ... فلا هُدِمَ المبْنَي ولا عُدِمَ البانِي
وصاحَتْ بكَ الدُنيا فلمْ تَكُ غافِلاً ... ونادَتْ بكَ العّلْيا فلم تَكُ بالوَانِي
ولم تكُ في خَوْضِ البِحارِ بهائِبٍ ... ولمْ تَكُ في رَوْمٍ الفَخَارِ بِكسْلانِ
لقد هَزَّ مِنكَ العَزمُ لمَّا انْتَضَيْتَهُ ... ذَوَائبَ رَضْوَى أو مَنَاكِبَ ثَهْلانِ
ولله عَينا مَنْ رآها محَلّةً ... هِيَ الحَشْرُ لا تُحصَى بعَدٍّ وحُسْبَانِ
وتَنُّورُ عَزْمِ فارَ في إثْرِ دَعْوَةٍ ... فَعَمَّ الأقاصِيَ والأدانِي بِطَوفَانِ
عجائِبُ أقطارِ ومأْلَفُ شارِدٍ ... وأقْلادُ آفاقٍ وموعِدُ رُكبانِ
إذا ما سَرَحْتَ اللَّحْظَ في عَرَصَاتِها ... تبلَّدَ منكَ الذِّهنُ في العالَمِ الثاني
جَناحانِ والنَّصْرُ العزيزُ اهْتَصَارُهُ ... إذا انْتَظَمَتْ بالقلبِ منها جَناحانِ
فَمِن سُحُبٍ لاحتْ بِها شُهُبُ القنا ... ومِنْ كُثُبٍ بَدَتْ فوقَ كُثبانِ
стр. 21
مضارِب في البَطخاء بيضٌ قِبَابُها ... كما قُلِّبَتْ للعَيْنِ أزهارُ سَوْسانِ
وما إنْ رَأَى الرَّاؤونَ في الدَّهْرِ قَبْلَهَا ... قرارة عزٍّ في مدينة كتَّانِ
تَفوتُ التِفاتَ الطّرْفِ حال انْتِقالِها ... كأنَّكَ قد سخَّرْتَ جِنَّ سُلَيمانِ
فقَدْ أطْرَقَتْ مِنْ خَوفِها كُلُّ بِيعَةٍ ... وطَأْطَأَ مِن إجلالِها كلُّ إيوانِ
وقد ذُعِرتْ خَولانُ بينَ بُيُوتِها ... غَدَاةَ بَدَت منها البيوتُ بِخَوْلانِ
فلو رُمِيَتْ مِصرٌ بها وصَعيدُها ... لأَضْحَتْ خَلاءً بَلْقَعاً بعدَ عُمرانِ
ولو يَمَّمَتْ سيفَ بن ذي يَزَنٍ لَمَا ... تَقَرَّرَ ذاكَ السيفَ في غمد غِمدانِ
تُرَاعُ بِها الأوثانُ في أرضٍ رُومَةٍ ... إذا خَيّمتْ شرقاً على طَرْفِ أوثانِ
وتُجْفِلُ إجفالَ النَّعامِ بِبَرقَةٍ ... ليوثُ الشَّرَى ما بَينَ تُرْكٍ وَعُرْبَانِ
وعَرضاً كَقِطْع الليلِ للخَيْلِ تَحْتَهُ ... إذا صَهَلتْ مُفْتَنَّةً رجْعُ ألحانِ
فَيُومِضُ مِنْ بِيضِ الظُّبَا بِبَوارِقٍ ... ويَقْذِفُ مِنْ سُمرِ الرِّماحِ بِشُهْبَانِ
ويُمْطِر مِنْ وَدْقِ السِّهَامِ بِحاصِبٍ ... سَحَائِبُهُ مِنْ كُلِّ عَوْجَاءَ مِرْنَانِ
وجُرْداً إذا ما ضَمِّرَتْ يومَ غارةٍ ... تَعَجَّبْتَ مِن ريحٍ تُقَادُ بِأرْسانِ
تُسابِقُ ظِلْمَانَ الفَلاةِ بِمِثْلِها ... أبَى النَّصْرُ يوماً أن تُلِّمَ بأجفانِ
نَظَرْتُ إليها والنَّجِيعُ لِباسُها ... فقُلْتُ سيوفٌ أَمْ شقائِقُ نُعْمانِ
تَفَتَّح وَرْداً خَدُّها حينَ جُرِّدَتْ ... ولا يُنْكِرُ الأقوامُ خَجْلَةَ عُرْيَانِ
كأنَّ الوَغى نادَتْ بها لوَليمَةٍ ... قد احتَفَلَتْ أوضاعُها منذُ أزمانِ
فإن طَعِمَتْ بالنَّصْرِ كانَ وُضوءَها ... نَجيعٌ ووافاها الغُبَارُ بأَشْنَانِ
لقد خَلُصَتْ للهِ مِنكَ سَجيَّةٌ ... جزاكَ على الإحسانِ منها بإحسانِ
فسَيْفُكْ للفتحِ المُبين مُصَاحِبٌ ... وعَزْمُكَ والنَّصرُ المُؤَزَّرُ إلفانِ
فَرُحْ واغْدُ للرحمنِ تحتَ كلاءَةِ ... وسَرْحَانَ، في غابِ العِدَى كلُّ سِرْحَانِ
ودُمْ والمُنَى تُدني إليكَ قِطَافَها ... مُيَسَّرَ أوطارٍ مُمَهَّدَ أوطانِ
وكُنْ واثِقاً باللهِ مُسْتَنْصِراً بِهِ ... فَسُلطانُهُ يَعلو على كُلِّ سُلطانِ
كَفَاكَ العِدَا كافٍ لمُلكِكَ كافِلٌ ... فَضِدُّكَ نِضْوٌ ميتٌ بَيْنَ أكفانِ
رِضَى الوالدِ المَوْلَى أبيكَ عَرَفْتُه ... وقد أُنكِرَ المعروفُ من بعد عِرْفَانِ
فكَمْ دَعوَةٍ أولاكَ عِندَ انتقالِهِ ... إلى العالمِ الباقي مِنَ العالَمِ الفاني
فعُرِّفْتَ في السَّرَّاءِ نِعْمَةَ مُنْعِمٍ ... وأُلْحِفْتَ في الضّرَّاءِ رحمةَ رحمانِ
عجِبتُ لِمَنْ يَبْغي الفَخَارَ بِدَعوَةٍ ... مجَرَّدةٍ مِنْ غيرِ تَحقيق بُرْهانِ
وسُنَّةُ إبراهيمَ في الفَخْرِ قد أتَتْ ... بِكُلِّ صحيحٍ عن عَلِيٍّ وعُثمانِ
وَمَنْ مِثْلُ إبراهيمَ في ثَبْتِ موقفٍ ... إذا ما التقى في حَوْمَةِ الحربِ صَفَّانِ
إذا هَمَّ لم يَلْفِتْ بلحظةِ هائِبٍ ... وإنْ مَنَّ لم يَنْفُثْ بِلَفْظَةِ مَنَّانِ
فَصَاحةُ قُسٍ في سماحَةِ حاتِمٍ ... وإقدامُ عَمْروٍ تَحْتَ حِكْمَةِ لُقْمَانٍ
شمائل ميمون النَّقِيبَةِ أرْوَعٍ ... لهُ قصباتُ السَّبْقِ في كُلِّ مَيْدانِ
مَحَبَّتُهُ فَرْضٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ ... وطاعَتُهُ في الله عُقْدَةُ إيمانِ
هنيئاً أميرَ المسلمينَ بِمِنَّةٍ ... حُبِيتَ بها مِنْ مُطْلَقِ الجُودِ مَنَّانِ
لَزَيَّنْتَ أجيادَ المنابِرِ بالتي ... أتاحَ لكَ الرحمنُ في آل زيَّانِ
قَلائِدُ فَتْحٍ هُنَّ لَكنَّ قَدْرَهَا ... تَرَفَّعَ أَنْ تُدْعَى قلائِدَ عِقْيَانِ
أمولايَ حُبِّي في عُلاكَ وَسيلَتي ... ولُطفَكَ بي دَأباً بِحَمْدِكَ أغرانِ
أياديكَ لا أنسى على بُعُدِ المَدَا ... نعوذُ بِكَ اللهُمَّ مِنْ شَرِّ نِسيانِ
стр. 22
فلا جَحْدُ ما خَوَّلَتني مِنْ سَجِيَّتي ... ولا كُفْرُ نُعْمَاكَ العَميمةِ من شأني
ومَهْمَا تَعَجَّلْتَ الحقوقَ لأهلِها ... فإنَّكَ مولايَ الحَقيقُ وَسُلْطَاني
ورُكْني الذي لمَّا نَبَا بِيَ مَنْزِلِي ... أجابَ نِدائِيَ بالقَبُولِ وآوانِي
وعالَجَ أيَّامي وكانَتْ مريضَةً ... بِحِكْمَةِ مَنْ لم يَنتَظِرْ يوم بُحْرانِ
فَأَمَّنَني الدَّهْرَ الذي قد أخافَني ... وَجَدَّدَني السَّعْدَ الذي كان أبْلاني
وَخَوَّلَني الفَضْلَ الذي هوَ أهْلُهُ ... وشيكاً وأعطاني فأَفْعَمَ أعْطَانِي
تَخَوَّنَنِي صَرْفُ الحوادث فانثَنَي ... يُقَبِّلُ أرداني وَمِنْ بَعْدُ أرْدَاني
وأَزْعَجَني عَنْ منشأي ومُبَوَّئِي ... ومَعْهَدِ أحبابِي ومألَفِ جيراني
بلادي التي فيها عَقَدْتُ تَمَائِمي ... وجَمَّ بِهَا وَفْرِي وَجَلَّ بها شَاني
تُحَدِّثُني عنها الشَّمالُ فَتَنْثَنِي ... وقد عَرِفَتْ مِنِّي شمائلَ نَشْوانِ
وآمُلُ ألاَّ أستَفيقَ مِنَ الكَرى ... إذا الحُلْمُ أوطاني بها تُرْبَ أوطانِي
تَلَوَّنَ إخواني عليَّ وقَدْ جَثَتْ ... لَدَيَّ خطوبٌ جَمَّةٌ ذاتُ ألوانِ
وما كنتُ أدري قَبْلَ أنْ يَتَنَكَّرُوا ... بأنَّ خِوانِي كانَ مَجْمَعَ إخْوَانِي
وكانت وقد حُمَّ القضاء صنائعي ... عليَّ بما لا أرتضي شر أعوانِ
فلولاكَ بَعْدَ الله يا مالِكَ العُلَى ... وقد فتَّ ما ألفَيتُ مَنْ يَتَلافاني
تَدَارَكْتَ مني بالشفاعةِ مُنْعِماً ... بَرِيّاً رماه الدَّهرُ في موقفِ الجَاني
فإنْ عَرَفَ الأقوامُ حَقَّكَ وُفِّقوا ... وإن جهلوا باءوا بصفقة خسرانِ
وإن خلطوا عُرْفاً بِنُكْرٍ وقَصَّرُوا ... وَزَنْتَ بقسطاس قويم وميزانِ
وحُرْمَةُ هذا اللَّحْدِ يَأبَى كمالُها ... هَضيمةَ دارٍ أوْ حَطيطَةَ نُقْصَانِ
وقد نِمْتُ عن أمري ونَبَّهْتُ هِمَّةً ... تُحَدِّقُ مِنْ عُلْوٍ إلى صَرْحِ هامانِ
إذا دانت اللهَ النفوسُ وأمَّلَتْ ... إقالَةَ دَنْبٍ أو إنَالةَ غُفْرَانِ
فمولاك يا مولاي قِبْلَةُ وجهتي ... وَعُهْدَةُ أسراري وحُجَّةُ إعلاني
وقفتُ على مثواهُ نَفْسي قائِماً ... بِتَرديدِ ذِكْرٍ أو تلاوةُ قُرآنِ
ولو كنتُ أدري فَوقَها مِنْ وَسيلةٍ ... إلى مُلكِكَ الأرضي لَشَمَّرْتُ أرداني
وأبلغتُ نَفْسي جَهدها غَيرَ أنَّني ... طِلابِيَ ما بَعدَ النِّهايةِ أعياني
قرأتُ كتابَ الحَمدِ فيكَ لعاصِمٍ ... فَصَحَّ أدائي واقتِدائي وإتقاني
فَدُونَكَها مِنْ بَحْرِ فِكْرِيَ لؤلؤاً ... يُفَصَّلَ مِنْ حُسنِ النظام بِمَرْجانِ
وكانَ رسولُ الله بالشِّعْرِ يَعْتَني ... وكَمْ حُجَّةٍ في شِعْرِ كَعْب وحَسَّانِ
ووالله ما وَفَّيْتَ قَدْرَكَ حَقَّهُ ... ولكنَّهُ وُسْعِي ومَبْلَغُ إمْكَاني
فصل في إدالة الدولة بالأندلس ثانية
ولم يكد الرسول يتوسط سفره، حتى أظلّ ما كان من استلحام سلطان الأندلس إسماعيل بن الأمير أبي الحجاج بن نصر، الباغي على أخيه أحانه الله لسوء سيرته وشؤم مولده، من رَبِيَّ مومسة وحبيس سجن لم يكسبه اعتباراً ولا خشية، مضفور الوفرة بخيوط الإبريسم إلى عُصْعُصِه، قد فَضَلَت من لحمه ضفيرة جَمَّة ذات عُقَدٍ مموَّهة، شديد الخِفَّة والتَّنَزُّل، يعكف وأمُّه العُشبة الناشئة في المنبت السوء، والأَرُومة الخبيثة على أسلاب المنكوبين، وماعون المحرومين يتجاذبان آلة الغزل، ودقيق الخرط، ويمسحان بأكمامهما ما علاه من الشَّعَث، ويختبران بألسنتهما قُوَى المُرَكَّبات، وبرز إلى الجو من قَفَص العُقْلة، ملقياً بيده في مساقط المئجنة والتخلف، غير مسستر بالقاذورات، ولا مُوَرّ بأخابث الشهوات. وغصَّ بمكان ابن عمه مولاه لغة وعرفاً، الذي أوطأه السَّنام والذَّروة، واستخلص له المُلك من لَهاة اللَّيْث، واستنزله من سُكَاكِ الجو، فتجهَّم له، وانفرد بالخالص دونه، وشرع في القبض عليه لو وفِّق، فأقصر المذكور ملياً إياه بانقباضه، ومتمكناً من استجماعه، آخذاً صفقة سر أخيه.
стр. 23
وفي زوال يوم ثامن شعبان كبس مثواه، المضاع القَفل، الخامل المَسْلحة، فتخطاه بالرجال بعد أن ألزم حفظه، وانحدر من الدار العليا خَلَل الدَّوْح الأشِب، والمسالك المفروشة إلى الدار السفلى ذات الصرح الهائل، فاقتحمها، ولجأ الحائن إلى الذروة في طائفة من الأحداث الزغب الحواصل ممن لا يُجَلِّي في الكريهة، ولا يُغني في الجُلَّى، ولا يعمل بالسلاح، إلاّ ما كان من علْج أبيه المسمى عباداً، المعين على حياته لتهذيبه وتأديبه بِحكَم الفرس وسياسة يونان ومكارم الدولتين، من خبيث جماعة، سامري السجية، معدن من معادن الجهل، مثل في زمانه ذمر المروءة، على فروسة وثقافة وخفوف إلى العيهات، يحمل السيف بين يديه مبان السبابة، ظاهر الطيرة، احتجن ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، لم يفرض الله فيه زكاة ولا عين فيه مواساة.
وصاح صائحهم بالناس، ورددوا هاء الاستغاثة، إنك لا تشكو إلى مصمت، ثم حملوه على الإلقاء باليد، لما عملت الصواقر في الأبواب جنوحاً إلى الخلع والعودة إلى كسر البيت. فنزل وتقبض عليه فأوسعه ما شاء من تقريع وخزي، ومؤلم عتب، ثم أمر بثقافه بالطبق، وأوعز إلى تاليه بالإجهاز عليه، فتعاورت النصال منه مطية امرئ القيس، وحزّ رأسه معززاً برأس صنوه قيس، وألحق بهما عباد وابنه، وماردان من أخابث الخراب، فلم تبك عليهم سماء ولا أرض ولا حق فيهم غير هذا، ووزيره الحر الأمين محمد بن أبي الفتح المواصل للجشأ من خوانه، المُفْعَم المعا من سريط جفانه، المغرى اليد باكتساح ذخيرته، المحشو الكم بدسائس الرشا الجانية على ماله. وابن عمه العضر فوط ثور النقل وبالوعة النبيذ، الباكي خَزُّ خِلَعه من روحه المتظلمة بكنف من أنفاس حُثِّه، وثقة بابه الموروري، الموطوء العقب بعزه، والأعصم المؤمر على التيوس بصكه، والأمير المعتقد كرسي الشرطة العليا بتنويهه. وسكك القلعة تغص بأتباعهم، وتضيق عن زَرَعتهم، وطائفة الوثوب بالحائن تعادل معشار جملتهم بين كاسع في كسره، ناظر من خُرْت غلقه، مرتقب للإجهاز على سلطانه، جاعل دبر أذنه مسمع صراخه، واثق لمكان عهد الخَتْر بانسحاب عزه واتصال جاهه، من غير إحنة نشأت بينهم وبين ذيالك المحرمان، ولا تقصير عن رسم، ولا استئثار بفائدة دونهم. وحسبك من كرم طباعهم ووفاءِ عهودهم ودسائس عروق أحسابهم، وطيب مراضعهم، ولمّا تم الأمر خرجوا من أحجارهم يرون البعد عن الدخلة، والله يبلو سرائرهم، إذ يبيتون ما لا يرضي من القول، إلا ما كان من التيس الموروي فإِنه جاهر بالختر، وآزر الدائل، وفتح له باب السلطان المحدود، وأمكنه من نفسه، فانطلقوا يجعجعون في أعقاب الفتكة وينتضحون بالداء الجامدة، ويتجملون بالسلاح المخضوب. وأخذوا مراكزهم بين يديه كما تعود قطع الشطرنج إلى بيوتها من صفرته، ولم يعلموا ما خبأ الله لهم على يده من الأخذة الرابية، والنكبة القاضية، فلا بالدنيا استمتعوا ولا بالذمام تمسكوا، ولا بحبل الله اعتلقوا، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين، فشاهت منهم وجوه الكلاب، وسبال التيوس، وهمم البغايا.
لا بأسَ بالقومِ مِنْ طولٍ وَمِنْ عِظَمٍ ... جِسْمُ البِغالِ وأحلامُ العَصافيرِ
إلاّ طِعَانَ ولا فِرسانَ غادِيةً ... إلا بِحَسْوِكُم عِنْدَ التَنَانير
فكان من اجتثاث شجراتهم الخبيثة من فوق الأرض، وهُوِيِّهم في دركات سخط الجبار ﷻ ما يأتي به الذكر إن شاء الله.
وأطل صاحب الأمر على الناس من رواحة البهو غابطاً إياهم بنفسه، مقرراً رأيهم في إراحتهم من تخلفه، وطرح رأسه فاحتمله بعضهم صوباً بكاملِ مِعْلاقة، وأخذ البيعة لنفسه فلم يختلف عليه أحد، وعلك الأمر منه أشد لحس وأشاع الخلع، وأقرّ أمر البطانة على غرة بوصل استكفاء إبراهيم بن أبي الفتح، الأصلع الغوي، وجدد وزارة ابن عمه محمد بن إبراهيم بن أبي الفتح، العقرب الردي، فنكأ ذيالك المشئوم القرح بالقرح، وسمل في باب السفق عنده العيون وبقر البطون، وسولت له نفسه غدره إذ كان غير ما جرى، يعده ويمنيه، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، لمكان ما لقه من مال الجباية ووقوع القحط في رجال الدولة.
لقد هَزُلَتْ حَتّضى بدا مِنْ هُزَالِها ... سَلاَهَا وحتّى اسْتَامَها كُلُّ مُفْلِسِ
стр. 24
وما ظَنُّك برجل مجهول الجد، موصوم الأبوة، قَلِعٍ لا يحسن المجاولة، ولا يلزق بالصهوة، كثيف الحاشية، جلده على سوء الطوية، تنور خبز، وبركة مرقة، وثعبان حلواء، وفاكهة مِعى، في شح النفس، متهالك في مسترذل الطمع، يبز عليه العضرفوط ابن غمه بسذاجة زعموا مع كونه قبيح الشكل بشيع الطلعة، واتصل بي إقراره إياه على رسمه فقلت:
قُمْتَ بأمرٍ أنتَ أهلٌ لهُ ... فَلْتاتِ ذاكَ الأمرَ من بابِهِ
لا تُدِنْ مِنْ ملكك شخصاً يرى ... بأنّه في الناس أولى بِهِ
وعنده مال ومن خلفه ... أيدٍ تَعَلَّقْنَ بأهدابه
لا سيما من دخَلَتْ أسته ... وانتفخت من تحت أثوابه
وخاب منه الملك فيما مضى ... وكان ينوي قطع أسبابه
قد أفسدَتْ أقوال كهانه ... فكرتَه اليومَ وحُسَّابه
ينظر في المرآة من وجهه ... بين مواليه وأحزابه
عروس مُلك طالما أُعْمِلَت ... في عَقْدِهِ أرجُلُ خطَّابه
فَهَمُّهُ استبدال قواده ... وفكره استنخاب كتابه
إن نام كانت حُلْمَ أفكاره ... أو قام كانت نصب محرابه
يَنْقُدُكَ العيبة مهما خلا ... ما بين أهليه وأصحابه
ويجذب الناس إلى نفسه ... بخادع القول وخلاَّبه
كانَ به إذ لم تكن حازماً ... والوفدُ يبغي إذن حجابه
والآن قد هابك فاحذرْ فما ... يبدأ فتكاً غيرُ هيابهِ
وقاطع الدولة مستقبلاً ... فليستعذْ من شر أوصابهِ
والله يكفيك شرور العِدى ... لا يستعين العبد إلا بهِ
والملك لم يُقْصَر على أمة ... وإنما الملك لغلابهِ
هذا ابنُ هودٍ بعد إرث العلى ... بانَ بنو نصر بأسلابهِ
لا يستَلِذُّ العيشَ ليثُ الشَّرى ... حتى يَذُودَ الأسْدَ عن غابه
وإن أضَعْتَ الحزم لم تنفلت ... مِن ظُفُرِ الحَيْنِ ومِن نابه
لا تتهمني إنني مُمْتَلٍ ... من حِكَم المُلك وآدابه
وعقلَكَ الموهوبَ حَكِّمْهُ في ال ... أحوالِ وأشكرُ فَضْل وهَّابه
وكل من أذْلَلْتَهُ قبلها ... عَلِّمْهُ بالملك وألقابه
لم يُرَ ملكٌ في زمان خلا ... قام له رسم بأترابه
من قلتَ يا عمِّ له مرةً ... ثق بتعاطيه وإعجابه
أو سيدي دام، يرى سيدي ... حقاً لَهُ قمت بإيجابه
وفي العشر الأول من رمضان تقبض على الوزير المشوم، وابن عمه الغوي الغشوم، في ولد الغوى، مرسل الضفيرة، أبعد الناس في مهوى الاغترار، يختال في السرق والحليه، سم من سموم القوارير، وابتلاء من الله لذوي الغيرة، يروح نشوان العشيات، يرقص بين يديه ومن خلفه عدد من الأخلاف يعاقرون النبيذ في السكك الغاصة، وولدي العقرب الردي بضده قماءة وتقطبا، تنبو عنهما العيون ويبكي منهما الخز، كأنهما صمتا عند المحاورة، وإظلاماً عند لألاء النادرة، من أذلاء بني النضير، ومهتضمي خيبر، فثقفا ملياً، وبودر بهما إلى ساحل المنكب.
قال المخبر، فما رأيت منكوبين أقبح شكلاً ولا أفقد صبراً من ذينك التيسين الحَبَقَيْن، صلع الرءوس ضخام الكروش، مبهوري الأنفاس، متلجلجي الألسنة، قد ربت بمحل السيف من عنق كل جبار منهما شحمة أترجية كأنها سنام الحوار، وافترقت بطونهم عن سرر كأسمعة الفرا، لا يثيرون دمعاً ولا يستنزلون رحمة، ولا يمهدون عذراً، ولا يتزودون من كتاب الله آية، فقد طبع الله على قلوبهم، وأخذهم ببغيهم، وعجل لهم سوء سعيهم.
وللحين أركبوا هم وجِراؤهم في جفن غزوي تحف بهم المساعير من الرجال. واقتفى بهم إثر قرقورة تحمل حاجاً إلى الإسكندرية تورية بالقصد. فلما لججوا في البحر قذف بهم في لجه بعد استخلاص ما خبثوا به، وتلكأ الأصلع الغوي فأثبت بجراحه أشعر بها هديه، واختلط العقرب الرَّدِي رفنال من جناب الله سخطاً وضيقاً تعالى الله عن نكيره، فكان فرعون هذا الزمان جبروتاً وعتواً وميتة، عجل الله لهم العذاب وأغرقهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين، فسبحان من لا تضيع الحقوق مع عدله ولا تنفسخ الآماد مع منازعته رداء كبريائه مرغم الأنوف، وقاطع دابر الكافرين. وفي ذلك أقول مستريحاً وإن لم يكن - علم الله - من شأني، ولا تكرر في ديواني:
стр. 25
وما كنتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَهُ ... ولكنّ مَنْ يُبصِر جُفُنَكَ يَعْشَقِ
ومن أمثالهم: من استغضب فلم يغضب فهو حمار. والله يقول: ومن أصدقُ من الله قيلا، وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها، والعفو أقربُ للتقوى، والقرب والبعد بيده سبحانه.
وصدرت هذه الكلمة لحين تعرف إجلائهم في الجَفَن إلى الإسكندرية وبعد ذلك صح هلاكهم:
كُنْ من صروفِ الردى على حَذَرٍ ... لا يقبل الدهرُ عُذْرَ معتَذِرِ
ولا تُعَوِّل فيهِ على دعَةٍ ... فأنت في قُلْعَةٍ وفي سَفَرِ
فكلُّ رِيِّ يُفْضي إلى ظمأٍ ... وكلُّ أمرٍ يدعو إلى غَرَرِ
وكلُّ حيٍ فالموتُ غايتُهُ ... وكلُّ نفعٍ يُدني إلى ضرَرِ
كم شامخِ الأنفِ يَنثَني فَرَحاً ... بالَ عليه زمانُهُ وَخَري
قُل للوزيرِ البليدِ قد رَكَضَتْ ... في رَبْعِكَ اليوم غارةُ الغِيَرِ
يا ابنَ أبي الفتح نسبةً عُكِسَتْ ... فلا بفَتْحِ أتَتْ ولا ظَفَرِ
وزارة لم يَجِدْ مُقَلَّدُها ... عن شُؤمِها في الوجود من وَزَرِ
في طالعِ النَحْسِ حُزْتَ رُتبتَها ... وكلُّ شيءٍ في قبضَةِ القَدَرِ
أي اختبارٍ لم يألُ نصبتَه ... في جسدٍ للنحوس أو نظر
باتَ لهُ المُشتَري على غَبَنٍ ... وأحدَقَتْ فيهِ قُرْصَةُ القمرِ
يا طَللاً ما عليه مِنْ عَمَل ... يا شجراً ما لديهِ مِن ثَمَرِ
يا مُفرِطَ الجهلِ والغباوةِ لا ... يُحْسَبُ إلا من جُمْلَةِ البَقَرِ
يا دائِمَ الحِقْدِ والفظاظَةِ لا ... يَفْرِقُ ما بينَ ظالِمٍ وبَرِي
يا كمد اللون ينطفي كمداً ... من حسدٍ يستطير بالشَّرَرِ
يا عِدْلَ سَرْجٍ يادن مقتعد ... ملآن من ريبة ومن قذر
يا واصلاً للجَشاء ناشيةَ ال ... ليل ورَبَّ الضُّراط في السحر
من غير لب ولا مراقبة ... لله في مورد ولا صَدَرِ
يا خاملاً جاهُه الفُروج يرى ... صهر أولي الجاه فخر مفتَخِرِ
كانوا نَبيطاً في الأصل أو حَبَشاً ... ما عنده عبرة بمعتبر
يا ناقص الدين والمروءة وال ... عقل ومُجْري اللسان بالهَذَرِ
يا ولد السحق غير مُكْتَتَمٍ ... حديثه وابن فاسد الدُّبُر
يا بغل طاحونة يدور بها ... مجتهد السَّيرِ مغمض البصر
في أشْهُرٍ عشرةٍ طَحَنْتَهُم ... فيا رَحَى الشؤم والبوار دُرِي
والله ما كنتَ يا مشوم ولا ... أنت سوى عُرةٍ من العُرَرِ
ومَنْ أبو الفتح في الكلاب؟ وهل ... لجاهل في الأنام من خطر؟
قد ستر الدهر منك عورته ... وكان لليوم غير مُستتر
حانوت بَزٍّ يمشي على فرس ... وثور عُرسٍ يختال في حِبَر
لا مِنَّةٌ تُقْتَنَى لِمُعْتَرِكٍ ... ولا لسانٌ يبينُ عن خَبَرِ
ولا يدٌ تنتمي إلى كَرَمٍ ... ولا صفاءٌ يُريحُ مِن كَدَرِ
عهدي بذاكَ الجبينِ قد مُلِئَتْ ... غضونُهُ الغُبْرُ بالدم الهدر
ععدي بذاك القفا الغليظِ وقد ... مُدَّ لوقع المُهنَّدِ الذَّكَرِ
أهْدَتْكَ للبحرِ كَفُّ مُنْتَقِمٍ ... ألقَتْكَ للحوت كفُّ مُقْتَدِرِ
يا يُتْمَ أولادِكَ الصِغارِ ويا ... حَيْرَتَهُمْ بعد ذاكَ في الكِبرِ
يا ثُكْلَ تلكَ الصَّمَّاءِ أمِّهمُ ... وظاعن الموت غير مُنْتَظِرِ
والله لا نال من تخلفه ... من أمَلٍ بعدها ولا وَطَرِ
والله يا مسحقان لا انتقلت ... رجْلُكَ منها إلا إلى سَقَر
ألحقك الله بالهوان ولا ... رعاكَ فيمن تركت من عُرَرِ
ما عوقب الليل بالصباح وما ... تقدم البرق عارض المطر
стр. 26
واستوزر من الأحداث محمد بن علي بن مسعود عَصَبِية من التيس الموروي لصيده في مرمى لَبَّيْهِ، وضربه على الرفق المشيعة في مرضاته، فقام منه على رأسه، مجنون أحول العين وحشي النظرة، يُظَنُّ به الغضب في حال الرضا، يهيج به المرار فيمكث زماناً خلف كَلَّةِ مَرْقَدِه، يُدْخَل إليه وعاء الحاجتين خوفاً من إصحاره إلى فضاء منزله، وتوحشه من أهله وولده إلى أَنْ تَضْعُفَ ثورة المِرّة فيخف أمره قد باين زوجه مع انسحاب رواق الشبيبة، وتوفر داعية الغبطة لحلف جرَّه الوسواس السوداوي، فنستدفع بالله شر بلائِه. فاستعان منه برأي الفضل بن سهل ويحيى بن خالد وأمثالهما، تدرك الله رمق الإسلام بلطفه. وأقر كاتب الحائن لانحطاطه في هواه ومناسبته المجلس الدنئ حلف الخمول وملعب الأوغاد، معززة بخطابة المنبر يخرج إليها من خلوة الاستعداد، ويراعه دامٍ من النعَم المعصومة برواق الإسلام، شَعِث لجوس خلال الديار وانتهاب الأموال، قد أعمل في سبيل الشمات التأنق السخيف والسجع الضعيف، ويردد الإذن فيما يجر تحكم الشر وتمهيد سبيل الظلم أئمتكم شفعاؤكم.
وقدم للقضاء شيخنا القاضي أبا البركات الممتحن بالدنيا على الكَبْرة والغنى، لطف الله به ونظر إليه بعين رحمته.
وفَرَّ يوم الكائنة الأمير عم الحائن وسميّه إسماعيل ابن أمير المسلمين أبي الوليد بن نصر، المتصل الثقاف مدة أيام أخيه في خفارة الأجل، وفراشه نطع، وظلّه حسام صلت يهم به في اليوم مرات لحراسته إلى أن ملك، فصرف إلى شلوبانيَه بإشارتي مباحاً له التصرف خارجها، مُبَوَّأَ منزلِ السلطان مسوِّغاً الجَمَّ من مستخلصها، فَصَلُحَتْ حاله، وعَقَد السلطان بزيجة معه الصِهْر على بنته. فلما أزفت الآزفة وتصيَّر لأخيه الأمر استقدمه في يوم أغرَّ مُحَجَّلٍ برزت فيه أم السلطان بمن لَفّ لفَّها من حريمهم وأذيالهم بما لا فوقه من الزينة: مطايا فارِهَة، وحَكَمَاتٍ مُثْقَلة، وولايا مُذَهَّبَة، وقباباً مُدَبَّجَة، وأُنزل بداري الرخامية الكائنة بزقاق الرؤساء من المدينة.
وقد روسل السلطان زوج البنت في طريق انصرافه عن الأندلس مظنة إذعانه في حل عقدة النكاح، فتماسك ومَطل الرسول إلى أن تجاوزنا حدود إيالتهم الفاسقة، وتوفرت داعية المسرة من الدايل على بَتِّ عصمة أخيه والعَقْد عليها قصد النكاية والشَّمَات، إذ كانت شَهْوَةَ قُبلةٍ فاترة فَعَسُر ذلك لمكان العَقْدِ وقرب العهد ودُنُوِّ الدار وإمكان النفقة. وانتُدِبَ قاضيهم الشيخْ المتراخي الدين والفَك، المنحل العَصَب والعقيدة المُغرِق في العمومية، المشهور بالرشوة، الغريب الاسم والولاية، وشيوخُهم؛ فلفقوا من خيوط العناكب شُبهاتٍ تقلدوا بها حل العَقد الموثق، ديدَنَهم في معارضة صلب الملة، بالآراء الخبيثة بتحكم الوقاح منهم في الحكم الذي نزل به شديد القُوى، على الذي لا ينطق عن الهوى، بحسب شَهوَةِ تحكُّمه في عزل أمه إيثاراً للعاجل واسترابةً بالوعيد، ففسخوا النكاح، وأحلُّوا محرم البُضْع للدَّايل وقد تأذن الله بفسخه وأجرى دمه نَقْداً قبل دَفْعِ نَقْدِه سبحانه حكَم الحكّام وقَاهِر الظُّلام، ومن يلعن الله فلن تجدَ له نصيراً. وأُدْرِكَ فاراً بأحواز مالقة فتقبض عليه وأُزعج في البحر إلى سبتة مظلِّلاً بصدَقَةِ كان يُفْشِيهَا، من رجل مُرَزَّأ قد سَمَا مزاجُه لمطاولة الاعتقال، دمت بعيد من الشر، ملازم لِكسْرِ البيت، ظاهر المُرُوَّة والحشمة، أنيق الفُرُش والآنية، فائق الطعام، من أهل النبل على عدم الحنكة. فاستقر بالباب السلطاني خِدْنَ عافية، ومجتنباً فضول القول والعمل كان الله له.
стр. 27
وفي هذه الأيام اتصل الخبر بما كان من عزله عن إمارة الجند المغربي قطب ثقالها، وربان مركبها يحيى بن عمر بن رُّحوا بن عبد الله بن عبد الحق، المرهف الجوانب الذلق الحَد، المستولي على مدى الحنكة، العريض النعمة، الحجة في اللغة الزناتية والأنساب البربرية، السديد الرأي على الحدَّة. وقدَّم إليها إدريس ابن عثمان ابن أبي الْعُلى بن عبد الله بن عبد الحق، الكائنة تحت أبيه قبل أن يتلقَّف يحيى كُرَتَهَا. غَبَطَ به تَوحُّشُه من الجهة المرينية، إذ طرق حضرتهم فاراً هارباً إليهم من بلد برجلونه، واستحضر المعزول، وبسط له القول وأقطعه البر، وأظهر تَرفُّهَهُ أن صُرِفَ قانعاً بمخيِلته مستبقياً لعشرة حياته، فأَنِف قومُه من هضمه، وتوقعوا إيقاع المكروه به، فحركوه إلى الفرار، ولم يمهلوه فأجاب نداءهم، وبرز ضحوة وقد منطق بالصامت خصور خالصته، ورفع على الظَّهر خطير حليته ونفيس عُدَّته وأصاغر ولده، والتف فيمن كدح له وحجه حسن بلائه، وأصحر مساوقاً جهة النهر.
ولما طرق النبأ باب السلطان، استركب الجيش في أثره ووقع النَّفير، وقذفت البلدة بأفلاذها، وتلاحقت سرعان الخيل بأذياله مُحَمْحِمَةً عن شباة ثم كوْثَرَ فأعمل الطَّعن وصدقهم سنَّ بكره حسن بلاء وصدق حفيظة، وانصدع عن القتام خالصاً خُلُوصَ الزِّبْرِقَان عن السرار، وقد تناصف القوم وأُرجِلَ كثير من أوليائه، ولم يكد يستقل حتى قطعت به الفرسان من قبل تَحيُّر المُجَمِّرَةِ بثغر إلبيرة ممسين بالحُمام على كلالة، مستعدين بالرجْل ورُماة الشّعرْاء، فهناك حصحص الحق، وصَرح عن الزبدة المَخْض، ودسِّ النِّجَار الحُر، ولم يُخْذَل الصبر، فأَقصروا عنه، وأفرجوا عن طريقه، وقد أصيب بجراحه رغيبة، وجُدِّل قوم من كفلاء أمانته، ورُدَّ فتى من ولده، وزامِلَةٌ من متاعه، ولحق بقلعة يَحْصُبُ من ثغور الروم في زهاء مائتين من قرابته وفرسانه، فاهتز ملك الروم لمقدمه مغتبطاً بجواره، صتئلاً بحدِّه على عدوه. ونَغَرَ جُرحَه، فأقام بقرطبة مرَفِّهاً عليه، قد أُوعِز إلى الأسَاةِ في العناية به، وكان من الأمر ما يذكر إن شاء الله.
وقَبض على الشيخ المُنْبَتِّ في مَتِيهِ الضلال، مخيفِ السابلة وخاتر العهد، الموروي، المنحط في مهوَى عَقْدِ الإباحية بسبب الفاجرة زوجه التي أبدلت فصله، وقلبت عينه، وصيرته في الأمد القريب من طور الأمية والتوحش والفظاظة والغيرة، إلى طور السمْح بها لمدَّعى الهوى فيها طوعاً من غير خلاف يُزْوَى عليها بعده من غير سبب ولا تقرر، ويدور في ذَوْدِ الرقص مقلِباً من نَظْرَتِه، عاضاً بأسنانه على شَفَتَيْه، متدارك الدَّرج، نعَّاراً مشيراً بكُمَّيه، يعيد ألفاظاً من المقول الذي حرَّكَ ساكنَه مما يجري في لفظُ السر والذات والجمال وأمثالِه. ثم يتصبب عرقاً، ويبرُكُ كالبعير وتبادَرُ عضلاتُه وهدوته وخُصاه بالغَمْز حتى يفيق كالذي يتخبطه الشيطان من المس، مُنْكِراً وجوب التكليف لا يقف عند حد من حدود الله.
ثم ماتت تلك المومسة على وعدٍ بالرَّجْعة كان يَرْقُبُه ولقد كان يقول لي وبين يديه ولدان من تلك الإباحية: هذا - ويعنيه - ولد السِّرّ، وهذا ولد الطَّيْر لَبِسَ هذا الطَّوْر وسَرَت حُمَيَّاه في طباعه المتعاصية، وخفيت من ألفاظه الجهْوَرية، وطأطأت من حُرْمةِ الأيْدِ البادن، ودَخَلَتْه من ذلك قوة سحْريَّة أثَرت فيه تأثيرات التعليم في الحيوان من الحمير التي تنام وترقص وتُخرج الخبَّ والدنيَّة التي يصعد على الطيف الخرط وتخرج لعب الإنس، وما زاده ذلك إلا عُتُوّاً وجرأة على سفك الدماء وانتهاكِ محارم الله، فَوَغَل عليه ضدّه حذراً من جرأته، مُنْحِياً عليه الذَّنب ديْدَنَه في سواه. وعاجله بالقبض عليه موسعاً إياه ما شاء من تقريع، محملاً إياه تحيته إلى ابني أبي الفتح غرقائه في قاموس البحر على سبيل التندر والظفر، والتيس يتبرأ من الجريرة، ويذكره العهد الذي شَانَه ختره، ويشمِّتُه نقضه؛ فصُفِّد واحتمل على الظهر إلى المريه، واختلف في صورة هلاكه بين نَوْشِه بالأسنَّة أو إغراقه ببحر الشامة البيضاء من مرساها، وقد أثقلت رجلاه ببعض الأجرام استعجالاً لرسوبه، فصار إلى خزى الله وسوء المصير.
стр. 28
وفر إلى الروم إبراهيم بن السراج في خبر طويل، وكان له من الموروري حلف، فلما أحان الله ذلك التيس بيد الظالم الذي أسخط الله في رضاه، وخذل الإسلام بإعانته، استراب بمكانه فكان ذلك.
وتُقُبِّضَ بعدَه على أحد مصراعي باب الوفاء للسلطان - جبره الله - أبو بكر ابن زيد زعيم وادي آش! بعد أن اصطنعه وأسماه رقياً إلى ألفته وخلطه بنفسه في القلعة، وأنكحه إحدى عتيقات القصر ذات أسباب جمة ومتاع حسن وبُغْية، ثم أهوى به في الطَّبق الضَّنك مستَقَر أرباب الجرائم، وابنه الغض الشبيبة، الراجح الوزن على الفَتَا، المَلِيِّ من خلال السؤدد بغير جرم ولا جناية. زعموا أن بلديَّهُما كاتبُه وخطيبُه الملجوم المُنْبَزُ بالجوادي، عبد الحق بن عطية، أغراه بهما، وما أقرب الدنيا من الآخرة، بينما الرجل في إيالة هذا الحلف محمود النعمة، مرموق المكانة، مغبوط الحظ، إذ تطرقته العيوبُ بغتة لها جس طوَّر أفكاره السبعية أو ألقِيَةٍ كاذبة طرقت أذنَه المستباحة، بوأنا الله مهاد الأمن في الدنيا والآخرة، وعرفنا بَرْدَ العافية، وفكَّ عن أعناقنا مِلكةَ سواه.
وفي أواسط شهر المحرم من عام اثنين وستين عرَّفَنا الله فيه عارفة الخير، كان استقدام ولد السلطان الأمير المنصرف عن الأندلس في سبيل البغي عليه والمكيدة، المستكمل خلال الفضل، المستولي على أمد الطهارة والعفاف أبي عبد الله بن الأمير أبي الحجاج بن نصر، أُبرم أمرُ استخلاصه من غير علم عبده، فبايع المتغلب على الإقرار في الوقت والمهادنة تحرجاً مما تجره المخاشنةُ من صدع يصيب عصا الإسلام مجراه. وقد اشتمل ثقافة من أبناء الملوك اليعاقبة على الجُملة مُوعِداً بتنفيق سوق الفتنة ببعضهم عند إضاقته، فَرُوخِي رَسَنُه مطاولة، وطُوِيَ أمره على عِدَه، وسقط في يد مظلومِه لركود ويحه وتقاصر أمره. وجاشت النفوس ممن لديه ثم استكانت لِصَوْلَةِ الأيام مرجئة للوقت، مرتشفة للبُلالة، فسبحانَ الحق يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء لا يُسأل عما يفعل.
وأزعج من الأندلس صحبته الشيخ أبو الحسن علي بن بدر الدين بن موسى ابن رحّو بن عبد الله بجريرة ما تقدم من مظاهرة السلطان صبيحة ليلة نكبته وتمسكه ببيعته، وذَبِّه في سبيل الوفاء عنه، فوصل جميعهُم في جَفْنٍ غزوي من مالقة إلى سبتة، ومع الولد أمه في طُوَيِّفَةٍ من جواريها بحال حاجة للكثير من الضروريات وقد ضَنَّ ظالمهم على جميعهم بما لم تكن لتضره السماحة به والتهاون بحقيره في جنب ما رزأهم من متاع الدنيا الذي لا نهاية وراءه في الظَّرف والبهجة. وفي الله خَلَفٌ من كل ذاهب.
وفي الموفِّي عشرين من هذا الشهر، خرج موسى بن إبراهيم اليرنياني، من مشيخة الخدام، ومُصْطَفِ الأوداء، إلى الأندلس بهدية من كراع وآلة على سبيل الملاطفة، وصدرت المخاطبة في شأني بما من بعض فصوله: فإن كنتم تبخلون بماله فعرفونا بمقدار ثمنه ليصلَكم من قِبَلِنَا. ولله أمرٌ هو بالغهُ سبحانه وقد جعل لكل شيء قدراً، نسأله الرضا بقضائه والشكر على السالف والراهن من آلائه.
بعض المؤلفات والقصائد والرسائل التي كتبها ابن الخطيب في المغرب
وإلى هذا الحد، صدر عني من الموضوعات والنظم والنثر ما نُثْبِتُه إحْمَاضاً ومناوبة على حد الصواب في الأحاديث والأسمار، فقد قالوا: لا تجعلوا شرابكم غِناءً كلَّه ولا حديثاً كلَّه، ولكن انتهبوا الأنس انتهاباً.
فمن الموضوعات؛ الرَّجز المسمى بِرَقْمِ الحُلَل في نَظْمِ الدُّوَل، يشتمل على الدول الإسلامية كلها من غير حشو ولا كُلْفَة على زماننا هذا، ورفعتُه إلى السلطان، فورد الأمر بإضعاف الجراية، فبلغت إلى هذا الحد بستين بيزا من الذهب العَيْن في كل هلال، وكان من نصه: وقد) وصل الرَّجَزُ المُعْجِبُ المُعْجِز (، وعرَّفني بإعادة الرسالة إلى الأندلس في شأني والله لا يقطع عنا أسباب لطفه.
ومنها الجزء المسمى: بِمِعْيَارِ الاختبار في أحْوَالِ المعَاهِدِ والدِّيَار، كتاب غريب مُصَوَّر لم يَسبِق متقدم إلى غَرَضِه.
стр. 29
وأظَلَّتْ ليلةُ سبع وعشرين، إحدى مواسم شالة المختصة باستجلاب الأمم، وتخييم الخيم، واحتفال الأسواق، ورفع المغارم، والوليمة لأهل الخير وأولي الهيئات بالضريح، فاحتفل معتاد الإطعام، وفُرِّقَتْ غَلاَصِمُ البَهْم، وأُهِيلَت قناقش السَّمن، واستُدْعِيَتْ أصناف الحلواء، واستُكثر من الوقود، واستُدْعِيَ إلى الإيوانِ لِصْقَهَا المعدّ لذلك المغنّون، واستُحْضِر القاضي والعدول والخواص والأعيان والأمناء ...
ببقيةِ جَمَّتُها من الغد في سبيل الصَّدقة، وأَنْشَد المُسْمِعُ ليلتئذ من نظمي هذه القصيدة:
إذا فاتني ظلُّ الحِمَى ونعيمُهُ ... كفاني وحسبي أن يُهَبَّ نسيمُهُ
ويقنعني أَنِّي به مُتَكيِّفٌ ... فزَمْزَمُهُ دَمعي وجسمي حَطِيمُهُ
يعودُ فؤادي ذِكرُ مَنْ سكنَ الغَضى ... فيُقعِدُهُ فوقَ الغَضى ويَقيمُهُ
وما هاجَني بالغَوْرِ قدٌ مٌرَنَّحٌ ... ولا شاقَني مِن وَحشِ وَجْرَةَ ريمُهُ
ولا سَهِرَتْ عيني لِبَرْقِ ثَنِيَّةٍ ... مِنَ الثَّغرِ يبدو مَوْهِناً فيشيمُهُ
بَراني شَوقٌ للنَّبيِّ محمدٍ ... يسوم فؤادي بَرْحُهُ ما يَسُومُهُ
ألا يا رسولَ الله ناداكَ ضارِعٌ ... على البُعدِ محفوظُ الوِدادِ سليمُهُ
مَشُوقٌ إذا ما الليلُ مدَّ رِوَاقَهُ ... تَهِمُّ به تحتَ الظَّلامِ هُمُومُهُ
إذا ما حديثٌ عنكَ جاءَتْ به الصَّبا ... شجاهُ مِنَ الشَّوقِ الحَثيثِ قَديمُهُ
وتُقْرِبُه الآمالُ مِنكَ تَعَلُّلاً ... ويُبْعِدُهُ المِقدارُ عَمَّا يَرُومُهُ
يراهُ الأسى إلاَّ الرَّكُون إلى عَسَى ... صحيحُ الهوى مُضْنا الفؤادِ سَقِيمُهُ
تَدَارَكْهُ يا غَوثَ العِبادِ بِرَحْمَةٍ ... يُقَضِّيهِ دَيْنَ العَفوِ منها غَرِيمُهُ
أيَجْهَرُ بالشكوى وأنتَ سَميعُهُ ... أَيُعْلِنُ بالنجوى وأنتَ عَليمُهُ
أَتُعْوِزْهُ السُّقيا وأنتَ غِياثُهُ ... فأُنْقِذَ عانِيهِ وأَثْرى عَديمُهُ
لكَ الخُلُق الأرضَى الذي بانَ فضلُهُ ... ومجدك في الذِّكرِ العظيمِ عظيمُهُ
لك المُعجِزات الغُرُّ يَبْهَرٌ نورُها ... إذا ارْبَدَّ مِن جُنْحِ الضِّلاَلِ بَهِيمُهُ
وحَسْبُكَ مِن جِذْعٍ تَكَلَّمَ مُفْصِحاً ... وقد دَمِيَتْ يومَ الفُراقِ كُلُومُهُ
وبَدْرٌ بَدا قِسْمَيْنِ فالقِسمُ ثابِتٌ ... مُقيمٌ وقد أهوى إليكَ قَسيمُهُ
وذَلَّ لِمَسْراكَ البُراقُ كَرَامةً ... وساعَدَ مِنهُ وَخْدُهُ وَرَسيمُهُ
ومِن فوقِ أطباقِ السماءِ بكَ اقتدى ... خليلُ الذي أوْطاكَهًا وكَليمُهُ
ومُعجِزةُ القُرآنِ أجلَى فَإنَّهُ ... عجائِبُهُ لا تَنْقَضي وعُلُومُهُ
تميَّزَت قبل القِيلِ بالشِّيَمِ العُلى ... وآدمُ لم يَدْرِ الحياةَ أديمُهُ
إذ السكونُ لم تَفْتُقْ يدُ الأمرِ رَتْقَهُ ... ولم تَمْنَزِج أرواحُهُ وجُسُومُهُ
ومِن نورِكَ الوضّاحِ في العالَمِ اهتدى ... غداةً اقتَدى صِدِّيقُهُ وحَكيمُهُ
عليكَ سلامُ الله يا خبرَ مُرسَل ... بهِ بانَ مِنْ نَهْجِ الرَّشادِ قَويمُهُ
ويا لَيتَ أني في ضريحِكَ مُلْحَدش ... يَرِفُّ بتكرارِ العِهادِ جَميمُهُ
يُجاوِرُ عَظْمِي تُرْبَكَ العَطِرَ الشَّذا ... فَيَعْطِرُ مِن ماءِ الحياةِ رَميمُهُ
تَقَضَّى كريمُ العُمْرِ في غيرِ طائِلٍ ... كما بدَّدَ الوَفْرَ الغزير كَريمُهُ
فآهٍ على نفسي أُردِّدُها أسىً ... لِوَخْطٍ أضاءَتْ ليلَ فَوْدِي نُجُومُهُ
وإن كانَ نَبتُ الأرضِ مُرْتَهنَ الذَّوا ... فليسَ سَواءَ غَضُّهُ وهَشيمُهُ
جفاني دهري واستهانَ بِحُرمَتي ... فدَهري مَمْقوتُ الذِّمامِ ذَميمُهُ
وفَرَّقَ ما بيني وبينَ أحبَّتي ... فأَنكادُهُ تنتابُني وغُمومُهُ
فلو كان يُجدي العَتْبُ أبْلَغْت عَتْبَهُ ... ولو كان يُغني اللَّومَ كُنتُ ألومُهُ
ولو لَحِظَتْني مِنْ جَنابِكَ لحظةٌ ... لما رامَني عندَ البياتِ نُجومُهُ
فآوِ طريداً عائِذاً أنتَ كَهْفُهُ ... وِكْرُكَ بالمَدْحِ الصَّريحِ رَقيمُهُ
стр. 30
رعى اللهُ عهداً في رضاكَ ومَألَفاً ... مُلوكُ العُلى تُعْنَي بهبِ وتُقيمُهُ
وحيَّي بوادي الغِبْطِ داراً مَزُورَةً.. ... تُوالي لجرّاك النَّدى وَتُديمُهُ
رحيبَةُ ألطافٍ إذا الوَفْدُ حَلَّها ... تكَنَّفَهُم غَمْرُ النَّوالِ عَميمُهُ
تَوَسَّدَ منها التُّرْبَ أيُّ خَلائِفٍ ... بِهِمْ دينُكَ الأرْضَى استَقَلَّتْ رُسُومُهُ
أئمَّةُ عدلٍ أوضَحوا سُبُلَ الهُدَى ... وَسُحْبُ نوالٍ لا تَشِحُّ غُيومُهُ
وأُسْدُ جهادٍ أذْعَنَتْ لسيُوفِهِم ... جلالِقَةُ الثَّغْرِ الغريبِ وَرُومُهُ
فلولاهُمُ يا خيرَ مَن سَكنَ الحِمى ... لَرِيعَ حِماهُ واستُبيحَ حَريمُهُ
تَغَمَّدْهُمْ مِنكَ الرِّضا يومَ تُقْتَضَى ... دُيون مقامٍ لا تُضامُ خُصومُهُ
وأَنَّسهُم والرَّوعُ يوحِشُ هَوْلُه ... وأمَّنَهُم والحَشْرُ تُذْكى جَحِيمُهُ
أبو يوسُفٍ مفنَى العِدا ناصرَ الهُدى ... ويُوسفُ مِطعانُ الهَيَاجِ زَعيمُهُ
وعُثمانُ غَيثُ الجُودِ أكرم واهبٍ ... إذا ما الغمامُ الجَونُ ضَنَّتْ سُجومُهُ
وعُلْيا عَليٍّ كَيْفَ يُجْحَدُ حَقُّها ... أنَجْحَدُ ضوءَ الصُّبحِ راقَ وَسيمُهُ
هو العَلَمُ الأعلى الذي طالَ فَخرُهُ ... هو المَلِكُ الأرضَى الذي طابَ خِيمُهُ
لقد فاءَ ظِلُّ اللهِ مِنهُ على الورى ... فأَيِمّه مَكْفِيَّةٌ ويتيمُهُ
وجدَّدّ منها البِرَّ والفَضلَ مَجْدُهُ ... ولولاهُ كانَت لا تَبينَ رُسومُهُ
وأوْرَثَ إبراهيمَ سِرَّ خِلافَةٍ ... نماهُ مِنَ المجدِ الصُّراحِ صَميمُهُ
إذا الأمَلُ استَسْقى غمامَةَ رَحمَةٍ ... ففي كفِّ إبراهيم تُكْرَعُ هِيمُهُ
وكَمْ كِمْ رجاءٍ خابَ ظَنَ قيامِهِ ... فأنْتَجَ بالمَطلوبِ مِنْهُ عقيمُهُ
أمَولايَ لاحِظها على البُعْدِ خِدْمَةً ... لوالِدِكَ الأرْضَى انتقاها خَدِيمُهُ
تَخَيَّرَها فِكْري فَرَاقَ نِظامُها ... كما راقَ مِنْ دُرِّ النُّحورِ نَظِيمُهُ
وَكلْتُ بها همِّي وأَغْرَيْتُ هِمَّتي ... فساعَدَها هاءٌ للرَّوِيِّ وَميمُهُ
حَلَلْتُ به مُسْتَنْصِراً بِجِنَابِهِ ... وعاهَدْتُ نفسي أنني لا أَريمه
على قَبرِهِ الزَّاكي وَقَفْتُ مطامِعِي ... فمن نالَني بالضَّيْمِ أنتَ خَصِيمُهُ
ومن المقطوعات قولي في الرغبة إلى الله:
إلهي بالبَيتِ المُقَدَّسِ والمَسْعى ... وجَمْع إذا ما الخَلْقُ قد نَزَلوا جَمْعا
وبالموقِفِ المَشهودِ يا رَبِّ في مِنىً ... إذا ما أسالَ الناسُ مِن خوفِكَ الدَّمعا
وبالمُصطَفى والصَّحْبِ عَجِّلْ إقالَتي ... وأَنْجِح دُعائِيَ فيكَ يا خَيْرَ مَنْ يُدْعَى
صَدعْتُ وأنتَ المُسْتَغاث حَنانُه ... أقِلْ عَثْرَتي يا مَوْئِلي واجْبُر الصَّدْعا
وكلفت في غرض معروف ولها حديث:
رعى اللهُ راعي الشَّاء ما شاء إنه ... تعاطى فلما اجتاز فرصته عَقَرْ
أصاب صغيراً منه صقرٌ مكبرٌ ... فصيَّره بعد النعيم إلى سَقَر
تقوم قيام الفرض في الأرض بعدها ... بحق رعاة الإبْل والشاءِ والبَقَر
وقلت عقب الإياب من الرحلة المراكشية:
أفادَت وِجْهَتي بِنَداكَ مالاً ... قَضَى دَيْني وأصْلَحَ بَعْضَ حالي
وَمَتِّعْتُ الخواطِرَ بانْشِراحٍ ... وأطْرَفْتُ النَّواظِرَ باكتحالِ
وأُبْتُ خفيفَ ظَهْرٍ والمطايا ... بِجاهِكَ تشتَكي ثِقَل الرِّحالِ
وشأني للمعالِمِ غَيْرَ شانٍ ... وحالي بالمَكارِمِ جِدُّ حالِ
فَحُبُّ عُلاكَ إيماني وعَقْدي ... وشُكْرُ نداكِ ديني وانْتِحالي
كأنْ قد صَحَّ للهِ انقطاعي ... بتأميلي جَنابَكَ وارْتِحالي
وما يَبقى سوى فعل جميل ... وحالُ الدَّهرِ لا تبقى بحالِ
وكُلُّ بدايةٍ فإلى انتهاءٍ ... وكُلُّ إقامةٍ فإلى ارتِحالِ
ومَنْ سامَ الزَّمانَ دَوامَ أمرٍ ... فقد وقَفَ الرَّجاءَ على المُحالِ
وقلت في كتاب الشفاء للقاضي أبي الفضل حسبما طلب مني ذلك:
стр. 31
شفاءُ عياضٍ للقلوبِ شفاءٌ ... فليسَ بِفَضْلٍ قد حواهُ خَفاءُ
هَدِيَّةُ برٍّ لم يكن لجزيلها ... سوى الأجر والذِّكر الجميل كِفاءُ
وفا لنبيِّ اللهِ حقَّ وفائِهِ ... وأكرِمُ أوصافِ الكِرامِ وفاءُ
وجاء بهِ بحراً يقول بفضلِهِ ... على البَحرِ طَعمٌ طيِّبٌ وصَفاءُ
وحق رسول الله بعد وفاته ... رعاه، وإغفالُ الحقوق جَفاءُ
هو الذخر يغني في الحياة عَتاده ... ويُتْرَكُ منه للبنينَ رَفاءُ
هو الأثَرُ المحمودُ ليس ينالُه ... دثور، ولا يَخْفَى عليه خَفاءُ
حرصت على الإطناب في نشر فضله ... وتمجيده، لو ساعَدَتْني فاءُ
وقلت في الضراعة:
مولاي إنْ أذنبتُ يُنْكَرُ أنْ يُرَى ... مني الكمال وعنكم النُّقْصَانُ
والعفو عن سَبب الذنوب مُسَبَّبٌ ... لولا الجِنايةُ لم يكُن غُفرانُ
وقلت في معنى التورية الطبية بالدواء المسمى دم الأخوين في شأن السلطان الحائن وأخيه، وشأن ذلك الدَواء النَّفع من الجراح:
بإسماعيلَ ثم أخيه قيسٍ ... تأذَّنَ ليلُ هَمِّي بانْبِلاجِ
دَمُ الأخوَيْنِ داوَى جُرْحَ قَلْبي ... وعالَجَني وَحَسْبُكَ مِنْ عِلاَجِ
وخاطبت السيد الفقيه أبا عبد الله بن مرزوق في الغرض المعروف موطِّئاً على بيت المشارقة في العِذَار:
أما والَّذي تُبْلَى لَدَيهِ السَّرائِرُ ... لما كُنْتُ أرضى الخَسْفَ لولا الضَّرائِرُ
غَدَوْتُ لِضَيْمِ ابن الرَّبيبِ فريسةً ... أما ثارَ من قومي لِنَصْري ثَائِرُ
إذا التمسَتْ كَفِّي لديه جِرايتي ... كأنِّي جانٍ أوْبَقَتْه الجرائر
وما كان ظنِّي أنْ أنالَ جِرايةً ... يُحكَكَّمُ مِنْ جَرَّائِها فيَّ جَائِرِ
متى جادَ بالدِّينارِ أخْضَرَ زائفاً ... ودارَتُهُ دارَتْ عليها الدوائر
وقد أخرج التعنيتُ كيسَ مرارتي ... ورقَّتْ لِبَلوايَ النُّفُوسُ الأخاير
تَذَكَّرتُ بيتاً في العِذَار لِبَعْضِهِم ... له مَثَلٌ بالحُسْنِ في الأرض سائر:
) وما اخضرّ ذاك الخَدّ نَبْتاً وإنما ... لكَثْرة ما شُقّتْ عَليْهِ المَرَائِر (
وجاهُ ابن مرزوقٍ لديَّ ذخيرةٌ ... وللشدَّةِ العُظْمى تُعَدُّ الذَّخائِر
ولو كان يدري ما دَهاني لَساءَهُ ... وأَنْكَرَ ما صارت إليه المَصَايرِ
وخاطبت أحد الشرفاء الكرام بقولي:
أعْيا اللِّقاء عليَّ إلاَّ لَمْحَةً ... في جُمْلَةٍ لا تَقْبَل التفصيلا
فجعلت بابَكَ عن يمينك نائباً ... أُهْدِيهِ عند زيارتي تَقبيلا
فإذا وَجَدْتُكَ نِلْتُ ما أَمَّلْتُهُ ... أو لم أَجِدْكَ فقد شَفيتُ غَليلا
وفي مخاطبة مولاي السلطان أبي سالم إبراهيم، أيده الله، في سبيل الشكر:
سَمِيَّ خليل الله أحْيَيْتَ مُهْجَتِي ... وعاجَلَني منك الصَّريخُ على بُعْدِ
فإنْ عِشْتُ أُبْلِغْ فيكَ نَفْسي عُذْرَها ... وإنْ لَم أَعِشْ فالله يَجْزيكَ من بعدي
وقلت في أسلوب التغزل، وما أبعده عني في الوقت والحمد لله:
أصْبَحَ الخَدُّ منك جَنَّةَ عَدْنٍ ... مُجْتَلَى أَعْيُنٍ وشَمَّ أُنُوفِ
ظَلَّلَتْها مِنَ الجُفُونِ سُيُوفٌ ... جَنَّةُ الخُلْدِ تحت ظلِّ السُيوفِ
وقلت أيضاً:
يا مَنْ بِأكنافِ فؤادي رَبَعْ ... قد ضاقَ بِي في حُبِّكَ المُتَّسَعْ
ما فيكَ لِي جَدْوَى ولا أرْعَوِي ... شُحٌّ مُطَاعٌ وهَوىً مُتَّبَعْ
ومن النثر ما خاطبت به الفقيه الفاضل صاحب قلم الإنشاء أبا زيد بن خلدون مُدْرَجاً في طَيِّ كتابٍ أهنيه بزيادة ولد تعرفت أنه طَلَع له: ورد البشير بالإبلال، مقارناً لخبر الاعتلال، وتألُّم ذلك الجلال، فكانت رحمة لقيت عذاباً، وعُتبى نسخت عتاباً، وذنباً من الدهر أتبعه متاباً، فالحمد لله الذي أقال، وفكّ من الوَعْك العِقال، وأدَرّ من الرحمة السُّحُبَ الثِّقال، وأقرّ الحال وقد عَرَفت الانتقال، وهل أنت - أعزَّك الله - إلا عين تألُّمها عزيز ولها على الجوارح بالفضل تمييز، فالله يُعقب القوة والناط، والتمتعَ والاغتباط ولله دَرُّ الشاعر:
стр. 32
فإذا مَرِضْتَ ... ولا مَرِضْتَ فإنَّهُ مَرَضُ الرِّيَاحِ يَطيبُ فيهِ نثاها
ولحين تعرفي هذا النبأ لم أَطْعَم النومَ هنيا، ولا اقتطفت الأمل جنيا، ولا زلت بتحقيق نبأ الإبلال مَعنيا، حتى ثَبَتَ سَنَدُه، واستقام أَوَدُه، وكَثُرَ من رَاويهِ عَدَدُه، فكتبت أهنئ نفسي بسلامة شُقَّتِها، ومَظِنَّة مِقَتِها، وحفظ ثُمالها، وحراسة رأس مالها، ولو تمثلت لي القوى الطبيعية في الخارج لَعَرَفَت حقدي، ورابها في سوء التصرف نقدي، أو نسى ... لعَتَبْتُها، أو النَّصْبَة المباركة لَقَرَّرْتُها بنظري ورتبتها، لكن أحوالٌ تشذ عن الاستطاعة، ولا تدين في غير سبيل البخت والاتفاق بالطاعة، فلنسأل الله خير ما لديه، ونثق به في حفظ ذلك الجلال ونتوكل عليه. وقد كنت تعرفت أن سيدي زاد عنده مولود مبارك، فبادرت بما يصله، فإن كان الخبر حقاً، لم يكن مني إغفال، وإن كان مُنتظراً فهو فال والسلام.
هَنيئاً أبا الفَضْلِ الرِّضا أو أبا زَيْدِ ... وأُمِّنْتَ مِنْ بَغْيِ تخافُ وَمِنْ كَيْدِ
بِطَالِعِ يُمْنٍ طالَ في السَّعْدِ شَأوُهُ ... فما هُوَ مِنْ عَمْرو الرِّجال ولا زيدِ
وَقيِّدْ بشُكْرِ الله أنْعُمَهُ التي ... أوابِدُها تأبى سِوى الشُّكر مِن قَيْدِ
أهلاً بِدُرِّيِّ المكاتب، وصَدْرِيِّ المراتب، وعُتْبَي الزمان العاتب، وبِكر المُشتَري والكاتب، ومرحباً بالطالع، في أسعد المطالع، والثاقب في أحلى المراقب، وسهلاً بِغَنيِّ البشير، وعزَّةِ الأهل والعشير، وتاجِ المفخر الذي يقصر عنه تاجُ كسرى وأردشير. الآن اعتَضَدَت الحِلَّةُ الحضرميةُ بالفارس، وأَمِنَ السَّارح في حمى الحارس، وسَعِدَت بالنَّيِّر الكبير أفلاكُ التَّدْوير من حَلَقاتِ المدارس، وقرَّت بالجَنَي الكريم عينُ الغارس واحتُقِرَت أنظار الآبلي وأبحاث ابن الدارس، وقيل للمشكلات: طالما أَلِفْتِ الخِمْرة وأمْضَيْتِ على الأذهان الإمرة، فتأَهُّبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيَّزي إلى فئة البطل المستأثر برشف لَمَاك. ولله من نَصْبَةٍ احتفى فيها المُشْتَري واحتفل، وكفى القمر سِنِيَّ تَربيتِها وكَفَل، واختال عُطَارِدُ في حُلَل الجَذَل لها ورَفَل، واتضحت الحدود وتهلَّلت الوجوه، وتنافست المثلثات تؤمل الحظ وترجوه، ونبَّه البيت على واجبِه، وأشار لحظ الشَّرَف بحاجبه، وأسرع نيِّرُ النَّوْبة في الأَوْبة، قائماً في الاعتذار مقام التوبة، واستأثر بالبروج المُوَلَّدِة بيتُ البنين، وتخطَّت خطا القمر رأس الجَوْزَهِرَّ وذَنَب التِّنِّين، وساوَق منها حُكْمَ الأصل حَذْوَكَ النّعلَ بالنَّعل تَحويلُ السِّنين، وحقَّق هذا المولود بين الموالد نسبة عُمُرِ الوالد، فتجاوز درجة المئين، واقترن بعاشرهِ السَّعْدان اقتران الجسد، وثَبتَ بدقيقة مركزة قلبُ الأسد، وسرَقَ من بيْتِ أعدائه خُرْثِيَّ الغِلّ والحسد، ونَظَّفت طرق التسيير، كما يُفعل بين يدي السادة عند المسير، وسقَطَ الشيخ الهرم من الدرج في البير، ودُفع المقاتل إلى وبال كبير.
لِمْ لا تنالُ العُلَى أو يُعْقَدُ التَّاجُ ... والمُشْتَري طالِعٌ والشمسُ هِيلاَجُ
والسَّعْدُ يَرْكُضُ في مَيدانِهِ مَرِحاً ... جَذْلاَنَ والفَلَكُ الدَّوَارُ هِمْلاَجُ
стр. 33
كأن به - والله يبقيه - قد انتقل من مهد التنويم، إلى النَّهْجِ القويم، ومن أريكة الذراع، إلى تصريف اليراع، ومن كَتَد الداية، إلى مقامِ الهداية، والعناية المُخْتَطَفَةِ البداية، جعل الله وقايته عليه عُوذَه، وقَسم حَسَدته بين عُرَم اللحم من مُنْخَنِقَةٍ ونَطِيحَةٍ ومُتَرَدِّية ومَوْقُوذَة، وحفِظَ هلاله في البِدار إلى تِمِّه وبعد تِمِّه، وأقرَّ به عين أبيه وأمه. غير أنني - والله يغفر لسيدي - بيد أني راكعٌ في سبيل الشكر وساجد، فأنا عاتِبٌ وواجِد، إذ كان ظني أن البريد التي بهذا الخبر تُعْمَل، وأن إتحافي به لا يُهْمل، فانعكست القضية ورَابَت الحالُ المرضِيَّة، وفَضَلَت الأُمورَ الذاتية الأمورُ العَرَضية، والحكم جازم، وأحد الأمرين لازم: إما عدم السَّوِيَّةِ ويعارِضُه اعتناءٌ سَببُه مُغَار، وعُهْدَةُ سَلْمٍ لم تَدْخُلها جِزْيةٌ ولا صَغار، أو جهل بمقدار النعمة ويعارِضُه علم بمقدار الحقوق، ورِضى مُنافٍ للعُقُوث، فوقَع الإشكال وربما لطُف عُذرٌ كان عليه الاتِّكال. وإذا لم يُبَشَّر مثلي بمنيحة الله قِبَلَ تلك الذات السَّرِيَة الخليقةَ بالنعم الحَرِيَّة، فمن ذا الذي يُبَشَّر، أو على من يُعرض بزُّها ويُنْشَر، وهي التي واصلت التَّفَقُّد، وبَهْرَجَت المعاملة وأبت أن تَنْقُد وأنست الغربةَ وجُرحُها غير مُنْدَمِل، ونَفَّسَت الكُرْبَة وجُنْحُها على الجوانح مشتمل. فمتى فُرض نِسيانُ الحقوق، لم يَنَلْني فرضٌ، ولا شَهِدت به عليَّ سماءٌ ولا أرض، وإن قصَّر فيما يجب لسيدي عمل، لم يُقَصِّر رجاءٌ ولا أمل، ولي في شَرْحِ حمدهِ ناقةٌ وجَمَل، ومنه ﷻ نسأل أن يُرِيَه قُرَّة العَيْن في نفسه وبنيهِ، ويجعل أكبَرَ عطايا الهَيَالِج أصغر سِنِيه، ويُقَلّدَ عَواتِق الكواكب البَابَانية حمائل أمَانيه. وإن تَشَوَّف سيدي لِحال وَليِّه فخَلْوةٌ طيبة، ورحمةٌ من جانب الله صَيِّبَة، وبرقٌ يُشام، فيقالُ حَدِّثْ ما وراءكَ يا عِصام. ولله دَرّ شيخنا إذ يقول:
لا بارَكَ اللهُ فيَّ إنْ لَمْ ... أُصَرِّفِ النَّفْسَ في الأهَمِّ
وكَثّر اللهُ فِي هُمُومِي ... إنْ كانَ غَيْرُ الخَلاَصِ هَمِّي
وإن أنعم سيدي بالإلماع بحاله، وأحوال الولد المُبارك، فذلك من غُرَر إحسانه ومنزلتُه من لَحْظِ لَحْظي بمنزلة إنسانه؛ والسلام.
وخاطبت صاحب الأشغال العلية الشيخ أبا عبد الله بن أبي القاسم بن أبي مدين أهنيه بتقلد الخُطَّة من رسالة:
تَعُودُ الأمَانيُّ بَعْدَ انصِرافِ ... ويَعْتَدِلُ الشَّيءُ بَعْدَ انحِرافِ
فإن كانَ دَهْرُكَ يَوماً جَنَى ... فقد جاء ذا خَجَلِ واعتِرافِ
طلع البشير - أبقاك الله تعالى - بقبول الخلافة المرينية، والإمامة الحسينية، خصها الله بنيل الأمنية، على تلك الذات التي طابت أُرومتها وزكت، وتأَوَّهَت العلياء لتذكر عَهْدها وبكت، وكاد السرّو يتقطع لولا أنها تركت منك الوارث الذي تركت فلولا العذر الذي تأكدت ضرورته، والمانع الذي ربما تقررت لكم صورته، لكنت أولَ مُشَافَهٍ بالهناء، ومصارف لهذا الاعتناء، الوثيق البناء، بنفوذ الحمد لله والثناء، وهي طويلة.
стр. 34
وخاطبت القاضي ابن بطوطة بتَامَسْنَا، وقد عزمت على إثارة الأرض بجواره. لتَعْلَم سيادةُ القاضي شمس الدين، مُعَلّم المواقف الحسبية والميادين، أبقاها الله تحاكي الشمس في الجولة، وظهور الصولة، والحكم على الدولة، وإصلاح حال العَوْلَة أن موجب حقِّها، وشائم برقِها، والعائد بجمعها من فرقها، لما انتبذ وانقطع، واقتطع من جانب العزلة والتخلي ما اقتطع، وقد لاح نور الرضا بقضاء الله وسطع، آمل أن يكون مخدومه الراحة، حتى تندمل الجراحة، وإن أَعْوَزَ المعاش اجْتَدَيْتُ الفلاحة، وتخيرت في البقع بقعة يؤنَس فيها جوار كريم، ويؤمَنُ حَيْفُ غُرْمٍ أوليُّ غريم. فلم يقع الاختيار إلا على البقعة التي لها الفضل بسكنى شمس الدين بين جُرُزَاتها، ووقوف ركائب الاستفادة بين تُوضِحها ومِقْراتها، فالتزمت وارتبطت، واخترت واغتبطت، ووجهت ثقتي لشاء ما يُعِين على الدهر، ويستعد للفلاحة والبذر، خوفاً أن يخرج يومُه، فيرتفع سَوْمُه، ويحاول رَوْمُه، فيضنّ به قومه. وعندي أن القاضي إذا تحقق أن جواره هو المطلوب الأول، والفضل الذي عليه المعول، يَتَغَمَّدُ الفضل والديانة، حتى يَحصل ببركته ثمرةُ الفلاحة حسّاً وثمرة الفَلاَح معنى، وتعتضد الزيادة والحسنى، ويتأسس بهذه اللبنة من قُرْبِه المبنى، ويدعو التمعشُرُ في جواره إلى العشرة والسكنى، والتمتع بفضله الأسنى، ومن نبَّه مثلَه إلى فضل فقد نبَّه كفيلاً، أو جنح إلى بيت مثله أثار مجداً حفياً وقِرّى حفيلا، وما يصدر عن محله من وَفْق الظن به فمقابَل من الثّناء بأجمل صورة، ومن الحمد بأعجز سورة والسلام.
وخاطبت الشيخ الشريف الفاضل أبا عبد الله بن نفيس صُحْبَة ثمن مسكن اشتريته منه، وكان قد أهداني فرساً عتيقاً:
جُزِيتَ يا ابنَ رسولِ الله أفضل ما ... جَزى الإلهُ شريف البيت يوم جزى
إن أعجز الشكرُ مِني منةً ضَعُفَتْ ... عن بعض حقك شُكرُ اللهِ ما عجزا
سيدي أبقى الله شَرَفك تشهد به الطباع؛ إذا بعدت المعاهد المقدسة والبقاع، وتعترف به الأبصار الأسماع، وإن جحدت عارَضها الإجماع، بأي لسان أُثني؟ أم أي الأفنان أهصر وأجني، أم أي المقاصد الكريمة أعني؟ أمطيْت جوادك المبارك، وأسكنت دارك، وأوسعت مطلبي اصطبارك، وهضمت حقك وبوَّأت جوارك، ووصلت للغرباء إيثارك، أَشهد بأنك الكريم ابن الكريم، لا أقف في تعدادها عند حد إلى خير جد، فإن أعان الدهر على مجازاة، وإن ترفع كرمُك عن مُوَازاة، فحاجةَ نَفْسٍ قضيت، وأحكام آمال أمضيت، وإن اتصل العجز فعين على القذى أغضيت، ومَنَاصل عزم ما انتضيت، وعلى كل فالثناء ذائع والحمد شائع، واللسان والحمد لله طائع، والله مشترٍ ما أنت بائع، وقد وجهت من يحاول لسيِّدي ثمن ما أكسَبَهُ مجدُه، وسفَر عنه حمده، والعقيدة بعد التراضي، وكمال التقاضي، وحميد الصبر وسعة التغاضي، وكونه الخصم والقاضي، أنه هبة سَوَّغَها إنعامه وأكلة هنَّاها مِطْعامه، نسأل الله أن يعلى ذكره، ويتولى شكره، ويُنْمِي ماله، ويرفع قدره، والولد جاره الغريب الذي برز إلى مقارعة الأيام عن خبرة قاصرة، وتجربة غير منجدة على الدهر وناصرة، قد جعلته وديعة في كرم جواره، ووضعته في حِجْر إيثاره، فإن زاغ فَيَدُهُ العليا في تبصيره، ومؤاخذته بتقصيره، ومن نَبَّه مثله نام، ومن استنام إليه بمهمة أكرم بمن إليه استنام، وإن تشوف سيدي لحال مُحبه فمطلق للدنيا من عقال ورافض أثقال، ومؤمل اعتياض بخدمة الله وانتقال، والسلام.
وخاطبت صدر الفضلاء الفقيه المعظَّم أَبا القاسم بن رضوان بما يظهر داعيته من فحواه:
مَرِضْتَ فأيّامي لِذَاكَ مَريضةٌ ... وبُرؤكَ مَقْرونٌ بِبُرْءِ اعتِلالِها
فلا راع تلك الذات للضر رائع ... ولا وسمت بالسقم غر خلالها
стр. 35
وردت علي من فئتي التي إليها في مَعْرَك الدهر أتحيز، وبفضل فضلها في الأقدار المشتركة أتميز، سَحَاءة سرت وساءت، وبلغت من القصدين ما شاءت، أطلع بها سيدي صنيعة وده من شكواه على كل عابث في السويداء، موجب اقتحام البيداء، مضرم نار الشفقة في فؤاد لم يبق من صبره إلا القليل، ولا من إيضاح لسانه إلا الأنين والأليل، ونَوًى مدت لغير ضرورة يرضاها الخليل فلا تسأل عن ضنين تطرقت اليد إلى رأس ماله، أو عابد نوزع متقبل أعماله، أو آمل ضويق في فذلكة آماله، لكنني رجحت دليل المفهوم على دليل المنطوق، وعارضت القواعد الموحشة بالفروق، ورأيت الخطّ يبهر والحمد لله ويروق، واللفظ الحسن تُومِضُ في حبره للمعنى الأصيل يروق، فقلت: ارتفع الوَصب، ورد من الصحة المغتصب، وآلة الحس والحركة هي العصب، وإذا أشرق سراج الإدراك دل على سلامة سَليطه، والروح خليط البدن والمرء بخليطه، وعلى ذلك فلا يقنع بليد احتياطي إلا الشرح، ففيه يسكن الظمأ المبرح، وعذراً عن التكليف فهو محل الاستقصاء والاستفسار والإطناب والإكثار، وزَنْدُ القلق في مثلها أَوْرَى، والشفيق بسوء الظن مُغْرَى، وسيدي هو العمدة التي سلمت لي الأيام فيها، وقالت: حسب آمالك ويكفيها، فكيف لا أشفق، ومن أنفق من عينه فأنا من عيني لا أنفق، والله لا يحبط سعيي في سؤال ولا يخفق، ويرشد إلى شكره على ما وهب منها ويوفق، والسلام الكريم على سيدي البر الوصول، الذي زكت منه الفروع لمّا طابت الأصول، وخلص من وده لابن الخطيب المحصول ورحمة الله.
فراجعني حفظ الله سيادته بما نصه:
متى شئتُ ألفي من علائك كل ما ... يُنيلُ من الآمال خَيْرَ مَنَالِها
كَبُرْءِ اعتلال من دعائك زارني ... وعاداتُ بِرٍّ لم تَرِمْ عن وِصَالِها
أبقى الله ذلك الجلال الأعلى متطولاً بتأكيد البر، مفضلاً بموجبات الحمد والشكر، وَرَدنْني سحاءته المشتملة على معهود تشريفه، وفضله الغنى عن تحريفه متحفياً في السؤال، عن شرح الحال، ومعلناً بما تحلى به من كرم الخلال، والشرف العال، والمعظم على ما يسر ذلك الجلال الوزاري الرياسي أجراه الله على أفضل ما عوده، كما أعلى في كل مكرمة يده، ذلك ببركة دعائه الصالح، وحبه المُخيِّم بين الجوانح، والله سبحانه المحمود على نعمه، ومواهب لطفه وكرمه، وهو سبحانه المسؤول أن يمنى لسيدي قرار الخاطر، على ما يسره في الباطن والظاهر، بمن الله وفضله، والسلام الكريم على جلاله الأعلى ورحمة الله. كتبه المعظم الشاكر الداعي الذاكر المحب ابن رضوان وفقه الله، في الثلاثين من ذي الحجة خاتم أحد وستين وسبعمائة.
وخاطبت الفقيه السري أبا عبد الله الكناني وقد صرف عن خطة الأشغال إلى الخدمة بسجلماسة في سبيل إعراض من المقام السلطاني شَعَبَ الله شته ولَمّ شعثه فهو أهل النعمة، ومحل التجاوز عن الهفوة.
أصبحتَ سهماً من كنانة صائباً ... يمضي إلى هدف الكمال ونحره
وأبو المكارم جدك الأرضَى الذي استول ... ى على سرِّ الجلال وهجره
ما كان يُدعى بالمكارم كنيةً ... إلا بكونِك ثاوِياً في ظهره
سيدي الذي لساني مُرْتَهَنُ حمده وجَناني مستودع وده، أقسم بمن فضلك على أبناء جنسك، ومنابت غَرْسِك، وجعل يومك في الفضل مربياً على أمسك، ما مرَّ يوم إلا ولي فيه لعلاك ذكر وحمد وشكر، وهمٌّ بلقائك وفكر، لِمَا استجلبت من جمال يثير الكلف، وجلال يذكر بمن سلف، ولما تعرفت ما كان من الانصراف وتطويق الاقتراف، وتصحيح المثل في:) الأطراف منازل الأشراف (ارتمضت وما اغتمضتُ ثم شكرتُ الله على نعمه، وتبينت مواقع لطفه بك وكرمه، فإنك والله عرضة لإصابة العين، ووقعها - ونعوذ بالله - ليس بالهين، وكم بين المشوب والمحض وبعض الشر أهون من بعض. ويتفاضل الدهر في العض، ولله عناية ببقاع الأرض، فإن كانت سجلماسة قبل اليوم يجلب منها التبر إلى دار الملك، فقد رد إليها الذهب الإبريز بعد السبك، ولا بد أن يصول الحق على الشك، فتعود الأمور إلى معتادها، وتُحلِلُّكَ العَلياء محل فؤادها، فإِنما هو تَجْميم، ووراه إنعام عميم، ومن الله أسأل أن يصل لك أسباب العز آمنة من الانصرام، ولا يقطع عنك عوارف الإنعام، والسلام.
стр. 36
وخاطبت الوالي بمكناسة أبا محمد عبد الله بن محمد من الجلة أُولي المروءة والحشمة مع شخص من أصحابنا أولي التراتيب الغريبة:
عبد الإلهِ بنَ عُثمان ابقَ في دَعَةٍ ... عِنايةُ اللهِ تَحميها وتَكفيها
لو لم يكنْ لِبلادِ الغَربِ مَحْمَدَةٌ ... إلا بكونِكَ يا قُطْبَ العُلى فيها
لكَ الحقوقُ التي مهما اعترفتُ بها ... لا يستطيعُ لِساني أن يُوَفِّيها
لا زلتَ تختالُ للنعماِ في حُلَلٍ ... عليك لله يُبديها ويُخفيها
كَرُمْتَ ذاتاً ومَجْداً واشتهرتَ سَنىً ... فزادك الله تِّنْوِيهاً وترفيها
أبقاكم الله، الواصلُ بهذه إلى رياستكم، طبقة الدنيا، وواحدها من غير ثُنيا، الشهير عند كل غني وصعلوك، المجترئ على بيوت الأشراف ودسوت الملوك، توجه إلى الباب السلطاني لتقرير وسيلته والتماس فضيلته، وله من رَعْي السيادة الخطيبية محل، وفي ندى برها ظَعن وحِلْ، فأردت إطراف مجلسكم بلَيْلَتِه ليكون ممن يرفع من صيته، وأنا على ما تعلمون من شكر يطيل ويطيب، وعلى المحافل منه خطيب وابن خطيب والسلام.
وخاطبت قاضي الجماعة الشيخ الفقيه جملة الوقار وكبير الطلبة وقد نالته مشقة جرَّها غلطُ الخدام السُّوءِ واشتراك الأسماء أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدره بما نصه:
تعرفتُ أمراً ساءني ثم سرَّني ... وفي صحة الأيام لا بدَّ من مَرَضْ
تعمَّدَكَ المحبوبُ بالذَّاتِ بعدما ... جرى ضدُّه واللهِ يكفيه بالعرض
في مثلها أبقى الله سيدي يُحْمَدُ الاختصار، وتقصر الأنصار، وتطرق الأبصار، إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يَقِظ وحالم، إنما هي هَدية أجر، وحقيقة وصل عَقبت مَجَاز هجر، وجرح جُبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار، وعَثْرة القدم لا تنكر، والله سبحانه يُحْمَد في كل حال ويُشْكَر، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يَشُبْهُ شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والمرعى دائب، والجاني تائب، فما هو إلا الدهر الحسود، لمن يسود، خَمَشَ بيد ثم سترها، ورمى عن قَوْس ما أصلحها - والحمد لله - ولا أَوْتَرَهَا، إنام باءَ بِشَيْنِه، وجنى من مزيد العناية سخنة عَيْنِه، ولا اعتراض على قَدَر، أعقب بحط مُبْتَدَر، وَوِرْد نغصَ بكدر، ثم أَنَّسَ بأكرم صَدَر، وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذَّب، ولا نقول مع الكَظْم إلا ما يُرضي الرب، وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذِمار، واستباق إلى بِرٍّ وابتدار، بجُهدِ واقتدار، فأنا لا فَخْرَ متناول القَصَبة، وصاحب الدين من بين العَصَبة، لِمَا بلوت من برٍّ أوْجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وَضَحَ منه المّذْهب، وتنفيقٍ، راق منه الرداء المُذهب، هذا مُجْمل وبيانُه إلى وقت الحاجة مؤخر، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخر، والله يعلم ما انطوى عليه لسيدي من إيجاب الحق، والسير من إجلاله على أوضح الطرق، والسلام..
فراجعني أعزه الله وأبقاه بما نصه:
وأيْمُ الله إبرازاً لأَيْمِ ... لقد جلَّى كتابُك كلَّ غَمٍّ
وساهم في الحوادث مَنْ رَمَتْهُ ... ففاز من الوفاء بخيرِ سهم
يا سيدي أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المُثلى وبارك، وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجُلَّى وشارك؛ وصل كتابكم الصادق الصفاء، الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللَّفَاء فَبَأَي من صدع الأيام ورَأَبْ، وَنَأَى في دفع الأوهام وقرب، وهو الدهر أبقاكم الله لا تُثَنَّي فَلَتَاتُه، ولا يُبنى على عَقْدِ صَفَائه، يوم لِوَى ولائه، إلا كَدَّرَه بالنقص مُفْتَاتُه. هذا ولو حاسَبَ الإنسان نفسه لاستحقَرَ ما استعظم، وعلم أن ما لا يرى مما وقَى الله أعظم، فأناةً، ومن جُنِيَ عليه فليستغفر الله فَغَفْراً اللهم غَفْرَاً، وحمداً على السراء والضراء وشكراً، وسيدي أعزه الله المشكورةُ أياديه، المبرورةُ غاياته الجميلة ومباديه، وهو سبحانه يعين على واجبكم ويشكر في حسن الإخاء جميل مذاهبكم، والسلام يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب محمد بن أحمد الفشتالي أَلْهَمَهُ الله تعالى رشده: وخاطبت بعض الفضلاء بقولي مما يظهر من الجملة غرضه.
تعرفتُ قُرْبَ الدار ممن أحبه ... فكنتُ أَجِدُّ السير لولا ضروره
стр. 37
لأَتْلُوَ من آي المحامد سورةً ... وأُبْصِرَ من شخص المحاسن صوره
كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أَوَدُّ أن أطوي إليك هذه المرحلة، وأجدد العهد بلُقياك المؤملة، فمنع مانع، وما ندري في الآتي. الله صانع، وعلى كل حال فشأني قد وضَح منه سبيل مسلوك، وعَلِمَه مالك ومملوك، واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة، والألفاظ المستعارة ومُوَصِّلُها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة، المتصفة بالعفاف والطهر والسلام.
وخاطبت الشيخ أبا الحسن بن بطّان بقية الرعيل وخاتمة الأسرياء أهنيه بولده عبد الواحد حائز قصب السباق في كثير من الخصال الحميدة بعد اغتراب وشدة وانبتات بالبلاد الشرقية عظم لأجله بثُّه إلى أن تأَتّى خلاصه:
يَهْنِيكَ مَقْدِمَ عبدِ الواحدِ ابنك عن ... مَطْلٍ بوعدٍ مِنَ الأيامِ مَرْقُوبِ
كيوسُفٍ كان في فِعْلِ الزمان به ... وكنتَ في البَثِّ والشكوى كيعقوبِ
قد علم الله، وهو الذي يعلم السرَّ الخفي ويميز الماذِقَ والوفي، أنني أيها الفاضل الذي إليه في المجد الإشارة، وباجتماع شمله ذاعت البشارة، من يوم وقع عليك بصري ووجب عن حصر كرمك حَصَري، ورأيت منك كوكب السَّحَرِ الذي أخذ أعقاب النجوم، والصبح مرتقب الهجوم، وبقية الغيث السَّجوم، والزمان كثير النيازل والرُّجوم، وأَسِيتُ لفراق ابنك إذ جوانحي بالفراق جِدُّ مكلومة، وأسوارُ صبري بمنازلة الوَدَاع أيُّ مثلومة، ونفسي بالرقة المسترقة معلومة، وفي الجزع للبَيْن غير ملومة. لم أزل أضنُّ على الحوادث بذاتك، وأُوسعُ الأيامَ ذمّاً في أذاتك، وأرغب في بقاء رسم المروءة ببقاء حياتك، وآمل جمع شملك بعين أهلك، وأحتقر في جنبه ما أملِك وما عسى اليوم أن أملك، وأما ما يرجع إلى تخليد ذكرٍ جميل، وتنفيقٍ في محل تأميل، وهز الخلافة إلى رعيك وإحمادِ سعيك، فأمر لم آلُ فيه جَهْداً، فقد أوسعته حرصاً لا زُهداً، ونشرتُ لك بأبوابهم منه بنداً، وجنَّدت جنداً، وكنت عينت الشكرانَ من أجلك إذا جَمَعَ الله شملَكَ بنجلِك، فلمَّا تعرفتُ خلاص بدره من سِرَارِه ودُنوِّ داره، ورجوعه بعد الميل إلى مَدَاره، ثم نظرت إلى محاسنه بعين نابتة عن عينك، وسرني حسنُ القضاء بعد أن مَطَلَ الدهر بدَيْنك، شاهدت فاضلاً في فراق مثله يحسنُ الجزعَ ويرفض الصبر المنتزع، وابنا مزيته على البنين، مزيةُ سنةِ الهجرة على السنين، حفظ الله كمالَه، وبلَّغ كلاَّ منكم آمالَه، وأعانه على تأدية حقك الذي لا يوسع الشرع ولا الطبع إهماله، وحمدتُ الله وشكرتُ، ورحت في طلق المسرة وابتكرت، ورحمت وعذرت، ووَفيتُ بما نذرت، ولم يقنعني إلا بعت من يشافه بهنائك في أحب أبنائك، ولولا أنني ملازم حرمة لا أبْرَحُهَا ومغمور جراية لا أرفضُ حقوقَها ولا أطرحُها، ومؤملُ آمالٍ لا أشرحها، لم يقنعني إلا إعمال الركاب بَدَلَ إعمال الكتاب، فمثلي إذا عرف مثلك التزم، وقطع بموجب الوفاء وجَزَم، وفي وضع الأيادي مواضعها حَزْمُ من خَدَم، والله أسأل أن يجعل شملكم شملاً محفوظاً، وبعين الجمع على الأيام ملحوظاً، ومقْدماً مجدوداً محفوظاً، ويمتع الفروعَ بالأصل، والأصول بالفرع، ويجعله ربْعا بالبَيْن غير مَروع، ويعين من البر على الحق المشروع. والسلام.
وخاطبت السلطان أبا عبد الله بن نصر جبره على الله عند وصول ولده من الأندلس:
الدَّهرُ أضْيَقُ فُسْحَةً من أن يُرى ... بالحُزنِ والكَمَدِ المُضَاعَفِ يَقْطَعُ
وإذا قَطَعْتَ زمانَه في كُرْبَةٍ ... ضَيَّعْتَ في الأوهام ما لا يرجع
فاقْنَعْ بِمَا أعْطاكَ دَهرُكَ واغْتَنِم ... منه السرورَ وخَلِّ من لا يقنع
стр. 38
مولاي الذي له المِنَن، والخَلْقُ الجميلُ والخُلُق الحسن، والمجد الذي وضح منه السَّنَنْ، كتبه عبدُكَ مهنئاً بِنِعَمِ الله التي أفاضها عليك، وجلبها إليك، من اجتماع شملك، بنجلك، وقضاء دَيْنِك، من قرَّةِ عينك، إلى ما تقدَّمَ من إفلاتِك، وسلامة ذاتك، وتمزُّق أعدائك، وانفرادك بأَوِدَّائِك، والزمن ساعةٌ أو أقْصَر، لا بل كَلَمْحِ البصر، وكأني بالبساط قد طَوِي، والتراب على الكل قد سُوِّي، فلا تَبْقَى غبطةٌ ولا حسرة، ولا كُربة ولا مَسَرَّة، وإذا نظرتَ ما كنتَ فيه، تَجِدُكَ لا تنالُ منه إلا أكلةً وفراشاً، وَكِنّاً ورياشاً، مع تَوَقُّعِ الوقائع، وارتقابِ الفجائع، ودُعاء المظلوم، وصُدَاع الجائع، فقد حَصَل ما كان عليه التّعَب، وأُمِنَ الرَّهَب، وَوَضِحَ للأجر المَذْهَب، والقدرةُ باقية، والأدعية راقية، وما تدري ما تحكم به الأقدار، ويتمخض عنه الليل والنهار، وأنت اليومَ على زمانك بالخيار، فإِن اعتبرتَ الحال، واجتنبتَ المحال، لم يَخْفَ عليك أنك اليومَ خَيْرٌ منك أمس، من غير شك ولا لَبْس، وكان من أملي التوجُّهُ إلى رؤية ولدكم لكن عارضتني موانع، ولا ندري في الآتي ما الله صانع، فاسْتَنَبْتُ هذه في تقبيل قَدَمِه، والهناءِ بمقدمه. والسلام.
وخاطبت الشيخ الجليل الوفي أبا الحسن علي بن بدر الدين بن موسى بن رَحُّو ابن عبد الله بن عبد الحق وقد وصل مُزْعَجاً عن الأندلس بسبب ما تقدم من وفائه واستقر بمدينة فاس، وبيني وبينه صداقة توجب النُّصح، وتقتضي الشفقة:
يا جُمْلَةَ الفَضْلِ والوَفَاء ... ما بمعاليكَ مِنْ خَفَاءِ
عنديَ بالوُدِّ فيك عَقْدٌ ... صحَّحَه الدهرُ باكتفاء
ما كنتُ أَقْضِي عُلاَكَ حقاً ... لو جئتُ مدحاً بكل فاءِ
فَأَوْلِ وَجْهَ القَبُولِ عُذْرِي ... وجَنِّبِ الشكَّ في صَفَاءِ
стр. 39
سيدي الذي هو فَصْلُ جنسه، ومزيةُ يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من أبيه ببدره، افتخر منه بشمسه، رَحَلْت عن المنشأ والقرارة، ومحل الصَّبْوةِ والغَرَارة، فلم تتعلق نفسي بذخيرة، ولا عَهْدِ جيرةٍ خيرة، كتعلقها بتلك الذات التي لطُفَتْ لطافَةَ الرَّاح، واشتملت بالمجد الصُّراح، شفقة أن تصيبها معوةٌ والله يَقِيها، ويحفظها ويُبْقيها، إذ الفضائلُ في الأزمان الرذْلَةِ غوافل، والضدُّ عن ضده منحرفٌ بالطبع ومائل، فلما تعرفتُ خلاصَ سيدي من ذلك الوطن وإلقاءَه وراء الفُرضة بالعَطَن، لم يبق لي تَعِلَّة، ولا أحرضتني له علة، ولا أُوتِيَ جمعي من قلة، فكتبت أهنئ نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن باليد الطولى، فالحمد لله الذي جمع الشملَ بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مُبَدِّلَ لكلماته، وإياه أسأل أن يجعل العصمةَ حظَّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيعُ حادثٌ أن يصيبه وأنا أخرج عن بثِّ كمين، ونُصْحٍ أنا به قَمِين، بعد أن أسْبُرَ غَوْرَه وأَخْبُرَ طَوْرَه وأرصد دوره، فإن كان له في التشريق أمل، وفي ركب الحجاز ناقةٌ وجَمَل، والرأي فيه قد نجحت منه نيةٌ وعمل، فقد غَنِيَ عن عوفٍ والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ الجَمَرات، رَمْيُ الجَمَرات، وتأنَّسَ بوصل السُّرى ووِصَال السَّراة، وأَنَا لَهُ إن رضيني أرضى مُرَافق، ولواءٌ عزى به خافق، وإن كان على السكون بقاؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمرٌ له ما بعده، والله يحفظ من الغِيَرِ سَعْدَه، والحق أن تحذفَ الأبهةُ وتُخْتَصَر، ويُحْفَظَ اللسانُ ويغضَّ البصر، وينخرطَ في الغِمار، ويُخَلَّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلةَ من لا خَلاَق له، ممن لا يقبل الله قولَه ولا عَمَلَه، فلا يكتم سراً ولا يتطوَّقُ من الرجولة زِرَّاً، ورفْضُ الصحبة زمامُ السلامة، وترك الملامة على النجاة علامة، وأما حالي فما علمتم مُلازمَ كِنْ، ومَبْهُوظَ تجربة وسن، أُرجِّي الأيام، وأَروم بعد التفرق الالتئام، خالِي اليد، مليء القلب والخلَد، بفضل الواحد الصَّمد، عاملٌ على الرحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وأَصِلُ في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور، والخلوصُ المشهو، وما أطلتُ في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختص بكم من موالاته وبذلُ مجهودِ القول والعمل في مَرْضَاته، وأما ذكركم في هذه الأوضاع فهو مما يُقِرُّ عين المَجَادَة، والوظيفة التي ينافس فيها أولو السيادة، والله يَصِلُ بقاءكم، وييسر لقاءكم، والسلام.
وخاطبت أبا الحسن القرموني من خدام السيادة الخطيبية، ولما وقعت إليه الإشارة حكاية بتونس أيام استيلاء الملك المريني عليها: حملني أعزك الله على قصدك، وتحقيق رصدك، ما حدَّثوا بتونس عن يوم فَصْدك، وأن العاقل ودَّ يومئذٍ أن يكون حجَّاماً، ولا يعرف أسراجاً في ابتغاء الفضائل ولا لجاماً، ومصَّاصاً، ولا يعرف امتازاً بالمعارف ولا اختصاصاً، إلى ليلاتك التي فضحت الظُّلمَ، وأمست لياليَ في سَلَم، وأضحت لشهرتها ناراً فوق علم، إذ باتت العيدان مصطفةً اصطفافَ الهدْي، آخذةً ما بين رأس السرطان إلى رأس الجَدْي، وقلتُ نفسٌ لا تدينُ بالإِمساك ولا تلين لوعظ النساك، لا بد تحت هذه السفرة من نفاضة، وحول هذه الزرة من قراضة، فلما رأيتك رأيت مخيلةَ رجولة، في طلعة مقبولة، وعلمت أن اختصاص سيدنا باستعمالك، وعدم إهمالك، قبول لشهادة مُزكِّيك، وبيانٌ يرفعُ التشكيك، فاستعنتُ بعزك وطعنك وضربك، وقد بلغني جميل بلائك وإن كان ضعيفاً، لكنَّ الله سبحانه وله المثل الأعلى يقبل رغيفاً والشكر واجب، والعمل الصالح لا يحجبه عن الرُّقيِّ حاجب، فخاطبتك شاكراً، وبفضل ما صدر عنك ذاكراً. والسلام.
وقلت أخاطب صاحبه محمد بن نوَّار من الخدَّام وقد أعْرَسَ ببنت مِزْوَارِ الدار السلطانية وهو معروف الوسامة وحسن الصورة:
إن كُنْتُ في العُرْسِ ذا قُصُورٍ ... فَلاَ حُضُورٌ ولا دِخالَهْ
يَنُوبُ نَظْمي مَنَابَ كَبْشٍ ... والنَّثْر عَن قُفَّةِ النُّخَالَهْ
стр. 40
هنَّاكم الله دعاءً وخَبَرا، وألبَسَكم من السرور حَبَرا، وعوَّذَكُم بالخَمْس، حتى من عين الشمس، فَلَعمري لقد حصلت النسبة، ورضيَتْ بهذه المعيشة الحِسْبة، ومن يكن المزوارُ ذَوَاقَه، كيف لا يَشقُّ البدرُ أطواقَه، وينشئ القَبولُ عليه رُوَاقَه، وأنتم أيضاً بركانُ جمال، وبقيةٌ رَسْمَال، ويمينٌ في الانطباع وشِمَال، بمنزلكم اليومَ بدرٌ وهلال، ولعقد التوفيق بفضل الله استقلال، فأنا أهنيكم بتَسَنِّي أمانِيكم. والسلام.
ومن المنثور رسالةٌ سميتُها قَطْعَ الفَلاةِ، بأخبار الولاة: بات عندي أحد الشرفاء ممن شأنهُ انتيابُهم، فأجرى ذكر جميعهم وميَّزَ بين أدناهُم ورفيعِهم، فَضَمَّنْتُ ذلك الكلام [المُحَبَّر] وسميته بما ذكر، ونصها: حدَّثَ مَنْ يَنْظِمُ فوائدَ الأخبار في سِلْكِ قَصَصِه، ويدوس حيَّاتِ الطُّرُق بأخمصه، ويطارد شوارد المكارم فَتُصْبِحُ من قنصه. فقال: فبينما أنا في بعض الطرق وقد وَصَتْ الهاجرة، وتبرجت المفازةُ الفاجرة، وسَوْرَةُ القيظ، تكاد تَمَيَّزُ من الغيظ، وشَهْرُ ناجر، قد أخذ بالحناجر، والشمس قد ركبت سَنام خط الزوال، ومُدْرَجَةُ الصَّبَا قد ضنَّت بالنوال، وصمتت عند السؤال وقد تشاجرت الجنادب، واحتفلت لِعُنَاتِها تلك الولائمُ والمآدب، وتباعدت من الفضاء الأخرقِ المناكب، ومدَّت نسيج الآل العناكب، والطيَّة تُطَفِّفُ في المسير، والمطيةُ قد سئمت الذَّرْعَ والتكسير، والظلّ مرامُهُ من العسير، والماءُ بمنزلة الأكسير، إذ رُفعت لي على البُعد سَرْحَةٌ فريدةٌ عن اللِّدات، والوشائج المولَّدات، فهي في المجهل شامة، وللركائب رُكْنٌ مُسْتَلضمٌ بشامة، كأنها في جلد اليباب شامة، فَمِلْتُ إلى سَمْتِهَا وانحرفت، وثنيتُ العِنَانَ نحوها وصَرَفت، فما كان إلا فُوَاقُ حَرْف، لا بل ارتدادُ طَرْف، حتى غشيتُ منها عَقِيلةَ فَلاَة، وخِدْرَ سِعْلاة، ذات عمودٍ سام، وطَنَب تكنّف بني حامٍ وسام، ظلَّلَت من الأرض حجراً مدحوَّاً، ومَهْرَقاً من حروف المرو مَمْحُوَّاً، ودَمْثاً سهلاً، ورحباً وأهلاً، وشيخاً وكهلاً، وعلماً وجهلاً، هَرِمَةً مسنةً، تتخلل سماءَهَا الخضراء شُهْبَانٌ أَسِنَّة، وتتشبث بأهدابها أرسانٌ وأَعِنّضة، وتموج في ظلها إنْسٌ وَجِنَّة، كأنما ضربت الصخرةَ الصَمَّاءَ بعصاها، فأطاعها العذبُ الفُراتُ وما عصاها، فانساب بين يديها ثعبانٌ تُراعُ له وهادٌ وكُثبان، يشف حشاه عن حصىً تُغَلّطُ العارفَ من الصيارف، وتوهم الأمْلِيَاءَ انتهابَ نقودها والغواني انتثارَ عقودِها، لا تستطيع الجوارحُ مُصَابَرةَ خَصَرِه، ولا يماثله الشهدُ بمُجاج معتصِره، فَحَيَّيْتُ الجمعَ بأحسنَ تحياتِه، وأتحفت الروح من ذلك العذب البَرُود بحياته، وتَلَوْتُ) كذلك يُحْيِي اللهُ الموتى ويُريكم آياتِه (، وقلت حيَّاكِ اللهُ من خميلة، وفاتنة جميلة، وتمثلت بقول ابن قاضي ميلة:
وقانا وَقْدَةَ الرَّمْضَاءِ روْضٌ.. ... وقاهُ مضاعَفُ الظِّلِّ العَمِيمِ
قَصَدْنَا نَحوَهُ فَحَنا علينا ... حُنُوَّ الوالِداتِ على اليَتيمِ
يُراعي الشَّمْسَ أَنَّى قابَلَتْنَا ... فَيَحْجُبُها ويَأْذَنُ للنسيم
وسقَّانا على ظَمَأٍ زُلاَلاً.. ... أَلَذَّ مِنَ الشَرَابِ مَعَ الكَرِيمِ
يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيةَ العَذَارَى ... فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظيم
следующие страницы →