← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 478

تاج المفرق في تحلية علماء المشرق

خالد البلوي

Полный текст (148 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأن ترى خاشعا لله مكتئبا ... على ذنوبك طوال الدهر محزونا ) ومنهم (لغمر الديم، الغر الشيم، الشيخ العالم الأصيل جمال الدين أبو عبد الله محمد بن شرف الدين محمد بن المنير. له البيت الذي نمى على قواعد الأديان الصحيحة، وسمى على عمد الأعمال الصالحة والأنساب الصريحة، والعلم الذي أنارت ثواقب مفاخره ومآثره في أقطار الآفاق وآفاق الأقطار، وطارت مناقب نزاهته وعدالته في الخافقين كل مطار وانتظمت أسلاك أصالته في أجياد الأسطار وهمت سحائب كرمه على الداني والقاصي كالغيث الواكف المدرار. وسرت أمثال علمه سرى نسمات باسمات الأزهار. وبهرت صفات شخصه النفيس الجوهر المطهر المحتد الكريم لعنصر المشرق الأنوار، واستدار فلك مجده على قطبي العلم والدين وأسخار قمر هديه أشرق من الصبح المبين، فسما في العلم علما راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، آونة للصلة وأونة للعائد، مشاورا في نوازل الديانات، مسفتي في عوارض غوامض القضايا المشكلات تصطفيه الرتب العلية السنية، وتتنافس فيه الخطط لشرعية السنية، فطورا مقدما في أندية الوزراء والأعيان، وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان، حتى اعترف بإرشاده الخاص والعام، واغترف من بحر إرفاده الراوي والظام، فما من جار في تحصيل مرام إلا عليه اعتمد، وما من سار على سبيل اعتصام إلا بدليله اسنرشد: خلاله عن طريق المجد حاسده ... ومن يساجل صوب العارض الهطل علم وحلم ورأي محصف وندي ... سبحان جامع هذا الفضل في رجل لقيته بمنزله من الإسكندرية فسمعت عليه أكثر تآليف عمه العالم الكبير قضي قضاة الإسكندرية ناصر الدين أبي العباس احمد بن محمد المنير ﵀، ومنها الأرجوزة الكبرى التي فسر فيها القرآن العظيم، وتأليفه المفيد الذي فسر فيه راجم أبواب صحيح البخاري ﵁، وجزء فيه أحكام السماع بشروطه، وغيرها من تآليفه، وحدثني بها عنه سماعا عليه وسمعت عليه غير ذلك وأجازني وكتب لي بخطه وأنشدني من شعر عمه المذكور جملة مقطوعات حكيمات وزهديات، قيدتها في غير هذا وأنشدني له كذلك الشيخ العالم الأوحد مفتي المسلمين عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نور الدين بي عبد الله محمد بن حباسة وقال أنشد فيهما غير ما مرة ناظمهما قاضي القضاة ناصر الدين المذكور يمدح والدي نور الدين رحمهما لله تعالى: يا نور أوصافك الغراء كالحبك ... ووجهك البدر بدر التم في الفلك عليك نور بهي لا خفاء به ... نور العفاف ونور الدين والنسك وذكر لي الشيخ عز الدين المذكور قال ولى نصر الدين بن المنير هذا القضاء بالإسكندرية وهو ابن خس وثلاثين سنة وكان مشائخه من نوابه رحمة الله عليه، ومنهم العظيم القدر المشروح الصدر الشيخ المحدث العدل، صدر الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام الكبير محيي الدين أبي عبد الله الزماتي المالكي الشهير بأبي حافي رأسه، نوع آخر منه، وفرع من أصل يقصر الوصاف عنه، فإن والده محيي الدين، من كبار الأئمة المهتدين، وهو الذي أحيا لسان العرب وعلم العربية في الديار المصرية والإسكندرية ثم تولد هذا الفرع عن ذلك الأصل، وتخلد نسخة ثانية من الفضل: وحسبكم مجدا أثيلا مكارم ... جسام تلافيها العقيب عقيب حووها على مر الليالي وراثة ... تشابه فيها منجب ونجيب

стр. 107

فنجب وأنجب، ساد وشاد، وجاد وأجاد، وأفاد واستفاد، وأقام المتن والإسناد، وععي وعلم، اجتنى ثمر الحكم واجتلى غرر الكلم، إلى تظرف يواجهك بالوجه الوسيم، وتلطف يحادثك محادثة النسيم، وقد تولته السنة الحمد من القاصد والوارد، وأظلته سماء المجد بجمال المشتري ظرف عطارد، فهو درة العصر، ونخبة فضلاء ذلك المصر لقيته بدكانه من الموثقين من الإسكندرية، فسمعت عليه أجزاء عديدة مفيدة، منها جزء فيه المجلس لخامس في فضل صوم المحرم، تخريج الحافظ أبي المظفر منصور بن سليمان بن منصور الهلداني الشافعي بسماعه بجميعه منه، وجزء فيه مقطعات وأبيات والجزء بجميعه من نظم الإمام العلامة الأديب أبي النصر مظفر بن محاسن بن علي بن نصر الله الذهبي الدمشقي بسماعه عليه وإجازته له، وسمعت عليه غير ذلك وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة بالإسكندرية وأنشدني لوالده محيي الدين المذكور يرثي بعض الفضلاء ﵁: من لمسترشد ببسط البيان ... من لمسترغد ببسط البنان مات برهان فابكوا وقولوا ... ويح دين خلا من البرهان عين إنسان دهري كان وتدري ... فقد عين الإنسان للإنسان و) منهم (الباهر الفصاحة، الطاهر الجناب والساحة الشيخ لفقيه العالم ناصر الدين أبو عبد لله محمد بن الشيخ العالم المصنف المرحوم وجيه الدين أبي بكر بن عبد المنعم ابن علي بن ظافر بن مبادر الشافعي الزبيري من ذرية مولانا الزبير بن العوام ﵁ حبر خير، مقيد مفيد، متقن، متفنن، ناقد نافذ، قد زان العلم بالحلم، والباهة بالنزاهة والذكاء بالزكاء، والرواية بالدراية، فجمع بين العلم والتقييد، واعتلاء الأسانيد إلى دين متين استمسك بعروته الوثقى وزهد جرى منه إلى الأمد الأقصى، وأياد على الأنام لا يجوز أن تكفر، وحسنات حق ذنوب الأيام بها أن تغفر، فاستحق من الثناء ما يستغرق لفظ اللافظ، وارتسم في رتب العلاء بالإمام الحافظ، وأقسم بالرحمن والمثاني والقرآن، انه لفخر الأعيان، وعين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، وأبلغ بني ذبيان، ومن أبي الحسين عند بني حمدان، ونائب ديوان الإنشاء ببغدان، ومع طيب النحيزة وشرف هذه الغريزة، فقد كان له من نفوس الناس محل لفضله، واعتداله وانقباضه عن مظان الاقتحام والتزامه لا جرم أنه حسن الطريقة والسمت، ذو معرفة بموضع الأصابع في النطق والصمت: إذا ما اجتبى في القوم أو نطق اقتدى ... بحكمته لقمان أو هابه كسرى لقيته وسمعت منه وقرأت عليه بلفظي جميع كتاب النيسير للحافظ أبي عمرو الداني وحدثني به عن الشيخ الإمام الزاهد العابد شيخ المتصوفين جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الملك الحميري الشاطبي المالكي سماعا منه عليه بجميعه في مجالس آخرها سلخ جمادى الأولى سنة سبع وستين وستمائة، وحدثه أنه سمعه بمدينه شاطبة جبرها الله تعالى عن الشيخ المعمر المسند المحدث أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي، وسمعه أبو داوود على مصنفة أبي عمرو الداني وحم الله جميعهم، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه في عام واحد وستين وستمائة وله رطوبة أدب وحلاوة شعر أنشدني لنفسه ملغزا وعنى به القرآن العظيم: شيء عجيب أمره ... النصف منه عشره عذب لذيذ مشتهى ... سهل يسيل ذكره لم يستطيع تفسيره ... إلا عظيم قدره وما زلت أختلف إليه واقرأ عليه إلى أن اتفق منج جملة المقادير والأسباب أن هيأت لتونس قرقورة الأصحاب فعرض على السفر فيها عرض الركماء، وحضني عليه فأنشدته: ما أنت نوح فتنجبني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء ثم رفضت الغربة، وفرضت القربى، والقربة واغتنمت المركب المبارك والصحبة رددت الاستخارة وجددت الاستشارة عزمت على ما عرفت من مكابدة البحور، وركبت أنا وأخي في المركب المذكور فكان ركوبنا بمرسى منار الإسكندرية في عشى عيد الفطر يوم الأربعاء عام ثمانية وثلاثين المذكور وظللنا ليلتنا تلك نقلد ونواسي ونرقع الرقائق والمراسي إلى أن أخذ منا السهر واستبان لنا السحر، وأطلت راية الصباح في أفق الشرق حتى: كان سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل في الأعين الزرق

стр. 108

وأخذنا نسير ونمور وننجد بين الأمواج ونغور، ونصبح ونمسي ليس إلا السماء والبحور، إلى أن اشتدت علينا الرياح الغربية وتحكمت فينا المياه البحرية فتقهقرنا بسبب ذلك إلى أن أشرفنا على مرسى طبرق من مراسي برقة المشئومة فدخلناه يوم السبت التاسع لذي قعدة من العام المذكور فنزل به من الأصحاب من قدر الله في سفره من البر نزوله ونظمت في ذلك ساعة وصوله ودخوله: يا ليلة جمعت بمرسى طبرق ... أجلى صباحك عن نوى وتفرق ألفت بين مفرق ومجمع ... وجمعت بين مغرب ومشرق ضحك الفراق لنا وقد عبس الدجا ... فبكيت فيه بدمعي المتدفق قد مزق الإصباح ثوبك مثل ما ... مزقت ثوب الصبر كل ممزق ورمى سوادك من بياض صباحه ... بمثال ما صنع الفراق بمفرق أبدا بحلكته بياضا ناصعا ... فأعاد دهمته شيات الأبلق وتبسم الزنجي فيه تعجبا ... من قسوة البين الذي لم يرفق أكثرت يا جفني البكاء لبينهم ... لا تخشى من أقلال دمع أنفق ولقد رهنت القلب فيهم فانثنوا ... وبقيت رهن صبابة وتشوق نهضوا وما نفضوا المواثق أن هم ... شرحوا شهور المستهام الموثق بانوا فيها بان اللوى هل بلغوا ... مني السلام إلى النقاء والأبرق راحوا فراح تصبري من راحتي ... يا راحتي روحي أمام الأينق مروا فحلو العيش مر بعدهم ... وحللت حالي مركب أو زورق وقفوا لتوديعي ففاضت أدمعي ... أسفا وغاضت بالزفير المحرق ومن العجائب أن دمعي أحمر ... والجفن يسبح في الغدير الأزرق يا راحلين لأرض أندلس إذا ... جزتم على بان الكثيب المونق وبدت لكم تلك الربا الخضر التي ... تهدي الشذا من عرفها المستنشق عوجوا على تلك الديار وقبلوا ... جدرانها بتلطف وتملق وقفوا هناك على المتيم وقفة ... تذر الهوى في قلب من لم يعشق وصفوا لذياك الفريق تفرقي ... منكم وتقديري لدمعي المطلق قولوا تركناه وقد أخذ الهوى ... منه اعتداء أخذ من لم يشفق وعلى تحول حالتيه فإنه ... باق على حفظ المودة ما بقي يهوى لقاءكم ويأبى دهره ... وأصدعه الأكباد إن لم نلتق وأقمنا به ننظر تأتي الريح، ونعاني من أهل برقة ألم الوجد وعظيم التبريح إلى أن أقمنا به مدة، ورأينا الأمر لا يزداد إلا شدة فرفعنا الشراع للرجوع وسرنا ولا كرامة للسلوة ولا للهجوع. وإذا أتاك من الأمور مقدر ... ففررت منه فنحوه تتوجه وخرجنا من المرسى المذكورة يوم السبت السادس عشر لذي قعدة المذكور، فنزلنا به للإقامة. وحمدنا الله تعالى على السلامة، ثم حللت من المدينة بالمدرسة السراجية ساكنا وقد نال مني نصب البحر ظاهرا وباطنا، وعدت لعادتي من الاجتماع بالفضلاء، والانتفاع بالعلماء: كأن لم يكن بين ولم تك فرقة ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي ولما نزلنا بالمدرسة السراجية الحافلة، وجمعت فيها بين الفريضة والنافلة، صادف نزولي بها قدوم مدرسها الأكبر وإمامها الأشهر، الشيخ الفقيه العالم مفتي المسلمين شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه الصالح شرف الدين أبي الروح عيسى بن أبي الحسن علي بن أبي الحسن اسم كنيته ابن أبي العلاء عبد الله الكناني الشافعي الشامي ثم الإسكندري نفع الله تعالى به وافى من سفر كان أبطأ فيه، ثم أسرع به إلى الحظ الذي يقرب الأمل النازح ويدنيه، فحللناها حلول الهائم المجد، في وصل الحبيب المسعد، ومنشدين) ويجمعنا شتى على غير موعد (واستقررت منها بمسكن مجاور لمسكنه، حيث مأوى تدريسه، وخزانة كتبه، فكان فيه جاري بيت بيت، والمهدي لوجاري حتى الخل والزيت، فسقاني حتى أروي كل ظمأ وجواد وأحلني من مبرته وفؤاد، ووالى من إتحافه، وضروب ألطافه، ما حسبتني به مفطوما يعلل على الفطام، ورأيت الأماني مجنوبة إلى في الخطام: وحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد

стр. 109

وكنت كثيرا ما أجلسه فأقطف من مؤانسته أعبق نور، وأحالني بمجالسته كجليس القعقاع بن شور، وأنسى في اليوم فعل الأمس، كما أربى على ليلة البدر يوم الشمس، ففي كل يوم أزيد فيه اغتباطا، واستوثق في يدي محبته ارتباطا، وكأني استقبل منه في كل زمن فرد رباطا، ولما حملني من مننه أعظم من جهدي ومن طوقي. أصبحت كالورقاء في شكره ... لما غدا أنعامه طوقي إلى ما استدفتدته من الفوائد العلمية، والمسموعات النبوية والدرر الأدبية إذ هو روضة لعلوم العاطرة الريا، الباهرة المحيا، النادرة في هذه الدنيا، ناهيك من رجل هجرت إلى لقائه المواطن، واستنارت له بأنواره المعرفة الظواهر والبواطن، فهو اليوم عمدة الصقع الإسكندري، والمفتي على الإطلاق في مذهب الإمام الشافعي، ومقتدي الفرق في العلم العقلي، ومن لا يختلف اثنان في فضله الفرعي والأصلي، يقول فيختلس العقول ويكتب فيجلب ويخلب، فإن عبر، قلت بالسحر خبر، وعنبر الشجر حبر، حتى إذا تكلم في العلويات والسفليات والعلوم الربانيات، والحكم الأدبيات، والحركات الهندسيات أسمعك رغائب الغرائب، وأطلعك على نجائب العجائب مع ما منحه الله تعالى وخوله، وجبله عليك وركبه فيه من الشجاعة الغريزية والنجدة النفسانية والقوة الجسمانية التي هي مواهب الجلال وكمال خصال الكمال، والفرق بين النساء والرجال، وقد خصه الله تعالى منها بالحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، والجزء الذي لو قسم على الأجناد لا غنى عن الدرع والمغفر، يبدو فترى طلعة بدر، وجلالة قدر، وسعة صدر، ونهضة لا مشوبة بأشر، ولا منسوبة لغدر، ثم ينيلك بدائع دانيات القطاف، ويعاطيك أحاديث مستعذبات النطاف، ويهاديك أزاهر من حدائق القراطيس أو من أعطاف القضب اللطاف، فتسيل هذه زلالا، وتطلع هذه من سحائب أنامله هلالا، ومنه تعلمت أحكام الرماية بالقوس العربية، وهو ﵁ محكم لذلك غاية الإحكام ومهتم باكتساب أنواع السلاح غاية الاهتمام، فلو شاء لأخرج من خزائنه الواسعة ما وسع الجمهور من السلاح الموفورة، والعدد المذخورة وآلات الحرب المنيعة المحذورة إلى غيرها من أمهات المجلدات وألوف التآليف وصنوف التصانيف المجموعات المصنفات قرأت وسمعت عليه عدة من تآليفه التي أفاد فيها وأجاد، ونسخت منها ما سئت وبالغت في تصحيح ذلك معه ما استطعت وقرأت سمعت عليه نيفا على الثلاثين تأليفا في فنون شتى تقيدت أسماؤها وأسانيدها في برنامج روايتي، وأجازني وكتب لي الإجازة الحافلة بخطة وأنشدني للملك الأشرف في مملوك له جميل وقعت عليه شمعة فأصابت شاربه فقال فيه بديها: وذي هيف زارني ليلة ... فأضحى به الهم في معزل فمالت لتقبيله شمعة ... ولم تخش من ذلك المحفل فقلت لصحبي وقد حكمت ... صوارم لحظيه في مفتل أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل هذا الرشا الأكحل درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى ألفها الأول وأنشدني لابن سرايا الحلي من أهل العصر في شمع كان يدخل به إلى مجلس صاحب ماردين على أيدي الغلمان الحسان: أهلا بشهب في سماء المجلس ... هتكت أشعتها حجاب الحندس زهر إذا أرخى الظلام ستوره ... فعلت بها كصحيفة المتلمس هيف القدود تريك بهجة منظر ... أبهى لديك من الجواري الكنس كالقضب إلا إنها لا تنثني ... منها القدود وزهرها لم يلمس أذكت لحاظ عيونها فكأنها ... زهر تفتق في حديقة نرجس نابت عن الشمس المنيرة عندما ... حبست وساطع نورها لم يحبس وإذا تحذرت النجوم رأيتها ... ترعى الصباح بمقلته لم تنعس وضحت أسرتها وقد عبس الدجا ... وتنفست والصبح لم يتنفس إن خاطبتها رد لسانها ... همسا كلجلجة للسان الأخرس وإذا تعودها النسيم ترى لها ... خفقا كقلب الخائف المتوسوس في طرفها عمش إذا حققته ... لم يبد منها الاسم ما لم يعكس عجبا لها تبدي لعط لسانها ... بشرا وتحيا عند قطع الأرؤس رضيت ببذل النفس حين تبوأت ... من حضرة السلطان أشرف مجلس الصالح الملك الذي أنعامه ... طوق الغنى وطوق جيد المفلس. شمس حكى الشمس المنيرة باسمه ... وضياء بهجته وبعد الملمس

стр. 110

هو صاحب البلد الذي لسماحه ... بالرفق يبلغ لا بشق الأنفس لا زال في أوج السعادة لابسا ... من حلة النعماء أشرف ملبس وأنشدني له تورية في ساقي: وساق من بني الأتراك طفل ... أتيه به على جمع الرفاق أملكه قيادي وهو رقى ... وأفديه بعيني وهو ساق وأنشدني له أيضا: ما زال كحل النوم في مقلتي ... من قبل أعراضك والبين حتى سرقت الغمض من ناظري ... يا سارق الكحل من العين وأنشدني لابن الأثير الجزري: كأن في فيه نباذا وأللالا ... وبين جنبيه نفاثا ونبالا منوع الحسن يبدي من محاسنه ... لا عين الناس أصنافا وأشكالا فلاح بدرا ووافى دمية وذكا ... مسكا وعن طلا وازور رئبالا وافتر درا وغنى بلبلا وسطا ... عضبا وماج نقى واهتز عسالا وأنشدني له أيضا: إن التي ملكتني في الهوى ملكت ... مجامع الحسن حتى لم تدع حسنا رنت غزالا وباهت روضة وبدت ... بدرا وماجت غديرا وانثنت غصنا وأنشدني: قال أنشدني قوام الدين العجمي بمصر ما ادعاه لنفسه وهو: تصاممت إذ نطقت ظبية ... تصيد الأسود بألحاظها وما بي وقر ولكنني ... أردت إعادة ألفاظها قال واستحسنها أهل مصر، وعارضها منهم ألف وخمسمائة شاعر وأعجب بالبيتين صاحبنا شافع بن عبد الطاهر كاتب السر للسلطان الملك الناصر فاستحسنهما واستقصر جميع من عارضه فيهما من الشعراء ثم وقع في نفسه انهما لغيره فلم يزل يكشف عنهما حتى وجدهما لابن الرومي في ديوانه الكبير قال فلما وقف عليهما فيه بعثني بذلك إليه فأعلمته، فقال قوام المذكور وهو وأنا معا بالجامع الأعظم من مصر والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بهما قط، وأن هذا لمن توارد الخاطر، ووقوع الحفر على الحافر، وذكر أنه دخل بعض الشعراء من المغاربة على صاحب طرابلس الشام وبين يديه مملوك جميل الصورة في نهاية الحسن والجمال فالتفت الشاعر وجعل ينظر حسنه فقال له السيد إن كان قد أعجبك فامدحه بشعر حسن وخذه هدية لك فأنشد فيه قصيدة أولها: تناقده غضن الصبا سكرا ... فعربد ساجي طرفه نافثا سحرا غريب معاني الحسن ذابل قده ... يريك قضيب البان قد أثمر البدرا جرى قلم الريحان يثبت حسنه ... فخط بمسك الخال في خده سطرا ونادى بلال الخال من فوق خده ... تبارك ممن فرعه أطلع الفجرا وسبحان من أنشأ بخده جنة ... وأجرى بها ماء وأذكى بها جمرا وساق إلى فيه من الخمر كوثرا ... مكللة في كأس ياقوتة درا فلو لم يكن مبعوث حسن لما غدت ... صحائف آيات الجمال به تقرأ قال فلما أنشد الأبيات، أعجب بها السيد فوهب المملوك له ثم افتداه منه بعد ذلك بوزن المملوك دراهم عشر مرات، قال ﵁ ومن أخبار المتوكل مع ابن الجهم أنه دخل عليه يوما فأنشده شعره الذي يقول فيه: ) هي النفس ما حملتها تتحمل (. وكان في يد المتوكل جوهرتان فأعطاه التي في يمينه فاطرق يفكر في شعر يأخذ به الأخرى فقال له المتوكل إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى ورمى بها إليه فقال ابن الجهم: يسر من رأى إمام عدل ... تغرف في جوده البحار يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرتان ... كلتاهما في الندا تغار لن تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار قال: قال أبو العتاهية بيتين في أيام الرشيد ورفعهما إلى زبيدة يمدح ابنها محمد وهما: لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسؤدد أن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد فأمرت أن يملأ فمه درا، وذكر لي أنه صلب ابن بقية وزير بغداد وكان الخليفة قد وكل به من يحرسه ليلا ونهارا ولم يتجاسر أحد على أن يرثه، وقف الكاتب ابن الأنباري عليه والناس حوله قائمين صفوفا فرثاه بقوله: علوا في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام في الصلاة

стр. 111

مددت يديك نحوهم اكتفاء ... كمدهما إليهم بالهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضم علاك من بعد الممات أصاروا الجو قبرك واستنابوا ... هم الأكفان ثوب السافيات ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المرمات لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحراس وحفاظ ثقات وتشعل حولك النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة ركبت مطية من قبل زيد ... علاها في السنين الماضيات وتلك فضيلة فيها تأس ... تعاند عند تعيير العدات أسأت إلى نوائب فاستثارت ... فأنت قتيل ثأر النائبات وكنت تقيل من صرف الليالي ... فصار مطالبا لك بالثارات غليلي باطن لك في فؤادي ... يخفف بالدموع الجاريات ولو أني قدرت على قيام ... بفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافي ... ونحت بها خلاف النائحات ولكني أصبر عنك نفسي ... مخافة أن أعد من الجنات ومالك تربة فأقول تسقي ... لأنك نصب هطل الهاطلات عليك تحية الرحمان تترى ... برحمات غواد رائحات قال فأعطاه ابنه عليها ثلاثين ألف دينار كبار، وقال الحافظ ﵀ وأخبرنا أبو بكر يحيى بن إبراهيم السلماسي قال: قرأت على القاضي أبي قاسم ناصر الدين بن أحمد بن بكران الحوفي، ووجدت بخط والدي الشيخ أبي الطاهر بن أحمد إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي، قال لما أمر عضد الدولة بقتل الوزير أبي محمد بن بقية وصلبه بمدينة السلام في سنة سبع وستين وثلاثمائة كان له صديق يعرف بأبي الحسن الأنباري فرثاه بهذه الأبيات وكتبها ورمى بها في شراع بغداد فتناولتها الأدباء إلى أن وصل الخبر عضد الدولة، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه فقال على بهذا الرجل فطلب سنة كاملة وأتصل الخبر بالصاحب إسماعيل بن عباد بالري وكتب له بالأمان، فلما سمع بذكر الأمان قصد حضرته فقال له أنت القائل لهذه الأبيات قام نعم قال: أنشديها من فيك قلما أنشده: ولم أر قبل جذعك قط جذعا ... تمكن من عناق المركمات قام الصاحب فعانقه وقبل فاه وأنفذه إلى حضرة عضد الدولة فلما مثل بين يديه قال له: ما الذي حملك على مرثية عدوى فقال له: حقوق سلفت، وأياد مضت فجاش الحزن في قلبي فرثيت فقال: هل يحضرك شيء في الشموع والشموع تزهر بين يديه فأنشأ يقول: كأن الشموع وقد أظهرت ... من النار في كل رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين ... تضرع تطلب منك الأمانا فلما أنشده هذين البيتين خلع عليه وحمله على فرس وأعطاه بدرة، وذكر لي أن الخليفة الناصر كان وزيره ناصر بن مهدي الحسني وكان كثير المخالفة في كل ما يأمره به فقال للخليفة يوما بعض خواص أن هذا الوزير يسئ الأدب، ويخالف أمير المؤمنين فيما يأمر به فوجد الخليفة لذلك وقال للوزير لئن خالفتني بعدها أو عارضتني في شيء من أمري لاستبدلن بك من وجدته في الحال، فقال له: نعم وأذعن للسمع والطاعة، ثم أقام على ذلك أياما فعرض للخليفة في بعض الأوقات أمر من الأمور المهمات فذكره ودبر رأيه فقال له الوزير لايا يأمر أمير المؤمنين، الرأي أن تفعل خلاف هذا، فقام الخليفة لوقته وخرج من بعض أبواب قصره فوجد شابا مصفر الوجه يلتقط شيئا من نفاضات الموائد فدعاه الخليفة إليه وقال له أتحسن الكتابة قال: أجل فدخل به وولاه الوزارة من حينه وخرج صاحب الشرطة بين يديه إلى دار الوزارة وقام يدبرها أحسن التدبير، وكان ظن الوزير المعزول أنه لا يوجد مثله لما كان فيه من المعرفة فكتب إلى الخليفة رقعة فيها: شمل النسج من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت القني في لظى فان أحرقتني ... فتيقن أن لست بالياقوت فلما بلغت الخليفة أخذها وأطال النظر فيها فقال له الوزير المستجد يا أمير المؤمنين أراك النظر في هذه الرقعة فدفعها إليه فلما أخذها من يد الخليفة وسمع ونظر إليها قال: يا أمير المؤمنين أتأذن لي في الجواب، قال: نعم، فكتب تحت البيتين: نسج داود لم يفد صاحب الغار ... وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند في لهب النار ... مزيل فضيلة الياقوت

стр. 112

فلما نظر الخليفة الجواب بعث إليه به وقال غدا يأتي النعى الوزير فما أصبح الصباح حتى جيء بنعى الوزير وذكرت له بهذه الحكاية ما وجدته ببعض التآليف المعتمدة وذلك أنه مر بعض الملوك بغلام يسوق حمارا غير منبعث وقد عنف عليه في السوق، فقال يا غلام أرفق به فقال له الغلام الرفق به مضرة عليه، قال: وما مضرته قال يطول طريقه ويشتد جوعه وفي العنف به إحسان إليه يخف حمله ويطول أكله، فأعجب الملك كلامه فقال له: قد أمرت له بألف درهم، فقال رزق مقدور وواهب مأجور، وقال: وقد أمرت في حشمي، قال: كفيت مؤنة فرزقت بها معونة، فقال: لولا أنك حديث السن لا ستوزرتك، فقال: لم يعدم الفضل من رزق العقل، قال: فهل تصلح لذلك، قال إنما يكون الحمد أو الذم إلا بعد التجربة، ولا يعرف الإنسان نفسه حتى يبلوها، قال: فاستوزره فوجده ذا رأي صائب ومشهورة تقع موقع التوفيق، ومن ظريف الوجادة وغريب الاتفاق أني لما دخلت الإسكندرية قافلا وقعت عيني ببعض الجدران على هذين البيتين: إذا ضاق بي صدري استعنت بخالق ... قدير على تيسير كل عسير فبين انطباق الجفن ثم ارتفاعه ... فكان أسير وانجبار كسير ثم تنقلت خطى يسيرة وإذا بحائط آخر مكتوب عليه ما نصه: ما رأينا ضربة من بطل ... بحسام قطعت ألف قلم بل رأينا نقطة في كاتب ... بمداد نكست ألف علم ثم دخلت المدرسة السراجية المذكورة آنفا فرأيت بأعلى باب بيتي الذي سكنته فيها ما نصه: عليك السلام الله يا خير منزل ... رحلنا وودعناك غير ذميم فان تكن الأيام فرقن بينا ... فما أحد من صرفها بسليم ثم تأملت فإذا بعده بخط آخر ما نصه: تركنا همنا ثم ارتحلنا ... كذا الدنيا نزول وارتحال وما دهر على أحد بباق ... ولا يبقى على الإنسان حال ثم ألتفت فإذا أمامه بخط آخر ما نصه: قد حصرنا في ذا المكان وغنينا ... وكذا الدهر غيبة وحضور قد حضرنا في ذا المكان وغبتم ... وقرأنا من بعده ما كتبتم وذكرنا كم بكل جميل ... فاذكرونا بمثله أن حضرتم فعجبت لدار تدين برحيل وتنبئ عن سفر طويل وتفرق بين كل خل وخليل وكتبت من نظمي هناك بطرف دامع وقلب عليل: قد استلم لنا الدموع نجيعا ... وذكرنا كم بخير جميعا وسألنا يا حاضرين دعاء ... واجترعنا الفراق والتوديعا وكنت لما صدرت من الشام وخرجت عن أقطارها وسرت في بعض قفارها أداني السير إلى أطلال عالية بالية فوجدت لرؤيتها كل الوجد وقربت إليها من البعد، فإذا ببعض تلك الجدران مكتوب عليها بالفحم هذان البيتان: ولقد ندمت على تفرق شملنا ... أسفا ففاض الدمع من أجفان ونذرت نذرا أن ظفرت بعودة ... لا عدت أذكر فرقة بلسان فعلمت أن كاتبهما مثلي بعيد الدار، متصرف بين يدي الأقدار قد سئم السرى وشاقه النسيم متى سرى، فدعوت الله تعالى في جمع شملي وشمله ورد كل غريب إلى وطنه وأهله وكتبت هنالك من نظمي على شاكلته وشكله: ولقد جرى يوم النوى دمعي دما ... حتى لقال الصحب انك فان والله إن سمح الزمان بقربنا ... لكففت من ذكر النوى وكفاني وقرأت بخط الإمام أبي الحسن علي بن سعيد قال: قرأت بحائط التربة التي فيها معروف الكرخي الزاهد بالجانب الغربي من مدن بغداد: وما ضرني إلا الذين عرفتم ... جزى الله خيرا كل من لست أعرف وتحت هذا لبيت: رجل غريب، طاف بالأرض فلم يظفر بحبيب ووجدت في مقابلة ذلك بخط آخر: لعمرك ما انتفعت بغير خل ... له عندي الذي ألفيه عنده يراعني فيصبح عبد قصدي ... كما أمسى إذا ما احتاج عبده

стр. 113

وتحتهما من صفا باطنه، كأن كل العالم صديقه، ومن كدر باطنه كان كل من في العالم عدوه، وجرى الحديث بذلك مع الشيخ الإمام العالم المفتي المسلمين عز الدين أبي إسحاق بن حباسة ﵁ بمنزلة من الإسكندرية المحروسة، فقال لي: سافرت إلى الشام مع السلطان قلاوون الصالحي فبينما نحن نسير في فلات من الأرض القفراء وإذا أنا بطلل بال قد لمحته على بعد فحننت إليه وقصدته فلما دنوت منه ألفيت عليه مكتوبا بالمداد ما صه: جبت القفار، ووقفت على الآثار، فما رأيت صديقا صادقا، ولا رفيقا موافقا، فمن قرأ هذا الخط فلا يركن لأحد قط من الأنام والسلام، وحدثني الشيخ الإمام عز الدين المذكور قال أخبرني أخي وصديقي الشيخ الإمام القدوة رئيس الكتاب نور الدين أبو الحسن علي بن الشيخ الإمام الكبير، رئيس الكتاب جمال الدين بن المكرم قال: سافرت مع السلطان الملك الأشرف ابن السلطان قلاوون الصالحي إلى مدينة عكة في غزوته إياها، فأقمنا عليها، إلى أن يسر الله تعالى في فتحها بعد مدة طويلة قال: فلما دخلناها دخلت الكنيسة التي كانت بها فإذا هي ذهب ساطع وإذا أنا بكتب على حائط منها قريب العهد لم يجف مداده فيه ما نصه: أدمى الكنائس أن تكن عبثت بكم ... أيدي الحوادث أو تغير حال غلطا لما سجدت لكن شمامس ... ثم النوف جحاجح أبطال ليكن عزاكن الجميل فإنه ... يوم بيوم والحروب سجال قال فعلمت قطعا أن كاتبه نصراني وعجبت في ذلك غاية العجب وحدثني الشيخ عز الدين المذكور قال وجد مكتوبا على باب كافور الأخشيدي بمصر: أنظر إلى عبر الأيام ما صنعت ... أفنت أناسا بها كانوا وما فنيت ديارهم ضحكت أيام دولتهم ... فإذا خلت منهم ناحتهم وبكت

стр. 114

وذكر لي الشيخ عز الدين المذكور أن أهل مصرنا لهم جور من بعض ولاة كافور المذكور ولم يعلم بذلك كافور ولا أطلع عليه فاجتمع خاصتهم وكتبوا كتابا بالشكوى أعلموه فيه بحالهم، نصه بعد البسملة أما بعد فإنكم قدرتم فأسأتم وملكتم فقهرتم ووسع عليكم فضيقتم، واغتررتم بصفو العيش ولم تتفكروا في عواقبكم، وتهاونتم بسهام الأسحار وهي صائبة لا سيما إذا خرجت من قلوب جرحتموها، وأكباد اججتموها، وأجساد اعريتموها ولو تأملتم هذا حق التأمل لأشفقتم، أو ما علمتم أن الدنيا لو دامت للعاقل لم يصبها الجاهل، ولو دامت لمن مضى لم يصل إليها من بقى، وكفى محنة رجل يكون في هلاكه فرج العالم كله ومن المحال هلاك المنتظرين وبقاء المنتظر به وحده، اعملوا ما شئتم فأنا صابرون، وجوروا فأنا بالله مستجيرون. وثقوا بقدرتكم فأنا بقدرة الله واثقون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فلما وصل الكتاب إلى كافور ساءه، وشغل باله فلم يلبث سوى سبعة أيام حتى مات والشيخ عز الدين هذا هو أبو إسحاق إبراهيم بن نور الدين أبي عبد الله محمد بن زين الدين أبي الحسين يحيى بن وجيه الدين أبي علي منصور بن أبي محمد عبد العزيز بن نور الدين بن أبي الحسن علي بن حباسة بفتح الحاء المهملة. وحباسة هو ابن علي بن محمد بن محمود بن موسى بن عز العرب بن زيد بن عمرو بن محارب ابن مكاثر بن رافع بن مدافع بن مغيث بن حرب بن عمارة بن المسيب ابن شريك بن محور بن حارث بن ربيعة بن معن بن وهب أياد بن حيا ابن عامر بن معاوية بن الحارث بن تميم بن مرة بن طابخة بن الياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا كتبته من حفظه وهكذا صححته بعد عليه، وأن سلفه هذا من بني تميم، لذو مجد صميم، وجد عند الملوك عظيم، قدم في العلم ماضية على منهج قويم، وصراط مستقيم وأن الشيخ عز الدين هذا السالك مسالكهم وصالحهم ومحيي مآثرهم، ومجدد مفاخرهم، وأولهم في حمل الفضائل وإن كان آخرهم فهو دوحة المجد وريحانة الكرم الممد، وروضة العلم، وهضبة التقى والحلم تفتحت له روضة المعارف، وتفسحت له المجالس بين الأعلام العوارف، فتدلت له ثمرات تلك الحدائق، وعلت به دوحات أولى النهي والحقائق، فصحب من أولياء الله تعالى فريقا، وركب جادة الجد إليهم طريقا، واتخذ العلم والعمل دليلا ورفيقا، أخذ نفسه الكريمة بالتصوف فأدبها بآدابه وهذبها بملازمة أربابه. حتى آض شيخا لشيوخ تلك الطريقة، وعلما في أعلام أولى الحقيقة مع اتساع روايته. وامتداد باع درايته، واهتمامه بالعلم وعنايته، وتبحره في استخراج جواهر الحكم وتقدمه في السخاء والجود والكرم: وتأخذه عند المكارم هزة ... كما اهتز تحت البارح الغصن الرطب واظبته وقد ناهز التسعين، وجف ماء عمره المعين، إلا أنه قد متع بلسانه وجنانه وأقطع ما شاء من إحسانه وبيانه. ووضع له البركة في سمعه وبصره وبنانه، فما دخلت عليه قط إلا وهو مطالع في الدواوين والتآليف، أو ناسخ لكن بالخط الرقيق والقلم النحيف على نحافة جسمه وقيامه، في ليله وصيامه في نهاره، له سماع من أبيه كثير، والماع بفنون العلم أثير، وقدره كبير، وبيته شهير، وله نظم يدل على رقة صنعه، ويعرب عن كريم طبعه وأما نثره فشبيه بنثر الدر غير أن ألفاظه تزيد على أسماطه في القدر لازمته كثيرا وتبناني فكنت صدى صوته. وسلمان بيته، وكنت كثيرا لا استأذن في الدخول عليه ولا أزال أقول بين يديه: سلمان بيتكم وحق المج ... د أن يرعى ذمامه فرضت صلاتك كالصلا ... ة وحمد وافدك الإقامة

стр. 115

وقرأت وسمعت عليه نحو الأربعين مجلدا في أنواع مختلفة وصححها لي بخطه وجازني الإجازة التامة، ومما قرأت عليه بلفظي لعلوه فيه جميع الأربعين حديثا السباعية الفراوية النيسابورية، وجميع الأربعين حديثا البلدانية السلفية وجميع الأربعين حديثا الودعانية غيرها، مما قد استوفيته في غير هذا (، وأخبرني أنه قرأ جميع الأربعين البلدانية السلفية على الشيخ الإمام الكبير كمال الدين أبي الذكر احمد بن رضى الدين أبي محمد عبد القادر بن المعالي رافع بن أبي الذكر احمد بن الدمراوي بحق سماعه لها من الشيوخ لثلاثة العلماء الأئمة أبي الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني، والشيخ جمال الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن مكي بن الحاسب سبط الحافظ السلفي رشيد الدين أبي محمد عبد الوهاب بن رافع بن علي عرف والده برواح بسماعهم الثلاثة من الحافظ أبي طاهر السلفي المخرج المذكور رحم الله جميعهم بمنه، ومولده ﵁ في الرابع عشر من شعبان المكرم سنة اثنين وستين وستمائة وعنه أخذت خرقة التصوف ولبستها من عنده ومن يده كما لبسها من شيخه الإمام الأوحد قطب الدين أبي بكر محمد بن احمد القسطلاني ﵀ سنده المخرج في تأليفه الذي سماه ارتقاء الرتبة باللباس والصحبة، وقد أخذت عنه عن شيخه هذا قراءة وتصحيحا ومن أصل المؤلف قطب الدين المذكور نقلته ومما أنشدني غير مرة لشيخه قطب الدين أبي بكر قال أنشدنيها غير مرة: إذا المرء ربى نفسه بمراده ... فقد شاد بنيانا على غير أسه ومن لم تربيه الرجال وتسقه ... لبانا لهم قد رد من ثدي قدسه فذاك لقيط ما له نسبة الورى ... ولا يتعدى المرء أبناء جنسه وان شاب من بعد هذا رياسة ... فقد سكن الداء العضال برأسه فكن قاطعا أن ليس يفلح دهره ... إذا كان ممن ذاق طعما لنفسه وأنشدني الشيخ الإمام الكبير الشهير شهاب الدين السهروردي وهو غير صاحب كتاب عوارف المعارف: أبداً تحن إليكم الأرواح ... ووصالكم ريحانها والراح وقلوب أهل ودادكم تشتاقكم ... وإلى جميل جمالكم ترتاح وارحمه للعاشقين تحلموا ... ثقل المحبة والهوى فضاح بالسر أن تباح دماؤهم ... وكذا دماء البائحين تباح وأنشدني للملك الكامل ﵀: طوا مغرما من أجلكم واصل الضنى ... وفي حبكم طيب المنام فقد فقد أثار الهوى نارا تشب بقلبه ... فكيف بإطفاء الغرام وقد وقد وأنشدني للإمام أبي عبد الله الشافعي ﵁: رضيت من الدنيا بقوت وخرقه ... وأشرب من كوز حوافيه تكسر فقل لبني الدنيا اعزلوا من أردتم ... وولوا وخلوني على البعد أنظر وأخبرني بسنده فيه قال أتى رجل أعرابي إلى النبي ﷺ يقال له عنبسة الهلالي فقال يا محمد أني قلت شعرا أفتسمع مني فقال النبي ﷺ قل فأنشده: وحي ذوي الأظعان تسبى عقولهم ... تحيتك الحسنى فقد يرقع النعل فإن هتفوا بالقول فأعف تكرما ... وإن خنسوا عنك الحديث فلا تسل فإن الذي يوذيك منه استماعه ... كأن الذي قالوا وراءك لم يقل

стр. 116

فقال له ﷺ : أجدت يا أخا العرب فتبسم الأعرابي وقال له يا محمد فهل أنزل عليك ربك شيئا مثل هذا فنزل جبريل ﵇ وقال له: اقرأ [ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم] ، فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. ومن المستظرف ما أخبرني به الشيخ العالم الزاهد جمال الدين أبو الفرج محمد بن الشيخ الفقيه الإمام نجم الدين أبي البركات محمد بن الشيخ الفقيه الصالح المرحوم شرف الدين بي القاسم عبد الرحمن بن احمد بن محمد بن محمد بن سلامة البلوي القضاعي المالكي الإسكندري ﵁ قال: كان هنا ببلدنا رجل من أحسن الناس خطا، فقطعت يمينه وصار يكتب باليسار أحسن ما يمكن من الخط فرفع إلى أبي رسالة يستجديه بها وهي هذه وناولني رقعة، قد اتخذها الحسن بقعة أولها قطعة شعر قد صور من الأمل، وجسم من الكحل وخلى من السحر فنبت وقيد بالحبر فثبت تتبعها رسالة سلسالة، كم سارقت الحواجب خط نوناتها ضاربه، وخطت الأصداغ على مثل لامتها مباعدة ومقارنة، واستمدت حبل التخفيف وخدع الصنع اللطيف فأيأس التابع فضل المتبوع، وفضح التطبع شيمة المطبوع، آخرها وكتب فلان بن فلان المقطوع اليد والقطعة هي هذه: غربة تتبع قلة ... أن في الفقر مذلة أكرم الناس ويأمن ... جوده فيه جبلة لا تجد لي لسؤالي ... إنما جودك لله فوعيت ما رأيت واستملحت ما لمحت وذكرت له ما رويته بسندي إلى الحافظ أبي طامي احمد بن احمد السلفي قال: أخبرنا أبو محمد بن السراج أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد الخلال الحافظ عن أبي عمر بن حيوية الخزازي حدثنا أبو عبد الله النوبختي قال: قيل أن هذا الشعر لابن علي بن مقلة قاله من الحبس بعدما قطعت يمينه وقتل بعد ذلك في شوال سنة ست وعشرين وثلاثمائة. ما مللت الحياة ولكن توثقت ... بأيمانهم فبانت يميني لقد أحسنت ما استطعت بجهدي ... حفظ أرواحهم فما حفظوني بعت ديني لهم بدنياي حتى ... حرموني دنياهم بعد ديني ليس بعد اليمين لذة عيش ... يا حياتي بانت يميني فبيني

стр. 117

وهذا الشيخ جمال الدين من كبار علماء المسلمين، اعلم الناس بمذهب الإمام مالك وأعلاهم في دلالة تلك السبل والمسالك، نسب أشهر من الشمس في السماء وحسب كاتساق عقد النجوم في نحور الظلماء، وخلق أندى من الزهر وأسوغ من الماء إلى سبق في المنطق والجدل وحذق في الأصول والفروع، موقعي من الخطأ والخطل، وتشبث بأهداب من الآداب وتمسك من الرواية عن علماء أهل بيته وغيرهم بأسباب، وشأن هذا الرجل عجيب في نبوغه في طريق العلم وبلوغه، إلى أعلى مراتب التقى والعلم وأطباق الناس على تعظيمه وحبه، وانقباضه عنهم وانقطاعه إلى ربه، به يضرب المثل في العلم والزهد، وعند كلامه يقف الكلام في الفتوى والرد، مقبل على الآخرة معرض عن الدنيا، عار من زخرفها إلا ما يتخذه من ثوب حسن جميل حسنه وجهه الجميل. فترى رجلا زينه الله بهيبة وجلال وألقى عليه مسحة جمال، وأكرمه أن يشغله بأهل أو ولد أو مال، فكان إذا خرج من مدرسته حيث سكناه وتدريسه، لم يخلف وراءه ما يتشوق إليه، وحفظ الله عليه حسنه من شبابه إلى شاخته فلم يتغير له ديباجه ولا انقطع عجب النواظر منه وعجبها به، لازمته كثيرا، وأفادني من أفانين العلم المحفوظ وقوانين المفهوم والملفوظ ما لا يفيده إلا الأعلام الجلة. وسمعت عليه جميع الجزء المحتوي على ثلاثين حديثا من حديث رسول الله ﷺ من ثلاثين شيخا، وبآخره فوائد وأناشيد متصلة به تخريج الإمام الحافظ أبي الظفر منصور بن سليمان بن منصور الهمذاني رواية الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن أبي طالب الأزدي المعروف بابن الدهان عنه حدثني به عن أبي الدهان المذكور سماعا عليه، وأطلق لي أن أحدث عنه وأن نفيد ما استفدته منه وأجازني إجازة تامة، مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، وأخبرني ﵁ قال رأيت ليلة من الليالي رسول الله ﷺ في النوم جالسا وعن يساره امرأة بيضاء اللون والثياب فلما وقعت عيني عليها صرفت وجهي عنها مسرعا ثم رددته فرأيتها فصرفت وجهي عنها أسرع من المرة الأولى فقال لي رسول الله ﷺ هي عائشة فقلت: قال أبو حامد الغزالي قال فأصغى إلي مقبلا على كلامي عندما ذكرته له في الوسيط له وتخمين الظن فيما لا حاجة إلى العمل به في الحال تضييع زمان واقتحام خطر فقال لي رسول الله ﷺ ، نعم نعم، قال: ثم شكوت له ﷺ قضية، فقال لي: إذا دخلت الحمام لا تتكلم، قال: ثم وضع رسول الله ﷺ يده الكريمة على ناصيتي وقام فقمت خلفه ثم رقى في الهوى فرقيت خلفه ولم يزل يرقى وأنا أرقى خلفه إلى أن استيقظت، قال ففتح الله علي ببركة تلك الرؤية المباركة في معرفة أشياء وافتتاح علوم لا يدركها الغير والحمد لله ولنختم علماء الإسكندرية بمسك ختامها ووسط نظامها، وعاقد نقضها وإبرامها، ومالك خطامها وزمامها، قاضي القضاة، والقائم بالمسير المرتضاة، الشيخ العالم الكبير محي الدين، أبي عبد الله محمد ابن عمرو بن عبد الوهاب بن خلف العلامي الشافعي معدن العلم والوقار ورافع راية المجد والافتخار. الآخذ بذؤابة الحسب الشامخ الذروة العالي النجار المفيض من جنانه وبنانه، بحار المواهب ومواهب البحار برز لرامح الخطب، فحطم سمهرية، ونزع عن قليب السخاء فلم أر عبقريا يفري فريه له سلف لم يعلق به صلف ولم يعرف له بغير العلم كلف، استوزرهم السلاطين والملوك، واستشعرهم الصدق والسلوك، فاستقلوا بأجل الرياسة، واستقبلوا الرعايا بأجمل السياسة إن خطوا فالأقدام عنهم تتأخر أو خطوا فالأقلام بهم تفخر، بدورهم مشرقة وبحورهم مغرقة، ومآثرهم مشئمة معرقة، ولقد اذخروا لنا منهم درة تاجهم، ونكتة احتجاجهم وبشارة إقبالهم وقرارة أسيالهم، ففرع هذا الفرع من تلك الأصزل وبرع في استقراء تلك الأبواب وتيك الفصول وشرع في تشييد المجد وتخليد الحمد، فأعطى ما شاء من سبيل إلى الوصول، فاستخلصه الجناب السلطاني الناصري القلاووني أيده الله، ثم أنعم به على العالمين، وآثر على نفسه المسلمين فولاه مدينة الإسكندرية قضي قضاتها، والمسارع إلى مرضاة الله بمرضاتها فرفع علم الحق ونفع سائر الخلق حتى برئت تلك المدينة من سقمها وولدت بعد عمقها وبلغت أملها في نفوذ أمرها وعدل حكمها فاستقامت الأمور وانكشف الديجور وسرى عن الناس ما كانوا فيه

стр. 118

فكأنما كانوا في حندس ليل قاتم. فتجلى عن ضياء فجر ساطع فالأحكام به باهرة والأيام بسيرته زاهرة، والأنام في دولته تشملهم نعم باطنة وظاهره: ترى عظماء الناس من خوف لحظه ... كأنهم الكروان أبصر بازيا وما الخرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا هيبة التقوى لا هيبة الأقوى وخوف الجلال لا خوف الإذلال، وتلوح في أغطاف منطقه شيم الندا ومخائل الفضل، دخلت عليه وقد صرفتني الريح عن وجهتي الغربية من مواسطة البحور، وعرفتني الحوادث فأنكرتني معارف الجدة والوفور، ومكثت في مكابدة الأسفار ومعاناة البحار عدة من الليالي، ومدة من الدهور، فرفعت له من نظمي قصيدة ضادية حكت نسجها حاكيا، ولكت فيها الزمان شاكرا وشاكيا، فتقبلها بقبول حسن وأيقظ لها اعتناءه ولم يكن ذا وسن وإن كانت مزجاة البضاعة مستوجبة الإضاعة فعين الرضى كليلة عن كل عيب لا يرتضى، وقد أثبتها في ديوان شعري، وربما والله أعلم أجادها فكري. فإنه رأيته يقرأها ويتمايل طربا ويردد ألفاظها استحسانا وعجبا وسمعت الناس يقولون إنها حسنة فلا أدري أصدقا أم كذبا، وكيف ما كانت فقد جعلها الله لانتفاعي به سببا، وإن كنت كتبتها بالمداد فقد ملأ يدي فضة وذهبا، وأمر لي مع ذلك بجراية نفقتي وراتبي في كل يوم مدة إقامتي بالإسكندرية ومكثت كذلك تحت نائل جرايته، وطائل عنايته، إلى أن افتصلت عنه مسافرا وودعته خجلا من فضله سافرا. فرحا برفده، مفصحا بحمده، متزودا من عنده فسمعت عليه بمنزلة ومجلس حكمه من الإسكندرية المحروسة بلفظ إمام لمحدثين معين الدين بي عبد الله المصغوني المتقدم الذكر، وبفقد الرواية عنهما جميع تاريخ الرقة للحافظ أبي علي القشيري الحراني الرقي وحدثني به عن الشيخ الإمام أبي عمران موسى بن عثمان بن محمد البزاز سماعا منه عليه، قال حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن لبي يعقوب يوسف بن همة لله بن محمود بن الطفيل الدمشقي قال أخبرنا الحافظ أبو طاهر احمد بن محمد السلفي، قال أخبرنا المبارك ابن عبد الجبار بن احمد الصيرفي قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن جعفر السلماسي، قال: أخبرنا أبو احمد محمد بن عبد الله بن احمد بن القاسم بن جامع الدهان قال: حدثنا أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن عيسى بن مرزوق القشيري الحراني حافظ الرقة بالرقة، قال الإمام معين الدين المصغوني القارئ المذكور وهو في إجازتي من الشيخ أبي عمران موسى بن عثمان بن محمد البزاز المذكور وقد سمعت عليه غيره من مروياته وكتب تدريسه المتداولة بين يديه في الحديث والفقه رواية وتفقها، وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة متلفظا لي بها غير مرة وكاتبا بخطه، ثم شرع الركب المغربي في السفر وانقلب مقضي الحاجة فائزا بالظفر فاشتاق أخي محمد إلى المواطن الأندلسية الكريمة ورأى أن يرجع بما سن الله تعالى له من الغنيمة فآثرت مذهبه في ذلك ورأينا أن لا تنقطع عن الأهل المنقطعين هنالك فصرفتني المقادير عن صحبته وقضت بقفوله وتسنى سفره مغربا على بغيته وسؤله، ورحل ولا تسأل عن بقائي بعد رحيله، ورجوعي من وداعه إلى موطئ قعوده ومواطن حلوله: فلم أر أنسا قبله عاد وحشة ... وبردا على الأحشاء عاد غليلاً ومن تك أيام السرور قصيرة ... به كان ليل الحزن منه طويلا ويا لساعات التوديع ما أشد كربها وأحد غربها، وأكثر إلهابها للخلد، وإذهابها بالجلد فصدر ووردت واجتمع وانفردت وعدت إلى منزلي: ولو جدي من العروض بسيط ... ومديد وافر وطويل ولم أكن عارفا بهذا إلى أن ... قطع القلب بالفراق لخليل أدري دمع العين، وآسى لشمل لا ينفك من روعة البين، وأفكر في عهد كنت إليه استمنت، ولعيني في ظله أنمت، فما برحت الأيام حتى أخلقت برده وعلقمت شهده وأتته من بابها وعضته بنابها: ورجعت من تشييعهم ... وقد علاني خبل وكل من خاطبني ... قلت له قد رحلوا يقول من أبصرني ... وسوس هذا الرجل فلقد أصابني لفراقهم ما أنه: لو كان بالفلك الدوار لم يدر ... أو كان بالماء لم يشرب من الكدر

стр. 119

أو كان بالعيش ما في يوم رحلتهم ... أعيت على السائق الحادي فلم يسر كأن أيدي مطاياهم إذا وخدت ... يقعن في حر خدي أو على بصري فغودرت المنازل صماء عمياء، ودهيت من الفراق بداهية دهياء، وبقيت لا ميتا مع الأموات ولا حيا مع الأحياء، أتطارح بين تلك المنازل، أتجرع غصص المنايا من خطب الفراق النازل، وأترامى على مواطئ أخفاف الرواحل، وأمر بخدودي على ممر الحبيب الراحل. . . وأنتسم نواسم تلك المعالم ... فيفوح لي كالعنبر المتنفس ونمشي حفاة في ذراها تأدبا ... نرى أننا نمشي بواد مقدس وعجبت للإسكندرية كيف جمعتنا ثم فرقتنا ولم تغربنا معا كما شرقتنا وأنشدت: من لم يكن أخذ الهوى بفؤاده ... فلقد أخذت من الهوى بنصيب فرأيت أن أشد كل بلية ... قضيت على أحد فراق حبيب وكان سفره مع الركب المغربي المذكور في غرة جمادى الأولى من عام تسعة وثلاثين وسبعمائة: راق الفراق لجيرة من بعدهم ... ما راق لي عيش ولا دمعي رقا ولكم سألت لينجد الحادي بهم ... يوم الندي فأبى السؤال وعرقا رحلوا وللزفرات بين ركابهم ... نار يكاد زفيرها أو يحرقا يا باكي بالأطلال بعد حبيبه ... حزنا يومل دمنة أن تنطقا بح بالسرائر واهم دمعك واشتهر ... وجدا بت النوم عنك مطلقا أن الذين عهدتهم سكانها ... نعب الغراب بشملهم فتفرقا فأقمت بعده للعلم ملازما، تارة متعلما وتارة معلما إلى أن يسر الله تعالى في تجهيز مركب سيف الدين، وحان سفره بجمع عظيم من المسلمين فركبت فيه في يوم السبت السادس لشوال من العام المذكور، وسرنا في مواسط تلك البحور طورا في الصعود وطورا في الحدور، ولنحذف زيادة الأنواء وإثبات الجرور وعدة ما تكرر لي في تلك الموسطة من المرات والشهور إلى أن وصلنا) مرسى الحمامات (بليدة بقرب حضرة تونس فنزلت بها ضحوة يوم الاثنين السادس لذي قعدة من العام المذكور وخرجت منها في ضحوة يوم الأربعاء الثامن لذي قعدة المذكور ودخلت حضرة تونس المحروسة في ضحوة يوم الخميس التاسع من الشهر المذكور، فنزلت منها بمدرسة الشماعين واجتمعت بإخواننا وأوليائنا من الطلبة والمدرسين، فألفيتهم لم ينقص الله لهم عددا، ولا أراهم بالفراق شملا مبددا، فسر الجميع بالاجتماع، وأقمنا كما كنا على المذاكرة والانتفاع، وكأني ما مددت إليهم يدا للوداع فنشروا من در الثناء منثورا ومنظوما، ونشروا من برود الصفاء مطويا ومكتوما فأنشدتهم: أني وإن شط المزار وبددت ... أيدي النوائب شملنا المنظوما لم أخل من حسن الثناء عليكم ... مذ غبت عنكم ظاعنا ومقيما وأقبلوا يطالبونني بما اجتلبت من الفوائد، ويقصدونني في إطلاق ما قيدت من القصائد، لا أحصي كم أديبا كتب عني قصيدة صاحبنا جمال الدين أبي المحاسن يوسف بن سليمان الدمشقي المعروف بالنابلسي، وهي: أسر الفؤاد ودمع عيني أطلقا ... والوجد جدده وصبري مزقا حلو الشمائل ما أمر صدوده ... متنعم قد لذ لي فيه الشقا بعث الغرام إلى المنام فرده ... عن عين عاشقه فبات مؤرقا إن قلت مالي بالتجني طاقة ... ولي وباب الوصل عني أغلقا ظبى من الأتراك ينفر خيفة ... في الحب من شركي به أن يعلقا وتصح نسبته إذا حققتها ... للترك لحظا والأعاريب منطقاً طرح الذؤابة خلفه فحسبتها ... حنشا بغصن أراكه متعلقا صل الركاب إذا تمثل راكبا ... فإذا ترجل ضمها متمنطقا طالت فزاد سوادها فظننتها ... ليل الصدود فلم أزل متعلقا للحسن ماء جال في وجناته ... كم فيه من إنسان عين غرقا يسمو بطلعته عن قمر السما ... وبلين قامته على غصن النقا وإذا تكلم أو تبسم ثغره ... ما يترك السالي إلى أن يعشقا في مهجتي جمر الأسى متلهبا ... وبثغره ماء الحياة مروقا يا طيبة ماء ويا ظمأي فهل ... أروي به وأعب حتى أشرقا ومنها: يا عاذلي أقصر وتب عما مضى ... ما أنت في عذل المحب موفقا قد قلت لي يسليك عنه مثله ... وصدقت لكن مثله ما يلتقيا يا فاتر الأجفان أحرقت الحشا ... مني فذبت صبابة وتشوقا

стр. 120

يمضي الزمان وما أزور ديركم ... من كثرة الرقباء عند الملتقا وأريد أسبح في الدموع إليكم ... فأخاف من ضعف القوى أن أغرقا وأرد عن برد النسيم تنفسي ... أخشى يهب لكم لهيبا محرقا أما غرامي من هواك فإنه ... باق ولكن في السلو لك البقا وأخذت فيما كنت فيه من معرفة ولي أصطفيه أو عالم أبادر لملازمته وتحفيه، فممن لازمته كثيرا، وأخذت أولا وأخيرا، الشيخ الفقيه الأديب أبو العباس أحمد عبد الله الأنصاري المعروف بالرصافي شيخ صالح غاد في طاعة الله رائح معهم في الحق، أخذ بالجد والصدق، لا يخالط أحدا ولا تراه إلا منفردا مشتغل بالعلم والعمل، خال من الحرص والأمل، محافظ على أوقات العبادة متقشف في أحواله تقشف الزهادة، مقتصد اقتصاد العليل، مقتصر على أقل القليل، قد استعد للرحيل، وشمر للعبادة بجسمه النحيل ورسمه المحيل فاستنفد الدهر علالته، واستنشق بلالته وغادره كالخيال الشعري، والغرض الأشعري، فهو يتظاهر بشعار المتحلم ويسفر عن سن عوف بن محلم عزيز النفس نبيل الحدس، قوي المنة على الهمة مقبل على الأمور الدينية المهمة، مهتم بما ينيله خير الدارين، قليل العيال، وقلة العيال إحدى اليسارين، قد سلك في العزلة أحسن المسالك وعمل على ما قاله إمام البلاغة بن مالك: منغص العيش لا يأوى إلى دعة ... من كل ذا بلد أو كان ذا ولد والساكن النفس من لم ترض همته ... سكنى مكان ولم يسكن إلى أحد

стр. 121

له حظ من الأدب وافر، ووجه بمحاسنه سافر، وعناية هو بها مكاثر وأمام ناظم ناثر، رحل إلى المغرب زمان شبابه، وسلك سبيل الهدى ودخل من بابه، فلقى جماعة من جلة العلماء وعلية الفضلاء منهم بسبتة الشيخ العالم العلم أبو القاسم بن الشيخ الفقيه المحدث أبي العباس العزفي اللخمي سمع عليه طائفة من كتاب الدر المنظم تأليف أبيه وكتب له بالسماع والإجازة العامة والشيخ العالم الصالح الإمام في علم العربية أبو الحسين بن الربيع القرشي سمع عليه كثيرا من كتاب سيبويه ومن الإيضاح ومن الجمل ومن شرحيه عليهما وأجازه وكتب له بخطه: والشيخ العالم الناثر الناظم أبو الحكم مالك بن المرحل سمع عليه كثيرا من تأليفه ومن أمداحه في النبي ﷺ ، ومن نظمه ونثره، وأجازه إجازة تامة مطلقة، وقد قرأت عليه كل ما سمعه عليهم من ذلك وحدثني به عنهم، والشيخ الفقيه الفرضى أبو إسحاق إبراهيم بن أبي بكر الأنصاري التلمساني قرأ عليه قصيدته اللامية الشهيرة المتضمنة النسب النبوي الكريم، والمعشرات التي له على أعاريض الشعر، والرجز الذي نظمه في الفرائض، وقد قرأت عليه أنا بلفظي جميع ذلك كله، وحدثني به عنه قراءة عليه، ومنهم بغرناطة الشيخ الفقيه المقرئ أبو جعفر بن الطباع قرأ عليه بعض القرآن العظيم وأجازه وكتب له بخطه، والشيخ الأستاذ النحوي أبو الحسن ابن الضائع الأشبيلي سمع عليه كثيرا من إلقائه في علم العربية وأجازه إجازة تامة مطلقة وكتب له بخطه والشيخ الفقيه المقري أبو سهل اليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن مروان بن اليسر القشيري قرأ عليه جميع الأربعين حديثا عن الأربعين شيخا وهي المسماة بالجواهر والدرر تأليف الشيخ العالم الحاج الزاهد المحدث أبي الحسن علي بن يحيى الأزدي الجياني حدثه بها عن مؤلفها المذكور قراءة عليه، وقد قرأت جميعها عليه، وحدثني بها بالسند المذكور وأشياخه جماعة كثيرة احتوى عليهم برنامجه، وقرأت عليه جميع كتاب التيسير للحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله تعالى، وحدثني به عن الشيخ المقرئ المسن أبي بكر بن محمد بن الفقيه أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر احمد ابن مشليون الأنصاري البلنسي قراءة عليه حدثه به عن أبي عبد الله بن نوح وأبي جعفر الحصار وأبي عبد الله بن مسعود الشاطبي قراءة عليهم قالوا: حدثنا أبو الحسن ابن هذيل عن أبي داود عن أبي عمرو الداني مؤلفه، قال أبو بكر بن مشليون، وكتب به إلى إجازة أبو بكر محمد بن احمد بن أبي جمرة المرسي عن أبيه سماعا عن مؤلفه، وقد قرأت بلفظي جميع كتاب التيسير المذكور ببلاد المغرب والأندلس وغيرها على أزيد من عشرين شيخا من الشيوخ الجلة الأعلام، وأخذته مبغضا وسماعا عن جماعة أخرى كذلك، كل واحد منهم كتب لي بذلك بخط يده، وأسانيدهم فيه مستوفاة في برنامج روايتي، وقرأت عليه جميع تخميس قصيدة الإمام أبي عبد الله بن أبي الخصال البائية الشهيرة التي أولها) إليك فهمي والفؤاد بيثرب (للشيخ الأديب، الفاضل أبي بكر ابن حبيش رحمة الله تعالى عليه، وحدثني بالتخميس عن ناظمه ابن حبيش المذكور قراءة عليه. وقرأت عليه نظمه الذي خمس به قصيدة أبي إسحاق إبراهيم بن سهل الأشبيلي الإسلامي التي أولها) تنازعني الآمال كهلا ويافعا (وقرأت عليه كثيرا من نظمه، وأجازني وكتب لي بخطه ومولده بمدينة مرسية جبرها الله تعالى في اليوم الثاني والعشرين من شهر رمضان المعظم من عام خمسين وستمائة وأخبرني ﵁ قال خمست هذه القصيدة العينية المذكورة منذ عشرين سنة فارطة عن التاريخ وكنت في حين تخميس لها رمد العينين فساعة ما أتممت تخميسها برئت من الرمد وشفاني الله تعالى وعاد بصري كأحسن ما كان، وهو والحمد لله كذلك إلى الآن ما شكوته بعدما كبر السن، وأخبرني قال: أخبرني بمدينة سبتة شيخي أبو الحكم مالك بن المرحل رحمه الله تعالى قال: كان هناك معنا أبو إسحاق إبراهيم بن سهل المذكور وقد حسن إسلامه ولازمت الجماعات صلواته، ولازم القراءة واشتغل بها ونظر في الأدب فنبغ في الشعر وكان من جملة كتاب علي بن خلاص صاحب سبتة إلى أن عين ابن خلاص ولده رسولا إلى المنتصر ملك تونس، ووجه ابن سهل معه فركبا في البحر في غراب، وسار إلى أن هال البحر فغرقا معاهما، وكل من كان ركب معهما ولم يخرج منهم أحد، ولما بلغت المستنصر وفاة ابن سهل في البحر

стр. 122

قال عاد الدر إلى وطنه، وأنشدني لأبي إسحاق بن سهل المذكور: تركت هوى موسى لحب محمد ... ولولا هدى الرحمن ما كنت اهتدي وما عن قلى مني تركت وإنما ... شريعة موسى عطلت بمحمد قد خرجت جميع ما أنشدني لنفسه ولغيره من القصائد والمقطعات جزءا كبيرا، وممن لازمت تعليمه ولزمت تعظيمه الشيخ الفقيه الإمام أبو عبد الله محمد بم هارون أبقى الله بركته، إمام في الفقه وأصوله. . . وعلم الكلام وفصوله، متوصل بالجد والجد إلى حصله، فهو علم من أعلام المعارف ومعلم لأعلام الحلل الدينية والمطارف، نبغ بما وعى من العلم الأصيلي المعرق، وشفع ما استفاده من علماء بلدة تونس بما استفاده من علماء المشرق، وأظفرته رحلته بالمبرزين العلماء والمدرسين القدماء وآب من رحلته وقد قضى عنه فرضه، واشتاقت إليه أرضه، وكمل فضله، واشتمل على الكمال الإنساني نقله وعقله، فانبسط في العلم بنباهته وانقبض عن العالم بنزاهته، لزم مطالعة حدائق دواوينه، وحدق إلى متونها عيون حذقه وفهمه ودينه، فنفع الله بعلمه بشرا كثيرا، وأودع له في قلوب عباده من القبول حظا كبيرا، ولولا ما رزق من الزهد والقناعة لأعلق به قضاء الجماعة، فنيطت به أحسن تلك المدارس، وغبطت منه بالفوارس وأي الفوارس، فقام العباد بحقه، وصد قافيه الخبر النبوي، فلم يتماروا في صدقه، وعلموا أنه هو السابق في هذا المضمار الذي لا يترشح أحد لسبقه، فازدحم لإفادته أفواج الناس، اقتبسوا علمه، وهو النور الذي لا ينقص بكثرة الاقتباس حتى أقرت له السادات بالتسديد وأحيا الله به سنة الاجتهاد حين وقف غيره على سنن التقليد، فبرز في ميدان تدريسه بما برز، وأحرز من خصل السبق ما أحرز من جلالة القدر، وسعة الصدر، وحسن الخلق واعتدال الخلق، سهولة العبارة وصناعة صياغة الكلام للبداوة والحضارة، وقمع الباحث الملد، ومزج أليفاظ الهزل بالجد كامتزاج الماء بالنار في الخد، إلى تآليف قد اختص فيها بفصاحة اليراعة واقتنص فيها أوضح طرق البراعة، فاحكم أصولها، وأتقن فصولها، ركب على عواليها المثقفة نصولها، واحسن فيها ترتيب الإيراد والاعتراض، والقصد إلى توفية الأغراض، هذا إلى الاختصار والإيجاز، والمأخذ الذي يكاد ينتسب إلى الإعجاز يستوفي الإبداع في ذلك كله ببديهية ملاحظة للغايات البعيدة في اللمحة السريعة القريبة فإليها يطمح الأمل، بها الاعتماد وعليها المعول وهي: أسرى وأسير في الآفاق من قمر ... ومن نسيم ومن طيف ومن مثل

стр. 123

وكانت لي بين يديه الكريمتين دول مأثورة له فيها حكم منثورة فأني كنت قارئي تلك الفصول وبارئ تلك النصول، والمعيد لما يبدي، والسبب فيما يهدي من ذلك ويسدي فيسحرني ويسبي الحاضرين حسن إلقاء وملاحة إشارة وإيماء، ونبل تنبيه، ولطف توجيه، وإصابة تنظير، وإجادة تنقير، وقلما ترى العين، أو تسمع الأذن بأصل من الأصول، وأفرع من الفروع، وأبرع في نقد الكلام وسبكه، وأعرف بتبيف ابن الحاجب وفتح مغلقاته وحل مشكلاته منه ﵁ قرأت عليه نفع الله به نحو النصف من كل واحد من تأليفي ابن الحاجب الفروعي والأصولي قراءة تفقه وبحث، وسمعت عليه الكثير من التهذيب وغيره من كتب الفقه والأصول والعربية، وقرأت سمعت عليه كثيرا من تآليفه ومنها شرح مختصر ابن الحاجب الأصولي وشرح مختصره الفروعي، وشرح المعالم الفقيه واختصار المتيطية واختصار التهذيب وشرح التهذيب في مجلدات عديدة، وشرح الحاصل، وغير ذلك وسوغني الرواية في جميعها بالمناولة والأذن وأجازني جميع ما يحمله ويرويه وكتب لي الإجازة بخطة ومولده سنة ثمانين وستمائة ثم نضيف إليه ونعطف عليه من تبركت بالمثول بين يديه الشيخ الفقيه العدل أبا زكرياء يحيى بن الشيخ الفقيه العدل المرحوم أبي إسحاق إبراهيم ابن الشيخ الفقيه القاضي المرحوم أبي زكرياء يحيى بن يوسف بن إدريس الحسني الشهير بالسلوي أبقى الله بركتهم بمنه، شرف يا له من شرف، وسلف كريم خلف، وبيت أصيل شمخ، في حرز منيع، وعز مكتنف فطال بالعلياء شغفه وزاحم منكب الجوزاء شرفه. وشرف بقومه وزاد على أمسه في الفضائل يومه، نشأة صالحة وركب إلى التقوى طريقا واضحا فاهتدى بسنن مبين واقتدى بسند متين وجمع له بين حسب وعلم ودين، هذا إلى أكرم النجار وعتق المنمى، وطيب الأرومة وشرف الخيم، وطهارة البيت وزكاء العقب، فما جملة الأعلام وحملة الأسياف والأقلام، إلا دون محطة العالي، وبمنزلته السامية، فهو بحر حصاه الدر النفيس وروض يجني منه أطاييب الثمر الجليس قدر برز من التوفيق في أحسن حلية وبرز في التوثيق وكان عنه في غنية، إلى وقار لا تحل حباه، وصون لا يتسنم الدنس رباه وسؤدد على رغم من أباه. أشبه فما ظلم ومن سعادة المرء أن يشبه أباه: أشبا أباه فصار في أعراقه ... متوغلا وجرى إلى مضماره فوفاؤه كوفائه وحياؤه ... كحيائه ووقاره كوقاره رحل إلى المشرق عام ثامنية وثمانين وستمائة فحج وزار، وحط الذنوب والأوزار، ولقى المشائخ فروى عن جلة، وعاد في كثرة من الفوائد وغيره في قلة، حضر تدريس الشيخ الإمام قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد وأجازه ولقى الشيخ الإمام الكبير قطب الدين القسطلاني وغيرهما من الأئمة الكبار وحاملي الآثار، ثم آب عن يسيرة من السنين، ورأى قرة العين في النفس والمال والبنين، قرأت عليه بمنزله المبارك من حضرة تونس المحروسة جميع كتاب موطأ الإمام ابن أنس ﵁، فكمل لي قرأت عليه بلفظي في أوائل شهر ربيع الأول المبارك من عام أربعين وسبعمائة وحدثني به عن والده وعن الشيخ الإمام المحدث أبي جعفر أحمد يوسف الفهري الشهير باللبلي قراءة منه عليه بجمعيه وإجازة من والده بسندهما فيه وجميع برنامج الإمام أبي جعفر اللبلي موجود بيدي مصحح بخط يده رحمة الله عليه وقرأت عليه أيضا بمنزله المذكور، جميع تخميس القصيدة النبوية الشرقراطسية الشهيرة لمخمسها الإمام القاضي أبي عمرو عثمان بن عتيق بن عثمان القيسي مع القصيدة المذكورة، ولم يأت أحد لها بمثل فيما علمت، وحدثني به قراءة عليه عن والده المذكور، ومن خطه البارع نقلته حدثه به عن مخمسها أبي عمرو عثمان بن عتيق المذكور قراءة عليه وقرأت وسمعت عليه غير ذلك وأجازني وكتب لي بخطه، ومولده أواسط عام خمس وستمائة) ثم (نردفه برفيقه ومحل أخيه وشقيقه الشيخ الفقيه الخطيب أبي محمد عبد الله بن الشيخ الفقيه الجليل أبي عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه القاضي العالم المصنف أبي القاسم بن علي بن البر التنوخي هذه بيتة غذيب بالعلم والأدب، وبنيت على المجد والحسب ورقيت في أعلى الخطط وأسمى الرتب، فإليهم ينتهي في حسن النقائب، وبفواضلهم تنطق ألسنة الحقائب: قطفوا ثمار المجد من غرس العلا ... بأكفهم فلنعم غرس الغارس فهم لباب المجد عزة أنفس ... وذكاء الباب وطيب مغارس

стр. 124

ما منهم إلا عالم أوحد، لا ينعت ولا يحد، ولهم بالدولة الحفيصة سبق ذكر وحق لا ينكر، والقاضي أبو القاسم جدهم، به سفر مجدهم، وهو الذي عمر ربع الملك وأمر بالحياة والهلك، ودبج القرطاس وفوف، ودون العلم وصنف، وشيخنا الخطيب أبو محمد هذا بديع الإحسان بليغ القلم واللسان، وقد أتاه الله مقاليد هذا الشأن وملك بنان فضله أعنة المعاني، وأزمة البيان، وأقام من اليراعة على منابر أنامله إظهارا لمعجز البلاغة خطيبا مشقوق اللسان، فهو ذو الفضل والكرم، والسيف والقلم والعلم الذي يخفق لنشره العلم، وتحلى المسامع بما تمنحه من لآلئ كلمه، وتنقل إلى رياض الآمال الظامية ما شهدته من دوام ديمه فلا برحت مكارم الأخلاق وأخلاق المكارم، تشام من برق شيمه وأحرار المحامد ومحامد الأحرار تعد إمائه وخدمه، بمن الله تعالى وفضله وكرمه، لقيته بمنزله المبارك من حضرة تونس فقرأت وسمعت عليه به وبالجامع الأعظم المشهور بجامع الزيتونة تصانيف وأجزاء، فإنه لما خيرته المحاسن في أنفسها، فاختص بأنفعها وأنفسها، وحكمته السيادة في معالمها، فحكم من الأوامر والأمور أعاليها، كان مما أقام به من الدين متونه إقامة الفرائض المكتوبة إماماً بجامع الزيتونة إلى غير ذلك من الخطابة بالحضرة العلية، والمراتب السامية السنية، فكنت كثيرا ما أقرأ عليه بالدويرة التي يخرج منها الخطيب وهي بأزاء المحراب، من جهة اليسار، ومما قرأت عليه بها بلفظي جميع ثلاثيات الإمام أبي عبد الله البخاري ﵁، وحدثني بها بسنده في برنامج روايتي وجميع المجالس الخمسة التي أملاها الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد ابن أحمد السلفي الأصبهاني. وحدثني بها عن جده أبي القاسم المذكور إجازة قال قرأت جميعها على الشيخ الإمام المحدث الزاهد أبي الفضل جعفر بن أبي الحسن الهمداني بمسجده بالإسكندرية، وحدثني بها سماعا عن الحافظ ممليها أبي الطاهر السلفي المذكور وقرأت عليه جملة من برنامجه الذي جمع فيه أشياخه وأسانيده، وتناولته من يده المباركة، وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة وكتب لي بخطه حدثني ﵁ قال: حدثني جدي أبو القاسم المذكور، قال أنشدني بالقدس الشريف عند محراب سيدنا زكرياء النبي ﵇ الشيخ الصالح أبو علي حسن ابن أحمد الأوقي قال أنشدنا الفقيه الإمام العالم أبو الجيوش عساكر بن علي بن نصر المقري، قال: أنشدني الشيخ أبو الحسين عبد الكريم) التككي (قال: أنشدني الصقلي بالإسكندرية من شعره لنفسه: مزرفي الصدغ يسطو لحظه عبثا ... بالخلق جذلان أن يشكو الهوى ضحكا لا تعبثن بورد فوق وجنته ... فإنما نصبته عينه شركا وحدثني أيضا قال وحدثني جدي المذكور عنه عن الحافظ أبي طاهر السلفي أنشدهم محمد بن علي السجلماسي المجاور بمكة شرفها الله تعالى بدار العجلة قال: أنشدني إبراهيم النحوي بسجلماسة لنفسه: زعموا أن من تباعد يسلو ... ولقد زادني التباعد وجدا أن وجدي بكم وإن طال عهدي ... وجد يعقوب حين أصبح فردا وحدثني قال وحدثني جدي الشيخ المقري الصوفي الواعظ أبي عبد الله بن الجنان قال كنت مع جماعة من أهل التصوف بأصبهان في رباط هنالك، واجتمع أصحابنا ليلة في سماع فلما كان في أثناء ذلك بعد مضي جزء من الليل والوقت قد طاب إذ ضرب الباب ضارب فخرج إليه من سكع ذلك فوجد شيخا طويل لقامة، عظيم الهامة على رأسه كرزية وعليه فرجية وبيده إبريق وعكازة، فقال ما هذا قلنا سماع اجتمع فيه الأصحاب فقال ندخل فدخل فوجد القائل يقول: خليلي لا والله ما القلب سالم ... وإن ظهرت مني شمائل صاح وإلا فما بالي ولم أشهد الوغى ... أبيت كأني مثخن بجراح فرمى للمنشد ما كان على رأسه ثم قال له قل فقال: يا بانة الجزع لولا رنة الحادي ... لما تنقلت من واد إلى وادي ولا سألت بنعمان الأراك ولا ... شربت ماء به يا نهلة الصادي وقال: كرر على حديثهم يا حادي ... فحديثهم يطفي لهيب فؤادي كرر على حديثهم فلربما ... لأن الحديد لضربة الحداد فنزع فرجيته وبقي الشيخ عريانا وقال قل فقال: غرام ووجد واشتياق ولوعة ... وما ذاق إنسان من الحب ما ذقت

стр. 125

نحلت فلو علقت في جفن ذرة ... لطارت ولم شعر بأني علقت ولو نمت في جفن الذباب معرضا ... من السقم لم تشعر بأني قد نمت ولو نفس من أنفها قد أصابني ... من الشوق أو من حر أنفاسها ذبت قال الشيخ أبو عبد الله بن الجنان فصاح الشيخ صيحة عظيمة وشهق شهقة قوية وخرجت روحه رحمة الله عليه، ولما أصبح الصباح وطلع النهار غسلناه وجهرناه إلى حفرت، وتركناه في عظيم رتبته، وحدثني قال وحدثني جدي عن الشيخ أبي الفضل الهمداني عن الشيخ الشريف القاضي أبي محمد العثماني قال أنشدني الشيخ أبو بكر المبارك ابن كامل بمكة حرسها الله تعالى قال أنشدني أحمد بن عبد السلام لمدني قال أنشدني أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري قال: أنشدنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي: قف بالديار فهذه آثارهم ... تبكي الأحبة حسرة وتشوقا كم ذا وقفت بها أسائل مخبرا ... عن أهلها أو صادقا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها ... فارقت من تهوى فعز الملتقى وليكن خاتم علماء الحضرة الإفريقية وآخر المشائخ في الحلبة المشرقية من ختمت بجده حلبة الرسالة والنبوءة، وظهرت عليه بركة السلالة الطاهرة والنبوة، الشيخ الفقيه الراوية أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن إبراهيم بن يحيى ابن موسى بن هاشم بن مجير بن أبي فليتة بن جواد بن محمد بن إدريس الأصغر بن إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عم رسول الله ﷺ حسب طاهر، ونسب ظاهر ووجه زاهر وفضل كامل باهر، فهو في الأرومة السنية، والدوحة الحسنية، ولدته الرسالة فيا شرف هذه الولادة وشهدت لجده أكبر السبطين بالسيادة وناهيك من منصب هذه الشهادة فلله دره من راضع در متواضع من شرف الأبوة أيسامي بشرف أو يداني بمفخر، من له هذا الشرف الأطهر، أو يفاخر في محضر، من ينتمي إلى السبط الأكبر بخ بخ، هذا المجد الأظهر، والسؤدد الأتلد النور. . . نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا ومن فلق الصباح عمودا كل خطة، عند ذا الشرف محطة، وكل مرتبة، مع هذا الحسب مثلبة، هذا إلى ما له من البشر الرائق المحيا، والنشر العاطر الريا، والذات الفاضلة التي متعت بالدين والدنيا، وقد زين الله له حسن الوجه والأخلاق، وطيب المحتد والأعراق، بكرم عظيم، وفضل عميم وقلب شفيق رحيم، فلا يزال في مواساة وتفضل وإيثار وتطول، وترق إلى المكرمات وتوصل، مهر في القراءات، وتبحر في الإسناد والروايات وأبدى في ذلك الأعاجيب، بل العجائب والآيات، فأخذ عن خلائق لا يحصرهم عدد وانفرد بما لم ينفرد به في ذلك القطر أحد، أفضل الفضلاء خلقا وأسمحهم نفسا، وأحسنهم للإخوان مشاركة وأعظمهم للضعفاء مواساة وأكثرهم على عباد الله شفقة: مناقب شمخت في كل مكرمة ... كأنما هي في أنف العلى شمم

стр. 126

لقيته بحضرة تونس قبل توجهي إلى الحجاز الشريف، وبعد قفولي منه فقرأت عليه أولا القرآن العظيم، ختمة كاملة بقراءة الإمام أبي عبد الرحمن نافع المدني جمعا بين روايتي ورش وقالون عنه وكتب لي بذلك بخط يده إجازة مؤرخة بتاريخ الخامس عشر لشوال سنة ست وثلاثين وسبعمائة وخط فيها مولده بتونس في شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين ستمائة، وحدثني أنه قرأ بقراءة نافع ختمة كاملة جمعا على الشيخ الفقيه الحاج أبي التقى صالح بن الشيخ الفقيه أبي عبد الله محمد بن سليمان بن وليد الطرطوشي الأصل البلنسي المولد الأنصاري النسب المشتهر بابن شوشن، وأشهد له بذلك على نفسه في أواسط شهر رمضان المعظم سنة ست وثمانين وستمائة، قال: وأنا آخر من أخذ عنه هذه القراءة، ولم يبق ببلد تونس ممن أخذها عنه غيري وحدثني بها عن جماعة من شيوخه أعلاهم طريقا الإمام المقرئ القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز بن سعادة الشاطبي قراءة عليه بحرف نافع عن أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن هذيل وأبي عبد الله محمد بن الحسن بن سعيد الداني قراءة عليهما، قالا: قرأنا على الإمام أبي داود سليمان بن نجاح عن أبي عمرو الداني بسنده، وقرأ أيضا شيخي هذا بالقراءات السبع على غيره، وقرأت عليه أيضا جميع كتاب التيسير للحافظ أبي عمرو الداني رحمه الله تعالى. وحدثني عن قاضي القضاة أبي العباس أحمد بن محمد الغماز قراءة منه عليه بجميعه حدثه به عن الفقيه الراوية أبي الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن سلمون البلنسي سماعا عليه عن أبي الحسين بن هذيل وعن أبي داود سليمان بن نجاح عن مؤلفه أبي عمرو الداني سماعا متصلا، وحدثني به أيضا عن الأستاذ المقرئ أبي العباس البطراني قراءة منه عليه بسنده فيه، وقرأت عليه ثانيا جميع كتاب موطأ الإمام مالك بن أنس ﵁ وحدثني به قراءة وسماعا عن جماعة أعلاهم طريقا الشيخ الراوية المسن أبو محمد عبد الله بن محمد بن هارون الطائي قرأ عليه بلفظه جميعه وسمع كثيرا منه عليه وقد تقدم سنده فيه، وقرأ جميعه أيضا على أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم بن احمد بن عقاب الجذامي، وحدثه به عن القاضي بي الحسن علي بن عبد الله بن قطرال الأنصاري قراءة لبعضه وسماعا لسائره عن أبي محمد عبد الحق بن عبد الملك بن بونة العبدري قراءة عليه قال: سمعته على أبي عمر أبي بحر سفيان بن العاص الأسدي قال سمعته على أبي عمر بن عبد البر قال سمعته من أبي عثمان سعيد ابن نصر عن قاسم بن أصبغ عن محمد ابن وضاح عن يحيى بن يحيى عن مالك قال أبو الحسن بن قطرال: وأحمله عن الحافظ أبي عبد الله محمد ابن سعيد بن زرقون الأنصاري سماعا عليه لأبواب منه وإجازة لسائره عن أبي عبد الله أحمد بن محمد الخولاني إجازة عن أبي عمرو عثمان ابن احمد بن محمد بن يوسف اللخمي القيجطلي سماعا عليه عن أبي عيسى يحيى ابن عبد الله بن يحيى عن عم أبيه أبي مروان عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن أبيه يحيى بن يحيى عن مالك، قال أبو الحسن بن قطرال في برنامجه وهذا السند أعلى الأسانيد المعروفة بالأندلس، وقرأت عليه أيضا جميع كتاب الشهاب للقاضي رحمه الله تعالى، وحدثني به عن قاضي القضاة أبي العباس ابن الغماز قراءة عليه ثم سماعا عليه أيضا حدثه به عن الخطيب أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد لله بن خيرة البلنسي سماعا عليه عن أبي عبد الله محمد بن أبي القاسم عبد الرحمن بن الحضرمي سماعا عليه عن أبي عبد الله محمد بن أبي العباس الرازي سماعا عليه عن مؤلفه سماعا عليه، وقرأت أيضا على غيره وقرأت عليه جميع القصيدة اللامية الشاطبية في القراءات السبع، وهي المسماة بحرز الأماني وحدثني أنه عرضها من حفظه في مجلس واحد على الأستاذ أبي العباس البطريني بعدما سمع جميعها عليه، وحدثه بها عن جماعة من شيوخه، وقد استوفيت ذكرهم في برنامج روايتي، وحدثني أنه عرضها أيضا على الإمام أبي جعفر اللبلي في مجلس قال سمعتها بمصر المحروسة على الشيخ الإمام كمال الدين أبي الحسن بن علي بن شجاع العباسي، قال سمعتها وقرأتها على ناظمها، وقد كمل لي عليه ما بين قراءة وسماع في المرة الأولى وفي الثانية من الكتب والأجزاء نحو السبعين تأليفا انتقيتها من مسموعاته واخترتها من عوالي مروياته ولخصت أسانيدها في برنامجه ومسنداته إلى غير ذلك من غرر الفوائد ودرر الأناشد، ومما انتخبت

стр. 127

هنا منها ما أنشدنيه بمنزله من الحضرة التونسية قال: أنشدني الشيخ الفقيه الأديب أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن مسعود العبدري الحاحي لنفسه وذلك في رجب الفرد سنة تسعين وستمائة معارضا لأبيات القاضي أبي الفضل عياض التي في كتاب الشفاء له: يا ساكني دار الحبيب عليكم ... منى سلام طيب النفحات يهنيكم قرب الأحبة فارحموا ... صبابكم قد صد بالنزلات كم ذا أعلل بالوصول إليكم ... قلبا شجيا مضرم الجنبات قد نلتم قرب الحبيب فانتم ... أبدا لذلك طيبو الأوقات أن كنتم أهل اليسار فأنني ... أرجو نماء بضاعتي المزجاة حسبي فخارا أن مصباح الهوى ... من قلبي المفئود في مشكاة فلأنثرن على ثرى أثاره ... من عقد جفني لؤلؤ العبرات حتى أروي القلب من ظمأ به ... قاسيته في البعد طول حياني أعفر الخد المصون بتربة ... تزري بعرف المسك في النشقات بدر الدجا بحر الندا فخر الورى ... وملاذهم في عرصة الحسرات مالي سواه من المخاوف ملجأ ... أرجو خلاصي عنده ونجاة صلى الالاه وخلقه طرا على ... من فاح منه معطر الروضات يندي وينفح بالعبير نسيمه ... ما شق نجم حالك الظلمات وأنشدني أيضا قال: أنشدني الشيخ الفقيه الفاضل أبو القاسم خلف بن عبد العزيز بن خلف الغافقي القتبوري قال: أنشدني نجم الدين بم مهذب الدين: دمعي المنهل بعدكم من عيني ... ما فيه لأجل بعدكم من عين ما أغزره كأنه من عيني ... بالعين أصبت يا لها من عين وأنشدني أيضا قال: أنشدني الشيخ أبو القاسم المذكور: من بلل شعر قاتلي من سلسل ... من أودع ريقه رحيقا سلسل من غللني من سلسل ... يا عادل أن جهلت ما بي سل سل وأنشدني أيضا: الورد من وجنتيك زاه زاهر ... والسحر من مقلتيك واق وافر وللعاشق في هواك ساه ساهر ... يرجو ويخاف وهو شاك شاكر ثم توفي الإمام الرئيس أديب الجماعة وجامع الآداب وكاتب العلماء وعالم الكتاب. أبو عبد الله ابن عمر المذكور قتل رحمه الله تعالى في غرة المحرم مفتتح عام أربعين وسبعمائة أثر وصولي واستقلالي في تلك الحضرة وحصولي، فتعطل بعد ذلك الديوان. وأرجف بأن ليس له غير فلان، فاستبعدت الأمر لما بيننا من بعد البون، والإرجاف مقدمة الكون، فما راعاني إلا رسل أمير المؤمنين إلي وإقبال الدولة الحفصية مع إعراضي علي، وولايتي خطة الإنشاء ومثول الكتاب بين يدي، فهناك كم صارفة صرفت، وعاربة عربت وعقيلة عقلت، وكلمة رمقت فومقت ومقلت فنقلت وكم مطايا ركبت وعطايا سكبت. وكسا كسيت وكبت، فيا لك من أيام غرر جلت غسقا. وتوالت نسقا كم بثت من ذكر عطر، وأخلصت من ثناء ثمين وأحيت من أمل دفين، وما برحت أتفيأ ظلال الخلافة العلية، التي أقامها الله تعالى ميزانا للحق، وظلا على الخلق، فالتأم بها الصدع. واجتمع الأمان، وأمن الجمع، وكفت نوب الزمان، وحسمت بحدها وجدها أدواء البغي والعدوان، واعتز بها الإسلام. وافتر بها الدهر عن ثغر بسام. وانعقد على فضلها الإجماع. واستقرت بيدها قناة الدين يحملها الأمر المطاع، خلافة مولانا أمير المؤمنين وناصر الدنيا والدين الهمام المرتضى، والحسام المنتضى. حسنة الأيام، وقرة عين المسلمين والإسلام. غمام الندى الهاطل. وحمام العداء العاجل. ناظم شمل الفريق والفارج لباب الأزمة والضيق. جامع أشتات المعالي. ومحرز شروط الكمال، فلم يك يصلح الإله الأمر العالي السلطان الملك المؤيد. المنصور المظفر الأمجد الأسعد الأوحد العالم العادل، الفاضل الكامل. أبو يحيى أبو بكر بن أمير المؤمنين أبي زكريا بن أمير المؤمنين أبي إسحاق بن أمير المؤمنين أبي زكريا ابن أبي محمد عبد الواحد بن أبي حفص: هلال لياليها وإنسان عينها ... وبدر دياجيها وشمس ضحاها مؤيدها منصورها وجوادها ... وجامع شملي مجدها وعلاها

стр. 128

أدام الله بهجة الدنيا ببهجة سلطانه ووالي تمهيد ربوعه وتشييد أوطانه وضاعف التأييد، والسعد الجديد في أمره وشأنه، وشكر عن الإسلام وأهله عميم طوله وامتنانه. ولا زالت حوزة السمحة البيضاء مكنوفة برايته الحمراء وكتيبته الخضراء. ما نفح إحسانه بالصفراء، ودمث عدله جوانب الغبراء: هذا دعاء تسبق الدنيا إذا ... سمعته مسرعة إلى التأمين فإنه من كل أنور من الشمس ضياء، وأكمل من البدر بهاء، وأندى من الغيث كفا. وأحمى من الليث أنفا، وأسخى من البحر بنانا. وأمضى من النصل لسانا. وأوسع من الدهر صدرا وأرفع من النجم قدرا، يقر الملك ويذل الشرك، ويرفع علم الحق ويبسط العدل بين الخلق فهم يحتلون منه بدر الحلك، وقطب الفلك، ويشاهدون من جلاله، وباهر كماله الطلعة الأنسية في صورة الملك، وقد احتوى القصر المبارك منه على أسد ورد أو ملك جعد، مخلف أيعاد ومنجز وعد: ذو عزمة كالتماع البرق واقدة ... تجيء من نصره بالعارض الهطل لولا السعود التي نيطت بهمته ... لكنت أنسبها بعدا إلى زحل

стр. 129

فانتهى من إشاعة الفضل، وبسط العدل، وبذل الصفح إلى الحد الذي فات الكمال دفعة واستوفى الخصال جملة، حتى كان ملك الدولة في إسعاد مدتها واحتشاد مواد النعم عندها، وارتفاع حوادث الغير عنها، نذر للدهر قضاه أو أسبوع لعرسه وفاه، إشراق أيام وليال، في قضاء أوطار وآمال، في كنف ملك مقتبل السعد ميمون الطائر، غافل عن الأيام، مظاهر للأنعام، مسرور بما تنافس فيه رعيته، من زخرف دنياها، مقتصر لها من ذلك كله ما جانبها وعطاها آخذ عفوها، قابل يسرها، فلا أمير بعد أبي يحيى ولا خليفة بعد أبي بكر تبنكا في المجد، وانغماسا في النعم، اجتمع الناس على حبه، ولم يدهنوا في طاعته فصفا عيشه، واستراح قلبه، وكان من فرط الشجاعة في غاية بعيدة أحد العجائب ذكاء لب، وصرامة قلب، وتقدما إلى حرب عظيم الأناة، رفيع الهمة، على أخلاق حميدة، ومكارم جميلة، ذكيا يقظا، أديبا لبيبا. حسن الكلام، جيد القريحة، مليح البلاغة، يتصرف فيما يشاء من الخطابة، بديهة وروية ويصوغ قطعا من الشعر مستجادة وقصائد طويلة، في فنون كثيرة، لم يقصر فيها عن الغاية فطمحت إليه النفوس، وتعلقت به القلوب، ونزحت نحوه الهمم قصده الخلق من المغرب ولمشرق، لسعه إحسانه، وعظيم تطوله، ووفور عطائه لمن نئا عنه وقرب منه، فهو في وقته نسيج وحده به ختمت فضلاء أهل بيته فلم يعهد فيهم مثله، ولقد أنشدته ﵁ قصيدة لامية بعد أخرى زائية، كلتاهما من نظمي في مدحه، فلما فرغت منهما قبلت يده وانصرفت إلى منزلي فما وصلت حتى وصل من نعمه، أرضاه الله، من الملابس الحسان والمواهب والإحسان، ما أوجب الشكر بكل لسان، وأغناني مدة عن شكوى الزمان وكذلك أنشدته ﵁ من نظمي أيضا جملة قصائد، في روى واحد على نحو ما كان ألقى إلي واقترح علي، فلما فرغت قال لي: قد أتيت بكل جميل، ونفع فيك ماء زمزم، وماء النيل، ثم أومأ بحاجبه إلى الحاجب، وأمر بإضافة الإحسان، وتنمية الراتب، فقبلت ما أمر به، وقبلت الأرض بين يديه، وقمت أشكر نعمه، وأقمت أنشر الثناء عليه، وما برح قلمي يجول في إقليمه وكلمي يجود بدره بين محاورته وتكليمه، وأنا أريش وأبري، وأقيم وأقعد بنهيي وأمري وأدير المملكة بهزازي نظمي ونثري، حتى عبق الشكر، وطبق الذكر، وكمل لي تصنيف لذة السمع والفكر، فيما أنشأته عن أمير المؤمنين أبي بكر، وهو أدام الله أيامه، وشكر في الخافقين ألويته وأعلامه يعتمد على قلمي ويعتضد بكلمي وينجد كتيبته بكتابتي، ويسعد رعيته برعايتي، ويعد غرائبي من رغائبه، ومناقبي من مناقبه، حتى طمى الإيغال، في الاشتغال، وآل الإكرام إلى الإبرام وعاد الجنى إلى العنى، فرمقت الدنيا بالعين الزاهدة، وآثرت القفول إلى الوالدة، وسئمت من النوى والشتات وأزعجني الجنة تحت أقدام الأمهات. وهمت بالوطن، هيام ابن طالب بالحوض والعطن وحننت إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث القاع وكلما أخذت في الإزماع صرفت عن تلك الأطماع، حتى فجئت بالوداع. وعزمت عزما إذن للدموع بالانسكاب وللقلوب بالانصداع وقد تهجر نفائس الأعلاق، وتبلى المليحة بالطلاق وحين علم مني أيده الله خلوص النية وتداركي هذا الفرض المتعين قبل اخترام المنية، سلم لي في الوفاء بهذا النذر، ولم يكن ليقبل مني غير ذلك العذر، فأكببت على تقبيل يده متودعا، وأنشدته متفجعا لفراقه متوجعا: وداع كما ودعت فصل ربيعي ... يفض ضلوعي أو يفيض دموعي لئن قيل في بعض يفارق بعضه ... فإني قد فارقت منك جميعي فأوسعت ملء عيابي حباء وأصبحت مركوبا وجنيبة وخباء، وأمطيت صهوة طرف من عتاق الخيل. رائع رائق، قيد الأوابد، مما أنجب الوجيه ولاحق، أشهب كالصباح يسابق الطرف، ويباري الرياح. ويمرح ما بين اختيال وارتياح. وارتجاج وارتباح: يستوقف اللحظات في خطوات ... بكمال خلقه ورقة حسنه ذو نخوة شمخت به عن نده ... وشهامة طمحت به عن قرنه وجعلت أخب وأخذ ولا ألوي على من أجد، وكلما لاح بارق، ارتحت إليه، أو در شارق سلمت من البعد عليه، ذا بدت النجوم توهمت هممه، وإن هطلت الغيوم تذكرت نعمه، لا أسمع الغريبة، إلا قلت من كلماته، ولا أرى العجيبة إلا قلت من فعلاته، أحل الرياض فأحسبها شمائله، وأرد البحار فأظنها نوافله:

стр. 130

وما شبهوا بالبحر كفيه في الندى ... ولكنها إحدى أنامله العشر يدان إذا أومى بها اشتاق صارم ... وحن بسنان وانبرى مأرب يجري أمنت بها من كل شر أخافه ... من الدهر حتى نمت في مقلة الدهر خرجت من تونس المحروسة عند طلوع الشمس يوم الخميس السادس عشر لشهر رمضان عن عام أربعين المذكور، ودخلت مدينة) باجة (المحروسة في عشى يوم الجمعة السابع عشر من الشهر المعظم المذكور، وخرجت منها في صبيحة الأحد التاسع عشر من الشهر المذكور ودخلت مدينة) العناب (في ضحوة يوم الخميس الثالث والعشين منه، وخرجت منه في يوم الجمعة الرابع والعشرين ودخلت) قسطنطينية (في عشى يوم الأحد السادس والعشرين من رمضان المعظم المذكور، فنزلت بمنزل صاحبنا الفقيه الجليل الكاتب البارع الناظم الناثر الماجد الأكمل أبي إسحاق إبراهيم بن الوزير الكبير الحسيب الأصيل أبي محمد عبد الله بن الحاج النميري لغرناطي، ذو المعالي العلية، والفنون العلمية، والحكم الأدبية والآداب الحكمية والكرم المفضل والفضائل الكريمة والبلاغة التي لها على البلغاء مزية المزيد، ومزيد المزية، مع الحسب الأصيل. والكفاية في طلب العلم والتحصيل والمعارف التي بها جيد الزمان حال على الجملة والتفصيل شهادة قبل أداؤها من كل نفر، ويثبتها قول الفاروق ﵁ الذي زكى عنده رجلين، أكنت معهما في سفر، فهو صديقي المحق، ورفيقي المرفق، ومعاشري ذاهبا وآئبا في بلاد المشرق، فتهادينا تحية الأصدقاء وتنادمنا بحديث ذلك السفر وأولئك الرفقاء ولا تسأل عن حسن هذا الاجتماع وأنس هذا اللقاء: حديث تخال الروح عند سماعه ... لما هز من أعطافه تتقصف ونما الخبر إلى حفيد مولانا السلطان الأجل الأسنى الأسمى الأكمل، أبي زيد عبد الرحمن بن السلطان الأجل الهمام الأوحد المرحوم أبي عبد الله محمد بن مولانا أمير المؤمنين ابن يحيى أبي بكر أيد الله سلطانهم ومهد أوطانهم وهذا الصاحب الفاضل هو كاتبه الذي تحلى بكتابته ملكه، وانتظم بدرر نظمه ونثره سكه وملكه أبوه ﵀ المماليك والأملاك، فحصل له ملكه فرأى أيده الله أن ينوه بجانبي وأن لا يترك حظه من إكرامي لصاحبي وأمر بتجهيز منزل حافل وانتقالي إليه. وإجراء كل ما احتاجه ويحتوي المنزل عليه، وأقمت أتطرق عوارف أياديه وأحل كل بوم بناديه، وصاحبي يعرفني بما يجتنيه. من أنعامه ويجتبيه، ويطرفني بغرائبه وغرائب أبيه ومنها ما أنشدنيه قال أنشدني لنفسه السلطان، الأجل الفاضل الكامل، ولي عهد أمير المؤمنين قرة عين أبيه وأعين المسلمين أبو عبد الله محمد بن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر رضي عنهم أجمعين: نكون ملوك الأرض ذاتا ومنصبا ... وأرثا عن الفاروق وهو عظيم وتملكنا هيفاء خود غزالة ... مريضة طرف أن ذا لعظيم

стр. 131

وما أنسى لا أنسى خروج هذا النجل السعيد، إلى المصلى صبيحة ذلك العيد الذي كان وجهه في عيد، في مركب نبيل من وجوه عبيد، متنافس في فخورة الملابس محففين من أداة الفوارس، يحفونه حف النجوم بالقمر الأضحيان، وقد ركب بين يديه صنوف من العبيد، وألوف من أبطال الجنود، تضيق بهم الفجاج، وتزخر في بحر الحديد منهم الأمواج، وقد أشرق ذلك اليوم بإشراق غرته، وتبلج صباحه من تبلج أسرته، ولاح الصبحان فكان الفضل لنور جبينه، وغسق طرته، فبهر كماله وتجملت حاله، ورزق من أعين الناس قبولا، واستبانوا منه على علو صيته ذكاء وتهذبا، في شخص حسن الخلق، ساجى الطرف، لين العطف، يقظ الحس، تشهد مخايله بما تحتها من ذكاء وفطنة، تحمل من نتائجها، من لدن صباه، نوادر شاهدة بنهاه، وقد كان الناس انتشروا حفافي طريق السلطان مستبقين إلى لقائه، يسبق راكبهم راجلهم، إلى أن أقبل في كتائبه، معبأة يروق منظرها وهم يستقدمون إلى المركب الذي هو فيه فوجا بعد فوج، ركبانا ورجالاً، وقد وكل طرفه بملاحظتهم، وسمعه بأسماعهم، فقسم بين وجوههم من إمساك عنانه وطلاقة وجهه بل بشره وجميل رده ما ملأهم مسرة، وبجلهم مبرة، ولم يسئموا من مسايرة كوكبه، وتكرير معاينته، وإعلان الدعاء له ونثر الثناء عليه، إلى أن نزل منزله من المصلى، وذلك القطر قد راق محضره، واجتمع باديته وحضره، وأبدع في الجمال مراءه ومنظره، والنهر قد تدفق ماؤه، والزهر قد مدت ملاؤه، والربيع قد بدت كبرياؤه وخيلاؤه، والجميع قد جمعتهم آلاء الله ونعماؤه، وشهدت بصدقهم إلى يومهم أرضه وسماؤه، فقضيت الصلاة والخطبة وحانت الوقفة للبيعة والوثبة، وضربت الطبول فمادت الأرض لرعودها وقفلت الجنود، فرجفت الجبال لحدورها وصعودها، وقيدت الجنائب من كرام خيول القادة، وقالوا جميعا على اليمن والسعادة، وأقبل السلطان وقد اجتلوا من غرته السعيدة البدر في الكمال، وعاينوا من هيبته في حال بنوته ليثا أبا الأشبال: أرق من الماء الذي في حسامه ... طباعا وأمضى من شباه وانجد له سورة مكتنة في سكينه ... كما أكتن في الغمد الجراز المهند ونهض والعيون إليه رامقة، والقلوب له وامقة، وعذبات الألوية على عذباته خافقة، وكل علم منها بيد علم، ومن أشبه أباه فما ظلم، وصار الركاب لميمون، والنصر يقدمه والأقدار تسعده والسعود تخدمه: بعسكر تشرق الأرض الفضاء به ... كالليل أنجمه القضبان والأسل لا يمكن الأرض منه أن يحيط به ... ما يأخذ السهل من عرضيه والجبل وكان عيدا سعيدا، مبديا في الجمال والإجمال معيدا، لم نزل نميس في جديد خلعه ونتأنس بحسن منزعه ونتبهنس بين مرتع ذلك القطر ومربعه، وركب السلطان أثر صلاة العصر ثاني يوم عيد الفطر في جيشه اللهام، ذي العدد القمقام، فركبت أنا وصاحبي في موكبه، وركنت إلى جميل مواخاته، وكريم مذهبه، وسرنا وسار الركاب السعيد يحمل جواده الكريم عن المقام الكريم، طود حلم وأسجاح، وليث بسالة وكفاح، وبحر جود وسماح، وبدر دجنة تسربل ثوب صباح، رأيه الرشيد وعزمه المنصور وسيفه السفاح: كأن الله خيره فسوى ... خلائقه الحسان كما اشتهاها فبرز إلى الميدان على تعبية رائعة رائقه في إعداد تكاثر الحصا فائقة من جرد مسومة، قب مطهمة، قد صففت على مخائل سبقها ورتبت على منازل عتقها من كل أشهب بالمصباح مجلل، وأدهم بالظلام مسربل وأصفر كسى قميص ورس وأشقر خلع عليه رداء شمس وأشعل، مزج ماؤه وأبلق خلط ليله بنهاره: خيل مسومة غر محجلة ... من اللواتي تفوت الوهم والنظرا كأنما هي في المضمار جائلة ... ريح الصبا قابلت من ريحه المطرا

стр. 132

وفرسانها ممسكة بالأعنة وقائمة في سروجها كالأسنة قد اعتقلوا عوالي المران، وتقلدوا من المرهفات كل هندواني، من الهند غيروان، وتنكبوا محنيات القسى أهلة لا تفضى إلى المحاق، ولا تنى رجوم سمائها عن شياطين المراق، بالإحراقن واستلئموا اليب الحسان، والجحف التي سوغها الأنعام والإحسان، ما شئت من تراس تروق عيونا، وتفوق أنواعا وفنونا، ودرق ينفرد الكمى بها كمينا، وتقيه الحتوف حصنا حصينا ويقدم بها على مقارعة الأبطال واقتحام الأهوال فتبدي النصر مكينا، وتدني من عقائل المعاقل الفتح مبينا، وتسربلوا من الزرد المضاعف نسجه سرابيل. وطاروا في ذلك الميدان عقبانا كواسر وطيرا أبابيل: جباهها فغدت آثارها غررا ... مخافة أن تبدده العيون يسيل على البسيطة منه سيل ... عباباه الحوادث والسنون به خدع المنى ورقي المنايا ... وصرف الدهر يخشى أو يلين وما تدعو الرياح وما تلبي ... وما تخفي الصدور أو تبين وما نمت المهارى أو المهاري ... وما احتبت القيول أو الفيون سماء علا تلوح بها العوالي ... نجوما نوءها الحرب الزبون وقد هبت عتاق الخيل فيها ... عواصف لا يتاح له سكون وجال السلطان المؤيد في ميدان أشب الجوانب منسرب المذانب قد اخترقت الجداول ساحاته، ودبجت الأزاهر مساحاته، وأدواحه تنعطف في أكف الرياح، وتكاد تنقصف من الارتياح. قد نشرت ورقها نشر ذوائب الحسان وزهرت لمتأملها كأنها زهرة نيسان. في أرض تروق، وروض كأنما خلع عليه الشروق: وكأن نرجسه المضاعف خائض ... في الماء لف ثيابه في رأسه فلم أر مثله ميدانا حوي كل الفخر ما بين روض يانع: وواد حكى الخنساء لا في شجونها ... لكن له عينان تجري على صخر وجال بين يديه من أنجاد الأمجاد، وحماة الكماة أسود على عقبان، وجنود كأنهم الكثبان قد أخذوا أرجاء الميدان وجوانبه، وملأوا مشارقه ومغاربه، وهم يسمون صحفات صفحات البسيطة بحوافر الخيل ويثيرون قتاما كقطع الليل والأسنة تبدو كأنجم سماء والسيوف تلوح كأنها جداول ماء، والقنا تخطر كأنها بروق خواطف، وجياد يصم منها الصهيل كأنها رعود قواصف، والكتيبة قد كتبت المنايا إليها كتبا تقع عليها وتسقط والبيض تشكلها والأسنة تنقط: والسيف دامي المضربين كجدول ... في ضفتيه شقائق النعمان فغدا حماها وهو مباح، وأرواح فوارسها تكاد تستباح، والأنابيب تتخلل كأنها الأرماح والظهور توسم، والوجوه قد أثخنتها الجراح، ووجهه الصبيح والشمس قد أومضا إيماضا وأفاض من سناهما أفاضا. وأعلام الدولة قد حفوا بلوائه. وتألقوا في سمائه. كأنهم النجوم إشراقا. والدر انتظاما واتساقا، ولما فنى اليوم أوهم. وكاد وجه النهار أن يدلهم، انعطافا للرجوع في صهوات الجهاد. وانصرفنا نميس طربا كالغصن المياد، وسرنا ويمن الملك الأجل يهدينا. ونوره يسعى بين أيدينا فلا زالت دولة مولانا أمير المؤمنين أيده الله بمثله من أوليائه المستظلين بظل أفيائها، محمية الأقطار مقضية الأوطار، تتوالى عليها الأعياد توالى العهاد على الروض. والوارد على الحوض، ولا زال أمرها المطاع وجدها لصاعد وعزها الأقعس، وراياتها الظاهرة وحزبها الغالب وأيامها السعيدة ولياليها البيض وعبيدها الأحرار وغنائمها الدول، ونوالها السفاح ولواؤها المنصور ومنارها الهادي، ورأيها لرشيد، وغيبها الأمين، وسطوها المأمون جارها المعتصم، ومؤملها الواثق، وخادمها الموفق، وهنا الله مولانا عيدا، وهو عبده وموسما زانته سيماه، وفطرا بكرمه كرمت فطرته، ولقاه الروح والريحان عن قيامه، كما اختصه بأجور من فطر من الصائمين: آمين آمين لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا

стр. 133

وما برحت مع صاحبي الفاضل ألقى من فوائده انتفاعا، وأرى من أخلاقه انطباعا واجد من أكنافه رحبا واتساعا. وأرد من موارد كرمه مناهل أشيم برق الجنى من سحائبها لماعا، وهو وإن كان أمامي الذي به اقتديت فقد روى عنى كما عنه رويت فإنه لم يمهلني سوى ريثما نزلت عن ظهر الجواد، حتى طلبني بما حصلت بعده من الفوائد والأناشيد في تلك البلاد، فأرسلت عليه سيلا عرما من الأنشاد، وهمت معه من الأدب في كل واد، فكان مما أطربه من ذلك وأعجبه ولم يلبث أن قيده ساعته تلك وكتبه من فلق فيه، وبديع قوافيه شيخنا الإمام عز الدين أبو إسحاق بن حباسة المتقدم الذكر لشهاب الدين التلعفري مقدم شعراء الناصر وذلك قوله: أي دمع من الجفون أسأله ... إذ أتته مع النسيم رسالة حملته الرياح أنفس عطر ... أودعتها السحائب الهطالة مر فيه والزهر زاه فأضحى ... ناشرا فوق نوره أذياله نشر القلب نشره من غرام ... بات فيه مكابدا بلباله عذبته من قلبه عذبات ... وفروع على اللوى مياله يا خليلي وللخليل حقوق ... اجبات الأحوال في كل حاله سل عقيق الحما وقل إذ تراه ... خاليا من ظبائه المختالة أين تلك المراشف العسليا ... ت وتلك المعاطف العسالة وليال قضيتها كلئال ... بغزال تغار منه الغزالة بابلي الألحاظ والرمق والألفا ... ظ، كل مدامة سلساله ونقى الجبين والخد والثغر ... فطوبى لمن حسا جريا له وسقيم الجفون والعهد والخصر ... وكل أراه يشكو اعتلاله وطويل الصدود والشعر والمطل ... فمن لي بأن يديم مطاله ما كساني ثوب السقام دقيق ... النسج إلا جفونه الغزالة وإعذابي بعذب تلك الثنايا ... وأغليلي بما حوته الغلالة من بنى الترك كلما جذب القوس ... رأينا في قوسه بدر هالة يقع السهم حين يرمي فما تدري ... يداه أم عينه النبالة قلت لما استباح دين وصالي ... وهو مثر وقادر لا محالة بيننا الشرع قال سر بي فعندي ... من جمالي لكل دعوى دلالة شهودي من خل خدي قدي ... لي شهود معروفة بالعدالة أنا وكلت مقلتي بدم الخلق ... فقالت قبلت هذي الوكالة وقوله: تولهي بك شيء عنك غير خفي ... فراقب الله في الهجران لي وخف واعدل عن الظلم واعدل في النفوس ولا ... تجر على المستهام المغرم الدنف يا راميا أسهما من لحظ ناظره ... فوق فغير فؤادي ليس من هدف سبحان معطيك خصرا غير مختص ... من العذاب وعطفا غير منعطف إذا شكوت لترثي لي وترحم ما ... ألقاه من وجدي المضني ومن كلف يردني آيسا من ذاك عارضك اللا ... مي والمنثني من قدك الألف وأنشدته مقطوعات كثيرة فكان مما أعجبه منها قول بعض المشارقة: بهت العذول وقد رأى ألحاظها ... تركية تذر الحليم سفيها فثنى الملام وقال دونك والأسى ... هذي مضائق لست أدخل فيها وقول بعضهم: همت في حبها وهامت بهجري ... أنصفتنا فكلنا مستهام وادعت أن في فؤادي هواها ... صدقت فيه لوعة وغرام وقول أبي الحسن علي بن طاهر بن مفوز: أعرضت حين أبصرت شعرات في ... عاري كأنهن الثغام قلت هذا تبسم الزهر قالت ... قد سعى في صدودك الابتسام ورأيته معجبا بالرباعيات المشهورة بالدوبيتين، وهي التي أولع المشارقة بها. فجلت معه في هذا الميدان مجالا، وقلت وخير الشعر أشرفه رجالا، وكان مما أنشدته منها قول الملك المعز، بن طغدكين أيوب صاحب اليمن: قم نشربها سلافة كالذهب ... من قبل حلول عائق أو سبب لما برزت ولم تزل في حجب ... من خجلتها تبرقعت بالحجب وقول الشهاب التلعفري المذكور: قالت: وقد انتضت سيوف اللحظ ... والسحر ممازح لذاك اللفظ ذا حظك ما ألقه قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظ وقول الملك الأمجد ابن أيوب صاحب بعلبك: كم حلفت بكل أم وأب ... أن تسمح لي فأعقبت بالكذب حتى حلفت على التجني فوفت ... ما تصدق إلا في يمين الغضب وقول مظفر الدين صاحب أربل:

стр. 134

لولا خبر يأتي به الطيف إلى ... ما كنت وقد بعدت عن حبك حي لما ظهرت أدلة العشق على ... موهت بحاجر وعرضت بمي وقول الأمير حسام الدين الحاجري الأربلي: أقسمت بعهدي لكم والذمم ... لولا إلمام طيفكم لم أنم في اليقظة قد حرمت أن تنظركم ... عيني فعسى نراكم في الحلم وقوله: طيف لكم زائر جميل الوصف ... قد صار لكثرة التداني الفي ما أسعدني وقد تمتعت به ... لو صب على نوم أهل الكهف وقوله: لما سلك الخيال سبل الغسق ... وألفاني يشتكي ظلام الطرق بالرحب لقيته وفي رجعته ... ألقيت عليه جذوة من حدق وقوله: يا طيف خياله إذا عدت إليه ... أشرح قصصي وقبل الأرض لديه أعلمه بما جنى به ناظره ... والحاجب ما أنكر في ذاك عليه وقوله: مذ صد عن عهد وصالي حالا ... لم يبرح دمع مقلتي هطالا أدعو بلساني يفعل الله به ... مثلي وحشاشتي تنادي لا لا وقوله: لما نظر العذال حالي بهتوا ... في الحال وقالوا لوم هذا عنت لا تحسب إلا أنا نعذله ... من يسمع من يعقل من يلتفت وقوله: يا من خطراته لقلبي عنت ... هل ترجع في العتاب تلك النكت قد قيل محاسن الظبا لفتتها ... يا ظبي فنى العمر متى تلتفت وقوله: بالذل رفعت قصة الدمع إليه ... والأرض لثمت خاضعا بين يديه في الحال إلى حاجبه وقع لي ... هذا الشاكي يزاد في الجور عليه وقوله: يا من تجلى إلى المصلى غلسا ... أن جزت بشادن الحماقف نفسا بالله وعرض بغرامي فعسى ... يستعطف قلبه فقد قيل قسا وقوله: أحبابي مالي بحياتي نفع ... مذ عز شملنا بشت جمع في الليل إذا أرقني ذكركم ... أبكي أسفا جهد المقل الدمع وقوله: يا سعد أوامر الهوى لا تحصى ... قف نبك فبينهم بهذا أوصا ناشدتك عج دمعي على ربعكم ... نبك بحقوق دارهم لا تحصا وقوله: يا خشف مها فدتك نفسي خشفا ... يا غصن نقا حرمت منه العطفا يا من ألف الضنا بجسمي ألفا ... لا تسرف بعض ذا التجني يكفي وقوله: لما خطرت ريح صبا يبرين ... ليلا وتعطرت على النسرين هاجت حرقى فقال صبحي دوني ... ما أشبهه بحالة المجنون وقوله: النوم لبعدكم على الطرف حرام ... والصب أسير لوعة حلف سقام كانت بوصالكم تلذ الأيام ... غبتم فعلى لذاذة العيش سلام وقوله: لما رحلوا وصار رشدي غيا ... لم أبصر بعدهم لجسمي فيا ويلاه بأي حجة ألقاهم ... أن بعد فراقهم رأوني حيا وقول الملك الأشرف ابن أيوب صاحب دمشق في مملوك كان يهواه. وجعله على خزائنه: أهوى قمرا تحار فيه الصفة ... يسخو بدمعي وهو أمين ثقة ماذا عجب يحفظ مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت وقول ابن الفارض المكي ﵁ وأرضاه: أهوى قمرا له المعالي رق ... من ضوء جبينه أضاء الشرق بالله تدري ما يقول البرق ... ما بين ثناياه وبيني فرق وقول سعد لدين بن العربي الدمشقي: أفدي قمرا لعاشقيه ظهرا ... إن واصلني فطالما قد هجرا النمل على وجنته قد رقمت ... لا غرو إذا ما وصلتها الشعراء وقول العماد الأصبهاني كاتب السلطان صلاح الدين بن أيوب: الشوق إليكم شديد البرح ... والوجد يجل شرحه عن شرح صبرا فعسى سماؤه أن تصح ... لابد لكل ليلة من صبح وقوله: هبت سحرا فنبهت وسواسي ... نشوى خطرت عليلة الأنفاس أهدت أرج الرجاء بعد اليأس ... ما أحسن بعد وحشتي إيناس وقوله: بالله عرفت ما بقلبي صنعوا ... خلوه بنار شوقهم ينصدع ما لم أر شملي بهم يجتمع ... ما أحسبني بعيشتي انتفع وقوله: ما كنت أظن أننا نفترق ... والقلب بنار شوقكم يحترق بالله صلوا لعلنا نتفق ... من باقي العمر ساعة نسترق وقوله: ما أصعب فراقكم ما ألقى ... أبكي أسفا ودمعي ما ترقا كم أتعب في هواكم كم أشقى ... ما آمل من بعدكم أن أبقا وقوله:

стр. 135

ما أحوج صبكم إلى بغياه ... ما أشوق ميتكم إلى محياه عودوا جودا وأدركوا لقياه ... ما أعطش غرسكم إلى سقياه وقوله: الروض نسيمه حليم سفه ... والنور على الغصون زاه نزه والعيش كما تراه صاف رفه ... وماذا وقت الكرى ما تنتبه وقوله: البلبل قد غرد فوق الفن ... واهتز من النشاط عطف الغصن هذا زمان الربيع والورد جنى ... قم فانتهز الفرصة فالعمر فنى وقوله: منشورك العذار من أرخه ... كافورك بالعنبر من ضمخه بالمسك على الورد وقد لطخه ... خط حسن أريد أن أنسخه وقوله: من رصع حل وردك المحمر ... ياقوتك بالزمرد المخضر جدلي برحيق درك المفتر ... فالخمرة قد تباح للمضطر وقول الفخر بن قاضي دارا ﵁ وأرضاه: مولاي أما ترحم مأسور جفاك ... حاشاك بأن تظلم مثلي حاشاك أن كنت تشك أن قلبي يهواك ... هاأنت به فهل نرى فيه سواك وقول الملك المنصور بن أيوب صاحب حماة: عيني دمعت مسرة بالجمع ... قالوا مهلا ما في البكا من نفع دع عينك تستغنم منهم نظرا ... ماذا زمن تشغلها بالدمع وقول العماد بن الزاهد بن أيوب صاحب البيرة: ذي كاظمة والعلم الفرد يلوح ... والأجرع والغضا وبان وطلوح هاتيك منازل بها كان لنا ... عيش ومضى فنح أن كنت تنوح وقول باذكي صاحب البصرة: زود نظري بنظرة قبل تسير ... من وجهك أن عمر ذا اليوم قصير لا تأمن أن تذوق ما ذقت أنا ... أو تصبح في حبائل الحب أسير وقول الفخر بن بصاقة: البلبل كم يصيح في الدوح بليت ... والدوح يميل قائلا منك زهيت لا يعلم ذا مقدار ما حل بذا ... حبى أبدا ينعم إذا قلت شقيت وقول ابن نبهان الدمشقي: من حبك في حشاشتي أوطان ... ما مر بها العذل ولا السلوان تالله لقد حولت في القلب فلو ... بالهجر مزجت طاب لي الهجران وقول الجمال بن مطروح: لا تستر ما جرى فما يستتر ... عندي وحياة ناظريك الخبر لا بأس عليك فالقنا منبسط ... في حبك كل هفوة تغتفر وقول قمر الدول ابن دواس الفنا: سكان قبا أفديكم من سكنى ... ما أطيب وقع ذكركم في أذني لم أنس وقد قضيت معكم زمنا ... أبغي بدلا يا ليت شعري بمن وقول الصلاح الاربلي نديم الملك الكامل صاحب الكامل: لما عرف الدار بكا وانتحبا ... واستنجد أدمعا تحاكي السحبا ما زال مرددا بها وأحرزنا ... حتى ذهب المسكن مع من ذهبا وقوله: بالله عليك أيها المرتحل ... بلغ عني أحبتي ما فعلوا قل مات فان قالوا متى، قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجل وقو أيدر التركي: بالله أن جزت على نعمان ... أنشد قلبا قد ضاع عن جثمان وأحذر يعطوك غير قلبي غلطا ... فالقوم لديهم كل قلب عاني وقول الضياع بن ملهم المقدسي: بالله لقد سمعت في الدوح أنين ... ورقاء تنادي بنحيب وحنين الأفلف مجاوري وهذا كلفي ... ما حال قرين قد نأي عنه قرين وقول العماد السلماسي: يا من هجروا بالله ما نهجركم ... تنسون ونحن دائما نذكركم العذر لكم في عيشنا بعدكم ... العذر لكم يا سادتي العذر لكم وذكرت له ما ذكره أبو الحسن على بن سعيد ﵀ قال: سمعت الملك الناصر ينشد لنفسه وقد جاءه مملوك بباكورة ورد: الورد قد أتى مبشرا بالأمل ... عجلان مبادرا وقوع الملل لا تخجله ولا الذي جاء به ... في خدمهما ما قد كفى من خجل ولما عدت من العراق، وأنشدته من محاسن الدوبيتيات ما أمر بكتبه ثم قال لي هذا طرز لا تحسنه المغاربة فقله له يا خوند كما أن الموشحات والأزجال طراز لا تحسنه المشارقة والمحاسن قد قسمها الله على البلاد والعباد. قال: صدقت، فهات ما نظمت أنت في هذا الطراز فأنشدته: مولاي أراك دائم الأعراض ... والعمر يمر ضائع الأغراض كم أسألك الرضي وكم تمنعه ... الملك لمن أصبحت عنه راض

стр. 136

قال ما قصرت ركبت الجادة، وما تحتاج بعد إلى دليل، انتهى. ولم نزل نثير لئالئ الفوائد ونسحب أذيال المقطوعات والقصائد، ونرد من ذلك أحلى المصادر وأعذب الموارد إلى أن أزفت النوى. وأثارت الجوي، ففرقتنا بعد تألف وأقصدتنا بسهم تحيف فبالغ في الإكرام واعتذر، وزود حتى لم يذر، وودعته الجوانح ملتهبة والدموع منسربة والشوق بقلوبنا لاعب، وغراب البين ببعد الأحبة ناعب وكم سربلتني النوى سقما، وأصارت في عقلي لمما، فلوان ما بي منها بجفن ما ألف هجوعا، أو بقلب لفاض نجيعا. ولكني خلقت جلدا بالحوادث حجرا صلدا: يوم الفراق أقد خلقت طويلا ... لم تبق لي صبرا ولا معقولا قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تزيد رحيلا ومما أنشدني لنفسه في تلك الأيام البادية الأتضاح السائلة الغرر والأوضاح قوله يخاطب السلطان الفاضل أبا عبد الله بن مولانا أمير المؤمنين عند قدومه حضرة تونس وقد وردت عليه عربه من رياح: يا قادما وافي فعم خصبنا ... لا تنكر العرب التي جاءت إليك لو لم تواف رحمة ما أرسلت ... فينا رياح نشرت بين يديك وأنشدني قوله وقد دخل السلطان الأجل صاحب مدينة فاس أبو الحسن المذكور أولا مدينة تلمسان بعد أن حصرها مدة وهدمها بالمجانيق: تلمسان كانت في البناء منيعة ... عليها من العدوان شر لباس فلا غروان هدت لنا وتهدمت ... فقد جاءها للهدم صاحب فاس وأنشدني قوله وهو بحضرة فاس: أيا عجبا كيف تهوي الملوك ... محلي وموطن أهلي وناسي وتحسدني وهي محسودة ... وما أنا إلا خديم بفاس وأنشدني قوله: لعمرك ما ثغر باسم ... ولكنه حبب لا عب ولو لم يكن ريقه مسكرا ... لما دار من حوله الشارب وأنشدني قوله مخاطبا بهما عند ورودي عليه بقسنطية المذكورة وقد لاح برق: أنظر إلى البرق يجلو عنك أظلاما ... وشمه يا خير من البرق قد شاما كأنه إذ قدمت أرتاح من فرح ... فظل يبدي إليك الثغر بساما وأنشدني لنفسه وكتبها بخطه على ظاهر المبيضة من هذا الكتاب حين وقف عليه هنالك: أن الإمام أبا البقاء لأوحد ... عجب يعز بمغرب ومشرق لو لم تكن دررا لنا كلماته ... ما نظمت حليا بتاج المفرق وأنشدني للشيخ الإمام العلامة الفاضل أبي العباس أحمد بن شعيب أحد كتاب السلطان أبي الحسن ملك المغرب: يا رب ظبي شعاره النسك ... الحاظه في الورى لها فتك يترك من هام فيه مكتئبا ... لا تعجبوا أن قومه الترك أشكو له ما لقيت من حرق ... فينثني لاهيا إذا أشكو وحين لم يقض من تعطفه ... أخذا ولا من صبابتي ترك صبرت حتى أطل عارضه ... فكان صبري ختامه مسك ثم خرجت منها صخوة يوم الخميس السادس لشوال من عام أربعين المذكورة في لمة من فتيان الوفاء، وفرقة من أخوان الصفاء ترسل أولى الخيل على أخراها وتعرض السوانح فيستحضرها أدجناها: كان بزاتهم أمراء جيش ... على أكتافها صدأ الدروع وما زلت أساير السبيل السالك حيث سار، وأخذ اليمين تارة وتارة اليسار، ومل ناحية تسفر لي عن روض أزهر، وعذار نبت أخضر، وتبسم عن ثغر حباب في نهر كالحباب، وترفل من الربيع في ملا بس سندسيات، وتهدي نوامج مسكيات، وتزهي من بهجتها بأحسن منظر وتتيه بجلباب أينع من برد الشباب وانظر إلى أن دخلت) بجاية (المحروسة في يوم الأحد السابع عشر لشوال المذكور، فنزلت بها في قصر من الديار، ودار من القصور، دار تخجل منها الدور، وتقاصر عنها القصور، وتقر لها بالقصور: دار مشي الإتقان من تجنيدها ... حتى تناسب روضها وبناؤها مرقومة الجنبات ذات قرارة ... يمتد قدام العيوم فضاؤها ما زال يضحك دائما نوارها ... في وجه ساحته ويلعب ماؤها

стр. 137

ونحن تحت ظلال ضيافة السلطان الأفضل الانجد الأمجد الأكمل سراج الدولة وريحانة الملك وطليعة النجابة أبي زكرياء يحيى بن مولانا أمير المؤمنين أبي يحيى أبي بكر أعلى الله أمرهم وأعز نصرهم، فهو أسد الحملة وفارس الجولة الذي جاء بئاية أوضح وأجلى وطلع من قنية الملك ابن جلا، فأحكم الله بأخباره أخبار الأول كما نسخ بهذه الدولة وملوكها الملوك والدولة، وجعلها مستولية على جميع المآثر والأثر، مستوفية لكل المجد من عين وأثر، وأقمنا يطاف علينا بالطيبات والطيب بين العود الرطب وجني الغصن الرطيب والنادي الذي احتوي الشادي الشادي الشادن والأديب اللبيب وجمع مه الصادق، والحميم الحبيب، هو الفقيه الأجل الفاضل أبو الحسن على بن محمد المشتهر بالحمى: شقيق أخاء لا شقيق أخوة ... نسيب صفاء أن ذكرت نسيبا أحلته هنالك الأقدار واطمأنت به في تلك المدينة الدار، ونزح في طلب العلم عن الأوطان حتى صار كتابا لهذا السلطان فتمتعت بموانسته وتمنعت إلا عن مجالسته. وتعاطينا أحاديث كأنها رضاب وفوائد لها بيننا اقتضاء واقتضاب: أحاديث أحلى في النفوس من المنى ... وألطف من مر النسيم إذا سرى! وتذكرنا أزماننا بغرناطة، سقى الله أرجاءها المشرقة. وأغصانها المورقة، ولله أيامنا بها التي كانت موشية. وعكوفنا على العلم فيها غدوة وعيشة وقد امتد ببغيتنا في ميدانها عنان. وجن بتسنى أمنيتنا فيها جنان، والزمان غلام، والدنيا تحية وسلام. والغصن رطيب وبرد الشباب قشيب والشمل جامع، والدهر مجيب وسامع، وأيامنا أعياد وللسعد في زماننا انقياد ولا هم إلا مباحثة صحاب، أو مجاذبة آداب أو ائتلاف على تأليف درر الفوائد وانتداب، فبالغ الزمان في تفريقنا حتى بلغ الغاية، وأبدى من تغريبنا وتشريقنا العجب والآية، وذهب البين بنا كل مذهب وقدر لنا أن اجتمعنا ببجاية: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن أن لا تلاقينا وحين تباثتنا الأسرار، وتناشدنا الأشعار، وأنشدني من المقطوعات ما لم أرضه ولا أثبته وكنت قديما قد سمعته فنبذته، فقال لي: إنما الأعراب للأسماء ولا يجوز التيمم مع وجود الماء إياك أردنا، وأنت فأنشدنا فأنشدته في المعنى الذي أشار إليه والمورد الذي حام عليه لجمال الدين بن العطار: إذا ما بدا مرخى الذؤابة وانثنى ... ضحوك الثنايا مرسل الصدغ في الخد بدا البدر في الظلماء والغصن في النقا ... وزهر الربا في الروض والآس في الورد وأنشدته لبعض الفضلاء من أهل العصر: تأمل ترى خضرة الشارب الذي ... على الشفة اللمياء والمورد العذب زمردة خضراء فوق عقيقة ... وتحتهما سمطين من لؤلؤ رطب وأنشدته لبعضهم: لم يكفهم وهو روض حسن ... حراسة الأعين المراض خافوا على زهره قطافا ... فشوكوا حائط الرياض وأنشدني لأبي فراس الحمداني: من أين للرشا الغرير الأحور ... في الخد مثل عذاره المتحير رشا كان بعارضيه كليهما ... مسكا تساقط فوق ورد أحمر وأنشدته لابن المعتز: يحيى النفوس إذا يشاء بقربه ... ويميتها بفتور طرف ساج لاح السواد بخده فكأنه ... سبج أضيف إلى جوانب عاج وأنشدته لأبي القاسم بن كامل: وهويت سكران اللاحظ أغيدا ... يحيى فتور جفونه ويميت للحسن كافور على وجناته ... ولصدغه مسك عليه فيت وأنشدته لابن كامل أيضا: نبت العذار بخده فكأنما ... نبتت بروضات الربا ريحانها وكأن نارا للجمال بخده ... شبت فلفع عارضيه دخانها وأنشدته للعماد الأصبهاني: ومعذر لعب الدلال بطرفه ... وبعطفه فكلاهما نشوان وتواقعت نار الصبا في خده ... مع مائه فعلا هناك دخان وأنشدته لعز الدين ابن العجمي: لهيب الخد حين بدا لعيني ... هوى قلبي عليه كالفراش فأحرقه وصار عليه حالا ... وهذا أثر الدخان على الحواشي وأنشدته لأبي تمام غالب بن باح: يا سالب البدر المنير جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه أحرقت قلبي فارتمى بشرارة ... نزلت بخدك فانطفت في مائه وأنشدته له أيضا: يا حبيبا له الفؤاد محل ... كيف يجفو وأنت في سودائه

стр. 138

كتب الحسن فوق خدك خالا ... فأمحى الخال غير نقطة خائه وأنشدته لابن عبد ربه القرطبي: يا ذا خط العذار بخده ... خطين هاجا لوعة وبلابلا ما كنت أقطع أن جفنك صارم ... حتى حملت من العذار حمائلا وأنشدته لابن حصن الأشبيلي: غزال كحيل له ريقة يخالطها المسك والقرقف كأن العذار على خده ... نجاد ومقلته مرهف وأنشدته للملك الناصر بن العز سلطان الشام: سلوا قوام الغصن لم ذا غدا ... عنى لا لي في الهوى مائلا وخده التبري ما باله ... عذاره قد جاءني سائلا وأنشدته لعز الدين بن العجمي الحلبي: قد كان من قبل ذا نهار ... فزيد ليلا من العذار فأين منه وهل مفر ... لنا من الليل والنهار وأنشدته لبعض المشارقة: وأحزني من فرند خد ... لمع نسرينه بورد وعرقت نون عارضيه ... على عقيق بلا زورد يلعب بي والهوى مجد ... ورب هزل أتى بجد وأنشدته للأمير حسام الدين بن بهرام الحاج الأيلي: لم لا أحن إلى الحجاز صبابة ... ويفيض دمع العين بالهملان ورضابه الخصر العذيب وخده ... النضر وعذاره العلمان لم يعد ذاك الخد خال أسود ... إلا لنكث شقائق النعمان وأنشدته لأبي الحسن رستم المعروف بابن الساعاتي: ومشوب الوداد ساغ هواه ... في خفى الأحشاء أي مساغ بلغت وحيه الذوائب قلبي ... ما على المرسلين غير البلاغ قمر نور وجهه يكشف الشمس ... إذا حل عقدة الأصداغ وأنشدته لأبي الحسين الهاشمي: وشادن دينه التشيع بالك ... رخ يضاهي الغصون بالميل واصلني ثم صد عن ملل ... فليته قبل ذلك لم يصل تصيح ألحاظه إذا قتلت ... بسحرها العاشقين يا لعلي وأنشدته لابن الرضى الفضل بن منصور الفارقي: مولاي يا بدر كل داجية ... خذ بيدي قد وقعت في اللجج حسنك ما تنقضي عجائبه ... كالبحر حدث عنه بلا حرج بحق من خط عارضيك ومن ... سلط سلطانها على المهج مد يديك الكريمتين معي ... ثم ادع لي من هواك بالفرج فقام وقبل رأسي، وقال كيف يعارض من جال آفاق المغرب وهو ينفض الغبار من خوض أحشاء المشرق، فلما أطنب فيما به أثنى، سلكت به في غير هذا المعنى، وأقمت منها بين جداول كالسيوف المرهفة وبسط نبات كالبرود المفوفة وأيام معلومات الذيول، عاطرات عرفي الصبا والقبول، نعمنا ببكرها وآصالها. وأمتعنا بتواليها واتصالها. والسعد لنا خادم، وما غير السرور علينا قادم، ولما هصرت من أنسى غصنا ميادا، وانصبت بميدانها للأنس جيادا، خرجت مودعا لذلك الأخ الفاضل، وشاكرا لتلك الشيم والمخائل وسائر بين تلك الربى والخمائل، في يوم الأحد الرابع والعشرين من شوال المذكور. ولم نزل نصعد أنف كل ثنية ونعقد لجهاد كل مارق أفضل نية، ونجدد لعربان جبل الزاب. كماة ورماة، معتقلين عوالي سمر ردينية، ومتنكبين أعطاف قسي محنية. قد صفوا متقدمين وحفوا عن الشمال وعن اليمين. واستحثوا فلبوا مسرعين، وأسرعوا مهطعين. وأقبلوا ينفضون، كأنهم إلى نصب يوفضون: يتوددون الخطب وهو مهالك ... ويبادرون الحرب وهي فناء ويخاطبون بألسن البيض التي ... من دونها تتلجلج الخطباء

стр. 139

وقد تلاقت على أمحاض النية الأرواح في أجسادها، وكادت الأسنة تطير من عواليها. والسيوف تنسل من أغمادها، وتهيأت طيور السهام في وكنات الكنائن كمينا، ومدت من الاشتياق إلى مقاتل أهل الشقاق والنفاق يمينا، وأطالت حنينا، لما كان قو تولى من بغيهم وفسادهم وقطعهم للطرق وعنادهم، وهذا الجبل المذكور هو من أجل اعتمادهم وأتم مرادهم لاختلاف أهوائه، وائتلاف شعرائه، وعظم ساحته واتساع مساحته، وتوعر أرضه، وانخراق طوله وعرضه، وثمراته الشامخات في عنان السماء، التي تبهر في العلو والنماء، وتظهر في إشراق محيا النهار معتكر الظلماء، وما أظن مثلها تحت أديم القرصة الدهماء فدخلناه صبيحة يوم الاثنين ثاني يوم خروجنا في أزيد من مائة إنسان من مشاة وركبان. ورجال وفرسان. نخطر في القنا والأعنة. ونمطر سحائب المنايا من بروق الأسنة فمن عوالي رماح تثير خطياتها وهج الكفاح. من كل مثقف رحب الخط ضنك المدخل أزرق لا ينى عن ورود الأكحل، يميس في اعتداله وإن لم يعدل، قد جرى الموت في عطفيه جرى القضاء المنزل، ومن مواضي سيوف، قد طبعتها أيدي القيون، من شتى حتوف، من كل صارم ذكر، محمود الخبر، يتيه بصدق الأنباء فخرا على الأقلام ويسبق الخطى إلى برى الطلا وإلهام. وتعرف مواقعه بحيث تدور رحا الحرب الزبون بالجيش اللهام: ذكر برونقه الدماء كأنما ... يعلو الرجال بإرجوان ناقع وترى مضارب شفرتيه كأنها ... ملح تناثر من وراء الدارع وكأنما خدر الحسام بهامه ... خدر المدامة أو نعاس الهاجع ومن القسى شتى الحنايا، تهدى إلى الأرواح إرسال المنايا، من كل زوراء تسبق العين وتدني من الحين، وتصدق الخبر بلا ريب ولا مين، تصمى وهي في النزع مرنان، وتجنى ولها ترنم النشوان وانة الثكلان تشكو وهي ظالمة. وتهدي السبيل وهي به على بعد المدى عالمة: إذا نبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز ومن غدران الماذي ما شئت من سابغات دروع، يغني عنها البطل الشجاع، ويفزع إليها الجبان المروع قد قدر سردها، وأبدع من نسج داود بردها، ومن حسان الدرق اللمطية التي تنبو عن صفحاتها بيض الصفاح وسمر القنا الخطية إعداد تروق العيون، وتدفع عن مستلمها حادث المنون من كل فادية الكماة بنفسها، واقية من كل محذور وبؤس بقوتها وبأسها: وصليبة تلقى الصفاح بصفحة ... فتردها مفلولة الأغراب تقسو على قرع السيوف كأنها ... وجه اللئيم قسى على الطلاب وما شئت من مجن تروق عند النظر، ويعكس شعاعه ضوء البصر يحتوي من الحسن على كل بديعة، ويزري بمجن أبن أبي ربيعة، ومن بيض الرؤوس أمثال حباب طاف أو أنصاف بيض نعام لاحت كزرق نطاف، إلى غير من العدد التي بها تشهد الحرب الزبون، ويهزم العرب الذين هم لاذاية المسلمين يتحزبون، وصحبنا من الصافنات الجياد، التي لم يزل الخير منها في النواصي والأجياد. كرام الخيول وأمثال السيول، من كل نهد يسبق الطرف ويستغرق الوصف: ومن كل قلبي القميص مدثر ... يروقك كالقرطاس حبره الحبر وورد كأن الخمر صرفا بجلده ... وأصفر فيه يمزج الماء والخمر وأشقر حلاه اللجين حجوله ... وغرته ثم استبد به التبر وأبلق أعطى الليل شطر أديمه ... فلما تمشي فيه ضايقه الفجر وأدهم في أعطافه تعبس الوغى ... وأشهب في أرجائه يضحك النصر وطفقنا نخبط في سهل هذا الجبل ووعره، ونخلط سير أترابه بصخره، ونشق أعطافه شقا. وندق جنادله بالحوافر دقا إلى أن أتممنا سيرا عند سقوط الشمس للغروب، وقد أنضيت الرواحل من الإعياء وضعفت النفس من اللغوب، وعندما ملنا للنزول، وعطفنا من تلك الحزون إلى السهول، وتصارخت العرب واجتمع الابن منهم والأب، ثم حملوا علينا حملة ظننا أن الجبال إلينا راجفة، وان الأرض بنا واجفة، فصبرنا لحر طعانهم وتجرعنا مرارة مرانهم واقبلناهم أوجها تتهلل إذا عبس الحمام، وأنفسا تتجلد كلما عضها الحسام، فتجرعنا الغصص وتجرعوا، وأشرعنا إليهم مثل ما إلينا أشرعوا: لقيناهم بأرماح طوال ... تبشرهم بأعمار قصار

стр. 140

وتوافقنا طويلا وقد حميت الصدور، وكؤوس المنايا تدور، ثم صدقناهم الجلاد والطعان، وجملنا عليهم كأننا الرعان. . . وازلناهم عن مركزهم، وبدلناهم بالذل من تعززهم، ووالينا عليهم الكرة بعد الكرة وحوزنا عليهم في كلها أشد المعرة، فلوا أمامنا مدبرين، وأضحوا كالنعام مجفلين، وحال بيننا الظلام المفكهر، فلم ندر من فر منهم إلى أين يفر، وانحاز بعضنا من بعض وقد عضتهم نار الحرب أيما عض: ورحنا بعد ذاك إلى مقام ... تحدث عنه ربات الحجال كأن الخيل تعلم من عليها ... ففي بعض على بعض تعال وبات الجمهور من أصحابنا متقلدين لصوارمهم مخلصين أصدق النيات في عزائمهم باذلين في ذلك مشكور اعتمادهم واعتمالهم، مصدقين لقول من قال في أمثالهم: نفسي فداء معاشر شادوا العلا ... بعزائهم وأسنة وصفاح ما للرجال وللنعيم وإنما ... خلقوا ليوم كريهة وكفاح ثم رحلنا ظافرين وأدلجا مسافرين، وأفضى بنا الركض إلى ملة بيضاء مفيضة إلى قرارة خضراء تتفجر فيها عين ورقاء ماؤها صفاء إنسانها وأحدق بها النبت مهدب اجفانها، فنهلها في نميرها وكرعنا في غديرها، وركزها رماح الخط فوق رياض القصب وافترشنا مطارق الوشي فوق دارنك العشب، وجعلنا من اللجم أوتادا مرفودة واتخذنا من الأعنة أسبابا ممدودة فقدم الخباء، واستوي البناء، والماء يقهقه في خريره والقمري يقرقر في هديره، والنسيم يعبق من المسك الذكي والجو مضمخ بزعفران العشي: تشدو بعيد أن الأراك حمامة ... شدو القيان عزفن بالأعواد مال النسيم بقضبه فتمايلت ... مهتزة الأعطاف والأجياد هذي تدع تلك توديع التي ... قد أيقنت منها بوشك بعاد واستعبرت لفراقها عين الندا ... فابتل مبرز غصنها المياد فأنا لكذل إذ برقت السماء فسلت مذهب نصولها وأرعدت. فضربت منذر طبولها. وجعل الغمال يهيئ مراكبه وأخذ الربان يرتب كتائبه، فبعد ما أعز السير وامتد طلقه وغلبه البهر فتصبب عرقه خر هنالك ولقى، فعندها نادم الروض فغنى وسقى، فتنفست الأرض عن نكهة العروس وتبرجت في حلية الطاووس: وكان صوت الرعد خلف سحابه ... حاد إذا ونت الركائب صاحا مرتجة الأرجاء يحبس سيرها ... ثقل فتعطيه الرياح سراحا أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها كي تهتدي مصباحا جادت على التلعات فاكتست الربى ... حللا أقام لها الربيع وشاحا فساعة خمد ذلك البرق، وانقشع ذل الودق، واعتزمنا على الرحيل والتحول في برد الأصيل: وبدا لنا ترس من الذهب الذي ... لم ينتزع من معدن بتعمل مراءة تبر لم تشن بصياغة ... كلا ولا جليت بكف الصيقل تسمو إلى كبد السماء كأنما ... تبغي هناك دفاع خطب معضل حتى إذا بلغت إلى حيث انتهت ... وقفت كوقفة سائل عن منزل ثم انثنت تبغي الحدور كأنها ... طير أسف مخافة من أجدل بين الأنهار والأزهار في العشايا والأبكار: ورب عشية فيها طفقنا ... نرود الظل والماء القراحا وقد ضرب الضيب بها قبابا ... على الأدواح أبهجت البطاحا كان جنابها يخضر آسا ... فأصبح وهو مبيض أقاحا كأن الخضر جربها يمينا ... ومد عليه جبيل جناحا

стр. 141

وما زلنا في طريقنا ذلك نتجول على تلك المنازل، ونتحول في تلك الخمائل، ونضرب في الأرض كالعقبان الكواسر والليوث الخوادر، إلى أن وصلنا إلى مدينة) الجزائر (فدخلناها في يوم الأحد الثاني لذي قعدة من العام المذكور فأصلحنا بها الأحوال وجددنا منها الترحال، وخرجنا ضحوة يوم السبت الثامن لذي قعدة المذكور وسرنا بعزم غير مرتاب وسير يطوي البيد طي السجل للكتاب، إلى أن وصلنا إلى مدينة) تلمسان (وقد انجلى ظلامها وأزيل عن يد الباطل زمامها، وعوفيت من اختلالها، وشفيت من اعتلالها وأشرق منها الجو وأنار، ولاح للعدل بها علم ونار، فدخلناها يوم الأربعاء التاسع عشر لذي قعدة من العام المذكور، وخرجنا منها عشية يوم الجمعة الحادي والعشرين لذي قعدة المذكور فنزلنا تلك الليلة على بعض قراها. واستعملنا ما كنا استصحبنا من قراها ثم قمنا للرحيل وأدلجنا وما عجنا على غير المسير ولا عرجنا، إلى أن وصلنا) هنين (والشمس مستوفية اللالاء، مرتقية درجة العلياء، لا إلى هؤلاء إلى هؤلاء في يوم السبت الثاني والعشرين لذي قعدة المذكور فوافقت قرقورة كانت هناك قد كملت وسقا، وخفقت بنودها للسفر خفقا، وقلدت القرية وعملت على المرية فاستخرت الله تعالى في ركوبها، ودعوته في تيسير مرامها ومطلوبها، وخرجت من هنين راكبا فيها يوم الأربعاء السادس والعشرين لذي القعدة المذكور وحين فرغت من الأرض وصحوت من سراها وممساها قربت إلى الفلك باسم الله مجراها ومرساها، وما زلت بين قوادمها وخوافيها إلا حظ المنايا حينا وحينا أكاد أوافيها قد تبدلت من ظل علا ومفاخر، بقفر طامي اللجج زاخر وعوضت من صهوات الخيل، بصهوات اللجج والليل حتى آليت ألا ودع الريح تحية، ولا يورثني هبوبها أريحية، فهي التي أثارت من الموج حنقا، ومشت عليه خببا وعنقا، حتى أعادته كالكثبان وأصارت المركب فوقه يتلاعب كقضيب الآن وأخرجته عن طريقه وأزالت كل واحد منا عن مركزه وفريقه. ورقت غصصه وأغصته بريقه، حتى لكاد يغوص في اللجاج ويخوض عليها بحر عجاج إلى أن حط بي في مرسى) مجاقر (الشراع والسفين، وآويت من جزيرة الأندلس الكريمة إلى الكهف المنيع والمكان المكين. واستقبلت مواطن ظلال السيوف فقلت ادخلوها بسلام آمنين) وقد جاء (عن النبي ﷺ آثار في فضل الأندلس وفضل الجهاد فيها والرباط في ثغورها، وعلى سواحل بحورها، في فضل العابرين في البحر برسم الرباط فيها والجهاد وتكثير السواد، فمن ذلك ما حكاه ابن حبيب قال: روى عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت قال النبي ﷺ سينقطع الجهاد والرباط من المشرق والمغرب إلا جزيرة بالمغرب يقال لها الأندلس الذي يرابط بها على ساحل بحرها من وراء عورة المسلمين أفضل من شهيد يتشحط في دمه وحدث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ أن أعظم رباط خلقه الله على جديد الأرض جزيرة بالمغرب الأقصى شرقيها عدو وغربيها عدو وجوفيها عدو وقبليها عدو وهي جزيرة يقال لها الأندلس، وروى عنه أيضا أنه قال خرج رسول الله ﷺ يوما من المسجد فأشار بيده تلقاء المغرب مسلما، فقيل له على من تسلم يا رسول الله قال على أناس من أمتي يكونون في هذا المغرب بجزيرة يقال لها الأندلس إليها آخر ما ينتشر هذا الدين رباط يوم فيها أفضل من رباط عامين في ثغور غيرها حيها مرابط وميتها شهيد، تحشرهم السحاب يوم القيامة من وراء هذا البحر الكافر على ظهورها فتمطرهم على أرض المحشر كما تمطر السحاب الماء وهم ممن استثنى الله تعالى في كتابه: [فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا أن شاء الله] قيل يا رسول الله بم نال أهل الأندلس هذه الفضيلة، قال بجهادهم ورباطهم فيها وبأخذهم مذهب أهل المدينة خير أمتي في المحيا والممات وأني سألت الله ألا يبتليهم ببدعة حتى يلقونين وقال ﷺ ، طوبى لمن أدرك زمانا يدخل الإسلام الأندلس ويرابطون في ثغورها في آخر الزمان فهم بمنزلة المرابطين من أهل بدر من المهاجرين والأنصار ثم قال من رابط في ذلك الزمان ساعة واحدة كتب له من الثواب عدد كل نفس في الدنيا، وروى عن شهر بن حوشب أنه قال ما من بقعة من الأندلس إلا ولها ثواب لا يدركه إلا العاملون يبعث الله ﵎ أهل الأندلس يوم القيامة على حدة لا يخالطهم أحد، قد جللهم النور

стр. 142

والبهاء وهم رؤساء المجاهدين، وقال أبو جعفر الطبري: قال كعب الأحبار يعبر البحر إلى الأندلس قوم يعرفون بنور وجوههم يوم القيامة وقال وهب بن منبه يرفعه إلى رسول الله ﷺ انه قال ستفتح بعدي جزيرة يقال لها الأندلس يأتي الصغير منهم والكبير يوم القيامة يمطرهم على بيت المقدس كما تمطر السحاب الماء وهذه الأخبار إن صحت فيها ونعمت وإلا فالقاعدة تقتضي صحة المعنى فيها إذا الأصل في الأجر والثواب في ذلك أن يكون على قدر تعب النفس وتعنيها، وفضل الأندلس مبين ومكانها من القلوب مكين ولقد أنصفها حين وصفها أبو عمارة البصري بقوله: لله أندلس وما قد جمعت ... من كل ما جمعت له الأهواء فكأنما تلك الديار كواكب ... وكأنما تلك البقاع سماء وبكل قطر جدول في جنة ... ولعت بها الأفياء والأنواء ثم رحلنا من ذلك المرسى وتبدلنا من تلك الوحشة أنسا، وأهل تلك الأقطار، يطيرون إلينا كل مطار، في تلك الأودية والأنهار، بين سار بالليل وسار بالنهار: يا ساري الليل هل من رامة خبر ... فأنني لسواه ليس أنتظر بالله ربك خبرني فها كبدي ... تكاد من ذكرهم بالوجد تنفطر أحباب قلبي وجيرني وأهل مني ... روحي إذا طربت والسمع والبصر أعندكم أنني من بعد فرقتكم ... لا أستلذ بما يهوى له النظر ترى أراكم على بانات كاظمة ... والعذل قد غاب والأحباب قد حضروا ويجمع الله شملا طالما لعبت ... به الليالي ولم يسعف له القدر فدخلت مجاقر المذكور في يوم الأحد الموفى ثلاثين لذي القعدة المذكور: كل المنازل والبلاد عزيزة ... عندي ولا كمنازلي وبلادي فأنخنا بها من عطن، وقد أشرفنا بحمد الله على ثنايا الوطن: وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار وبتنا بها نعالج آلام الأشواق، ونطارد ذوات الأطواق، ولما طرب طائر السحر وأذهب الصبح ما بصدر الساهر من الوحر، فوقت سهم العزم وأطرت عن زنده شرار الحزم، وأدخلت على معتل التواني حرف الجزم، وخرجت منها في صبيحة يوم الاثنين أول يوم من ذي الحجة من عام أربعين المذكور، وسرنا في ظل ظليل وزهر بليل وهواء صحيح ونسيم عليل: وحدائق ينسيك وشى برودها ... حتى تشبهها سبائك عبقر يجري النسيم خلالها وكأنها ... غمست فضول ردائه بالعنبر في ضفتي نهر وادي المنشور الملتوي كالأيم الذاهب منظره بالسئام والأين، من نهر يدوخه هبوب النسيم ويتراءى الشقائق كأنه العذار في وجه الوسيم، ونحن نخف في سبيل دلالته، ونلتحف بظل جلالته ونغازل تلك الأغصان، ونعتد من أوراقها بخرصان وننظر ذلك النهر السلسال، فنذكر دمع المهجور إذا سال: أحن إلى الوادي ومن فيه نازل ... ومن أجل من فيها تحب المنازل وأشتاق لمع البرق من نحو أرضكم ... ففي البرق من تلك الثغور رسائل يرنحني مر النسيم لأنه ... بأعطاف ذاك الزند والبان مائل وإن مال بان الدوح ملت صبابة ... فبين غصون البان منكم شمائل ولي أرب أن ينزل الركب بالحما ... ليسأل دمعي وهو للركب سائل بي أنه لا تنقضي أو أراكم ... ويصبح نجد وهو بالحي آهل وما برحنا تلتحف من ظل أيكه أبردا، وكأنما دخلنا منه صرحا ممردا، وأوطأنا المطى من أديمه زردا، والناس قد ثاروا إلى، وأطالوا التسليم على، وتفاوض في ذلك سرهم ونجواهم، فما زالت تلك دعواهم حتى دخلت بلدي) قتورية (حرسها الله تعالى: هي الدار لا أصحوبها عن علاقة ... لأمر لنا بين الجوانح مضمر

стр. 143

فجاد على أرجائها الغيث إنها ... منازل جيران كرام ومعشر ودخلت عند أذان العصر من يوم الاثنين المذكور فاجتمع والحمد لله الشمل وسر الأحباب والأهل: وألقت عصاها واستقرت بها النوى ... كما قر عينا بالإياب مسافر فاستوطناها قرار، ولم نشم بعد العشية من نجد عراران وذكرت عند ذلك مخاطبا أهلا ودارا: صب يحث مطاياه بذكركم ... فليس ينساكم إن حل أو سارا لو يستطيع طوى الأيام نحوكم ... حتى يبيع بعمر القرب أعمارا يرجو النجاة من البلوى يقربكم ... والقرب يلهب في أحشائه النارا وحللتها حلول الحياة بالجسم، والأعراب في آخر الاسم، فاتقد سراج الأنس في ليل ذلك التوهم، وأومض برق التبسم في وجه ذلك التجهم، ومضى لنا من ذهول الألباب، ومحادثة الأحباب، ومجاذبة أهداب الآداب: يوم كأن نسيمه من عنبر ... وتخال أن أديمه من جوهر لو باعت الأيام آخر متله ... بالعمر أجمع كنت أول مشتري وقد قيل ليس تعدل ساعة الفراق إلا ساعة اللقاء: فلولا البعد ما حمد التداني ... ولولا البين ما طاب التلاقي فجاءت هذه الغيبة المباركة خمسة أعوام إلا شهرين اثنين وثمانية عشر يوما. ومن النادر أني لما أتممت هذه الرحلة المباركة وأصبحت بمنزلي أول صباح أصبحته فيه صليت الصبح وجعلت أقرأ في مصحف كريم بين يدي إلى أن غلبتني عيناي فسمعت هاتفا يهتف بي وأنا بين النائم والمستيقظ وهو ينشدني هذين البيتين ولم أكن قط سمعتهما وهما: تم للعشاق أمرهم ... وكذلك الأجر قد كملا فاعذر العشاق أنهم ... قد جفاهم كل من عذلا وها أنا أقف موقف الخجل والتقصير، وأسأل الله العلي الكبير، بجاه سيدنا ومولانا محمد رسوله البشير النذير، أن يجعله حجا مبرورا سعيا مباركا مشكورا وعملا صالحا متقبلا مذخورا وأرغب ممن وقف على التقييد من الأولياء أن يخلص في التأمين على هذا الدعاء، وأن يتفضل بالسمح والصفح والأغضاء ويعلم أن اللسان يقصر ومعاني الكلام لا تنصحر، وقديما قيل من ألف فقد استهدف ومن ركب الأكثار، لم يسلم من العثار والمرء مستور ما لم يؤلف تأليفا أو يقل شعرا، وهذا ما سنح مع الكد والاجتهاد، واجتهاد مقصر خير من تقصير ذي اجتهاد، وأختم هذا المجموع بما أنشدني لنفسه بحرم القدس الشريف الشيخ الإمام الأوحد جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن نباتة المتقدم الذكر وذلك: دعوني في حلي من العيش مائسا ... ومرتقبا من بعده عفو راحم أد إلى ذات الأساور مقلتي ... وأسأل للأعمال حسن الخواتم اللهم اختم لنا بالحسنى وبوئنا من رضاك المحل الأشرف الأسنى، انك أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا ومولانا خاتم النبيين والمرسلين، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كملت الرحلة المباركة بفضل الله تعالى وحسن عونه الموالي والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى وحسبنا الله سبحانه مفوضا إليه وكفى.) وبخط عبيد الله سبحانه الفقير الخائف المشفق الراجي المستغفر خالد بن أحمد بن خالد المؤلف بن عيسى بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي ابن أبي خالد البلوي تاب الله عليه، ورده ردا جميلا إليه، برحمته وفضله وأكملها في اليوم الحادي والعشرين لصفر المبارك من عام تسعة عشر وثمانمائة، وذلك برشانة المحروسة بفضل الله من خط جدي ﵀ المؤلف والد والدي رحمة الله عليهم أجمعين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا أثيرا إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما قال خالد بن أحمد بن خالد المؤلف رحمه الله تعالى: نقلت من خط مولاي الجد ما كان مكتوبا على ظهر نسخته التي انتسخت هذا منها ما هذا لفظه:

стр. 144

كملت الرحلة المباركة التي هذه آخر نسخة منها بخطي وهي التي اعتمدتها وعولت عيها بفضل الله تعالى وحسن عونه الموالي، والحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وحسبنا الله سبحانه مفوضا إليه وكفى، وبخط مؤلفها ومنشئها عبيد الله الفقير الخائف المشفق الراجي المستغفر خالد بن عيسى بن احمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن أبي خالد البلوي تاب الله تعالى عليه ورده ردا جميلا إليه برحمته وفضله، وأكملها في اليوم الآخر من الشهر المبارك السعيد شهر ربيع الأول من عام سبعة وستين وسبعمائة، وذلك برشانة من وادي المنصورة حرسها الله مدة ولايتي للقضاء بها حسن الله فيه العاقبة وأجمل الإنابة إليه ، وختم بخير وسعادة أبدية برحمته وكرمه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وعلى جميع النبيين والمرسلين والملائكة والمقربين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين انتهى ما ألفيته بخط جدي رحمه الله تعالى وصلى على سيدنا محمد وآله، وبعد هذا بخطه رحمه الله تعالى ما نصه قال خالد بن أبي خالد: وخط بيده لطف الله تعالى به بفضله ورحمته لله وصلاته وسلامه الأكملان على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه هؤلاء العلماء الفضلاء الذين أثبت أسماءهم هنا بعد هذا القسم الثاني من الذين مدحوا هذا الكتاب المفروغ منه قبل هذه الكراسة وكتبوا ما نظموه ونثروه من ذلك بخطوطهم في المبيضة الأولى من هذه الرحلة المذكورة وهم الذين أشرت إليهم ونبهت عليهم في الوراق الأوائل من ظاهر هذا الكتاب قبل ترجمتها فأولهم الشيخ الفقيه القاضي العالم المحدث القدوة أبو القاسم بن سلمون بن علي بن سلمون الكناني أبقى الله بركته كتب بخطه من نظمه على أول مبيضة منه بعدما طالعه واستوفاه نظراً واستحسنه غاية الاستحسان أدباً ونثراً ما نصه: وقرأته عليه وسمعته من لفظه وذلك لفظه بالمرية المحروسة مدة قضائه بها في وسط شهر ربيع الأول المبارك من عام ستة وخمسين وسبعمائة: يا روضة من جنان الخلد يانعة ... أتى بها خالد تندى أزاهرها تحوي غرائب من شعر ومن أدب ... ومن علوم بانت سرائرها فيا لها رحلة أو حلية بهرت ... لأهل فضل بهم جلت مفاخرها صيغت قلائد من بحر البيان لهم ... فيا لها حلية فاقت جوارها وحق للشرق أن يزهى بطلعتها ... إذ هي شمس أنار الأفق باهرها وللمعارف أن تسمو بمطلعها ... أبى البقا خالد إذ هو ماهرها الشيخ الفقيه القاضي العدل الرضي المتفنن الفاضل أبو عبد لله محمد بن سعد المعروف بابن النجار، كتب بخطه من نظمه على المبيضة الأولى من هذه الرحلة المذكورة بعد أن طالعها واستوفى، واستحسن وأثنى ما نصه: وقد سمعته منه وقرأته عليه، وذلك بالمرية في عقب شهر ربيع الأول المبارك من عام ستة وخمسين وسبعمائة: خلدت يا خالد فوق السماك ... بهذه الرحلة قدرا علاك نزهت منها في رياض ندا ... أيادي كبرى اقتضاها نداك سميتها اجا تحلت به ... مفارق الأعلام درا ثناك الست صدرا في القضاة العدول ... اقتبست أنوارها من سناك فأنت ما حليتهم إنما ... قسمت بالعدل عليهم حلاك أريتنا مفترقا فيهم ... ما فيك بالإجماع مجموع ذاك فبارك الله تعالى اسمه فيما به ... من ذي المعالي حباك ودمت لا تمد للثم في ... أندية التعظيم الأيداك الفقيه الأجل الكاتب البارع الناظم الناثر ذو الخط الفاتن الساحر والأدب البارع الباهر والشمائل الزكية المفاخر العذبة الأوائل والأواخر أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سلمة الغرناطي وقف على المبيضة الأولى بمنزلي من وطني قتورية مهنئا لي به بعد قدومي من الوجهة المشرقية المشروحة في هذه الرحلة المذكورة فكتب عليها بخطه الرائق المعجب البديع ما نظمه على البديهية بحضري وسمعته منه وقرأته عليه ونصه: أيها الحبر الذي ... فاق علما وأدب وسجاياك التي ... دونها ضوء الشهب أن ما تكتبه ... لغريب المكتتب تلقح الأذهان عنها ... نهى لا تستلب إنها من درر ... وسواها من خشب حق أن تكتبها ... أو نوفي ما يجب بسواد العين ل ... يس بصفرة الذهب

стр. 145

الفقيه الأجل الأفضل الأزكى العدل الرضي الأسدي، الأكمل أبو الحجاج ابن حصن وقف على النسخة الأولى من هذه الرحلة ببلده بلش في وجهتي إلى) مالقة (وإلى غريبها برسم لقاء العلماء الفضلاء وذلك في شهور ست وخمسين وسبعمائة فكتب عليها بخطه ما نصه، وعليه قرأته ومنه سمعته، لما وقف العبد الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه يوسف بن علي بن محمد بن علي بن محمد الخولاني ثم ابن حصن الشاطبي المحتد البلشي المولد على هذه النسخة بل الرحلة المباركة المآثر الشريفة الأوائل والأواخر، انشد بلسان المتلعثم مرتجلا وقريحة التقصير مستعجلا: لاح من الشرق هلال سما ... فاق به مغربنا مشرقا جاء من اليم بدر يضيء ... قلبا من الغم له مشرقا رحلة الحج من حلا خالد ... حاز من المجد بها مفرقا ) الفقيه الوزير الكاتب (الماهر الناظم الناثر أبو جعفر احمد بن زرقالة وقف عليها وكلف بها ونسخ بخطه البارع الرائق العجيب نسخا منها وقرأها علي بلفظه وسمعها بلفظي وبلفظ غيري بالمرية المحروسة مرات كثيرة ونظم في مدحها مقطوعات عديدة وقصائد جملة جميلة واعتني بها غاية الاعتناء وجمع كل من نظم فيها شيئا من النظم أو النثر في مجموع رائق أنيق حافل منفرد بنفسه وعرف بهم تعريفا حسنا نفعه الله بقصده، فمما نقلت هنا من نظمه الذي كتبه على النسخة الأولى من هذه الرحلة، ما نصه مقترنا بما قبله وبعده، وذلك الحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده، يقول كاتب هذه بخطه عبد الله الراجي رحمته أحمد بن محمد بن زرقالة ختم الله له تعالى بالسعادة لما وقفت على هذه الرحلة البارعة من إنشاء شيخنا رئيس الأدباء وإمام الفصحاء البلغاء أبي البقاء أطال الله بقاءه ووالى سموه وارتقاءه نظمت بديها بتاريخ اليوم التاسع عشر لشهر ربيع الأول من سنة ست وخمسين وسبعمائة: لله تاج وأي تاج ... حلى بالدرر والجواهر نزهتني منه في رياض ... مختلف النور والأزاهر جرت عليه الصبا ذيولا ... فنم عرف شذاه عاطر ثم كتبت ونظمت بعد ذلك: وشيت التاج يا تاج المعالي ... فجل على المفارق والرؤوس رقمت جهاته ورشقت فيها ... بمسك الحبر كافور الطروس فلم أر قبله في الطرس تاجا ... يرصع عاجه بالأبنوس ومما كتبت هنا في قصائده التي نظمها في ذلك وكتبها هنالك قوله، وكتبتها هنا بما قبلها وبعدها الحمد لله حق حمده، ومما نظمه كاتب الأبيات أسفل الصفح يسرته أحمد بن محمد بن زرقالة وفقه الله وخاطب به مصنف هذه الرحلة شيخه القاضي الجليل الحسيب الفاضل ذاتا وأداوة وخلقا وبيتا أبا البقاء خالدا حفظ الله مجده وبتاريخ اليوم الثالث والعشرين لربيع الأول من سنة ست وخمسين وسبعمائة ما نصه: توجت أهل الشرق تاج جلالة ... أزرى بتيجان بني قحطان ونظمت ذكرهم بأسلاك العلي ... نظما كنظم الدر والمرجان ورفعت راية كجدهم وفخارهم ... وكسوتهم حللا من الإحسان من دونها ما دبجته يد الندا ... في الروض غب العارض الهتان خلدت خالد من حلى آثارهم ... كجدا تقر بمثله العينان وأتيت من بدع البديع برحلة ... بل حلة موشية الأردان أو روضة قد جادها صوب الحيا ... فتزينت بزخارف الألوان تهديك من نفحاتها أرج الصبا ... مسكا يضوع شذاه كل أوان شغفت بها مهج سمت لكنها ... حلت محل الروح من جثمان لا سيما إذ أفحصت بحديث من ... حل الحما من ساكني نعمان سحرت محاسنها النهى فكأنها ... وكأنه كالورد للظمئان وترى القلوب تصيخ نحو حديثها ... آذانها سبقا إلى الآذان قد أمحضت من لؤلؤ ألفاظها ... وصفت معانيها من لعقيان مارئ قط بمثلها فيما مضى ... من سالف الأحقاب والأزمان ظرفا وترتيبا وحسن عبارة ... لا يحتذى منها مزيد بيان لم لا تكون بهذه الأثر التي ... قد أشرفت شرفا على كيوان وحللت من رتب البراعة ذروة ... بوئت منها في أعز مكان فيمد فكرتك البيان بديمة ... لسحابها سمو يدا سحبان ومتى رقمت الطرس أو وشيته ... أنسيت وشى أزاهر البستان
следующие страницы →