Полный текст (148 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل ﵇ قائما يقول يا محمد استلم، وفي حديث آخر أنه قال ما أتيت الركن اليماني قط إلا وجدت عنده جبريل وهو يقول يا واحد يا ماجد لا تسلبني نعمة أنعمت بها علي، وفي حديث أبن عباس قال وقف جبريل ﵇ وعليه عصابة خضراء قد علاها الغبار فقال له رسول الله ﷺ ما هذا الغبار الذي علا عصابتك أيها الروح الأمين قال ان الملائكة أمروا بزيارة هذا البيت فازدحمت على الركن فهذا الغبار الذي ترى ما تثير الملائكة بأجنحتها.
وروي أن عباس ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال ان الله ينزل كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة على هذا البيت ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناضرين.) والباب الكريم (مرتفع من الأرض بأحد عشرا شبرا أو نصف وهو من فصة مذهبة الصنعة رائق الصفة يستوقف الأبصار حسنا وخشوعا للمهابة التي كسا الله بيته وعضادته كذلك والعتبة العليا كذلك وعلى رأسها لوح ذهب خالص إبريز في سعته مقدار شبرين وللباب نقرتا فضة كبيرة تان يتعلق عليها قفل الباب وهو ناظر للشرق وسعته ثمانية أشبار وطوله ثلاثة عشر شبرا وغلظ الحائط الذي ينطوي عليه الباب خمسة أشبار وداخل البيت المكرم مفروش بالرخام المجزع وحياطنه كلها رخام مجزع قد قام على ثلاثة أعمدة من الساج مفرطة الطول متوسطة فيه وبين الأعمدة أقواس من الفضة عددها ثلاثة عشر، واحدها من ذهب خالص وظاهر البيت كله من الأربعة الجوانب مكسو ستورا من الحرير الأكحل وفي أعلاها رسم بالحرير الأبيض فيه مكتوب:) ان أول بيت وضع الناس الذي ببكة مباركا وهدي للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فان الله غني عن العالمين (، واسم الخليفة الإمام وفي سعته قدر ثلاثة أذرع يطيف بها كلها قد شكل في هذه الستور من الصنعة الغريبة أشكال محاريب رائقة ورسوم مقروة مرسومة بذكر الله تعالى وبالدعاء للإمام العباسي الآمر بإقامتها وعدد الستور من الجوانب الأربعة أربعة وثلاثون سترا، وقد وصلت كلها فجاءت كأنها ستر واحد يعم الجوانب الأربعة محيطة الأعلى والأسفل وثيقة العرى والأزرار لا تخلع إلا من عام إلى عام عند تجديدها، فسبحان من خلد لهذا البيت الكريم الشرف إلى يوم القيامة) والبيت العتيق (مبني بالحجارة الكبار الصم قد رص بعضها على بعض وألصقت بالعقد الوثيق إلصاقا لا تحيله الأيام ولا تفصمه الأزمان وله خمسة مضاو عليها زجاج عراقي بديع النقش وفيه باب يسمى باب الرحمة يصعد منه إلى سطح البيت الكريم داخله الأدراج ولمعاينة البيت الكريم هول يشعر النفوس الذهول، ويطيش الأفئدة والعقول، فلا تبصر إلا لحظات خاشعة وعبرات هامعة وألسنة إلى الله تعالى داعية ضارعة لا يمل النظر إليه ولا يسأم الطواف به، ولا يبرح التلفت له، ولا تزال القلوب مشغوفة بحبه إذا غابت عنه أبدا) هذا البيت المكرم (وهو عروس الفلك الأرضي، واقتضى النص أنه أول موضع للناس.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع الناس فقال المسجد الحرام ثم بيت المقدس وسئل كم بين وضعهما فقال أربعون سنة وفي الخبر أول ما خلق الله القلم وأول مسجد وضع في الأرض المسجد الحرام وأول جبل وضع في الأرض أبو قيبس وقيل ان وقيل ان أول من بناه في الأرض آدم ﵇ ولما أهبط من الجنة قالت له الملائكة طف حول هذا البيت فقد طفنا به قبلك بألفين ودحيت الأرض من تحته، وقيل أول من بناه إبراهيم ﵇ ثمن بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبنته قريش.
стр. 72
وروى أبو هريرة قال: كانت الكعبة زبدة بيضاء على وجه الماء عليها ملكان يسبحان الله تعالى قبل خلق الأرض بألفي سنة وسئل علي ﵁ عن أول بيت وضع في الأرض فقال له انه كان قبل هذا البيت بيوت كثيرة ولكنه أول بيت وضع الناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة، وقد ورد في الآثار ان إبراهيم ﵇ لما بنى الكعبة أمره الله سبحانه أن يقف على جبل من جبال الأرض وأحيا له الأولين والآخرين إلى يوم القيامة وأمره أن ينادي في الناس ان ربكم بنى بيتا فحجوه فأجابه كل من سبق القضاء بحجه وأحياهم حتى سمعوا خطابه وهو أحد الاحياءات الخمسة التي يتطور فيها الآدمي وينام فيها وقيل أنه كان من موضعه بيت فرفع إلى السماء الرابعة فالملائكة تطوف به في السماوات كالبيت الذي بمكة، وقد صح في الشريعة وتواتر أنه أحب بقاع الأرض إلى الله وإنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة وتقطعهم وقيل لأن الناس يتبكون فيها أي يزدحمون في أيام الحجيج وبكة ومكة اسمان على مسمى واحد وقيل مكة البلد وبكة موضوع المسجد والصحيح هو الأول والمراد من الوضع المذكور في الآية الكريمة أن الله سبحانه وضعه متعبدا للناس وقبلة لهم تنبيها على تخصيصه وتشريفه ووصفه بالبركة ظاهر لأنه يحمل لمن حجه أو اعتمره الخير والزيادة التامة وتكفير الذنوب والآيات التي فيه هي مقام إبراهيم وأمن من دخله، وأثر القدم في الصخرة الصماء وغوصه فيها إلى الكعبين. . .
стр. 73
وإثباته إلى الآن مع ذهاب سائر آيات الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه كما قال تعالى ويتخطف الناس من حولهم) وورد في الأثر (أنه لما أرتفع بنيان الكعبة وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة وقام على هذا الحجر فغاصت فيه قدماه، ولما نظر رسول الله ﷺ إلى الكعبة قال مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم حرمتك. وفي الحديث عنه ﵇ ما من أحد يدعو الله عند الركن الأسود إلا استجاب الله له، وكذلك عند الميزاب وعنه ﵇ من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وحشر يوم القيامة من الآمنين، ومن آيات البيت العتيق أنه قائم وسط الحرم الشريف كالبرج المشيد وله التنزيه الأعلى، وحمام الحرام لا تحصى كثرة وهي من الأمن بحيث يضرب المثل بها ولا سبيل أن تنزل بسطحه الأعلى حمامه ولا تحل بوجه ولا على حال فترى الحمام يتخلل على الحرم كله فإذا قربت من البيت عرجت عنه يمينا أو شمالا والطيور سواها كذلك وفي أخبار مكة أنه لا ينزل عليها طائر إلا عند مرض يصيبه فأما يموت لحينه أو يبرأ فسبحان من أورثه التشريف والتكريم، ومن آياته أيضا أن بابه الكريم يفتح في أيام معلومة والحرم قد غص بالخلق فيدخله الجميع ولا يضيق عنهم بقدرة الله ولله الآيات البينات البراهين المعجزات. : ومن عجائب اعتناء الله ﵎ به أنه لا يخلو من الطائفين ساعة في النهار ولا وقتا من ليل فلا تجد من يخبر أنه رءاه دون طائف به فسبحان من كرمه وعظمه، وموضوع الطواف مفروش بالرخام البديع وقد اتسع عن البيت بمقدار تسع خطى وسائر الحرم مع البلاطات كلها مفروش برمل أبيض، وطواف النساء في آخر الرخام المفروش، وقد جدد ترصيعه ونمق تنميقا بديعا فيه تواريخ مرسومة ومنها ما نصه) بسم الله الرحمن الرحيم أمر بعمارة المطاف الشريف سيدنا ومولانا الإمام الأعظم، المفروض الطاعة على سائر الأمم أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، بلغه الله آماله، وزين بالصالحات أعماله، وذلك في شهر وسنة إحدى وثلاثين وستمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله) والحجر (من الركن العراقي إلى الركن الشامي يقابل الصفح الذي فيه الميزاب، وفي ارتفاع جدار الحجر ستة أشبار، وسمكه أربعة أشبار ونصف وداخل الحجر مفروش بالرخام المجزع المقطع في دور الكف إلى دور الدينار إلى ما فوق ذلك ودونه. ثم الصق بانتظام بديع وتأليف عجيب معجز الصنعة غريب الإتقان رائع الترصيع والتجزيع وفي صحن الحجر بمقربة من جدار البيت المكرم قبر إسماعيل ﵇، وإلى جانبه مما يلي الركن العراقي قبر أمه هاجر ﵂، والميزاب في أعلى الصفح الذي على الحجر المذكور من صفر مذهب يغشى الأبصار، وقد خرج عن صفح البيت بمقدار أربعة أذرع وسعته مقدار شبر، وهذا الموضع تحت الميزاب، وهو أيضا مظنة استجابة الدعوة) بفضل الله تعالى (وموضوع المقام الكريم وهو الذي يصلي خلفه يقابل ما بين الباب الكريم والركن العراقي، وعليه قبة خشب مركنة محدودة بديعة النقش، قد نصبت على الموضع الذي كان فيه المقام وبازاء المقام الكريم منبران كبيران حسنان فيهما ضروب من قطع الخشب الملون المتخير المنتقي المستجاد، والجديد منها منقش من جميع جهاته ووجوه درجه وتاجه المذهب بأبدع نقش وأحدقه، وصنائعه مقسومة على تصنيف وتشجير منطبعة كانطباع نسيج الديباج الهاشمي واليوسفي في الاعتدال والرونق مسمر بمسامير الفضة الخالصة المذهبة، مقضب بصفائح الفضة المرفشة منقوش عليه برسم الذهب ما نصه:) مما عمل برسم الحرم الشريف في شهور سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة (.
стр. 74
ومن فضائل البيت الشريف ما خصه الله تعالى به من بئر زمزم وما جعله الله في هذا الماء. ومن الفوائد والمنافع لكل ما شرب له فمن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال رسول الله ﷺ ماء زمزم لما شرب له ومنها ما رواه ابن العباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق، ومنها ما رواه الضحاك بن مزاحم قال: بلغني ان التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق وان ماءها يذهب بالحمى والصداع وان الاطلاع فيها يجلو البصر وانه سيأتي عليها زمان تكون فيه أعذب من النيل والفرات وقبة بير زمزم تقابل الركن الأسود، ومنها إليه أربعة وعشرون خطوة وداخلها مفروش بالرخام الأبيض الناصع البياض) وتنور البير (المباركة في وسطها وهو من رخام قد ألصق إلصاقا لا تحيله الأيام وقد حف به من أعمدة الرصاص الملصقة إبلاغا قي قوة لزه ورصة اثنان وثلاثون عمودا قد خرجت لها رؤوس قابضة على حافة البير دائرة بالتنور كله ودوره أربعون شبرا وارتفاعه أربعة أشبار ونصف وغلظة شبر ونصف وقد استدارت بداخل القبة سقاية لملأ ماء للوضوء وحولها مصطبة دائرة يرتفع الناس إليها ويتوضئون عليها وفي ماء زمزم أمر عجيب وذلك أنه إذا شرب عند خروجه من قراراته يوجد حاسة الذوق كاللبن عند خروجه من الضرع دفيئا وهو لما شرب له، وإذا صب منه من يجد إعياء أو كسلا من أمر متعب للبدن وجد الراحة والنشاط عليه وبظاهر جدار القبلة المباركة مكتوب بالخط الرائق المذهب ما نصه، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال رسول الله ﷺ من طاف بالبيت سبعا وصلى خلف المقام ركعتين وشرب من ماء زمزم غفر الله له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت تقبل الله ممن عمل بهذا الحديث، ودعا لمن أسس هذه السنة الحسنة من هذا الحرم الشريف في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
стр. 75
وتلي قبلة بير زمزم من ورائها قبة الشراب وهي المنسوبة للعباس ﵁ لأنها كانت سقاية الحاج، وهي كذلك له لان فيها يبرد ماء زمزم وتلي هذه القبة العباسية على انحراف عنها قبة أخرى وهاتان القبتان مخزنان لأوقاف البيت الكريم من مصاحف وكتب وشمع وغير ذلك والمسجد الحرام تطيفه به من جهاته الأربع ثلاث بلاطات على ثلاث سوار من الرخام منتظمة كأنها بلاط واحد، ذرعها في الطول أربعمائة ذراع وفي العرض ثلاثمائة ذراع فيكون تكسيره محققا ثمانية وأربعين مرجعا وعدد سواريه الرخامية أربعمائة سارية وأربع وثمانون سارية حاشا الجبصية التي منها في دار الندوة وعند باب إبراهيم.) وللحرم الشريف (أربعة أئمة وكل واحد من الأئمة الأربعة صلاته تحت حطيم له مصنوع من الخشب البديع النجارة، فالمالكية تصلي قبالة الركن اليماني، والشافعية خلف المقام والحنفية قبالة الميزاب في البلاد الآخذ من المغرب إلى الجنوب والحنبلية تقابل ما بين الحجر الأسود والركن اليماني في البلاط الآخذ من المغرب إلى الشمال. ويطيف بهذه المواضع كلها دائر البيت العتيق وعلى بعد منه يسيرا مشاعيل توقد في صحاف من حديد فوق خشب مركوزة فيتقد الحرم الشريف كله نورا، وتوضع بين أيدي الأئمة في محاريبهم وللحرم الشريف سبع صوامع أربع في الأربعة الجوانب وواحد في دار الندوة، وأخرى على باب الصفا وأخرى على باب إبراهيم وللحرم الشريف نيف وأربعون لها أسماء منها باب القائد ويسمى أيضا باب الخياطين وباب العباس ﵁ وباب علي ﵁ وباب بني شبية وباب الرباط وباب الندوة وباب دار المجلة وباب السدة وباب العمرة وباب إبراهيم ﵇ وباب جزورة وباب جياد وباب غزوة، ومن باب الصفا إلى باب الصفا ست وسبعون خطوة والصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة وقد أحدقت به الديار وفي سعته سبع عشر خطوة، والميل سارية خضراء وهي خضرة صياغية وهي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم الشريف وفيها يرمل في السعي إلى الملين الأخضرين، وهما أيضا ساريتان خضراوان على الصفة المذكورة الواحدة منهما بازاء باب علي ﵁ في جدار الحرم الشريف وعن يسار الخارج من الباب والميل الآخر يقابله في جدار دار وعلى كل واحد مهما بازاء لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج المنقوش فيه برسم مذهب " ان الصفا والمرة من شعائر الله ") الآية (، وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيئ بأمر الله أمير المؤمنين أعز الله نصره، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. فجميع خطا الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة وثلاث وتسعون خطوة، وأدراج المروة خمسة وهي بقوس واحد كبير، وسعته سعة الصفا سبع عشرة خطوة والخطوة ثلاثة أقدام، وما بين الصفا والمروة) مسيل (هو اليوم سوق حافلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب والمبيعات وغيرها. ومكة شرفها الله تعالى هي بلدة قد وضعها الله تعالى بين جبال محدقة بها وهي بطن واد مقدس كبيرة مستطيلة تسع من الخلائق عددا لا يحصيهم إلا الله وهي البلد المباركة التي سبقت لها ولأهلها الدعوة الخليلية الإبراهيمية، قال الله : " أو لم حرما آمنا تجبى إليه ثمرات كل شيء " فبرهان ذلك فيها ظاهر إلى يوم القيامة، وذلك أن أفئدة الناس تهوى إليها من الأصقاع النائية، والأقطار الشاحطة، فالطريق إليها ملتقى الصادر والوارد ممن بلغته الدعوة المباركة والثمرات تجبى إليها من كل مكان، فهي أكثر البلاد نعما وفواكه ومنافع ومرافق ومتاجر، ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم، ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب فيباع فيها في يوم واحد فضلا عما يتبعه من الأيام من البر إلى الدر، ومن الذخائر النفيسة كالجواهر والياقوت وسائر الأحجار من أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر والعقاقير الهندية إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة إلى الأمتعة العراقية واليمانية إلى السلع الخرسانية، والبضائع المغربية، إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط، ما لو فرق على البلاد كلها لا قام لها الأسواق النافقة، وعم جميعها بالمنفعة التجارية حاشا ما يطرأ بها مع طول العام من اليمن وسواها فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة من الذخائر إلا وهي موجودة فيها وهي تغص بالنعم والفواكه
стр. 76
والخضر على اختلافها ولا تنقطع منها مع طول العام ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق فيفضل فيها أنواعه الموجودة في سائر البلاد فهذه بركة لا خفاء لها) ولها ثلاثة أبواب (وأولها باب المعلى ومنه يخرج إلى الجبانة المباركة وهي بالموضع الذي يعرف بالحجون وعن يسار المار إليها جبل في أعلاه ثنية عليها علم شبيه البرج يخرج منها إلى طريق العمرة وتلك الثنية تعرف بكداء بفتح الكاف والمد وهي التي عنى حسان بقوله) تثير النقع موعدها كداء (. وعن يمينك إذا استقبلت الجبانة المذكورة مسجد في مسيل بين جبيلين يقال أنه المسجد الذي بايعت فيه الجن النبي ﷺ وبهذه الجبانة المباركة مدفن جماعة من الصحابة والتابعين، والأولياء والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين ويروى أن رسول الله ﷺ قال من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمنا وقال ﵇ الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في الجنة ووقف ﵇ على ثنيه الحجون وليس بها يومئذ مقبرة فقال يبعث الله تعالى من هذه البقعة ومن هذا الحرم يوم القيامة سبعين ألفا فيدخلون الجنة بغير حساب. يشفع كل واحد منهم في سبعين الفا وجوههم كالقمر ليلة البدر. وعلى هذا الباب المذكور طريق الطائف وطريق العراق والصعود إلى عرفات، وهذا الباب المذكور بين الشرق والشمال وهو للشرق أميل،) ثم باب المسفل (وهو إلى جهة الجنوب وعليه طريق اليمن ومنه كان دخول خالد بن الوليد ﵁ يوم الفتح، ثم باب الزاهر ويعرف أيضا بباب العمرة وهو غربي، وعليه طريق مدينة الرسول ﷺ وطريق الشام وطريق جدة ومنه يتوجه إلى التنعيم وهو اقرب ميقات المعتمرين، يخرج من الحرم إليه على باب العمرة، ولذلك خصص بهذا الاسم، والتنعيم من البلد على فرسخ وهو طريق حسن فسيح فيه الآبار العذبة التي تسمى بالشبيكة، وعندما تخرج من البلد بنحو ميل تلقى مسجدا بازائه حجر موضوع على الطريق كالمصطبة يعلوه حجر آخر مسند فيه نقش دائر الرسم يقال أنه الموضع الذي جلس فيه رسول الله ﷺ مستريحا عند مجيئه من العمرة، فيتبرك الناس بتقبيله ومسح الخدود فيه وحق لهم ذلك، وعلى جانبي الطريق من هذا الموضوع جبال أربعة جبلان من هنا وجبلان من هنا عليها أعلام من الحجارة، يقال إنها الجبال المباركة التي جعل إبراهيم ﵇ أجزاء الطير عليها، ثم دعاهن حسبما ذكر الله في كتابه، ثم بعد هذا الموضوع بمقدار غلوة تلقى على قارعة الطريق المتوجهة إلى العمرة من جهة اليسار قبرين قد علتهما أكوام من الصخر العظام يقال أنهما قبر أبي لهب وامرأته فما زال الناس في القديم إلى هلم جرا يتخذون سنة رجمهما بالحجارة حتى علاهما من ذلك جبلان عظيمان، وعند اجتيازك الزاهر وهو مبنى على الطريق يحتوي على ديار وبساتين تمر بالوادي المعروف بذي طوى الذي نزل النبي ﷺ عند دخول مكة، وكان أبن عمر ﵄ يغتسل فيه وحينئذ يدخلها وحولها إلى آبار تعرف بالشبيكة وفيه مسجد يقال أنه فيه مسجد إبراهيم ﵇ فتأمل بركة هذا الطريق ومجموع هذا الآثار المقدسة التي اكتنفته ثم تجئ الوادي إلى مضيق تخرج منه إلى الأعلام التي وضعت حجزا بين الحل والحرم وما هو داخلها إلى مكة حرم وما هو خارجها حل وهي كالأبراج مصفوفة كبار وصغار، واحد بازاء آخر على مقربة منه تأخذ من أعلى جبل يعترض عن يمين الطريق في التوجه إلى العمرة وتشق الطريق إلى أعلى جبل عن يساره، ومنه ميقات المعتمرين وفيها مساجد مبنية يصلي المعتمرون فيها ويحرمون منها ومسجد عائشة ﵂ خارج هذه الأعلام بمقدار غلوتين وإليه يصلي المالكيون ومنه يحرمون وأما الشافعيون فيحرمون من المساجد التي حول الأعلام المذكورة قال الشيخ محيي الدين النوري رحمه الله تعالى جاء عن الحسن البصري ﵁ أنه قال في رسالته المشهورة إلى أهل مكة ان الدعاء يستجاب هناك في خمسة عشر موضعا، في الطواف وعند الملتزم وتحت الميزاب وفي البيت وعند زمزم وعلى الصقا وعلى السعي وفي المروة وفي السعي وخلف المقام وفي عرفات وفي المزدلفة وفي منى وعند الجمرات الثلاث، وأما مشاهدها المقدسة وأثارها العظيمة فهي اكثر من أن تحصى، ومكة شرف الله تعالى كلها مشهد كريم كفاها
стр. 77
شرفا ما خص الله تعالى به من مثابة بيته العظيم وما سبق لها من دعوة الخليل إبراهيم، وإنها حرم الله وأمنه وكفاها أنها منشأ النبي ﷺ الأمي الذي آثره الله بالتشريف والتكريم وبعثه بالآيات البينات والذكر الحكيم، فهي مبدأ نزول الوحي والتنزيل ومهبط الروح الأمين جبريل.
وكانت بمثابة أنبياء الله ورسله الاكرمين، وهي أيضا مسقط رؤوس جماعة الصحابة القرشيين المهاجرين الذين جعلهم الله مصابيح الدين. ونجوما للمهتدين. فمن مشاهدها التي عاينها قبة الوحي وهي في دار خديجة أم المؤمنين ﵂.
وفيها كان أبناء النبي ﷺ بها. وقبة صغيرة أيضا في الدار المذكورة.
وفيها كان مولد فاطمة الزهراء ﵂، وهذه المواضع المقدسة مغلوقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها، وكتب بداخل القبة الأولى ما نصه " بسم الرحمن الرحيم تقرب إلى الله تعالى بعمارة هذا الموضع الشريف المنسوب إلى خديجة ﵂ ومسكن رسول الله ﷺ ومهبط الوحي الكريم العبد المفتقر إلى رحمة الله تعالى، مولانا السلطان بن السلطان الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي خادم الحرمين الشريفين بلغه الله تعالى غاية أماله، وتقبل منه صالح أعماله، وذلك بتاريخ شهر صفر سنة ست وثمانين وستمائة وكتب بداخل القبة الصغيرة هذا موضع مولد فاطمة ﵂ " وموضع الولادة شبه صهريج صغير وفيها محتبى النبي ﷺ شبيه القبة وفيه مقعد في الأرض شبيه الحفرة داخله في الجدار قليلا وقد خرج عليها من الجدار حجر مبسوط كأنه يظل المقعد المذكور، قيل انه الحجر الذي غطى النبي ﷺ عند اختبائه في الموضع المذكور وفي زقاق هذه الدار على مقربة منها مصطبة فيها متكأ يقصد الناس إليها، ويصلون فيها ويتمسحون بأركانها لان في موضعها كان قعود النبي ﷺ ومن مشاهدها الكريمة أيضا مولد النبي ﷺ والتربة التي هي أول تربة مست جسمه الطاهر بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه أكثره ذهب منزل وكان دارا لعبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ .
стр. 78
والموضع المقدس الذي سقط فيه ﷺ ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للناس أجمعين محفوف بالغضة كأنه صهريج صغير سطحه فضة فيا لها تربة شرفها الله تعالى بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام صلى الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام، وسلم تسليما وعليه مكتوب ما نصه: هذا ما أمر بعمله عبد الله وخليفته الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد أمير المؤمنين أعز الله أنصاره وضاعف اقتداره، في سنة ست وسبعين وخمسمائة وصلى الله على سيدنا محمد وآله، وعلى مقربة منه أيضا يشرف عليه جبل أبي قبيس وهو في الجهة الشرقية يقابل ركن الحجر الأسود وفي أعلاه رباط مبارك فيه مسجد وعليه سطح مشرف على البلدة الشريفة ومنه يظهر حسنها وحسن الحرم واتساعه وجمال الكعبة المقدسة القائمة وسطه، وهو أول جبل خلقه الله، وفيه قبر آدم ﵇، وفيه موقف النبي ﷺ عند انشقاق القمر له بقدرة الله تعالى وهو أحد أخشبي مكة، والاخشب الثاني الجبل المتصل بقيقعان في الجهة الغربية، وبسفح أبي قبيس مسجد محتفل البناء عليه مكتوب هذا المسجد، هو مولد علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه، وفيه تربى رسول الله ﷺ وكان دارا لأبي طالب عم النبي ﷺ وكافله ومن جبال مكة المشهورة بعد جبل أبي قبيس جبل حراء وهو في الشرق منها على مقدار فرسخ أو نحوه وهو جبل مبارك كان النبي ﷺ كثيرا ما ينتابه يتعبد في غار فيه وأول آية نزلت في القرآن على النبي ﷺ في هذا الجبل المذكور ومن جبال فيها أثر كريم ومشهد عظيم، الجبل المعروف بابي ثور، وهو في الجهة اليمنية من مكة على مقدار فرسخ وأزيد فيه الغار الذي أوى إليه النبي ﷺ ومعه صاحبه الصديق ﵁ حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز، وخص الله نبيه بآيات مبينات، ومن مشاهدها الكريمة أيضا دار الخيزران وهي الدار التي كان النبي ﷺ يعبد الله فيها سرا مع الطائفة الكريمة المباردة للإسلام من أصحابه ﵃ حتى نشر الله الإسلام منها على يد الفاروق عمر بن الخطاب ﵁، وكفى بهذه الفضيلة الكريمة، ومن مشاهدها أيضا دار أبي بكر الصديق ﵁ وهي اليوم دار سكة الأمير ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه يقال أنه كان يسلم على النبي ﷺ متى أجتاز عليه وذكر أنه ﷺ جاء يوما إلى دار أبي بكر الصديق ﵁ فنادى به ولم يكن حاضرا فانطق الله الحجر المذكور، وقال يا رسول الله ليس بحاضر، وكانت من إحدى آياته المعجزات ﷺ .
стр. 79
ثم تلبعت لقاء العلماء والمحدثين واستقريت المجاورين منهم جماعة جملة يضيق هذا المجموع عنهم ويتسع برنامج روايتي لهم فهم فيه على الكمال والتمام ومن أعظمهم قدرا وأرفعهم خطرا، وأشرفهم مكانة وذكرا الشيخ الفقيه الخطيب بالحرم الشريف وصاحب الصلاة به، فارس المنابر وإمام الأمة، ومقتدي فرق الأمة. ولى الله أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن عمر المكي المالكي المشتهر بخليل نفع الله تعالى به أحد السبعة الابدال، ورب المئاثر المبرأة عن الخلاف والجدال والموجودة في بركاته ما يخجل الغيث في الانسحاب والانسدال، والموطأة أكنافة للخاصة والعامة، فهي معتدلة الكمال، كاملة الاعتدال، فالأعناق متعلقة عليه والركبان منتالة عليه، مائلة بين يديه، سامعون لأمره متبركون بمساس طمره، معترفون بفضله متصرفون عن إذن من قوله أو فعله، وكلهم يرد من إحسانه مناهل الكرم ويرود من فضله مواقع الديم، ويسترشد من نور عمله ما هو أوضح من نار على علم، ويقتدى بآثاره فيسلك شغف الشوق آداب الخدم، قد انتحله مواصلة العبادة، وأكلته الأيام بشغف الزهادة فلم تبق منه إلا الرسوم على السجادة، وهو على ذلك من أصبر الخلق وأجلدهم على إلحاح السائلين، واختلاف القاصدين إليه والسالكين والتكفل بحوائج الأغنياء والفقراء والمساكين، والنظر لجميعهم في جميع أمور الدنيا والدين لقيته بحرم مكة الشريف تجاه الكعبة المعظمة وبمنزله أيضا بقرب حرمه الشريف فاكترث الاختلاف إليه، وكنت ممن استفاد في مناسك حجه تفقها ومعاينة بين يديه، فانتفعت به أعظم الانتفاع واستفدت بالالتزام له والأتباع، وسمعت عليه واجازني جميع ما يحمله ويرويه إجارة تامة، مطلقة عامة.
стр. 80
ومن أرجحهم عقلا، وأوضحهم فضلا، الشيخ العالم الفاضل أبو العباس أحمد بن إبراهيم الشافعي ﵁ شيخ علم وذكاء، وشبح حلم وذكاء حسن الشارة مستحسن الإشارة حافظ العلم محافظ على شيم الحلم عبادة موردها صفوزلال، وزهادة موعدها روض يانع وظلال، ودراية تعضدها رواية وسماع. وينعقد عليها اتفاق واجتماع وقد أثنى عليه كل من أخذ عنه بما أثنى، ووردت فضائله على الألسن فرادى ومثنى محامده مطلعة في روض الطرس، وأفق النقس كل زهرة وزهرة، وأسانيده مكتوبة في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة، لقيته بحرم مكة الشريف تجاه الكعبة المعظمة فسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله ﷺ ومن غير ذلك وانتفعت به وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة، ومولده سنة ست وثمانية وستمائة، ثم تكاملت الركبان بمكة شرفها الله تعالى فخرجنا إلى منى يوم التروية وهو اليوم الثامن لذي حجة في أمم يرتفع لها العجاج، ويتزاحم بها الفجاج، وخلائق يغص بهم البسيط الأفيج ويضيق عنهم المهمة الصحصح، فترى الأرض تميد بهم ميدا وتموج بجمعهم موجا، فتبصر منهم بحرا طامي العباب ماؤه السراب، وسفنه الركاب وشرعها الطلائل المرفوعة والقباب، فمن لم يشاهد هذا الخروج لم يشاهد الخروج لم يشاهد من أعاجيب الزمان ما يحدث به فمن هوادج تسيل في أباطح مكة وشعابها، ومن محاير كالقباب المضروبة تسير بأربابها، والإبل قد زينت تحتها بأنواع التزيين، فتراها تتهادى تهادي العرائس في الكلل، وترفل من قلائد الذهب وأستار الديباج في الحلي والحلل، فلا تبصر إلا سجفا، تسحب على وجه الأرض، وتشبه في وشيها وشى الروض، خلائق تملأ من الطول إلى العرض، وتذكر مرأى الحشر والعرض، فسبحان من أحصاهم عددا، وأراد بهم رشدا ثم نزلنا) بمنى (فعاينا ليلة من لم يعاينها لم يعاين أعذب ليالي الدنيا، ولم يصبر الأرض عادت ثريا يوقد فيها من الشمع والمشاعل، والسرج ما ترى الأرض تتلألأ به نورا، وتضيء سهولا ووعورا، وتفوق كواكب السماء سطوعا وظهورا، فلله هي ليلة الدهر وعروس ليالي العمر، والبكر التي تهيم بها بنات الفكر،) بمنى (مدينة عظيمة الآثار واسعة الاختلاط عتيقة الموضع تملأ النفوس بهجة وانشراحا، قد درست إلا منازل حسنة محدثة النزول، تحف بجانبي طريق ممتد الطول، كأنه الميدان اتساعا وانفساحا، فأول ما يلقى المتوجه إليها عن يساره بمقربة منها مسجد البيعة المباركة التي كانت أول بيعة في الإسلام عقدها العباس ﵁ للنبي ﷺ مع الأنصار، حسبما أشتهر من ذلك ثم يفضي منها إلى جمرة العقبة وهي أول منى للمتوجه إلى مكة، وعن يسار المار إليها وهي على قارعة الطريق مرتفعة بالمتراكم فيها من حصا الجمرات، ولولا آيات الله البينات فيها لكانت كالجبال الرواسي لما يجتمع فيها على تعاقب الدهور وتوالي الأزمنة وعليها مسجد مبارك وبها علم منصوب شبه أعلام الحرم التي ذكرنا قبل، وبعد هذه الجمرة العقبية) موضع الجمرة الوسطى (وبها أيضا علم وبينها قدر الغلوة، ثم بعدها تلقي الجمرة الأولى ومسافتها منها كمسافة الأخرى. والصادر من عرفات إلى منى أول ما يلقي الجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ثم بعد الجمرة الأولى يعرج عن الطريق يسيرا ويلقى منحر الذبيح ﵇ حيث فدى بالذبح العظيم، وعلى الموضع المبارك مسجد مبني وهو بمقربة من سفح جبل ثبير، وفي المسجد المذكور حجر قد ألصق بالجدار قيه أثر قدم صغير يقال إنها أثر قدم الذبيح ﵇ عند تحركه، فلان له الحجر بقدرة الله، فيتبرك الناس بلثمه ومسه، ثم يفضي من ذلك إلى مسجد الخيف المبارك وهو آخر منى من التوجه من المعمور منها بالبنيان، وأما الآثار القديمة فآخذة إلى ابعد غاية أمام المسجد وهو متسع الساحة، كبير المساحة، وهو من المساجد المشتهرة بركة وشرف بقعة وكفى بما ورد في الأثر الكريم، من أن بقعته مدفن لكثير من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ثم صعدنا إلى عرفات وتكامل الجمع بها فاجتمع فيها من الخلائق جمع لا يحصى عددهم إلا الله ، ومن مزدلفة بسيط من الأرض فسيح بين منى وعرفات من منى إليها ما من مكة إلى منى، وذلك نحو خمسة أميال ومنها إلى عرفات مثل ذلك ومن مزدلفة تسمى المشعر الحرام، وقبلها بنحو الميل وادي محسر وجرت السنة بالهرولة فيه وهو حد بين مزدلفة ومنى
стр. 81
لأنه معترض بينهما وعرفات بسيط من الأرض مد البصر لو كان محشر الخلائق لوسعهم، وفي آخر ذلك البسيط جبل الرحمة، وفيه وحوله موقف الناس والعلمان قبله بنحو الميلين فما أمام العلمين إلى عرفات حل وما دونهما حرم، وبمقربة منهما مما يلي عرفات بطن عرنة الذي أمر النبي ﷺ بالارتفاع عنه في قوله ﷺ عرفات كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة، فالواقف في عرنة لا يصح حجه فيجب التحفظ من ذلك وجبل الرحمة المذكور منقطع عن الجبال قائم في البسيط وهو حجارة منقطعة بعضها على بعض وكان صعب المرتقى فأحدثت فيه أدراج وطيئة واسعة من أربع جهات أنفق فيها مال عظيم، وفي أعلى الجبل قبة تنسب إلى أم سلمة ﵂ والله أعلم بصحة ذلك وفي وسطها مسجد يتزاحم الناس للصلاة فيه، وحول ذلك المسجد المكرم سطح محدق به فسيح الساحة، جميل المنظر يشرف منه على بسيط عرفات وفي جهة القبلة منه جدار قد نصبت فيه محاريب يصلي الناس فيها وفي اسفل هذا الجبل المقدس عن يسار المستقبل القبلة فيه دار عتيقة البنيان في أعلاها غرف لها طيقان تنسب إلى آدم ﷺ ، وعن يسار هذه الدار في استقبال القبلة الصخرات التي كان عندها موقف النبي ﷺ وهي في جبل متطامن وحول جبل الرحمة والدار المكرمة المذكورة صهاريج الماء وجباب، وعن يسار الدار ويسار القبلة مسجد قديم فسيح البناء بقي منه الجدار القبلي ينسب إلى إبراهيم ﷺ فيه يخطب الخطيب يوم الوقفة وعن يسار العلمين في استقبال القبلة وادي الأراك وهو أراك أخضر يمتد في ذلك البسيط مع البصر امتدادا طويلا وكان الوقوف بعرفات يوم الأربعاء التاسع لذي حجة فخطب في ذلك المقام العظيم، والمشهد الكريم الشيخ الخطيب الولي أبو عبد الله خليل المذكور آنفا بعد أن جمع بين الظهر والعصر خطبة محبرة. نظم شذورها، وأحكم فصولها فذرفت منها العيون. ووجلت لها القلوب، وعلا الضجيج، وأرتفع النشيج وتراكم الحجيج، ووقف جميع الناس خاشعين، باكين داعين إلى الله في الرحمة والمغفرة متضرعين، فما شهدت يوما كان اكثر مدامع، ولا قلوبا خواشع، ولا أعناقا لهيبة الله تعالى خوانع خواضع، من ذلك اليوم، فما زال على تلك الحالة والشمس تلفح وجوههم. والرحمة بفضل الله تعالى تكنف جميعهم، حتى سقط قرص الشمس وتمكن غروبها، ولما حان الوقت أشار الإمام بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعا وارتجت منه الأرض ورجفت له الجبال فيا له موقفا ما اعظم مراءاه وأرجى في النفوس عقباه، جعلنا الله تعالى ممن خصصه فيه برضاه، وتعمده برحماه، انه منعم كريم، غفور رحيم، وروى ابن المبارك عن أنس بن مالك قال وقف رسول الله ﷺ بعرفات وكادت الشمس أن تغرب فقال يا بلال أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ فأنصت الناس فقال: معاشر الناس أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال ان الله غفر لأهل عرفات وأهل المعشر وضمن عنهم التباعات فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة، فقال هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة، فقال عمر بن الخطاب كثر خير الله وطاب، وقال رسول الله ﷺ العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة وروى النسائي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور ثواب دون الجنة وفي صحيح مسلم عن أبن هريرة قال: قال رسول الله ﷺ من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق يرجع كيوم ولدته أمه.
стр. 82
وفي صحيح مسلم أيضا عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال ما من يوم أكثر من ان يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة فأنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أدر هؤلاء، وفي طريق آخر انه سبحانه يباهي بأهل عرفات ويقول: يا ملائكتي انظروا إلى عبادي جاءوا إلي من أقصى الأرض شعشعا غبرا أشهدكم أني قد غفرت لهم.
الجزء الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
قال عبيد الله سبحانه، الراجي عفوه وغفرانه خالد بن عيسى بن احمد بن إبراهيم بن احمد بن علي بن خالد البلوي، لطف الله به وأخذ بيده وبرحمته آمين.
стр. 83
ثم انصرفت من عرفات الوفود وانفض المشهد المشهود، وفاض الكرم الواسع وعم الجود، ورعدت الطبول وخفقت البنود وخرجت من بين العلمين تلك الجنود، وغصت بهم الربى والتهائم ولنجود، إلى أن أتينا مزدلفة بين العشائين فجمعنا فيها بين الصلاتين، واتقد المشعر الحرام، وما حوله تلك الليلة مشاعيل من الشمع المسرج، وعاد كله نورا فيخيل للناظر إليه كواكب السماء كلها نزلت به وعلى هذه الصفة تكون هذه المشاهد مدة إقامة الركبان بها، لأن أولئك الخرسانيين وسواهم من العراقيين والشاميين أعظم الناس همة في استجلاب هذا الشمع والاحتفال فيه والإكثار منه إضاءة لهذه المشاهد المقدسة، فيا لك من ضياء زاهر، وسناء وارج خلاب أيام غرر وليال مشرقات، وكذلك يختلفون في القباب والأروقة والسرادقات، على هيئة عظيمة فترى أحدهم من الأمراء والكبراء قد أحدق به سرداق كالسور، نسيج كتان كأنه حديقة بستان، وزخرفة بنيان، وفي داخله القباب المضروبة وهي كلها سواد في بياض، مشرقة ملونة كأنها أزهار رياض لهذا السرادق الذي كالسور المضروب أبواب مرتفعة كأنها أبواب القصور المشيدة يدخل منها إلى دهاليز وتعاريج ثم يفضي منها إلى الفصل الذي فيه القباب فكأن أحدهم ساكن في مدينة قد أحدق بها سور تنتقل بانتقاله، وتنزل بنزوله، وهي من الأبهات الملوكية التي لم تعهد عند ملوك المغرب إلى قباب بديعة لمنظر، عجيبة الشكل، قد قامت كأنها التيجان المنصوبة، أو الأخبية المضروبة، تنقش أحسن النقش وتملأ بأبهى الفرش، ويقعد الراكب فيها مستريحا وأي مستراح وبازائه معادله أو معادلته في مثل ذلك من الشقة الأخرى والقبة مضروبة عليهما ماشية فيهما فيسار بهما وهما نائمان لا يشعران فعندما يصلان إلى الرحلة التي يحطان بها ضرب سرادقهما للحين إن كانا من أهل الترفه والتنعم، فيدخل بهما إلى السرادق وهما راكبان، وينصب لهما كرسي ينزلان عليه فينتقلان من ظل قبة المنزل، دون واسطة هواء يلحقهما، ولا خطفة شمس تصيبهما وناهيك من هذا الترفيه وهذا المحمل النبيه فهؤلاء لا يلقون لأسفارهم وإن بعدت مشقة ولا نصبا، ولا يجدون على طول الحل والترحال تعبا، ويجب على المجتهدين من القاصدين لهذه لمشاعر الكريمة، والمشاهد العظيمة أن يحملوا أنفيهم مشقة لمشي على الأقدام. فورد في ذلك من الثواب كثير، وقد حج الحسن بن علي ﵁ وعن آبائه الطاهرين خمسا وعشرين حجة ماشياً، والنجائب تقاد، وحج الإمام احمد بن حنبل حجتين ماشيا، وحج علي بن الموفق على قدميه على قدم الفقر إحدى وستين حجة، قال فطفت ليلة متطوعاً، فقلت اللهم أني قد حججت كذا وكذا حجة، وأشهدك أني وهبت رسولك عشرة وأبا بكر عشرة، وعمر عشرة، وعثمان عشرة، والعشرون الباقية لمن لم يقبل حجة في هذا الموسم، وحجة الفريضة اكفيني قال فرأيت الحق سبحانه في المنام فقال لي: يا بن موفق أتتسخى علي وأنا خلقت السخاء أتجود علي وأنا خلقت الجود أتتكرم علي وأنا خلقت الكرم أما علمت يا بن موفق أني غفرت في هذه الليلة لكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، فبات الناس بالمشعر الحرام هذه الليلة، وهي ليلة الخميس العاشرة لذي حجة فلما وصلوا الصبح غدوا منه إلى منى بعد الوقوف والدعاء لأن مزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، ففيه تقع الهرولة في التوجه إلى منى حتى يخرج عنه، ومن مزدلفة يستصحب أكثر الناس حصيات الجمار، وهو المستحب، ومنهم من يلتقطها حول مسجد الخيف بمنى، فلما انتهى الناس إلى منى بادروا لرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ثم نحروا أو ذبحوا، ثم حلقوا وحلوا من كل شيء إلا النساء والصيد والطيب حتى يطوفوا طواف الإفاضة، ثم توجه كثر الناس لطواف الإفاضة، ومنهم من أقام إلى اليوم الثاني، وأقاموا يرمون الجمار بمنى، فلما كان اليوم الثالث تعجل أكثر الناس في الانحدار إلى مكة قال الله تعالى: [فمن تعجل في يومين فلا إثم عيه، ومن تأخر فلا إثم عليه] ، قال الإمام أبو بكر بن العربي ﵀ خفف على الخلق الرجوع عنه إلى الأهل والوطن، ولما علم من علاقة قلوبهم بهم فأعادهم بأبدانهم، وعلق قلوبهم بما عاينوا من مكانهم، وذلك قوله تعالى: [وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] ، فلا يراه أحد إلا تمنى أن يعود إليه، وإن حمله شوق الأهل وحب الوطن على أن يفارقه، قد رأيت الفراق ذقته وأكلته وشربته، وساورني
стр. 84
وساورته، فما رأيت فراقا أبعد ملتقى ولا استناما أقصى مرتقى، من فراق المحصب.
فريقان منهم جازع بطن نخلة ... وآخر منهم قاطع نجد كبكب
منهم مشرق إلى الغاية، ومغرب إلى النهاية، وشمالي بغير موعد وجنوبي ولات حين مرصد، ولا شك والله أعلم، أنه عيار لفراق يوم الموقف، فإنه بين آخذ إلى الجنة ومحمول إلى النار، ولا ملتقى أبدا، وأقمنا إلى أن خرجنا من منى بعد رمي الجمرة الأخيرة، وصلاة الظهر من يوم الأحد رابع يوم النحر، فنزلنا بخارج مكة شرفها الله تعالى بئابار الزاهر، ثم أحرمنا للعمرة بمسجد عائشة ﵂ بعد صلاة المغرب به، وأتينا مكة والحرم الشريف للطواف والسعي إلى أن قضينا ذلك في النصف الأخير من ليلة يوم الاثنين وهو خامس يوم النحر ثم ودعناه ساعتئذ وخرجنا وانصرفنا، قد كمل لنا الحج والعمرة والحمد لله رب العالمين وحين وجب طواف الوداع وتعين العزم على الإزماع، ودعنا البيت لحرام، والدموع تستوقف القطار، وتستوكف الأمطار وقلبي لا يطيق وداعاً ولا تملك حبته انتزاعا وسرت وأنا أكفكف العبرات وأنشد هذه الأبيات:
أيا شعب مكة نومي حرام ... متى قوضت عن رباك الخيام
ألفناك ألف الرضيع الرضاع ... وقد يؤلمن الرضيع الفطام
سأبكيك ما بكت الثاكلات ... وهيهات يبرد مني أوام
وأحنو إليك حنين النياق ... لهن بأكناف نجد غرام
أيا ساكنين الحمى هي يعود ... لنا بعد وقع الشتات التئام
عليكم وأن شط مني المزار ... سلام وجهد المقل السلام
ولما استقلت نجائب الرفاق وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وأخذنا نسري ونسير ليلا ونهارا، ونجذب بالنجب الفيافي إشراقا وأسحاراً، وتغيب عنا الشموس والأقمار فنتخذ من السرج والمشاعل شموسا وأقماراً ونقطع مهامه ينقطع فيها الرفيق عن الرفيق ونسلك مسالك تارة في الاتساع وتارة في الضيق إلى أن وصلنا إلى رأس) وادي العقيق (وتراءت لنا بعد البعاد أعلام ذلك الفريق، وهناك أنشدت الأصحاب الحضرين ما أنشدني تجاه لكعبة المشرفة لوالده شيخنا جمال الدين أبو إسحاق إبراهيم بن شهاب الدين أبي الثناء محمود ابن سليمان الحلبي وهي قصيدة ضربت في الإبداع بسهم مصيب وربت من البيان في روض يانع ومرعى خصيب ونصها:
وصلنا السرى وهجرنا الديارا ... وجئناك نطوي إليك القفارا
أتيناك نحدو البكا والركابا ... ونبعث أثر القطار القطارا
إذا أخذت هذه في الربى ... صعودا أبى ذلك إلا انحدارا
وإن فاض ماء لفرط الحنين ... ورجع حادي السرى عاد نارا
كأنا به وهو يجي دما ... وقوف على الخيف نرمي الجمارا
أتيناك سعيا ننادي البدارا ... إلى سيد المرسلين البدارا
إلى أشرف الخلق في محتد ... وأحمي جوارا وأعلى نجارا
إلى من به لله أسرى إليه ... وما زاغ ناظره حين زارا
لما نزعنا شعار الرقاد ... لبسنا الدجى وادعنا النهارا
نميل من الشوق فوق الرحال ... كأنا سكارى ولسنا سكارى
نجافي عن الطيف أجفاننا ... فلا نطعم النوم الأغرارا
ونسري مع الشوق أنى سرى ... ونتبع حادي السرى حيث سارا
ونسئل والدار تدنو بنا ... عن القرب في كل يوم مرارا
وما ذاك أنا سئمنا السرى ... ولكن دنونا فزدنا انتظارا
إذا لبرق عارضنا موهنا ... حسبنا سنى طيبة قد أنارا
فنفري بأدرع تلك النياق ... أديم الفلا غدوة وابتكارا
ونرمي بهن صدور الفجاج ... كانا نشن عليها مغارا
إذا رقصت في الفلاة المطى ... جعلنا الدموع عليها نثارا
تسابق أرجلها في السرى ... يديها وتشكو اليمين اليسارا
ونجمع بين السرى والمسير ... ونجفو الكرى ونعاف القرار
وكيف القرار إلى أن نراك ... وتدنى المطى إليك المزارا
من كان يأمل منك الدنو ... أيملك دون اللقاء اصطبارا
ترى تنظر العين هذا البشير ... يريني على البعد تلك الديارا
لأعطيه روحي سرورا بها ... وأوطيه طرفي وخدي اعتذارا
стр. 85
وأمسح عن أرجل اليعملات ... بأجفان عيني ذلك الغبارا
واهدي على القرب مني السلام ... وحسبي بها رتبة وافتخارا
وأكتب شوقي بماء الدموع ... بسطا إذا اللفظ كان اختصارا
وأفدي بما طال من مدتي ... بطيبة تلك الليالي القصارا
ترى هل أناجي هناك الرسول ... جهارا كما نرتجي أم سرارا
وأعلم أني على بابه ... وقفت قبلت ذاك الجدارا
وماذا أقول وكل الورى ... نشاوي هنالك مثلي حيارى
وأنشد يا شافع المذنبين ... أجر من باب حماك استجارا
أقلني فقد جئت أشكو الذنوب ... إليك وأنت تقيل العثارا
فكن شافعي يوم لا شافع ... سواك يفك العناة الأسارى
فمالي سوى حق هذا الجوار ... إليك ومثلك يرعى الجوارا
وأني قطعت إليك القفار ... فقيرا أقل ذنوبا غزارا
وفي قطعها لك فضل على ... ولو خضت دون القفار البحارا
ولو أستطيع قطعت الزمان ... وأنت المنى حجة واعتمارا
وما كنت أظعن إلا إليك ... إذا ما ملكت لروحي اختيارا
حمى حل فيه نبي الهدى ... فأضحى به أشرف الأرض دارا
فيا فوز من كل عام أتاه ... ويا فوت من غاب عنه خسارا
شممنا الشذا من مبادي الحجاز ... فخلنا العبير أعار العرارا
فواها لها نفحة أذكرت ... هواي وأذكت بقلبي الشرارا
إذا خطرت في الربا سحرة ... وجرت ذيولا على الغار غارا
يمانية رابها إنها ... بطيبة مرت وجرت أزرا
على من سرت من حماة السلام ... وحيا الحيا ذلك الربع دارا
ووصلنا إلى المدينة النبوية الكريمة بقلوب مسرورة بالوصال، محزونة بما تتوقعه بعد ذلك من قرب الارتحال:
ما يقتل الليل الطويل سهرا ... غير محب خائف أن يهجرا
فدخلناها عشية يوم الأربعاء الثالث والعشرين من ذي الحجة من العام المذكور، واليوم قد ولى شبابه، والمساء قد استحكمت أسبابه:
والشمس تجنح للغروب مريضة ... والليل نحو مغيبها يتطلع
ولما حططنا بها رحال الإمام، وخلعنا على عطف الصلاة برد الإتمام تسارعنا إلى الروضة الشريفة المقدسة تسارع الطير إلى الأوكار، وتسابقنا تسابق الخواطر مع الأفكار، وكنا ظننا أن الدموع نفدت، وأن نيران القلوب خمدت، فتراكمت من العيون سحبها، وتزايد من القلوب لهبها، وأخذنا بعد السلام في شرح ما فعلت الأشواق وإن كانت الإحاطة بوصفها تكليف ما لا يطاق، وجرى الأمر كما سلف من خلوات معهودة، وقلوب ببرد لمغفرة معمودة، وبتنا نطفئ نيران الأشواق بماء العبرات وننادي رسول الله ﷺ من أمام الحجرة لا من وراء الحجرات:
ولما وقفنا للسلام تبادرت ... دموعي إلى أن كدت في الدمع أغرق
فقلت لعيني هل مع الوصل عبرة ... فقالت ألسنا بعده نتفرق
ولما تحقق السير عن ذلك الحما، وأشأم حاد كان بالأمس أتهما، أجريت الدموع وحرمت الهجوع، وأضرمت بنيران الزفرات الأكباد والضلوع، وانقطع بي الرجاء، وضاقت على الأرجاء:
قالوا الرحيل وما تملت باللقا ... عيني ولا امتلأت بغير مدامع
فتيقنت روحي بأن مقالهم ... أن يصدق الحادي أشد مصارعي
ووقفت بين تأمل وتململ ... يبدو السرور على فؤادي الجازع
حيران لا أدري بقرب رائق ... أذري المدامع أم لبعد رائع
وودعنا الروضة المشرفة المكرمة، والتربة المقدسة المعظمة، فياله وداعا ذابت له الأجساد والتهبت به الأكباد، وكاد يتصدع الجماد وما ظنك بموقف يناجي بالتوديع فيه سيد المرسلين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين، وخيرة خلق الله أجمعين، وأنه لموقف تنزع فيه الأرواح انتزاعاً، وترى الخلق من هوله صراعا كل يقاسي مرارة مذاقه ويبوح لديه بأشواقه، لا يجد بدا من فراقه، فوا أسفاه وا أسفاه. ما أصبر قلبي على هذا الوداع وأجفاه:
عجبا لقلبي يوم راعتنا النوى ... ودنا وداعك كيف لم يتفطر
стр. 86
بوأنا الله تعالى منزلة الكرامة، بزيارة هذا النبي الكريم، وأحلنا من فضله في جواره دار المقامة، انه ذو الفضل العظيم بمنه وكرمه، ثم رحلنا من المدينة المنورة الشريفة، في يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي الحجة المذكورة وهو غد يوم دخولنا ووصولنا، وسرنا مع الركب المصري على عادتنا من وصل السري وحث المطى وأنا أجد نسيم طيبة المكيبة أعبق من العنبر الذكي وأفتق من المسك النقي، وأحلى على قلبي الصادي من المورد العذب الشهي.
ولفخر الرؤساء الرضى الموسوي.
أيها الرائح المجد تحمل ... حاجة للمتيم المشتاق
وأقرعني السلام أهل المصلى ... وبلاغ السلام بعض التلاقي
وإذا ما مررت بالخيف فاشهد ... أن قلبي إليه بالأشواق
وأبك عنى فطالما كنت من ... قبل أعير الدموع للعشاق
ضاع قلبي فأنشده لي بين جمع ... ومنى عند بعض تلك الحداق
إلى أن وصلنا إلى الينبوع في عشى يوم السبت السادس والعشرين لذي الحجة المذكورة وصلناها بعد مسح الجبين، والانحفار المبين فحللنا منها ببلد أثير، ذي نخل كثير، وماء غزير، عذب نمير، وخرجنا منها ضحوة يوم الاثنين الثامن والعشرين لذي الحجة المذكور وسرنا والغيظ يشتد حره، والهجير يلتظي جمره، إلى أن وردنا ماء العقبة الكبرى على ساحل البحر وهي التي تسمى عقبة أيلة يجتمع عندها الناس من الشام ومصر وغيرهما للقاء الركبان، والسؤال عن الأحباب والإخوان،
عارضا بي ركب الحجاز أسائ ... هـ متى عهده بأيام جمع
واستملأ حديث من سكن الخيف ... ولا تكتباه إلا بدمعي
فاتني أن أرى الديار بطرفي ... فلعلي أرى الديار بسمعي
وصلنا إليها في ضحى يوم الخميس السادس عشر لشهر الله المحرم مفتتح عام ثمانية وثلاثين وسبعمائة ثم تقسمت الركبان فبعض انقلب إلى الديار المصرية وبعض ذهب إلى البلاد الشامية:
ألا بلغ الله الحمى من يريده ... وبلغ أكناف اللوى من يريدها
فكنت ممن آثر زيارة تلك البقاع السامية الكريمة، واستخار الله تعالى فاختار له أفضل الغنيمة، ورحلنا من العقبة في ليلة يوم السبت الثامن عشر من شهر الله المحرم المذكور، فأول ماء لقيناه بعد العقبة المذكورة ماء غضيان ثم ماء الغمر ثم ماء التجان ثم سرنا فأتينا عقبة الصفا، وقد اشتدت جمرة القيظ، والنفوس من جواز تلك العقبة الكئود تكاد تميز من الغيظ. وما زلنا نسير فيشتد حر الشمس، ويشبه اليوم الأمس، إلى أن وصلنا إلى مدينة الخليل ﵇ فدخلناها عند العصر من اليوم الخميس الثالث والعشرين لشهر الله المحرم المذكور، فاستراحت الأبدان وتلاقى الأخوان، وتفرق الركب، وتألف الصحب واجتمع كل بخليله ونسيبه، وأخذ من سماط أبيه الخليل ﵇ بسهمه ونصيبه، فقضينا ما تعين من الزيارة ووجب من السلام، لقيت من امكن من أولئك الفضلاء الأعلام، وخرجت منها في عشى يوم الجمعة من غد اليوم المذكور، وسرنا والعشى قد طفل، وعطفه في الثب القصير قد رفل، والشمس قد خجلت من فراق الحاضرين، صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، فوصلنا إلى مدينة القدس الشريف في صبيحة يوم السبت الخامس والعشرين من شهر الله المحرم المذكور، وبها اجتمعت بأخي محمد حيث تركته بعدما جال في أطراف بلاد الشام، وكاد يبلغ مدينة السلام. فتلاقينا بتحية الإخوان إذا التقيا بعد البين، وحظينا بعد الأثر بالعين، فكان بذلك لنوم عيني سبيل وعهدي بالنوم عهد طويل، وأقمنا بالقدس الشريف الكريم ملتمسين البركة في ذلك الحرم العظيم إلى أن خرجت منه بالرغم، وتزودت بالغم ملتفتا إلى تلك الربوع ومكفكفا واكف الدموع فنبت عنه مرتحلا، وفيه أنشأت عاجلا وأنشدت مرتجلا:
خليلي في ربع الخليل مني نفسي ... وفيك فؤاد أنت يا حرم القدس
أحن إلى تلقاء هذا صبابة ... وألمح من هذا سنى البدر والشمس
مواطن لو أنصفتها جئت زائرا ... إليها على العينين والخد والرأس
ولو أنني أعطي مرادي بينها ... لما رحلت من دونها أبدا عنسي
وكيف رحيلي عن معاهد لم تزل ... على الحل والترحال لي غاية الأنس
أروح وأغدو بينها شيقا لها ... وأصبح فيها مستهاما كما أمسى
بلاد خليل الله والمسجد الذي ... صلاة به في الأجر كالمائة الخمس
стр. 87
ومواطن معراج لنبي محمد ... وقد هب غمض النوم في الأعين النعس
وموطئ أقدام الرسالة والهدى ... وقد لان صلد الصخر من ذلك اللمس
أيا مسجد قد بارك الله حوله ... وعظمه في العرب والعجم والفرس
ويا أربعا قد أظهر الله فضلها ... وكرمها في اليوم والغد والأمس
رحلت وفي قلبي لأجلك لوعة ... فلم يبلها مني الزمان ولم ينس
وأزعجني عنك النوى وهي دائما ... تعاملني في جمع شملي بالعكس
وعندي إلى لقياك أي تشوق ... به اغتدي دهري وألحد في رمس
عسى عودة أو زورة تنقع الظما ... وتخلع عني للظما وارس اللبس
وإن كانت الأخرى ولم تك أوبة ... فأهدي سلامي في القراطيس بالنفس
وكان خروجنا من القدس الشريف في عشى يوم الجمعة أول يوم في صفر من العام المذكور. وسرنا والعيشة تجود لزمامها، وذكاء تتشحط بدمائها، والفلا تذوب من كدنا خجلا، والنجم يرعد من سرانا وجلا، إلى أن وصلنا إلى مدينة الرملة، في عشى يوم السبت من غد اليوم المذكور، والأصيل قد قضى، ودين اليوم قد انقضى:
والشمس تنثر زعفرانا في الربى ... وتفت مسكتها على الغيطان
فنزلنا بها بمدينة غضة المنظر، حسنة المخبر، ممتعة بالروض لناعم، والنسيم الأعطر، أحسن المدائن، أزقة وأسواقا، وأكثرها فواكه وأرزاقا. وأملحها بياضا وإشراقا، وأبدعها اتصالا بالبساتين والتصاقا، قريبة من البحر، بعيدة من الغور كثيرة المساجد والخير، معتدلة الهواء، سامية البناء، واسعة الفناء، ساكنة المساكن، مكينة الأماكن، لائحة المباهج، واضحة المناهج، رائقة المنازه، رائعة المنازل، مرنة الرباب، معشبة الشعاب، هامرة السحاب، عاملة الجناب، سافرة المطالع، افرة الصنائع، سابغة المدارع، سائغة المشارع، صافية الزلال، ضافية الظلال، سارة الأسارير، زاهرة الأزاهير، معقودة الحبا، معهودة الربا، جليلة العلا، جميلة الحلا، جائشة الجيوش، معرشة العروش، فيها جنات من نخيل، وأعناب، طوبى لمبصرها وحسن مئاب، دخلت بداخلها المسجد الجامع الكبير حيث الخطبة الكبرى، والجماعة العظمى وهو المشتهر بالجامع الأبيض له صحن كبير جدا فيه أشجار وأطيار وجب وآبار فيها ماء كثير عذب نمير، وفي وسط الصحن مغارة عظيمة كبيرة تفضي إليها أدراج كثيرة، قد قامت على أقواس محنية وأرجل مختلفة مبنية، ذكر أن فيها جماعة عظيمة من الأنبياء مدفونين يعدهم النساك بالمئين، زرناها لما يوثر عنها من البركات والأعمال بالنيات وعلى باب المسجد المذكور تاريخان منقوشان في الرخام، وقدمهما وأخصرهما ما نصه:) بسم الله الرحمن الرحيم (هذا ما أمر بعمارة هذا المسجد الجامع المبارك إياس عبد الله بن جهة الأمير علم الدين قيصر ﵀ ورحم من ترحم عليه، سنة ست ثمانين وخمسمائة وخرجنا منها عشية يوم الأحد الثالث من صفر المذكور، وسرنا والشمس قد عصفرت أبرادها، وردنا في العين الحميئة إيرادها، وبتنا نركب ظهر لسرى ونقطع بالذيل عمر الكرى، حتى سفرت الجونة عن نقابها، ونكصت النجوم على أعقابها، وأحرقت فحمة الليل عنبر لصباح، وخبا من النجوم الزهر كل مصباح، وهتف داعي العرفان، وحيعل المثوب بالأذان، وأصبحنا على عسقلان في صبيحة الاثنين من غد اليوم المذكور، وهي مدينة كبيرة، مفروشة بالرخام عجيبة وكانت دار إبراهيم ﵇ وفيها آثار النمرود من كنعان، فسرحنا بمسرح آمال، جنتان عن يمين وشمال، روضات قد أينعت فيها الأزهار، وانبعثت الأعين وعنت الأطيار، فحللناها بلدا أقفر وخرب، وأكل الدهر على محاسنها وشرب، وترك ساحته كدرامية بالعلياء، وغادره منقض الفناء، متقلص الأفياء فأطلت الركوع والسجود في ذلك المسجد الحافل، وظلت أتبرك بما تضمنه من الآثار الجلائل، وجعلت أجول معتبرا بين تلك المنازل وأتمثل بقول القائل:
ما للمنازل لا نجبن حزينا ... أصممن أم بعد المدى فبلينا
دمن تقادم عهد هن على البلا ... فلبثن من بعد الشهور سنينا
من مدينة مأثورة الفضل قليلة النظير في الحسن عديمة المثل لم يبق منها إلا رسومها الواهية وأطلالها العالية البالية، وأزقتها الخاوية الخالية:
طلول إذا دمعى شكى البين بينها ... شكا غير ذي نطق إلى غير ذي فهم
стр. 88
فالأعلام طوامس ووفود الأبواب روامس والمأموم بالإمام مزجور والدار خالية، والباب مهجور، ستغفر الله إلا روضها الناعم، وأرضها المنسابة المذانب انسياب الأراقم، وانتظام الشجر والبحر، والنسيم الزدري بعنبر الشجر، فإن المحاسن في ذلك راقت وصفا اتسقت رصفا، والأمواج تنعطف صفا تنقصف قصفا وتأتي خاضعة إلى البر فتقبل منه كفا وتتيه آونة فتنعطف عنه عطفاً وتتثنى عن الإلمام به عطفا:
تتكسر الأمواج فيه فتتثنى ... بيد الصبا مبيضة أعطافها
فكان شهب الخيل قد غرقت به ... فطفت على أمواجه أعرافها
فارقناها يصاحبنا الهواء الرطب ونسيمه، والأرج العنبري وتسنيمه، ولنفس النجدي الذي هو في الصحة شقيقه وقسيمه، وقد أحدقت البساتين بها أحداق الهالة بالقمر، والأكمام بالثمر، وامتدت بطحتها الخضراء امتداد البصر فكل توقع لحظة لجهاتها نضرته اليانعة قيد النظر، وما زلن نسير على بساطتها الأخضر، وأديمها الأنضر، إلى أن وفينا مدينة) غزة (في ظهر يوم الاثنين الرابع لصفر المذكور فأقمنا بها إلى خرجنا منها في عشى يوم الثلاثاء خامس صفر المذكور وقد تضخمت صفحات الربى بخلوق الأصيل وأرزمت المطايا إلى الدعة أرزام الفصيل وسرنا نحث في الرحيل ونصل المساء بالصباح والغدو بالأصيل إلى أن وصلنا إلى) قاطية (والظلام يزملنا بنجاده واليباب يرفعنا إلى ظهور روابيه من نجاده في نصف ليلة الأحد العاشر لصفر المذكور وهي بليدة عجيبة منقطعة في ذلك الرمل غريبة جدبها خصب وشيبها شبيبة، يمتد بين يديها من كلا جنبيها رمل أفيح أغبر لا ماء ولا شجر ولا ظل ولا ثمر قد نبذت بالعراء، ووضعت في وسط الصحراء، فهي تشتكي ظماء وتستقي على البعد ماءها، لكنها حسنة المنزع، متسعة المربع، تقبل من لحسن بثمان وتدبر بأربع لولا ظلم نهيها وأمرها، وشوب حلوها ومرها، وعظم ضرها للوارد وقهرها، تفتش أمتاعه، وتنهب رقاعه وتستلب من بين يديه، فلا بيعه ولا ابتياعه وفي مثلها يغضب الحليم فيحذر، وينفث المصدور فيعذر، قال بعض العلماء بلاد الحجاز آخرة ولا دنيا، ومصر دنيا ولا آخرة والشام دنيا وآخرة وقاطية لا دنيا ولا آخرة، ولما رأيت هبوب ريحها، ودبيب تباريحها، وتصريف صروفها، وتحريف حروفها، وتأملت الخائن فيها فإذا هو مؤتمن والتمست العدل فيها فوجدته كالماء في دار عثمان، له ثمن، زويت وجهي عن محاسنها، وساويت بين صفوها وآسنها، ورميت بحبلها على غاربها، وضربت وجوه مشارقها بمغاربها وكرهت علها ونهلها، وتركتها وتركت جملتها لها، وخرجت منها في عشى اليوم المذكور، والشمس مرضى أصائلها، والربا معصفرة وصائلها، وسرنا نطوي مسافة البيداء، طي الرداء، ونطير في جو الرجاء بجناح النجاء، إلى أن وصلنا إلى مصر فنزلنا بها في ليلة يوم الخميس الرابع عشر من صفر المذكور قد أظلنا الليل. كظهر الفيل، التف جنحه باهابه، وافتر فجره عن نابه وكأن سماءه سندس عليه نثير تفاح، وكأن بدره يفتش عن صحبه بمصباح، ومر يحدوه السير إلى أن لف الثريا في ملاءته الفجر، فوسنا سنة النصب وهدأنا هدأة الوصب، فما صحت العيون من نشوة رقادها، إلا لتغريد الطير في أعوادها، وذكاء قد أذكت قبسها علينا، وسفرت فكشفت عن صبحتها إلينا، ونسيم الروض يروي الطيب ويسند، ويعض النبلاء يردد وينشد:
بتناوبات الورد يضربه الندا ... في ظل أخضر بارد الأنداء
والليل يخفى نفسه في نفسه ... والصبح كشاف لكل غطاء
وكانما الإصباح ينشر مهرقا ... أثر المداد به من المساء
فأجابه صاحبه على إنشاده كأنه ما فطن لمراده:
قم ترى الليل كيف رق دجاه ... وبدا طيسانه ينجاب
وكأن الصباح في الأفق بار ... والدجا بين مخلبيه غراب
وكأن السماء لجة بحر ... وكأن النجوم فيها حباب
فعجبت من ذكاء المنشدين، وأديت بعد الطهارة ما حل من الدين وتقاضينا جواب القطعتين فأنشدتهما لابن جرج ﵁:
ربى تروق وروضات مزخرفة ... وسابح مد بالهطالة الهتن
وللنسيم على أرجائه حبب ... يكاد من رقة يخفى على الغصن
وأنشدتهما لابن صارة ﵁:
تأمل حالنا والجو طلق ... محياه وقد طفل المساء
وقد جالت بنا عذراء حبلى ... يجاذب مرطها ري رخاء
стр. 89
بنهر كالسجنجل كوثري ... تعاين وجهها فيه السماء
) وبحر النيل (العجيب قد فاض فيضا، وركضت سيوله في البسيطة ركضا وزاد امتلاؤه على حده فسقى بالزيادة أرضا، وانسلت صلاله فسكنت الرياض، وقد يسكن الصل روضا، وتلك الأساطيل قد صففت من حوله صفوفا، وكفت من موجه كفوفا، وسلت لأعناقه من مجاذبها سيوفا كثيرا ما كنا نركبه ولا نرهبه، ونستصحبه ولا نستصعبه، نرد على طريق إليه ونعوج عن غيره، ونعرج عليه، ومع ذلك نواخي الفضلاء ونوالي العلماء فممن لقيته بمصر من كبراء المتصوفين، وفضلاء المتبتلين العابدين الشيخ العالم الصوفي الولي نجم الدين، أبو العباس أحمد بن محمد بن يوسف القرشي الحجازي نفع الله به فرع الحسب الصميم، ونبع الشرف العظيم، وطبع الفضل العميم وطوع التخلي الكريم شرف إلى سماء الكرم مرقاه، وأدب من ماء الكوثر سقاه، وكأطيب الثمر تخيره وانتقاه، سلف له في العالم أسلاف كرام وثبت له في قريش نسب يحق له إجلال وإكرام، واستقر له في التصوف قدم وإقدام، يجب له احتفاء واحترام وجل الكمال والكلام وصاحب الحال والمقام وحامل فخر الأقلام ونجل السراة الأعلام، وأجل بيوت الإسلام غرر الزمن البهيم، وموارد الآمال الهيم:
لو كان يقعد فوق النجم من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا
ضربوا بمدرجة الطريق قبابهم، وأفنوا في اكتساب المجد وفرهم وشبابهم، رضي اللهم عنهم وأرضاهم:
ثم زادوا أنهم في قومهم ... غفر ذنبهم غير فخر
ورث الطريقة الصوفية عن آبائه الكرام وأجداده، واستقل بشيخها فلم يدعها معه أحد من أنداده فغدا صدر صدور المشيخة الصوفية، والراسخ القدم في رتب الولاية الربانية، والمجلى في حلبة رواة الأحاديث النبوية والمتميز بجملة وافرة من اللغة وفنون العربية، صوام نهاره، قوام ليله لا تلحقه سئامة الملل، ولا تتعلق به فترة الكسل، بالغا درجة التوكل بالقول والعمل، فهو الآن في ذلك القطر، عظيم القدر شهير الذكر، له كرامات تربى على العد والحصر، وفراسات تغوص على السر، في موج الفكر، فتبرز المكتوم والكنون، وتنجز المظنون والمضمون وما يعقلها إلا العالمون، لقيته بمنزلة مصر المحروسة فسمعت من لفظه جملة وافرة من حديث رسول الله ﷺ ، ومن جملة مسموعاته كتاب مسلم بن الحجاج وكتاب الشفا للقاضي أبي الفضل عياض ﵀ وغيرهما، وقد سمعت عليه بعضهما، وتناولتهما من يده المباركة وأخبرني ﵁ أنه لبس خرقة التصوف كما ألبسنيها من يده المباركة عن والده ولبسها والده عن جده الولي الأكبر أبي الحجاج يوسف المشتهر بالأقصري ولبسها جده عن الشيخ أبي مدين دفين تلمسان ﵁، قال وكان اجتماع الجد أبي الحجاج يوسف المذكور به بالأرض البيضاء ببلاد السودان على خرق العادة، وللأرض ألسن ذاكرة تقول الله الله.
وسمعت من لفظه غيرهما وأجاوني جميع ما يحمله ويرويه وكتب بخط يده ما نصه قال الشيخ الكبير الجد يوسف عبد الرحيم الأقصري قدّس الله روحه، ونوّر ضريحه، قيل لي من قبل الله تعالى من جاءك من أهل الطلب فدله عليها وأما الوصل فمنا فمن رأيناه صادقا محقا لدينا، وصلناه إلينا ومن رأيناه لا يصلح جعلناه خادما وأجرته علينا، ومن رأينا غافلا عنا طردناه من بين أيدينا، فانه لا يصل إلى المحبوب من هو بغيره محجوب، وذكر لي ﵁ قال مما وصى به الجد الأكبر أبو الحجاج يوسف المذكور خواصه وأصدقاءه قال: إذا أدركتكم الضرورة والفاقة فقولوا حسبي الله ربي فالله يعلم أنه في ضيق وذكر لي أيضا ﵁ قال رأى هذا الجد يوسف المذكور النبي أصابته فاقة فشكى النبي ﷺ فقال له رسول الله النبي ﷺ قل يا بر يا رحيم، ألطف لي في قضائك ولا تول أمري أحدا سواك حتى ألقاك فلما قالها أذهب الله تعالى فاقته قال فكان رحمه الله تعالى يوصي بها أصحابه وأحبابه، وأنشدني لبعض الفقراء وكتبهما لي بخطه:
لئن شت الزمان لنا جسوما ... فقد جمع الوفاء لنا قلوبا
وان أصبحت من عيني بعيدا ... فلست تزال من قنبي قريبا
وأنشدني لفظا لبعضهم وكتبهما لي بخطه ﵁:
ما أنت غيري فأخشى أن تفارقني ... فدتك نفسي يا روحي فأنت أنا
стр. 90
لئن تباعدت الأجسام وافترقت ... فالروح واحدة والسر يجمعنا
وممن لقيته بها من بلغاء الخطباء، وفضلاء العلماء الشيخ العالم الفاضل علم الدين أبو قاسم بن عبد الله بن أبي القاسم الشافعي أنقى الله بركاته سراج من سرج الأئمة وهداة الأمة ومن يقتدي بأنواره، ويهتدي بآثاره في شبه الظلم ويهتدي بآثاره في شبه الظلم وظلم الشبه وغياهبهما المدلهمة كلما تقلب تغلب. وكيف ذهب اذهب. وأينما أصاب أصاب، وحيثما ثاب أثاب فأهل ولائه مهتدون بعلائه لا يطلع إلا ومغيب شهابه ظلاله، ولا يغيب قمرهم إلا وقد لاح هلاله، فأياديه تستهيدها المحافل ويستجديها الطالع والآفل يجتنيها الجناة على اختلاف طبقاتهم، وتباين درجاتهم وقد طاب فيهم خيرها وخبرها وحسن في مساري أسماعهم وأبصارهم مسلكها وأثرها فرفعت بأيدي الأيدي راياته، وتليت بالسنة سورته المعجزة وآياته وامتدت في مجال التأييد والتأبيد غايته وافترت به ثغور الأيام عن مباسهما، ونظمت مئاثره الأثيرة في سلك أعياد ومواسمها وحفظت بحفظ علومه العلمية في عالمها ومراسمها، وحليت بحلى معارفه السنية السنية صفحات لباتها ومعاصمها، فأصبحت الأرض مشرقة بأنواره ومبتهجة بآثاره، قد راقت نعمة ونضارة، ورقت له لدونة وغضارة، وعمت برفادتها البدو والحضارة فأقسم بما لديه من أحكام اليراعة وأحكام البراعة وباعث الاستطاعة بأعباء السمع والطاعة، وأنه لقسم لا يأثم عاقده، ولا تحل إلا بأكف البر معاقده لقد وردت لما وفدت موارد خطابه، وحصلت في حلبه خطابه وتولعت لما تطلعت إلى بسره وأرطابه، فتفيأته ظلالا، واستسغته زلالا واستنرت بلؤلؤ غرته، وآلاء مبرته قمرا فأنشدته وماثلا بين يديه الكريمة ترويا وارتجالا:
إليكم صرفت النفس وهي مروضة ... وجئت بقلبي نحوكم وهو يطيع
وان كنت سني الإخاء فأنني ... بحكم الهوى في حبكم كتشيع
لقيته أولا بأحواز مضر ببلد) دمنهور (ثم لقيته ثانيا بقسطاط مصر وهو بها العالم علم الدين المشهور، فسمعت من لفظه في الأولى حديث الرحمة المسلسل بشرطه وغير ذلك من مروياته، وأعلى مروياته، وقرأت عليه بلفظي في الثانية جميع الأربعين حديثا البلدانية للحافظ أبي طاهر ﵁ وحدثني بها عن الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن ابن جماعة الإسكندري قراءة منه عليه بلفظه بها عن جعفر بن علي أبي البركات الهمداني سماعا عن الحافظ السلفي سماعا، وحدثني بها أيضا عن أبي الحسن علي بن عمر الواني الصوفي قراءة عليه وهو يسمع بالقاهرة عن سبط السلفي سماعا متصلا، وحدثني بحديث الرحمة وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرني به أبو الحسين يحيى بن عبد السلام الإسكندري وهو أول حديث سمعته منه قال أخبرني ابن عمي أبو بكر ابن عبد السلام الصفاقصي عرف باب المقدسية وهو أول حديث سمعته منه عن الحافظ السلفي، وهو أول حديث سمعته منه حضورا بسنده فيه وقرأت وسمعت أيضا عليه غير ذلك من كتب الحديث وغيرها وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة وكتبت لي بخطة وأنشدني لبعض المشارفة:
ألا يا راحلا في فقر عمر ... يكابد في السرى حزنا وسهلا
بلغت نقى المشيب وجزت عنه ... وما بعد التقى إلا المصلا
وأنشدني للصاحب أبي القاسم بن عباد:
أيا قمر تبسم عن أقاح ... ويا غصنا يميس مع الرياح
جبينك والمقلد والثنايا ... صباح في صباح
وأنشدني لبعضهم:
قلت للأهيف الذي فضح الغصن ... كلام الوشاة ما ينبغي لك
قال قول الوشاة عندي ريح ... قلت أخشى يا غصن أن يستميلك
وأنشدني لبعضهم أيضا:
تثني عطفه خطوات دل ... إذا لم تثنه نثوات راح
يميل مع الوشاة وأي غصن ... رطيب لا يميل مع الرياح
وأنشدني لابن سنا الملك:
يا عاطل الجيد إلا من محاسنه ... عطلت فيك الحشا إلا من الحزن
في سلك جسمي خيط الدمع منتظم ... فهل لجيدك في عقد بلا ثمن
لا تخش مني فأني كالنسيم ضنى ... وما النسيم بمخشي على الخصن
стр. 91
ودخلت على الشيخ الأكبر، دوة الدهر ووحيد العصر، أبي حيان محمد بن يوسف بن حيان المتقدم الذكر، منزله من القاهرة المعزية مجددا عهدا ومجردا من فوائد ما لا أجد منه بدا، فقرأت عليه أجزاء عديدة، وأخذت عنه أشياء مفيدة وقد استوفيتها في برنامج روايتي، ومما قرأت ثانيا عليه من نظمه قصيدة طويلة مدح بها رسول الله ﷺ وأولها:
لا تعذلاه فما ذو الحب المهذول ... العقل مختبل والقلب مبتول
هزت له اسمرا من خط قامتها ... فما انثنى الصب إلا وهو مقتول
وقرأت عليه من نظمه قصيدة بارعة يصف فيها غرناطة وطنه ويبث فيها شوقه وشجنه ويندب معاهده بها ومشاهده، ويذكر مصتدره بينها وموارده، وأولها:
هل تذكرين منازلا بالأحبل ... ومنازها حفت بشطى شنل
ومشاهدا ومعاهدا ومناظرا ... للقاصرات اليعملات الذبل
حيث الرياض تفتحت أزهارها ... فشممت أذكى من أريج المندل
والطير تشدو مفصحات بالغنا ... فوق الغصون الناعمات الميل
فتثير للمشتاق داء كامنا ... وتذيل صائن دمعه المتهلل
وأخذ يصف لي أشواقه إلى الأندلس الكريمة، ويتأوه لذكر عهوده القديمة، وتبع الزفرة بالزفرة، ويصل العبرة بالعبرة ويقول والله لقد كنت ارتحل إليها لو كانت لي طاقة أو قدرة، وأنشدني لنفسه ودموعه تفيض نهرا، وتبل منه صدرا ونحرا، وتسيل على بسيط خدوده فتسلك منها سهلا ووعرا:
يا فرقة أبدلتني بالسرور أسى ... وأسهرت ناظرا قد طالما نعسا
أنى يكون اجتماع بين مفترق ... جسم بمصر وروح حل أندلسا
فبكيت والله لبكائه، ودعا الله في رجوعه إليها فأمنت على دعائه، ثم شهق شهقة حسبت فؤاده بها منفطرا ولم يزل بقية يومه منكسرا.
أن للجنة بالأندلس ... مجتلى عين وريا نفس
فسنا صبحتها من شنب ... ودجا ليلتها من لعس
فإذا ما هبت الريح صبا ... صحت وأشواقي إلى أندلس
ثم خرجنا من مدينة مصر في يوم الأربعاء الموفى عشرين لصفر المذكور فركبنا في بحر النيل العجيب جواري منشئات، عذارى حبشيات وناسكات على الماء ماشيات، تطلعنا على تلك الآيات، وتطالعنا بحسن الآيات وتذكرنا بهذه الأبيات:
نزلنا بمصر وهي أحسن كاعب ... فقيدة مثل زانها كرم الفعل
فلم أر أمضى من حسام خليجها ... يلوح على أفرنده صدأ الصقل
إذا سأل لا بل سل في متهالك ... من الأرض جدب طل فيه دم المحل
غداة جلا تبر الشعاع متونه ... ولا شك أن الماء والنار في النصل
ولا مثل أعطاف الغصون كأنها ... شمائل معشوق تثنى من الدل
ينظم تعويذا لها سبح الدجا ... وينثر إعجابا بها لؤلؤ الطل
ورحنا على البحر وقد سكن هائجه وركن مائجه، وأقبلت الزوارق تهفو بقوادم غربان وتعطو بسوالف غزلان تخالها في سمائه أهله مكسوفة. وتحسبها فوق مائه جريدة دهم مصفوفة. وزورقنا بينها يسرع في اندفاعه. وقد استدرنا تحت ظل شراعه فحسبته خوف العواصف طائرا مد الحنان على بنيه جناحه، وما برحنا نسرع سفرا. ونسير نفرا، ونرتشف من ماء النيل كوثرا، ونتجلى منه حبابه زهرا. ومن جوانبه زهرا. ونتبوأ من جناته منازل فتحت أبوابها فدخلناها زمرا، وأنشدتها حين ودعتها.
وفتحت أبواب السهاد لناظري ... وجعلت ليلى بالنجوم مسمرا
стр. 92
إلى أن وصلنا إلى) فوهة (ضحوة يوم الجمعة الثاني والعشرين لصفر المذكور وهي بلدة من أحسن بلاد ذلك الساحل مرءى وأخصبها مرعى. وأملحها مرسى. وأمنحها أنسا وأينعها روضا وانفعها أرضا فأممنا بها برهة ثم قطعنا النيل أمامها عشية وسرنا في الخليج راكبين بين جنات معرشات وغير معروشات وبلدان موشاة بالبطاح منقوشات وروضات هي مرتع النواظر، ومتنفس الخواطر قد أخذت أدوات الجنان. وضحكت عن العبقري الحسان، وأتت من الحسن والإحسان بما يقصر عن وصفه لسان القلم وقلم اللسان، إلى أن وصلنا إلى الإسكندرية فدخلناها في صبيحة يوم الأحد الرابع والعشرين لصفر المذكور، ونزلنا منها بالمدرسة الموسومة بالعلمية منزلا تشتهيه الأنفس وتلذ له الأعين وتسبح من حسنه الأفواه والألسن، وأقمت مترددا هل يتسنى لي السفر أم القعود، وهل أعود في البحر أم أبقى على توبتي منه لا أعود، يدبر ابن آدم والقضاء يضحك، إلى أن تهيأ مركب ابن خلاص للسفر إلى تونس فلما كمل فيه الوسق وركب فيه الخلق قلت الدخول فيما دخل الناس فيه هو الحق وجعلت أفضل البحر فتقرب الأوطان، ونسيت هوله وما أنسانيه إلا الشيطان، فاستخرت الله تعالى وركبت فيه أنا وأخي محمد بمرسى المنار في عشى يوم الأحد ثاني يوم من شهر ربيع النبوي المبارك من عام ثمانية وثلاثين المذكور ثم رفع الشراع وسرنا حتى إذا كنا بالمواسط أمر الله باجتماع الرياح المختلفة، وتفريق تلك الأمة المؤتلفة، فضربنا في البحار يمينا ويساراً وسرنا إقبالا وإدبارا، ورأينا بروقا وأمطارا، وكسرنا أقساطا وجرارا، وقدرنا الهلاك أما انطمارا، وإما انكسارا، فلما انتهينا إلى قريب طرابلس الغربية بعث الله تعالى ريحا شديدة غربية ضربت من تجاهنا في وجوهنا، وردتنا على أعقابنا وأدبارنا إلى أن دخلنا بها مرسى العمارة في عشى يوم السبت الموفى عشرين لشهر ربيه الأخير من العام المذكور بعد أن كابدنا نصبا وعناء وعدمنا زادا وماء، وكدنا نموت غرقا وجوعا وظمئا. والأخبار كلما كانت أشد على من شاهدها كانت أطرب على سمعها والأسفار سفر عن أخلاق لرجال وتجول بالمرء في كل مجال لا جرم أني لقيت بها أنجادا وأغوارا وظلمات وأنوارا:
والناس كالناس إلا أن تجربهم ... وللبصيرة حكم ليس للبصر
كالأيك مشتبهات في منابتها ... وغنما يقع التفضيل بالثمر
) وهذا المرسى (لما رسينا به قام رئيس الجفن المذكور رجل من الأرذلين يلقب بالفنش فقال يا قوم قد رمنا السفر فما تيسر لنا فلابد لي من الإقامة أيام الشتاء هنا على كل حال وهي ثلاثة أشهر لا محالة فمن أراد السفر في البر غربا أو شرقا فليفعل ثم أظهر لنا العزم على القعود، وأعطانا عليه جميع المواثيق والعهود، وأشهد على نفسه شهود السفينة وناهيك بالشهود، وحلف باللازمة المغلظة، وأيمان الطلاق المؤكدة ثم رفع إلى السماء يديه وشرع في سب والديه، والدعاء بالذبح على ولديه. فهبط عند ذلك من المركب نحو المائتي رجل مشرقين ومغربين:
تفيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلى الهم من حيث أعلم
ثم قام فقال لي يا سيدي حفظك الله وأصلحك أني والله أحبك فوجب على أن أنصحك فقلت وما ذلك، جعلت فداك، فقال أرى أن تنزل إلى البر لتستريح وتكفي هذا الماء وهذا الريح، وهنا في هذا البراري دشار يقال له العماري فصل إليه فإن صلح بك أخذت حوائجك وعزمت عليك فقلت له لعمري لقد نصحت وبينت وأوضحت، وعجبت من فضله، وشكرته على قوله، ولم أدر أنه تحيل فيما تحيل ومكر فيما ذكر:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... ولو خالها تخفى على الناس تعلم
فبادرت مسرعا ونهضت لا مودعا. ونزلت أنا وأخي على أن نعود ونرتاد حيث نلتزم العقود:
وقد كان حسن الظن بعض مذاهبي ... فأدبني هذا الزمان وأهله
стр. 93
وكان نزولنا في صبيحة يوم الخميس الخامس والعشرين لشهر ربيع الأخير المذكور فساعة وطئنا تراب البر، وغبنا عن الجفن وعن البحر، رفع الخبيث شراعه، ووافق شيطانه الغوى وأطاعه، وراح وتركنا منبوذين بالعراء، مطروحين في وسط الصحراء حيارى في أمرنا سكرى، ولا ندري أغربا سلك أم رجع القهقرى، ولا نلتفت إلا إلى زفرة حرى، وعبرة تتوالى وتترى، فما أم طفل قد قذفها خطب الزمان لعنيد، ببعض مسارحلبيد، في أرض موحشة المسالك كثيرة المهالك، قد لمع سرابها، وتوقدت هضابها، وصرخ بومها ونفر ظليمها وحضر سمومها، وغاب نسيمها، فلما خافت على ولدها من الظلماء الهلاك، وأجلسته إلى جانب كثيب هناك، ثم عادت في طلب ماء للغلام، ليلا يقضى عليه حر الأوام، فانتهى بها المسير إلى روضة وغدير، وآثار مطى بوارك، تدل على أن الطريق هناك، فعادت إلى الغلام مسرعة وكل أعضائها إليه عيون متطلعة، فلما شارفت جانب الكثيب، رأت ولدها في فم الذيب. . .
بأعظم كنى حسرة وتلهفا ... وأكثر منى حرة وتوجعا
وأغزر دمعا عندما أقلعوا ضحى ... ومركبنا أضحى على البعد مزمعا
فلما تجرعت أفضع منها غصة، ولا أفضح منها فرصة وتحملت فقد كل شيء وتجلدت عليه إلا فقد الكتب فلم تبق لي جلدا، ولا عزيت عليه خلدا، وسقط في يدي، وأظلمت الدنيا في عيني وبقيت ولا تسأل كيف بقاءي، ودعوت وما قدرت على دعائي وعتبت ولكن:
كأنني كلما أصبحت أعتبه ... أخط حرفا بأقلامي على الماء
ومكثت في دشار الغناري النكد لا املك إلا نفسي وأخي عاريا من الثياب خاليا إلا من الوجد والاكتئاب، بين قوم لا يحسن بهم إلمام، ولا ينهاهم عن قبيح شيب ولا إسلام، ما فيهم إلا من يكلح، ويقسم وجهه أنه لا يفلح:
قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم لقبح المخبر
قد عكم البرد أفواههم، ووسم الفقر جباههم، فلا التفت منهم إلا إلى وجه مكرب، ولا أدري إلى أين انقلب هل إلى مشرق أو إلى مغرب:
حيران أذهل عن إجابة من دعا ... بأسمى وأوحش في الجميع الحضر
فأقمنا نبغي فرجة من عقال، وعرجة إلى خير انتقال، وبقيت هنالك في بيت الصلاة أتجرع الغصص وألج كما يلج العصفور القفص، أتحيل لهذه النفس لأنقذها مما وقذها، وأتخلصها مما تقلصها، وأتوسل لأجلاف أخلاف، أتجرع بينهم مرارة الذل، وأعدم حتى لمحة الظل:
أملتهم ثم تأملتهم ... فلاح لي أن ليس فيهم فلاح
فلما طال الأمر وعيل الصبر، ولم يبق منهم إلا من تسبب في سفك دمنا وكاد، وبلغ بالنفس التراقي أو كاد، قلت لأخي أما وقد حصلنا في هذا الكرب، فالإسكندرية أقرب من الغرب، وأخلص أن سلمنا من العرب، فلنخرج فلعل الله يسلك بنا للنجاة منهجا ويجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا، فوافقني على ذلك واستخرنا الله تعالى هناك، وخرجنا:
في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا
ليلة يوم الاثنين السابع لجمادى الأولى من العام المذكور، فتسللنا متفرقين فريقين، وقصدنا جهة البحر، ودعونا الله تعالى في ستر الأمر، وسرنا في الماء ليلا تقع العين على الآثار، وسلكنا بطون الأودية وظهور القفار، وقلوبنا تطير فرقا، وتخفق وجلا، وإن رأينا غير شيء ظنناه رجلا، لا نركن إلى الحلال ولا نجد سبيلا إلى الماء الزلال راكبين ظهر مهمه يضل القطا في ساحته وتكل الرياح النكب دون مساحته:
سريت به أحييه لا حية السرى ... تموت لا ميت الصباح يعاد
يقلب مني العزم إنسان مقلتي ... له الأفق جفن والظلام سهاد
وطفقنا نسير كذلك ليلا ونهاراً، ولا نبيت صياما ولا نجد إفطارا، فكنا إذا أضر بنا الجوع كل الضرر، ولم نقدر معه على الهجوع ولا على السفر ملنا إلى بعض بيوت الشعر، وقلنا الضيافة على أهل الوبر، ليست على أهل المدر، ثم نعطف عليها عطفا ونحن نتساقط ضعفا، ونقدم باعا ونوخر ألفا، فلا نجد إلا من يقول أفا، ويهدد حتفا، ويضاعف الكرب ضعفا، فنخرج عن البيوت مشردين ومطردين على حالة ترحمها الجبال الشم، وترثى لها الصخور الصم:
فنعود في البيد القفار أذلة ... خضع الرقب نواكس الإبصار
وما زلنا نقبل في ذروة وغارب ونطارد كل شارد وغارب:
تترامى كأنها ورق جف فألوت به الصبا والدبور
стр. 94
إلى أن قاربنا أرض الإسكندرية وخفت عنا هموم تلك البرية:
فيا دارها بالغور أن مرامها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
وسرنا نتقلب إلى البيوت فنحتال على شيء من القوت، وما ظنك بالقوت، وهو كف من الشعير البالي لا نحمله إلا عن العوالي ولا نأخذه حتى نقرأ ألف رقية، ونعقد ألف خيط بألف عقدة، يطلب منا نفعها ودفعها للصوص والذئاب، والكهوف والكلاب:
تدعو الضرورة في الأمور إلى ... ركوب ما لا يليق بالأدب
فإذا فتح الله تعالى تلك الحفنة منه وضعناها مع النار في الأرض حتى تتلقى ثم نفخناها من الفحم والتراب والرماد وأكلناها:
لونا ينم لنا عليه طيبه ... ويزيد ألواناً على ألوان
ويلوح من مرآه مرأى حالك ... وكذلك كان يضيء في الأبدان
وبقيت الحال على ذلك إلى أن دنونا من المدينة وحينئذ لمحنا غرة الصخينة، فألزمنا قمرها من سحابنا سجوفا، ومحونا إشراقها كسوفا، وما ظنك بخرقاء وجدت صوفا، وما ظنك بالحلفاء أدنيت لها النار ولما وقفت من أمر برقة على ما وقفت، وكابدت منها ما كابدت، وعرفت ما عرفت أحببت أن أذكر من ذلك في النظم، ما يقرب للحفظ ويكون في العلم، وهي قصيدة نظمتها شبه الارتجال، وعلقتها بين يدي الأوجال، وأولها:
لا قدس الله ربى كل بحري ... رمى بنا بخداع في الغماري
في أرض برقة لا ماء ولا شجر ... ولا مكان سوى الريح الجنوبي
يستوحش الوحش فيها في مسالكه ... ويستعيذ لديها كل جني
فيها طوائف أعراب ذوي شره ... مبرئين من الدين الحنيفي
تلقاهم بين أطمار ملفقه ... من فوقها كل ذي وجه غرابي
من تلق منهم تقل لاقيت أسوءهم ... وجها وأسوء بالطبع الغريزي
لا يعرفون لقرص الخبز من صفة ... ولا يرون سوى القرص السماوي
ولا يبيت لهم ضيف على شبع ... إلا بنا ذاق من غم ومن غي
محاربين ترى الحجاج بينهم ... موتى يخوضون من حي إلى حي
مجردين حفاة هالكين أسى ... والأكل أول منبوذ ومنسي
تلين فيها الصخور الصم راحمة ... لمن يراها ولو كان ابن ذمي
والقوم لا راحم فيهم على أحد ... أرحمة ترتجى في قلب برقي
كيف التخلص لي من هؤلاء وما ... تريد من شاعر فيهم ونحوي
أرقى الجمال وأرقى كل ذي وجع ... ويستريح بنفثي كل جذري
وأكتب الحرز للمحموم ينفعه ... وأعقد الخيط ما لي فيه من عي
ونشرة الكسب في حفظي إذا وضعت ... على الزريبة تنفي كل وحشي
والشقف عندي لرب البيت أكتبه ... يلقى على باب بيت غير قبلي
وأعرف اليوم أشقاه وأسعده ... والليل أعرف فيه كل دري
وأعرف الشهر في خف وفي ثقل ... والعام هل مطر فيه لصيفي؟
وأضرب الخط في رمل وأعرف من ... أشكاله كل ماءي وتربي
وأحفظ الشعر للعربان أنسبه ... لأهله من جذامي ولخمي
فهذه كلها في برقة سبب ... للعيش إن بات فيها كل غربي
ولا تفتك عصا للكلب تحملها ... وتتكيها لدى الأمر الضروري
وقد دللتك عن علم وتجربة ... سل العليل ولا تسأل لطبي
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... لا يوجد الكعك إلا عند كعكي
ثم سرنا نجتاز على بيوت من الليف ونروي الأحاديث عن الرغيف فما يتفق لنا في الوجادة إلا بالسند الضعيف، وتسلسل الحال، واتصل الترحال، إلى أن وصلنا الإسكندرية المحروسة، وقد فنينا بؤسا، وعرينا ملبوسا، وتبدلنا صورا ونفوسا، وحملنا حشى كفؤاد أم موسى، حتى كأنا أخرجنا من القبور نخبر عن النفخ في الصور، وهول يوم النشور، فدخلناها عشية يوم السبت الرابع لجمادى الثانية من العام المذكور، فنزلنا منها بالمدرسة العلمية المتقدمة الذكر منزلا مرتضى أعقب بالرضى، وانس وأنسى ما مضى، فانبسطت نفسي ورجع إلى عقلي وحسي، وعاد يومي أحسن من أمسي، وجعلت أنشد أهل ودادي وأنسي:
أنا من البدو أقبلنا نؤمكم ... انضاء شوق على انضاء أسفار
لابد للصب أن تبدو صبابته ... ذا تبدل غير الدار بالدار
стр. 95
ثم سمعت بخبر جفننا المذكور الذي غاب عدة من الشهور، ورمى وسقه ورجع فارغا إلى تحت السور، أنه قد كان قبلنا وصل ودخل راجعا إلى مرسى المدينة وحصل، فما كذبت ولا صدقت حتى ذهبت وحققت، فألفيته قد اعترف بالخيبة واعتذر عن بعد الأوبة، وانتبذ وحده من بين الأجفان كلها، انتباذ من جنى جناية لم يوت بمثلها، والناس يعظمون ذنبه جدا ويعدون شهور غيبته عدا، ويقولون له قد جئت شيئا إدا، وهو قد أبدى وجله ولبس خجله، وقال تعست العجلة، فأسرعت لما سمعت ما سمعت وأنزلت منه جميع ما استودعت وتمثلت:
كان الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يكن صعلوكا إذا ما تمولا
ثم ضممت رحلي، وشمرت لدخول المدينة ذيلي، وخليت بينهم وبينه، ودخلت ولم تر بعد عيني عينه، وأخذت في تمهيد القعود والإقامة، وتجديد العهد بالأئمة المشتهرين بإمامة، فاختلفت إليهم فائتلف الشكل والشكل، وعرفت منهم ما لم أكن عرفته من قبل، ولله المنة على في ذلك والفضل:
وقد كان صرف الدهر فرق بيننا ... فمن حسنات الدهر أن جمع الشمل
وقد انتقيت منهم هاهنا مستأنفا، زيادة إلى ما ذكرته من أهل قطرهم آنفا، جماعة البسوني شرفا وجمالا، وأوسعوني برا وإجمالا، فألبسهم اللسان إحسانا، وأبرزهم البيان والبنان إنسانا فإنسانا) فمنهم (ملك قلم الفتيا، وسالك القنى العليا، والشيخ العالم العلامة نجم الدين أبو الحسن علي بن زين الدين أبي عبد الله محمد بن جمال الدين أبي القاسم هبة الله ابن الأنصاري الخزرجي المالكي أبقى الله بركته، عالم بالأحكام والشروع، ومفتي الأئمة في الخطب المروع، وإمام في الحديث والنحو والفروع، وأنه النجم في أوجه، والبحر متدفقا بموجه، له عقل راجح، وعلم واضح ونور لائح، ومع ذلك رجل صالح للخيرات إيضاحه وخبه، وبالصالحات غرامه وحبه ومناثره الأثيرة، أبين من ابن ذكاء وأظهر من شمس الظهيرة:
وليس يصح في الأوهام شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل
ولي في بلده القضاء، وأحسن فيه السيرة والإمضاء، وأجاد الحالتين السطوة والأغضاء، ثم نزعة من يده نزعا، وانتقل عنه تطبعا وطبعا، واشتغل بالله قلبا وذهنا وبصرا سمعا، وأقبل على العبادة والإفادة بإخلاص ويقين، فتقبل الله تعالى علمه وعمله، وإنما يتقبل الله في المتقين، ردد الاختلاف إلى بيت الله الحرام، وأطال الطواف بين الحجر والحجر والركن والمقام وجاور بالحرمين الشريفين عدة من الأعوام، فكثرت حجاته وعلت درجاته، وناجت حسناته، وحسنت مناجاته:
يقضي بنشر العلم في الناس يومه ... وتجفوه في جنح الظلام المضاجع
فينفك عنه يومه وهو ذاكر ... وينفك عنه ليله وهو راكع
стр. 96
انتحل العلوم دهورا وسنين، ورزق جماعة من البنين وكلهم حملة علم، وأولو وقار وفضل وحلم، بلغوا من بره فوق مراده ومقصده، وعكفوا على تقبيل رجله فضلا على يده، وعلامة الشيخ الصالح نجابة ولده، عمرت بفوائده المدارس، واستمرت له فيها محافل ومجالس، فعظم بها الانتفاع، وعلا فيها السماع، وتتابع لها الأشياع والأتباع، سمعت عليه جميع كتاب الملخص لأبي الحسن القابسي ﵀، وحدثني به عن قاضي القضاة زين الدين أبي القاسم محمد بن الشيخ الإمام القاضي العلامة علم الدين أبي الحسن محمد بن رشيق المالكي قراءة منه عليه بجميعه، وحدثه به عن والده علم الدين المذكور سماعا منه عليه بجميعه بحق سماعه له من أبي الطاهر إسماعيل بن ظافر العقيلي عن الشيخ الجليل أبي عبد الله محمد بن احمد بن محمد التجيبي قراءة عليه، قال حدثني الفقيه أبو العباس احمد بن الخطيب، قال حدثنا الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن منصور الحضرمي، قال حدثنا أبو عبد لله بن الوليد بن سعد البكري قراءة عليه، قال أنبأنا الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القابسي وجميع ثلاثيات الإمام أبي عبد الله البخاري ﵁، وحدثني بها عن الشريف تاج الدين أبي الحسن علي بن أبي العباس احمد بن عبد المحسن الحسيني القرافي قراءة منه لها عليه، قال سمعتها عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن أبي بكر بن زربة القلانسي قال سمعتها علي الشيخ أبي الوقت عبد الأول السجري بسنده المعلوم وجميع كتاب شرف أصحاب الحديث للحافظ أبي بكر احمد بن علي بن ثابت، الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى وقرأت عليه تفقها نحو الربع الأخير من كتاب موطأ الإمام مالك بن أنس ﵁ وبعض صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه، ونحو النصف من آخر سفر من كتاب أبي عيسى الترمذي ﵁، وجزءا كبير من كتاب الشفاء للقاضي أبي الفضل عياض رحمه الله تعالى ونحو الربع من آخر كتاب التهذيب لابن سعيد البرداعي رحم الله تعالى وغير ذلك من كتب العربية والتأليف الزهدية والوعظية، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه وأسانيده في هذه الكتب المذكورة مذكورة بخطي في برنامج روايتي ومولده ﵁ في آخر جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستمائة، ومنهم الموفق للسداد، المصيب في الاجتهاد الشيخ العالم القدوة شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين، فخر الدين أبي محمد بن الحسن بن الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم القمني الأنصاري الإمام الأعظم والجهبذ الذي على عقده ينثر الكلام وينظم، والفذ الذي به تفتتح المعالي وتختم، وعنه تتضح المعارف وعنده تخيم سلالة الصدور الأعاظم والبحور الخضارم، والسيوف الصوارم والليوث الضراغم وكفاه شرفا. ممدود رواق النساء، آخذ بآفاق السماء أنه عطارد وذلك القطر فلك. وأن ليس وراءه في اتقاد النبل واعتقاد الفضل مسلك، له البحث الذي لا يناهض والإدراك الذي لا يعارض. والسبق الذي لا يجاري ولا يقارض أقام السؤدد حفافيه. ويهي العلم بين يديه فما شئت من معال تليدة، ومعان طريفة، خرست لها شقاشق الفحول، وانقطعت دونها مصاقع الخطباء لما اخترعت ما خط سواها منه المطروق وابتدعت ما نسي به زمان البديع وأتت بالعبر التي ضاقت عنها العبارة، وسارت فلم تبلغ أدنى غاياتها إلا مثال السيارة، فالبشر المسفر روض يرف، والبر الأوفر عارض يكف، والعلم الوضح بحر طام، والحلم الأرجح طود سام، واللسان الرطب، مهند غضب، والإحسان لا يغير مورد عذب، والذكاء المستعر زندوار، والذكاء المشتهر نور سار، والكنف اللين مربع مهضوب، والشرف الأبين مفخر في صفح الدار مكتوب، إلى سجايا كرم، وأيمان، لم ينفطر عليها أهل هذا الزمان رعاها ضمان الله، ولا زال نشرها نزهة الإسلام وطيب الأفواه، لقيته بالمدرسة المعدة لتدريسه بالإسكندرية فسمعت عليه بها جميع كتابه الأربعين، المخصوصة بالتعيين، لرواية سيد المرسلين عن رب العالمين تصنيف الشيخ الحافظ شرف الدين أبي الحسن علي بن الفضل بن علي المقدسي. وحدثني به عن الشيخ كمال الدين أبي العباس احمد بن شجاع بن ضرغام القرشي الشافعي سماعا عليه بحق سماعه لجميعه على المنصف شرف الدين المقدسي المذكور. سمعت من لفظه جميع الكتاب المسمى بكتاب الأربعين في فضل الدعاء والداعين، تصنيف الحافظ شف الدين أبي
стр. 97
الحسن المقدسي المذكور، وأخبرني به سماعا كذلك عن الشيخ كمال الدين أبي العباس بن شجاع بن ضرغام المذكور بسماعه عن المصنف شرف الدين المذكور وقرأت عليه بلفظي جميع الثمانينات المخرجة للشيخ نجيب الدين عبد المنعم بن عبد اللطيف الحراني المعروف بابن الصقيل وهي أربعة أجزاء، وحدثني بها عن الشيخ نجيب المذكور سماعا لجميعها عليه في يوم الجمعة خامس المحرم سنة سبعين وستمائة بمنزل الملك المجاهد بباب القنطرة بمصر المحروسة، وقرأت أيضا عليه حديث الرحمة بسنده فيه وهو أول حديث مسلسل سمعته منه وهو أول حديث سمعته عن الشيخ نجيب الدين المذكور وأجازني جميع ذلك كله وأذن لي في روايته عنه، وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه،) ومنهم (المؤثر الديانة المستكثر الصيانة الشيخ العالم المسند شرف الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن الشيخ المحدث المرحوم عز الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن ابن الكهف القرشي الشافعي، جملة جلال، في خميلة خلال، وموضع الاتساع، والاصطناع والاحتفال في الإجمال والازدياد، من حمده المستجاد والاستكثار من التحسن بحلله والاستظهار، فإنه بقية صالحة وغرة في دهمة الوقت واضحة، نابت في أطيب سرار، بائت في مهاد فخار ثابت من المجد في حجر قرار، يتحلى بظرف حسين، ويحمل وفاء عامر بن جوين ويأوي إلى ربوة وضية، ومروءة مرضية إلى فنون علوم مقامها في العالم معلوم، ومعارف سابقة له فيها مراتب سابقة وصالحات يهيئ طرقها وأسبابها، ومكرمات يسحب أذيالها وأثوابها فلقد بدا من وجوه فضله، وسداد قوله وفعله، وشمول إبانته وعدله، ما تضيق عن تقريره الرقاع، وتترفه بذكره الأسماع، وغيره ممن يشيد بناء، ويستفيد ثراء، ويستزيد جاها وذكاء، وقد كساه الله اكتسابا ووراثة من هذه الوجوه الثلاثة، ما تنقطع دونه الأعناق، ويوضحه الإجماع والأصفاق، ويعرف به جميل مقصده في الخير ومنحاه، ومكانه من العلم لذي يلتزم كل أحد أن يحله ويرعاه) لقيته (بالإسكندرية فسمعت عليه أجزاء منها جميع الجزء المعروف بسداسيات الرازي بسماعه للجميع من الشيخ أبي البركات هبة الله بن أبي محمد عبد الله بن أبي البركات بن زروين الأزدي في يوم الخميس رابع المحرم سنة اثنتين وستين وستمائة بسماعه لجمعيه من أبي القاسم عبد الرحمان بن مكي بن حمزة بن موقي السعدي الأنصاري بسماعه لجميعه من الشيخ أبي عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي المذكور، قال: أخبرنا أبو لفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي بمصر قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن بطة العكبري بها أخبرنا عبد الله بن عبد العزيز البغوي حدثني يحيى الحماني حدثنا عطوان بن مشكان حدثتني جمرة بنت عبد الله اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ بعدما قد رددت على أبي الإبل، وقال: يا رسول الله أدع الله لابنتي هذه قالت: فأجلسني في حجره ووضع يده على رأسي ودعا لي، وبه إلى الرازي، قال: ومن أغرب ما وقع لي وأقربه إسنادا وهو من الخماسي ما أخبرنا القاضي أبو الفضل محمد بن أحمد بن عيسى السعدي بمصر قال حدثنا عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: سألت أحمد بن عبيد بن أبي طيبة وكان يزعم أنه سمع من أنس بن مالك والحسن وابن سيرين وحدثنا عنهم فسألته عن اسم أبي طيبة فقال اسمه ميسرة قال عبد الله وقال أحمد بن عبيد صمت لله مائة وتسعة وعشرين رمضانا، قال عبد الله: وسمعت منه في سنة خمس وعشرين ومائتين انتهى أول حديث من هذا الجزء المذكور وقد أذن لي في روايته عنه جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة وكتب لي بخطه) ومنهم (الذي بشر بإنجاز إجازته الوعد، وأثار بره سحابا يحدوه الرعد، الشيخ العالم الكبير عماد الدين أبي الحسين بن أبي بكير بن أبي الحسين الكندي المالكي قد كنت لقيته في المرة الأولى، ولم أعمل في إثباته اليد الطولى، لاستصعابه، وقلة استصحابه، وانقباضه عن حملة العلم وطلابه، ثم رأيت أن إهمال ذكره إخمال لقدره وإخلال به بين أهل قطره فشفعت فيه عمله، وأعلقت هذا الديوان اسمه، فقد علم الله أني لا أمين ولا أميل، واغتفر الكثير القبيح إذا تبعه النزر الجميل. وهذا الرجل وإن ألزمه الطبع صلفاً، وناء بجانبه أنفا فقد رفعه العلم وعضده الحلم، وكان له
стр. 98
الحكم، فلم يعرف منه الظلم، ولى رتبة القضاء العلى، ببلد الثغر الإسكندراني، فجرى على النهج السوي، والسنن الرضى، فجر ذيول العز طلقا، وجرع الحلو والمر جزعا ومذقا وحظى فرقا، وأسعد فرقا، وأنحس فرقا، ثم عزل فلحقه الخمول، وعثر به الجد ففاته المأمول وبقي مطرحا، وأقطع الإهمال مسرحا:
ولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجو وانحط القتام
وما زال يدرس في أحسن المدارس، فيغص مجلسه بالواقف والجالس، ويحضر بين يديه خيار الفضلاء، وكبار العلماء، كلهم معتمدون عليه مستندون اليه، مستفيدون بين يديه:
وكل خاشع الصوت ... لديه خاضع النطق
وأنه لأجل إمام وأكبر نحرير، ولا سيما في حديث وعربية وتفسير، وأقول فيه قول من يختصر في ذكره، ويصدق سنة فكره، هو مالك أزمة علو اللسان، وإمام تفسير الحديث والقرآن، والمعول عليه في مذهب مالك بالإجماع والمشار إليه مهما ذكر علم العربية في سائر البقاع، سمعت عليه كثيرا أول الأمر عند ورودي لذلك الثغر، فلما قفلت في العودة ظننته بعض العدة وقلت: العماد مشتق من العمدة، فاستأذنت عليه بأبيات ارتجلتها، وأقمت بباب منزله وأرسلتها وهي:
وارد جاء لاثم لك تربا ... أصدق الناس في جلالك حبا
طبق الأرض من ثنائك شرقا ... وسيملي مسامع الأرض غربا
طلب الأذن أن يراكم بديها ... ثم إن شئت زاد أوزار غبا
أتراكم أسعفتموه لقاء ... أم تراه عن بابكم بان صبا
стр. 99
فأعرض عن وجهها الحسن، ونكب عن قصدها تنكيب الجفن المهجور عن الوسن، فعجبت من الجفا، وتعذر الوفا، ثم أعاد نظره فعاد إلى بذل الفضل والخلوص والصفا، فرسم لي خطه بالإجازة، ووسمني بسمة السماع وإجازة الإجازة، ومما سمعت عليه جميع الجزء المنتقى من كتاب فضل الخيل وما يستحب وما يكره من ألوانها وشياتها، وما جاء في كراهية أكل لحومها وإباحتها وما ورد في سباقها وسهامها وصدقاتها، تأليف الحافظ شرف الدين أبي محمد عبد المومن ابن خلف بن أبي الحسن الدمياطي انتقاء الفقيه الفاضل تقي الدين أبي المعالي محمد بن جمال الدين رافع بن محمد السلاحي بسماعه هو لجميع كتاب فضل الخيل المنتفي فيه هذا الجزء على مؤلفه شرف الدين الدمياطي المذكور في شعبان خمس وتسعين وستمائة بالمدرسة الظاهرية من القاهرة المعزية ومن أشياخه المجيزين له بالفتيا والتدريس على مذهب مالك ﵁ قاضي القضاة ناصر الدين بن الأنباري وغيره، وأخذ علم العربية عن الشيخين الإمامين الدينيين أبي عبد الله محمد بن عبد الله النحوي الشهير بحافي رأسه، وبهاء الدين أبي عبد لله محمد بن النحاس الحلبي، وأجازه كل واحد منهما بإقراء فن العربية وسمع الحديث من جماعة منهم الحافظ شرف الدين الدمياطي المذكور وقاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن مجد الدين أبي الحسن الشهير بابن دقيق العيد وغيرهما، وأجازه كل واحد منهم إجازة تامة مطلقة عامة، وسمع على الشيخ عبد النصير المريوطي بعض مقامات الحريري وحدثه بها عن أبي عماد عن ابن النفور عن الحريري وقد سمعت بعضها عليه، وبعض كتاب مسلم ابن الحجاج وبعض كب التهذيب للبرادعي وبعض كتاب الجزولية في النحو وبعض كتاب الفصيح لأبي العباس ثعلب كل ذلك تفقها مع غير ذلك من الكتب وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة وكتب لي بخطه ومولده في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة،) ومنهم (العلم الذي بأنواره الاهتداء والعالم الذي بآثاره الاقتداء، الشيخ المحدث الحافظ معين الدين أبو عبد الله محمد بن جمال الدين أبي العباس احمد بن فتوح ابن أبي الذكر المصغوني الشافعي ﵁ هذا رجل جليل، له فضل جزيل، وفعل جميل، وعقل نبيل، وطول حفيل، وعلم فضيل، وحسب أصيل، ومحاسن لم يحوها من العباد إلا قليل، فإن ذكر كرم المنصب وشرف المحتد كانت شجرته المصغونية في قرارة المجد والعلاء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، وأن وصف حسن الخلق والخلق فله طلعة كالشمس على وجه الأرض وأخلاق خلقن من الكرم المحض، وشيم تشام منها بارقة المجد وتنم عليها خمائل الروض، وإن مدح التواضع وبعد الهمة ضربنا به المثل، وتمثلنا همة على هامة زحل، وأما سائر آلات الفضل وأدوات الخير، وخصال المجد وفنون العلم؟ فقد قسم الله تعالى له منها ما يباري الشمس ظهورا ويجاري القطر وفورا ولله هو إذا خاض في عجائب علم التحديث، وسلك طرقها بالباع المديد، والسير الحثيث وأخذ في التعديل والتجريح، وجذب أهداب الآداب والنحو والتاريخ فهناك تزخر بحار العلوم، وتذخر جواهر المنثور والمنظوم، ويجتمع الحسن برمته والإحسان بكليته، وتضيق المجالس عن الجلوس، وتتسع أقدام الأقلام في سطور الطروس، صيغ من أشرف الجواهر وردي رداء المحامد وبوئ ببوحة الكمالات فلا غرو أن بدا التأخر للمتقدم وغدا العالم في صورة المتعلم:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
стр. 100
ارتحل في طلب العلم شابا ما أحكمت يده عقد الإزار، ولا سما فأدرك خمسة الأشبار، ثم آب وقد حمد إيابه، وأجزل ثوابه، ونفع به في طلبته وصحابه، فهو اليوم رحلة الزمان وخليفة ابن النعمان والإمام الذي علقت به الأماني فأصبحت في الأمان، مجالسه زينها الصدق وحسنها الحق، وأحبها الخالق والخلق، فنورها يعلو على النسرين، ويرغب في خير الدارين، وان مشائخه لتزيد على الألفين، حقا أقول أنه الآية الله في الأرض، وما فهمت من محاسنه إلا ببعض البعض، فالغلو فيه القليل، والخلو منه ساعة خمول، فما انتجاع الخمائل في أبرديه، ولا اجتماع الفضائل إلا من برديه ولا العلياء إلا في مخبره ومنظره، ولا الدنيا إلا بين مبدأه ومحتضره، ولا العز إلا التعلق بأذياله، ولا الأمن إلا التفئ بظلاله، وردت ذلك الثغر لا رشف ريقه، وأكشف فريقه، وقد رافقني البين، وفارقني الغبن، وأصابتني العين، فتلقاني ﵁ بمحيا حيى، وصافحني براحة أريحى، وعاملني ببرصفى، وبشر حفى:
فبشرت آمالي بشخص هو الورى ... ودار هي الدنيا، ويوم هو الدهر
ومكثت زمانا تحت أفضاله، وواسع نواله، فلما دخل شهر رمضان ضاعفر في المعونة وخفف على المئونة، وأفاض على وعلى من لدي عوارفه فيضا، وأوجب ذلك على نفسه الكريمة سنة وفرضا، حتى رحلت مسافرا من عنده، وحينئذ بنت برغم مكارمه عن رفده، وقد تحصل لي عليه ما بين قراءة وسماع ما ينيف على المائة تأليف جلها بل كلها منقولة بخط يدي من أصوله لعتيقة مصححة عليه على ما تقتضيه إمامته في تلك الطريقة، وأجازني غير ما مرة وكتب لي في غير ما موضع بخطه، ومن جملة ما سمعته عليه جميع القصيدة اللامية الشاطبية المسماة بحرز الأماني وحدثني بها عن الشيخ الإمام أبي عبد الله محمد بن احمد بن عبد الرحمن الكندي سماعا من لفظه بسماعه من الشيخ أبي الحسن علي بن شجاع بن سالم العباس الهاشمي حدثه بها عن ناظمها أبي القاسم الشاطبي سماعا وقراءة، ومما سمعت عليه بلفظه جميع الأربعين حديثا تخريج قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد المشتهر بابن دقيق العيد. بإجازته منه إن لم تكن سماعا وجميع الأربعين البلدانية السلفية وحديث الرحمة المسلسل بشرطه، وجميع مسند حديث عبد الله بن عمر ﵄، وجميع العمدة في الحديث تأليف أبي محمد عبد الغني بن سرور المقدسي ﵀ وجميع الأربعين حديثاً على مذهب المحققين من المتصوفة جمع الحافظ أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق ﵀ ثم قرأت جميعها عليه بلفظي مرة ثانية قراءة تصحيح وكذلك قرأت عليه بلفظي مرتين جميع الأربعين السباعيات المخرجة من سماع الشيخ رضي الدين أبي المعالي عبد المنعم ابن عبد الله الفراوي النيسابوري وقرأت عليه بلفظي مرتين ثنتين كذلك جميع ثلاثيات الإمام أبي عبد الله البخاري ﵁ وقرأها هو وسمعها على جماعة منهم الشريف تاج الدين أبو الحسين علي بن احمد الحسيني القرافي قرأها عليه بلفظه وقد تقدم سنده فيها آنفا وقرأت وسمعت عليه غير ذلك مما قد استوفيته في برنامج روايتي، وأخبرني أبي عبيد الله المهدي كان أديباً شاعراً وجال في البلاد بعد قتل أبيه ودارت عليه صروف الدهر، واضطر إلى الاستجداء بالشعر حتى مدح الوزير ابن عطاف وكيل أبيه بقصيدة منها:
أقول لا مالي ستبلغ أن بدا ... محيا ابن عطاف ونعم المؤمل
فقالت دعوني كل يوم تعلل ... فقلت لها أن لاح يفنى التعلل
فتغافل عنه فكتب إليه:
أيها المكن من قدرته ... لا يراك الله إلا محسنا
إنما المرء بما قدمه ... فتخير بين ذم وثنا
لا تكن بالدهر غرا وإذا ... كنت فانظر فعله في ملكنا
مد كفا نحو كف طالما ... أمطرت منها السحاب الهتنا
أوارحني بجواب مؤيس ... فمطال النفس من شر العنا
стр. 101
فقال صاعقة لم يرسلها الله إلا على، ثم قال لوكيله أدفع إليه خمسة عشر درهما. فقال: يا سيدي ما لهذا القدر رونق، أما عشرة أو عشرين، فقال: أدفع إليه عشرة فقال له الوكيل ما قلت لك هذا إلا لتطلع همتك ولا يكون كلامي شرفا على الرجل فقال: يا هذا دع الفضول فغنما أنت وكيل لا مشير فقال فارجع إلى الحال الأول فحرد وحلف إلا يعطيه شيئا فتحيل الوكيل في خمسين درهما، ودفعها إلى عبيد الله فسمع ذلك ابن عطاف فقال له: من أنت في الكلاب حتى تعطي خمسين كأنك معن بن زائدة أو جعفر البرمكي مثلك لا يستخدم فصرفه فقدر الله موت الوزير فتزوج الوكيل زوجته وسكن داره فقال في ذلك عبيد الله شعرا أوله:
أيا دار قولي أين ساكنك الذي ... أبى يومه أن يترك الشكر خالدا
وأضحى وكيل كان يأنف فعله ... نزيلك في الحوض الممنع واردا
فقلت: أين هذا من مالك بن طوق ﵀ عليه فإنه كان جالسا في بهو مطل على رحبة ومعه جلساؤه إذ أقبل أعرابي نخب به ناقته فقال: إياي أراد ونحوي قصد، لعل معه أدبا ينتفع به ثم أمر حاجبه بإدخاله فلما مثل بين يديه قال ما أقدمك يا أعرابي قال: المل في سيب الأمير والرجاء في نائله، قال: فهل قدمت أمام غرضك وسيلة، قال: نعم أربعة أبيات قلتها نظما، قال: فهل لك أن تنشدنا أبياتك ولك أربعة آلاف درهم، فإن كانت أبياتك أحسن فقد ربحنا عليك وإلا فقد نلت مرادك وربحت علينا، قال: قد رضيت:
وما زلت أخشى الدهر حتى تعلقت ... يداي بمن لا يتقي الدهر صاحبه
فلما رءاني الدهر تحت جناحه ... رأى مرقا صعبا منيعا مطالبه
رءاني بحيث النجم في رأس باذخ ... يظل الوري أكنافه وجوانبه
فتى كسماء الغيث والناس حوله ... إذا أجدبوا جادت عليهم سحائبه
قال ظفرنا بك يا أعرابي، والله ما قيمتها إلا عشرة آلاف درهم قال: فإن لي صاحبا شاركته فيها ما أراه يرضى ببيعتي، قال: أترى حدثت نفسك بالنكث، قال: نعم، وجدت النكث في البيع أسهل من خيانة الشريك فأمر له بها وأخبرني، قال: دخل المظفر الأعمى على الملك الكامل فقال له الملك نصف هذا البيت: وأنشد بديها: قد بلغ الشوق منتهاه.
فقال المظفر: وما درى العاذلون ما هو؟ فقال الملك: وغنما غرهم دخولي.
فقال المظفر: فيه فهاموا به وتاهوا.
فقال الملك: ولي حبيب رأى هواني فقال المظفر: وما تغيرت عن هواه فقال الملك: رياضة النفس في احتمالي فقال المظفر: وروضة الحسن في حلاه فقال الملك: أسمر لدن القوام ألمي فقال المظفر: يعشقه كل من يراه فقال الملك: ريقته كلها مدام فقال المظفر: ختامها المسك من لماه فقال الملك: ليلته كلها رقاد فقال المظفر: وليلتي كلها انتباه فقال الملك: وما عسى من يهين عبدا فقال المظفر: بالملك الكامل احتماه.
وكانت بيد الملك رقعة يكتب فيها كل ما نظمناه فرمى بها تجنبا أن يكتب مدحه بيده، ثم زاد المظفر بعد ذلك وأخبرني قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن حماد القطان التونسي قدم علينا حاجا قال: حدثني الشيخ أبو محمد المغرياني، قال: لما جئت برسم الحج إلى الديار المصرية تعرفت بشيخ من المتصفة، فقال لي: أريد أن أجمع بينك وبين الأمير ابن يغمور فأجبته: إلى ذلك فجئنا إليه وهو في بستان فاستأذنا فأذن إلينا، وأمرنا بالجلوس، فجلسنا وبين يديه مملوك صغير حسن الصورة، ومماليك أخرى بين يديه. . . وبين يديه محبرة، فقال له الشيخ عني، هذا الرجل أديب فاضل يقول الشعر فسر بذلك وأخذ غرارة وكتب فيها من نظمه:
لاح بدرا وتثنى غصنا ... فحكى الشمس سناء وسنا
ثم نادى الحسن هل من عاشق. . . ثم قال لي: أجز هذا البيت فارتج على زمانا، إذ دخل نوتي من المركب فقال لبيك، فألهمني كلامه فقلت:) فأجاب القلب لبيك أنا. . . (فاستحسن ذلك ووصلني، وأخبرني قال صنع بعض الفضلاء ببغداد طعاما ودعا إليه الناس فأجابوا دعوته وكان في جملتهم أبو العباس المبرد فلما فرغوا من أكلهم دعا رب المنزل جارية له خلف ستر، وقال لها: اسمعينا شيئا فقالت:
وقالوا لها هذا حبيبك معرض ... فقالت ألا أعراضه أيسر الخطب
فما هو إلا نظرة بتبسم ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب
стр. 102
فقام كل من كان في المجلس وطابوا بأجمعهم وداروا إلا أبا العباس فلم يقم ولم يتحرك. فقال له رب المنزل: لِمَ لَمْ تقم، فقالت الجارية: دعه يا سيدي إنما لم يقم لأنه ظن أني لحنت في قولي، هذا حبيبك معرض، ولم يعلم أن عبد الله بن مسعود ﵁ قرأ وهذا بعلي شيخا فقام فطرب حينئذ أبو العباس وطاب، وقام ودار حتى شق ثوبه) وأخبرني (قال حضر ابن حجاج البغدادي وليمة فتأخر الطعام فكتب لصاحبها:
يا ذاهبا في داره جائيا ... لغير معنى وبلا فائدة
قد جن أصحابك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة
وجميع ما أنشدني من القصائد والمقطوعات يحتمل سفرين كبيرين، وقد تقيد لي جميع ذلك في غير هذا بخطى وبخطه ﵁ فما لخصت منه هنا ما أنشدنيه لمهلل الدمياطي:
يا بانة الرمل هل مرت بك الإبل ... وساحة الشيح هل حطت بك الكلل
ويا عرب النقى هل للقا أمد ... ويقتضي بحماكم ذلك الأمل
رحلتم بفؤادي يوم رحلتكم ... وبين جنبي قد حلت لكم حلل
وحقكم ويمين الحب صادقة ... قلبي بغير هواكم ليس يشتغل
يا سائق البدن بالبطحاء فقف نفسا ... لعل عيني بحسن القوم تكتحل
بدر تمام من الأكوان مطلعها ... في القلب والطرف قد حلوا وقد نزلوا
يا للرجال عسى خل يعين فتى ... حلف الغرام رمته الأعين النجل
قد دار بالوجد حتى شاب مفرقه ... ومارس الحب حتى جاءه الأجل
وأنشدني لتاج الدين السرخدي:
تأنوا ففي طي النسيم رسائل ... وميلوا فإن البان بالسفح مائل
وما مال إلا للسؤال ... حديث هوى فاستحدثوه وسائلوا
روى خبرا عن بان نعمان مرسلا ... وأسند عنه ما حكته الشمائل
خذوا عن يمين البان قد بلغ الهوى ... أواخر لم يدرك لهن أوائل
وقصوا غرامي للنسيم فإنه ... غريمي إذا ما هيجتني البلابل
وميلوا إلى رمل الحماعل سربه ... تلاحظكم غزلانه وتغازل
وإن سؤالي للنسيم علالة ... كما أن دمعي للمنازل سائل
وأنشدني لعلي بن مسعود الحلبي المعروف بالذهبي وهو من شعراء الملك الناصر:
إلى كم تراني يا خليا من الوجد ... وتعرض عن بثي وتخلف لي وعدي
وكم فيك جرعت الهوان بمنزل ... علمت به أن المنازل لا تجدي
أعيد وأبدي ما أحس من الهوى ... على رسم دار ما يعيد وما يبدي
وبرق تراءى من تهامة موهنا ... فأوهمني قرب المزار على بعد
سرى خافقا من أيمن الغور مهديا ... إلى الماء والجمر المضرم في نجد
وأضحى على وادي الأراك مخيما ... يلوح ويخفى مثل حاشية البرد
لك الله يا برق الغضا، أن للغضا ... بقلبي ما للنار من مهجة الزند
وأنشدني لكافور بن عبد الله الخصي خادم روضة النبي ﷺ وهي قصيدة طويلة:
أولها: وحق الهوى ما هبت الريح من نجد ... على كبدي إلا تلوت من الوجد
وإن لاح برق من ثنية لعلع ... ذكرت به برق الثنية من هند
هلالية تحكي بوجهها ... إذا لاح في ليل من الفاحم الجعد
على أنني ما زلت منذ علقتها ... على حالة مذمومة العهد من عهد
فأما على شوق يتاح إلى الثوى ... وأما على وصل ينغص بالصد
أردية الخدين من ترف الصبا ... ويا بنت ذي الأقدام بالفرس الورد
صلي واغنمي شكرا فلا وردة الربا ... تدوم لجانيها ولا وردة الخد
خليلي أن الصدر ضاق عن الجوى ... فلا تعذلاني واتركا النار في الزند
وأنشدني للشريف بن الجلاوي الموصلي:
حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محله ... غزال ولكن سفح عيني عقيقه
على خده جمر من الحسن مضرم ... يشب ولكن في الفؤاد حريقه
على مثله يستحسن هتكه ... وفي حبه يجفو الصديق صديقه
أحن إليه كل حين صبابة ... وقد سد من بعد المزار طريقه
وأشتاق أكناف الحماحين حله ... ومن ذا الذي ذكر الحما لا يشوقه
وأنشدني لأبي مختيار الأبله البغدادي المشهور برقة القول في الغراميات:
بأي لسان للوشاة آلام ... وقد علموا أني سهرت وناموا
стр. 103
أهيم وما أظهرت في الحب بدعة ... ولو أنهم ذاقوا الغرام لهاموا
هل العشق إلا لوعة في جوانحي ... تنم عليها أنه وغرام
ألام على حبي وهو مبرح ... وأكبر حب في هواك ملام
أيستكثرون الوصل لي منك ساعة ... وقد مر عام للصدود وعام
وأنشدني قال أنشد أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري لمحمد بن أبي أمية:
مل الوصال فعاد بالهجر ... وتكلمت عيناه بالغدر
وظللت محزونا أفكر في ... إعراضه عني وفي صبري
ما نلت منه في مودته ... يوما أسر به مع الدهر
في كل موضع لذة حزن ... يغتاله من حيث لا ندري
وأنشدني قال أنشد أبو محمد بن القاسم الأنباري لخالد الكاتب:
قد القضيب حكى رشاقة قده ... والورد يحسد وردة في خده
والشمس جوهر نورها من نوره ... والبدر أسعد سعده من سعده
خشف أرق من الحياء بهاؤه ... ومن الفرند المحض في أفرنده
لو مكنت عيناك من وجناته ... لرأيت وجهك في صفيحة خده
) ومنهم (الأثير النايل، الكثير الفضائل، الشيخ الإمام، القدوة تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب بن هبة الله بن احمد المقدسي الأنصاري الشافعي نفع الله تعالى به، ذو الرياسة العلية والسياسة العلمية، والمراتب السنية والمناقب السرية والهمم البعيدة الزكية، والشيم الرضية المرضية وأفضل الفضلاء بقطر الإسكندرية من رجل انتهى إليه العلم ووقف عليه العقل واختصه الكرم، وبعد له الصيت ووسمه الصدق وعظمه العالم وخلقته العبادة، وأدبه التواضع، وارتضاه التصوف ووسعته السنة وأحبته الأمة، وجرت على يديه النعمة، بسيط الكف رحب الصدر موطأ الأكناف سهل الخلق، كريم الطباع غيث مغيث وبحر زخور، ضحوك السن بشير الوجه، بادي القبول، يستقبلك بطلاقة ويخبرك ببشر، ويستدبرك بكرم غيب وجميل، نشر، ريان من العقل، خميص من الجهل، وراجح العلم، ثاقب الرأي، طيب الخلق محض) كذا (الظرفية، كاس من كل مكرمة، عار من كل ملامة، إن سئل بل، وإن قال فعل، فلم يحو فضله العصر، ولم يبد مثله ذلك الصفع، وذلك القطر، ولما درت له درر أخلاق التوفيق فشرب ريه، وهبت له نسمات الإرشاد، فتنسمها ذكية عنبرية، والتاحت له شمس المعارف، فالتمحها بيضاء نقية، ودعته المعالي لنفسها فأسرع إجابة دعوتها المعنوية إذ لا نطقية، اصطفته الخطة الشرعية، وارتضته إلا مرة القاضوية، فهو رئيس كتابها ومنشئ شروطها وآدابها، ومفتي مشكلها وإعرابها، والعارف بنقضها وإبامها، والعاكف على تنقير نوازلها، وتنفيذ أحكامها ومع سمو قدره ونفوذ نهيه وأمره، فالناس منصفون في سبقه، ومعترفون ببخس حقه، عارفون بما يجب لعلمه وفضله وحذقه، لقيته بمنزله من الإسكندرية لآخذ عنه واستفيد منه فأراني من فضله ما أتى بخرق العوائد وأتحفني بأعظم التحف وأكبر الفوائد:
لقد كان لي روضة عذبة ... مواردها في فم الصادر
أقلب طرفي بأرجائها ... فيرتع في مونق زاهر
وقد تحصل لي بخط يده البارع جملة تفتخر المهارق بها افتخارا وتطلع في أفق الطروس ليلا ونهارا فإنه:
تبث يمناه زهرا في الطروس ولا ... نكر على السحب أن بنبتن أزهارا
خط هو السحر لكنا ننزهه ... ونجعل القلم النفاث سحارا
ومما قرأته عليه بلفظي كتاب عيون الحقائق تأليف شيخه العالم الكبير الشهير الولي لله تعالى أبي سليمان داود الشاذلي نفع الله ببركته وهو ديوان عجيب من أحسن ما جمع في علم التصوف ومن أصل شيخي الذي بخطه البارع نقلت أصلي منه ومعه قابلته وعليه صححته، حدثني به عنه قراءة عليه ومما أسمعني من لفظه جميع الجزء الذي ألفه في الطريقة الصوفية فأبدع فيه تأليفا وإنشاء واطلع منه كواكب العجائب تشرق صباحا وتروق عشاء، وجميع الأحاديث الأربعينية البلدانية السلفية بحق قراءته لجميعها على الشيخ المحدث محي الدين أبي القاسم عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن بن جماعة بسماعه لها على الشيخ أبي الفضل جعفر بن علي بن هبة الله الهمداني نقلا بسماعه لها من مخرجها الحافظ أبي الطاهر احمد بن محمد السلفي ﵀ وقد سمعت عليه أجزاء كثيرة وأحاديث مسلسلة عديدة منها حديث الرحمة المسلسل بشرطه وأجازني وكتب لي بخطه وأخبرني وقال:
стр. 104
أخبرني الفقيه العالم أبو بكر الأذفري قال: أخبرني الفقيه حرب من أهل دمشق قال: شخص من الفقراء لإخوانه أحب اليوم أن نجتمع وأغني لكم قال فاجتمعوا فغنى لهم:
سلي نجوم الدجى يا طلعة القمر ... عن مدمعي كيف يدمي فيك بالسهر
أيه بعيشك ماذا أنت صانعة ... من الجميل فهذا آخر العمر
ثم شهق ومات رحمه الله تعالى، وأخبرني أبو بكر المذكور عن القاضي شمس الدين بن القماح قال: سمعت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يذكر في مجلس درسه بجامع ابن طولون أنه حضر سماعا وكان هناك فقير فغنى مغن من أبيات ابن الخياط:
خذا من صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه
وأيا كما ذاك النسيم فإنه ... متى هب كان الموت أيسر خطبه
أغار إذا آنست في الحي أنة ... حذارا وخوفا أن تكون لحبه
وفي الركب مطوي الضلوع على جوى ... متى يدعه داعي الغرام يلبه
قال فقال الفقير لبيك ورفع رأسه فإذا هو ميت.
) ومنهم (مفتي الإسلام، فخر الأنام، الشيخ الإمام فخر الدين أبو العباس احمد بن محمد بن أبي الفضل بن عاصم الذي له الكرامات الظاهرة، والآيات الزاهرة، والمجاهدة الوافرة، والبيت الذي بالصلاح مشهور، وبالرياسة في التقدم على الصوفية مذكور، فهو شيخ الطريقة، ومعدن الحقيقة نشأ مذ كان على الطرائق العلمية الملية وتربى في حجر الحماية بعين الولاية لما سبق له من الرعاية بالعناية الأنعامية، وحباه سبحانه بأن ألهم هممه العلية للاهتمام بالعزلة والفراغ عن الشواغل الدنيوية، ومنحه بصدق المجاهدة ومراتب المراقبة، ومشاهد المشاهدة ما منحه من مواهبه العرفانية، وخصائصه الإحسانية، فلم يزل يتقلب في أطوار العبادة، ويصحب أهل الفضائل ويلازمهم للإفادة والاستفادة، مترقيا إلى أفلاكهم، وفائتا شأو إدراكهم، فحفظ أنواع العلوم الربانية ولحظ أسرار الخطرات الواردة الإلهامية، فظهر عند فنائه في فناء معارجها وبر حين هب عليه نسيم القرب، فتموجت معارف بحارها وبحار معارفها، وأقام يقيم رسوم العلوم الدراسية، بيد أعمال الطاعية، فلاحت في معادن أسراره، ومشارق أنواره، ما شئت من شواهده البرهانية ودلائله الإيمانية، إلى ما حوى من بدائع المواعظ الزهديات وروائع الحكم الأدبيات التي تبرقعت بنور الصباح، وحسن الأوجه الصباح وتخلقت بنشوة الراح، وارتياح الأرواح، فتجلت لها أنوار جلت ظلمات الأفكار الجسمانية، وتبدت لها أسرار محت بقايا الأطوار الروحانية:
فما سريان الراح في روح وامق ... بأنفس منها في نفوس وعاتها
سقانا بها حتى سكرنا مدامة ... فكيف لنا بالصحو من نشواتها
فهاهو واحد زمانه وفريد أوانه، وواسطة نظام العقد الذي تجلى بلؤلؤه ومرجانه، وشاع وذاع فملأ القلوب والأبصار والأسماع، بما راق وراع، من فوائده البيانية، وفرائده التبيانية وعوائده الدنيوية والأخروية، قد صفا من الكدر، وانقطع إلى الله من البشر، واستوى عنده الذهب والمدر، وفاق رجال الأمصار والآفاق من البلاد الإسكندرية والمصرية والشامية، لقيته بمدينة الإسكندرية فقرأت وسمعت عليه كثيرا من حديث رسول الله ﷺ في تآليف عديدة منها جميع الجزء المسمى بالمجالس الثلاثة من امالي الحافظ أبي الحسن علي بن الفضل بن علي المقدسي ﵁ بسماعه لجميع الجزء في سنة أربع وثمانين وستمائة على الشيخ شرف الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق القرشي بسماعه لجميعه من مخرجه المقدسي، وقرأت وسمعت عليه غير ذلك من الكتب والأجزاء والأحاديث المسلسلة وغيرها مما قد استوفيته في برنامج روايتي، وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة، وكتب لي بخطه وأخذت عنه في التصوف تآليف عديدة نقلت منها هنا ما نصه:
стр. 105
أما الصوفي فهو العالم بما لابد في أعمال الطاعة منه، المقبل على الله بوجهه كله المتجرد عن نفسه القائم في شيء بإرادة ربه، سمعت شيخنا الإمام قطب الوقت شهاب الدين أبا عبد الله عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد السهروردي ﵁ يقول: من عمل ولم يعلم كان كمن يبذر في السباخ، ومن علم لم يعمل كان علمه ضائعا، وأما الفقير فهو المقبل على الله تعالى بوجهه المتمكن من تربية ظاهرة وباطنة بصريح العلم الذي لا تفاوت في معاملته بين خلوته وجلوته، المتطلع بترك المال والجاه إلى ما تحقق عند الله من العوض في المئال، قال فارس ﵁: قلت لبعض الفقراء ﵁ ورأيت عليه أثر الجوع ألا تسأل قال: أخاف أن أرد فلا يفلح الراد، وقال محمد بن ياسين: سألت ابن الجلاب ﵄ عن الفقر فذهب ثم رجع فقال: كانت عندي أربعة دوانق فاستحييت من الله أن أتكلم في الفقر وهي عندي فذهبت حتى أخرجتها، ثم تكلم، وهذا يظهر الغنى في الفقر، وقال عبد الله بن المبارك ﵁ إظهار الغنى في الفقر أحب إلينا من الفقر، وأن يكون العطاء أحب إلينا من الأخذ.
والإرادة هي القصد إلى طريق السالكين إلى الله تعالى وهو أول منازلهم والمريد هو القاصد إلى تلك الطريق، وأعلم أن الخرقة خرقتان خرقة تبرك وخرقة إرادة، ولخرقة التبرك حقوق، منها لا يمنع طالبها ولا يرد مع صحة القصد خاطبها وأن يلقاها بالقبول، ويرجو ببركتها الوصول إلى أهلية خرقة الإرادة، وأن يجالس إلى أهلية خرقة الإرادة، وان يجالس هذه الطائفة متشبها بهم متزييا بزيهم متأدبا بآدابهم ناظرا إلى سيرهم وأحوالهم، متعرفا بذلك عوارف بركاتهم، ولها شروط منها ما هو شرط في صحة لباسها ومنها ما هو شرط في دوام حكمها، أما الشرط الأول، فهو الأيمان بطريق القوم، قال شيخنا ﵁ الأيمان بطريق الصوفية أصل كبير، وذكر قول الجنيد الأيمان بطريقنا هذه ولاية فقال وجه ذلك هو أن الصوفية تميزوا بأحوال عزيزة وآثار مستعذبة عند أكثر الخلق لأنهم مكاشفون بالقدر وغرائب العلوم، وإشارتهم إلى عظيم أمر الله والقرب منه، و) الأيمان بذلك أيمان بالقدرة، ولهم علوم من هذا القبيل، ومن أهل الملة من أنكر الكرامات فلن يومن بطريقهم إلا من خصه لله بمزيد عنايته، الشرط الثاني سلوك الطريق التي لا تتوجه على سالكها من حاكمي العقل والنقل لوم فإن عصوك فقل أني بريء مما تعلمون فإذا حرك لابسها بحركة تنافي طريق القوم متعمدا لذلك مصرا عليه غير مجيب إلى الرجوع عنه تنزع خرقة المشايخ عنه، ويصان حريم احترامها عنه، فإنها محترمة شريفة مكرمة، لأنها شعائر المقربين، وحلية الأبرار المتقين، قال إبراهيم بن شيبان ﵁ كنا لا نصاحب من يقول نعلي، وقال أبو احمد بن القلانسي ﵁ دخلت على قوم من الفقراء يوما بالبصرة فأكرموني فقلت يوما لبعضهم أين إزاري فسقطت من أعينهم، ودخل الرود باري ﵁ يوما دار بعض أصحابه فوجده غائبا وباب بيته مغلق فقال صوفي وله باب مغلق، فكسر وأنفذ جميع ما وجده فيه إلى السوق، فدخل صاحب المنزل ولم يقل شيئا، ودخلت امرأته رمت بكساء كان عليها وقالت بيعوه فهو من بقية المتاع وقالت مثل هذا الشيخ يباسطنا ويحكم علينا وندخر شيئا عنه، ومن آدابها أن يصلي لابسها عقب إلباسها ركعتي القدوم بالإجماع من سفر الغفلة لى وطن الوصلة، ثم يقبل على تقبيل يد الشيخ على عادة دخول الرياضات في تقديم صلاة القدوم على صلاة التسليم، ومن فوائدها أن ببركتها تلوح للابسها إشراك الفتى فيحذرها ويعلم أن النكير يشتد عليه من كل طائفة فينكرها، وإن بدا منه اضطراب في شيء من ذلك فذلك لأنه:
ضاق بحمل العذار ذرعا ... كالمهر لا يعرف اللجاما
وأنشدني ﵁ لطاهر بن حسن المخزومي:
ليس التصوف أن يلاقيك لفتى ... وعليه من نسج المسوح مرقع
بطرائق بيض سود لفقت ... فكأنه غيها غراب أبقع
أن التصوف ملبس متعارف ... يخشى الفتى فيه الالاه ويخشع
وأنشدني أيضا لغيره:
ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ... ولا بكاؤك أن غنى المغنونا
ولا صياح ولا رقص ولا طرب ... ولا تغاش كأن قد صرت مجنونا
بل التصوف أن تصفو بلا كدر ... وتتبع الحق والقرآن والدنيا
стр. 106
وأن ترى خاشعا لله مكتئبا ... على ذنوبك طوال الدهر محزونا
) ومنهم (لغمر الديم، الغر الشيم، الشيخ العالم الأصيل جمال الدين أبو عبد الله محمد بن شرف الدين محمد بن المنير. له البيت الذي نمى على قواعد الأديان الصحيحة، وسمى على عمد الأعمال الصالحة والأنساب الصريحة، والعلم الذي أنارت ثواقب مفاخره ومآثره في أقطار الآفاق وآفاق الأقطار، وطارت مناقب نزاهته وعدالته في الخافقين كل مطار وانتظمت أسلاك أصالته في أجياد الأسطار وهمت سحائب كرمه على الداني والقاصي كالغيث الواكف المدرار. وسرت أمثال علمه سرى نسمات باسمات الأزهار. وبهرت صفات شخصه النفيس الجوهر المطهر المحتد الكريم لعنصر المشرق الأنوار، واستدار فلك مجده على قطبي العلم والدين وأسخار قمر هديه أشرق من الصبح المبين، فسما في العلم علما راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، آونة للصلة وأونة للعائد، مشاورا في نوازل الديانات، مسفتي في عوارض غوامض القضايا المشكلات تصطفيه الرتب العلية السنية، وتتنافس فيه الخطط لشرعية السنية، فطورا مقدما في أندية الوزراء والأعيان، وتارة صدرا في قضاة العدل والإحسان، حتى اعترف بإرشاده الخاص والعام، واغترف من بحر إرفاده الراوي والظام، فما من جار في تحصيل مرام إلا عليه اعتمد، وما من سار على سبيل اعتصام إلا بدليله اسنرشد:
خلاله عن طريق المجد حاسده ... ومن يساجل صوب العارض الهطل
علم وحلم ورأي محصف وندي ... سبحان جامع هذا الفضل في رجل
لقيته بمنزله من الإسكندرية فسمعت عليه أكثر تآليف عمه العالم الكبير قضي قضاة الإسكندرية ناصر الدين أبي العباس احمد بن محمد المنير ﵀، ومنها الأرجوزة الكبرى التي فسر فيها القرآن العظيم، وتأليفه المفيد الذي فسر فيه راجم أبواب صحيح البخاري ﵁، وجزء فيه أحكام السماع بشروطه، وغيرها من تآليفه، وحدثني بها عنه سماعا عليه وسمعت عليه غير ذلك وأجازني وكتب لي بخطه وأنشدني من شعر عمه المذكور جملة مقطوعات حكيمات وزهديات، قيدتها في غير هذا وأنشدني له كذلك الشيخ العالم الأوحد مفتي المسلمين عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نور الدين بي عبد الله محمد بن حباسة وقال أنشد فيهما غير ما مرة ناظمهما قاضي القضاة ناصر الدين المذكور يمدح والدي نور الدين رحمهما لله تعالى:
يا نور أوصافك الغراء كالحبك ... ووجهك البدر بدر التم في الفلك
عليك نور بهي لا خفاء به ... نور العفاف ونور الدين والنسك
وذكر لي الشيخ عز الدين المذكور قال ولى نصر الدين بن المنير هذا القضاء بالإسكندرية وهو ابن خس وثلاثين سنة وكان مشائخه من نوابه رحمة الله عليه، ومنهم العظيم القدر المشروح الصدر الشيخ المحدث العدل، صدر الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام الكبير محيي الدين أبي عبد الله الزماتي المالكي الشهير بأبي حافي رأسه، نوع آخر منه، وفرع من أصل يقصر الوصاف عنه، فإن والده محيي الدين، من كبار الأئمة المهتدين، وهو الذي أحيا لسان العرب وعلم العربية في الديار المصرية والإسكندرية ثم تولد هذا الفرع عن ذلك الأصل، وتخلد نسخة ثانية من الفضل:
وحسبكم مجدا أثيلا مكارم ... جسام تلافيها العقيب عقيب
حووها على مر الليالي وراثة ... تشابه فيها منجب ونجيب
стр. 107
فنجب وأنجب، ساد وشاد، وجاد وأجاد، وأفاد واستفاد، وأقام المتن والإسناد، وععي وعلم، اجتنى ثمر الحكم واجتلى غرر الكلم، إلى تظرف يواجهك بالوجه الوسيم، وتلطف يحادثك محادثة النسيم، وقد تولته السنة الحمد من القاصد والوارد، وأظلته سماء المجد بجمال المشتري ظرف عطارد، فهو درة العصر، ونخبة فضلاء ذلك المصر لقيته بدكانه من الموثقين من الإسكندرية، فسمعت عليه أجزاء عديدة مفيدة، منها جزء فيه المجلس لخامس في فضل صوم المحرم، تخريج الحافظ أبي المظفر منصور بن سليمان بن منصور الهلداني الشافعي بسماعه بجميعه منه، وجزء فيه مقطعات وأبيات والجزء بجميعه من نظم الإمام العلامة الأديب أبي النصر مظفر بن محاسن بن علي بن نصر الله الذهبي الدمشقي بسماعه عليه وإجازته له، وسمعت عليه غير ذلك وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده سنة ثلاث وستين وستمائة بالإسكندرية وأنشدني لوالده محيي الدين المذكور يرثي بعض الفضلاء ﵁:
من لمسترشد ببسط البيان ... من لمسترغد ببسط البنان
مات برهان فابكوا وقولوا ... ويح دين خلا من البرهان
عين إنسان دهري كان وتدري ... فقد عين الإنسان للإنسان
و) منهم (الباهر الفصاحة، الطاهر الجناب والساحة الشيخ لفقيه العالم ناصر الدين أبو عبد لله محمد بن الشيخ العالم المصنف المرحوم وجيه الدين أبي بكر بن عبد المنعم ابن علي بن ظافر بن مبادر الشافعي الزبيري من ذرية مولانا الزبير بن العوام ﵁ حبر خير، مقيد مفيد، متقن، متفنن، ناقد نافذ، قد زان العلم بالحلم، والباهة بالنزاهة والذكاء بالزكاء، والرواية بالدراية، فجمع بين العلم والتقييد، واعتلاء الأسانيد إلى دين متين استمسك بعروته الوثقى وزهد جرى منه إلى الأمد الأقصى، وأياد على الأنام لا يجوز أن تكفر، وحسنات حق ذنوب الأيام بها أن تغفر، فاستحق من الثناء ما يستغرق لفظ اللافظ، وارتسم في رتب العلاء بالإمام الحافظ، وأقسم بالرحمن والمثاني والقرآن، انه لفخر الأعيان، وعين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، وأبلغ بني ذبيان، ومن أبي الحسين عند بني حمدان، ونائب ديوان الإنشاء ببغدان، ومع طيب النحيزة وشرف هذه الغريزة، فقد كان له من نفوس الناس محل لفضله، واعتداله وانقباضه عن مظان الاقتحام والتزامه لا جرم أنه حسن الطريقة والسمت، ذو معرفة بموضع الأصابع في النطق والصمت:
إذا ما اجتبى في القوم أو نطق اقتدى ... بحكمته لقمان أو هابه كسرى
لقيته وسمعت منه وقرأت عليه بلفظي جميع كتاب النيسير للحافظ أبي عمرو الداني وحدثني به عن الشيخ الإمام الزاهد العابد شيخ المتصوفين جمال الدين أبي عبد الله محمد بن سليمان بن عبد الملك الحميري الشاطبي المالكي سماعا منه عليه بجميعه في مجالس آخرها سلخ جمادى الأولى سنة سبع وستين وستمائة، وحدثه أنه سمعه بمدينه شاطبة جبرها الله تعالى عن الشيخ المعمر المسند المحدث أبي عبد الله محمد بن سعادة الشاطبي، وسمعه أبو داوود على مصنفة أبي عمرو الداني وحم الله جميعهم، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه في عام واحد وستين وستمائة وله رطوبة أدب وحلاوة شعر أنشدني لنفسه ملغزا وعنى به القرآن العظيم:
شيء عجيب أمره ... النصف منه عشره
عذب لذيذ مشتهى ... سهل يسيل ذكره
لم يستطيع تفسيره ... إلا عظيم قدره
وما زلت أختلف إليه واقرأ عليه إلى أن اتفق منج جملة المقادير والأسباب أن هيأت لتونس قرقورة الأصحاب فعرض على السفر فيها عرض الركماء، وحضني عليه فأنشدته:
ما أنت نوح فتنجبني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء
ثم رفضت الغربة، وفرضت القربى، والقربة واغتنمت المركب المبارك والصحبة رددت الاستخارة وجددت الاستشارة عزمت على ما عرفت من مكابدة البحور، وركبت أنا وأخي في المركب المذكور فكان ركوبنا بمرسى منار الإسكندرية في عشى عيد الفطر يوم الأربعاء عام ثمانية وثلاثين المذكور وظللنا ليلتنا تلك نقلد ونواسي ونرقع الرقائق والمراسي إلى أن أخذ منا السهر واستبان لنا السحر، وأطلت راية الصباح في أفق الشرق حتى:
كان سواد الليل والصبح طالع ... بقايا مجال الكحل في الأعين الزرق
стр. 108
وأخذنا نسير ونمور وننجد بين الأمواج ونغور، ونصبح ونمسي ليس إلا السماء والبحور، إلى أن اشتدت علينا الرياح الغربية وتحكمت فينا المياه البحرية فتقهقرنا بسبب ذلك إلى أن أشرفنا على مرسى طبرق من مراسي برقة المشئومة فدخلناه يوم السبت التاسع لذي قعدة من العام المذكور فنزل به من الأصحاب من قدر الله في سفره من البر نزوله ونظمت في ذلك ساعة وصوله ودخوله:
يا ليلة جمعت بمرسى طبرق ... أجلى صباحك عن نوى وتفرق
ألفت بين مفرق ومجمع ... وجمعت بين مغرب ومشرق
ضحك الفراق لنا وقد عبس الدجا ... فبكيت فيه بدمعي المتدفق
قد مزق الإصباح ثوبك مثل ما ... مزقت ثوب الصبر كل ممزق
ورمى سوادك من بياض صباحه ... بمثال ما صنع الفراق بمفرق
أبدا بحلكته بياضا ناصعا ... فأعاد دهمته شيات الأبلق
وتبسم الزنجي فيه تعجبا ... من قسوة البين الذي لم يرفق
أكثرت يا جفني البكاء لبينهم ... لا تخشى من أقلال دمع أنفق
ولقد رهنت القلب فيهم فانثنوا ... وبقيت رهن صبابة وتشوق
نهضوا وما نفضوا المواثق أن هم ... شرحوا شهور المستهام الموثق
بانوا فيها بان اللوى هل بلغوا ... مني السلام إلى النقاء والأبرق
راحوا فراح تصبري من راحتي ... يا راحتي روحي أمام الأينق
مروا فحلو العيش مر بعدهم ... وحللت حالي مركب أو زورق
وقفوا لتوديعي ففاضت أدمعي ... أسفا وغاضت بالزفير المحرق
ومن العجائب أن دمعي أحمر ... والجفن يسبح في الغدير الأزرق
يا راحلين لأرض أندلس إذا ... جزتم على بان الكثيب المونق
وبدت لكم تلك الربا الخضر التي ... تهدي الشذا من عرفها المستنشق
عوجوا على تلك الديار وقبلوا ... جدرانها بتلطف وتملق
وقفوا هناك على المتيم وقفة ... تذر الهوى في قلب من لم يعشق
وصفوا لذياك الفريق تفرقي ... منكم وتقديري لدمعي المطلق
قولوا تركناه وقد أخذ الهوى ... منه اعتداء أخذ من لم يشفق
وعلى تحول حالتيه فإنه ... باق على حفظ المودة ما بقي
يهوى لقاءكم ويأبى دهره ... وأصدعه الأكباد إن لم نلتق
وأقمنا به ننظر تأتي الريح، ونعاني من أهل برقة ألم الوجد وعظيم التبريح إلى أن أقمنا به مدة، ورأينا الأمر لا يزداد إلا شدة فرفعنا الشراع للرجوع وسرنا ولا كرامة للسلوة ولا للهجوع.
وإذا أتاك من الأمور مقدر ... ففررت منه فنحوه تتوجه
وخرجنا من المرسى المذكورة يوم السبت السادس عشر لذي قعدة المذكور، فنزلنا به للإقامة. وحمدنا الله تعالى على السلامة، ثم حللت من المدينة بالمدرسة السراجية ساكنا وقد نال مني نصب البحر ظاهرا وباطنا، وعدت لعادتي من الاجتماع بالفضلاء، والانتفاع بالعلماء:
كأن لم يكن بين ولم تك فرقة ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي
ولما نزلنا بالمدرسة السراجية الحافلة، وجمعت فيها بين الفريضة والنافلة، صادف نزولي بها قدوم مدرسها الأكبر وإمامها الأشهر، الشيخ الفقيه العالم مفتي المسلمين شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن الشيخ الفقيه الصالح شرف الدين أبي الروح عيسى بن أبي الحسن علي بن أبي الحسن اسم كنيته ابن أبي العلاء عبد الله الكناني الشافعي الشامي ثم الإسكندري نفع الله تعالى به وافى من سفر كان أبطأ فيه، ثم أسرع به إلى الحظ الذي يقرب الأمل النازح ويدنيه، فحللناها حلول الهائم المجد، في وصل الحبيب المسعد، ومنشدين) ويجمعنا شتى على غير موعد (واستقررت منها بمسكن مجاور لمسكنه، حيث مأوى تدريسه، وخزانة كتبه، فكان فيه جاري بيت بيت، والمهدي لوجاري حتى الخل والزيت، فسقاني حتى أروي كل ظمأ وجواد وأحلني من مبرته وفؤاد، ووالى من إتحافه، وضروب ألطافه، ما حسبتني به مفطوما يعلل على الفطام، ورأيت الأماني مجنوبة إلى في الخطام:
وحسن طعم العيش حتى أعاده ... ألذ من الإغفاء في عقب السهد
стр. 109
وكنت كثيرا ما أجلسه فأقطف من مؤانسته أعبق نور، وأحالني بمجالسته كجليس القعقاع بن شور، وأنسى في اليوم فعل الأمس، كما أربى على ليلة البدر يوم الشمس، ففي كل يوم أزيد فيه اغتباطا، واستوثق في يدي محبته ارتباطا، وكأني استقبل منه في كل زمن فرد رباطا، ولما حملني من مننه أعظم من جهدي ومن طوقي.
أصبحت كالورقاء في شكره ... لما غدا أنعامه طوقي
إلى ما استدفتدته من الفوائد العلمية، والمسموعات النبوية والدرر الأدبية إذ هو روضة لعلوم العاطرة الريا، الباهرة المحيا، النادرة في هذه الدنيا، ناهيك من رجل هجرت إلى لقائه المواطن، واستنارت له بأنواره المعرفة الظواهر والبواطن، فهو اليوم عمدة الصقع الإسكندري، والمفتي على الإطلاق في مذهب الإمام الشافعي، ومقتدي الفرق في العلم العقلي، ومن لا يختلف اثنان في فضله الفرعي والأصلي، يقول فيختلس العقول ويكتب فيجلب ويخلب، فإن عبر، قلت بالسحر خبر، وعنبر الشجر حبر، حتى إذا تكلم في العلويات والسفليات والعلوم الربانيات، والحكم الأدبيات، والحركات الهندسيات أسمعك رغائب الغرائب، وأطلعك على نجائب العجائب مع ما منحه الله تعالى وخوله، وجبله عليك وركبه فيه من الشجاعة الغريزية والنجدة النفسانية والقوة الجسمانية التي هي مواهب الجلال وكمال خصال الكمال، والفرق بين النساء والرجال، وقد خصه الله تعالى منها بالحظ الأوفر، والنصيب الأكبر، والجزء الذي لو قسم على الأجناد لا غنى عن الدرع والمغفر، يبدو فترى طلعة بدر، وجلالة قدر، وسعة صدر، ونهضة لا مشوبة بأشر، ولا منسوبة لغدر، ثم ينيلك بدائع دانيات القطاف، ويعاطيك أحاديث مستعذبات النطاف، ويهاديك أزاهر من حدائق القراطيس أو من أعطاف القضب اللطاف، فتسيل هذه زلالا، وتطلع هذه من سحائب أنامله هلالا، ومنه تعلمت أحكام الرماية بالقوس العربية، وهو ﵁ محكم لذلك غاية الإحكام ومهتم باكتساب أنواع السلاح غاية الاهتمام، فلو شاء لأخرج من خزائنه الواسعة ما وسع الجمهور من السلاح الموفورة، والعدد المذخورة وآلات الحرب المنيعة المحذورة إلى غيرها من أمهات المجلدات وألوف التآليف وصنوف التصانيف المجموعات المصنفات قرأت وسمعت عليه عدة من تآليفه التي أفاد فيها وأجاد، ونسخت منها ما سئت وبالغت في تصحيح ذلك معه ما استطعت وقرأت سمعت عليه نيفا على الثلاثين تأليفا في فنون شتى تقيدت أسماؤها وأسانيدها في برنامج روايتي، وأجازني وكتب لي الإجازة الحافلة بخطة وأنشدني للملك الأشرف في مملوك له جميل وقعت عليه شمعة فأصابت شاربه فقال فيه بديها:
وذي هيف زارني ليلة ... فأضحى به الهم في معزل
فمالت لتقبيله شمعة ... ولم تخش من ذلك المحفل
فقلت لصحبي وقد حكمت ... صوارم لحظيه في مفتل
أتدرون شمعتنا لم هوت ... لتقبيل هذا الرشا الأكحل
درت أن ريقته شهدة ... فحنت إلى ألفها الأول
وأنشدني لابن سرايا الحلي من أهل العصر في شمع كان يدخل به إلى مجلس صاحب ماردين على أيدي الغلمان الحسان:
أهلا بشهب في سماء المجلس ... هتكت أشعتها حجاب الحندس
زهر إذا أرخى الظلام ستوره ... فعلت بها كصحيفة المتلمس
هيف القدود تريك بهجة منظر ... أبهى لديك من الجواري الكنس
كالقضب إلا إنها لا تنثني ... منها القدود وزهرها لم يلمس
أذكت لحاظ عيونها فكأنها ... زهر تفتق في حديقة نرجس
نابت عن الشمس المنيرة عندما ... حبست وساطع نورها لم يحبس
وإذا تحذرت النجوم رأيتها ... ترعى الصباح بمقلته لم تنعس
وضحت أسرتها وقد عبس الدجا ... وتنفست والصبح لم يتنفس
إن خاطبتها رد لسانها ... همسا كلجلجة للسان الأخرس
وإذا تعودها النسيم ترى لها ... خفقا كقلب الخائف المتوسوس
في طرفها عمش إذا حققته ... لم يبد منها الاسم ما لم يعكس
عجبا لها تبدي لعط لسانها ... بشرا وتحيا عند قطع الأرؤس
رضيت ببذل النفس حين تبوأت ... من حضرة السلطان أشرف مجلس
الصالح الملك الذي أنعامه ... طوق الغنى وطوق جيد المفلس.
شمس حكى الشمس المنيرة باسمه ... وضياء بهجته وبعد الملمس
стр. 110
هو صاحب البلد الذي لسماحه ... بالرفق يبلغ لا بشق الأنفس
لا زال في أوج السعادة لابسا ... من حلة النعماء أشرف ملبس
وأنشدني له تورية في ساقي:
وساق من بني الأتراك طفل ... أتيه به على جمع الرفاق
أملكه قيادي وهو رقى ... وأفديه بعيني وهو ساق
وأنشدني له أيضا:
ما زال كحل النوم في مقلتي ... من قبل أعراضك والبين
حتى سرقت الغمض من ناظري ... يا سارق الكحل من العين
وأنشدني لابن الأثير الجزري:
كأن في فيه نباذا وأللالا ... وبين جنبيه نفاثا ونبالا
منوع الحسن يبدي من محاسنه ... لا عين الناس أصنافا وأشكالا
فلاح بدرا ووافى دمية وذكا ... مسكا وعن طلا وازور رئبالا
وافتر درا وغنى بلبلا وسطا ... عضبا وماج نقى واهتز عسالا
وأنشدني له أيضا:
إن التي ملكتني في الهوى ملكت ... مجامع الحسن حتى لم تدع حسنا
رنت غزالا وباهت روضة وبدت ... بدرا وماجت غديرا وانثنت غصنا
وأنشدني: قال أنشدني قوام الدين العجمي بمصر ما ادعاه لنفسه وهو:
تصاممت إذ نطقت ظبية ... تصيد الأسود بألحاظها
وما بي وقر ولكنني ... أردت إعادة ألفاظها
قال واستحسنها أهل مصر، وعارضها منهم ألف وخمسمائة شاعر وأعجب بالبيتين صاحبنا شافع بن عبد الطاهر كاتب السر للسلطان الملك الناصر فاستحسنهما واستقصر جميع من عارضه فيهما من الشعراء ثم وقع في نفسه انهما لغيره فلم يزل يكشف عنهما حتى وجدهما لابن الرومي في ديوانه الكبير قال فلما وقف عليهما فيه بعثني بذلك إليه فأعلمته، فقال قوام المذكور وهو وأنا معا بالجامع الأعظم من مصر والله الذي لا إله إلا هو ما علمت بهما قط، وأن هذا لمن توارد الخاطر، ووقوع الحفر على الحافر، وذكر أنه دخل بعض الشعراء من المغاربة على صاحب طرابلس الشام وبين يديه مملوك جميل الصورة في نهاية الحسن والجمال فالتفت الشاعر وجعل ينظر حسنه فقال له السيد إن كان قد أعجبك فامدحه بشعر حسن وخذه هدية لك فأنشد فيه قصيدة أولها:
تناقده غضن الصبا سكرا ... فعربد ساجي طرفه نافثا سحرا
غريب معاني الحسن ذابل قده ... يريك قضيب البان قد أثمر البدرا
جرى قلم الريحان يثبت حسنه ... فخط بمسك الخال في خده سطرا
ونادى بلال الخال من فوق خده ... تبارك ممن فرعه أطلع الفجرا
وسبحان من أنشأ بخده جنة ... وأجرى بها ماء وأذكى بها جمرا
وساق إلى فيه من الخمر كوثرا ... مكللة في كأس ياقوتة درا
فلو لم يكن مبعوث حسن لما غدت ... صحائف آيات الجمال به تقرأ
قال فلما أنشد الأبيات، أعجب بها السيد فوهب المملوك له ثم افتداه منه بعد ذلك بوزن المملوك دراهم عشر مرات، قال ﵁ ومن أخبار المتوكل مع ابن الجهم أنه دخل عليه يوما فأنشده شعره الذي يقول فيه:
) هي النفس ما حملتها تتحمل (.
وكان في يد المتوكل جوهرتان فأعطاه التي في يمينه فاطرق يفكر في شعر يأخذ به الأخرى فقال له المتوكل إنما تفكر فيما تأخذ به الأخرى ورمى بها إليه فقال ابن الجهم:
يسر من رأى إمام عدل ... تغرف في جوده البحار
يرجى ويخشى لكل أمر ... كأنه جنة ونار
الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار
يداه في الجود ضرتان ... كلتاهما في الندا تغار
لن تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار
قال: قال أبو العتاهية بيتين في أيام الرشيد ورفعهما إلى زبيدة يمدح ابنها محمد وهما:
لله درك يا عقيلة جعفر ... ماذا ولدت من العلا والسؤدد
أن الخلافة قد تبين نورها ... للناظرين على جبين محمد
فأمرت أن يملأ فمه درا، وذكر لي أنه صلب ابن بقية وزير بغداد وكان الخليفة قد وكل به من يحرسه ليلا ونهارا ولم يتجاسر أحد على أن يرثه، وقف الكاتب ابن الأنباري عليه والناس حوله قائمين صفوفا فرثاه بقوله:
علوا في الحياة وفي الممات ... لحق أنت إحدى المعجزات
كأن الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيام الصلات
كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلهم قيام في الصلاة
следующие страницы →