← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

• عن عبد اللَّه بن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُريتُ عند الكعبة مما يلي المقام رجلًا آدم، سبط الرّأس، واضعًا يديه على رجلين يسكب رأسه أو يقطر ماءً، فسألتُ: من هذا؟ قالوا: عيسى ابن مريم أو المسيح ابن مريم". صحيح: رواه نُعيم بن حمّاد في "كتاب الفتن" (١٣٣٦) عن الوليد بن مسلم، عن حنظلة، سمع سالمًا، سمع ابن عمر يقول: فذكره. وحنظلة هو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحيّ المكيّ من رجال الجماعة. إلّا أنّ الوليد بن مسلم وهو القرشيّ وصف بالتدليس والتسوية إلّا أنّ الشّيخين مشّاه. • عن أبي أُمامة الباهليّ، قال: "خطبنا رسولُ اللَّه ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناهُ عن الدّجال وحذرناه. . . فقالت أمُّ شريك بنت أبي العَكَر: يا رسولُ اللَّه فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل وجلّهم بيت المقدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدَّم يصلي بهم الصُّبح إذْ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصُّبح، فرجع ذلك الإمام يَنْكُص يَمشي القهقرى ليتقدَّم عيسى يُصلي بالنّاس، فيضع عيسى بده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلِّ فإنّها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلّهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدّجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربًا ويقول عيسى ﵇: إنّ لي فيك ضربةً لن تسبقني بها فيدركهـ عند باب اللُّدِّ الشّرقي فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود فلا يبقى شيء مما خلق اللَّه يتوارى به يهودي إلا أنطق اللَّه ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة -إلّا الغَرْقَدَة فإنّها من شجرهم لا تنطق- إلّا قال: يا عبد اللَّه المسلم هذا يهودي فتعال اقتله". حسن: رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرحمن المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافع، عن أبي زرعة السيبانيّ يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهليّ، فذكر الحديث بطوله - وهو مذكور في موضعه. هكذا في نسخة ابن ماجه: "يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة". وقد سقط بينهما عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ" كما بيّن ذلك المزّي وغيره. وكذلك رواه نعيم بن حمّاد في كتاب "الفتن" (١٣٣٠) إلّا أنه اختصره. وفيه إسماعيل بن رافع الأنصاريّ المدنيّ أبو رافع أهل العلم مطبقون على تضعيفه حتى قال ابن

стр. 527

حبان: "كان رجلًا صالحًا إلّا أنّه يقلّب الأخبار حتّى صار الغالب على حديثه المناكير التي يسبق إلى القلب أنه كان المتعمّد لها". "المجروحين" (٤٢). ولكن تابعه ضمرة بن ربيعة، عن السّيبانيّ، ومن طريقه رواه تمام في فوائده (١٧٣١)، وأبو داود (٤٣٢٢) ولم يسق لفظ الحديث، وإنّما أحال على حديث النّواس بن سمعان. وكما تابعه أيضًا عطاء الخراسانيّ عن السيبانيّ. ومن طريقه رواه الحاكم (٤/ ٥٣٦ - ٥٣٧) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة". قلت: وهو ليس على شرط مسلم، فإنّ عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ الحمصي لم يُخرج له مسلمٌ شيئًا، وإنّما أخرج له أبو داود، وابن ماجه فقط. وعمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ هذا وثّقه العجليّ، فقال: "شاميٌّ تابعيٌّ ثقة". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٧٩) وقال يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٤٣٧): "شاميٌّ ثقة". وفي الباب ما رُوي عن عثمان بن أبي العاص في حديث طويل وفيه: "وينزل عيسى ابن مريم عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روحَ اللَّه تقدّم صلِّ. فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدّم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حريته فيذهب نحو الدجال. . . ". رواه الإمام أحمد (١٧٩٠٠)، والطبراني في "الكبير" (٨٣٩٢)، وابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٦) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: "أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم الجمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أُتينا بطب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد، فجلسنا إلى رجل فحدّثنا عن الدّجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه فجلسنا، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فذكر الحديث بطوله. ورواه الحاكم (٤/ ٤٧٨) من وجه آخر عن سعيد بن هبيرة، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب السّختيانيّ وعلي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، بإسناده وقال: "صحيح الإسناد على شرط مسلم بذكر أيوب السختيانيّ ولم يخرجاه". وقال الذهبيّ: ابن هبيرة واهٍ. قلت: وفي الإسناد علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولا تنفع متابعة أيوب؛ لأنّ في طريقه إليه سعيد بن هبيرة وهو واهٍ كما قال الذهبيّ. وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا قال: "لقيتُ ليلة أُسري بي إبراهيم وموسى وعيسى. . . " إلى أن قال: "فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وَجْبَتُها فلا يعلمها أحدٌ إلّا اللَّه، وذلك فيما عهد إليَّ ربّي أنّ الدجّال خارجٌ، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرّصاص". فذكر الحديث بطوله.

стр. 528

رواه الإمام أحمد (٣٥٥٦) عن هُشيم، أخبرنا العوّام عن جبلة بن سُحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، فذكر الحديث. ورواه ابن ماجه (٤٠٨١)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، أنبأ العوّام بن حوشب، بإسناده موقوفًا على ابن مسعود. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: مع اختلافه في الرفع والوقف، فيه مؤثر بن عفازة لم أقف على من وثّقه غير أنّ ابن حبان ذكره في "الثقات" (٥/ ٤٦٣) ولم يذكر من روى عنه سوى جبلة بن سحيم، فهو في عداد المجهولين، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث. وأورده في "الفتح" (١٣/ ٨٩) مستشهدًا به وسكت عنه، فلعله اعتمد على تصحيح الحاكم له، أو رأى أن الحديث له شواهد، واللَّه تعالى أعلم. وفي الباب أيضًا عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، قال: "لما اشتد جزع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على من قُتل يوم مؤتة. قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليدركنّ الدّجّالُ قومًا مثلكم أو خيرًا منكم". ثلاث مرّات. وقال: "ولن يُخزي اللَّه أمّةً أنا أولُها، وعيسى ابن مريم آخرها". رواه الحاكم (٣/ ٤١) وقال: "صحيح على شرط الشّيخين". وتعقبه الذهبي فقال: "ذا مرسل، سمعه عيسى بن يونس عن صفوان، وهو خبر منكر". وفي الباب أيضًا ما روي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "أنا أولُ من يدخل الجنة يوم القيامة، وأشفع، وسيدرك رجالٌ من أمّتي عيسى ابن مريم، ويشهدون قتال الدّجّال". رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٤ - ٥٤٥) وسكت عليه، وتعقبه الذهبي فقال: "منكر، وعبّاد ضعيف". وفي الباب أيضًا عن واثلة بن الأسقع قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقومُ السّاعةُ حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدّجال، والدّخان، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدّابة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعر عدن تسوق النّاسَ إلى المحشر تحشرُ الذَّرَّ والنّمل". رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٢/ ٧٩ - ٨٠) عن مطلب بن شعيب الأزديّ، ثنا عمران بن هارون الرّمليّ، ثنا صدقة بن المنتصر، حدّثني يحيى بن أبي عمرو السّيبانيّ، قال: حدثني عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ، قال: حدثني واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول اللَّه يقول (فذكره). قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٢٨) بعد أن عزاه للطبرانيّ: "وفيه عمران بن هارون وهو ضعيف". ولكن رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٨) من وجه آخر عن عمران بن أبي عمران الصوفيّ،

стр. 529

ثنا صدقة بن المنتصر، بإسناده، مثله. قال: "هذا حديث صحيح الإسناد". قلت: عمران بن أبي عمران الصوفي هل هو الرّملي أو غيره، لم يتبيّن لي: فإن كان الرملي فهو ضعيف جدًّا، ترجمه الذهبي في "الميزان" فقال: "عمران بن أبي عمران الرملي، عن بقية بن الوليد، أتي بخبر كذب وهو آفته". وفي الباب عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لم يُسَلَّطْ على قتل الدّجال إلّا عيسى ابن مريم ﵇". رواه أبو داود الطّيالسيّ في "مسنده" (٢٦٢٦) عن موسى بن مُطير، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. وموسى بن مُطير، وأبوه مُطير ضعيفان. قال ابن حبان في "المجروحين" (٩١٤): "من أهل الكوفة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو يوسف، والوليد بن قاسم، كان صاحب عجائب ومناكير، لا يشك المستمع لها أنها موضوعة، إذا كان هذا الشأن صناعته". وفي الباب أيضًا ما رُوي عن نافع بن كيسان مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند باب دمشق الشّرقي في ثوبين دمشقيين، كأنّما ينحدر من رأسه حَبُّ الجُمان". رواه عبد الملك بن حبيب في أشراط الساعة (٣١) عن إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، عن الوليد ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع بن كيسان، عن جدّه، فذكر الحديث. وقال الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٥٤٧): "وأخرج ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عمّن سمع عبد الرحمن بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع، عن كيسان، عن أبيه، عن جدّه نافع بن كيسان صاحب النبيّ ﷺ رفعه: "ينزل عيسى ابن مريم عند باب دمشق الشرقيّ". وقال: أخرجه تمام في "فوائده" من طريق ابن عائذ، وتابعه محمد بن وهب بن عطية، عن عبد الرحمن بن زمعة، مثله. أخرجه ابن شاهين من طريقه. وذكر له طرقًا أخرى، ولم أقف على الحديث في "فوائد تمام" وفي الإسناد من لم أقف على تراجمهم، والطرق الأخرى التي ذكرها الحافظ فيها مجاهيل ومستورون. وفي الباب ما رُوي عن ثعلبة بن عِبَاد العبدي من أهل البصرة قال: "شهدتُ يومًا خُطبةً لسمرة ابن جندب فذكر في خطبته حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ . . . فذكر الخطبة بطولها، ومما جاء فيها: "وأيمُ اللَّه لقد رأيتُ منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وأَخَرتكم، وإنه واللَّه لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذّابًا آخرهم الأعورُ الدّجّال، ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي تِحيى -لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة- وإنّه متى يخرج -أو قال: متى ما يخرج- فإنّه سوف يزعم أنّه اللَّه، فمن آمن به وصدّقه واتّبعه لم ينفعه صالِحٌ من عمله سلَفَ، ومن كفر به

стр. 530

وكذّبه لم يعاقب بشيء من عمله -وقال حسن الأشيب: بسَيِّئ من عمله- سَلَفَ، وإنّه سيظهر -أو قال سوف يظهر- على الأرض كلّها إلّا الحرمَ وبيتَ المقدس، وإنّه يحْصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلْزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه اللَّهُ وجنودَه، حتى إنّ جِذْمَ الحائط -أو قال أصل الحائط، وقال حسن الأشيب: وأصلَ الشّجرة- لينادي أو قال يقول: يا مؤمن أو قال: يا مسلم هذا يهودي أو قال: هذا كافر تعالَ فاقتله. قال: ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتَسَّاءَلُون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ وحتّى تزولَ جبالٌ على مراتبها، ثم على أَثَرِ ذلك القَبْض". قال: ثم شهدتُ خطبةً لسَمرة ذكر فيها هذا الحديثَ، فما قدَّم كلمةً ولا أخَّرها عن موضعها. رواه الإمام أحمد (٢٠١٧٨) واللّفظ له، كما رواه أيضًا كل من أبي داود (١١٨٤)، والترمذيّ (٥٦٢)، والنسائيّ (١٤٨٤)، وابن ماجه (١٢٦٤) مطوّلًا ومختصرًا، وصحّحه ابن خزيمة (١٣٩٧)، وابن حبان (٢٨٥٢)، والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣١)، والحافظ ابن حجر في ترجمة أبي تِحيى في الإصابة (٤/ ٢٦) كلّهم من طريق الأسود بن قيس، قال: حدثني ثعلبة بن عبّاد العبديّ، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". قلت: هذا وهم منه، فإنه ليس على شرط أحدهما لأنّ فيه ثعلبة بن عبّاد من رجال السنن فقط. ثم هو لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤/ ٩). ولم يذكر من روى عنه سوى الأسود بن قيس فهو "مجهول" فلعل من صحّحه نظر إلى شواهده، واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "ثم يهلكه اللَّه وجنوده" أي يهلكهـ عيسى ابن مريم، ونسب الفعل إلى اللَّه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: ١٧]. ١٤ - باب إن عيسى ﵇ يقتل الدجال بباب لُدّ • عن النّواس بن سمعان، قال: ذكر رسولُ اللَّه ﷺ الدّجّال ذات غداة، فخفَّض فيه ورفَّع حتّى ظننّاه في طائفة النّخل. فما ذكر فيه: "إنّ عيسى ﵇ يدركهـ باب لدٍّ فيقتله". صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٣٧) في حديث طويل سبق ذكره في أوّل الباب. ولُدّ: مدينة تقع غرب القدس تبعد عنها ٢٦ ميلًا تقريبًا. وفي الباب ما يستشهد به، وهو ما رواه مجمع بن جارية يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقتل ابن مريم الدّجال بباب لُدّ".

стр. 531

رواه الترمذيّ (٢٢٤٤) عن قتيبة حدّثنا اللّيث، عن ابن شهاب، أنّه سمع عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن ثعلبة الأنصاريّ يحدّث عن عبد الرحمن بن يزيد الأنصاريّ -من بني عمرو بن عوف- قال: سمعت عمّي مجمع بن جارية الأنصاريّ، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٣/ ٤٢٠)، وصحّحه ابن حبان (٦٨١١) كلاهما من طريق اللّيث بن سعد، بإسناده، مثله. قال الترمذيّ: "صحيح". وفي نسخة: "حسن صحيح". قلت: بل فيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن ثعلبة الأنصاريّ المدنيّ، وقيل: عبد اللَّه بن عبد اللَّه لا يعرف من هو؟ . قال المزيّ في "تهذيبه": "اختلف فيه على الزّهريّ، وعلى أصحابه اختلافًا كثيرًا". وقال الذهبيّ في "الميزان": "لا ذكر له في تاريخ البخاريّ، ولا ابن أبي حاتم، ولا روي عنه سوى الزّهريّ، وفي علّة الحديث أقوال عدّة". انتهى. وقال الحافظ: "شيخ الزهريّ لا يعرف، واختلف في إسناد حديثه". قلت: ولكن لا بأس بالاستشهاد به لما ثبت في حديث النواس بن سمعان بأن المسيح ابن مريم يقتل الدّجال في باب لُدّ؛ ولعلّ الترمذيّ لذلك صحّحه أو حسّنه. ١٥ - باب سلام النبيّ ﷺ على عيسى ﵇ • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّي لأرجو إن طال بي عمر أن ألقى عيسى ابن مريم، فإن عجل بي موت، فمن لقيه منكم فليقرئه مني السّلام". صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٩٧٠) عن محمد بن جعفر: حدّثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، فذكر مثله. وإسناده صحيح، ولكن اختلف فيه على شعبة، فرفعه محمد بن جعفر في هذه الرواية، ووقفه يزيد ابن هارون في الرواية التي عقبها (٧٩٧١) عن شعبة على أبي هريرة. والحكم للمرفوع لما فيه من الزيادة، وشعبة كثير التّردّد في الرّفع والوقف، فإن رفع فلم يرفعه إلا ليقين، وأما وقفه نهر للاحتياط. قال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٠٥): "رواه أحمد مرفوعًا وموقوفًا، ورجالهما رجال الصحيح". • عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من أدرك منكم عيسى ابن مريم فليقرأه مني السّلام". حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٤٥) عن محمد بن المظفّر الحافظ: ثنا عبد اللَّه بن سليمان: ثنا محمد بن مصفى الحمصيّ: ثنا إسماعيل، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، فذكره. قال الحاكم: "إسماعيل هذا أظنّه ابن عياش ولم يحتجا به". وجزم الذّهبي أنّه ابنُ عياش.

стр. 532

والذي يظهر أنه إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ المعروف بابن علية، فقد ذكر المزيُّ في "تهذيبه" من شيوخه أيوبَ السَّختِيانيّ. وإسناده حسن من أجل الكلام في محمد بن مُصَفَّى غير أنّه حسن الحديث. تنبيه: تحرّف في أصل المستدرك إلى "محمود". وأمّا ما رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٤٨٩٨)، وفي الصغير (١/ ٢٥٦ , ٢٥٧) عن أبي هريرة مرفوعًا: "ألا إن عيسى ابن مريم ليس بيني وبينه نبيٌّ ولا رسولٌ، ألا إنّه خليفتي في أمّتي من بعدي، ألا إنّه يقتل الدّجال ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتضع الحربُ أوزارها، ألا من أدركهـ منكم فليقرأ ﵇". فهو ضعيف. فيه محمد بن عقبة السّدوسيّ. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، كتبتُ عنه، ثم تركت حديثه، فليس أحدِّثُ عنه. وترك أبو زرعة حديثه ولم يقرأه علينا، وقال: لا أحدِّث عنه". ومع هذا كلّه أدخله ابن حبان في ثقاته (٩/ ١٠٠) واللَّه المستعان. قلت: إلّا أنّ مضمون الحديث تشهد له الأحاديث الصّحيحة. ١٦ - باب قول النبيّ ﷺ : أنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم ﵍ • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم في الدّنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعِلَّاتٍ، أمّهاتهم شتّى ودينهم واحد". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٣) عن محمد بن سنان، حدّثنا فليح بن سليمان، حدثنا هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة، فذكر مثله. ورواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٥) من وجه آخر عن همّام بن منبه، عن أبي هريرة وزاد في آخره: "فليس بيننا نبيٌّ". ورواه الشّيخان البخاريّ (٣٤٤٣)، ومسلم كلاهما من حديث الزّهريّ، قال: أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، أنّ أبا هريرة، قال (فذكر الحديث). ١٧ - باب ما جاء أن عيسى ابن مريم ﵇ يحج البيت بعد قتله الدجال • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليُهلنَّ ابنُ مريم بفَجِّ الرّوحاء، حاجًّا أو معتمرًا أو ليثنينهما". صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٢٥٢) من حديث سفيان بن عيينة، حدثني الزهريّ، عن حنظلة الأسلميّ، قال: سمعتُ أبا هريرة يحدّث، فذكره. وفجُّ الرّوحاء: كان في كان في طريق النبيّ ﷺ من المدينة إلى بدر.

стр. 533

• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينزل عيسى ابن مريم، فيقتل الخنزير، ويمحي الصّليب، وتجمع له الصّلاة، ويُعطى المال حتى لا يُقبل، ويضع الجزية، وينزل الرّوحاء فيحجُّ منها أو يعتمر أو يجمعهما". صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٩٠٣) عن يزيد: أخبرنا سفيان، عن الزهريّ، عن حنظلة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث مثله. قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: ١٥٩]، فزعم حنظلة أنّ أبا هريرة قال: "يؤمن به قبل موته: عيسى" فلا أدري هذا كله حديث النبيّ ﷺ أو شيءٌ قاله أبو هريرة؟ ". انتهى. قلت: الضّمير في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعود على عيسى ﵇ وهو الذي قال به محقّقو الصّحابة مثل ابن عباس وغيرهم، وهو الذي ذهب إليه أبو هريرة. أما هل هو مرفوع أم موقوف عليه، فالظّاهر من الرّوايات أنه موقوف عليه، ولم يثبت أنه مرفوع إلى النبيّ ﷺ . وقد رُوي عن كثير بن عبد اللَّه بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "يمرُّ عيسى ابن مريم حاجًّا أو معتمرًا أو يجمع اللَّه له ذلك". رواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي في "أشراط السّاعة" (٣٨) عن ابن أبي أويس، عن كثير، بإسناده مثله. ومن هذا الوجه رواه أيضّا الطبرانيّ في "الكبير" (١٧/ ١٦ - ١٧) في سياق أطول منه، كما رواه أيضًا من وجه آخر عن كثير، به. وإسناده ضعيف جدًّا، فإنّ كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزنيّ المدني، أهل العلم مطبقون على تضعيفه حتى قال ابن حبان: "روى عن أبيه عن جدّه نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب، ولا الرواية عنه إلّا على جهة التّعجّب". وبه ضعّفه الهيثميّ في "المجمع" (٦/ ٨٦). • عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ليهبطنّ عيسى ابنُ مريم حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسطًا، وليسلكنّ فجًّا حاجًّا أو معتمرًا أو بِنِيَّتِهما، وليأتينّ قبري حتى يسلّم عليَّ ولأردنَّ عليه". يقول أبو هريرة: أي بني أخي إن رأيتموه فقولوا: أبو هريرة يقرئك السّلام. حسن: رواه الحاكم (٢/ ٥٩٥) عن أبي الطيب محمد بن أحمد الحيريّ، ثنا محمد بن عبد الوهّاب، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عطاء مولى أمّ صبية -وتحرّف فيه إلى أمّ حبيبة- قال: سمعت أبا هريرة، فذكر الحديث. قال الحاكم: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السّياقة". قلت: ليس كما قال، فإن فيه عطاء مولى أمّ حبيبة مجهول.

стр. 534

قال الذهبي في "الميزان": "لا يعرف تفرد عنه المقبريّ". وأما ابن حبان فذكره في "الثقات" (٥/ ٢٠٢). وفي الإسناد أيضًا علّة أخرى وهي عنعنة محمّد بن إسحاق، وهو مدلس. وقد رواه أيضًا عبد الملك بن حبيب الأندلسيّ في "أشراط السّاعة" (٣٩) عن ابن الماجشون وغيره، عن الدّراورديّ، عن المغيرة، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "ليمرنّ عيسى ابن مريم حاجًّا أو معتمرًا بالمدينة، وليقفَنَّ على قبري، وليقولنَّ: يا محمّد! فأجيبه، وليسلِّمنَّ عليَّ فأردُّ عليه". وفيه الدّراورديّ وهو عبد العزيز بن محمد بن عبيد، وهو مختلف فيه غير أنه حسن الحديث إذا لم يخالف ولم يأت في حديثه ما ينكر عليه. وأمّا المغيرة فالظّاهر أنه ابن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد اللَّه بن عياش القرشيّ المخزوميّ، إلّا أنه لم يلقَ أبا هريرة؛ لأنّه وُلد سنة أربع أو خمس وعشرين ومائة، ومات سنة ست وثمانين ومائة، كما قال ابنه عياش. ورواه أيضًا عن عبد الملك بن حبيب الأندلسيّ في "أشراط السّاعة" فقال: وحدثنيه أصبغ بن الفرج، عن ابن وهب، عن أبي صخر، عن المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر نحوه. قلت: أبو صخر هو حُميد بن زياد المدني صاحب العباء، سكن مصر مختلف فيه، فقال النسائيّ: ضعيف، وابن معين له قولان: مرة ضعيف، وأخرى: ليس به بأس. والحديث بهذه الطرق ولما له من الشواهد يرتقي إلى درجة الحسن إلا قوله: "ليأتين قبري. . . " فإنه لم يرد من طرق صحيحة حسب علمي.

стр. 535

جموع أبواب الإيمان بالنّبيّ ﷺ - ١ - وجوب الإيمان بعموم رسالة النبيّ ﷺ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سورة سبأ: ٢٨]. وقال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [سورة الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [سورة النساء: ١٧٤]. وغيرها من الآيات وهي كثيرة جدًّا. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعطيت خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيما رجل من أمّتي أدركتْه الصّلاة فليصلِّ، وأحلّت لي الغنائم، وكان النبيُّ يبعث إلى قومه خاصة، وبُعثت إلى الناس كافة، وأُعطيت الشّفاعة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٣٨)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من حديث هُشيم، قال: حدّثنا سيَّار -وهو أبو الحكم- قال: حدّثنا يزيد الفقير، قال: حدّثنا جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • وعن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بست: أُعطيت جوامع الكلم، ونُصرت بالرُّعب، وأحلت لي الغنائم، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأُرسلتُ إلى الخلق كافة، وخُتم بي النبيّون". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله. • عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُتيتُ خمسًا لم يؤتهنّ نبيٌّ كان قبلي: نُصرتُ بالرّعب؛ فيرعب مني العدو مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد كان قبلي، وبُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وقيل لي: سلْ تُعطه، فاختبأتُهَا شفاعةً لأمّتي، وهي نائلة منكم -إن شاء

стр. 536

اللَّه- من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢١٢٩٩) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني سليمان الأعمش، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، عن عبيد بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذر، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلس إلّا أنه صرّح بالتحديث كما أنه توبع. فقد أخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٤) من وجه آخر عن أبي أسامة وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سورة سبأ: ٢٨] فقال: حدّثنا الأعمش، بإسناده، فذكر مثله. قال مجاهد في تفسير الأحمر والأسود: الإنس والجنّ. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنّما أخرجاه ألفاظًا من الحديث متفرقة". ورواه أبو داود (٤٨٩) من وجه آخر عن جرير، عن الأعمش، بإسناده مختصرًا بلفظ: "جُعلتْ لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا". وفي الباب عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيتُ خمسًا لم يُعطها أحدٌ قبلي من الأنبياء، جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، ولم يكن من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، ونُصرت بالرّعب مسيرة شهر يكون بين يديّ إلى المشركين، فيقذف اللَّه الرّعبَ في قلوبهم، وكان النبيُّ يُبعث إلى خاصة قومه، وبُعثتُ أنا إلى الجنّ والإنس". رواه البزار -كشف الأستار (٢٣٦٦) - عن محمد، ثنا عبيد اللَّه، عن سالم أبي حماد، عن السديّ، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٥٨): "رواه البزار وفيه من لم أعرفهم". وروي بمعناه بزيادة: "وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، فأخرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا". رواه أحمد (٢٧٤٢)، وفيه يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم ضعيف باتفاق أهل العلم. • عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إلّا أُعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنّما الذي أوتيت وحْيًا، أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من حديث اللّيث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسُ محمّدٍ بيده لا يسمعُ بي

стр. 537

أحدٌ من هذه الأمّة يهوديٌّ ولا نصرانيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٣) عن يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال: وأخبرني عمرو، أن أبا يونس حدّثه عن أبي هريرة، فذكر مثله. وفي معناه رُوي عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيّ ﷺ قال: "من سمع بي من أمّتي أو يهوديّ أو نصرانيّ، فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة". إلا أن فيه انقطاعا، رواه الإمام أحمد (١٩٥٣٦، ١٩٥٦٢)، والبزّار - كشف الأستار (١٦)، وابن حبان في صحيحه (٤٨٨٠) كلّهم من حديث شعبة، عن أبي بشر، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعريّ، مثله. وإسناده ضعيف من أجل الانقطاع، فإن سعيد بن جبير لم يسمع من أبي موسى، لأنه ولد سنة (٤٦ هـ)، وتوفي أبو موسى نحو الخمسين. وقال البزّار: "لا نعلم أحدًا رواه عن النبي ﷺ إلّا أبو موسى بهذا الإسناد، ولا أحسب سمع سعيد من أبي موسى". قلت: وقد مضى حديث أبي هريرة، وهو في الصّحيح. وأمّا قول الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٦١): "رواه الطبرانيّ وأحمد بنحوه في الروايتين، ورجال أحمد رجال الصّحيح، والبزار أيضًا باختصار". فهو كما قال، إلّا أنه لم يشر إلى الانقطاع، كما يفهم من قوله أن رجال الطبراني ليسوا من رجال الصّحيح. تنبيه: تحرف الحديث في صحيح ابن حبان إلى "من سمَّع يهوديًّا أو نصرانيًا دخل النار". وبوَّب عليه بقوله: ذكر إيجاب دخول النّار لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه، وهذا فيه خطأ كبير نبَّه عليه الحافظ ابن حجر في "إتحاف المهرة" (١٠/ ٢٤ - ٢٥) فقال: بوَّب عليه: إيجاب دخول النّار لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهون، وهذا فيه نظر كبير وهو غلط نشأ عن تصحيف، وذلك أنّ لفظ هذا الحديث: "من سمع بي من أمّتي أو يهودي أو نصرانيّ فلم يؤمن بي دخل النّار". هكذا ساقه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن عفّان، عن شعبة، ثنا أبو بشر، سمعت سعيد ابن جبير، يحدث عن أبي موسى، عن النبيّ ﷺ ، بهذا. ورواه أحمد في "مسنده" عن محمد بن جعفر، وعن عفّان، عن شعبة، عن أبي بشر، به. فهذا هو الحديث، وكأنّ الرّواية التي وقعت لابن حبان مختصرة: "من سمع بي فلم يؤمن دخل النّار يهوديًّا أو نصرانيًّا". فتحرّف عليه وبوَّب هو على ما تحرّف، فوقع في خطأ كبير.

стр. 538

٢ - باب ما جاء في بعثة النبي ﷺ إلى الجن قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف: ٢٩ - ٣٠]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [سورة الجن: ١]. وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]. • عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول اللَّه ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول اللَّه ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء. . . وفيه: "فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة -وهو بنخل- عامدين إلى سوق عكاظ -وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر- فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. . . الحديث. متفق عليه: رواه البخاريّ في كتاب الأذان (٧٧٣) ومسلم في كتاب الصلاة (٤٤٩ - ١٤٩) كلاهما من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وسيأتي تفصيل الكلام على الحديث في كتاب بدء الخلق، باب وفد الجن. • عن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوةً لوضوئه وحاجته. . . وفيه: فقلت: ما بالُ العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت اللَّه لهم أن لا يمروا بعظمٍ ولا بروثةٍ إلا وجدوا عليها طعامًا. . . ". صحيح: رواه البخاريّ في كتاب مناقب الأنصار (٣٨٦٠) عن موسى بن إسماعيل، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد قال: أخبرني جدي، عن أبي هريرة، فذكره. • عن علقمة قال: سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول اللَّه ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، . . . وفيه: "أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم

стр. 539

القرآن"، قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. . . الحديث. صحيح: رواه مسلم في كتاب الصلاة (٤٥٠) عن محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، عن داود، عن عامر قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول اللَّه ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة، فذكره. ذهب ابن إسحاق إلى أن استماع الجن للقرآن كان ليلة انصرافه من الطائف إلى مكة، كما في سيرة ابن هشام (١/ ٤٢١ - ٤٢٢)، والصحيح كان ذلك قبل خروجه إلى الطائف بسنين، كما قال به كثير من المحققين. لقد ورد في القرآن ما يدل على أن الرسل كانوا يُبعَثون إلى قومهم من بني جنسهم ليكون أبلغ في الحجة، وأقطع للمعذرة، فهل كان الجن يرسل إليهم الرسل من أنفسهم، أم أنهم كانوا تبعًا لبني آدم؟ كما حكى غير واحد الإجماعَ على أن الجن لم يُرسَل إليهم الرسل من أنفسهم من الجن، وإنما كانوا تبعًا للإنس. إلا ما حُكي عن الضحاك بن مزاحم أن الجن أرسل إليهم من أنفسهم مستدلًا بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [سورة الأنعام: ١٣٠]. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: ٩٤ - ٩٥] ففيه المقارنة بين من يعيش في الأرض وبين من يعيش في السماء، ومسكن الإنس والجن هو الأرض، فكفى أن يكون الرسول من البشر للاثنين. ٣ - باب عن نبوة محمد ﷺ وآدم بين الرّوح والجسد • عن ميسرة الفجر قال: قلت: يا رسول اللَّه، متى كُتبتَ نبيًّا؟ قال: "وآدم بين الرّوح والجسد". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٠٥٩٦)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٤١٠) والآجري في الشريعة (٩٤٣) كلهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا منصور بن سعد، عن بُديل، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن ميسرة الفجر، فذكر الحديث. وفي بعض الروايات: "كنتُ". كما في الحلية (٩/ ٥٣). وكذلك هو في مستدرك الحاكم (٢/ ٦٠٨) رواه من طريق إبراهيم بن طهمان، عن بديل بإسناده وقال: صحيح الإسناد. والأشهر: "كُتِبتُ" هكذا رواه منصور بن سعد، وإبراهيم بن طهمان، عن بديل وهو ابن ميسرة العقيلي مرفوعًا.

стр. 540

ورواه حماد بن سلمة، عن خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن رجل، قال: قلت: "يا رسول اللَّه، مني بُعثت نبيًّا؟ قال: وآدم بين الروح والجسد". رواه ابن أبي عاصم في السنة (٤١١) عن هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة، فذكر مثله. والرجل المبهم هو ميسرة الفجر. وهي متابعة قوية لرواية بديل المرفوعة. إذا عرفت هذا فلا يضر مخالفة حماد بن زيد في روايته عن بديل، عن عبد اللَّه بن شقيق، مرسلًا. وإن كان الحافظ الدّارقطنيّ رجّح الإرسال، إلّا أن زيادة الثقة مقبولة عند جماهير المحدثين كما هو معروف في علم مصطلح الحديث. والحديث الآتي يشهد لحديث ميسرة الفجر. • عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول اللَّه، متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". صحيح: رواه الترمذيّ (٣٦٠٩) عن أبي همام الوليد بن شجاع بن الوليد البغدادي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكر الحديث مثله. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه". ومن هذا الوجه، أخرجه الآجري في الشريعة (٩٤٦) وفيه "بين خلق آدم ونفخ الروح فيه" ورواه أيضًا من وجه آخر عن الوليد بن مسلم (٩٤٦) وأخرجه الحاكم (٢/ ٦٠٩) من هذا الوجه شاهدا الحديث ميسرة الفجر. ومعنى هذا الحديث إن اللَّه قدَّر نبوة محمد ﷺ قبل أن يخلق آدم قضاءً، ثم ولد ولادة طبيعية من بطن أمه، وبعد أن بلغ أربعين سنة نُبّئ، فمن زعم أنه خلق قبل آدم، أو كان نبيا عند ولادته فقد خالف النصوص الصريحة الصحيحة. وقد رُوي أيضًا عن ابن عباس إلا أنه ضعيف ولفظه: قيل: يا رسول اللَّه متى كُتبت نبيا؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد". رواه البزار - كشف الأستار (٢٣٦٤) عن محمد بن عُمارة بن صبيح، ثنا نصر بن مزاحم، ثنا قيس، عن جابر، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: فذكر الحديث. وفيه جابر وهو ابن يزيد الجعفي كذبوه، وفي التقريب: "ضعيف رافضي"، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٣). وأما ما روي: "وكنت نبيا وآدم بين الماء والطين" فهو حديث موضوع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "هذا باطل نقلا وعقلا، فإن آدم ليس بين الماء والطين، بل الطين ماء وتراب، ولكن كان

стр. 541

بين الروح والجسد. فهذا ونحوه فيه علم اللَّه بالأشياء قبل كونها. وكتابته إياه، وإخباره بها". مجموع فتاواه (١٨/ ٣٩٩) وأورد الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين (٤/ ٢٧٤) وقال: العوام يروونه: بين الماء والطين. قال شيخنا: هذا باطل وفي الباب أيضًا حديث العرباض بن سارية: "إني عند اللَّه لخاتم النبيين، وإن آدم ﵇ لمنجدل في طينته" وسيأتي في باب وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ لخاتم النبيين. ٤ - وجوب الإيمان بالنّبيّ ﷺ ومحبته • عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يؤمنُ أحدُكم حتّى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده والنّاس أجمعين". متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٥)، ومسلم في الإيمان (٤٤) كلاهما من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، فذكره، واللّفظ للبخاريّ. وفي لفظ مسلم: "حتى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله والنّاس أجمعين". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من والده وولده". صحيح: رواه البخاريّ في الإيمان (١٤) عن أبي اليمان، قال: أخبرنا شعيب، قال: حدّثنا أبو الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. • عن عبد اللَّه بن هشام، قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ ، وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب، فقال له عمر: يا رسول اللَّه لأنت أحبُّ إليَّ من كلَّ شيء إلّا من نفسي، فقال النّبيُّ ﷺ : "لا والذي نفسي بيده، حتى أكونَ أحبَّ إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنّه الآن، واللَّهِ، لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال النّبيّ ﷺ : "الآن يا عمر". صحيح: رواه البخاريّ في الأيمان والنذور (٦٦٣٢) عن يحيى بن سليمان، قال: حدّثني ابن وهب، قال: أخبرني حيوةُ، قال: حدّثني أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع جدَّه عبد اللَّه بن هشام، فذكره. قال الخطّابيّ: "لم يرد به حُبَّ الطَّبْع، بل أراد به حبَّ الاختيار، لأنّ حبَّ الإنسان نفسه طبعٌ. ولا سبيل إلى قلبه، فمعناه: لا تصْدُق فيّ حتّى تفدِيَ في طاعتي نفسك، وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك". • عن العباس بن عبد المطلب أنّه سمع رسول اللَّه ﷺ : يقول "ذاق طَعْم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّد رسولًا". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٣٤) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ، عن يزيد

стр. 542

ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عن العباس بن عبد المطلب، فذكره. ٥ - باب من أحبّ رسول اللَّه ﷺ يكون معه في الجنة • عن أنس بن مالك، أنّ أعرابيًّا قال لرسول ﷺ : متى السّاعة؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ : "ما أعددتَ لها؟ ". قال: حبّ اللَّه ورسوله. قال: "أنت مع مَنْ أحببتَ". متفق عليه: رواه مسلم في البرّ والصّلة (٢٦٣٩) عن عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب، حدّثنا مالك، عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس، فذكره. لم أجده في الموطأ ولم يذكره الجوهريّ في مسند الموطأ. ورواه البخاريّ في الأحكام (٧١٥٣)، ومسلم كلاهما من حديث جرير، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، حدّثنا أنس بن مالك، قال: بينما أنا والنّبيّ ﷺ خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدّة المسجد، فقال: يا رسول اللَّه، متى السّاعة؟ قال النّبيّ ﷺ : "ما أعددتَ لها؟ " فكأنّ الرّجلَ استكان، ثم قال: يا رسول اللَّه: ما أعددتُ لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكنّي أحبُّ اللَّهَ ورسولَه. قال: "أنت مع منْ أحببتَ". ٦ - باب فيمن يودّ رؤية النبي ﷺ بأهله وماله • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من أشدّ أمتي حُبًّا ناسٌ يكونون بعدي، يودُّ أحدُهم لو رآني بأهله وماله". صحيح: رواه مسلم في كتاب الجنّة (٢٨٣٢) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. قوله: "من أشدّ أمتي لي حبًّا". أي بعد الصّحابة ﵃. ٧ - باب فضل من آمن بالنّبيّ ولم يره • عن أبي عبد الرّحمن الجُهني، قال: بينا نحن عند رسول اللَّه ﷺ طَلَعَ رَكبان، فلمّا رآهما قال: "كِنْدِيَّان مَذْحِجِيَّان" حتّى أتياه، فإذا رجالٌ من مَذْحِج، قال: فدنا إليه أحدُهما ليُبايعه، قال: فلمّا أخذ بيده، قال: يا رسولَ اللَّه، أرأيتَ مَن رآك فآمنَ بك وصدَّقك واتَّبعك، ماذا له؟ قال: "طُوبى له". قال: فمسحَ على يده فانصرف، ثم أقبل الآخرُ حتّى أخذ بيده ليُبايعه، قال: يا رسول اللَّه، أرأيتَ من آمَنَ بك وصدَّقك واتَّبعك ولم يرَك؟ قال: "طوبى له، ثم طُوبى له، ثمّ طوبى له". قال: فمسح على يدِه، فانصرف". حسن: رواه أحمد (١٧٣٨٨)، والطبرانيّ في الكبير (٢٢/ ٢٨٩)، والبزّار -كشف الأستار (٣٧٦٩) -

стр. 543

كلّهم من طريق محمد بن إسحاق، حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد اللَّه اليزنيّ، عن أبي عبد الرحمن الجهنيّ، فذكر مثله، واللّفظ لأحمد. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق، فإنّه مدلّس إلّا أنّه صرَّح بالتحديث. • عن أبي جمعة حبيب بن سباع قال: تغدينا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا أبو عبيدة ابن الجراح قال: فقال: يا رسول اللَّه هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك، قال: "نعم، قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني". حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٩٧٦) والطبراني في الكبير (٣٥٣٧) وأبو يعلى (١٥٥٩) وصحّحه الحاكم (٤/ ٨٥) كلهم من حديث الأوزاعيّ قال: حدثني أسيد بن عبد الرحمن، قال: حدثني صالح بن جبير، قال: حدثني أبو جمعة، فذكره. قال الحاكم: صحيح الإسناد. وإسناده حسن من أجل صالح بن جبير الصُّدائي أبو محمد الشامي الطبراني، ويقال: الفلسطيني الأردني، كان كاتب عمر بن عبد العزيز على الخراج والجند، فقال له مرة: ولينا صالح ابن جبير فوجدناه كاسمه، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في الثقات وفي التقريب: صدوق، وروى له عدد كبير. ولكن قال أبو حاتم: شيخ مجهول فلعله يقصد به قليل الحديث، لأن أبا حاتم يطلق كلمة "مجهول" على قليلي الحديث كما ذكرت بالتفصيل في كتابي: دراسات في الجرح والتعديل. ورواه البخاري في خلق أفعال العباد (٣٩٠) عن عبد اللَّه بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللَّه! هل من أحد أعظم منا أجرًا؟ آمنا بك واتبعناك، قال: "وما يمنعكم من ذلك ورسول اللَّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء؟ بل قوم يأتون من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا"، وفيه متابعة لأسيد بن عبد الرحمن وهو وإن كان ثقة، وثقه يعقوب بن سفيان وغيره. وصالح بن جبير له متابعة أيضًا، رواه الإمام أحمد (١٦٩٧٧) من طريق الأوزاعي نفسه قال: حدثني أسيد بن عبد الرحمن، عن خالد بن دُريك، عن ابن محيريز قال: قلتُ لأبي جمعة رجل من الصحابة: حدِّثنا حديثًا سمعتَه من رسول اللَّه ﷺ ، قال: أحدثكم حديثًا جيدًا، تغدينا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا عبيدة بن الجراح. . . فذكر الحديث مثله. وفي الباب ما روي عن عمر بن الخطاب قال: كنت مع رسول اللَّه ﷺ جالسا فقال: "أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيمانا؟ "، قالوا: يا رسول اللَّه، الملائكة، قال: "هم كذلك، ويحق لهم ذلك، وما يمنعهم وقد أنزلهم اللَّه المنزلة التي أنزلهم بها، بل غيرهم" قالوا: يا رسول اللَّه الأنبياء

стр. 544

الذين أكرمهم اللَّه برسالته والنبوة، قال: "هم كذلك ويحق لهم وما يمنعهم وقد أنزلهم اللَّه المنزلة التي أنزلهم بها؟ بل غيرهم" قالوا: يا رسول اللَّه، الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء، قال: "هم كذلك ويحق لهم وما يمنعهم وقد أكرمهم اللَّه بالشهادة مع الأنبياء؟ بل غيرهم" قالوا: فمن يا رسول اللَّه؟ قال: "أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقون بي ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا". رواه أبو يعلى (١٦٠) عن مصعب بن عبد اللَّه، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر بن الخطاب، فذكره. وأخرجه الحاكم (٤/ ٨٥، ٨٦)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦٢)، كلاهما من طريق محمد بن أبي حميد، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: "بل محمد ضعَّفوه". قلت: وهو كما قال، فإن محمد بن أبي حُميد -واسمه: إبراهيم الأنصاري الزرقي- أبو إبراهيم المدني، الملقب حماد، ضعيفٌ جدَّا، عند جماهير أهل العلم، فقال أحمد: أحاديثه مناكير، وقال ابن معين: ضعيفٌ ليس حديثُه بشيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: كان رجلًا ضريرًا، منكر الحديث، ضعيف الحديث، وضعّفه أيضًا أبو داود والدارقطني وابن حبان والعقيلي وغيرهم. فلا يلتفت إلى ما ذكره ابن شاهين في "الثقات" (١٢٠٦) عن أحمد بن صالح أنه قال: ثقة لا شك فيه، حسن الحديث، روى عنه أهل المدينة، يقولون: حماد، وغيرهم يقولون: محمد بن أبي حميد. وفيه كلام آخر، راجع "التهذيب". ورواه العقيلي في الضعفاء (١٨٣٢) في ترجمة المنهال بن بحر قال: حدثنا هشام بن أبي عبد اللَّه، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أتدرون أي الخلق أعجب إيمانًا؟ " فذكر الحديث. وهذه المتابعة لا تفيد شيئًا فإن منهال بن بحر قال فيه العقيلي: في حديثه نظر، وقال: "وهذا الحديث إنما يُعرف لمحمد بن أبي حُميد، عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير، ولا يُتابع منهالًا عليه أحد"، انتهى. قلت: المنهال بن بحر هذا ذكره الذهبي في "الميزان" ونقل قول العقيلي، "في حديثه نظر" وقال: حدث عنه أبو حاتم وقال: ثقة، وذكره ابن عدي في "كامله" وأشار إلى تلبينه. وفي الإسناد أيضًا يحيى بن أبي كثير ذكره العقيلي في الضعفاء (٢٠٥١) وقال: "ذُكر بالتدليس"، وفي التقريب: "ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل". قلت: وقد رواه معنعنًا فلا يؤمن أن يكون قد دلَّسه في هذا الإسناد، فأسقط رجلًا من الإسناد،

стр. 545

أو سمع من ابن أبي حميد نفسه، فأسقطه لضعفه. ثم هذا الحديث الذي أشار إليه العقيلي هو حديث آخر رواه الحسن بن عرفة، ومن طريقه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (٦١) قال: حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ " قالوا: الملائكة، قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم! " قالوا: فالنبيون؟ ، قال: "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! " قالوا: نحن، قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم! "، قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا، لَقَومٌ يكونون من بعدكُم، يجدونَ صُحُفًا، فيها كتابٌ، يؤمنون بما فيها". وإسماعيل بن عياش ضعيفٌ في روايته عن غير الشاميين، وشيخه المغيرة بن قيس التميمي البصري ليس من الشاميين، ثم هو ضعيفٌ أيضًا. قال أبو حاتم: "منكر الحديث"، الجرح والتعديل (٨/ ٢٢٧، ٢٢٨). وفي الباب أيضًا ما روي عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول اللَّه ﷺ : أنّ رجلًا قال له: يا رسول اللَّه، طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني". قال له رجل: وما طوبى؟ قال: "شجرة في الجنّة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها". رواه الإمام أحمد (١١٦٧٣)، وأبو يعلى (١٣٧٤) وصحّحه ابنُ حبان (٧٢٣٠، ٧٤١٣) كلّهم من طرق عن درّاج أبي السّمح، أنّ أبا الهيثم حدّثه عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر مثله. ودرّاج أبو السّمح يضعّف في روايته عن أبي الهيثم، ولكن رواه ابنُ أبي عاصم في السنة (١٤٨٧) من وجه آخر عن وكيع، حدّثنا إبراهيم أبو إسحاق، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا مختصرًا بلفظ: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني". وهذه متابعة جيدة، إلّا أنّ إبراهيم أبا إسحاق ضعيف أيضًا. ومنها: عن أنس بن مالك مرفوعًا: "طوبى لمن آمن بي ورآني مرة، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني" سبع مرار. رواه الإمام أحمد (١٢٥٧٨) عن هاشم بن القاسم، قال: حدّثنا جَسْرٌ، عن ثابت، عن أنس، فذكره. وجسر هو ابن فرقد القصّاب أبو جعفر، بصريّ، قال البخاريّ: ليس بذاك عندهم. وقال ابن معين -من وجوه عنه-: ليس بشيء. وقال النسائي: ضعيف. ترجمه الذّهبي في الميزان (١/ ٣٩٨). إلّا أنّه توبع فقد رواه أبو يعلى (٣٣٩١) من طريق أبي عبيدة الحداد، عن محتسب بن عبد الرحمن، عن ثابت، عن أنس، فذكره. ومحتسب بن عبد الرحمن أبو عائذ، قال فيه ابنُ عدي: يروي عن ثابت أحاديث ليست

стр. 546

بمحفوظة، ومنها الحديث المذكور. انظر "الميزان" (٣/ ٤٤٢). ومنها: جاء رجلٌ إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن، أنتم نظرتم إلى رسول اللَّه ﷺ بأعينكم؟ قال: نعم. قال: وكلّمتموه بألسنتكم هذه؟ قال: نعم. قال: وبايعتُموه بأيمانكم هذه؟ قال: نعم. قال: طوبى لكم يا أبا عبد الرحمن. قال: أفلا أخبرك عن شيءٍ سمعته منه؟ سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن لم يرني وآمَنَ بي". ثلاثًا. رواه أبو داود الطّيالسّي في "مسنده" (١٩٥٦) عن طلحة، عن نافع قال: جاء رجلٌ إلى ابن عمر، فذكره. وأخرجه أيضًا ابنُ أبي عاصم في السنة (١٥٢٩ - تحقيق: باسم) من طريق طلحة بن عمرو مختصرًا. وإسناده ضعيف جدًا فإنّ طلحة بن عمرو الحضرميّ متروك. قال البوصيريّ في "إتحافه": "وقد أجمعوا على ضعفه". وأورده ابن الجوزيّ في "العلل المتناهية" (١/ ٣٠٢) وقال: "هذا حديث لا يصح عن رسول اللَّه ﷺ ". وفي الباب أيضًا عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني - سبع مرار". رواه الإمام أحمد (٢٢١٣٨)، والطّبرانيّ في الكبير (٨/ ٣١٠)، وأبو داود الطّيالسيّ (١٢٢٨)، وصحّحه ابنُ حبان (٧٢٣٣) كلّهم من طريق همّام، عن قتادة، عن أيمن، عن أبي أمامة، فذكره. وهمّام هو: ابن يحيى العوذيّ. أيمن هو ابن مالك الأشعريّ كما قال ابن حبان وذكره في الثقات (٤/ ٤٨)، وترجمة الحافظ في "التعجيل" وقال: "وثّقه ابنُ حبان". وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبي -سبع مرّات- لمن آمن بي ولم يرني". رواه ابن حبان في صحيحه (٧٢٣٢) من طريق أبي عامر العقديّ، حدّثنا همّام ابن يحيى، عن قتادة، عن أيمن، عن أبي هريرة، فذكره. قال ابن حبان: "سمع هذا الخبر أيمن عن أبي هريرة وأبي أمامة معًا، وأيمن هذا هو أيمن بن مالك الأشعريّ". ٨ - باب دعاء النبيّ ﷺ لمن شهد له بالرّسالة • عن فضالة بن عبيد، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "اللهمّ من آمن بك، وشهد أنّي رسولُك فحبِّبْ إليه لقاءك، وسهِّلْ عليه قضاءك، وأقْلل له من الدّنيا، ومن لم يؤمن بك، ولم يشهد أنّي رسولُك، فلا تُحبِّبْ إليه لقاءك، ولا تُسهِّل عليه قضاءك، وأكثرْ

стр. 547

له من الدُّنيا". صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (١٨/ ٣١٣) من طريق ابن وهب، عن سعيد بن أبي أيوب، عن أبي هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد، فذكره. إسناده صحيح، وصحّحه ابنُ حبان (٢٠٨)، ورواه من هذا الوجه. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٢٠٨) وقال: "رواه الطبرانيّ، ورجاله ثقات". ٩ - باب وجوب الإيمان بأنّ النّبيّ ﷺ خاتم النّبيين ولا نبيَّ بعده قال اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: ٤٠]. • عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لي خمسةُ أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو اللَّه بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب". متفق عليه: رواه مالك في أسماء النّبيّ ﷺ (١) عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكر الحديث). هكذا في موطأ يحيى بن يحيى اللّيثيّ مرسلًا بدون ذكر "أبيه". قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ١٥١): "هكذا رواه يحيى مرسلًا، ولم يقل فيه "عن أبيه". وتابعه على ذلك أكثر الرّواة للموطأ. . . ورواه معن بن عيسى وغيره عن مالك موصولًا بذكر أبيه. ومن طريقه رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٣٢). وأمّا مسلم فرواه في الفضائل (٢٣٥٤) من طرف -غير مالك- عن الزّهريّ موصولًا وزاد تفسير العاقب بقوله: "والعاقب الذي ليس بعده نبي". وفي تفسير آخر: "ليس بعده أحد". ورواه بإسناد آخر من طريق عُقَيْل وقال: وفي حديث عُقيل قال: قلت للزّهريّ: "وما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبيٌّ". وكذلك قال معمر للزّهريّ: "ما العاقب؟ قال: الذي ليس بعده نبيٌّ". رواه عبد الرزّاق عنه في مصنفه (١٩٦٥٧)، ومن طريقه مسلم إلّا أنّه لم يذكر سؤال معمر للزهريّ. ولكن رواه الترمذيّ (٢٨٤٠) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ، عن سفيان بن عيينة، عن الزّهريّ، بإسناده وفيه: "وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبيٌّ". قال الترمذيّ "حسن صحيح". فجعل التّفسير مرفوعًا. وسعيد بن عبد الرحمن المخزوميّ ثقة، وثّقه النسائيّ وقال مسلمة في كتاب "الصّلة": "هو ثقة في ابن عيينة، فلا يمكن ترجيح الوقف على الرّفع وإن كان الذين أوقفوه أكثر". ولذا قال الحافظ

стр. 548

في "الفتح" (٦/ ٥٥٧): "هو محتمل للرّفع والوقف". • عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ : "كانت بنو إسرائيل تسوسُهم الأنبياء، كلّما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وأنّه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "فوا ببيعة الأوّل فالأوّل، أعطوهم حقَّهم، فإنّ اللَّه سائلُهم عمّا اسْترعَاهُم". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٥٥)، ومسلم في الإمارة (١٨٤٢) كلاهما عن محمد بن بشّار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن فُرات القزاز، قال: سمعت أبا حازم، قال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين، فسمعتُه يحدّث عن النبيّ ﷺ ، قال: فذكر مثله. • عن أبي هريرة، قال: فذكر حديث الشّفاعة بطوله وجاء فيه: "فيقولون: يا محمد أنت رسول اللَّه وخاتم الأنبياء، وغفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر اشفع لنا إلى ربِّك. . . . ". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٢)، ومسلم في الإيمان (١٩٤) كلاهما من حديث أبي حيان التيميّ، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، فذكره بطوله. • عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "فضّلتُ على الأنبياء بستّ، فذكر الخصال الست". ومنها "وختم بي النّبيون". صحيح: رواه مسلم في المساجد (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فإنّي آخر الأنبياء، وإنّ مسجدي آخر المساجد". صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٩٤) عن إسحاق بن منصور، حدّثنا عيسى بن المنذر الحمصيّ، حدّثنا محمد بن حرب، حدّثنا الزُّبيديُّ، عن الزّهريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي عبد اللَّه الأغرّ مولى الجهنيين -وكان من أصحاب أبي هريرة- أنّهما سمعًا أبا هريرة يقول: "صلاةٌ في مسجد رسولِ اللَّه ﷺ أفضلُ من ألف صلاةٍ فيما سواه من المساجد، إلّا المسجد الحرام. فإنّ رسول اللَّه ﷺ آخرُ الأنبياء. وإنَّ مسجدَه آخرُ المساجد". قال أبو سلمة وأبو عبد اللَّه: لم نَشُكَّ أنّ أبا هريرة كان يقول عن حديث رسول اللَّه ﷺ . فمنعنا ذلك أن نسْتثبتَ أبا هريرة عن ذلك الحديث. حتّى إذا تُوفيّ أبو هريرة، تذاكرنا ذلك. وتلاوَمُنا أنْ لا نكونَ كلّمنا أبا هريرة في ذلك حتى يسنده إلى رسول اللَّه ﷺ إنْ كان سمعه منه. فبينا نحن على ذلك، جالَسَنَا عبد اللَّه بن إبراهيم بن قارظ، فذكرنا ذلك الحديث. والذي فرّطنا فيه من نصِّ أبي هريرة عنه، فقال لنا عبد اللَّه بن إبراهيم: أشهد أنّي سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ :

стр. 549

"فإنّي آخرُ الأنبياء، وإنّ مسجدي آخرُ المساجد". وقوله: "إن مسجدي آخر المساجد" يريد به آخر المساجد للأنبياء من حيث التأسيس والبناء، إذ لا يأتي بعده نبي حتى يؤسس مسجدا جديدا. • عن ثوبان، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقومُ السّاعةُ حتى تلحق قبائلُ من أمّتي بالمشركين، وحتّى يعبدوا الأوثان، وإنّه سيكون في أمّتي ثلاثون كذّابون كلّهم يزعم أنّه نبيٌّ، وأنا خاتم الأنبياء لا نبيّ بعدي". صحيح: رواه أبو داود (٤٢٥٢)، والترمذيّ (٢٢١٩)، والإمام أحمد (٢٢٣٩٤)، كلّهم من طرق عن حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عمرو بن مرثد الرحبيّ، عن ثوبان، ذكر الحديث، واللّفظ للترمذيّ ولفظهما مطوّل، وسيأتي في كتاب الفتن إن شاء اللَّه تعالى. وصحّحه ابن حبان (١٧١٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٩) كلاهما من وجه آخر عن أبي قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرميّ، بإسناده في سياق طويل. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه بهذه السّياقة، وإنما أخرج مسلم (٢٨٨٩) حديث معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرّحبيّ، عن ثوبان مختصرًا". قلت: وهو كما قال، وقد رواه مسلم أيضًا من طرق عن حماد بن زيد بإسناده مختصرًا (١٩٢٠) ومطوّلًا (٢٨٨٩)، وابن ماجه (٣٩٥٢) من طريق أبي قلابة الجرميّ ولم يذكر موضع الشّاهد وهو قول النبيّ ﷺ : "أنا خاتم النّبيين". • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ مثلي ومثلَ الأنبياء من قبلي، كمثل رجلٍ بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وُضِعتْ هذه اللّبنة؟ قال: وأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيين". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٣٥)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٦: ٢٢) كلاهما عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٧٣٢٢) عن سفيان، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر مثله غير أن فيه: "إلّا هذه الثُّلْمة، فأنا تلك الثُّلمة". ومن هذا الطّريق أخرجه أيضًا مسلم غير أنه ذكر مثل الطريق الأول وهو "اللّبنة". و"الثُّلمة" بالضّم -فُرْجة المكسور والمهدوم- أي إلّا هذا الموضع الذي فيه ثلمة في البنيان.

стр. 550

• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال النبيُّ ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء كرجل بني دارًا فأكملها وأحسنها، إلّا موضع لبنة، فجعل النّاسُ يدخلونها ويتعجّبون ويقولون: لولا موضع اللّبنة". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٣٤)، ومسلم في الفضائل كلاهما من حديث سليم ابن حبّان، حدّثنا سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مثلي ومثلُ الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بنيانًا، فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلّا وُضعتْ هذه اللّبنةُ؟ قال: فأنا اللَّبنة، وأنا خاتم الأنبياء". صحيح: رواه مسلمٌ في الفضائل (٢٢٨٦) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكره. • عن أُبي بن كعب، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مثلي في النّبيين كمثل رجل بني دارًا فأحسنها وأكملها وجمَّلها، وترك منها موضع لبنةٍ، فجعل النّاسُ يطوفون بالبناء ويعجبون منه ويقولون: لو تمّ موضع تلك اللّبنة، وأنا في النّبيين بموضع تلك اللّبنة". حسن: رواه الترمذيّ (٣٦١٣) عن محمد بن بشّار، حدّثنا أبو عامر، حدّثنا زهير بن محمد، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن الطّفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، فذكره. ورواه الإمام أحمد (٢١٢٤٣) من طريق أبي عامر، به، مثله. قال الترمذيّ: "حديث حسن". قلت: وهو كما قال، فإنّ عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، مختلف فيه غير أنّه حسن الحديث. وفي الباب عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "أنا قائدُ المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النّبيين ولا فخر، وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفَّع ولا فخر". رواه الدّارميّ (٥٠)، والطبرانيّ في الأوسط (١٧٢)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ١٩٢)، وفي دلائله (٥/ ٤٨٠) كلّهم من طرق عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن صالح بن عطاء بن خباب مولى بني الدئل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، فذكره. قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٥٤): "رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه صالح بن عطاء بن خباب، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". قلت: كذا قال، مع أنه مترجم في "الثقات" (٦/ ٤٥٥) وهو عمدته في توثيق الرّجال، فلعلّ النّسخة التي عنده سقط منها ترجمته، ثم لم أقف على توثيقه من غير ابن حبان، ولم يذكر من روى عنه سوى جعفر بن ربيعة فهو في عداد المجهولين.

стр. 551

ولا يصح ما رُوي عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لو كان بعدي نبيٌّ لكان عمر بن الخطّاب". رواه الترمذيّ (٣٦٨٦)، والإمام أحمد (١٧٤٠٥)، والحاكم (٣/ ٨٥) كلّهم من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ، عن حيوة، عن بكر بن عمرو، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر، فذكر الحديث. قال الترمذيّ: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث مشرح بن هاعان". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: فيه مشرح بن هاعان وإن كان ابنُ معين وثّقه إلّا أنّه يخالف ويخطئ ولذا قال ابن حبان في المجروحين (١٠٦٦) يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير، لا يتابع عليها، والصّواب في أمره ترك ما ينفرد من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات فيها". وهنا تفرّد بهذا الحديث، ولم أجد له متابعًا، وقد أكّد الترمذيّ أنه من حديث مشرح بن هاعان، وقد سئل الإمام أحمد عن هذا الحديث فقال: اضرب عليه، فإنّه عندي منكر". المنتخب من العلل للمقدسيّ (١٠٦). ١٠ - باب قول النبيّ ﷺ لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنّه لا نبي بعدي • عن سعد بن أبي وقاص، قال: خلَّف رسولُ اللَّه ﷺ عليَّ بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول اللَّه، تُخَلِّفُني في النّساء والصّبيان؟ ! فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيَّ بعدي". متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل أصحاب النّبيّ ﷺ (٣٧٠٦)، ومسلم في فضائل علي بن أبي طالب (٢٤٠٤) كلاهما عن محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مصعب بن سعد بن أبي وقّاص، عن سعد بن أبي وقّاص، فذكره، واللّفظ لمسلم. ولم يذكر البخاريّ: "غير أنّه لا نبيّ بعدي". وإنّما ذكره في المغازي (٤٤١٦) من وجه آخر عن شعبة، بإسناده مثل لفظ مسلم. • عن أسماء بنت عُميس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال لعليّ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس بعدي نبيٌّ". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٠٨١)، والنسائيّ في الكبري (٨١٤٣)، والطبرانيّ في الكبير (ج ٢٤/ رقم ٣٨٦)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٨١ - بتحقيق باسم) كلّهم من طريق موسى الجهنيّ، قال: دخلتُ على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي أبو مَهَل: كم لكِ؟ قالت: ستة وثمانون سنة. قال: ما سمعت من أبيك شيئًا؟ قالت: حدَّثني أسماءُ بنتُ عميس، فذكرت الحديث.

стр. 552

وإسناده حسن من أجل فاطمة بنت علي بن أبي طالب، روى عنها جماعة ولم يوثقها أحدٌ غير أنّ ابن حبان ذكرها في الثقات (٥/ ٣٠١). فقول الحافظ في التقريب: "ثقة". لعلّه يعود إلى شهرة أخبارها الخاصة كما ذكرها المزي في تهذيب الكمال عن الزبير بن بكار وغيره، وإلّا فإنّ كلمة "ثقة" تحتاج إلى تنصيص أحد الأئمّة. وأورده الهثميّ في "المجمع" (٩/ ١٠٩) وقال: "رواه أحمد، والطبرانيّ، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير فاطمة بنت علي وهي ثقة". ووهم من جعلها فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب، لأنّه لا يوجد من الرّواة عنها موسى الجهنيّ. • عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ النبيَّ ﷺ قال لعليٍّ: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي". حسن: رواه الترمذيّ (٣٧٣٠) عن محمود بن غيلان، حدّثنا أبو أحمد الزّبيريّ، حدّثنا شريك، عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث. وإسناده حسن من أجل الكلام في شريك وهو ابن عبد اللَّه النّخعيّ وهو مختلف فيه، فوثّقه ابن سعد، والعجليّ، وغيرهما، غير أنه تغيّر حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة فيخطئ، والغالب أنه لم يخطئ في هذا الحديث لكثرة شواهده. ومن هذا الطريق رواه أيضًا الإمام أحمد (١٤٦٣٨). وروي أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لعلي بن أبي طالب: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي". رواه الإمام أحمد (١١٢٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١٣٨٢)، والبزّار -كشف الأستار (٢٥٢٦) - كلّهم من طرق عن عطية، عن أبي سعيد، فذكره وعطية هو ابن سعد العوفيّ مختلف فيه، فوثّقه ابن معين، وضعّفه أحمد وغيره كما قال الهيثميّ في "المجمع". وفي الباب ما رُوي أيضًا عن ابن عباس في حديث طويل، وفيه: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّك لست بنبي، إنّه لا ينبغي أن أذهبَ إلّا وأنت خليفتي". رواه الإمام أحمد (٣٠٦١) عن يحيى بن حمّاد، حدّثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بَلْج، حدّثنا عمرو ابن ميمون، قال: إنّي لجالس إلى ابن عباس، إذ أتاه تسعةُ رهطٍ فقالوا: يا أبا عباس، إمّا أن تقوم معنا، وإمّا أن تُخْلُونا يا فلان. قال: فقال ابنُ عباس: بل أقوم معكم. قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمي. قال: فابتدؤوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا: قال: فجاء ينفضُ ثوبَه ويقول: أُفْ وتُفْ وقعوا في رجل له عشْر، وقعوا في رجل قال له النبيّ ﷺ : "لأبعثنّ رجلًا لا يُخزيه اللَّه

стр. 553

أبدًا. . .". فذكر من فضائل علي، ومنها قوله ﷺ : "أما ترضى. . . . ". وفيه أبو بَلْج وهو يحيى بن أبي سليم الفزاريّ مختلف فيه فوثّقه يحيى بن معين وغيره، وقال البخاريّ: "فيه نظره" وقال أحمد: "روى حديثًا منكرًا". أظنه هذا، وأعدل الأقوال فيه ما قاله ابن حبان في "المجروحين" (١١٩٥): "كان ممن يخطئ، لم يفحش خطؤه حتى استحقّ التّرك، ولا أتي منه ما ينفك منه البشر، فيسلك به مسلك العدول، فأرى لا يحتج بما انفرد من الرواية فقط، وهو ممن أستخير اللَّه فيه". قلت: وهذا الحديث الذي أمامنا هو مما انفرد به، فإنه أتي فيه بما لا يتابع عليه، وإن كان لبعض فقراته شواهد صحيحة. قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" (٥/ ٣٤ - ٣٥) بعد أن ساق الحديث: "وفيه ألفاظ هي كذب على رسول اللَّه ﷺ . . . ". وأطال الرّد على بعض فقراته. وأما الحاكم (٣/ ١٣٢ - ١٣٣) فقال بعد أن ساق الحديث بكامله من طريق الإمام أحمد: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السّياقة". فهو نظر إلى رجال الإسناد، لا إلى متن الحديث. ١١ - باب ما جاء في خاتم النّبوة وصفته • عن السّائب بن يزيد يقول: ذهبتْ بي خالتي إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: يا رسول اللَّه، إنّ ابن أخي وَجِعٌ، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضّأ فشربت من وَضوئه، ثم قمتُ خلْف ظهره فنظرتُ إلى خاتمه بين كتفيه كزِرّ الحَجَلة. متفق عليه: رواه البخاريّ في الوضوء (١٩٠, ٣٥٤١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٤٥) كلاهما من طريق حاتم بن إسماعيل، عن الجعد بن عبد الرحمن، قال: سمعتُ السائب بن يزيد، فذكر مثله. قال القرطبيّ: "وقوله: "زِرّ الحجلة" الرواية المعروفة فيه: زرّ -بتقديم الزّاي- قال أبو الفرج ابن الجوزيّ: الحجلة بيت كالقبة بستر بالثياب، ويجعل له باب من جنسه، فيه زرٌّ وعروة. تشدّ إذا أغلق. وقال القاضي أبو الفضل: الزرّ: الذي يعقد به النساء عُرى أحجالهن كأزرار القميص. والحجلة هنا: واحدة الحجال، وهي ستور ذات سُجوف. وقال غيره: الحجلة: هي الطّائر المعروف، وزرُّها: بيضتها. كما قال جابر: بيضة الحمام. قلت -أي القرطبي-: والأول أشهر في الزرّ، والثاني: أشبه بالمعنى". "المفهم" (٦/ ١٣٦). • عن جابر بن سمرة، قال: رأيتُ خاتمًا في ظهر رسول اللَّه ﷺ كأنّه بيضة حمام. وفي رواية: عند كتفه. صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٤) عن محمد بن المثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، قال: سمعت جابر بن سمرة، فذكر مثله.

стр. 554

ورواه الترمذيّ (٣١٤٤) من وجه آخر عن أيوب بن جابر، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: كان خاتمُ رسول اللَّه ﷺ يعني الذي بين كتفيه- غدّة حمراء مثل بيضة الحمام. وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وأمّا ما وقع في صحيح ابن حبان (٦٢٩٧): مثل بيضة النّعامة يشبه جسده. فهو غلط؛ لأنّه روى في الصحيح: مثل بيضة الحمامة. وهو الصّواب. وقوله: "يشبه جسده". معناه لونه لون جسده. • عن عبد اللَّه بن سرْجِس قال: رأيت النبيّ وأكلتُ معه خبزًا ولحمًا. أو قال: ثريدًا. قال: فقلتُ له: أستغفر لك النبيُّ ﷺ ؟ قال: نعم. ولك ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة محمد: ١٩]. قال: ثم درتُ خلفه، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغِض كتفه اليُسرى. جُمْعًا عليه خِيلانٌ كأمثال الثآليل. صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٤٦) من طرق عن عاصم الأحول، عن عبد اللَّه بن سَرْجس، فذكر مثله. وقوله: "ناغض كتفه" وهو أعلى الكتف. وقوله: "جُمعًا" معناه أنه كجمع الكف، وهو صورته، بعد أن تجمع الأصابع وتضمها. قوله: "خيلان" جمع خال، وهو الشّامة في الجسد. وقوله: "الثآليل" جمع ثؤلول، وهي حبيبات تعلو الجسد. قال القرطبيّ في "المفهم" (٦/ ١٣٦) بعد أن ذكر بعض هذه الأحاديث: "هذه الألفاظ كلّها متقارية المعنى مفيدة، أنّ خاتم النّبوة كان نتوءًا قائمًا أحمر تحت كتفه الأيسر قدره إذا قُلِّل: بيضة الحمامة، وإذا كثّر: جمع اليد، وقد جاء في البخاريّ: كان بَضْعَةً ناشزةً أي: مرتفعة". وقوله: وقد جاء في البخاريّ: كان بَضْعة ناشزة، وهم منه رحمه اللَّه تعالى فإني لم أجد هذه اللّفظة في صحيح البخاريّ، وإنّما هي في شمائل الترمذيّ كما سيأتي في حديث أبي نَضْرة العوقيّ عن أبي سعيد الخدريّ. • عن قرّة بن إياس، قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ في رهطٍ من مُزينة، فبايعناه، وإنّ قميصه لمطلق الأزرار. قال: فبايعتُه ثم أدخلتُ يدي في جيب قميصه فمستُ الخاتم. قال عروة: فما رأيتُ معاوية بن قرّة بن مرّة ولا ابنه قط إلّا مطلقي أزرارهما قطّ في شتاء ولا حرٍّ، ولا يُزَرِّران أزرارهما أبدًا. صحيح: رواه أبو داد (٤٠٨٢)، وابن ماجه (٣٥٧٨)، والترمذيّ في الشمائل (٥٧) كلّهم من طريق زهير، حدّثنا عروة بن عبد اللَّه بن قشير أبو مهل الجعفيّ، قال: حدّثني معاوية بن قرّة، عن أبيه

стр. 555

(يعني قرّة بن إيّاس) قال: (فذكر مثله). ومن هذا الطّريق رواه أيضًا أحمد (١٥٥٨١)، وصحّحه ابنُ حبان (٥٤٥٢). ورجاله رجال الصّحيح غير عروة بن عبد اللَّه بن قشير فقد روى له أبو داود، وابن ماجه، ووثقه أبو زرعة وابن حبان وغيرهما. ورواه أحمد (١٥٥٨٢) عن روح، حدثنا قرة بن خالد، قال: سمعت معاوية بن قرة، يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول اللَّه ﷺ فاستأذنته أن أدخل يدي في جربانه، وإنه ليدعو لي، فما منعه أن ألمسه أن دعا لي. قال: "فوجدت على نغض كتفه مثل السلعة". وإسناده صحيح. وقوله: "نغض كتفه" أي أعلى كتفه. • عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاريّ، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "يا أبا زيد ادنُ مني وامْسح ظَهْري". وكشف ظهره، فمسحتُ ظهره، وجعلتُ الخاتم بين أصابعي، قال: فغمزتُها. قال: فقيل: وما الخاتم؟ قال: شعر مجتمع على كتفه. صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٢٨٨٩)، وأبو يعلى (٦٨٤١)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٦٣٠٠)، والترمذيّ في "الشمائل" (١٩) كلّهم من طريق أبي عاصم النّبيل، حدّثنا عزرة بن ثابت، حدّثنا علباء بن أحمر اليشكريّ، حدّثنا أبو زيد، فذكره. وإسناده صحيح ورجاله رجال الصّحيح، وأبو عاصم هو الضّحاك بن مخلد النّبيل. ورواه أحمد (٢٠٧٣٢)، والطبراني (١٧/ ٢٧) من وجهين آخرين عن عزرة بن ثابت، بإسناده مثله. قال الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٨١): "رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانيّ، وزاد في رواية عنده: رأيت الخاتم على ظهر رسول اللَّه ﷺ هكذا بظهره كأنه بختم. وأحد أسانيده (أظن يقصد به أحمد) رجاله رجال الصحيح. أي هو الإسناد الأول. • عن بريدة، قال: جاء سلمان إلى رسول اللَّه ﷺ حين قدم المدينة، فقال النبيّ ﷺ لأصحابه: "أبسْطوا". فنظر سلمان إلى الخاتم الذي على ظهر رسول اللَّه ﷺ فآمن به. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٢٩٩٧)، والبزّار -كشف الأستار (٢٧٢٦) -، والطبرانيّ في الكبير (٦٠٧٠) كلّهم من طريق زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد اللَّه بن بريدة، قال: سمعت بريدة، فذكر قصة إسلام سلمان مطوّلًا، وستأتي في موضعها. ورواه الترمذيّ في الشمائل (٢٠)، والحاكم (٢/ ١٦) كلاهما من هذا الوجه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قلت: إسناده حسن من أجل حسين بن واقد المروزيّ فإنه "صدوق". وفي التقريب: "ثقة له أوهام". وأمّا قصة إسلام سلمان فروي بأسانيد بعضها أصحّ من بعض، وستأتي في موضعها.

стр. 556

ومنها ما رواه الإمام أحمد (٢٣٧٣٧) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عاصم ابن عمر بن قتادة الأنصاريّ، عن محمود بن لبيد، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: حدثني سلمان الفارسيّ حديثه من فيه. في حديث طويل، وجاء فيه: قال سلمان: "ثم جئت رسول اللَّه ﷺ وهو ببقيع الغرقد، قال: وقد تبع جنازةً من أصحابه عليه شملتان له، وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي صاحبي، فلما رآني رسولُ اللَّه ﷺ استدرتُه عرف أنّي أسْتَثْبِتُ في شيءٍ وُصِفَ لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم فعرفته فانكبت عليه أقبَّلُه وأبكي، فقال لي رسول اللَّه ﷺ : "تحوّل". فتحولتُ فقصصت عليه حديثي كما حدّثتُك يا ابن عباس. قال: فأعجبَ رسول اللَّه ﷺ أن يسمع ذلك أصحابُه. . . . ". وإسناده حسن؛ لأنّ محمّد بن إسحاق حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث، وباقي رجاله ثقات. • عن أبي نَضْرة العَوقيّ قال: سألتُ أبا سعيد الخدريّ عن خاتم رسول اللَّه ﷺ فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة. حسن: رواه الترمذيّ في الشّمائل (٢١) عن محمد بن بشّار، حدّثنا بشر بن الوضّاح، حدّثنا أبو عقيل الدَّورقيّ، عن أبي نَضْرة العوقي، فذكره. وإسناده حسن من أجل بشر بن وضاح فإنّه حسن الحديث. قال الحافظ في التقريب: "صدوق". وأبو نَضْرة العوقيّ -بفتح المهملة والواو ثم قاف هو المنذر بن مالك بن قُطعة - بضم القاف وفتح المهملة- مشهور بكنيته من رجال الصّحيح. ورواه الإمام أحمد (١١٦٥٦) من وجه آخر بلفظ: لحم ناشز بين كتفيه. وفيه عبد اللَّه بن ميسرة ضعيف. قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٨٠): "رواه أحمد، وفيه عبد اللَّه بن ميسرة وثّقه ابنُ حبان وضعّفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات". وقلت: وفيه شيخ عبد اللَّه بن ميسرة عتاب البكريّ لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٢٧٤) وعليه اعتمده الهيثميّ في توثيقه. ولحم ناشز - أي مرتفع عن الجسم. • عن رُميثة قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ لو أشاء أن أُقبِّل الخاتم الذي بين كتفيه من قربي منه لفعلت- يقول: "اهتزّ عرش الرحمن ﵎". يريد سعد ابن معاذ يوم توفي. حسن: رواه الإمام أحمد (٢٦٧٩٣)، والترمذيّ في الشمائل (١٧)، والطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٢٦٧) كلّهم من طرق عن يوسف بن يعقوب الماجشون، عن أبيه، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدّته رُميثة، فذكرت مثله.

стр. 557

وإسناده حسن من أجل والد يوسف وهو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم فإنه "صدوق". وأمّا اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ فانظر أبواب العرش. وأمّا ما رُوي عن ابن عمر أنه قال: "كان خاتم النّبوة في ظهر رسول اللَّه ﷺ مثل البندقة من لحم مكتوب: محمد رسول اللَّه". فهو ضعيف. رواه ابن حبان في صحيحه (٦٣٠٢) من طريق رجاء بن مُرجي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قاضي سمرقند: حدّثنا ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عمر، فذكره. وإسحاق بن إبراهيم هو أبو علي السّمرقنديّ القاضي، ذكره ابنُ حبان في "ثقاته" (٨/ ١٠٩)، وذكر أن اثنين رويا عنه أحدهما: رجاء ولم أقف على توثيق أحد من غيره، فهو مقبول على اصطلاح ابن حجر إلّا أنه لم يتابع فيكون "لين الحديث". وأمّا قوله: "مكتوب عليه: محمد رسول اللَّه". فهو منكر، لم يثبت ذلك في حديث صحيح. قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٥٦٣): "أما ما ورد من أنّها كانت كأثر محجم، أو كالشّامة السّوداء، أو الخضراء، أو مكتوب عليها "محمد رسول اللَّه"، أو "سر فأنت منصور"، أو نحو ذلك فلم يثبت منها شيء". ثم قال: "ولا تغتر بما وقع منها في صحيح ابن حبان فإنّه غفل حيث صحح ذلك، واللَّه أعلم". وقال الحافظ الهيثمي في "موارد الظّمآن" (٢٠٩٧): "اختلط على بعض الرّواة خاتم النّبوة بالخاتم الذي كان يختم به الكتب". ونقل مُحقّقه الشيخ محمد عبد الرزاق حمزة فقال: بهامش الأصل من خطّ شيخ الإسلام ابن حجر ﵀: "البعض هو إسحاق نهو ضعيف". بقية أحاديث هذا الباب انظرها في فضائل النبيّ ﷺ وسيرته العطرة. ١٢ - باب ذهاب النّبوة بعد نبوة نبيّنا ﷺ وبقاء المبشّرات • عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "لم يبق من النّبوة إلّا المبشّرات". قالوا: وما المبشّرات؟ قال: "الرّؤيا الصّالحة". صحيح: رواه البخاريّ في التعبير (٦٩٩٠) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزّهريّ، حدّثني سعيد بن المسيب، أنّ أبا هريرة، قال: فذكره. • عن ابن عباس قال: كشف رسول اللَّه ﷺ السّتارة والنّاس صفوف خلف أبي بكر، فقال: "أيّها النّاس، إنّه لم يبقَ من مُبشَّرات النّبوة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم، أو تُري له، ألا وإنّي نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا. وأمّا الركوع فعظّموا فيه الرّبَّ ، وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم".

стр. 558

صحيح: رواه مسلم في الصّلاة (٤٧٩) من طرق عن سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد اللَّه بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، فذكره. وقوله: "قمنٌ". بفتح القاف وكسر الميم - أي خليق وجدير. • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ كان إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: "هل رأى أحدٌ منكم اللّيلة رؤيا". ويقول: "ليس يبقى بعدي من النّبوة، إلّا الرّؤيا الصّالحة". صحيح: رواه مالك في "الموطأ" في كتاب الرؤيا (٣) وعنه أبو داود (٥٠١٧)، وأحمد (٨٣١٣) وصحّحه ابن حبان (٦٠٤٨)، والحاكم (٤/ ٣٩٠ - ٣٩١) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". • عن أمّ كُرْزٍ الكعبيّة، أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "ذهبتِ النّبوةُ، وبقيت المبشِّراتُ". حسن: رواه ابن ماجه (٣٨٩٦) عن هارون بن عبد اللَّه الحمال، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد اللَّه بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أمّ كرز الكعبية، فذكره. وإسناده حسن من أجل يزيد والد عبيد اللَّه، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٧)، ولم يذكر من روى عنه سوى ابنه، ووثقه العجلي. ومن هذا الوجه رواه الإمام أحمد (٢٧١٤) وصحّحه ابنُ حبان (٦٠٤٧). • عن حذيفة بن أسيد، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ذهبتِ النّبوهُ فلا نبوَّةَ بعدي إلا المبشّرات". قيل: وما المبشرات؟ قال: "الرّؤيا الصّالحة يراها الرجلُ، أو ترى له". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٣/ ٢٠٠) عن محمد بن عبد اللَّه الحضرميّ، ثنا الحسن بن علي الحلوانيّ، ثنا أبو عاصم، عن مهدي بن ميمون، عن عثمان بن عبيد، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة ابن أسيد، فذكره. أورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٣) وقال: "رواه الطبراني والبزّار (٢٨٠٥)، ورجال الطبراني ثقات". ووهم البزّار فجعله من مسند حذيفة بن اليمان. قلت: إسناده حسن من أجل عثمان بن عبيد الرّاسبيّ. روى عنه مهدي بن ميمون وحمّاد بن زيد، كما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٥/ ١٥٩)، ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: مستقيم الأمر. ورواه الإمام أحمد (٢٣٧٩٥) عن يونس بن محمد، حدّثنا حماد بن زيد، حدّثنا عثمان بن عبيد الرّاسبّي، قال: سمعت أبا الطّفيل، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ (فذكر مثله) إلّا أنه لم يذكر فيه "ذهبت النّبوة". كما شكّ في الرؤيا، فقال: "الرؤيا الحسنة أو قال: الرؤيا الصالحة". وأبو الطّفيل منهور بكنيته، واسمه عامر بن واثلة، وهو من صغار الصّحابة. جاء عنه أنه قال:

стр. 559

"أدركت ثماني سنوات من حياة النبيّ ﷺ ". فالظّاهر أنه لم يسمع هذا الحديث عن النبيّ ﷺ إذ لو سمعه منه لما روى عن حذيفة بن أسيد. وقد أورد البخاريّ في التاريخ الكبير (٦/ ٢٤١) عن موسى بن إسماعيل، عن مهدي بن ميمون، عن عثمان بن عبيد، عن أبي الطُّفيل، قال: بلغني عن رسول اللَّه ﷺ ، فذكر مثله. • عن عائشة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لا يبقى بعدي من النبوة شيء إلّا المبشرات". قالوا: يا رسول اللَّه، وما المبشّرات؟ قال: "الرّؤيا الصّالحة يراها الرّجل، أو تُرى له". حسن: رواه أحمد (٢٤٩٧٧)، والبزّار -كشف الأستار (٢١١٨) - كلاهما من حديث يحيى ابن أيوب، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحيّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، فذكرت مثله، إلّا أنّ البزّار. قال: "يراها الرّجل الصّالح". قال البزّار: لا نعلم رواه هكذا إلا سعيد. ثم رواه من وجه آخر من طريق عصمة بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، فذكر نحوه. وقال: لا نعلم رواه عن هشام إلا عصمة وسعيد. وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ١٧٢): رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح. قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في سعيد بن عبد الرحمن الجمحي غير أنه حسن الحديث، فقد وثّقه ابن معين وابن نمير وموسى بن هارون والعجليّ والحاكم، وأفرط فيه ابن حبان فقال: يروي عن عبد اللَّه بن عمر وغيره من الثقات أشياء موضوعة يتخايل إلى من سمعها أنه كان المتعمّد لها، ونقل ابن الجوزيّ عن أبي حاتم قال: "لا يحتج به". واللَّه تعالى أعلم. وبقية أحاديث الرؤيا ستأتي في كتاب الرؤيا. ١٣ - باب ما من شيء بين السماء والأرض إلّا يشهد لنبوّة محمد رسول اللَّه ﷺ - • عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أقبلنا مع رسول اللَّه ﷺ من سفر، حتّى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بني النّجار، إذا فيه جملٌ لا يدخل الحائط أحدٌ إلّا شدّ عليه. قال: فذكروا للنبيّ ﷺ ، فجاء حتى أتى الحائط، فدعا البعير، فجاء واضعًا مشْفَرَه إلى الأرض، حتى برك بين يديه. قال: فقال النبيُّ ﷺ : "هاتُوا خطامه" فخطمه ودفعه إلى صاحبه. قال: ثم الْتفتَ إلى النّاس فقال: "إنّه ليس شيءٌ بين السّماء والأرض، إلّا يعلمُ أنّي رسولُ اللَّه، إلّا عاصيَ الجنّ والإنس". حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٣٣٣)، وعبد بن حميد (١١٢٢)، والدّارميّ (١٨) كلّهم من طرق عن الأجلح، عن الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل الذيال بن حرملة، روى عنه جمع، ووثقه ابنُ حبان. وهو من رجال

стр. 560

"التعجيل" والأجلح هو ابن عبد اللَّه بن حُجَّية صدوق. ورواه الطبراني في الكبير (١٢٧٤٤)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣٠) كلاهما من طريق أبي بكر ابن عياش، عن الأجلح، عن ذيال بن حرملة، عن ابن عباس. ولا يعرف لذيال بن حرملة رواية عن ابن عباس، فالظّاهر أنّ هذا من تخليط أبي بكر بن عياش؛ لأنه وصف بذلك في روايته عن غير أهل بلده الشام. • عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي لأعرفُ حجرًا بمكة كان يُسلّم عليَّ قبل أن أُبعث، إنّي لأعرفه الآن". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٧٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن أبي بُكير، عن إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وأمّا ما رُوي عن علي بن أبي طالب، قال: "كنتُ مع النبيّ بمكة، فخرجنا، في بعض نواحيها، فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السّلام عليك يا رسول اللَّه". فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٣٦٢٦) عن عبّاد بن يعقوب الكوفيّ، حدّثنا الوليد بن أبي ثور، عن السدّي عن عبَّاد بن أبي يزيد، عن علي بن أبي طالب فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب" وقال: وقد روي غير واحد عن الوليد بن أبي ثور، وقالوا: عن عبَّاد أبي يزيد، منهم فروة بن أبي المغراء. انتهى قلت: فيه الوليد بن عبد اللَّه بن أبي ثور، وقد ينسب إلى جده ضعيف كما في "التقريب". وله أسانيد أخرى، كلّها ضعيفة. انظر: "مجمع البحرين" (٣٥ ١٩). ١٤ - باب ما جاء من الإيمان بما خصّ به النبيّ ﷺ من الإسراء والمعراج، وما جاء فيه من الآيات البينات قال اللَّه تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الإسراء: ١]. قال الزهري: أسري برسول اللَّه ﷺ إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة، هكذا ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وهو قول عروة أيضًا، الدلائل للبيهقي (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥). هذا هو الصحيح، ومنهم من حدد أنه ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول قبل الهجرة، وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة ومرة واحدة، بالروح والجسد، يقظة لا مناما، على رأي جمهور العلماء. قال القرطبي: "وعليه يدلّ ظاهرُ الكتاب وصحيحُ الأخبار، ومبادرةُ قريش لإنكار ذلك وتكذيبه. ولو كان منامًا، لما أنكروه ولما افتُتِنَ به من افتُتِنَ؛ إذ كثيرًا ما يُرى في المنام أمورٌ عجيبةٌ وأحوالٌ هائلة، فلا يُستبعَد ذلك في النوم، وإنّما يُستبعدَ في اليقظة". المفهم (١/ ٣٨٥). • عن أبي ذر كان يحدِّث أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة

стр. 561

فنزل جبريلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْري. ثم غَسَلَهُ من ماء زمزم. ثُم جاء بِطَسْتٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغَها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فَعَرَج بي إلى السّماء، فلمّا جِئْنا السّماء الدُّنيا قال جبريلُ ﵇ لخازن السّماء الدّنيا: افتح. قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح. قال: فلما علونا السّماء الدّنيا، فإذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة وعن يساره أَسْوِدَة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكي. قال: فقال مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇ وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكي. قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السّماء الثانية، فقال لخازنها: أفتح، قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السّماء الدّنيا، ففتح". فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات اللَّه عليهم أجمعين، ولم يُثْبِتْ كيف منازِلُهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السماء السّادسة. قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول اللَّه ﷺ بإدريس صلوات اللَّه عليه، قال: "مرحبًا بالنّبيّ الصّالح، والأخ الصّالح قال: ثم مرَّ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. قال: ثم مررت بموسى ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مررتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصّالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم. قال: ثم مررتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم". قال ابنُ شهاب: وأخبرني ابنُ حزم أنّ ابن عباس وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانا يقولان: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرْتُ لمستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام". قال ابنُ حزم، وأنس بن مالك: قال رسول اللَّه ﷺ : "ففرض اللَّه على أمّتي خمسين صلاة". قال: فرجعت بذلك حتى أمُرَّ بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة قال لي موسى

стр. 562

عليه السّلام فراجِعْ ربُّك فإنّ أمَّتَك لا تطيق ذلك. قال فراجعت ربّي، فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال: فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربَّك فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرةَ المنتهى فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي. قال: ثم أُدخلتُ الجنّةَ فإذا فيها جَنابذُ اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: "كان أبو ذرّ يحدّث". فذكر الحديث مثله، واللّفظ المسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه. ١٥ - باب أنّ النّبيّ ﷺ نذير بين يدي عذاب شديد • عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة الشعراء: ٢١٤] صعد النّبيُّ ﷺ على الصّفا، فجعل ينادي: "يا بني فِهْر، يا بني عدي" لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرّجلُ إذا لم يستطع أنّ يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أنّ خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مُصدّقيَّ؟ ". قالوا: نعم، ما جربّنا عليكَ إلّا صدْقًا. قال: فإنّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ ! فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [سورة المسد: ١ - ٢]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٧٠) ومسلم في الإيمان (٢٠٨) كلاهما من حديث الأعمش، قال: حدثني عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره واللفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه. ١٦ - باب بشرية الرّسول ﷺ - قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة الكهف: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [سورة الفرقان: ٧].

стр. 563

• عن ابن مسعود قال: قال النبيّ ﷺ : "إنّما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكّروني". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٤٠١)، ومسلم في المساجد (٥٧٢) كلاهما عن عثمان، قال: حدّثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قال عبد اللَّه، فذكره في حديث طويل، سيذكر في موضعه. • عن أمّ سلمة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم، فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنّه صدق، فأقضي له بذلك، فمن قضيتُ له بحقّ مسلم فإنّما هي قطعة من النّار، فليأخذها أو فليتركها". متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٥٨)، ومسلم في الأقضية (١٧١٣) كلاهما من حديث الزّهريّ، قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنّ زينب بنت أمّ سلمة أخبرته، أنّ أمّها أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرتها، فذكرته. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهمّ إنّما أنا بشر، فأيّما رجل من المسلمين سببتُه، أو لعنتُه، أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة". متفق عليه: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠١) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمر، حدّثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره. ورواه البخاريّ (٣٦٦١)، ومسلم كلاهما من حديث ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أنّه سمع النبيّ ﷺ يقول: "اللهمّ أيّما مؤمن سببتُه، فاجعلْ ذلك له قربة إليك يوم القيامة". • عن عائشة، قالت: دخل على رسول اللَّه ﷺ رجلان، فكلّماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه، فلعنهما وسبّهما، فلمّا خرجا، قلت: يا رسول اللَّه من أصاب من الخير شيئًا ما أصابه هذان. قال ﷺ : "وما ذاك؟ ". قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما! قال: "أو ما علمت ما شارطتُ عليه ربّي؟ ". قلت: اللهم إنّما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببتُه، فاجعله له زكاة وأجرًا". صحيح: رواه مسلم في البر والصّلة (٢٦٠٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عائشة، فذكرته. • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّما أنا بشر، وإنّي اشترطت على ربيّ : أي عبد من المسلمين سببتُه أو شتمتُه أن يكون ذلك له

стр. 564

زكاةً وأجرًا". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠٢) من طرق عن حجّاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، أنّه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • عن أنس بن مالك قال: كانت عند أمِّ سليم يتيمةٌ -وهي أمُّ أنس- فرأى رسول اللَّه ﷺ اليتيمةَ. فقال: "آنتِ هِيَهْ؟ لقدْ كبِرْتِ، لا كبرَ سِنُّكِ". فرجعتِ اليتيمةُ إلى أمِّ سُليم تبكي. فقالت أمُّ سُليم: مالك؟ يا بنيَّةُ قالت الجاريةُ: دعا عليَّ نبيُّ اللَّه ﷺ أن لا يكبرُ سنّي أبدًا. أو قالتْ قرْني. فخرجتْ أمُّ سُليم مُستعجلةً تلوثُ خِمارها. حتّى لقيتْ رسول اللَّه ﷺ . فقال لها رسولُ اللَّه ﷺ "مالَكِ؟ يا أمَّ سُليم! ". فقالتْ: يا نبيَّ اللَّه، أدعوتَ على يتيمتي؟ قال: "وماذاكِ يا أمَّ سُليم؟ ". قالت: زعمتْ أنَّكَ دعوتَ أن لا يَكْبَرَ سِنُّها ولا يَكْبَرَ قرْنُها. قال: فضحك رسولُ اللَّه ﷺ ثم قال: "يا أمَّ سليم، أما تعلمين أنّ شرطي على ربِّي، أني اشترطتُ على ربّي فقلتُ: إنّما أنا بشر. أرْضي كما يرْضى البشرُ، وأَغْضبُ كما يغضبُ البشر، فأيُّما أحدٍ دعوتُ عليه، من أمّتي بدعوةٍ ليس لها بأهل، أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقُربة يقرّبه بها منه يوم القيامة". وقال أبو مَعْن: يُتَيِّمةٌ. بالتصغير في المواضع الثلاثة من الحديث. صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٦٠٣) عن زهير بن حرب وأبي معن الرّقاشيّ -واللّفظ لزهير- قالا: حدّثنا عمر بن يونس، حدّثنا عكرمة بن عمار، حدّثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدّثني أنس بن مالك، فذكره. ١٧ - باب كراهية رفع النّبيّ ﷺ فوق المنزلة التي أنزله اللَّه • عن المغيرة بن شعبة، أنّ النبيّ ﷺ صَلَّى حتى انتفختْ قدماه، فقيل له: أتُكلّف هذا، وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فقال: "أفلا أكونُ عبدًا شكورًا". متفق عليه: رواه البخاريّ في التهجّد (١١٣٠)، ومسلم في صفات المنافقين (٢٨١٩) كلاهما من حديث زياد بن علاقة، عن المغيرة بن شعبة، فذكره. • عن ابن عباس قال: سمعتُ عمر يقول على المنبر: سمعتُ النّبيّ ﷺ قال: "لا تطْروني كما أَطْرتِ النّصارى ابنَ مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله". صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥) عن الحميديّ، حدّثنا سفيان، قال: سمعتُ الزّهريّ يقول: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، قال (فذكر الحديث).

стр. 565

• عن عمر يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تُطروني كما أطرت النّصارى ابنَ مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله". صحيح: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٥) عن الحميديّ، حدّثنا سفيان، قال: سمعتُ الزّهريّ يقول: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس، سمع عمر يقول على المنبر، فذكر الحديث. • عن أنس: أنّ رجلًا قال: يا محمد، يا خيرنا، وابن خيرنا، ويا سيّدنا، وابن سيّدنا. فقال: "قولوا بقولكم، ولا يستجركم الشّيطان -أو الشّياطين (إحدى الكلمتين) - أنا محمد، عبد اللَّه ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٣٥٩٦) عن عفّان، حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكره. ومن هذا الطّريق رواه البيهقيّ في "المدخل" (٥٣٦)، وانظر فيه مزيدًا من التخريج. • عن مطرّف بن عبد اللَّه بن الشّخير، قال: قال أبي: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد اللَّه ﵎". قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرنّكم الشّيطان". صحيح: رواه أبو داود (٤٨٠٦) عن مسدد، حدّثنا بشر -يعني ابن المفضَّل-، حدّثنا أبو سلمة، سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن مطرف، فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٦٣١١)، والبيهقيّ في المدخل (٥٣٧) كلاهما من طريق مهدي بن ميمون، ثنا غيلان بن جرير، عن مطرّف بن عبد اللَّه بن الشّخّير، عن أبيه، وزاد فيه: "والجَفْنَةُ الغرَّاء"، وقال في آخره: "ولا يستهوينّكم". وقوله: "الجفنة الغرّاء". قال ابن الأثير في "النهاية": "كانت العربُ تدعو السّيد المطْعِم جفنة، لأنّه يضعها ويُطعم النّاس فيها، فسمي باسمها. والغرّاء: البيضاء أي أنّها مملوءة بالشّحم والدّهن". وأما قوله: "يستجرّنَكم" بتشديد الرّاء من الجرّ. قال السّنديّ وهو صحيح. ١٨ - ذكر ما يدل على أنّ رفع الصّوت على النّبيّ ﷺ من الكبائر ومحبط للأعمال • عن أنس بن مالك: أنّ النبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول اللَّه، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسًا في بيته مُنكّسًا رأسه، فقال: ما
следующие страницы →