Полный текст (8 687 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [سورة الشورى: ٧].
• عن أنس بن مالك، قال: "أمر عثمانُ زيد بنَ ثابت، وسعيد بن العاص، وعبد اللَّه بن الزبير، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف. وقال لهم: إذا اختلفتُم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإنّ القرآن أُنزل بلسانِهم ففعلوا".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٤) عن أبي اليمان، حدّثنا شعيب، عن الزّهريّ. وأخبرني أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس بن مالك، قال: "إنّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إِرْمِينِيَة وأَذْرِبِيجَان مع أهل العراق، فأفزعَ حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفةُ لعثمان يا أمير المؤمنين: أَدْركْ هذه الأُمّة قَبْل أَنْ يَختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصاري، فأرسل عثمان إلى حفصةَ: أَنْ أرسلي إلينا بالصُّحُف ننسخها في المصاحف، ثم نَردّها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن ثابت، وعبد اللَّه بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان: للرهط القُرشِييِّن الثّلاثة: إذا اختلفتُم أنتم وزيد بن ثابت في شيءٍ من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانِهم ففعلوا، حتى إذا نَسخُوا الصُّحف في المصاحف ردَّ عثمان الصُّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلِّ أُفُقٍ بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحْرق".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨٧) عن موسى، حدّثنا إبراهيم، حدّثنا ابنُ شهاب، أنّ أنس بن مالك، قال (فذكره).
ورواه الترمذيّ (٣١٠٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد، بإسناده وزاد فيه: "قال الزّهريّ: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه، فقال القرشيّون: التابوت. وقال زيد: التابوه. فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: اكتبوه: التابوت، فإنّه نزل بلسان قريش"، وصحّحه ابن حبان (٤٥٠٦) ورواه من طريق أبي الوليد، قال: حدّثنا إبراهيم بن سعد، بإسناده، فذكره.
стр. 492
١٢ - باب القرّاء من أصحاب النبيّ ﷺ -
• عن مسروق قال: ذكرُوا ابنَ مسعود عند عبد اللَّه بن عمرو فقال: ذاك رجلٌ لا أزال أحبُّه بعدما سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "استقرؤوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولي حذيفة، وأُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٩٩)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٤) كلاهما من حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن إبراهيم، عن مسروق، فذكره، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه.
• عن قتادة، قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة كلّهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٠٣) عن حفص بن عمر، حدّثنا همام: حدّثنا قتادة، قال: سألتُ أنسًا، فذكره.
ورواه البخاريّ (٣٨١٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٦٥) كلاهما من حديث شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أنسًا يقول (فذكره).
قال قتادة: "قلت لأنس بن مالك: من أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي".
وهؤلاء أربعة من الأنصار، وسبق قبله اثنان من المهاجرين واثنان من الأنصار، وفيه دليل على أنّ النبيّ ﷺ قال ذلك في أوقات مختلفة، فلا تعارض بين هذه الأحاديث.
• عن أنس بن مالك قال: "مات النبيُّ ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه".
صحيح: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٥٠٠٤) عن معلى بن أسد: حدّثنا عبد اللَّه بن المثنى، قال: حدّثني ثابت البنانيّ وثمامة، عن أنس بن مالك، فذكره.
١٣ - باب إذا استعجم القرآن على اللّسان في قيام اللّيل فليضطجع
• عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قام أحدكم من اللّيل، فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع".
صحيح: رواه مسلم في المسافرين (٧٨٧) عن محمد بن رافع، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
١٤ - باب كراهية السّفر بالقرآن إلى أرض العدو
• عن ابن عمر، قال: "نهى رسول اللَّه ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو".
стр. 493
قال مالك: وإنّما ذلك مخافة أن يناله العدو.
متفق عليه: رواه مالك في الجهاد (٦) عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره.
ورواه البخاريّ في الجهاد والسير (٢٩٩٠)، ومسلم في الإمارة (١٨٩٦) كلاهما من حديث مالك بإسناده، مثله.
وقول مالك: "وإنّما ذلك مخافة أن يناله العدو". هذا التعليل جعله أكثر الرّواة عن مالك عنه، ولم يرفعوه، وتفرّد ابن وهب برفعه كما قال الحافظ ابن حجر، وقد صحَّ رفعه من غير مالك.
رفعه اللّيث بن سعد، عن نافع، ولفظه: "كان النبيّ ﷺ ينهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو". رواه مسلم عن قتيبة، حدّثنا اللّيث.
ورفعه أيوب عن نافع، ولفظه: "لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو". رواه مسلم من طرق عن حماد، عن أيوب.
ولعلّ مالكًا شكّ في رفعه فجعله من نفسه.
• * *
стр. 494
جموع أبواب الإيمان بالرّسل عليهم الصّلاة والسّلام
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٥٠ - ١٥٢].
وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٦٥].
١ - باب ما جاء في عدّة الأنبياء والمرسلين
قال اللَّه تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٦٤].
وهذه تسمية الأنبياء الذين نُصَّ على أسمائهم في القرآن:
وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحي، وعيسى، وسيدهم جميعا محمد بن عبد اللَّه صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.
وأما ذو الكفل، فقال كثيرٌ من المفسّرين أنّه أيضًا من الأنبياء.
كذا ذكره ابن كثير في تفسيره.
﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي خلقًا آخرين لم يذكروا في القرآن.
واختلف في عدّة الأنبياء والمرسلين، فالصّحيح في هذا الباب أنه لم يثبت فيه حديث في ذكر عدد الأنبياء يعتمد عليه.
وأمّا الأحاديث التي رُويت في هذا الباب، فمنها:
ما رُوي عن أنس بن مالك، قال: "سئل النبيّ ﷺ كم المرسلون؟ فقال: ثلاثمائة وستة عشر، عدّة
стр. 495
أصحاب بدر".
رواه تمّام في "فوائده" (١٤٣١) عن أبي الحسن خيثمة بن سليمان: نا أبو عبد اللَّه محمد بن عيسى بن حيان بالمدائن: نا محمد بن الفضل بن عطية، عن زيد العمّي، عن معاوية بن قرّة، عن أنس بن مالك، فذكره.
وفيه محمد بن الفضل بن عطية العبديّ مولاهم الكوفيّ، أهل العلم مطبقون على تضعيفه، بل أكثر أهل العلم كذّبوه.
وشيخه زيد العمي هو: ابن الحواري البصريّ، اسم أبيه: مرّة، وهو ضعيف أيضًا.
ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: "بعث اللَّه ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر النّاس".
رواه أبو يعلى (١٣٧٧) عن أحمد بن إسحاق أبي عبد اللَّه الجوهريّ البصريّ، حدّثنا مكّي بن إبراهيم: حدّثنا موسى بن عبيدة الرّبذيّ، عن يزيد الرَّقاشيّ، عن أنس بن مالك، فذكره.
ومن طريقه أورده الحافظ ابنُ كثير في "تفسيره" وقال: "وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الرّبذيّ ضعيف، وشيخه الرّقاشي أضعف منه أيضًا" انتهى.
والهيثمي أورده في "المجمع" (٨/ ٢١٠) وأعلّه بموسى بن عبيدة الرّبذيّ فقط، وهو تقصير منه، فإنّ شيخه أضعف منه كما قال الحافظ ابن كثير.
وذكر عنه حديثًا آخر، وعزاه إلى الطبرانيّ في "الأوسط"، وفيه إبراهيم بن مهاجر بن مسمار وهو ضعيف.
ورُوي عنه أيضًا مرفوعًا: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنتُ أنا".
رواه أبو يعلى (١٣٣٧) عن أبي الرّبيع الزّهرانيّ، حدّثنا محمد بن ثابت العبديّ، حدّثنا معبد بن خالد الأنصاريّ، عن يزيد الرّقاشيّ، عن أنس بن مالك، فذكره.
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢١١) وأعلّه بمحمد بن ثابت العبديّ وقال: "وهو ضعيف".
وفيه معبد بن خالد الأنصاريّ مجهول، ويزيد الرّقاشي أضعف من الجميع.
وذكره الحافظ ابن كثير عنه من وجه آخر ولفظه: "بُعْثْتُ على إثر من ثمانية آلاف نبي من بني إسرائيل". وقال: "وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، ورجاله كلّهم معروفون إلّا أحمد بن طارق هذا، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". انتهى.
وفي الباب أيضًا عن أبي ذرّ في حديث طويل، وفيه أنّه سأل النّبيّ ﷺ عن أشياء منها قوله: "قلت: يا رسول اللَّه، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول اللَّه: كم الرّسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جمًّا غفيرًا".
стр. 496
وإليكم الحديث بطوله، ولبعض فِقْراته شواهد صحيحة.
عن أبي ذر، قال: "دخلتُ المسجدَ، فإذا رسول اللَّه ﷺ جالس وحده. قال: "يا أبا ذرّ إنّ للمسجد تحيَّةً، وإنّ تحيتَه ركعتان فقُمْ فاركعْهُمَا". قال: فقُمتُ فركعتهما، ثم عُدْتُ فجلستُ إليه، فقلت: يا رسول اللَّه إنّك أمرتني بالصّلاة فما الصّلاة؟ قال: "خير موضوع، استَكْثِرْ أو اسْتَقِلَّ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمان باللَّه، وجهاد في سبيل اللَّه". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ المؤمنين أكمل إيمانًا؟ قال: "أحسنهم خُلْقًا". فقلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ المؤمنين أَسْلم؟ قال: "مَنْ سَلِم النَّاسُ من لسانه ويده". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ الصّلاة أفضل؟ قال: "طُول القنوت". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ الهجرة أفضل؟ قال: "مَنْ هجر السِّيئات". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فما الصّيام؟ قال: "فَرْضٌ مُجْزِئٌ، وعند اللَّه أضعافٌ كثيرةٌ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "مَنْ عُقِرَ جَوادُه، وأُهْريقَ دَمُه". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "جَهْدُ المُقِل يُسَرُّ إلى فَقِيرٍ". قلت: يا رسول اللَّه، فأيُّ ما أَنْزلَ اللَّهُ عليك أَعْظَمُ؟ قال: "آيةُ الكُرْسِي". ثم قال: يا أبا ذر، ما السّماواتُ السّبعُ مع الكرسي إلّا كَحَلْقَةِ مُلْقَاةٍ بأرض فَلاة، وفَضْلُ العرش على الكرسي كفضل الفَلاة على الحَلْقة". قال: قلت: يا رسول اللَّه، كم الأنبياء؟ قال: "مائةُ ألْفٍ وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول اللَّه كم الرّسل من ذلك؟ قال: "ثلاثُمائة وثلاثةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا". قال: قلت: يا رسول اللَّه، من كان أوّلُهم؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول اللَّه، أَنَبيٌّ مُرسل؟ قال: "نعم، خلقه اللَّه بيده ونفخ فيه من روحه وكلَّمَه قِبَلًا". ثم قال: يا أبا ذر، أربعةٌ سُرْيانِيون: آدمُ، وشِيثُ، وأُخْنُوخُ -وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم- ونُوحٌ. وأربعةٌ من العرب: هودٌ، وشُعيبٌ، وصَالِحٌ، ونَبيُّك محمّد ﷺ ". قلت: يا رسول اللَّه كم كتابًا أنزله اللَّه؟ قال: "مائةُ كتابٍ وأربعةُ كُتُب، أُنزلَ على شِيث خمسون صَحيفةً، وأُنْزِلَ على أُخْنوخَ ثلاثون صَحيفةً، وأُنزلَ على إبراهيم عَشْرُ صَحائف، وأُنزل على موسى قَبْل التّوراة عَشْرُ صحائفَ، وأُنْزل التَّوراة والإنجيلُ، والزّبور، والقرآن". قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما كانتْ صحيفةُ إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالًا كلُّها: أَيُّها الملك المسَلَّطُ المبتلى المغرورُ، إنّي لم أَبْعَثْك لتجمع الدّنيا بعضها على بعض، ولكني بعَثْتُك لترد عنْي دعوةَ المظلوم، فإني لا أَرُدُّها ولو كانت من كافر، وعلى العَاقِل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن تكونَ له ساعاتٌ: ساعةٌ يناجي فيها ربَّه، وساعة يحاسب فيها نفسَه، وساعةٌ يَتَفَكَّرُ فيها في صُنع اللَّه، وساعةٌ يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب. وعلى العاقل أن لا يكونَ ظَاعِنًا إلّا لثلاثٍ: تَزَوُّد لِمَعَادٍ، أو مَرَمَّةٍ لِمَعاش، أو لَذَّةٍ في غير مُحَرَّم. وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مُقبلًا على شَأنِه، حافظا للسانه، ومَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِه قَلَّ كَلامُه إلَّا فيما يَعْنِيه".
قلتُ: يا رسول اللَّه، فما كانت صُحُف موسى؟ قال: "كانتْ عِبَرًا كُلُّها: عَجِبْتُ لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، وعجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، وعجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو
стр. 497
يَنْصِبُ، عجبت لمن رأى الدّنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم لا يعمل". قلت: يا رسول اللَّه، أَوْصِني. قال: "أوصيك بتقوى اللَّه؛ فإنّه رأس الأمر كلِّه". قلت: يا رسول اللَّه، زِدْني. قال: "عليك بتلاوة القرآن، وذكر اللَّه فإنّه نُورٌ لك في الأرض، وذُخْرٌ لك في السّماء". قلت: يا رسول اللَّه، زِدْني. قال: "إيَّاك وكثرَة الضَّحِك، فإنه يُميتُ القلب، ويَذْهبُ بنور الوجه". قلت: يا رسول اللَّه زِدْني. قال: "عليك بالصَّمت إلّا من خير؛ فإنّه مطردةٌ للشّيطان عنك، وعونٌ لك على أمر دينك". قلت: يا رسول اللَّه زدْني. قال: "عليك بالجهاد فإنّه رَهْبانيةُ أُمَّتِي". قلت: يا رسول اللَّه، زدني. قال: "أَحِبَّ المساكين وجَالِسْهم". قلت: يا رسول اللَّه زدني. قال: "انظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك؛ فإنّه أجدر أن لا تُزْدَرَى نِعْمهُ اللَّه عندك". قلت: يا رسول اللَّه، زِدْني. قال: "قلِ الحقَّ وإِنْ كان مُرًّا". قلت: يا رسول اللَّه، زدني. قال: "لِيرُدَّكَ عن النّاس ما تَعرفُ مِنْ نفسك، ولا تجد عليهم فيما تأتي، وكفى بك عَيْبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجدَ عليهم فيما تأتي". ثم ضرب بيده على صدري فقال: "يا أبا ذر، لا عَقْل كالتَّدْبِير، وَلا وَرَعَ كالكَفِّ، ولا حَبَبَ كحُسْن الخُلُقِ".
إسناده ضعيف جدًّا. رواه ابن حبان في "صحيحه" (٣٦١)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦)، والطبراني في الكبير (٢/ ١٦٧)، والآجري -كما ذكره ابن كثير في تفسيره (٢/ ٤٧٢) - كلّهم من طرق عن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغسّانيّ، قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن أبي ذرّ، فذكر الحديث بطوله، واللّفظ لابن حبان.
ذكره ابن كثير في "تفسيره" في سورة النساء (آية: ١٦٤) عن ابن مردويه بهذا الإسناد أيضًا وزاد فيه بعد قوله: "ونبيك محمد ﷺ ". "وأوّل نبي من أنبياء بني إسرائيل: موسى، وآخرهم عيسى. وأوَل النّبيين آدم، وآخرهم نبيّك".
وقال: "روى هذا الحديث بطوله أبو حاتم بن حبان البُستيّ في كتابه، وقد وَسَمه بالصِّحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزيّ، فذكر هذا الحديث في كتابه "الموضوعات"، واتّهم به إبراهيم بن هشام، ولا شك أنه قد تَكلّم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث". انتهى
وإبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغسّانيّ، قال فيه أبو حاتم: "قلت لأبي زرعة: لا تحدّث عن إبراهيم بن هشام بن يحيى، فإنّي ذهبتُ إلى قريته فذكر حكاية وقال: وأظنّه لم يطلب العلم وهو كذّاب.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: ذكرتُ لعلي بن الحسين بن الجنيد بعض هذا الكلام عن أبي، فقال: صدق أبو حاتم، ينبغي أن لا يُحَّدث عنه". انتهى "الجرح والتعديل" (٢/ ١٤٣).
قال الهيثميّ في "المجمع" (٤/ ٢١٦): "فيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسّانيّ، وثّقه ابنُ حبان، وضعّفه أبو حاتم وأبو زرعة".
وقال الذّهبي في "الميزان" (١/ ٧٢ - ٧٣): "هو صاحب حديث أبي ذرّ الطّويل، انفرد به عن
стр. 498
أبيه، عن جدّه".
ونقل قول أبي حاتم بأنّه كذّاب، كما نقل أيضًا عن ابن الجوزيّ أنه قال: قال أبو زرعة: كذّاب.
كما نقل عن الطبرانيّ قوله: "لم يرو هذا عن يحيى إلّا ولده وهم ثقات". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٧٩)، وأخرج حديثه في الأنواع.
وقال في موضع آخر من "الميزان" (٤/ ٣٧٨): "إبراهيم بن هشام أحد المتروكين الذين مشّاهم ابنُ حبان فلم يُصبْ".
قلت: وفي قوله هذا دليلٌ واضح على تساهل ابن حبان، وإدخاله الضعفاء والمجاهيل في كتابه "الثقات" وإخراج أحاديثهم في "صحيحه" فتنبّه إلى ذلك! .
والحافظ ابن حجر هو الآخر أيضًا من تساهل، فنقل تصحيح ابن حبان ولم يتعقبه عليه، بل عضّده بقول مجاهد، أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" بسند صحيح عنه. انظر: "الفتح" (١٣/ ٤١١).
ورواه الإمام أحمد (٢١٥٤٦) عن وكيع، حدّثنا المسعوديّ، أنبأني أبو عمر الدّمشقيّ، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذرّ، قال (فذكر قطعًا من الحديث).
والمسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه. ومن طريقه أخرجه النسائيّ (٨/ ٢٧٥) ما يتعلّق بتعوّذ من شرّ شياطين الجنّ والإنس فقط.
وإسناده ضعيف أيضًا، عبيد بن الخشخاش قال فيه البخاريّ: "لم يذكر سماعًا من أبي ذرّ". وضعّفه الدّارقطني، وفي التقريب: "ليّن".
وأبو عمر، ويقال: أبو عمرو الدّمشقيّ، قال الدّارقطنيّ: "متروك". كما في "اللّسان" (٧/ ٨٧).
والمسعوديّ هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة وهو إن كان صدوقًا إلّا أنه اختلط قبل موته.
وكذلك لا يصح ما رواه الحاكم (٢/ ٥٩٧) من طريق يحيى بن سعيد السّعديّ البصريّ، ثنا عبد الملك بن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذرّ، فذكر فيه بعض الجمل من الحديث. ومن طريقه رواه البيهقيّ في "السنن" (٩/ ٤) وقال: "تفرّد به يحيى بن سعيد السّعديّ".
وقال الذهبيّ في "تلخيص المستدرك": "السّعديّ ليس بثقة".
وللحديث أسانيد أخرى ولم يسلم منها شيء.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن أبي أمامة قال: "كان رسول اللَّه ﷺ في المسجد جالسًا وكانوا يظنون أنّه ينزل عليه فانصروا عنه، حتى جاء أبو ذرّ فاقتحم فأتى فجلس إليه فأقبل عليه النّبيُّ ﷺ فقال: "يا أبا ذر، هلْ صليتَ اليوم؟ ". قال: لا قال: "قُمْ فَصلُ". فلمّا صلّى أربع ركعات الضُّحى أقبل عليه، فقال: "يا أبا ذر، تعوَّذْ منْ شَرِّ شياطين الجنّ والأنس". قال: يا نبي اللَّه، وهل للإنس شياطين؟ قال: "نعم شياطين الإنس والجن يوحي بعضُهم إلى بعض زخرف القول غرورًا". ثم
стр. 499
قال: "يا أبا ذر، ألا أُعلّمُكَ كلمة من كنز الجنّة؟ ". قال: بلى جعلني اللَّه فداءك. قال: "قُلْ لا حول ولا قوَّة إلّا باللَّه". قال: فقلت: لا حول ولا قوّة إلا باللَّه. قال: ثم سكت عنّى فاستبطأتُ كلامَه، قال: قلتُ: يا نبي اللَّه، إنّا كنّا أهل جاهليّة وعبادة أوثان فبعثك اللَّه رحمة للعالمين، أرأيت الصلاة ماذا هي؟ قال: "خيرٌ موضوعٌ من شاء استقَلَّ ومن شاء اسْتَكْثَر". قال: قلت: يا نبي اللَّه، أرأيتَ الصِّيام ماذا هو؟ قال: "فَرْضٌ مُجْزئٌ". قال: قلت: يا نبي اللَّه، أرأيتَ الصَّدقة ماذا؟ قال: "أضعاف مضاعفة، وعند اللَّه المزيد". قال: قلت: يا نبي اللَّه، فأيُّ الصّدقة أفضل؟ قال: "سِرٌّ إلى فقير، وجُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ"، قال: قلت: يا نبي اللَّه، أيُّما أُنزل عليك أعظم؟ قال: [آية الكرسي]. قال: قلتُ: يا نبي اللَّه أيُّ الشهداء أفضل؟ قال: من سُفك دَمُه وعُقِر جَوادُه. قال: قلت: يا نبي اللَّه، فأيُّ الرِّقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا، وأنفسها عند أهلها". قال: قلت: يا نبي اللَّه، فأيُّ الأنبياء كان أَولَّ؟ قال: "آدم ﵇". قال: قلتُ: يا نبي اللَّه أو نبيٌّ كان آدم؟ قال: "نعم نبيٌّ مُكلَّم، خلقه اللَّه بيده، ثم نفخ فيه رُوحَه، ثم قال له: يا آدمُ، -قُبلًا-". قال: قلتُ: يا رسول اللَّه كم وَفَي عِدَّةُ الأنبياء؟ قال: "مائةُ ألف وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرّسلُ من ذلك ثلاثُمائة وخمسةَ عَشَر جمًّا غفيرًا".
رواه الإمام أحمد (٢٢٢٨٨)، والطّبراني في الكبير (٧٨٧١) كلاهما من حديث أبي المغيرة، حدّثنا مُعان بن رفاعة، حدّثني علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة، مثله.
وفيه سلسلة من الضّعفاء: فمعان بن رفاعة السلاميّ وشيخه: علي بن يزيد -وهو ابن أبي زياد الألهاني- وشيخه القاسم أبو عبد الرحمن كلّهم متكلّم فيهم، ويهم أعلّه الحافظ ابن كثير في تفسيره في سورة النساء (آية: ١٦٤).
وأمّا الهيثميّ فأورده في "المجمع" (١/ ١٥٩) وأعلَّه بعلي بن يزيد وحده فقال: "مداره عليه" وهو تقصير منه.
والقاسم هو: ابن عبد الرحمن الدّمشقيّ أبو عبد الرحمن صاحب أبي أمامة.
قال ابن حبان: "يروي عن الصّحابة المعضلات، ولكن وثّقه ابن معين، والعجليّ، وقال أبو حاتم: حديث الثقات عنه مستقيم لا بأس به".
قلت: هنا يروي عنه علي بن زيد وهو مالك، وقد سبق أنّ أبا ذرّ، روى هذا الحديث، أو بعضه بنفسه.
وفي الباب أيضًا عن أبي الودّاك قال: قال لي أبو سعيد: "هل يُقِرُّ الخوارج بالدّجّال؟ فقلتُ: لا، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي خاتمُ ألْف نبيٍّ أو أكْثر، ما بُعث نبيٌّ يتبع إلا قد حذَّر أمَّته الدّجال، وإنّي قد بيَّن لي من أمره ما لم يُبيّن لأحد، وإنّه أعور، وإنّ ربَّكم ليس بأعور، وعينُه اليُمنى عوراءُ جاحظةٌ ولا تخفى، كأنّها نُخامةٌ في حائط فجُصّص، وعينُه اليُسرى كأنّها نُخامة في
стр. 500
حائطٍ فجصَّص، وعينُه البشرى كأنّها كوكب دُرّي معه من كلّ لسانٍ، ومعه صورةُ الجنّة خضراءُ، يجري فيها الماء، وصور النار سوداءُ تدخنُ".
رواه عبد اللَّه بن الإمام أحمد في مسند أبيه (١١٧٥٢) قال: "وحدث هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده: حدثنا عبد المتعال بن عبد الوهّاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأمويّ، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك". فذكر مثله.
وأخرجه الحاكم (٢/ ٥٩٧) من طريق مجالد، وسكت عليه.
ولكن قال الذّهبيّ: مجالد ضعيف.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٤٧) وقال: "رواه أحمد وفيه مجالد بن سعيد وثّقه النسائيّ في رواية، وقال في أخرى ليس بالقوي، وضعّفه جماعة".
قلت: مجالد هو ابن سعيد بن عمر الهمْداني ضعّفه أكثر أهل العلم، وقال فيه البخاريّ: صدوق.
وقد رُوي من حديث جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي لخاتم ألف نبيّ أو أكثر، وإنّه ليس منهم نبيٌّ إِلَّا وقد أنذر قومه الدَّجال، وإنّه قد تبيّن لي ما لم يتبيّن لأحد منهم، وإنه أعور، وإنّ ربَّكم ليس بأعور".
رواه البزّار -كشف الأستار (٣٣٨٠) - عن عمرو بن علي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا مجالد، عن الشّعبيّ، عن جابر، فذكر مثله.
قال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٤٧): "رواه البزّار، وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعّفه الجمهور، وفيه توثيق".
قلت: مجالد هذا تغيّر في آخر عمره، ولعلّه لم يضبط اسم الصّحابيّ فمرّة رواه عن أبي سعيد، وأخرى عن جابر بن عبد اللَّه مع ضعف فيه.
والخلاصة: ليس في عدد الأنبياء والرّسل حديث صحيح، فال سماحة الشيخ ابن باز ﵀ بعد أن ذكر عدة أحاديث منها: حديث أبي ذر وغيره: "والمقصود أنه ليس في عدد الأنبياء والرسل خبر يُعتمد عليه".
انظر: مجموع فتاواه (٢/ ٦٦، ٦٧) (٣/ ٣٠).
٢ - باب ما من نبيِّ إِلَّا وقد أُعطي من المعجزات ما آمن عليها البشر
• عن أبي هريرة، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما من الأنبياء نبيٌّ إِلَّا أعطي ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنَّما الذي أوتيت وحْيًا، أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في فضائل القرآن (٤٩٨١)، ومسلم في الإيمان (١٥٢) كلاهما من
стр. 501
حديث اللّيث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. واللّفظ للبخاريّ.
وفي لفظ مسلم: "ما من الأنبياء من نبي إِلَّا قد أُعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر". ثم ذكر مثله.
أي كلّ نبي أُعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن به البشر، وأمّا معجزني العظيمة الظّاهرة فهي القرآن الذي لم يُعط أحد قبله.
٣ - باب من الأنبياء من لم يصدِّقْه من أمّته إِلَّا رجل واحد، ومنهم من لم يصدّقه أحد
• عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "عرضت علي الأمم، فرأيت النبي، ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٤١)، ومسلم في الإيمان (٢٢٠: ٣٧٤) كلاهما من حديث هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: حدثني ابن عباس قال: فذكره. واللّفظ لمسلم.
ولفظ البخاريّ: "عرضت علي الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، والنبي يمر معه العشرة، والنبي يمر معه الخمسة، والنبي يمر وحده".
• عن أنس قال: قال النبيّ ﷺ : "أنا أوّل شفيع في الجنّة، لم يُصدَّق نبيٌّ من الأنبياء ما صُدِّقتُ، وإنّ من الأنبياء نبيًّا ما يصدّقه من أمّته إِلَّا رجلٌ واحد".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٦: ٣٣٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن المختار بن فُلفل، قال: قال أنس بن مالك، فذكر الحديث.
٤ - باب أن اللَّه إذا أراد رحمة أمة قبض نبيها قبلها
• عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه إذا أراد رحمة أمةٍ من عباده قبض نبيها قبلها، فجعله لها فرطا وسلفا، وإذا أراد هلكة أمةٍ عذَّبها، ونبيها حيّ، فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه، وعصوا أمره".
صحيح: رواه ابن حبان (٧٦٦٤) عن محمد بن المسيب بن إسحاق قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بُريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى فذكره.
وذكر مسلم في الفضائل (٢٢٨٨) فقال: وحُدِّثتُ عن أبي أسامة، وممن روى ذلك عنه، إبراهيم بن سعيد الجوهري: حدثنا أبو أسامة، حدثني بُريد بن عبد اللَّه بإسناده نحوه.
قال المازري والقاضي: "هذا من الأحاديث المنقطعة فإنه لم يسمّ الذي حدّثه عن أبي أسامة".
стр. 502
قلت: إبراهيم بن سعيد من شيوخه، لكنه لمّا لم يسمع منه هذا الحديث ذكره منقطعا، ووصله ابن حبان كما ترى.
٥ - باب في الأنبياء أنهم أحياء في قبورهم يصلّون
• عن أنس بن مالك، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "مررتُ على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر - وهو قائم يُصلّي في قبره".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٧٥) من طرق عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت البنانيّ، وسليمان التيميّ، عن أنس بن مالك، فذكره.
• عن أنس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الأنبياء أحياءٌ في قبورهم يصلّون".
صحيح: رواه أبو يعلى (٣٤٢٥) عن أبي الجهم الأزرق بن علي: ثنا يحيى بن أبي بكير: ثنا المستلم بن سعيد، عن الحجّاج، عن ثابت، عن أنس، فذكره.
ومن طريق أبي يعلى أخرجه البيهقي في "حياة الأنبياء" (ص ٧٢)، والأزرق وهو أبو الجهم الحنفيّ الأزرق بن علي، قال الحافظ في "التقريب": "صدوق يغرب".
قلت: إِلَّا أنه لم يتفرّد به، فقد رواه الحسن بن عرفة، قال: حدّثني الحسن بن قتيبة المدائنيّ: ثنا المستلم بن سعيد، بإسناده مثله.
ومن طريقه رواه البيهقيّ في "حياة الأنبياء" (ص ٧٠) وقال: "هذا يُعد في أفراد الحسن بن قتيبة المدائنيّ".
كذا قال! مع أنّه رواه من طريق أبي الجهم الأزرق بن علي كما مضى، ومن طرق أخرى، وإن كان في بعضها من يُتَّهم.
وللحديث طريق آخر أخرجه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨٣) من طريق عبد اللَّه بن إبراهيم ابن الصباح، عن عبد اللَّه بن محمد بن يحيى بن أبي بكير: ثنا يحيى بن أبي بكير، بإسناده، مثله.
وقد تبيّن من هذه المتابعات بأنّ الأزرق بن علي لم يُغربْ فيه، كما أنّ الحسن بن قتيبة المدائنيّ لم ينفردْ به.
والحياة هذه حياة برزخية، وليست من حياة الدّنيا في شيء، فلا يجوز تشبيه حياتهم بحياة الدنيا.
٦ - باب إنّ اللَّه حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء
• عن أوس بن أوس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : إنّ من أفضل أيامكم يومَ الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليَّ". قال: قالوا: يا رسول اللَّه، كيف تُعرض
стр. 503
صلاتنا عليك وقد أَرِمتَ؟ يقولون: بَليتَ؟ فقال: "إنّ اللَّه حرَّمَ على الأرض أجسادَ الأنبياء".
صحيح: رواه أبو داود (١٠٤٧) والنسائي (١٣٧٤) وابن ماجه (١٦٣٦) كلهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس، فذكره.
وإسناده صحيح، وصحّحه ابن خزيمة (١٧٣٣) وابن حبان (٩١٠) والحاكم (١/ ٢٧٨) فأخرجوه من طريق عبد الرحمن بن يزيد به.
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاريّ، ولم يُخرجاه". ووافقه الذّهبيّ. وليس كما قالا، بل هو على شرطهما عنده، فقد أخرجا لجميع رواته، إِلَّا أَنَّ البخاريّ لم يخرج لأبي الأشعث الصنعاني (واسمه: شرحبيل بن آدة) إِلَّا تعليقًا، والحاكم لا يُفرِّق بين الإخراج للراوي تعليقًا أو متابعة، أو أصلًا.
وفي الباب عن أبي الدَّرداء، رواه ابن ماجه (١٦٣٧) إِلَّا أنّ فيه انقطاعًا في موضعين، يأتي تفصيله في كتاب الجنائز.
٧ - باب من خصائص الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم
• عن أنس قال النبيّ ﷺ : "إنّ الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥١٧)، ومسلم في الإيمان (١٦٢) كلاهما من حديث سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد اللَّه، أنه قال: سمعتُ أنس بن مالك، فذكر الحديث بطوله في قصة الإسراء والمعراج، وسيأتي بكامله.
• عن عائشة، قالت: قال النبيّ ﷺ : يا عائشة، إنّ عينيي تنامان، ولا ينام قلبي".
متفق عليه: رواه مالك في صلاة اللّيل (٩) عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنّه سأل عائشة زوج النبيّ ﷺ : "كيف كانت صلاة رسول اللَّه ﷺ في رمضان؟ فقالت: (فذكرت الحديث بطوله)، وسيأتي في موضعه.
ورواه البخاريّ في صلاة التراويح (١١٤٧)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٣٨)، كلاهما من حديث مالك بإسناده.
• عن ابن عباس، أنه قال: "لما صلّى النبيُّ ﷺ الفجر اضطجع حتى نفخ فكنا نقول لعمرو: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "تنام عينايَ ولا ينام قلبي".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٩١١) عن سفيان، عن عمرو، قال: أخبرنيّ كريب، عن ابن عباس، فذكره. وأصله في الصّحيحين، وسيأتي في كتاب الصّلاة.
• عن ابن عباس: قال النبيّ ﷺ : "النبيّ تنام عيناه، ولا ينام قبله".
стр. 504
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٥١٤) عن هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدّثنا شهر، قال: قال ابن عباس، فذكر الحديث مطوَّلًا وقد مضى في الإيمان بالملائكة. وشهر فيه كلام إِلَّا أنه توبع.
• عن أبي هريرة، قال رسول اللَّه ﷺ : "تنام عيني، ولا ينام قلبي".
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٤١٧) عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، قال: سمعت أبي، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٤٨)، وابن حبان (٦٣٨٦).
وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن عجلان وهو محمد بن عجلان المدني غير أنه حسن الحديث. وأبوه عجلان مولي فاطمة بنت عتبة المدني، لا بأس به من رجال مسلم.
٨ - باب ما جاء في نبوة آدم ﵇
• عن أبي أمامة: "أنّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، أنبيٌّ كان آدم؟ قال: "نعم مكلَّمٌ". قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون".
صحيح: رواه ابن حبان في صحيحه (٦١٩٠) عن محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، قال: سمعت أبا سلام، قال: سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.
ورواه ابن منده في التوحيد (٥٧١) من طريق أبي حاتم الرّازيّ، حدّثنا أبو توبة، بإسناده، مثله. وقال: "هذا إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إِلَّا البخاريّ، وروي من حديث القاسم أبي عبد الرحمن وغيره عن أبي أمامة، عن أبي ذرّ، بأسانيد فيها مقال". انتهى.
وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (١/ ٩٤) وقال: "على شرط مسلم".
فهؤلاء وغيرهم لم يذكروا في حديث أبي أمامة عدد الأنبياء.
ولكن رواه الحاكم (٢/ ٢٦٢) من وجه آخر عن عثمان بن سعيد الدارميّ، والطبراني في الكبير (٨/ ١٣٩) عن أحمد بن خليد الحلبيّ، كلاهما عن أبي توبة الرّبيع بن نافع الحلبيّ، بإسناد، وزادا فيه: "قالوا: يا رسول اللَّه، كم كانتِ الرَّسل؟ قال: ثلاثة مائة وخمس عشرة جمًّا غفيرًا". وقال: "صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه".
وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢١٠) بعد أن عزاه إلى الطبرانيّ: "رجاله رجال الصّحيح غير أحمد بن خليد الحلبي، وهو ثقة".
قلت: أحمد بن خليد الحلبيّ لم يوثقه غير ابن حبان (٨/ ٥٣) وعليه اعتمده الهيثميّ.
وأمّا عثمان بن سعيد الدَّارميّ فهو إمام معروف، ولكن رواه الحاكم عن إبراهيم بن إسماعيل القاري عنه، وإبراهيم هذا لم يُذكر من تلاميذه المشهورين، فالأمر يحتاج إلى التثبت في كتب
стр. 505
الدَّارميّ ﵀.
ثم وقفت على الحديث في كتاب الدَّارميّ في "الرّد على الجهمية" (٢٩٩) رواه عن الرّبيع بن نافع (أبي توبة)، بإسناده، ولم يذكر فيه عدد الرّسل بأنّهم "ثلاثمائة وخمسة عشر".
٩ - باب ما جاء في كراهية المفاضلة بين الأنبياء
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متّى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤١٦)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٦) كلاهما من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعت حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي رواية: "من قال: أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب".
رواه البخاري (٤٦٠٤) من وجه آخر عن أبي هريرة.
• عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ قال: "لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خيرٌ من يونس بن مَتّى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٣٩٥)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٧) كلاهما عن محمّد بن بشار، حدّثنا غندر محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن قتادة، قال: سمعت أبا العالية قال: حدثنا ابنُ عمِّ نبيّكم -يعني ابن عباس-، فذكره.
• عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبيّ ﷺ قال: "ما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٠٣) عن مسعود، حدّثنا يحيى، عن سفيان، قال: حدّثني الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، فذكر الحديث.
• عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "لا تخيّروني على موسى، فإنّ النّاس يَصْعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أوّل من يُفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٢٤١١)، ومسلم في فضائل موسى (٢٣٧٣: ١٦٠) كلاهما من حديث إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وفي الحديث قصة بين المسلم واليهودي، وسيأتي في موضعه.
• عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تخيّروا بين الأنبياء، فإنّ
стр. 506
النّاس بصعقون يوم القيامة فأكون أوَّلَ من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقة الأولى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٣٤١٢) عن موسى بن إسماعيل، حدّثنا وُهيب، حدثنا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد، فذكر مثله.
وفي الحديث قصة الخصومة بين المسلم واليهودي، وستأتي في موضعه.
ورواه الشيخان - البخاريّ (٣٣٩٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٤) كلاهما من حديث سفيان، عن عمرو بن يحيى بإسناده وليس فيه ذكر لقوائم العرش.
قال العلماء: إنّما قال النبيّ ﷺ تواضعًا إن كان قاله قبل أن أعلم أنه أفضل الخلق، وإن كان قاله قبل علمه بذلك فلا إشكال. وإلّا فقد ثبت بالكتاب والسَّنة بأنّ النبيّ ﷺ أفضل الخلق، وإنّ اللَّه ﵎ فضّل بعض الرسل على البعض كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٣] ".
١٠ - باب أشد الناس عذابا يوم القيامة من قتله نبيٌّ، أو قتل نبيا
• عن عبد اللَّه بن مسعود أن رسول اللَّه ﷺ قال: "أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين".
حسن: رواه أحمد (٣٨٦٨)، والبزار كشف الأستار (١٦٠٣) كلاهما من طريق عبد الصمد، عن أبان بن يزيد، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه (هو ابن مسعود) فذكره.
قال البزّار: لا نعلم أسنده عن أبي وائل غير أبان.
قلت: لا يضر تفرد أبان بن يزيد فإنه ثقة من رجال الصحيحين.
وإسناده حسن من أجل عاصم هو ابن أبي النجود فإنه حسن الحديث.
وذكر الدارقطني في العلل (٥/ ٣٠٤ - ٣٠٥) هذا الحديث من طرق مدارها على أبي إسحاق السبيعي، وأعلَّها بالوقف، ولكن ليس في إسناد أحمد والبزار ذكر أبي إسحاق. واللَّه أعلم.
وقوله: "من الممثلين" أي مصور، يقال: مثّلت -بالتثقيل، والتخفيف- إذا صورت مثالا، والتمثال الاسم منه. قاله ابن الأثير في النهاية.
١١ - باب عصمة الأنبياء فيما يخبرون عن اللَّه
قال اللَّه تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٣٦].
стр. 507
الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام معصومون فيما يخبرون عن اللَّه ، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمّة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أتوه.
وقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥].
والأنبياء معصومون من الإقرار على المعصية، وإن وقع منهم ذلك سارعوا إلى التوبة ولا يؤخِّرونها، ولذلك لم يذكر في القرآن شيئًا من ذلك عن نبيٍّ من الأنبياء إِلَّا مقرونًا بالتوبة والاستغفار، كقول آدم وزوجته: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]، وقول نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة هود: ٤٧]، وقول الخليل ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء: ٨٢]، وقول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [سورة القصص: ١٦]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]، وقوله تعالى عن داود: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [سورة ص: ٣٤]، وقوله تعالى عن سليمان ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة ص: ٣٥].
• عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: "كنتُ أكتبُ كلَّ شيءٍ أسمعه من رسول اللَّه ﷺ أريدُ حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: لا تكتبْ كلَّ شيءٍ تسمعه من رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ بشر يتكلّم في الغضب والرِّضا، فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول اللَّه ﷺ ، فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: "اكتبْ، فوالذي نفسي بيده ما يخرجُ منه إِلَّا حقّ".
صحيح: رواه أبو داود (٣٤٤٦) عن مسدّد وأبي بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا يحيى، عن عبيد اللَّه بن الأخنس، عن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي مغيث، عن يوسف بن ماهك، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال (فذكره).
قال أبو داود: حدّثنا مؤمّل بن الفضل، حدّثنا الوليد، قال: قلت لأبي عمرو.
وإسناده صحيح، ويحيى هو ابن سعيد القطّان، وعنه رواه الإمام أحمد (٦٥١٠)، والحاكم (١/ ١٠٥ - ١٠٦) وقال: "رواة هذا الحديث قد احتجّا بهم عن آخرهم غير الوليد هذا، وأظنه الوليد بن أبي الوليد الشّاميّ، فإنّه الوليد بن عبد اللَّه، وقد غلبت على أبيه الكنية، فإن كان كذلك فقد احتجّ به مسلم" انتهى.
стр. 508
وقال الذّهبيّ في "تلخيصه": "إنّ كان الوليد هو ابن أبي الوليد الشّامي فهو على شرط مسلم".
قلت: كذا قالا، والصّحيح أنه الوليد بن عبد اللَّه بن أبي مغيث العبدريّ مولاهم المكيّ كما ساق نسبه أبو داود، ومن روانه. ورواه ابن ماجه غير أنه ثقة، وثّقه ابنُ معين وغيره.
وأمّا الوليد بن أبي الوليد الشّاميّ فلا يوجد من يسمّي بهذا الاسم فضلا عن أن يكون من رواة مسلم، والذي روى له مسلم هو الوليد بن أبي الوليد المدني لا الشّاميّ كما قال الحاكم، إِلَّا أن يكون أحد الرواة نسبه إلى الشّام خطأ، واسم أبيه عثمان لا عبد اللَّه.
• عن طلحة بن عبيد اللَّه التيميّ قال: "مررتُ مع رسول اللَّه ﷺ بقوم على رؤوس النَّخل، فقال: "ما يصنعُ هؤلاء؟ ". فقالوا: يلقِّحونه، يجعلون الذَّكرَ في الأنثى فيتلقح. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما أظنُّ يُغني ذلك شيئًا". قال: فأُخبروا بذلك فتركوه. فأُخبر رسولُ اللَّه ﷺ بذلك فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فلْيصنعوه. فإنّي إنّما ظننتُ ظنًّا فلا تُؤاخذوني بالظّن. ولكنْ إذا حدّثْتكم عن اللَّه شيئًا، فخذوا به. فإنّي لنْ أكذبَ على اللَّه ".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦١) من طرق عن أبي عوانة، عن سماك، عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال (فذكره).
• عن رافع بن خديج، قال: "قدم نبيُّ اللَّه ﷺ المدينة. وهمْ يَأْبِرون النَّخْل. يقولون: يلقِّحون النّخل. فقال: "ما تصنعون؟ ". قالوا: كنّا نصنعُه. قال: "لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيرًا". فتركوه. فنفضت أو فنقصت. قال: فذكروا ذلك له فقال: "إنّما أنا بشرٌ، إذا أمرْتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيٍ، فإنّما أنا بشر". قال عكرمة: أو نحو هذا. قال المَعْقِريّ: فتفضت ولم يشك.
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٢) من طرق عن النّضر بن محمد: حدّثنا عكرمة (وهو ابن عمّار): حدثنا أبو النجاشيّ: حدّثني رافع بن خديج، فذكره.
• عن عائشة، وعن أنس: "أنّ النّبيَّ ﷺ مرَّ بقوم يُلقِّحون فقال: "لو لم تفعلوا لَصُلح". قال: فخرج شيصًا، فمرّ بهم، فقال: "ما لنخلكم؟ ". قالوا: قلت كذا وكذا. قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٣٦٢) من طرق عن الأسود بن عامر: حدّثنا حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت عن أنس، فذكراه.
وقوله: "فخرج شيصًا" هو البسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفًا.
стр. 509
من خصائص الأنبياء والمرسلين صلوات اللَّه عليهم أجمعين أنّهم معصومون فيما يخبرون به عن اللَّه تعالى، وفيما عداه فللنّاس فيه نزاع، والذي عليه جمهور أهل العلم أنّ الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللَّه تعالى: "وهو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمديّ أنّ هذا قول أكثر الأشعريّة، وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقه، بل لم ينقل عن السّلف والأئمة، والصّحابة والتابعين وتابعيهم إِلَّا ما يوافق هذا القول". "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣١٩).
وقال رحمه اللَّه تعالى أيضًا: "أهل السنة متفقون على أنهم لا يقرّون على خطأ في الدين أصلًا، ولا فسوق، ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبيلغهم عن اللَّه فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصّغائر يقولون إنّهم معصومون من الإقرار عليها. فلا يصدر عنهم ما يضرّهم كما جاء في الأثر: "كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة". "منهاج السنة" (١/ ٤٧٢).
وخلاصة القول في عصمة الأنبياء:
١ - إنّ أهل السنة وجمهور المسلمين متفقون على أن الأنبياء ﵈ معصومون فيما يخبرون عن اللَّه تعالى، وفي تبليغ رسالته لأنّ العصمة هي التي يحصل بها مقصود الرسالة والنبوة.
٢ - اتفق أهل السنة أيضًا على وقوع الصّغائر منهم دون الكبائر في الأفعال، بدليل ما ورد في القرآن والأخبار الصحيحة، ولكنّهم لا يصرون عليها بل يبادرون إلى التوبة والاستغفار، فيكونون في هذه الحال معصومين من الإصرار عليها، ويكون الاقتداء بهم في التوبة منها، بحيث إننا أمرنا بالتأسي بهم، وباللَّه التوفيق.
١٢ - باب وجوب الإيمان بنبوّة عيسى ﵇ وأنّه عبد اللَّه ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم
قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [سورة النساء: ١٧١].
قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي إنّما هو عبد من عباد اللَّه، وخلق من خلقه قال له: كن، فكان، ورسول من رسله.
• عن عبادة بن الصّامت، عن النبيّ ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد اللَّه ورسولُه، وكلمته ألقاها إلى
стр. 510
مريم، وروح منه، والجنّة حقّ، والنّار حقّ، أدخله اللَّه الجنّة على ما كان من العمل".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٣٥)، ومسلم في الإيمان (٢٨) كلاهما من حديث الأوزاعيّ، قال: حدّثني عمير بن هانئ العنسيّ. حدّثني جُنادة بن أبي أميّة، قال: حدّثني عبادة بن الصّامت، فذكر مثله.
وفي رواية عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن جُنادة زاد: "من أبواب الجنّة الثمانية من أيِّها شاء".
١٣ - باب وجوب الإيمان بنزول عيسى ﵇ وقتله الدّجال
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكنَّ أن ينزل فيكم ابنُ مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المالُ حتى لا يقبله أحدٌ حتّى تكون السّجدة الواحدة خير من الدّنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: واقرأوا إن شئتُم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء: ١٥٩].
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٨)، ومسلم في الإيمان (١٥٥) كلاهما من حديث يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة يقول (فذكره).
وقوله تعالى: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الضّمير يعود إلى عيسى ﵇ هذا هو الصّحيح، وهو مروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهما.
ومن قال: الضّمير يعود إلى أهل الكتاب يؤول تأويلًا بعيدًا.
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقومُ السّاعةُ حتى ينْزلَ الرُّومُ بالأعماقِ أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ فإذا تصافُّوا، قالت الرُّوم: خلوا بيننا وبين الذين سَبَوْا مِنّا نقاتلهم. فيقول المسلمون: لا واللَّه لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم، فينهزمُ ثلثٌ لا يتوب اللَّه عليهم أبدًا، ويُقتل ثلثُهم أفضل الشّهداء عند اللَّه، ويفتتحُ الثُّلث لا يُفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينيّةَ، فبينما هم يَقتسمُون الغنائم قد عَلّقوا سيوفَهم بالزّيتون إذْ صاح فيهم الشّيطان إنّ المسيحَ قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل فإذا جاؤوا الشّام خرج، فبينما هم يُعِدُّون للقتال يُسَوُّون الصُّفُوفَ، إذْ أُقِيمتِ الصّلاةُ. فينْزِلُ عيسى ابن مريم ﷺ فأمَّهُم، فإذا رآه عدُوُّ اللَّه ذاب كما يذوبُ الملح في الماء فلو تركهـ
стр. 511
لانْذابَ حتى يَهْلك، ولكنْ يَقْتُلُه اللَّهُ بيده، فَيُريهمْ دَمَهُ في حَرْبَتِه".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٨٩٧) عن زهير بن حرب: حدّثنا معلى بن منصور: حدّثنا سليمان بن بلال، حدّثنا سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
قوله: "بالأعماق أو بدابق" موضعان بالشّام بقرب حلب وأنطاكيّة.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابنُ مريم، وإمامُكم منكم".
وفي رواية: "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم من السّماء فيكم وإمامُكم منكم".
متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٥٥: ٢٤٤) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاريّ، قال: إنّ أبا هريرة قال (فذكر الحديث) ولفظهما سواء.
والرّواية الثانية عند البيهقيّ في "الأسماء والصفات" (٢/ ١٦٦) من هذا الوجه أيضًا، وعزاه للشيخين - أي أصل الحديث لا لفظ الحديث. فإن ذكر السماء غير موجود في الصحيحين، ولكن النزول يقتضي ذلك، ولذا قال البيهقيّ: "وإنّما أراد نزوله من السماء بعد الرفع إليه".
ورواه مسلم من طريق الوليد بن مسلم: حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، بإسناده، وفيه: "كيف أنتم إذا نزل فيكم ابنُ مريم فأمَّكم منكم؟ ". فقل لابن أبي ذئب: إنّ الأوزاعيّ حدثنا عن الزّهريّ، عن نافع، عن أبي هريرة: "وإمامكم منكم؟ ". قال ابنُ أبي ذئب: "تدري ما أمّكم منكم؟ ". قلت: تُخبرني، قال: فأمَّكم بكتاب اللَّه ﵎، وسنَّة نبيّكم ﷺ ".
والذي يظهر أنّ الرّواية التي اتفق عليها الشّيخان هي الرَّاجحة، وهي قوله: "إمامُكم منكم". لما تشهد له الرّوايات الأخرى، ولذا أوّل ابنُ حبان ما جاء في رواية أخرى: "فيؤمُّهم". بأنَّه أراد به فيأمرهم بالإمامة، إذ العرب تنسبُ الفعل إلى الآمر، كما تنسبه إلى الفاعل. "صحيح ابن حبان" (١٥/ ٢٢٤).
• عن أبي هريرة، قال: سمعتُ أبا القاسم الصّادق المصدوق يقول: "يخرجُ أعورُ الدّجال مسيح الضّلالة قبل المشرق في زمن اختلاف من النّاس، وفرقة، فيبلغ ما شاء اللَّه أن يبلغ من الأرض في أربعين يومًا، اللَّه أعلم ما مقدارها، فيلقى المؤمنون شدّة شديدة، ثم ينزل عيسى ابن مريم ﷺ من السماء، فيؤمُّ النّاس، فإذا رفع رأسه من ركعته قال: سمع اللَّه لمن حمده، قتل اللَّه المسيح الدّجال، وظهر المسلمون، فأحلفُ أنّ رسول اللَّه ﷺ أبا القاسم الصّادق المصدوق ﷺ قال: إنّه لحقّ، وأمّا أنّه قريب، فكلّ ما هو آت قريب".
стр. 512
حسن: رواه البزّار -كشف الأستار (٣٣٩٦) - عن علي بن المنذر، عن محمد بن فضيل، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث.
وصحّحه ابن حبان (٦٨١٢) من وجه آخر عن صالح بن عمر: حدثنا عاصم بن كليب، بإسناده، نحوه.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٤٩) وعزاه للبزّار وقال: "رجاله رجال الصّحيح، غير علي بن المنذر وهو ثقة".
قلت: وقد تُوبع في إسناد ابن حبان، ولكن فيه كليب والد عاصم وهو كليب بن شهاب مختلف فيه، فتكلّم فيه أبو داود والنسائيّ، ووثقه أبو زرعة، وابن سعد وغيرهما، وهو حسن الحديث، ولذا قال فيه الحافظ في "التقريب" "صدوق".
وقوله: "فيؤمّهم". قال ابن حبان: "أراد به فيأمرهم بالإمامة، إذ العربُ تنسب الفعل إلى الآمر كما تنسبه إلى الفاعل".
وقوله: "قتل اللَّه الدّجال". أي على يد عيسى ﵇ وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: ١٧].
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس بيني وبينه نبيٌّ -يعني عيسى ابن مريم- وإنّه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض بين ممصرَّتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل النّاس على الإسلام، فيدق الصّليب، ويقتل الخنْزير، ويضع الجزية، ويُهلك اللَّهُ في زمانه المللَ كلَّها إِلَّا الإسلام، ويُهلك المسيحَ الدّجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفّى فيصلي عليه المسلمون".
حسن: رواه أبو داود (٤٣٢٣) وصحّحه ابنُ حبان (٦٨٢١)، والحاكم (٢/ ٥٩٥) كلّهم من طريق همام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، واللّفظ لأبي داود.
ورواه أيضًا الإمام أحمد (٩٢٧٠) من هذا الطّريق، وذكر هؤلاء غير الحاكم في أوّل الحديث: "الأنبياء كلّهم إخوة لعلّات، أمهاتُهم شتّى، ودينُهم واحد، وأنا أولى النّاس بعيسى ابن مريم". ثم ذكر بقية الحديث مثله.
وزاد الحاكم في آخر الحديث: "وتقع الأمنة على أهل الأرض حتى ترعى الأُسُود مع الإبل، والنّمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع الحيّات لا تضرّهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يُتوفَّى ويصلي عليه المسلمون". وقال: "صحيح الإسناد".
وصحّحه أيضًا الحافظُ في "الفتح" (٦/ ٤٩٣).
стр. 513
قلت: ظاهر الإسناد فيه السّلامة، ولكن فيه قتادة وهو مدلّس وقد عنعن، ولم يسمع من عبد الرحمن بن آدم، سئل ابن معين: عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، وهو مولى أم بُرثُن -بضم الموحدة وسكون الرّاء، وبعدها مثلثة مضمومة، ثم نون-؟ فقال: لم يسمع منه.
انظر: المراسيل لابن أبي حاتم (٦٣٣)، وجامع التحصيل للعلائيّ (٦٣٣)، وتحفة التحصيل للعراقي (ص ٢٦٤)، فلعلّ من صحّح هذا الحديث غفِل عن هذه العلّة الخفيّة، إِلا أنّ الحديث رُوي من وجه آخر، رواه الإمام أحمد (١٠٢٦١) عن، سريج، قال: حدثنا فُليح، عن الحارث بن فضيل الأنصاريّ، عن زياد بن سعد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ينزل ابنُ مريم إمامًا عادلًا، وحكمًا مقْسطًا، فيكسرُ الصّليب، ويقتلُ الخنزير، ويُرجعُ السّلْمَ، ويتخذ السّيوفَ مناجلَ، وتذهبُ حُمةُ كلِّ ذات حُمةٍ، وتُنزل السّماءُ رزقَها، وتخرجُ الأرضُ بركتَها، حتى يلْعب الصبيُّ بالثعبان فلا يضرّه، ويُراعي الغنمُ الذئب فلا يضرُّها، ويُراعِيَ الأسدُ البقرَ فلا يضرُّها".
وفي الإسناد من لم يوثّق، وفليح هو ابن سليمان الخزاعيّ أبو يحيى المدنيّ مختلف فيه، فضعّفه ابنُ معين، وأبو حاتم، والنسائي وغيرهم، ومشّاه الآخرون، ولذا قال فيه الحافظ: "صدوق كثير الخطأ".
قلت: وهو لا بأس به في المتابعات، وهذا الإسناد والذي قبله يقوّي بعضُه بعضًا.
وقوله: "يتخذ السيوف مناجل". أي أنّ النّاس يتركون الجهاد، ويشتغلون بالحرث والزّراعة.
وقوله: "حُمة". بضم الحاء - هو السُّم، والمراد من قوله: "حتّى يلعب الصّبيُّ بالثعبان فلا يضرّه".
وروي عن أبي هريرة أيضًا قال: "لا تقوم السّاعة حتى ينزل عيسى ابن مريم إمامًا مقسطًا. . . (غير مقروء) ويقتل الخنزير، ويكسر الصّليب، وتوضع الجزية، وتكون السّجدة واحدة لربّ العالمين، وتضع الحرب أوزارها، وتملأ الأرض من الإسلام كما تملأ الآبار من الماء، وتكون الأرض كماثور الورق -يعني المائدة- وترفع الشحناءُ والعداوة، ويكون الذئبُ في الغنم كأنّها كلبها، ويكون الأسد في الإبل كأنه محلّها".
رواه عبد الرزّاق (٢٠٨٤٤) عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن رجل، عن أبي هريرة، فذكره. وفيه رجل لم يسم، كما أنّه موقوف على أبي هريرة.
ورواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي في أشراط السّاعة (٣٥) عن مطرف بن مالك، عن زيد بن أسلم، بإسناده، مثله، مع زيادة بعض الفقرات منها قوله:
"وترفع العداوة والشحناء، والبغض والحسد، حتى يطأ الرّجل على رأس الحنش فلا يضرّه". ومنها قوله: "وتكون الأرض على عهد آدم ﵇". ومنها قوله: "ويكون الفرس بعشرين درهمًا، حتى لا يقبل الرجلُ من الرّجل شيئًا من المال".
• عن النَّوّاس بن سَمْعَان، قال: "ذكر رسولُ اللَّه ﷺ الدّجال ذات غداة فخفّض
стр. 514
فيه ورفّع حتّى ظننّاه في طائفة النّخل، فلمّا رُحنا إليه عرف ذلك فينا، فقال: "ما شأنُكم؟ ". قلنا: يا رسول اللَّه، ذكرتَ الدّجال غداة فخفضتَ فيه ورفعت حتى ظننّاه في طائفة النّخل، فقال: "غير الدّجال أَخْوفَني عليكم إنْ يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإنْ يخرج ولستُ فيكم فامرؤ حجيج نفسِه، واللَّهُ خليفتي على كلِّ مسلم؛ إنّه شابٌّ قَطَطٌ، عينُه طافِئة كأنّي أشبهُهُ بعبد العُزّي بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأُ عليه فواتِحَ سُورةِ الكَهْفِ إنّه خارجٌ خلّة بين الشّام والعراق فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد اللَّه فاثْبُتُوا". قلنا: يا رسول اللَّه وما لَبْثُه في الأرض؟ قال: "أربعون يومًا يوم كسنة، ويوم كشهر ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم". قلنا: يا رسولَ اللَّه فذلك اليوم الذي كسنة أتكفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: "لا اقدُرُوا له قدْرَه". قلنا: يا رسول اللَّه وما إسراعه في الأرض؟ قال: "كالغيث استدبرته الرّيح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السّماءً فتمطر والأرض فتنبت، فتروحُ عليهم سارحَتَهُمْ أطولَ ما كانتْ ذُرًا، وأَسْبغَهُ ضُرُوعًا، وأمدّهُ خَوَاصِرَ، ثم يأتي القومَ، فيدعوهم فيردّون عليه قولَه، فينصرف عنهم فيصبحون مُمْحِلِين ليس بأيديهم شيءٌ من أموالهم، ويَمرُّ بالخَرِبَة فيقول لها: أخْرجِي كنوزَك فتتبعه كنوزُها كيعاسِيب النّحلِ، ثم يدْعُو رَجُلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسّيف فيقطعه جَزِلَتَيْن رَمْيةَ الغَرَضِ. ثم يدعوه فيقبلُ ويتهلّلُ وجهُه يَضْحَكُ، فبينما هو كذلك إذ بعث اللَّهُ المسيحَ ابنَ مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مَهْرُودَتَيْنِ واضعًا كَفَّيْه على أَجنحةِ مَلَكَيْنِ إذا طأطأَ رأْسَهُ قَطَر، وإذا رفعه تحدر منه جُمانٌ كاللُّؤلُؤِ، فلا يَحل لكافرٍ يجدُ ريحَ نفسه إِلَّا مات، ونفسُه ينتهي حيث ينتهي طرْفُه، فيطلُبُه حتّى يُدْركَه بباب لُدٍّ، فَيَقْتُلَه. ثم يأتي عيسى ابنَ مريم قومٌ قد عصمهم اللَّه منه فَيَمْسحُ عن وُجُوههم ويُحدِّثهم بدرجَاتِهم في الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى اللَّه إلى عيسى: إنّي قد أخرجتُ عبادًا لي، لا يَدانِ لأحدٍ بقتالهم فحَرِّزْ عِبادي إلى الطُّور، ويبعثُ اللَّه يأجوجَ ومأجوجَ وهم من كل حدب ينسلون، فيمرُّ أَوائِلُهم على بُحيرةِ طَبَريَّةَ فيشربون ما فيها، ويمرُّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّةً ماءٌ. ويُحصرُ نَبِيُّ اللَّه عيسى وأصحابُه، حتّى يكونَ رأسُ الثّور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغبُ نبيُّ اللَّه عيسى وأصحابُه فيرسل اللَّه عليهمُ النَّغَفَ في رقابِهم فيصبحون فَرْسَى كموت نفسٍ واحدةٍ، ثم يهبط نبي اللَّه عيسى وأصحابُه إلى الأرض فلا يجدون في
стр. 515
الأرض موضع شبر إِلَّا ملأه زَهَمُهُم ونَتْنُهم فيرغبُ نبيُّ اللَّه عيسى وأصحابُه إلى اللَّه، فيرسل اللَّه طيرًا كأعناقِ البُخْت فتحملهم فتطرحهم حيثُ شاء اللَّه، ثم يرسل اللَّه مطرًا لا يَكُنّ منه بيتُ مَدر ولا وَبر فيغسلُ الأرض حتى يترُكَها كالزَّلَفَةِ ثم يقال للأرض: أنبتي ثمرتَك وردّي بركتَك، فيومئذ تَأْكُلُ العصابة من الرُّمانة، ويستظلون بقِحْفِها، ويبارك في الرّسْل حتّى إنّ اللَّقْحَةَ من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللِّقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك إذ بعث اللَّهُ ريحًا طيّبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كلِّ مؤمن وكلِّ مسلم، ويبقى شرارُ النّاس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم السّاعة".
صحيح: رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط السّاعة (٢٩٣٧) من طرق عن الوليد بن مسلم، حدّثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدّثني يحيى بن جابر الطّائيّ قاضي حمص، حدّثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نُفير الحضرميّ، أنّه سمع النّواس بن سمعان الكلابيّ، فذكر الحديث.
ورواه عن علي بن حُجر السّعديّ، حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر والوليد بن مسلم. قال ابن حُجر: دخل حديثُ أحدهما في حديث الآخر، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بهذا الإسناد نحو ما ذكرنا، وزاد بعد قوله:
"لقد كان بهذه مرّة ماء": "ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قلنا من في الأرض، هلمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنُشَّابهم إلى السّماء، فيردُّ اللَّه عليهم نُشَّابَهم مخضوبة دمًا".
ورواه الإمام أحمد (١٧٦٢٩) عن الوليد بن مسلم، والترمذيّ (٢٢٤٠) عن علي بن حجر، كلاهما بالطّرق السّابقة.
ورواه أبو داود (٤٣٢١) من وجه آخر مختصرًا، ورواه ابن ماجه (٤٠٧٥) عن هشام بن عمّار، قال: حدّثنا يحيى بن حمزة، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به، مثله مطوّلًا.
قوله: "قطط" بفتحتين: شديد جعودة الشّعر بعيد عن الجعودة المحبوبة.
و"طافئة" بالهمزة لا ضوء فيها، ورويتْ بغير الهمزة ومعناها: بارزة - أي مرتفعة عن محلّها.
و"خلة" أي يخرج من خلّة بين الشّام والعراق.
و"عاث" من العيث، وهو الفساد، أو الإسراع فيه.
و"يا عباد اللَّه اثبتوا" أي على الإسلام، هذا من كلام النبيّ ﷺ يحذّرهم من الفتنة، ويأمرهم
стр. 516
بالثَّبات على الإسلام.
و"سارحتُهم" ماشيتُهم.
و"ذُرّا" بضم الذّال، جمع ذروة، وهي أعلى سنام البعير، وهو كناية عن السّمن.
و"وأمدّه خواصر" جمع خاصرة، وهو كناية عن الشِّبع.
و"جزلتين" أي قطعتين.
و"رمية الغرض" بالفتحتين - وهو الهدف، أي أن بُعد ما بين القطعتين يكون بقدر رمية السّهم إلى الهدف.
و"بين مهرودتين" أي بين ثوبين شبيهين بالمصبوغ بالهرد، والهرد عرق معروف، وقيل: هو الثوب المصبوغ بالورس والزعفران، والمراد منه إظهار جماله في الملبس، فقوله: "إذا خفض رأسه قطر منه الماء. . . ". كله كناية عن حسن سيّدنا عيسى ﵇، فهو جميل في خلقته، وجميل في ملبسه، لا كما يصوّره النّصارى الدروشة رديء الثياب، وأحيانًا مغطيًا السّوأتين فقط! .
روى ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٧٤) عن ابن أبي حاتم بسنده عن ابن عباس قال: "لما أراد اللَّه أن يرفع عيسى إلى السّماء خرج على أصحابه ورأسه يقطر ماءً، ثم قال: أيّكم يُلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شابٌّ منهم، فقال: أنا، فقال: هو أنت ذاك، فأُلقي عليه شبهُ عيسى. ورُفع عيسى من رَوْزَنةٍ -وهي الخرق في أعلى السّقف- في البيت إلى السّماء".
فيكون نزوله كالحال التي رفعه اللَّه عليها.
و"عند باب لُدٍّ" بضم اللّام، وتشديد الدال، اسم جبل أو قرية بفلسطين، والآن مدينة قريبة من بيت المقدس.
و"لا يدان" أي لا قوّة ولا قدرة.
و"نَغَفًا" بالفتحتين - دود يكون في أنوف الإبل والغنم.
و"لا يكنّ" أي لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، والمدر هو: الطين الصلب.
و"الزّلَفَة" هي مصانع الماء، وقيل: المرآة، وروي بالقاف كناية عن النّظافة.
و"الرِّسْل" بكسر الرّاء وسكون اللام - اللَّبن.
و"اللُّقحة" بفتح اللام وكسرها - النّاقة القريبة العهد بالولادة.
و"الفئام" بالهمزة ككتاب: الجماعة الكثيرة.
و"الفخذ" هو دون البطن، والبطن دون القبيلة.
و"يتهارجون" أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير، والهرْج -بإسكان الراء-: الجماع، وفيه إشارة إلى شيوع الفساد والفواحش، وقد ثبت في الصحيح: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
стр. 517
وقوله: "عند المنارة البيضاء شرقي دمشق". وفي رواية: "ينزل عيسى ببيت المقدس". وفي رواية: "بالأردن". والأول أصحّ.
قال ابن كثير: "هذا هو الأشهر في موضع نزوله أنه على المنارة البيضاء الشرقية بدمشق، وقد رأيتُ في بعض الكتب أنه ينزل على المنارة البيضاء شرقي جامع دمشق، فلعلّ هذا هو المحفوظ. . . وليس بدمشق منارة تعرف بالشرقية سوى التي إلى جانب الجامع الأموي بدمشق من شرقيه وهذا هو الأنسب والأليق لأنه ينزل وقد أقيمت الصلاة، فيقول له إمام المسلمين: "يا روح اللَّه تقدّم. فيقول: تقدّم أنت فإنّه أقيمت لك". وفي رواية: "بعضكم على بعض أمراء تكرمة اللَّه هذه الأمّة".
وذكر ابن كثير أنه في زمنه سنة إحدى وأربعين وسبعمائة جدّد المسلمون منارة من حجارة بيض وكان بناؤها من أموال النّصارى الذين حرقوا المنارة التي كانت مكانها، ولعل هذا يكون من دلائل النبوة الظاهرة، حيث قيّض اللَّه بناء هذه المنارة من أموال النصارى، لينزل عيسى ابن مريم عليها، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ولا يقبل منهم جزية، ولكن من أسلم وإلّا قُتل، وكذلك غيرهم من الكفار". انتهى "النهاية" "الفتن والملاحم" (١/ ١٤٤ - ١٤٥).
وقوله: "يكون رأس الثور لأحدهم. . . " إشارة إلى فقرهم وفاقتهم لنفاد مؤنهم وهم محاصرون بياجوج ومأجوج.
• عن عبد اللَّه بن عمرو وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدّث به؟ تقولُ: إنّ الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان اللَّه! أو لا إله إلّا اللَّه أو كلمة نحوهما، لقد هممتُ أن لا أحدِّثَ أحدًا شيئًا أبدًا إنّما قلت: إنّكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا: يُحرق البيتُ ويكون ويكون. ثم قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يخرج الدّجال في أمّتي فيمكث أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا، فيبعث اللَّه عيسى ابن مريم كأنّه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه، . . . ".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٤٠) عن عبيد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النّعمان بن سالم، قال: سمعتُ يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو وجاء رجل، فذكره في حديث طويل.
وقوله: "لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا".
هذا التّردّد من عبد اللَّه بن عمرو، لعله لم يضبط من النبيّ ﷺ التّفصيلَ الذي في حديث النّواس بن سمعان كما سبق.
ويحتمل أيضًا أن النبيّ ﷺ أطلق "أربعين" مرة وسكت، ومرة فصّل ذلك.
стр. 518
• عن سمرة بن جندب، أنّ نبيَّ اللَّه ﷺ كان يقول: "إنّ الدّجال خارج وهو أعور عين الشمال، عليها ظفرة غليظة، وإنه يبرئُ الأكْمه والأبْرص، ويحيى الموتى، ويقول للناس: أنا ربّكم، فمن قال: أنت ربي فقد فُتن، ومن قال: ربّي اللَّه حتى يموت فقد عُصم من فتنته، ولا فتنة بعده عليه ولا عذاب، فيلبث في الأرض ما شاء اللَّه، ثم يجيء عيسى ابن مريم من قبل المغرب مصدّقًا بمحمّد وعلى ملّته، فيقتل الدّجال، ثم إنّما هو قيام الساعة".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠١٥١)، والطبراني في الكبير (٦٩١٨، ٦٩١٨) كلاهما من حديث قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، فذكره.
والحسن وإن كان مدلسًا فقد ثبت سماعه من سمرة بن جندب مطلقًا كما قال البخاريّ وغيره، ولذا حسّنه ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٤٧٨).
ثم حديثه هذا تشهد له الأحاديث الصحيحة في الباب إِلَّا في قوله: "ثم يجيء عيسى ابن مريم من قبل المغرب". وفي الأحاديث الأخرى: "من قبل المشرق".
وأورده الحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٣٦) وقال: "رواه الطبراني وأحمد، ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزّار بإسناد ضعيف".
قلت: وهو يقصد ما رواه البزّار -كشف الأستار (٣٣٩٧) - عن خالد بن يوسف، حدثني أبي يوسف بن خالد، ثنا جعفر بن سعد بن سمرة، ثنا خبيب بن سليمان، عن أبيه سلمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، فذكر أحاديث بهذا، ثم قال: وبإسناده أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ المسيح الدّجال يمكث في الأرض إذا خرج ما شاء اللَّه، ثم يجيء عيسى ابن مريم ﷺ من الشّرق مصدّقًا بمحمد ﷺ ، وعلى ملّته، ثم يقتل المسيحُ الدّجال، ثم إنّما هو قيام السّاعة، وسوف ترون قبل قيام الساعة أشياء عظامًا، تقولون: هل كنا حُدّثنا بهذا؟ ! فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه، واعلموا أنّها أوائل السّاعة".
وجعفر بن سعد بن سمرة "ليس بالقوي" كما في "التقريب"، وشيخه خبيب بن سلمان بن سمرة -وهو ابن عمّه- ضعيف.
قال الذّهبيّ في "الميزان" في ترجمة جعفر بن سعد بن سمرة: "له حديث في الزّكاة عن ابن عمٍّ له. ردّه ابن حزم فقال: هما مجهولان. قال الذّهبيّ: ابن عمّه هو خبيب بن سليمان بن سمرة، يُجهل حاله عن أبيه. قال ابن القطّان: ما من هؤلاء من يعرف حاله، وقد جهد المحدّثون فيهم جهدهم، وهو إسناد يُروي به جملة أحاديث، قد ذكر البزّار منها نحو المائة. وقال عبد الحق الأزديّ: خبيب ضعف، وليس جعفر ممن يعتمد عليه".
قلت: وذكر الطبرانيّ في الكبير (٧/ ٣١٤ - ٣٢٢) عدّة أحاديث بهذا الإسناد.
стр. 519
ثم ذكر الذّهبيّ عدة أحاديث وقال: "في سنن أبي داود ستة أحاديث بسند هو: حدثنا محمد بن داود: حدثنا يحيى بن حسان، عن سليمان بن موسى، عن جعفر، عن ابن عمّه خبيب، عن أبيه، عن جدّه. فسليمان هو الزّهريّ من أهل الكوفة ليس بالمشهور، وبكل حال هذا إسناد مظلم لا ينهض بحكم".
قلت: سليمان هذا هو ابن موسى الزهريّ أبو داود الكوفي خراساني الأصل نزل الكوفة، ثم دمشق. قال أبو حاتم: "أرى حديثه مستقيمًا". الجرح والتعديل (٣/ ١٤٣). وفي التقريب: "فيه لين". فالضّعف ليس منه وحده، وإنّما منه ومن شيخه جعفر بن سعد بن سمرة، ومن شيخه وابن عمه خُبيب بن سليمان بن سمرة، وبهذا صحَّ قول القائل: إنّ فيه سلسلة الضعفاء والمجاهيل.
• عن حذيفة بن اليمان في حديث طويل وفيه: "فلمّا قاموا يصلّون نزل عيسى ابنُ مريم إمامهم، فصلّي بهم (أي في بيت المقدس)، فلما انصرف -قال هكذا- فرجوا بيني وبين عدو اللَّه (الدّجال) قال: فيذوب يعني ذوب الملح، فيسلّط اللَّه عليهم المسلمين فيقتلونهم، حتى إنّ الحجر والشّجر لينادي: يا عبد اللَّه، يا عبد الرحمن، يا مسلم، هذا يهودي فاقتله، فيعينهم اللَّه ويظهر المسلمون، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية. . . ".
صحيح: رواه ابن منده (١٠٣٣)، والحاكم (٤/ ٤٩١) كلاهما عن سعيد بن سليمان الواسطيّ: ثنا خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجعيّ، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكر الحديث بطوله، وهو مذكور في موضعه، واللّفظ لابن منده.
وإسناده صحيح، وخلف بن خليفة وإن كان اختلط في آخره، وكان اختلاطه شديدًا حيث إن تَكلَّم لا يُفهِم ما يقول كما قال الإمام أحمد، ولذا تركه ولم يكتب عنه. وأمّا الحديث المذكور فالظّاهر أنه حدّث به قبل اختلاطه وضبطه راويه وهو سعيد بن سليمان الواسطيّ.
وقد روى له مسلم وأصحاب السنن، وقال فيه يحيى بن معين والنسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، ووثقه ابن سعد. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
• عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ قال: "اطّلع النّبيُّ ﷺ ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟ ". قالوا: نذكر السّاعة. قال: "إنّها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات". فذكر الدّخان، والدّجال، والدابة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد النّاس إلى محشرهم".
стр. 520
وفي رواية: "ونارٌ تخرج من قُعرة عدن".
وفي رواية "وريح تُلقي النّاس في البحر".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٠١) من طرق عن سفيان بن عيينة، عن فُراتٍ القزّاز، عن أبي الطّفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاريّ، فذكره.
والروايات الأخرى أيضًا عند مسلم.
• عن حذيفة بن أَسيد في حديث طويل وفيه: "إذا أصبحوا فيصبحون ومعهم عيسى ابن مريم، فيقتل الدّجال، ويهزم أصحابه حتّى إنّ الشّجر والحجر والمدر يقول: يا مؤمن هذا يهودي عندي فاقتله. . . ".
صحيح: رواه الحاكم (٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠) من حديث مسدّد، ثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن أبي الطفيل، قال: "كنتُ بالكوفة، فقيل: خرج الدّجال. قال: فأتينا حذيفة بن أسيد، فذكر مثله.
وهو موقوف عليه، ولكن حكمه الرّفع؛ لأنه لا يعلم ما فيه إلّا بالوحي.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وجعله الذهبي على شرط الشيخين.
• عن ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ ، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "عصابتان من أمّتي أحرزهما اللَّه من النّار: عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم".
حسن: رواه النسائيّ (٣١٧٥) عن محمد بن عبد اللَّه بن عبد الرحيم: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا بقية، قال: حدثني أبو بكر الزّبيدي، عن أخيه محمد بن الوليد، عن لقمان بن عامر، عن عبد الأعلى بن عدي البهرانيّ، عن ثوبان، فذكره.
وفي الإسناد بقية -وهو ابن الوليد- مدلس، ولكنّه صرّح كما أنه لم ينفرد به، وشيخه أبو بكر - وهو ابن الوليد الزبيدي مجهول، ولكنه لم ينفرد به أيضًا.
فرواه الإمام أحمد (٢٢٣٩٦) من طريق بقية قال: حدّثنا عبد اللَّه بن سالم، وأبو بكر بن الوليد الزّبيديّ.
ورواه الطبرانيّ في الأوسط (٦٧٣٧)، وفي الشاميين (١٨٥١) من طريق آخر عن الجراح بن مليح البهرانيّ، عن محمد بن الوليد الزبيدي، بإسناده، وبهذه المتابعات صار الإسناد حسنًا.
تنبيه: وقع في نسخة مطبوعة للطبرانيّ خلط في الإسناد فتنبّه.
قال الطّبرانيّ: "لا يُروى هذا الحديث عن ثوبان إلّا بهذا الإسناد، تفرّد به الزبيدي". أي محمد ابن الوليد.
قلت: وهو ليس كما قال، فقد رُوي أيضًا من غير طريق محمد بن الوليد الزبيدي كما رأيت.
• عن جابر بن عبد اللَّه، قال: سمعت النبيَّ ﷺ يقول: "لا تزال طائفةٌ من أمّتي
стр. 521
يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا. فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أمراء تكرمةَ اللَّه هذه الأمّة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٦) من طرق عن حجاج (وهو ابن محمد)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أن جابر بن عبد اللَّه يقول (فذكره).
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه قال: "إنّ امرأةً من اليهود بالمدينة ولدتْ غلامًا ممسوحةً عينُه طالعةً ناتئةً، فأشفق رسول اللَّه ﷺ أن يكون الدّجال. . . فقال له رسول اللَّه ﷺ : "يا ابن صائد، إنّا قد خبأنا لك خبيئا فما هو؟ ". قال: الدُّخ الدُّخ. فقال له رسول اللَّه ﷺ : "اخسأ اخسأ". فقال عمر بن الخطاب: ائذنْ لي فأقتله يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنْ يكن هو فلستَ صاحبَه، إنّما صاحبهُ عيسى ابن مريم ﷺ ، وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلًا من أهل العهد". قال فلم يزل رسولُ اللَّه ﷺ مشفقًا أنه الدّجال".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٤٩٥٥) عن محمد بن سابق: حدثنا إبراهيم طهمان، عن أبي الزبير، عن جابر، فذكره في حديث طويل.
أورده الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٣) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
قلت: وهو كما قال لولا عنعنة أبي الزبير فإنه مدلس، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٦/ ١٧٣) مستشهدًا به، وسكت عنه، ومن شرطه الصحة أو الحسن، كما ذكره في هدي الساري.
وفي رواية عند احمد (١٤٩٥٤) "فيفرُّ المسلمونَ إلى جبل الدُّخان بالشّام، فيأتيهم فيُحاصِرُهُم، فيشتدُّ حِصارُهم، ويُجهدهم جُهدًا شديدًا، ثم ينزلُ عيسى ابن مريم فيُنادِي من السَّحر، فيقول: يا أيُّها النّاسُ ما يمنعُكم أن تَخْرجُوا إلى الكذَّاب الخبيث؟ فيقولون: هذا رجلٌ جنيٌّ، فينطلقون، فإذا هم بعيسى ابن مريم، فتُقام الصّلاةُ فيقال له: تقدّم يا روح اللَّه، فيقول: ليتقدّم إمامكم فليصل بكم، فإذا صلّى صلاة الصُّبح خرجوا إليه". قال: "فحين يرى الكذّاب ينماتُ كما ينمات الملح في الماء، فيمشي إليه فيقتله حتى إنّ الشّجرة والحجر ينادي: يا روحُ اللَّه، هذا يهوديٌّ. فلا يترك ممَّنْ كان يتبعه أحدًا إلّا قتله".
وأورده الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٤٤) وقال: "رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح".
وصحّحه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٥)، والحاكم (٤/ ٥٣٠) كلاهما من طريق إبراهيم بن طهمان مختصرًا.
стр. 522
قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وجزم الذهبي أنه على شرط مسلم.
وهو كذلك إلّا أنّ أبا الزّبير مدلس وقد عنعن، ولكن يستشهد به لما سبق من طرق أخرى عن جابر.
وأصل حديث جابر في صحيح مسلم (٢٩٢٦) مختصر، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه، ولم يذكر لفظه، وإنّما أحال على لفظ حديث الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، قال: "لقيه رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر في بعض طرق المدينة. فقال له رسول اللَّه: "أتشهد أني رسول اللَّه؟ ". فقال هو: أتشهد أني رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "آمنتُ باللَّه وملائكته وكتبه، ما ترى؟ ". قال: أرى عرشًا على الماء. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ترى عرش إبليس على البحر وما ترى؟ ". قال: أرى صادقًا وكاذبًا أو كاذبين وصادقًا. فقال رسول اللَّه ﷺ : "لُبِّس عليه، دعوه". انتهى ما في صحيح مسلم.
• عن عائشة قالت: دخل عليَّ رسول اللَّه ﷺ وأنا أبكي فقال لي: "ما يبكيك؟ ". قلت: يا رسول اللَّه، ذكرت الدّجال فبكيت. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن يخرج الدّجال، وأنا حي كفيتكموه، وإن يخرج بعدي، وإنّ ربّكم لي بأعور، إنّه يخرج في يهودية أصبهان، حتى يأتي المدينة، فينزل ناصيتها، ولها يومئذ سبعة أبواب، على كلّ نقب منها ملكان، فيخرج إليه شرار أهلها حتّى الشّام مدينة بفلسطين بباب لُدّ".
وقال أبو داود مرة: "حتى يأتي فلسطين باب لُدَّ، فينزل عيسى ﵇ فيقتله، ثم يمكث عيسى ﵇ في الأرض أربعين سنة إمامًا عدْلًا وحكمًا مقْسطًا".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢٤٤٦٧) عن سليمان بن داود، قال: حدّثنا حرب بن شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، حدّثني الحضْرميّ بن لاحق، أنّ ذكوان أبا صالح أخبره، أنّ عائشة أخبرته، فذكرتْه.
وصحّحه ابن حبان (٦٨٢٢)، ورواه من طريق الحضرميّ بن لاحق بإسناده مثله، وفيه: "أربعين سنة أو قريبًا من أربعين سنة".
وإسناده حسن من أجل الحضرمي بن لاحق فإنه حسن الحديث.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٣٨) ونسبه إلى أحمد وقال: "رجاله رجال الصّحيح غير الحضرميّ بن لاحق وهو ثقة".
وقوله: "قال أبو داود": أبو داود هو سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ صاحب المسند، شيخ الإمام أحمد المتوفى سنة (٢٠٤ هـ).
وهذا الحديث لا يوجد في مسنده المطبوع.
• عن عبد اللَّه بن مغفّل قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ما أهبط اللَّه تعالى إلى الأرض
стр. 523
منذ خلق آدم إلى أن تقوم السّاعة فتنةً أعظم من فتنةِ الدّجال، وقد قلتُ فيه قولًا لم يقلْه أحدٌ قبلي؛ إنّه جعد ممسوح عين اليسار، على عينه ظفرة غليظة، وإنّه يبرئُ الأكْمه والأبرص، ويقول: أنا ربُّكم. فمن قال: ربي اللَّه فلا فتنة عليه، ومن قال: أنت ربي فقد افتتن، يلبث فيكم ما شاء اللَّه، ثم ينزل عيسى ابن مريم مصدِّقًا بمحمد ﷺ على ملّته إمامًا مهديًا، وحكما عدلًا، فيقتل الدّجّال".
فكان الحسن يقول: "ونرى أن ذلك عند السّاعة".
حسن: رواه الطبرانيّ في الأوسط (٤٥٧٧) عن عبدان بن أحمد، قال: حدثنا عمرو بن العباس الأرزيّ، قال حدثنا محمد بن مروان، قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عبد اللَّه بن مغفل، فذكر الحديث.
قال الطبرانيّ: "لم يرو هذا الحديث عن يونس بن عبيد إلّا محمد بن مروان، تفرّد به عمرو بن العباس".
وقال الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٣٣٦): "رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات، وفي بعضهم ضعف لا يضرّ".
واستشهد به الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٩٧) ومن المعروف أنه اشترط أن لا يورد في شرحه إلّا صحيحًا أو حسنًا فقال في "هدي الساري" (ص ٤):
"فأسوق إن شاء اللَّه الباب وحديثه أولًا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلّق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادات، وكشف غامض، وتصريح مدلّس بسماع، ومتابعة سامع شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كلَّ ذلك من أمّهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصّحة أو الحسن فيما أورده من ذلك" انتهى.
وعلى هذا فهو لا ينْزل عن درجة الحسن عنده، وهو كذلك فإن في إسناده محمد بن مروان، وهو ابن قدامة العقيلي، وثقه أبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات، وتكلم فيه أبو زرعة فقال: ليس عندي بذاك. والخلاصة: أنه حسن الحديث لا سيما في الشّواهد.
والحسن هو البصريّ، وقد جزم الإمام أحمد بأنّه سمع من عبد اللَّه بن مغفّل.
• عن أوس بن أوس الثقفيّ، عن النبيّ ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند المنارة البيضاء شرقي دمشق".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (١/ ١٨٦)، وتمّام في فوائده (١٧٣٢)، والرّبعي في فضائل الشّام (١٠٦) كلّهم من طرق عن محمد بن شعيب: نا يزيد بن عبيدة: حدثني أبو الأشعث، عن أوس بن أوس الثقفيّ، فذكره.
стр. 524
ذكره الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٠٥) وقال: "رواه الطبرانيّ ورجاله ثقات".
قلت: وهو كما قال، إلّا أن إسناده حسن من أجل يزيد بن عبيدة وهو السكوني الدمشقيّ قال فيه ابنُ معين: ما كان به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٦١٧) والخلاصة فيه أنه "صدوق" كما قال الحافظ في "التقريب".
ومحمد بن شعيب هو ابن شابور.
وأبو الأشعث هو شرحبيل بن آدة الصنعانيّ.
ولكن رجّح أبو حاتم قول من قال: إنّما هو عن أوس بن أوس، عن كعب قوله. قال: كذا يرويه الثقات. وقال: يزيد بن عبيدة لا بأس به. ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٤٢٢).
• عن عمران بن حصين، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الحقّ ظاهرين على من ناوأهم حتّى يأتي أمرُ اللَّه، وينزل عيسى ابنُ مريم".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٩٨٥١) عن بهز: حدّثنا حمّاد بن سلمة: حدّثنا قتادة، عن مطرّف، عن عمران بن حصين، فذكره. وإسناده صحيح.
ورواه أبو داود (٢٤٨٤)، والإمام أحمد (١٩٩٢٠)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٧١، ٤/ ٤٥٠) كلّهم من وجه آخر عن حماد بن سلمة بإسناده وقالوا فيه بدل قوله: "حتّى يأتي أمر اللَّه وينزل عيسى ابن مريم": "حتّى يقاتل آخرهم المسيح الدّجال". هو عيسى ابن مريم؛ لأنّه ينزل في آخر الزّمان، ويكون مقرّرًا لشريعة محمد، ومجدّدًا لها، لأنه لا نبي بعد رسول اللَّه ﷺ ، لأنّه خاتم النبيين، فيكون عيسى ابن مريم من أمّته، هو الذي يقاتل الدّجال ويهلكهـ.
• عن سفينة مولى رسول اللَّه ﷺ قال: "خطبنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "ألا إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلّا قد حذَّر الدَّجال أمَّتَه، وهو أعوَرُ عينه اليسرى، بعينه اليُمْنى ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، مكتوبٌ بين عينيه كافرٌ، يخرج معه واديان: أحدهما جَنّة، والآخرُ نارٌ، فناره جَنّة وجنَّتُه نار، معه ملكان من الملائكة يُشبهان نبيَّين من الأنبياء، لو شئتُ سمّيتُهما بأسمائهما وأسماء آبائهما، واحدٌ منهما عن يمينه والآخر عن شماله وذلك فتنةٌ، فيقول الدّجالُ: ألستُ بربِّكم؟ ألستُ أُحيي وأميت؟ فيقول له أحد الملكين: كذبتَ، ما يسمعه أحدٌ من النّاس إلّا صاحبُه فيقول له: صدقتَ فيسمعه النّاس فيظنّون إنما يصدِّق الدجال وذلك فتنة، ثم يسير حتى يأتي المدينة فلا يؤذن له فيها فيقول: هذه قريةُ ذلك الرّجل، ثم يسير حتى يأتي الشّام فيهلكه اللَّه عند عَقَبة أَفِيقٍ".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٩٢٩)، والطبرانيّ في الكبير (٧/ ٩٨).
стр. 525
كما رواه أيضًا كلٌّ من ابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٧ - ١٣٨)، وأبو داود الطّيالسيّ في "مسنده" (١٢٠٢)، وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٨٤٦) كلّهم من حديث حشرج بن نُباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، فذكره.
وزاد بعضُ أهل العلم بعد قوله: "حتى يأتي الشّام": "فينزل عيسى ﵇، فيقتله عند عقبة أَفيق". وعزوه إلى ابن أبي شيبة، وعندي نسختان مطوعتان، مطبوعة الدار السلفية في الهند، ومطبوعة دار الفكر بتحقيق الأستاذ سعيد اللّحام، ولم أجد فيهما هذه الزّيادة، فلعلّها في نسخ خطية أخرى، واللَّه أعلم.
وأما الإسناد ففيه حشرج بن نُباتة، وقد أشار بعض أهل العلم إلى أن في روايته عن سعيد بن جمهان تقع فيه الغرائب والمناكير.
قال البخاريّ: "حشرج بن نُباتة، عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، أنّ النبيّ ﷺ قال لأبي بكر وعمر وعثمان: هؤلاء الخلفاء من بعدي. وهذا لم يتابع عليه، لأنّ عمر وعليًّا قالا: لم يستخلف النبيّ ﷺ ".
قال ابن عدي: وهذا الذي أنكره البخاريّ على حشرج هذا الحديث قد روي بغير هذا الإسناد. ثم نقل عن ابن معين وأحمد وغيرهما توثيق حشرج، وذكر حديث الباب وقال: "وهذه الأحاديث لحشرج عن سعيد بن جمهان، عن سفينة قد قمت بعذره في الحديث الذي أنكره البخاري عليه، وأوردت بابًا آخر لذلك الحديث ولذلك المتن، وغير ذلك الحديث لا بأس به فيه".
ثم قال أيضًا: "ولحشرج غير ما ذكرت من الحديث، وأحاديثه حسان، وإفرادات وغرائب، وقد قمتُ بعذره فيما أنكروه عليه، وهو عندي لا بأس به، وبرواياته على أنّ أحمد ويحيى قد وثّقاه". "الكامل" (٢/ ٨٤٦ - ٨٤٧).
والحديث مع حسن إسناده وقع فيه بعض الكلمات الغريبة والمنكرة، ولعلّ حشرج بن نُباتة أخطأ فيها.
منها قوله: "معه ملكان من الملائكة" لم يرد هذا في حديث صحيح آخر.
ومنها قوله: "عند عقبة أفيق". وهي عقبة معروفة بحوران في طريق نحو الأردن، وهي عقبة طويلة نحو ميلين. والصّحيح أنّه يقتله عيسى ابن مريم بباب لُدٍّ كما في حديث النّواس بن سمعان وغيره.
ولذا قال الحافظ ابن كثير في "النهاية في الفتن والملاحم" (١٩/ ١٦٤):
"إسناده لا بأس به، ولكن في متنه غرابة ونكارة".
وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٤٠): "رواه أحمد والطبرانيّ، ورجاله ثقات، وفي بعضهم كلام لا يضر".
стр. 526
• عن عبد اللَّه بن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُريتُ عند الكعبة مما يلي المقام رجلًا آدم، سبط الرّأس، واضعًا يديه على رجلين يسكب رأسه أو يقطر ماءً، فسألتُ: من هذا؟ قالوا: عيسى ابن مريم أو المسيح ابن مريم".
صحيح: رواه نُعيم بن حمّاد في "كتاب الفتن" (١٣٣٦) عن الوليد بن مسلم، عن حنظلة، سمع سالمًا، سمع ابن عمر يقول: فذكره.
وحنظلة هو ابن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية الجمحيّ المكيّ من رجال الجماعة.
إلّا أنّ الوليد بن مسلم وهو القرشيّ وصف بالتدليس والتسوية إلّا أنّ الشّيخين مشّاه.
• عن أبي أُمامة الباهليّ، قال: "خطبنا رسولُ اللَّه ﷺ فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناهُ عن الدّجال وحذرناه. . . فقالت أمُّ شريك بنت أبي العَكَر: يا رسولُ اللَّه فأين العرب يومئذ؟ قال: "هم يومئذ قليل وجلّهم بيت المقدس، وإمامهم رجل صالح فبينما إمامهم قد تقدَّم يصلي بهم الصُّبح إذْ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصُّبح، فرجع ذلك الإمام يَنْكُص يَمشي القهقرى ليتقدَّم عيسى يُصلي بالنّاس، فيضع عيسى بده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلِّ فإنّها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف قال عيسى ﵇: افتحوا الباب فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلّهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدّجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هاربًا ويقول عيسى ﵇: إنّ لي فيك ضربةً لن تسبقني بها فيدركهـ عند باب اللُّدِّ الشّرقي فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود فلا يبقى شيء مما خلق اللَّه يتوارى به يهودي إلا أنطق اللَّه ذلك الشيء لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة -إلّا الغَرْقَدَة فإنّها من شجرهم لا تنطق- إلّا قال: يا عبد اللَّه المسلم هذا يهودي فتعال اقتله".
حسن: رواه ابن ماجه (٤٠٧٧) عن علي بن محمد، قال: حدّثنا عبد الرحمن المحاربيّ، عن إسماعيل بن رافع، عن أبي زرعة السيبانيّ يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة الباهليّ، فذكر الحديث بطوله - وهو مذكور في موضعه.
هكذا في نسخة ابن ماجه: "يحيى بن أبي عمرو، عن أبي أمامة". وقد سقط بينهما عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ" كما بيّن ذلك المزّي وغيره.
وكذلك رواه نعيم بن حمّاد في كتاب "الفتن" (١٣٣٠) إلّا أنه اختصره.
وفيه إسماعيل بن رافع الأنصاريّ المدنيّ أبو رافع أهل العلم مطبقون على تضعيفه حتى قال ابن
стр. 527
حبان: "كان رجلًا صالحًا إلّا أنّه يقلّب الأخبار حتّى صار الغالب على حديثه المناكير التي يسبق إلى القلب أنه كان المتعمّد لها". "المجروحين" (٤٢).
ولكن تابعه ضمرة بن ربيعة، عن السّيبانيّ، ومن طريقه رواه تمام في فوائده (١٧٣١)، وأبو داود (٤٣٢٢) ولم يسق لفظ الحديث، وإنّما أحال على حديث النّواس بن سمعان.
وكما تابعه أيضًا عطاء الخراسانيّ عن السيبانيّ. ومن طريقه رواه الحاكم (٤/ ٥٣٦ - ٥٣٧) وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة".
قلت: وهو ليس على شرط مسلم، فإنّ عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ الحمصي لم يُخرج له مسلمٌ شيئًا، وإنّما أخرج له أبو داود، وابن ماجه فقط.
وعمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ هذا وثّقه العجليّ، فقال: "شاميٌّ تابعيٌّ ثقة". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٧٩) وقال يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٤٣٧): "شاميٌّ ثقة".
وفي الباب ما رُوي عن عثمان بن أبي العاص في حديث طويل وفيه:
"وينزل عيسى ابن مريم عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روحَ اللَّه تقدّم صلِّ. فيقول: هذه الأمة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدّم أميرهم فيصلي، فإذا قضى صلاته أخذ عيسى حريته فيذهب نحو الدجال. . . ".
رواه الإمام أحمد (١٧٩٠٠)، والطبراني في "الكبير" (٨٣٩٢)، وابن أبي شيبة (١٥/ ١٣٦) كلّهم من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: "أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم الجمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا على مصحفه، فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أُتينا بطب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد، فجلسنا إلى رجل فحدّثنا عن الدّجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه فجلسنا، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: فذكر الحديث بطوله.
ورواه الحاكم (٤/ ٤٧٨) من وجه آخر عن سعيد بن هبيرة، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب السّختيانيّ وعلي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، بإسناده وقال:
"صحيح الإسناد على شرط مسلم بذكر أيوب السختيانيّ ولم يخرجاه".
وقال الذهبيّ: ابن هبيرة واهٍ.
قلت: وفي الإسناد علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، ولا تنفع متابعة أيوب؛ لأنّ في طريقه إليه سعيد بن هبيرة وهو واهٍ كما قال الذهبيّ.
وفي الباب عن ابن مسعود مرفوعًا قال: "لقيتُ ليلة أُسري بي إبراهيم وموسى وعيسى. . . " إلى أن قال: "فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وَجْبَتُها فلا يعلمها أحدٌ إلّا اللَّه، وذلك فيما عهد إليَّ ربّي أنّ الدجّال خارجٌ، ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرّصاص". فذكر الحديث بطوله.
стр. 528
رواه الإمام أحمد (٣٥٥٦) عن هُشيم، أخبرنا العوّام عن جبلة بن سُحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، فذكر الحديث.
ورواه ابن ماجه (٤٠٨١)، وصحّحه الحاكم (٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩) كلاهما من حديث يزيد بن هارون، أنبأ العوّام بن حوشب، بإسناده موقوفًا على ابن مسعود.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: مع اختلافه في الرفع والوقف، فيه مؤثر بن عفازة لم أقف على من وثّقه غير أنّ ابن حبان ذكره في "الثقات" (٥/ ٤٦٣) ولم يذكر من روى عنه سوى جبلة بن سحيم، فهو في عداد المجهولين، ولذا قال الحافظ في التقريب: "مقبول". أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث.
وأورده في "الفتح" (١٣/ ٨٩) مستشهدًا به وسكت عنه، فلعله اعتمد على تصحيح الحاكم له، أو رأى أن الحديث له شواهد، واللَّه تعالى أعلم.
وفي الباب أيضًا عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه، قال: "لما اشتد جزع أصحاب رسول اللَّه ﷺ على من قُتل يوم مؤتة. قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"ليدركنّ الدّجّالُ قومًا مثلكم أو خيرًا منكم". ثلاث مرّات. وقال: "ولن يُخزي اللَّه أمّةً أنا أولُها، وعيسى ابن مريم آخرها".
رواه الحاكم (٣/ ٤١) وقال: "صحيح على شرط الشّيخين". وتعقبه الذهبي فقال: "ذا مرسل، سمعه عيسى بن يونس عن صفوان، وهو خبر منكر".
وفي الباب أيضًا ما روي عن أنس بن مالك مرفوعًا: "أنا أولُ من يدخل الجنة يوم القيامة، وأشفع، وسيدرك رجالٌ من أمّتي عيسى ابن مريم، ويشهدون قتال الدّجّال".
رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٤٤ - ٥٤٥) وسكت عليه، وتعقبه الذهبي فقال: "منكر، وعبّاد ضعيف".
وفي الباب أيضًا عن واثلة بن الأسقع قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تقومُ السّاعةُ حتى تكون عشر آيات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب، والدّجال، والدّخان، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، والدّابة، وطلوع الشّمس من مغربها، ونارٌ تخرج من قعر عدن تسوق النّاسَ إلى المحشر تحشرُ الذَّرَّ والنّمل".
رواه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٢/ ٧٩ - ٨٠) عن مطلب بن شعيب الأزديّ، ثنا عمران بن هارون الرّمليّ، ثنا صدقة بن المنتصر، حدّثني يحيى بن أبي عمرو السّيبانيّ، قال: حدثني عمرو بن عبد اللَّه الحضرميّ، قال: حدثني واثلة بن الأسقع، قال: سمعت رسول اللَّه يقول (فذكره).
قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٣٢٨) بعد أن عزاه للطبرانيّ: "وفيه عمران بن هارون وهو ضعيف".
ولكن رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٢٨) من وجه آخر عن عمران بن أبي عمران الصوفيّ،
стр. 529
ثنا صدقة بن المنتصر، بإسناده، مثله.
قال: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: عمران بن أبي عمران الصوفي هل هو الرّملي أو غيره، لم يتبيّن لي: فإن كان الرملي فهو ضعيف جدًّا، ترجمه الذهبي في "الميزان" فقال: "عمران بن أبي عمران الرملي، عن بقية بن الوليد، أتي بخبر كذب وهو آفته".
وفي الباب عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لم يُسَلَّطْ على قتل الدّجال إلّا عيسى ابن مريم ﵇".
رواه أبو داود الطّيالسيّ في "مسنده" (٢٦٢٦) عن موسى بن مُطير، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
وموسى بن مُطير، وأبوه مُطير ضعيفان.
قال ابن حبان في "المجروحين" (٩١٤): "من أهل الكوفة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو يوسف، والوليد بن قاسم، كان صاحب عجائب ومناكير، لا يشك المستمع لها أنها موضوعة، إذا كان هذا الشأن صناعته".
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن نافع بن كيسان مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند باب دمشق الشّرقي في ثوبين دمشقيين، كأنّما ينحدر من رأسه حَبُّ الجُمان".
رواه عبد الملك بن حبيب في أشراط الساعة (٣١) عن إبراهيم بن المنذر الحزاميّ، عن الوليد ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع بن كيسان، عن جدّه، فذكر الحديث.
وقال الحافظ في "الإصابة" (٣/ ٥٤٧): "وأخرج ابن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عمّن سمع عبد الرحمن بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن أيوب بن نافع، عن كيسان، عن أبيه، عن جدّه نافع بن كيسان صاحب النبيّ ﷺ رفعه: "ينزل عيسى ابن مريم عند باب دمشق الشرقيّ".
وقال: أخرجه تمام في "فوائده" من طريق ابن عائذ، وتابعه محمد بن وهب بن عطية، عن عبد الرحمن بن زمعة، مثله. أخرجه ابن شاهين من طريقه.
وذكر له طرقًا أخرى، ولم أقف على الحديث في "فوائد تمام" وفي الإسناد من لم أقف على تراجمهم، والطرق الأخرى التي ذكرها الحافظ فيها مجاهيل ومستورون.
وفي الباب ما رُوي عن ثعلبة بن عِبَاد العبدي من أهل البصرة قال: "شهدتُ يومًا خُطبةً لسمرة ابن جندب فذكر في خطبته حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ . . . فذكر الخطبة بطولها، ومما جاء فيها: "وأيمُ اللَّه لقد رأيتُ منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في أمر دنياكم وأَخَرتكم، وإنه واللَّه لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذّابًا آخرهم الأعورُ الدّجّال، ممسوح العين اليسرى كأنها عين أبي تِحيى -لشيخ حينئذ من الأنصار بينه وبين حجرة عائشة- وإنّه متى يخرج -أو قال: متى ما يخرج- فإنّه سوف يزعم أنّه اللَّه، فمن آمن به وصدّقه واتّبعه لم ينفعه صالِحٌ من عمله سلَفَ، ومن كفر به
стр. 530
وكذّبه لم يعاقب بشيء من عمله -وقال حسن الأشيب: بسَيِّئ من عمله- سَلَفَ، وإنّه سيظهر -أو قال سوف يظهر- على الأرض كلّها إلّا الحرمَ وبيتَ المقدس، وإنّه يحْصُر المؤمنين في بيت المقدس، فيُزَلْزلون زلزالًا شديدًا، ثم يهلكه اللَّهُ وجنودَه، حتى إنّ جِذْمَ الحائط -أو قال أصل الحائط، وقال حسن الأشيب: وأصلَ الشّجرة- لينادي أو قال يقول: يا مؤمن أو قال: يا مسلم هذا يهودي أو قال: هذا كافر تعالَ فاقتله. قال: ولن يكون ذلك كذلك حتى تروا أمورًا يتفاقم شأنها في أنفسكم، وتَسَّاءَلُون بينكم: هل كان نبيُّكم ذكر لكم منها ذكرًا؟ وحتّى تزولَ جبالٌ على مراتبها، ثم على أَثَرِ ذلك القَبْض".
قال: ثم شهدتُ خطبةً لسَمرة ذكر فيها هذا الحديثَ، فما قدَّم كلمةً ولا أخَّرها عن موضعها.
رواه الإمام أحمد (٢٠١٧٨) واللّفظ له، كما رواه أيضًا كل من أبي داود (١١٨٤)، والترمذيّ (٥٦٢)، والنسائيّ (١٤٨٤)، وابن ماجه (١٢٦٤) مطوّلًا ومختصرًا، وصحّحه ابن خزيمة (١٣٩٧)، وابن حبان (٢٨٥٢)، والحاكم (١/ ٣٢٩ - ٣٣١)، والحافظ ابن حجر في ترجمة أبي تِحيى في الإصابة (٤/ ٢٦) كلّهم من طريق الأسود بن قيس، قال: حدثني ثعلبة بن عبّاد العبديّ، فذكره.
قال الترمذيّ: "حسن صحيح".
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
قلت: هذا وهم منه، فإنه ليس على شرط أحدهما لأنّ فيه ثعلبة بن عبّاد من رجال السنن فقط. ثم هو لم يوثقه أحد، وإنما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٤/ ٩). ولم يذكر من روى عنه سوى الأسود بن قيس فهو "مجهول" فلعل من صحّحه نظر إلى شواهده، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "ثم يهلكه اللَّه وجنوده" أي يهلكهـ عيسى ابن مريم، ونسب الفعل إلى اللَّه مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [سورة الأنفال: ١٧].
١٤ - باب إن عيسى ﵇ يقتل الدجال بباب لُدّ
• عن النّواس بن سمعان، قال: ذكر رسولُ اللَّه ﷺ الدّجّال ذات غداة، فخفَّض فيه ورفَّع حتّى ظننّاه في طائفة النّخل. فما ذكر فيه: "إنّ عيسى ﵇ يدركهـ باب لدٍّ فيقتله".
صحيح: رواه مسلم في الفتن (٢٩٣٧) في حديث طويل سبق ذكره في أوّل الباب.
ولُدّ: مدينة تقع غرب القدس تبعد عنها ٢٦ ميلًا تقريبًا.
وفي الباب ما يستشهد به، وهو ما رواه مجمع بن جارية يقول: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يقتل ابن مريم الدّجال بباب لُدّ".
следующие страницы →