Полный текст (8 687 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
لم يبيّن الواسطة بينه وبين أبي سلّام.
وقد رواه الإمام أحمد (٢٢٣٧٦)، والحاكم (٤/ ١٨٤) وعنه البيهقيّ في "البعث" (١٣٥)، وتمّام في فوائده (١٧٦٠) من هذا الوجه، وله أوجه أخرى كلّها ضعيفة.
ولذا قال الترمذيّ: "حديث غريب من هذا الوجه" أي ضعيف.
وقال: "وقد رُوي هذا الحديث عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النّبيّ ﷺ . وأبو سلّام الحبشيّ اسمه ممطور وهو شاميّ ثقة". انتهى:
قلت: حديث معدان بن أبي طلحة عن ثوبان، رواه مسلم كما مضى.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: أَنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي بكر:
"أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار".
رواه الترمذيّ (٣٦٧٠) عن يوسف بن موسى القطّان البغداديّ، حدّثنا مالك بن إسماعيل، عن منصور بن أبي الأسود، حدّثني كثير أبو إسماعيل، عن جميع بن عُمير التّيميّ، عن ابن عمر، فذكره.
وكثير أبو إسماعيل ضعيف ضعّفه أبو حاتم، والنّسائيّ، والجوزجانيّ وغيرهم. ومع هذا ذكره ابنُ حبان في "الثقات" (٩/ ٣٠) وهو دليل على تساهله.
وشيخُه جُميع بن عُمير التّيميّ أبو الأسود الكوفيّ، قال فيه البخاريّ: في أحاديثه نظر، قال ابن عدي: هو كما قاله البخاريّ: في أحاديثه نظر، وعامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد. وقال ابن نمير: كان من أكذب الناس.
مع هذا فإنّ الترمذيّ هو الآخر مَنْ تساهل فقال: "حسن صحيح غريب".
وكذلك لا يصح ما رُوي عن عبد اللَّه بن عمر أيضًا قال: إنّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "حوضي كما بين عدن وعمّان، أبردُ من الثّلج، وأحلى من العسل، وأطيب ريحًا من المسك، أكوابُه مثلُ نجوم السّماء، مَنْ شرب منه شَرْبةً لم يظمأ بعدها أبدًا، أوّل النّاس عليه وُرودًا صعاليكُ المهاجرين".
قال قائل: ومن هم يا رسول اللَّه؟ قال: "الشَّعَثَةُ رؤوسهم، الشّحبةُ وجوههم، الدَّنِسةُ ثيابُهم، لا يُفتح لهم السُّدَد، ولا يُنكحون المتنعمات، الذين يُعطُون كلّ الذي عليهم، ولا يأخذون الذي لهم".
رواه الإمام أحمد (٦١٦٢) عن أبي المغيرة، حدثنا عمرو بن عمرو أبو عثمان الأحموسي حدّثني المخارق بن أبي المخارق، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
والمخارق بن أبي المخارق لم يرو عنه إِلَّا عمرو بن أبي عمرو، ولذا قال الحسينيّ: "مجهول". وهو الصّواب.
وأمّا قول ابن حبان: واسم أبيه عبد اللَّه بن جابر الأحمسيّ إن شاء اللَّه يروي عن ابن عمر، وروى عنه عمرو بن عمرو الأحمسيّ". "الثقات" (٥/ ٤٤٤).
стр. 597
فهو وهم منه، فإنّ هذا رجل آخر وهو من رجال "التهذيب" متأخر عنه من رجال البخاريّ.
واغترّ به الحافظ الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٥ - ٣٦٦) فقال: "رواه أحمد والطبراني من رواية عمرو بن عمرو الأحمسيّ، عن المخارق بن أبي المخارق، واسم أبيه عبد اللَّه بن جابر، وقد ذكرهما ابن حبان في "الثقات".
والحافظ ابن حجر أيضًا نقل قول ابن حبان في "التعجيل" (١٠١٦) ولم يعلق عليه بشيء.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "وأنا على الحوض. قيل: وما الحوض يا رسول اللَّه؟ قال: والذي نفسي بيده إنّ شرابه أبيض من اللَّبن، وأحلى من العسل، وأبيض من الثّلج، وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر عددًا من النّجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا، ولا يُصْرَف عنه إنسان فيروَى أبدًا".
رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٧١٧) عن عقبة بن مكرم الضّبيّ، ثنا يونس بن بكير، ثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن أُبي بن كعب، فذكره.
وفيه عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاريّ قال فيه أبو حاتم والنّسائيّ: متروك الحديث، وقال علي بن المديني: كان يضع الحديث. وقال أبو داود: وأنا أشهد أنّ أبا مريم كذّاب، لأني قد لقيته وسمعت منه، واسمه عبد الغفّار بن القاسم.
فمثله لا يستشهد بحديثه، كما أنه زاد في حديثه في آخره وهي قوله: "ولا يُصرفُ عنه إنسانٌ فيروى أبدًا. فإنّ هذه الزّيادة لم تثبت في الأحاديث الصّحيحة، وإن كان جاء في بعض الروايات الضعيفة، منها هذه:
وكذلك ما روي عن ابن مسعود مرفوعًا وفيه: "وإن حُرمه لم يُرْوَ بعده". وإسناده ضعيف. انظر تخريجه في "المقام المحمود".
وكذلك ما روي عن أنس، وفيه: "ومن لم يشربْ منه لم يُرْوَ أبدًا".
رواه البزّار، والطبرانيّ، ورواته ثقات غير المسعوديّ، قاله المنذريّ في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٠٧). والمسعوديّ مختلط.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ :
"ألستُ مولاكم؟ ألستُ خيركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال: "فإنّي فرطٌ لكم على الحوض يوم القيامة، واللَّهُ سائلُكم عن اثنتين، عن القرآن وعن عترتي".
رواه ابن أبي عاصم في السنة من وجهين (١٤٦٥، ٧٤٠) كلاهما عن إبراهيم بن محمد بن ثابت، حدثنا عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن جبير بن مطعم، فذكر الحديث. واللّفظ للموضع الأوّل، وفي الموضع الثاني اختصره.
وفيه إبراهيم بن محمد بن ثابت الأنصاريّ ترجمه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٦٠ - ٢٦١).
стр. 598
وقال: "مدنيّ روى عنه عمرو بن أبي سلمة وغيره مناكير. وذكر من طريق عمرو بن أبي سلمة أربعة أحاديث، وليس منها هذا الحديث، وقال: ولإبراهيم بن محمد بن ثابت هذا غير ما ذكرته من الأحاديث، وأحاديثه صالحة محتملة، ولعله أُتي ممن قد روى عنه". انتهى.
ولكن علّته الإرسال، فإنّ المطّلب وهو ابن عبد اللَّه بن حنطب قال فيه أبو حاتم: عامة روايته مرسل، ولم يذكر أحدٌ أنّه سمع جبير بن مطعم. بل قال البخاريّ: لا أعرف للمطّلب بن حنطب عن أحدٍ من الصّحابة سماعا إلّا قوله: حدّثني من شهد خطبة النبيّ ﷺ .
فأخشى أن يكون هذا الحديث أيضًا مما أرسله المطلب بن حنطب؛ لأني لم أقف على طريقه.
وفي الباب أيضًا عن زيد بن ثابت مرفوعًا: "إنّي تاركٌ فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب اللَّه وعترتي: أهل بيتيّ، وإنّهما لن يتفرّقا حتى يردا الحوض".
إسناده ضعيف. رواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤٥٢)، وعنه ابن أبي عاصم في السنة (٧٥٤)، كما رواه أيضًا الإمام أحمد (٢١٥٧٨)، والطبرانيّ في الكبير (٤٩٢١) كلّهم من طريق شريك، عن الرُّكين، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، فذكر مثله.
وشريك هو ابن عبد اللَّه النّخعيّ ضعيف لسوء حفظه. والقاسم بن حسان مجهول.
وعن أبي بكرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليردنَّ على الحوض رجالٌ ممن صحبني ورآني حتى إذا رُفعوا إليَّ ورأيتهم اختُلجوا دونِي فلأقولنَّ: ربِّ أصحابي اصحابي. فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
رواه الإمام أحمد (٢٠٤٩٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦٥) كلاهما من حديث عفّان، حدثنا حمّاد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن الحسن، عن أبي بكرة، فذكر الحديث، واللّفظ لأحمد وفيه علتان.
الأولى: الحسن وهو البصريّ مدلس ولم يصرِّح بالسّماع.
والثانية: علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف، إلا أنه توبع، فقد رواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٦٦) من وجه آخر عن سعيد، عن قتادة، عن حسن، عن أبي بكرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ليردنَّ أقوامٌ عليّ الحوض حتى إذا رفعوا رؤوسهم اختلجوا دوني".
وسعيد هو ابن بشير الأزدي ضعيف، وقتادة والحسن كلاهما مدلّسان، إنّ هذا الحديث مشهور عن سمرة بن جندب، وصوّبنا أنّه مرسل.
وفي الباب أيضًا عن عِرْباض بن سارية، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لتزدحمنَّ هذه الأمّة على الحوض ازدحام إبل وردت لخمس".
رواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٣) عن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم، ثنا أبي ح.
وحدّثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي، ثنا إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، ثنا عمرو بن
стр. 599
الحارث، ثنا عبد اللَّه بن سالم، عن الزبيديّ، ثنا لقمان بن عامر، عن سويد بن جبلة، عن عرباض ابن سارية، فذكر الحديث.
قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٥): رواه الطبرانيّ بإسنادين وأحدهما حسن.
قلت: ليس كما قال إِلَّا أن يكون قد اغترّ بصنيع ابن حبان فإنه ذكر إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصيّ وهو: إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصيّ، وقد ينسب إلى جدّ أيه، أطلق عليه محمد بن عوف أنه كان يكذب، وقال النسائيّ: ليس بثقة.
وأمّا ابن حبان فذكره في الثقات (٨/ ١٦٣) وهو الذي حمل الهيثميّ أن يحسّن إسناده.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن البراء بن عازب قال: قال النبيُّ ﷺ : "حوضي ما بين أيلة إلى صنعاء، له ميزابان أحدهما من ذهب، والآخر من فضّة، آنيته عدد نجوم السّماء، أشدّ بياضًا من اللّبن، وأحلى من العسل، وريحُه أطيب من المسك. مَنْ شرب منه لم يظمأ أبدًا".
رواه الطبرانيّ في "الأوسط" (٣٤٠٨) عن جعفر، حدّثنا سفيان بن وكيع بن الجرّاح، قال: حدّثنا أبو داود الحفريّ، قال: حدّثنا مطيع الغزَّال، عن الشّخّير، عن البراء بن عازب، فذكره.
قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٧): "رواه الطبرانيّ في الأوسط، وفيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف".
قلت: سفيان بن وكيع بن الجرّاح كان شيخًا فاضلًا، إِلَّا أنه ابْتُلي بورّاقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصح فلم يقبل، فسقط حديثه.
وأبو داود الحفريّ هو: عمر بن سعد بن عبيد، والحفري -بفتح المهملة والفاء- نسبة إلى موضع بالكوفة، من رجال مسلم.
وفي الباب عن عمر بن الخطّاب إِلَّا أنه موقوف ضعيف، رواه ابن أبي عاصم في السنة (٦٩٧) عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد اللَّه بن إدريس، عن أشعث، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطّاب: سيأتي قومٌ يكذبون بالقدر، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بالشّفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النّار.
وأشعث هو ابن بزار الهجيميّ البصريّ، قال ابن معين: ليس بشيء وتركهـ النّسائيّ. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في المجروحين (١٠٥) وقال: يخالف الثقات في الأخبار، ويروي المنكر في الآثار حتى خرج عن حدّ الاحتجاج به، وترجمة العقيليّ في الضعفاء الكبير (١/ ٣٢) إِلَّا أنّه توبع. فقد رواه الإمام أحمد (١٥٦) عن هُشيم، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطّاب -وقال هشيم مرة: خطبنا: - فحمد اللَّه وأثنى عليه، فذكر الرّجم، فقال: لا تُخْدَعُنَّ عنه، فإنّه حدٌّ من حدود اللَّه، ألا إنّ رسول اللَّه ﷺ قد رَجَم، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب اللَّه ما ليس
стр. 600
منه، لكتبْتُه في ناحية من المصحف، شهد عمر بن الخطاب -وقال هشيم مرة: وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان- أنّ رسول اللَّه ﷺ قد رَجَم ورجَمْنا مِنْ بعدِه، ألا وإنّه سيكون مِنْ بعدكم قومٌ يكَذَّبون بالرَّجْم، وبالدّجّال، وبالشّفاعة، وبعذاب القبر، ويقوم يُخْرَجون من النّار بعد ما امْتَحَشُوا.
فانحصرتْ العلّةُ في علي بن زيد وهو ابن جدعان وهو ضعيف، ويوسف بن مهران لم يرو عنه إلّا علي بن زيد، وهو ليّن الحديث كما قال الحافظ في التقريب.
ولكن لبعض فقراته اسانيد صحيحة سأذكرها في مواضعها إن شاء اللَّه تعالى.
• عن كعب بن عجرة، قال: خرج إلينا رسول اللَّه ﷺ ونحن تسعة، خمسة، وأربعة، أحد العددين من العرب، والآخر من العجم، فقال: "اسمعوا، هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراءُ، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولستُ منه، وليس بوارد عليّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يُعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه، وهو واردٌ علي".
صحيح: رواه الترمذي (٢٢٥٩) عن هارون بن إسحاق الهمدانيّ، حدّثني محمد بن عبد الوهاب، عن مِسْعَر، عن أبي حصين، عن الشّعبيّ، عن عاصم العدويّ، عن كعب بن عُجرة، فذكره.
وإسناده صحيح، ورجاله ثقات، وصحّحه ابنُ حبان (٢٧٩)، والحاكم (١/ ٧٩)، كلاهما من هذا الوجه.
قال الترمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب، لا نعرفه من حديث مسعر إلّا من هذا الوجه. قال هارون: فحدّثني محمد بن عبد الوهاب، عن سفيان، عن أبي حصين، عن الشعبيّ، عن عاصم العدويّ، عن كعب بن عُجرة، عن النبيّ ﷺ ، نحوه. قال هارون: وحدّثني محمد، عن سفيان، عن زُبيد، عن إبراهيم -وليس بالنّخعيّ- عن كعب بن عجرة، عن النبيّ ﷺ نحو حديث مسعر".
قلت: وأما حديث سفيان فرواه النسائيّ (٧/ ١٦٠)، والإمام أحمد (١٨١٢٦) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، بإسناده نحوه.
وصحّحه ابن حبان (٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥)، والحاكم (١/ ٧٩).
وللحديث طرق أخرى صحيحة، ومنها ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/ ٤٥٣) عن الفضل ابن دُكين، عن سفيان، بإسناده.
• عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ النّبيَّ ﷺ قال لكعب بن عُجْرةَ: "أعاذَك اللَّهُ من إمارة السُّفهاء". قال: وما إمارةُ السُّفهاء؟ قال: "أُمراءُ يكونون بعدي لا يقْتدون بهديي، ولا يستنّون بسنّتي، فمنْ صدَّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئكَ ليسوا منّي، ولستُ منهم، ولا يَردوا عليَّ حَوْضي، ومن لم يُصَدِّقْهم بكذبهم، ولم
стр. 601
يُعنهُم على ظلمهم، فأولئك منّي وأنا منهم، وسيردوا عليَّ حَوْضي.
يا كعبَ بنَ عُجْرة: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدقة تُطفئُ الخطيئة، والصّلاةُ قُربان -أو قال: بُرهان-.
يا كعب بن عُجْرة، إنّه لا يدخُلُ الجنَّةَ لَحْمٌ نبت من سُحتٍ، النّارُ أولى به، يا كعب بن عُجرة، النّاسُ غاديان: فمُبتاع نفسّه فمُعْتِقُها، وبائعٌ نفسه فمُوبقها".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٤٤٤١) عن عبد الرزّاق وهو في مصنّفه (٢٠٧١٩)، ومن طريقه أخرجه ابنُ حبان في صحيحه (٤٥١٤)، والحاكم (٤/ ٤٢٢) عن معمر، عن ابن خُثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل ابن خثيم وهو عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم -مصغرًا- القارئ المكيّ، وهو حسن الحديث، ومن طريقه رواه أيضًا أبو يعلى (١٩٩٩)، والبزّار - كشف الأستار (١٦٠٩).
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وهو لا يفرّق بين الحسن والصحيح.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
• عن حذيفة، عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّها ستكون أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولستُ منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، وسيرد عليّ الحوض".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٣٢٦٠)، والبزّار (٢٨٣٤) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن هلال -أو عن غيره- عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكر مثله.
إلّا أنّ في البزّار: عن ربعي أو غيره، فجعل الشّك في ربعي لا في حميد، والصّواب أنّ الشّك في حميد؛ لأنّه رواه البزّار (٢٨٣٣)، والطبرانيّ في الأوسط (٨٤٨٦) من طريق سهل بن أسلم العدويّ، عن يونس بن عبيد، بإسناده بدون شك. قال البزّار: لم يشك فيه سهل بن أسلم.
وما رُوي عن ابن عمر مرفوعًا: "سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا يفعلون، فمن صدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولن يرد عليّ الحوض". فهو ضعيف.
رواه الإمام أحمد (٥٧٠٢)، والبزار -كشف الأستار (١٦٠٨) - كلاهما من طريق العلاء بن المسيب، عن إبراهيم بن قُعَيس، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.
وإبراهيم بن قُعيس هو إبراهيم بن إسماعيل بن قُعيس مولى بني هاشم ضعّفه أبو حاتم، ووثَّقه ابن حبان، وبه علّله الهيثميّ في "المجمع" (٥/ ٢٤٧).
وفيه أيضًا حديث خبّاب بن الأرت.
стр. 602
رواه الإمام أحمد (٢١٠٧٤)، والطبرانيّ (٢٦٢٧)، وصحّحه ابن حبان (٢٨٤)، والحاكم (١/ ٧٦) كلّهم من طريق حاتم بن أبي صغيرة أبي يونس القُشيريّ، عن سماك بن حرب، عن عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبيه خبّاب، فذكر الحديث قريبًا منه. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".
إلّا أنّهم لم ينتبهوا إلى أنّ فيه انقطاعًا بين سماك بن حرب، وبين عبد اللَّه بن خبّاب فقد قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي: سماك بن حرب سمع من عبد اللَّه بن خبّاب؟ فقال: لا. ذكره العلائيّ في جامع التحصيل في ترجمة سماك بن حرب (٢٦٥) وقال المزيّ في "تهذيب" في ترجمة عبد اللَّه بن خبّاب: "روى عنه سماك بن حرب، ولم يدركهـ". وفيه أيضًا حديث النّعمان بن بشير.
رواه الإمام أحمد (١٨٣٥٣)، وفيه رجل لم يُسم، كما ليس فيه ذكر للحوض.
وحديث أبي سعيد الخدريّ. رواه الإمام أحمد (١١١٩٢)، وفيه رجل مجهول، وليس فيه ذكر للحوض.
من الفوائد المهمّة:
قال القرطبيّ رحمه اللَّه تعالى: "ومما يجب على كلّ مكلَّف أنّ يعلمه ويصدِّق به: أن اللَّه تعالى قد خصَّ نبيَّه محمدًا ﷺ بالكوثر الذي هو الحوض المصرَّح باسمه، وصفته، وشرابه وآنيته في الأحاديث الكثيرة الصحيحة الشّهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعيّ، واليقين التواتريّ؛ إذ قد روى ذلك عن النبيّ ﷺ من الصّحابة نيّف على الثلاثين. في الصّحيحين منهم نيِّف على العشرين، وباقيهم في غيرهما مما صحَّ نقله، واشتهرتْ روايته، ثم قد رواها عن الصحابة من التابعين أمثالُهم، ثم لم تزلْ تلك الأحاديث مع توالي الأعصار، وكثرة الرواة لها في جميع الأقطار، تتوفّر هممُ الناقلين لها على روايتها وتخليدها في الأمهات وتدوينها، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وقامتْ به حجّةُ اللَّه علينا، فَلَزِمَنَا الإيمانُ بذلك والتصديق به، كما أجمع عليه السّلف، وأهلُ السنة من الخَلَف، وقد أنكرته طائفةٌ من المبتدعة وأحالوه عن ظاهره، وغلوا في تأويله من غير إحالة عقليّة ولا عادية، تلزم من إقراره على ظاهره، ولا منازعة سمعية، ولا نقلية تدعو إلى تأويله، فتأويله تحريفٌ صدَرَ عن عقل سخيف، خرَق به إجماع السّلف، وفارق به مذهبَ أئمّة الخلف" انتهى. "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" (٦/ ٩٠).
وأما قوله: "الكوثر هو الحوض". فالصّواب أنّ الكوثر نهر في الجنّة يصبُّ في الحوض، كما ثبت في الأحاديث الصّحيحة.
وقد نقل الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١١/ ٤٦٧) كلام القرطبيّ السّابق إلّا أنه سقط منه ذكر "الكوثر"، فصارت العبارة هكذا: "قد خصَّ نبيَّه محمدًا ﷺ بالحوض المصرَّح باسمه. . . إلخ".
ثم قال الحافظ: "وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وممن كان ينكره عبيد اللَّه بن زياد أحد أمراء العراق لمعاوية وولده".
стр. 603
قلت: ثم آمن عبد اللَّه بن زياد بالحوض لما سمع كلام أبي سبرة وقال: "ما سمعتُ في الحوض حديثًا أثبت من هذا، فصدّق به، وأخذ الصّحيفة فحبسها عنده". وقد سبق الحديث بكامله مع تخريجه.
٢٥ - باب وعد النّبيّ ﷺ الأنصار بلقائهم على الحوض
• عن أُسَيْد بن حُضَيْر، أنّ رجلًا من الأنصار خلا برسول اللَّه ﷺ فقال: ألا تستعملني كما استعملتَ فلانًا؟ فقال: "إنّكم ستلقون بعدي أَثَرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٧٩٢)، ومسلم في الإمارة (١٨٤٥) كلاهما عن محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، سمعتُ قتادة، عن أنس بن مالك، عن أُسيد بن حُضير، فذكره.
وقوله: "أَثَرَة" بفتحتين، ويجوز ضمّ الأوّل وسكون الثاني وهو من الاستيثار، فاصبروا على الإيثار، وفيه إشارة إلى أنّ الأمر سيصير في غير الأنصار فكان كما وصف النبيّ ﷺ . انظر "الفتح" (١١/ ١١٨).
• عن أنس بن مالك، قال: قال النبيّ ﷺ للأنصار: "إنّكم ستلقون بعدي أَثَرة فاصبروا حتى تلقوني، وموعدكم الحوض".
صحيح: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٧٩٣) عن محمد بن بشار، قال: حدّثنا غندر، حدّثنا شعبة، عن هشام، قال: سمعتُ أنس بن مالك، فذكر الحديث.
• عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم المازنيّ، قال: قال النبيُّ ﷺ للأنصار: "إنّكم ستلقون بعدي أَثَرة فاصبروا حتى تلْقوني على الحوض".
متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٣٠)، ومسلم في الزكاة (١٠٦١) كلاهما من حديث عمرو بن يحيى بن عُمارة، عن عبّاد بن تميم، عن عبد اللَّه بن زيد بن عاصم، فذكره في حديث طويل، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه.
• عن أنس قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "يا معشر الأنصار موعدكم حوضي، آنيته أكثر من عدد نجوم السماء أو مثل عدد نجوم السماء، وإن عرضه كما بيني وبين صنعاء أو كما بيني وبين عمان".
حسن: رواه البزّار (٦٢١٥) عن عبد اللَّه بن سعيد، ثنا عقبة بن خالد، ثنا سعد بن سعيد، قال: سمعت أنس بن مالك، فذكره.
стр. 604
قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦١): "رواه البزّار ورجاله رجال الصّحيح".
قلت: وهو كما قال إلّا أنّ سعد بن سعيد وهو أخو يحيى بن سعيد الأنصاريّ لا يرتقي إلى درجة الثقة من أجل الكلام في حفظه غير أنه حسن الحديث.
وفي الباب أيضًا عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل -يعني ابن أبي طالب- قال: قدم معاوية المدينة، فتلقاه أبو قتادة، فقال: أما إن رسول اللَّه ﷺ قد قال: "إنّكم ستلقون بعدي أَثرةً". قال: فبمَ أمركم؟ قال: أمرنا أن نصبر. قال: "فاصبروا إذًا".
رواه الإمام أحمد (٢٢٥٩١) عن عبد الرزّاق -وهو في المصنف (١٩٩٠٩) -، عن معمر، قال: أخبرني عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، فذكره.
وفيه انقطاع؛ فإنّ عبد اللَّه بن محمد بن عقيل لم يدرك القصّة، وأما هو فجائز الحديث مع كلام أهل العلم في حفظه، لأنّه تغيّر فصار يتلقّن.
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن أبي ليلى، قال: سمعتُ البراء يحدِّث قومًا فيهم كعب بن عجرة، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول للأنصار: "إنّكم ستلقون بعدي أثرة". قالوا: فما تأمرنا؟ قال: "اصبروا حتّى تلقوني على الحوض".
رواه الإمام أحمد (١٨٥٨٢) عن محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، قال: سمعتُ ابن أبي ليلى، قال (فذكر الحديث).
ويزيد بن أبي زياد القرشي الهاشميّ أبو عبد اللَّه مولاهم الكوفيّ، ضعيف. غير أنّ أبا زرعة قال: ليّن يُكتب حديثه ولا يحتجّ به، وقال الآجري عن أبي داود: لا أعلم أحدًا ترك حديثه وغيره أحبُّ إليَّ منه. وقال ابنُ عدي: هو من شيعة الكوفة، ومع ضعفه يكتبُ حديثه.
قلت: فمثله لو ذكر في الشواهد لما يكون مستكرًا غير أني أستغني عنه لوجود الأحاديث الصحيحة في الباب.
٢٦ - باب أنّ منبر النّبيّ ﷺ على الحوض
• عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي".
متفق عليه: رواه مالك في القبلة (١٠) عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، أو عن أبي سعيد الخدريّ، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال. . . فذكره.
ورواه البخاريّ في الاعتصام (٧٣٣٥) من طريق مالك -بدون شك- من حديث أبي هريرة.
وكذلك رواه مسلم في الحج (١٣٩١) من طريقين يحيى بن سعيد، وابن نمير كلاهما عن عبيد اللَّه بن عمر، عن خبيب بن عبد الرحمن، بإسناده مثله.
стр. 605
ومن طريق يحيى رواه أيضًا البخاريّ (١١٩٦) فظهر منه أنّ الشّك من مالك.
ولكن رواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٣١) من طريقين عن أبي أسامة وابن نمير كلاهما عن عبيد اللَّه بن عمر بإسناده، وكذا في بعض نسخ الموطأ: فقالوا: "ما بين قبري" بدلًا من "بيتي". مع أنّ مسلمًا رواه أيضًا من طريق ابن نمير ولم يذكر فيه "قبري".
وأمّا البخاريّ فرواه من طريق يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه، وكذلك مسلم ولم يذكرا "قبري". ولكن بّوب عليه البخاريّ بقوله: "باب فضل ما بين القبر والمنبر". وكذلك بوّب النّووي في صحيح مسلم، فلعلّ ذلك باعتبار ما صار إليه الأمر؛ لأنّ القبرَ صار في البيت.
وأمّا ذكر القبر في الحديث المرفوع فهو شاذ؛ لأنّ القبر لم يكن موجودًا ولا معروفًا عندما نطق به النبيّ ﷺ بهذا الحديث. فلا يُعقل أنّ يحدّد لهم الرّوضة الشّريفة بما بين المنبر المعروف والقبر غير المعروف، إلّا أنّ يقال: إنّ بعض الرّواة رووه بالمعني باعتبار ما صار إليه القبر.
وأما قوله: "منبري على حوضي". فقال الزّرقاني: "يُنقل المنبر الذي قال عليه هذه المقالة يوم القيامة فينصب على حوضه".
٢٧ - باب ما جاء أنّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا
• عن سهل بن سعد، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "إنّ لكلّ قوم فَرَطًا، وإنّي فرطُكم على الحوض، فمن ورد عليَّ الحوض فشرب لم يظمأ، ومن لم يظما دخل الجنّة".
حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٦/ ١٦٨) عن عبدان بن أحمد، ثنا دُحيم، ثنا ابن أبي فديك، عن موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في موسى بن يعقوب، فقد ضعفه النسائيّ، وابن المدينيّ، ووثّقه ابن معين. وقال أبو داود: صالح، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٧٥٨)، ووثّقه ابن القطّان، وذكره ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٣٤١)، وأخرج له عدّة أحاديث ليس منها الحديث المذكور، وقال: "ولموسى بن يعقوب غير ما ذكرت من الأحاديث أحاديث حسان، يروي عنه ابن أبي فديك، وخالد بن مخلد، وهو عندي لا بأس به وبرواياته".
أي أنّ ابن عدي لم يجد له حديثًا منكرًا، بل الأحاديث التي ذكرها وما لم يذكرها حكم عليها بالحسان، وأرجو أن يكون الحديث المذكور أيضًا من الحسان إلّا قوله: "ومن لم يظمأْ دخل الجنّة" فإني لم أجد له شاهدًا.
ورُوي عن سمرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ لكلّ نبيٍّ حوضًا، وإنّهم يتباهون أيُّهم أكثر واردةً، وإنّي أرجو أن أكون أكثرهم واردةً".
رواه الترمذيّ (٢٤٤٣) عن أحمد بن محمد بن علي بن نَيْزك، حدّثنا محمد بن بكّار الدّمشقيّ،
стр. 606
حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، فذكره.
قال الترمذيّ: هذا حديث غريب، وقد روى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن، عن النبيّ ﷺ مُرسلًا، ولم يذكر فيه: عن سمرة وهو أصح".
قلت: وهو كما قال، وفيه من العلل:
الأولى: الإرسال، وهو الصحيح.
والثانية: عنعنة الحسن البصريّ وهو مدلّس، وسماعه من سمرة مختلف فيه، والرّاجح عندي أنه سمع منه مطلقًا.
والثالثة: فيه سعيد بن بشير وهو الأزدي، ضعيف عند جمهور أهل العلم.
وقد رُوي عن سمرة من وجه آخر أضعف من هذا، وهو ما رواه الطبراني في "الكبير" (٧/ ٣١٢) عن موسى بن هارون، ثنا مروان بن جعفر السمري، ثنا محمد بن إبراهيم، ثنا جعفر بن سعد، خُبيب بن سليمان، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إنّ الأنبياء يتباهون أيّهم أكثر أصحابًا من أمته، فأرجو أن أكون يومئذ أكثرهم كلّهم واردة، فإنّه كل رجل منهم يومئذ قائم على حوض ملآن معه عصا يدعو من عرف من أمّته، ولكل أمّة سيما يعرفهم بها نبيُّهم".
وفيه سلسلة من الضّعفاء، جعفر بن سعد ضعيف، خبيب بن سليمان مجهول، وأبوه سليمان بن سمرة لم يوثقه غير ابن حبان فهو "مقبول" إذا توبع وإلّا فلين الحديث.
ولذا قال الحافظ ابن حجر بعد أنّ نقل قول الترمذيّ: "والمرسل أخرجه ابن أبي الدّنيا بسند صحيح عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ لكل نبيّ حوضًا وهو قائم على حوضه، بيده عصا يدعو من عرف من أمّته، ألا إنهم يتباهون أيّهم أكثر تبعًا، وإنّي لأرجو أنّ أكون أكثرهم تبعًا".
وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر عن سمرة موصولًا مرفوعًا، مثله، وفي سنده لين". انظر: "الفتح" (١١/ ٤٦٧).
وأمّا قول الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٣): "رواه الطبراني وفيه مروان بن جعفر السمريّ وثقه ابن أبي حاتم، وقال الأزديّ: يتكلّمون فيه، وبقية رجاله ثقات". فهو ليس كما قال، بل فيه من هو أضعفُ من السمري، والتّعليل بهم أولى.
وفي الباب عن أبي سعيد، وابن عباس وغيرهما، وفي أسانيدهم مَنْ لا يُحمدون إلّا أنّها بمجموعها تشهد لحديث سهل بن سعد، فيكون اختصاص نبيّنا ﷺ بالكوثر الذي يَصُب على الحوض، وهو خاص بالنبيّ ﷺ لا يشاركه فيه غيره، وبه امتنّ اللَّه ﵎ في قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾.
وأمّا ما ذكره أبو محمد البربهاريّ في "شرح السنة" (١٩): "ولكلّ نبيّ حوض إلّا صالح النبيّ فإنّ حوضه ضرع ناقته". فهو موضوع.
стр. 607
رواه العقيليّ في الضعفاء الكبير (٣/ ٦٤)، وعنه ابن الجوزيّ في "الموضوعات" (٣/ ٥٦٤) من طريق عبد الكريم بن كيسان، عن سويد بن عُمير، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حوضي أشرب منه يوم القيامة ومن اتبعني من الأنبياء، ويبعث اللَّه ناقة ثمود لصالح فيحلبها فيشربها، والذين آمنوا معه حتى يوافوا بها الموقف معه، ولها رُغاء". فذكر الحديث بطوله.
قال العقيليّ: عبد الكريم بن كيسان مجهول بالنّقل، حديثه غير محفوظ.
وقال ابن الجوزيّ: هذا حديث موضوع لا أصل له.
وقال الذهبيّ في "الميزان" (٢/ ٦٤٥) بعد ما أورد الحديث: "إنّه موضوع".
قلتُ: وللحديث طرق أخرى لا تخلو من ضعيف أو مبهم أو مجهول.
وسويد بن عمير وقد سُمّي أبوه عامرًا، مختلف في صحبته، ذكره الحافظ ابن حجر في "الإصابة" في الفصل الرّابع، وأنه تابعي صغير، وأنه لا صحبة له، وحديثه مرسل.
• * *
стр. 608
جموع أبواب الإيمان بشفاعة النبي ﷺ وغيره
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [سورة النّجم: ٢٦].
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ﴾ [سورة الزّمر: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فدلّت هذه الآيات الكريمة أنّ الشّفاعة لا تتحقّق إلّا بشرطين:
الشرط الأوّل: إذن اللَّه للشافِع أن يشفع.
والشرط الثاني: رضا اللَّه عن المشفوع له.
وهي خاصة بأهل التوحيد، وأمّا المشركون فلا يملكون شفاعة، ولا تنفعهم شفاعة الشّافعين.
وقال تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [سورة مريم: ٨٧].
قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [سورة المدثر: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الروم: ١٣].
وقد خص اللَّه تعالى نبيّنا ﷺ يوم القيامة بثلاث شفاعات:
الشّفاعة الأولى: الشّفاعة العظمى (وهي المقام المحمود)، وهي أن يشفع في أهل الموقف، حتى يقضي بينهم بعد أنّ تتراجع الأنبياء، آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم عن الشفاعة، حتى تنتهي إليه ﷺ .
الشّفاعة الثانية: شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، بعد الفراغ من الحساب.
الشّفاعة الثالثة: شفاعته ﷺ في عمّه أبي طالب أن يخفِّف عنه العذاب.
وأمّا شفاعته ﷺ فيمن استحق النّار من عصاة الموحّدين ألا يدخلها، وشفاعته فيمن دخل النار من عصاة الموحدين، وشفاعته في رفع درجات بعض أهل الجنة فهذه يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة والصّديقين والشّهداء.
ينظر "العقيدة الواسطية" (ص ١٥٦ - ١٥٩) لشيخ الإسلام ابن تيميّة مع شرحها للشيخ الدكتور
стр. 609
صالح الفوزان.
١ - باب في قول النبيّ ﷺ : أنا أوّل من يشفع
• عن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أوّلُ النّاس يشفع في الجنّة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا".
وفي رواية: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة، وأنا أوّل من يقْرع باب الجنّة".
وفي رواية: "أنا أوّل شفيع في الجنّة، لم يُصَدَّق نبيٌّ من الأنبياء ما صدّقتُ، وإنّ من الأنبياء نبيًّا ما يصدِّقه من أمّته إلّا رجل واحد".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٦) عن قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا جرير، عن المختار بن فلفل، عن أنس، فذكره.
والرواية الثانية رواها من وجه آخر عن سفيان، عن المختار، بإسناده.
والرّواية الثالثة رواها من وجه آخر عن زائدة، عن المختار، بإسناده.
وأمّا ما رواه الدّارميّ (٤٩)، والخلال في "السنة" (٢٣٥) من حديث سعيد بن سليمان، عن منصور بن أبي الأسود، عن ليث، عن الرّبيع بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا أوّلهم خروجًا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبُهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حُبسوا، وأنا مبشِّرهم إذا أيسوا، الكرامةُ والمفاتيح يومئذ بيدي، وأنا أكرمُ ولد آدم على ربّي، يطوف عليَّ ألف خادم كأنّهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور".
ففيه ليث بن أبي سليم وهو صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميّز حديثه فترك، كما في التقريب. ورواه الترمذيّ (٣٦١٠) من وجه آخر عن ليث، به، مختصرًا، وقال: "حسن غريب".
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشق عنه القبر، وأوّل شافع وأوّل مشفَّع".
صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٧٨) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدّثنا هِقْل (يعني ابن زياد)، عن الأوزاعيّ، حدّثني أبو عمار، حدّثني عبد اللَّه بن فرّوخ، حدّثني أبو هريرة، فذكره.
• عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النّبيين وخطيبَهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر".
حسن: رواه الترمذيّ تحث حديث ذي رقم (٣٦١٣)، وابن ماجه (٤٣١٤) كلاهما من حديث عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن الطّفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، فذكره.
ورواه الإمام أحمد (٢١٢٤٥)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٧)، والحاكم (٤/ ٧٨) وقال:
стр. 610
"صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة".
قلت: هو حسن فقط، وكذلك قال الترمذيّ أيضًا لأنّ فيه عبد اللَّه بن محمد بن عقيل مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وفي الباب عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلّا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر".
قال: "فيفزع النّاس ثلاث فزعات. . . ". فذكر الحديث بطوله، مثل حديث أبي هريرة في المحشر. وإسناده ضعيف، وسيأتي الحديث بكماله.
رواه الترمذيّ (٣١٤٨، ٣٦١٥) عن ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكر الحديث بطوله.
قال الترمذيّ: "حديث حسن، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أبي نضرة، عن ابن عباس، الحديث بطوله".
قلت: بل هو ضعيف، فإنّ علي بن زيد بن جدعان ضعيف.
وأما حديث ابن عباس فهو ما رواه أحمد (٢٥٤٦) عن عفّان، حدّثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن زيد، عن أبي نضرة، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكر الحديث) بطوله نحو حديث أبي هريرة في المحشر.
وفي الباب أيضًا عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ النبيّ ﷺ قال: "أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النّبيين ولا فخر، وأنا أوّل شافع، وأوّل مشفّع ولا فخر".
رواه الدّارميّ (٥٠)، والطّبراني في الأوسط (١٧٢)، والبيهقي في الاعتقاد (ص ١٩٢)، وفي دلائله (٥/ ٤٨٠) كلّهم من طرق عن بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن صالح بن عطاء بن خباب مولى بني الدئل، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، فذكره.
قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٥٤): "رواه الطبرانيّ في الأوسط، وفيه صالح بن عطاء بن خباب ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات".
قلت: كذا قال، مع أنه مترجم في الثقات (٦/ ٤٥٥) وهو عمدته في توثيق الرجال، فلعل النّسخة التي عنده سقط منها ترجمته، ثم لم أقف على توثيقه من غير ابن حبان، ولم يذكر من روى عنه سوى جعفر بن ربيعة فهو في عداد المجهولين.
وفيه أيضًا عن عبد اللَّه بن سلام قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع ومشفّع، بيدي لواءُ الحمد تحتي آدم فمن دونه".
رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٤٧٨) عن أحمد بن علي بن المثنى (وهو أبو يعلى والحديث
стр. 611
في مسنده (٧٤٩٣) قال: حدّثنا عمرو بن محمد النّاقد، قال: حدّثنا عمرو بن عثمان الكلابيّ، قال: حدّثنا موسى بن أعين، عن معمر بن راشد، عن محمد بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن بشر بن شفاف، عن عبد اللَّه بن سلام، فذكره.
ورواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٩٣) من وجه آخر عن عمرو بن عثمان بإسناده مختصرًا.
إسناده ضعيف من أجل عمرو بن عثمان بن سيار الكلابي، قال أبو حاتم: يتكلمون فيه، كان شيخًا أعمى بالرقة، يحدّث الناسَ من حفظه بأحاديث منكرة، وقال النسائي والأزديّ: متروك الحديث.
ومع هذا ذكره ابنُ حبان في "الثقات" (٨/ ٤٧٣) وقال: ربما أخطأ، وأخرج عنه في صحيحه، وفيه دليل على تساهله، وبه أعلّه الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٥٤) فقال بعد أن عزاه لأبي يعلى: "وفيه عمرو بن عثمان الكلابيّ، ووثّقه ابنُ حبان على ضعفه، وبقية رجاله ثقات".
وفي الباب أيضًا عن أبي الدّرداء مرفوعًا: "أنا أوّل من يؤذن له بالسّجود يوم القيامة، وأنا أوّل من يؤذن له أنّ يرفع رأسه". فذكر الحديث بطوله.
رواه الإمام أحمد (٢١٧٣٧) عن حسن، حدّثنا ابن لهيعة، حدّثنا يزيد بن حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي الدّرداء، فذكره.
وابن لهيعة فيه كلام معروف، وعبد الرحمن بن جبير لم يسمع من أبي الدّرادء، ثم رُوي هذا الحديث بأسانيد أخرى من طرق عن ابن لهيعة، وفيها اضطراب شديد، والظّاهر أنّه يعود إلى ابن لهيعة، فإنّه تغيّر بعد احتراق كتبه فلم يضبط لا لفظ الحديث ولا الإسناد.
وفي الباب أيضًا عن ابن عباس، قال: جلس ناسٌ من أصحاب النّبيِّ ﷺ ينتظرونه فخرج حتّى إذا دنا منهم، سمعهم يتذاكرون، فتسمَّع حديثهم، فإذا بعضهم يقول: عجبًا إنّ اللَّه اتّخذ من خلقه خليلًا، فإبراهيمُ خليله. وقال آخر: ما بأعجب من ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٣]. وقال آخر: فعيسى كلمةُ اللَّه ورُوحه. وقال آخر: وآدم اصطفاه اللَّه. فخرج عليهم فسلّم وقال: "قد سمعتُ كلامَكم وعَجَبَكم، إنّ إبراهيمَ خليلُ اللَّه، وهو كذلك، ومُوسى نَجيُّه وهو كذلك، وعيسى روحُه وكلمتُه وهو كذلك، وآدمُ اصطفاه اللَّه تعالى وهو كذلك. ألا وأنا حبيب اللَّه ولا فخر، وأنا حاملُ لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل شافع، وأول مُشفَّع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يُحرِّك بحِلَقِ الجنّة ولا فخر، فيفتحُ اللَّه فيُدْخِلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأوّلين والآخرين على اللَّه ولا فخر".
رواه الترمذيّ (٣٦١٦)، والدّارميّ (٤٨) كلاهما من حديث عبيد اللَّه بن عبد المجيد، حدّثنا زمعة ابن أبي صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب". أي ضعيف.
قلت: وهو كما قال، فإن زمعة بن أبي صالح وهو الجندي اليماني أبو وهب ضعيف باتفاق من
стр. 612
أهل العلم.
قال الحافظ ابنُ كثير في تفسيره: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصّحاح وغيرها".
قلت: وهو كما قال، وقد سبق ذكر هذه الشواهد.
٢ - باب اختباء النبيّ ﷺ دعوته لشفاعة أمّته
• عن أبي هريرة، أنّ النبيّ ﷺ قال: "لكلّ نبيّ دعوة يدعو بها، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمّتي في الآخرة".
متفق عليه: رواه مالك في القرآن (٢٦) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. ومن هذا الطريق رواه القعنبي أيضًا عن مالك كما رواه الجوهري في مسند الموطأ (٥٣٣).
ورواه البخاريّ في الدّعوات (٦٣٠٤) عن إسماعيل (وهو ابن أبي أويس)، عن مالك، بإسناده.
ورواه مسلم في الإيمان (١٩٨) من طريق ابن وهب قال: أخبرني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، نحوه.
ومن طريق ابن وهب أخرجه أيضًا الجوهريّ في مسند الموطأ (١٤٧)، ونفى أن يكون للقعنبيّ طريق ابن شهاب.
وللحديث طرق أخرى ذكرها مسلمٌ، ورواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٧٤) من وجه آخر عن الزهريّ.
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لكلّ نبي دعوة مستجابة، فتعجّل كل نبي دعوته، وإنّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء اللَّه من مات من أمّتي لا يشرك باللَّه شيئًا".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٩) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وفي رواية من وجه آخر عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، بلفظ: "لكل نبيّ دعوةٌ مستجابة يدعو بها، فيستجاب له فيؤْتاها، وإنّي اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة".
• عن أبي هريرة، أنّه قال لكعب الأحبار: إنّ نبيَّ اللَّه ﷺ قال: "لكلّ نبيٍّ دعوة يدعوها، فأنا أريد إن شاء اللَّه أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٩٩) عن حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أنّ عمرو بن أبي سفيان بن أَسيد بن جارية الثّقفيّ أخبره، أنّ أبا هريرة قال لكعب، فذكره.
стр. 613
فقال كعب لأبي هريرة: أنت سمعتَ هذا من رسول اللَّه ﷺ ؟ قال أبو هريرة: نعم
• اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدِّث كعبًا عن النّبيّ ﷺ ، وكعب يحدِّث أبا هريرة عن الكتب. قال أبو هريرة: قال النّبيّ ﷺ : "لكلّ نبي دعوة مستجابة، وإنّي اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يوم القيامة".
صحيح: رواه الإمام أحمد (٧٧١٤) عن عبد الرزّاق، حدّثنا معمر، عن الزّهريّ، قال: أخبرني القاسم بن محمد، قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فذكره.
وكعب هو ابن مانع الحميريّ من اليمن، المعروف بكعب الأحبار، كان عالمًا من علماء اليهود، أدرك النّبيَّ ﷺ ، وأسلم في خلافة أبي بكر الصديق، وقدم المدينة أيام عمر بن الخطّاب، وكان يحدِّث من أخبار بني إسرائيل، فكثرت الرّوايات الإسرائيلية في قصص القرآن؛ ولذا كان عمر بن الخطاب ﵁ حذّره من كثرة هذه الروايات وقال له: "لتتركنّ الأحاديث أو لألحقنّك بأرض القردة". رواه أبو زرعة الدّمشقيّ في "تاريخه" (١/ ٥٤٤). فخرج إلى الشّام، ومات في خلافة عثمان، وقد جاوز المائة رحمه اللَّه تعالى.
• عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "كلُّ نبيٍّ سأل سؤالًا أو قال: لكلّ نبي دعوة قد دعا بها فاستُجيب، فجعلتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٠٥)، ومسلم في الإيمان (٢٠٠: ٣٤٤) كلاهما من حديث المعتمر، عن أبيه، عن أنس، واللّفظ للبخاريّ.
وأما مسلم فأحال على حديث قتادة عن أنس إلّا وليس فيه "فاستجيب". والباقي سواء.
• عن جابر بن عبد اللَّه، يقول عن النبيّ ﷺ : "لكلّ نبي دعوة، قد دعا بها في أمّته، وخبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة".
• صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠١) عن محمد بن أحمد بن أبي خلف، حدّثنا روح، حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، فذكر الحديث.
• عن أُبي بن كعب، قال: كنتُ في المسجد، فدخل رجلٌ يُصلِّي. فقرأ قراءةً أنكرتُها عليه ثم دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه. فلمّا قضينا الصّلاة دخلنا جميعًا على رسول اللَّه ﷺ . فقلت: إنّ هذا قرأ قراءةً أنكرتُها عليه ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول اللَّه ﷺ فقرأ، فحَسَّنَ النَّبيُّ ﷺ شأنّهما فَسُقِطَ في نفسي من التَّكذيب ولا إذْ كُنتُ في الجاهليّة. فلمّا رأى رسول اللَّه ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففِضْتُ عَرَقًا، وكأنّما أنظرُ إلى اللَّه فَرَقًا فقال لي: "يا أُبَيُّ، أُرْسِلَ إِلَيَّ: أن اقْرإ القرآن على حرف. فرددتُ إليه أَنْ هَوِّنْ على
стр. 614
أمَّتي. فرَدَّ إليَّ الثانية: اقْرَأْهُ على حرفين. فرددتُ إليه: أَنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي. فردَّ إليَّ الثالثةَ: اقرَأْهُ على سبعة أحرف، فلك بكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مسألةٌ تَسْأَلُنِيهَا. فقلت: اللَّهم اغفرْ لأمّتي. اللَّهم اغفر لأُمَّتي. وأَخَّرْتُ الثّالثة ليوم يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى إبراهيمُ ﷺ ".
صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٢٠) عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، حدّثنا أبي، حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن جدّه، عن أبي ابن كعب، فذكر الحديث.
وقوله: "وأخّرتُ الثّالثة"، وهي الشّفاعة كما جاء التصريح في الرّوايات الأخرى بقوله: "واختبأتُ الثّالثة شفاعةً لأمّتي يوم القيامة".
• عن عبد الرحمن بن أبي عقيل قال: انطلقنا فأتينا رسول اللَّه ﷺ فأنخنا بالباب، وما في النّاس أبغض إلينا من رجل يلج عليه، فما خرجنا حتى ما في الناس أحد أحبّ إلينا من رجل يدخل عليه، قال: فقال قائل منا: يا رسول اللَّه ألا سألت ربّك مُلكًا كملك سليمان؟ فضحك رسول اللَّه ﷺ ثم قال: لعلّ لصاحبكم عند اللَّه أفضل من ملك سليمان، إنّ اللَّه لم يبعث نبيًّا إلّا أعطاه دعوة، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطيها، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وإنّ اللَّه أعطاني دعوة، فخبيتها عند ربّي شفاعة لأمّتي يوم القيامة".
صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٢٤٥٩) - وابن أبي عاصم في السنة (٨٢٤) كلاهما من طريق زهير، ثنا أبو خالد الدّالاني، ثنا عون بن أبي جحيفة السوائيّ، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفيّ، عن عبد الرحمن بن أبي عقيل، قال: فذكره.
ورجاله ثقات غير أبي خالد يزيد الدّالانيّ فمختلف فيه، فمشّاه ابنُ معين، وأبو حاتم، والنّسائيّ، وتكلّم فيه ابنُ حبان فقال: "كان كثير الخطأ فاحش الوهم، خالف الثقات في الرّوايات".
قلت: إنّه لم يخالف الثقات في رواية هذا الحديث لمتابعة عبد الجبّار بن العباس الشّيانيّ، عن عون بن أبي جحيفة. ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٢٥)، والحاكم (١/ ٦٧ - ٦٨) وقال: "وقد احتجّ مسلم بعلي بن هاشم، وعبد الرحمن بن أبي عقيل الثّقفيّ صحابيّ، قد احتجّ به أئمّتنا في مسانيدهم، فأمّا عبد الجبّار بن العباس فإنه ممن يجمع حديثه وبُعد مسانيده في الكوفيين". ولكن قال الذهبي: "قوّاه بعضهم، وكذّبه أبو نعيم الملائيّ، وليس الحديث بثابت".
قلت: عبد الجبّار بن العبّاس الشِّباميّ -بكسر المعجمة، ثم موحدة خفيفة - وشِبام جبل باليمن- مختلف فيه، فكذّبه أبو نعيم كما مضى، وقال العقيليّ: لا يتابع على حديثه يفرط في التّشيّع،
стр. 615
ولكن وثّقه أبو حاتم، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس، وقال ابن معين وأبو داود: لا بأس به، وقال البزّار: أحاديثه مستقيمة، فمثله يحن حديثه ولو انفرد، فكيف وقد توبع، فلا وجه لقول الذّهبيّ: "وليس الحديث بثابت"، وله شواهد كثيرة صحيحة.
٣ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لأهل الموقف
• عن أبي هريرة قال: أُتِي رسولُ اللَّه ﷺ يومًا بلَحْمٍ، فَرُفِع إليه الذِّراعُ وكانت تعجبُه فَنَهَسَ منها نَهْسَةً فقال: "أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع اللَّه يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الدّاعي ويَنْفُذُهم البَصَرُ، وتدنو الشّمسُ؛ فيلُغُ النّاسَ من الغَمِّ والكَرْبِ ما لا يُطيقون وما لا يَحتملون؛ فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربِّكم؟ فيقول بعض النّاس لبعض: ائْتُوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدمُ أنت أبو البشر خلقك اللَّه بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكةَ فسجدوا لك اشْفَعْ لنا إلى ربِّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ! فيقول آدم: إنِّ ربّي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشّجرة، فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوحُ أنت أوّل الرسل إلى الأرض، وسماك اللَّه عبدًا شكورًا، اشْفَعْ لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى ما قد بلغنا؟ ! فيقول لهم: إنَّ ربّي قد غَضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنّه قد كانت لي دعوةٌ دعوتُ بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي اللَّه وخليلُه من أهل الأرض اشْفَعْ لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ ! فيقول لهم إبراهيم: إنّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله -وذكر كذباته- نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى أنت رسول اللَّه، فضَّلك اللَّه برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى ما قد بلغنا؟ ! فيقول لهم موسى ﷺ : إنّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفسا لم أُومَر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ . فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول اللَّه، وكلّمت الناس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم
стр. 616
وروح منه، فاشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى ما قد بلغنا؟ ! فيقول لهم عيسى ﷺ : إنّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله -ولم يذكر له ذنبًا- نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتوني فيقولون: يا محمّد، أنت رسولُ اللَّه وخاتم الأنبياء وغفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر، اشْفَعْ لنا إلى ربّك ألا ترى ما نحن فيه؟ ! ألا ترى ما قد بلغنا؟ ! فأنطلقُ فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا لربّي ثم يفتح اللَّه عليَّ ويُلهِمُني من محامده وحسن الثّناء عليه شيئًا لم يفْتَحْه لأحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفعْ رأسك سَلْ تُعْطَهْ اشْفَعْ تُشَفَّعْ فارفع رأسي فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي، فيقال: يا محمّد أدخل الجنّة من أمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٢)، ومسلم في الإيمان (١٩٤) كلاهما من حديث أبي حيان التّيميّ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه غير أنه ذكر: "نفسي نفسي نفسي" ثلاث مرّات.
• عن مَعبد بن هلال العنزِيّ قال: انطلقْنا إلى أَنس بن مالك وتشفّعنا بثابت، فانتهينا إليه وهو يصلي الضُّحى، فاستأذن لنا ثابتٌ فدخلنا عليه، وأجلس ثابتًا معه على سريره، فقال له: يا أبا حمزة، إنّ إخوانك من أهل البصرة يسألونك أنْ تُحدِّثهم حديثَ الشَّفاعةِ قال: حدّثنا محمّد ﷺ قال: "إذا كان يومُ القيامة ماج النّاسُ بعضهم إلى بعضٍ، فيأتون آدمَ فيقولون له: اشْفَعْ لذُرِيِّتِك، فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بإبراهيم ﵇ فإنه خليلُ اللَّه. فيأتون إبراهيم، فيقول: لستُ لها ولكن عليكم بموسى ﵇ فإنه كليم اللَّه، فيُؤْتَى موسى فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بعيسى ﵇، فإنه روح اللَّه وكلمه، فيؤتى عيسى فيقول: لستُ لها، ولكن عليكم بمحمّد ﷺ فأُوتَى، فأقول: أنا لها فأنطلق فأستأذن على ربّي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمنيه اللَّهُ ثم أَخِرُّ له ساجدًا فيقال لي: يا محمّد ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعُ لك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأقول: ربّ أمّتي أمّتي! فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبّة من بُرّة أو شعيرة من إيمان فأخرِجْهُ منها فأنطلق فأفعلُ، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك
стр. 617
المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: محمّد ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعُ لك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأقول: أمّتي أمّتي! فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلقُ فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: محمّد ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعْ لك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي؟ فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار فأنطلق فأفعل".
هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجْنا من عنده، فلما كُنّا بظهر الْجَبَّان قلنا: لوْ مِلْنا إلى الحسن، فسلَّمنا عليه، وهو مستخفٍ في دار أبي خليفة. قال: فدخلنا عليه فسلّمنا عليه، فقلنا: يا أبا سعيد، جِئْنا من عند أخيك أبي حمزة فلم نسمع مثلَ حديثٍ حدَّثَنَاهُ في الشَّفَاعة، قال: هِيهِ! فحدّثَنَاهُ الحديثَ. فقال: هِيهِ! قلنا: ما زادنا. قال: قد حدّثنا به منذ عشرين سنة وهو يومئذ جَميعٌ ولقد ترك شيئًا ما أدري أنسي الشّيخ أو كره أن يحدّثكم فتتكلوا. قلنا له: حدِّثْنا فضحك وقال: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [سورة الأنبياء: ٣٧]. ما ذكرت لكم هذا إلّا وأنا أريدُ أنْ أُحدِّثكُمُوهُ: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: محمّد ارْفَعْ رأسك، وقُلْ يُسْمَعُ لك، وَسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمن قال لا إله إلّا اللَّه. قال: ليس ذاك لك أو قال ليس ذاك إليك، ولكن وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأُخرِجَنَّ من قال: لا إله إلّا اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥١٠)، ومسلم في الإيمان (١٩٣: ٣٢٦) كلاهما من حديث حمّاد بن زيد، حدّثنا معبد بن هلال العنزيّ، قال: فذكره. واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
وقوله: "جميع" معناه مجتمع القوة والحفظ.
• عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربِّنا فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس خلقك اللَّهُ بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماءَ كلِّ شيءٍ، فاشْفَعْ لنا عند ربِّك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لستُ هُناكُم، ويذكر ذنبه فيستحيي، ائْتُوا نوحًا، فإنّه أوّل رسولٍ بعثه اللَّه إلى أهل الأرض، فيأتُونه فيقول: لستُ هُناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لستُ هُناكُم، ائْتُوا
стр. 618
موسى عبدًا كلمه اللَّهُ وأعطاهُ التّوراة. فيأتونه، فيقول: لستُ هُناكُم ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه، فيقول: ائْتُوا عيسى عبد اللَّه ورسوله وكلمة اللَّه وروحه، فيقول: لستُ هُناكُم، ائْتُوا محمّدًا ﷺ عبدًا غفر اللَّه له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر فيأتونني، فأنطلقُ حتّى أستأذنَ على ربّي فيُؤْذن لي، فإذا رأيت ربّي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه، ثم يقال: ارْفَعْ رأْسَك، وسَلْ تُعْطَه، وقُلْ يُسمع، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فَيُحُدُّ لي حدًّا فأدخلهم الجنّة، ثم أعودُ إليه، فإذا رأيتُ ربّي، مثلَه ثم أشفعُ فَيُحَدُّ لي حدًّا، فأدخلهم الجنّة، ثم أعودُ الرّابعة فأقول: ما بقي في النّار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود".
قال أبو عبد اللَّه: "إلا من حبسه القرآن" يعني قول اللَّه تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٦)، ومسلم في الإيمان (١٩٣) كلاهما من حديث هشام، عن قتادة، عن أنس، فذكره، واللّفظ للبخاريّ، ولفظ مسلم نحوه.
• عن أنس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يطولُ يومُ القيامَةِ على النّاس، فيقولُ بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر، فيشفع لنا إلى ربِّنا ، فَلْيَقْضِ بينا، فيأتون آدمَ، فيقولون: يا آدم أنت الذي خلقك اللَّه بيده، وأسكنك جنّتَه، فاشفع لنا إلى ربِّك، فَلْيَقْضِ بيننا، فيقول: إنّي لستُ هُنَاكُم، ولكن ائْتُوا نُوحًا رأس النَّبيين، فيأتونه فيقولون: با نوح اشْفَعْ لنا إلى ربِّك، فَلْيَقْضِ بيننا، فيقول: إنّي لستُ هُنَاكُم، ولكن ائْتُوا إبراهيمَ خليلَ اللَّه ، فيأتونه فيقولون: يا إبراهيمُ اشْفَعْ لنا إلى ربِّك فليقض بيننا. فيقول: إنّي لستُ هُناكُم ولكن ائْتُوا موسى الذي اصطفاه اللَّه برسالاتِه وبكلامه. قال: فيأتونه فيقولون: يا موسى اشفع لنا إلى ربِّك ، فَلْيَقْضِ بيننا فيقول: إنّي لَسْتُ هُناكُم ولكن ائْتُوا عيسى روحُ اللَّه وكَلِمَتُه، فَيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى اشْفَعْ لنا إلى ربِّك، فَلْيَقْضِ بينا، فيقول إنّي لست هُنَاكُم، ولكن ائْتُوا محمَّدًا ﷺ فإنّه خاتَمُ النَّبيّين فإنّه قد حضر اليوم وقد غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فيقول عيسى: أَرأَيْتُم لو كانَ مَتاعٌ في وِعاءٍ قد خُتِم عليه هل كان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟ فيقولون: لا. قال: فإنّ محمّدًا ﷺ خاتم النّبيين. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : فيأتُوني، فيقولون: يا محمّد اشْفَعْ لنا إلى ربِّك فَلْيَقْضِ بيننا. قال: فأقول: نعم، فآتي بابَ الجنَّة فآخذُ بِحلقة البابِ
стр. 619
فاستفتِحُ، فيقال: مَنْ أنت؟ فأقول: محمّد، فيفتح لي فأخِّرُ ساجدًا، فأَحْمَدُ ربّي بِمحامدَ لم يَحمده بها أحدٌ كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي. فيقول: ارْفَعْ رأسَكَ، وقُلْ يُسْمَعْ منك، وسَلْ تُعْطَهُ، واشْفَعْ تُشَفَّع. فيقول: أيْ ربِّ أمّتي أمّتي. فيقال: أَخْرِجْ من كان في قلبه مثقالُ شعيرة من إيمان، قال: فأخرجهم ثم أخرُّ ساجدًا فأحمده بمحامد لم يحمده بها أحدٌ كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي. فيقال لي: ارْفَعْ رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أيْ ربِّ أمَّتي أمَّتي. فيقال: أَخْرِجْ مَنْ كان في قلبه مثقالُ بَرَّةٍ مِنْ إيمان. قال: فأخرجهم. قال: ثم أَخِرُّ ساجدًا فأقولُ مثل ذلك. فيقال: من كان في قلبه مثقال ذَرَّةٍ من إيمانٍ. قال: فأُخرجهم".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٣٥٩٠) عن عفّان: حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا ثابت، عن أنس، فذكره.
وصحّحه ابن خزيمة (٤٨٦)، فرواه عن الحسن بن محمّد الزّعفراني، حدّثنا عفّان -يعني ابن مسلم- بأسناده غير أنّه لم يسق لفظه، ثم رواه من وجه آخر عن حمّاد بن سلمة، وساق لفظ الحديث نحوه.
• عن أنس بن مالك، أنّ الأنبياء ﵈ ذُكروا عند رسول اللَّه ﷺ فقال: "والذي نفسي بيده إنّي لسيّد النّاس يوم القيامة ولا فخر، وإنّ بيدي لواء الحمد، إنّ تحته لآدم ﵇ ومن دونه، ولا فخر، قال: ينادي اللَّه يومئذ: آدم، فيقول: لبيك ربِّ وسعديك، فيقول: أخرجْ من ذريّتك بعث النّار، فيقول: وما بعثُ النّار، فيقول: من كلِّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فيخرج ما لا يعلم عدده إلّا اللَّه ، فيأتون آدم ﵇، فيقولون: أنت آدم، أكرمك اللَّه وخلقك بيده، ونفخك فيك من روحه، وأسكنك جنّته، وأمر الملائكةَ فسجدوا لك، فاشفع لذريّتك، لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: ليس ذلك إليَّ اليوم، ولكن سأرشدكم، عليكم بعبد اتّخذه اللَّه خليلًا وأنا معكم، فيأتون إبراهيم ﵇، فيقولون: يا إبراهيم، أنت عبد اتخذك اللَّه خليلًا، فاشفع لذريّة آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: ليس ذلك إليّ، ولكن سأرشدكم عليكم بعبد اصطفاه اللَّه بكلامه ورسالاته، وألقى عليه محبّة منه، موسى وأنا معكم، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت عبد اصطفاك اللَّه برسالاته وكلامه، وألقى عليك محبّة منه، اشفع
стр. 620
لذرية آدم لا تُحرق بالنّار، قال: ليس ذلك اليوم إليَّ، ولكن سأرشدكم، عليكم بروح اللَّه وكلمته: عيسى ابن مريم، فيأتون عيسى ابن مريم ﵇، فيقولون: يا عيسى، أنت روح اللَّه وكلمته، اشفعْ لذرية آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، قال: ليس ذلك اليوم إليّ، عليكم بعبد جعله اللَّه رحمة للعالمين أحمد ﷺ ، وأنا معكم، فيأتوني، فيقولون: يا أحمد، جعلك اللَّه رحمة للعالمين، فاشفع لذريّة آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فأقول: نعم أنا صاحبها، فآتي حتى آخذ بحَلقة باب الجنّة، فيقال: من هذا؟ فأقول: أنا أحمد، فيُفتح لي، فإذا نظرتُ إلى الجبّار ﵎ خررتُ ساجدًا، ثم يُفتَح لي من التحميد والثّناء على الرّبِّ شيء لا يحسن الخلق، ثم يقال: سلْ تُعطه، واشفع تُشفَّع، فأقول: يا ربِّ، ذريّة آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه، ثم يعودون إليَّ، فيقولون: ذريّة آدم لا تُحرق اليوم بالنّار. قال: فآتي حتّى آخذ بحلقة باب الجنّة، فيقال: من هذا؟ فأقول: أحمد، فيفتح لي، فإذا نظرت إلى الجبّار ﵎ خررتُ ساجدًا، فأسجدُ مثل سجودي أوّل مرّة، ومثله معه، فيُفتح لي من الثّناء على اللَّه والتّحميد مثل ما فُتح لي أوّل مرّة، فيقال: ارفع رأسك، وسلْ تُعطه، واشفع تُشفَّع، فأقول: يا ربّ ذريّة آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: أخرجوا له من كان في قلبه مثقال قيراط من إيمان. ثم يعودون إلىّ فآتي حتى أصنع كما صنعت، فإذا نظرتُ إلى الجبار خررتُ ساجدًا فأسجد سجودي أوّل مرة ومثله معه، ويفتح لي من الثّناء والتّحميد مثل ذلك، ثم يقال: سلْ تُعْطَه، واشْفع تُشفَّع، فأقول: يا ربّ ذرية آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فأخرجوه، فيُخرجون ما يعلم عدَّتهم إلا اللَّه ، ويبقى أكثرهم، ثم يؤذن لآدم بالشّفاعة فيشفع لعشرة آلاف ألف، ثم يؤذن للملائكة والنّبيين فيشفعون حتى إنّ المؤمن ليشفعُ لأكثر من ربيعة ومضر".
حسن: رواه الآجرّي في الشّريعة (٨٠٩) عن أبي بكر جعفر بن محمد الفريابيّ، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا اللّيث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس ابن مالك، فذكره.
وإسناده حسن من أجل الكلام في سعيد بن أبي هلال اللّيثيّ، فضعّفه ابن حزم، ووثّقه غيره وهو حسن الحديث، والحديث صحيح؛ لأنّه رُوي من غير طريقه كما مضى، إلّا أنّ في هذا
стр. 621
الحديث زياداتِ لم أجدها في غير هذه الرّواية.
• عن أنس قال: حدثني نبي اللَّه ﷺ : "إني لقائمٌ أنتظرُ أمَّتي تَعْبُر على الصِّراط إذْ جاءني عيسى، فقال: هذه الأنبياءُ قد جاءتْك يا محمّد يسألون -أو قال: يجتمعون إليك-، ويدعون اللَّه أن يفرِّقَ بين جَمْعِ الأمم إلى حيث يشاء اللَّه لغمِّ ما هُمْ فيه، فالخلقُ مُلْجَمُون في العَرَقِ، فأمّا المؤمنُ فهو عليه كالزُّكْمة، وأمّا الكافر فيتغشَّاهُ الموتُ". قال: قال: "عيسى، انتظر حتّى أرجع إليك". قال: "فذهب نبي اللَّه ﷺ حتى قام تحتَ العرش، فَلَقِيَ ما لم يَلْقَ ملك مصطفى، ولا نبي مرسل فأوحى اللَّهُ إلى جبريلَ: اذهبْ إلى محمّد، فَقُلْ له: ارْفَعْ رأسك، سَلْ تُعْطَ واشْفَع تُشَفَّع". قال: "فَشُفِّعْتُ في أُمّتي أن أُخْرِجَ من كلِّ تسعة وتسعين إنسانا واحدًا". قال: "فما زلتُ أترَدَّدُ على ربّي فلا أقومُ مقامًا إلّا شَفَعْتُ حتى أعطاني اللَّه من ذلك أن قال: يا محمّد أدخل من أمَّتِك من خلق اللَّه من شهد أنه لا إله إلا اللَّه يومًا واحدًا مخلصا ومات على ذلك".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٨٢٤) عن يونس بن محمد، حدّثنا حرب بن ميمون أبو الخطّاب الأنصاريّ، عن النّضر بن أنس، عن أنس، فذكره.
ومن هذا الوجه أخرجه أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٤٨٨).
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٤) وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح".
قلت: إسناده حسن من أجل حرب بن ميمون فإنّه حسن الحديث.
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي". فذكر منها: "وأعطيتُ الشّفاعة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٤٣٨)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من حديث هُشيم، عن سيار -وهو أبو الحكم-، قال: حدّثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره.
• عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُتيتُ خمسًا لم يؤتهنّ نبيٌّ كان قبلي". فذكر منها أنّه قيل له: "سلْ تُعطه، فاختبأتُها شفاعةً لأمّتي، وهي نائلة منكم -إن شاء اللَّه- من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا".
حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٢٩٩) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني سليمان الأعمش، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، عن عبيد بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذر، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلس، إلّا أنه صرّح بالتحديث كما أنه توبع، كما مضى
стр. 622
في أوّل الباب.
• عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنّ رسول اللَّه ﷺ عام غزوة تبوك قام من اللّيل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: "لقد أُعطيتُ اللّيلة خمسًا ما أُعْطِيَهُنَّ أحدٌ قبلي". فذكر الحديث بطوله: "والخامسة هي ما هي، قيل لي: سَلْ فإنَّ كلَّ نبيٍّ قد سأل، فأخَّرْتُ مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله الا اللَّه".
حسن: رواه الإمام أحمد (٧٠٦٨) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بكر بن مُضر، عن ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنّه حسن الحديث.
وقال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٧): "رواه أحمد، ورجاله ثقات".
• عن أبي بكر الصّديق قال: أصبح رسول اللَّه ﷺ ذات يوم فصلّى الغداة، ثم جلس حتى إذا كان من الضُّحى ضَحِك رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم جلس مكانه حتى صلّى الأُولى والعصر والمغرب كلُّ ذلك لا يتكلّم حتى صلّى العشاء الآخرة، ثم قام إلى أهله، فقال الناس لأبي بكر: ألا تسألُ رسولَ اللَّه ﷺ ما شأنه صنعَ اليوم شيئًا لم يصنَعْه قطّ، قال: فسأله فقال: "نعم، عُرِض عليَّ ما هو كائنٌ من أمر الدّنيا وأمر الآخرة فجُمع الأولون والآخرون بصعيدٍ واحدٍ ففظع النّاسُ بذلك حتّى انطلقوا إلى آدم ﵇، والعرقُ يكاد يُلجمُهم، فقالوا: يا آدمُ أنت أبو البشر وأنت اصطفاك اللَّه ، اشْفَعْ لنا إلى ربِّك. قال: لقدْ لقيتُ مثلَ الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم بعد أبيكم إلى نوح ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٣٣]. قال: فينطلقون إلى نوح ﵇ فيقولون: اشفع لنا إلى ربِّك، فأنت اصطفاك اللَّه واستجاب لك في دعائك ولم يدع على الأرض من الكافرين ديّارًا، فيقول: ليس ذاكم عندي انطلقوا إلى إبراهيم ﵇ فإن اللَّه عزوجل اتخذه خليلًا. فينطلقون إلى إبراهيم فيقول: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى موسى ﵇ فإن اللَّه كلّمه تكليمًا، فيقول موسى ﵇: ليس ذاكم عندي ولكن انطلقوا إلى عيسى ابن مريم، فإنه يبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى. فيقول عيسى: ليس ذاكم عندي، ولكن انطلقوا إلى سيّد ولد آدم، فإنّه أوّلُ من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، انطلقوا إلى محمّد ﷺ فيشفع
стр. 623
لكم إلى ربّكم . قال: فينطلق فيأتي جبريل ﵇ ربَّه، فيقولُ اللَّهُ : إئْذن له وبشِّرْه بالجنّة. قال: فينطلقُ به جبريل فيخرُّ ساجدًا قدْرَ جُمعةٍ، ويقول اللَّهُ : ارْفعْ رأسك يا محمد، وقُلْ يُسْمَعْ واشْفَعْ تُشَفَّعْ، قال: فيرفع رأسه، فإذا نظر إلى ربِّه خرَّ ساجدًا قدر جُمعة أخْرى، فيقولُ اللَّهُ : ارْفَعْ رأسَك، وقُلْ يُسمع، واشْفَعْ تُشَفَّعْ. قال: فيذهبُ ليقعَ ساجدًا فيأخذُ جبريلُ ﵇ بضَبْعَيْه فيفتح اللَّه عليه من الدّعاء شيئًا لم يفتحه على بشر قطّ. فيقول: أيْ ربِّ خلقتني سيِّدَ ولد آدم ولا فخر، وأوّل من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ولا فخر، حتى إنّه ليردُ عليَّ الحوضَ أكثرُ مما بين صنعاءَ وأَيْلَةَ. ثم يقال: ادعوا الصّدِّيقين فيشفعون، ثم يقال: ادْعُوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنّبي ومعه الخمسة والسّتة، والنبيُّ وليس معه أحد. ثم يقال: أدعوا الشّهداء فيشفعون لمن أرادوا. وقال: فإذا فعلت الشُّهداء ذلك. قال: يقول اللَّه : أنا أرحم الرّاحمين، أدْخلوا جنَّتِي مَنْ كان لا يُشركُ بي شيئًا. قال: فيدخلون الجنَّةَ. قال: ثم يقول اللَّه : انظُروا في النّار، هل تلقون من أحد عَمِل خيرًا قطّ، قال: فيجدون في النّار رجلا فيقول له هل عملتَ خيرًا قطّ؟ فيقول: لا غير أنّي كنتُ أسامحُ النّاسَ في البيع والشِّراء. فيقول اللَّه : اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبيدي.
ثم يُخرجون من النّار رجلًا فيقول له: هل عَملتَ خيرًا قطّ؟ فيقول: لا غير أنّي قد أمرتُ ولدي إذا مِتُّ فأحرقوني بالنار ثم اطحنوني، حتّى إذا كنت مثل الكُحل فاذهبوا بي إلى البحر فاذْرُوني في الرِّيح، فواللَّهِ لا يقدرُ عليَّ ربُّ العالمين أبدًا، فقال اللَّه : لِم فعلتَ ذلك؟ قال: من مخافتك. قال: فيقول اللَّه : انظر إلى مُلكِ أعظمِ مَلِكٍ فإنّ لك مثلَه وعشرةَ أمثالِه. قال: فيقول: لِم تسخرُ بي وأنت الملك؟ ! قال: وذاك الذي ضحكتُ منه من الضُّحى".
حسن: رواه الإمام أحمد (١٥)، وأبو يعلى (٥٦)، والبزار -كشف الأستار (٣٤٦٥) - كلهم من طريق النضر بن شُميل، قال: حدّثني أبو نَعامة، قال: حدّثني أبو هُنيد البراء بن نوفل، عن والان العدَويّ، عن حذيفة، عن أبي بكر الصديق، فذكر مثله، واللّفظ لأحمد.
وأخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٦١٨)، وابن حبان في صحيحه (٦٢٧٦) من هذا الوجه.
وقال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٧٤): "رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار، ورجاله ثقات".
стр. 624
قلت: وهو كما قال، وأبو نعامة العدويّ هو عمرو بن عيسى بن سويد من رجال مسلم إلّا أنّه تغيّر قبل موته وهو "صدوق".
ووالان العدويّ هو والان بن بهيس، أو ابن قِرْفة، وثّقه ابنُ معين وغيره.
وقال ابن حبان: قال إسحاق (وهو ابن راهويه): "هذا من أشرف الحديث، وقد روى هذا الحديث عدّةٌ، عن النبيّ ﷺ ، منهم: حذيفة، وابن مسعود، وأبو هريرة وغيرهم".
وأما قول الدارقطني: والان مجهول، فلعله لم يقف على توثيق ابن معين له، والنكارة فيه تقديم الصديقين على الأنبياء في الشفاعة، ولعل هذا مما أخطأ فيه أبو نعامة العدوي لأنه تغير قبل موته.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أنّ النّبيّ ﷺ تلا قوله في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [سورة إبراهيم: ٣٦]، فرفع يديه وقال: "اللهمّ أمّتي أمّتي" وبكي. فقال اللَّهُ : يا جبريل، اذْهب إلى محمّد -وربُّك أعلم- فسلْه ما يُبكيك؟ فأتاه جبريل ﵇، فسأله، فأخبره رسول اللَّه ﷺ بما قال -وهو أعلم-. فقال اللَّه: يا جبريل، اذهبْ إلى محمّد فقُلْ: إنا سنرضيك في أمّتكَ ولا نسوءك.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٢) عن يونس بن عبد الأعلى الصّدفيّ، أخبرنا ابنُ وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد اللَّه بن عمرو، فذكره.
وفي الباب أحاديث لم تصح، منها ما رُوي عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للأنبياء منابرُ من ذهب، فيجلسون عليها". قال: "ويبقى منبري، لا أجلسُ عليه، ولا أقعد عليه، قائمٌ بين يدي اللَّه ربي، مخافة أن يُبعث بي إلى الجنة وتبقى أمّتي بعدي، فأقولُ: يا ربِّ، أمّتي أمّتي". فيقول اللَّه : يا محمد، ما تريدُ أن أصنعَ بأمّتك؟ فأقول: "يا ربِّ، عجِّلْ حسابهم"، فيُدعى بهم، فيُحاسبون، فمنهم من يدخل الجنّة برحمة اللَّه، ومنهم من يدخل الجنّة بشفاعتي، فما أزالُ أشفعُ حتى أُعطى صكاكًا برجال قد بُعث بهم إلى النار، وحتى إنّ مالكًا خازن النار يقول: يا محمد، ما تركتَ للنّار لغضب ربّك في أمّتك من نقمة.
رواه الطبرانيّ في "الكبير" (١٠٧٧١)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٤٧٦)، والحاكم (١/ ٦٥) كلّهم من طريق محمد بن ثابت البنانيّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد غير أنّ الشّيخين لم يحتجّا بمحمد بن ثابت البناني، وهو قليل الحديث، يجمع حديثه، والحديث غريب في أخبار الشّفاعة ولم يخرجاه".
стр. 625
وتعقّبه الذّهبيّ فقال: "ضعّفه غير واحد، والحديث منكر".
وقال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٨٠): "رواه الطبرانيّ في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن ثابت البنانيّ، وهو ضعيف".
قلت: وهو كما قالا؛ فإن محمد بن ثابت البنانيّ يروي عن أبيه ما ليس من حديثه، كأنه ثابت آخر، لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرّواية عنه على قلّته كما قال ابن حبان. انظر "المجروحين" (٩٢٥).
وفي الباب أيضًا ما رُوي عن ابن عباس في حديث طويل من أحاديث أهل الموقف. رواه الإمام أحمد (٢٥٤٦) عن عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: خطبنا ابنُ عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكر الحديث بطوله.
وفيه علي بن زيد ضعيف، وفي المتن نكارة وهي قول عيسى ﵇: "إنّي لست هُناكم، إنّي اتُخِذْتُ إلها من دون اللَّه، وإنّه لا يهمني اليوم إلّا نفسي". لأنّ في الأحاديث الصّحيحة لم يذكر عيسى ﵇ ذنبًا مع أنّ ما ذكره ليس بذنب له.
وفي الباب أيضًا ما روي عن سلمان الفارسيّ. رواه ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ١٢).
وقوله ﷺ في بعض الأحاديث: "شفاعتي لكلّ مسلم".
"يريد أنّي أشفع لجميع المسلمين في الابتداء، للنّبيين والشّهداء والصّالحين وجميع المسلمين، فيخلّصهم اللَّه من الموقف الذي قد أصابهم فيه من الغمّ والكَرْب ما قد أصابهم في ذلك الموطن؛ ليقضي اللَّه بينهم، ويُعجِّل حسابهم". "التوحيد لابن خزيمة" (٢/ ٥٧٦).
هذه الأحاديث وغيرها -مثل حديث ابن عمر الآتي- خاصّة بشفاعة النّبيّ ﷺ لأهل الموقف للقضاء بينهم، وهو المقام المحمود الآتي في الباب الذي يليه.
ثم بعد الشّفاعة العظمى له ﷺ شفاعات أخرى مثل إدخال أهل الجنّة الجنّة، وإخراج أهل التوحيد من النّار، وشفاعته لمن استحقّ النّار أن لا يدخلها من أمّته.
وأمّا ما ذكر في أحاديث هذا الباب من الشفاعات في الموقف وإخراج عصاة أهل التوحيد من أمّته من النّار وغير ذلك من الشّفاعات، فالظّاهر أنّ بعض الرّواة جمعوا بين الأحاديث المختلفة، وساقوها سياقًا واحدًا، وبعضهم اختصر من أول الحديث، وبعضهم اختصر من آخره.
قال ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥١٩): "أصحاب النّبيّ ﷺ ربما اختصروا أخبار النبيّ ﷺ إذا حدّثوا بها، وربما اقتصُّوا الحديث بتمامه، وربما كان اختصارٌ بعد الإخبار، وبعض السّامعين يحفظ بعض الخبر، ولا يحفظ جميع الخبر، وربما نسي بعد الحفظ بعض المتن، فإذا جُمعت الأخبار كلّها عُلم حينئذ جميعُ المتن" انتهى.
стр. 626
٤ - باب ما جاء أنّ المقام المحمود هو الشّفاعة
إنّ اللَّه ﵎ وعد نبيَّه ﷺ بهذا المقام في قوله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩].
قال أهل العلم: عسى من اللَّه واجب، لا على الشّك والارتياب.
• وعن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ : "ما يزال الرّجلُ يسأل النّاس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعة لحم". وقال: "إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرقُ نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ فيشفع ليقضي بين الخلق، فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب، فيومئذ يبعثه اللَّه مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم".
وقال معلى: حدثنا وُهيب، عن النعمان بن راشد، عن عبد اللَّه بن مسلم، أخي الزّهريّ، عن حمزة، سمع ابن عمر، عن النبيّ ﷺ في المسألة.
صحيح: رواه البخاريّ في الزّكاة (١٤٧٤، ١٤٧٥) عن يحيى بن بكير، حدّثنا اللّيث، عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر، قال: سمعت حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، قال: سمعت ابن عمر، فذكره.
وأما في المسألة وحدها فهي متفق عليها. رواه مسلم أيضًا في الزّكاة (١٠٤٠) من طريق معمر، عن عبد اللَّه بن مسلم بإسناده، كما ذكره البخاريّ.
• عن ابن عمر قال: "إنّ النّاس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كلّ أمّة تتبع نبيَّها يقولون: يا فلان، اشفع حتى تنتهي الشّفاعة إلى النبيّ ﷺ ، فذلك يوم يبعثه اللَّه المقام المحمود".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧١٨) عن إسماعيل بن أبان، حدّثنا أبو الأحوص، عن آدم بن علي، قال: سمعت ابن عمر يقول (فذكره).
• عن كعب بن مالك، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُبعث النّاس يوم القيامة، فأكون أنا وأمّتي على تلٍّ، ويكسوني ربي ﵎ حُلَّةً خضراء، ثم يؤذنُ لي فأقول ما شاء اللَّه أن أقول، فذاك المقام المحمود".
صحيح: رواه الإمام أحمد (١٥٧٨٣)، والطّبرانيّ في الكبير (١٩/ ٧٢)، وفي الأوسط (٨٧٩٧)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٨).
وصحّحه ابن حبان (٦٤٧٩)، والحاكم (٢/ ٣٦٣) كلّهم من طرق عن الزّبيدي، عن الزّهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن كعب، فذكره.
والزّبيدي هو محمد بن الوليد بن عامر.
стр. 627
وإسناده صحيح، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك ثبت سماعه من جدّه. قال الحافظ في "التهذيب": "وقع في صحيح البخاريّ في الجهاد تصريحه بالسّماع من جدّه".
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٧/ ٥١) وقال: "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
وأورده في موضع آخر (١٠/ ٣٧٧) وقال: "رواه الطبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط" وإحدى إسنادي "الكبير" رجاله رجال الصحيح".
• عن جابر، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "تمدُّ الأرض يوم القيامة مدًّا لعظمة الرّحمن، ثم لا يكون لبشر من بني آدم إلّا موضع قدميه، ثم أُدعى أول النّاس فأخر ساجدًا، ثم يؤذن لي فأقول: يارب أخبرني هذا -لجبريل- وهو عن يمين الرحمن، -واللَّه ما رآه جبريل قبلها قطّ- إنك أرسلته إلي. قال: وجبريل ساكت لا يتكلم، حتى يقول اللَّه: صدق، ثم يؤذن لي في الشّفاعة، فأقول: يا ربّ عبادك عبدوك في أطراف الأرض، فذلك المقام المحمود".
صحيح: رواه الحاكم (٤/ ٥٧٠) عن إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعرانيّ، ثنا جدي، ثنا إبراهيم ابن حمزة الزّبيديّ، ثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن علي بن حسين، عن جابر، فذكره.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أرسله يونس بن يزيد، ومعمر بن راشد عن الزّهريّ".
قلت: حديث يونس بن يزيد رواه الحاكم من طريق ابن وهب، عنه، عن ابن شهاب، عن علي ابن الحسين، عن رجل من أهل العلم -ولم يسمِّه-.
وحديث معمر، رواه عبد الرزاق عنه، عن الزهريّ، عن علي بن الحسين، قال: قال رسول اللَّه ﷺ ، فذكره.
وهو في تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٨٧) عن معمر. ومن طريقه ابن جرير الطبريّ في "تفسيره" (١٥/ ٤٩).
ولفظه: "إذا كان يوم القيامة مدّ اللَّه الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون البشر من النّاس إلا موضع قدميه". قال النبيّ ﷺ : "فأكون أول من يُدعى، وجبريل عن يمين الرّحمن، واللَّه ما رآه قبلها. فأقول: أي ربّ، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ؟ فيقول اللَّه : صدق. ثم أشفع، قال: فهو المقام المحمود".
وقد جاء في روايات أخرى عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن رجل من الصّحابة كما عند البيهقيّ في "البعث" (٣٠٣).
стр. 628
فالظّاهر أن المبهم في الإسناد هو صحابي، وقد يكون هو جابر كما في رواية إبراهيم بن سعد، ولعلّ الزهريَّ سماه مرة وأبهمه أخرى. وإبراهيم بن سعد حجة ثقة فزيادته مقبولة.
وقد جاء هذا المعنى عن حذيفة موقوفًا عليه، وهو ما رواه أبو داود الطّيالسيّ في مسنده (٤١٤)، والنّسائيّ في الكبرى (١١٢٩٤)، والبزّار (٢٩٢٦)، والطبريّ في تفسيره (١٥/ ٤٤) كلّهم من حديث شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت صلة بن زفر يحدّث عن حذيفة، قال: يُجمع النّاس في صعيد واحد فلا تكلَّم نفسٌ، فيكون أول مدعُوٍّ محمد ﷺ فيقول: "لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشّر ليس إليك، والمهديُّ من هديت، وعبدك بين يديك، أنا بك وإليك، وتباركت ربّنا وتعاليت، سبحانك ربّ البيت" فذلك قوله : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩].
ورواه الحاكم (٢/ ٣٦٣) من وجه آخر عن أبي إسحاق بإسناده، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة".
قلت: هذا هو الصحيح بأن هذا الحديث روي موقوفًا على حذيفة، وهو الذي رجّحه أبو حاتم حين سأله ولده عن حديث رواه حماد بن سلمة، عن عبد اللَّه بن المختار، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن حذيفة، أنّ النبيّ ﷺ قال (فذكر الحديث). فقال: "لا يرفع هذا الحديث إلّا عبد اللَّه بن المختار، وموقوف أصح". العلل (٢١٤٠).
قلت: هذا المرفوع رواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٨٩) عن محمد بن أبي مخلد الواسطيّ، حدثنا أبي، ثنا حماد بن سلمة، بإسناده وفيه من لا يعرفون.
وقد جاء الرّفع أيضًا من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق بإسناده.
رواه الطبراني في "الأوسط" (١٠٥٨)، والحاكم (٤/ ٥٧٣)، وفيه ليث بن أبي سليم، ضعيف.
والخلاصة أن حديث حذيفة موقوف إلا أن يقال: حكمه الرّفع لأنّ مثل هذا لا يقال بالرّأي، ولذا يرى كثير من أهل العلم أن تفسير الصحابي بالغيبيات في حكم الرّفع، وله أمثلة في الصحاح، وهو شاهد قوي لمن قال: المراد بالمقام المحمود الشفاعة.
قال ابن جرير الطبريّ: "وهو قول أكثر أهل العلم".
وفي الباب عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩] قال: "هو المقام الذي أشفع فيه لأمّتي".
رواه الترمذيّ (٣١٣٧)، والإمام أحمد (٩٦٨٤، ٩٧٣٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٦١٠)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٤)، والآجريّ في الشريعة (١٠٩٩)، وابن جرير الطّبريّ (١٥/ ٤٧) كلّهم من طريق داود الأوديّ الزغافري، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وداود الزغافريّ هو داود بن يزيد بن عبد اللَّه الأوديّ، وهو عبد اللَّه بن إدريس".
стр. 629
قلت: حديث حسن لشواهده، وأما هذا الإسناد فهو ضعيف من أجل داود الأودي فإن أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
وقول ابن جرير الطبريّ: "صحّ الخبر عن رسول اللَّه ﷺ ". ثم أخرج هذا الحديث من الطّريق نفسه، فلعله يشير إلى أصل الحديث فإنه صحيح ثابت. وأما حديث أبي هريرة بهذا الإسناد فليس بصحيح.
وفيه أيضًا عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر"، قال: "فيفزع النّاس ثلاث فزعات، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربّك فيقول إني أذنبت ذنبا أهبطت منه إلى الأرض ولكن ائتوا نوحًا، فيأتون نوحًا فيقول: إنّي دعوتُ على أهل الأرض دعوة فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات -ثم قال رسول اللَّه ﷺ : ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين اللَّه- ولكن ائتوا موسى. فيأتون موسى فيقول: إني قد قتلتُ نفسًا، ولكن ائتوا عيسى. فيأتون عيسى فيقول: إنّي عُبدتُ من دون اللَّه، ولكن ائتوا محمّدًا". قال: "فيأتونني فأنطلق معهم" قال ابن جُدعان: قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ قال: "فآخذُ بِحَلْقة باب الجنة فأُقَعْقِعُها. فيقال: مَنْ هذا؟ فيقال: محمّد، فيفتحون لي، ويرحِّبون، فيقولون: مرحبًا. فأخرُّ ساجدًا فيلهمني اللَّهُ من الثّناء والحمد، فيقال لي: ارْفعْ رأسَكَ سَلْ تُعْطَ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ، وقُلْ يُسْمَع لقولك. وهو المقام المحمود الذي قال اللَّه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩] ".
رواه الترمذيّ (٣١٤٨) عن ابن أبي عمر، حدّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال (فذكره). قال الترمذيّ: "حديث حسن".
قلت: بل هو ضعيف؛ لأنّ فيه عليّ بن زيد بن جدعان ضعيف، إلّا أن الترمذيّ كان حسن الرّأي فيه، فقال: "صدوق". ولعله لهذا السبب حسّنه.
ثم قال الترمذيّ: "وقد روى بعضهم هذا الحديث عن أبي نضرة، عن ابن عباس، الحديث بطوله" انتهى.
قلت: وهو كما قال، فقد رواه الإمام أحمد (٢٥٤٦)، وأبو يعلى (٢٣٢٨)، والطيالسي (٢٧١١) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي نضرة، قال: خطبنا ابن عباس على منبر البصرة، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنه لم يكن نبيٌّ إلّا له دعوة قد تنجّزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعةً لأمّتي وأنا سيّد ولد آدم. . . ". فذكر الحديث بطوله.
وفيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف كما مضى.
وفي الباب أيضًا ما روي عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مُلَيْكة إلى النّبيّ ﷺ فقالا: إنّ أمَّنا كانت تكرم الزَّوج، وتعطف على الولد. قال: وذكر الضيف غير أنّها كانت وأَدَتْ في الجاهليّة! قال:
стр. 630
"أمُّكُمَا في النّار". فأدبرا والشّر يُرى في وجوههما، فأمر بهما فَرُدًا فرجعا والسّرور يُرى في وجوههما رَجَيَا أن يكون قد حَدَثَ شَيْءٌ فقال: "أُمّي مع أمِّكما". فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمِّه شيئًا ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار -ولم أر رجلًا قط أكثر سؤالا منه-: يا رسول اللَّه، هل وعدك ربُّك فيها أو فيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه، فقال: "ما سألتُه ربّي وما أطمعني فيه، وإنّي لأقومُ المقام المحمود يوم القيامة". فقال الأنصاريّ: وما ذاك المقام المحمودُ؟ قال: "ذاك إذا جيء بكم عراة حفاة غُرْلًا، فيكون أول من يُكسى إبراهيم، يقول: أُكْسُوا خليلي، فيؤتى بريطتين بيضاوين، فيلبسهما ثم يقعد فيستقبل العرش؟ ثم أوتَى بكسوتي فألبسها فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحدٌ غيري يغبطني به الأولون والآخرون". قال: "ويفتح نهر من الكوثر إلى الحوض". فقال المنافقون: فإنّه ما جرى ماء قطّ إلّا على حال أو رَضْراض. قال: يا رسول اللَّه، على حال أو رضراض؟ قال: "حالُه المسك، ورَضْراضُه التُّوم". قال المنافق: لم أسمع كاليوم قلما جرى ماء قط على حال أو رضراض إلا كان له نَبْت. فقال الأنصاريّ: يا رسول اللَّه، هل له نبت؟ قال: "نعم قضبان الذّهب". قال المنافق: لم أسمع كاليوم فإنه قلّما نبت قضيب إلّا أوْرَقَ وإلا كان له ثَمر. قال الأنصاريّ: يا رسول اللَّه هل من ثمر؟ قال: "نعم ألوانُ الجوهر، وماؤُه أشدُّ بياضًا من اللّبن وأحلى من العسل، إنّ من شرب منه مَشْربًا لم يظمأ بعده، وإنْ حُرِمَهُ لم يَرْوَ بعده".
رواه الإمام أحمد (٣٧٨٧)، والبزار -كشف الأستار (٣٤٧٨) - والطبراني في الكبير (١٠/ ٩٨) كلهم من طريق عارم بن الفضل، حدثنا سعيد بن زيد، حدّثنا علي بن الحكم البنانيّ، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود، فذكره.
وإسناده ضعيف من أجل عثمان وهو ابن عُمير -بالتصغير- البجليّ أبو اليقظان الكوفي الأعمى اختلط، وكان يدلس ويغلو في التشيع، جمهور أهل العلم مطبقون على تضعيفه.
قال البزار: لا نعلمه يُروي بهذا اللفظ من حديث علقمة عن عبد اللَّه إلا في هذا الوجه، وقد روى الصعق بن حزن عن علي بن الحكم، عن عثمان بن عمير، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، وأحسب أن الصعق غلط في هذا الإسناد".
ومن طريق الصعق بن حزن. أخرجه الآجري في الشريعة (١٠٩٦)، والحاكم (٢/ ٣٦٤)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعثمان بن عمير هو ابن اليقظان". كذا قال والصواب: أبو اليقظان.
وتعقبه الذهبي فقال: "لا واللَّه فعثمان ضعفه الدارقطني والباقون ثقات".
وأورده الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٦٢) وقال بعد أن عزاه لأحمد والبزار والطبراني: "وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير وهو ضعيف".
стр. 631
٥ - باب ما قيل: إنّ المقام المحمود هو أن يُجلس اللَّه ﵎ نبيَّنا محمّدًا ﷺ معه على عرشه
رُوي عن عبد اللَّه بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيِّكم ﷺ فأُقْعِد بين يدي اللَّه ﵎ على كرسيه.
فقال رجلٌ لأبي مسعود -يعني الجريريّ-: إذا كان على كرسيّه فهو معه! قال: ويلكم هذا أقرُّ حديثٍ في الدُّنيا لعيني.
وإسناده ضعيف، رواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٨٦)، والخلال في السنة (٢٣٧)، والآجري في الشريعة (١٠٩٧)، وابن جرير في تفسيره كلّهم من طريق يحيى بن كثير أبي غسان العنبريّ، ثنا سلْم بن جعفر، عن سعيد الجريريّ، ثنا سيف السّدوسيّ، عن عبد اللَّه بن سلام، فذكره. وفيه رجال لا يعرفون.
قال الذهبيّ في "العلو" (٢٠٣): "هذا موقوف ولا يثبت إسناده".
ولكن قال الحاكم بعد أن رواه (٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩) من وجه آخر في حديث طويل، عن عبد اللَّه ابن سلام وفيه: "فيلقى له كرسي عن يمين اللَّه ": "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس بموقوف، فإنّ عبد اللَّه بن سلام على تقدّمه في معرفة قديمة من جملة الصحابة. وقد أسنده بذكر رسول اللَّه ﷺ في غير موضع".
كذا قال، والصحيح عكسه.
وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن مسعود قال: بينا أنا عند النّبيّ ﷺ أقرأُ عليه حتّى بلغتُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩]. قال: "يُجلسني على العرش".
أورده الذّهبيّ في "العلو" (٢٠٢) من حديث سلمة الأحمر، عن أشعث بن طُليق، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره.
قال الذّهبيّ: "هذا حديث منكر، لا يُفرح به، سلمة هذا متروك الحديث، وأشعث ثم يلق ابنَ مسعود".
قلت: سلمة هو ابن صالح الأحمر الجعفيّ الكوفيّ، ضعّفه أئمّة النّقد.
وكذلك لا يصح أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا ولا موقوفًا.
روى الذّهبيّ في "العلو" (٣٢٩) فقال: أخبرنا الحسن بن علي، أنا جعفر، أنا السلفيّ، أنا علي ابن بيان، أنا بشرى الفاتني، أنا عمر بن سَبَنْك القاضيّ، ثنا الحرّ بن محمد بن إشكاب، ثنا عمر بن مدرك الرّازيّ، ثنا مكيّ بن إبراهيم، عن جويبر، عن الضّحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُقعده على العرش.
قال الذّهبيُّ: "إسناده ساقط، وعمر هذا الرّازيّ متروك، وفيه جويبر" - هكذا قال وسكت عن الحكم عليه، وهو متروك أيضًا كما قاله النسائيّ والدّارقطنيّ بأنه متروك.
стр. 632
ثم قال الذهبيّ: "هذا مشهور من قول مجاهد، ورُوي مرفوعًا وهو باطل".
قلت: وقد رُوي عن مجاهد من عدّة طرق: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسُه معه على عرشه.
أخرجه الآجريّ في الشّريعة (٤/ ١٦١٤ - ١٦١٧)، والخلّال في السنة (١/ ٢١٢ - ٢١٣)، وابن جرير في تفسيره.
وأسانيدها كلّها ضعيفة أو منقطعة، وليس فيها شيء من المرفوع أصلًا.
قال القرطبيّ في "التذكرة" (٢/ ٦٠٥) بعد أن ذكر قول مجاهد: "هذا قول مرغوب عنه، وإن صحّ فيتأول على أنّه يجلسه مع أنبيائه وملائكته".
وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٧٥) بعد أن نقل قول مجاهد في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢] قال: تنتظر الثّواب، وليس من النّظر: "مجاهد وإن كان أحد المقدّمين في العلم بتأويل القرآن فإنّ له قولين في تأويل آيتين هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما. أحدهما هذا، والآخر في قول اللَّه : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: "يوسّع له العرش فيجلسه معه". وهذا قول مخالف للجماعة من الصّحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أنّ المقام المحمود: الشّفاعة، والكلام في هذه المسألة من جهة النظر يطول". انتهى
وقال الحافظ الذهبيّ في العلو (٢/ ١٠٨١): "أمّا قضية قعود النبيّ ﷺ على العرش فلم يثبت في ذلك نصّ، بل في الباب حديث واه. وما فسَّر به مجاهد للآية كما ذكرنا فقد أنكره بعض أهل الكلام، فقام المروزيّ وقعد، وبالغ في الانتصار لذلك، وجمع كتابًا، وطرق قول مجاهد.
قال: فممن أفتى في ذلك العصر بأنّ هذا الأثر يُسلَّم ولا يعارَض أبو داود السّجستانيّ صاحب السنن، وإبراهيم بن الحربي وخلق، بحيث إن ابن الإمام أحمد قال عقيب قول مجاهد: أنا منكر على كلّ من ردّ هذا الحديث، وهو عندي رجل سوء متهم، سمعتُه من جماعة، وما رأيت محدِّثا ينكره، وعندنا إنما تُنكره الجهميّة".
ثم قال: إنّ الفقيه أبا بكر أحمد بن سلمان النّجاد المحدّث قال: فيما نقله عنه القاضي أبو يعلى الفراء: "لو أنّ حالفًا حلف بالطّلاق ثلاثًا: إنّ اللَّه يقعد محمّدًا على العرش، واستفتاني لقلت له: صدقت وبررت".
وعلّق عليه الذهبي قائلًا: "فأبصر -حفظك اللَّه من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدّث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردون الأحاديث الصّريحة في العلو، يحاول بعض الطغام أن يرد قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: ٥] ".
قال الشّيخ الألبانيّ رحمه اللَّه تعالى: "ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرًا أن يفتي بعض العلماء من المتقدّمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذّهبيّ". ثم ذكر الخبر المذكور. انظر:
стр. 633
"الضّعيفة" (٨٦٥).
قلت: إن كان الأمر كما قال ابن عبد البر والقرطبي والذهبي وغيرهم من أهل العلم قديمًا، ومن المعاصرين فلا يقبل قول الآجري: "أما حديث مجاهد في فضيلة النبيّ ﷺ وتفسيره لهذه الآية أنه يُقعده على العرش، فقد تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل لحديث رسول اللَّه ﷺ تلقوها بأحسن تلقٍ، وقبلوها بأحسن قبول، ولم ينكروها. وأنكروا على من ردّ حديث مجاهد إنكارًا شديدًا، وقالوا: من ردّ حديث مجاهد فهو رجل سوء" انتهى.
لأنّ الأمور الغيبية لا تثبت بالرّوايات الموقوفة الضّعيفة وقد ثبت بالروايات الصّحيحة المرفوعة والموقوفة أن المقام المحمود هو الشّفاعة الكبرى، فوجب المصير إليه وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعلم بمجاهد وغيره، بل قد نُقل عن مجاهد نفسه أنّ المقام المحمود هو الشّفاعة. أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٥) عن محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: عيسى، وحدّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة.
وأمّا من قال بقول مجاهد فلعلّه قال ذلك مغايظة الجهمية لأنّهم ينكرون أن يكون شيء على العرش، كما قال أبو داود السّجستانيّ بعد أن رواه عن إبراهيم بن موسى الرّازيّ، قال: ثنا محمد ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه على عرشه.
قال أبو داود: "من أنكر هذا فهو عندنا متّهم. وقال: ما زال النّاس يحدّثون بهذا يريدون مغايظة الجهميّة، وذلك أنّ الجهميّة ينكرون أن على العرش شيئًا". رواه الخلّال في السنة (٢٤٤)، وفي إسناده ليث وهو ابن أبي سليم صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك.
ولكن لا إحالة في قبول هذا الخبر لو ثبت كما قال ابن جرير الطّبريّ بعد أن صوَّب بأنّ المقام المحمود هو الشّفاعة، قال: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن اللَّه يُقعد محمدًا ﷺ على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر؛ وذلك لأنّه لا خبر عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك" انتهى.
٦ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لكلّ من قال: لا إله إلّا اللَّه، ولم يشرك باللَّه ولو عمل الكبائر واستحقّ النار
• وعن أبي هريرة، أنه قال: قيل: يا رسول اللَّه، مَنْ أسعدُ النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث
стр. 634
أحدٌ أوّلُ منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث. أسعدُ النّاس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلّا اللَّه خالصًا من قلبه أو نفسه".
صحيح: رواه البخاريّ في العلم (٩٩) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، قال: حدّثني سليمان بن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر مثله.
• عن أنس قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "إذا كان يومُ القيامة شُفِّعْتُ. فقلت: يا ربّ أدخل الجنّة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنّة من كان في قلبه أدنى شيء".
قال أنس: كأنّي أنظر إلى أصابع رسول اللَّه ﷺ .
صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠٩) عن يوسف بن راشد، حدثنا أحمد بن عبد اللَّه، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن حُميد، قال: سمعت أنسًا، فذكر الحديث.
• عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "يخرجُ قومٌ من النّار بعد ما مسّهم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنّة، فيسمّيهم أهل الجنّة الجهنميين". وفي رواية: "ليصيبنَّ أقوامًا سَفْعٌ من النّار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم اللَّه الجنّة بفضل رحمته، يقال لهم الجهنميّون".
صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٥٩) عن هدبة بن خالد، حدّثنا همّام، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره.
والرّواية الثانية عند البخاريّ أيضًا (٧٤٥٠) من وجه آخر عن هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، عن أنس، فذكر مثله.
وقوله: "سَفْع" من سَفَعَ يسْفَعُ سَفْعًا: قبض عليه وجذبه بشدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ويقال: سفعتِ النّارُ وجهه غيّرتْ لونَ بشرته وسوَّدتْه.
هؤلاء أهل التّوحيد ارتكبوا ذنوبًا وخطايا، فأُدخلوا النّار، فأدخلهم اللَّه الجنّة برحمته، وهم الذين تشملهم الشّفاعة. وأما أهل الشّرك فلا شفاعة لهم.
• عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمّا أهل النّار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّارُ بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتةً حتّى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشّفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثُّوا على أنهار الجنّة، ثم قيل: يا أهل الجنّة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحِبَّةِ تكون في حَميل السّيل".
стр. 635
فقال رجل من القوم: كأنّ رسول اللَّه ﷺ قد كان بالبادية.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) من طرق عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكر مثله.
قوله: "ضبائر" وهو جمع ضِبارة -بكسر الضّاد وفتحها- بمعني جماعات في تفرقة، وقوله: "فبُثُّوا" أي فرقّوا.
• عن جابر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يخرج من النّار بالشّفاعة كأنّهم الثّعارير". قلت: ما الثّعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمُه. فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعتَ جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعتُ النّبيَّ ﷺ يقول: "يخرج بالشّفاعة من النّار"؟ قال: نعم.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩١: ٣١٨) كلاهما من حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر فذكر مثله، واللفظ للبخاريّ، وليس عند مسلم: "كأنّهم الثّعارير" وتفسيره.
و"الضغابيس" هي صغار القثاء، وأحدها ضغبوس وقيل غير ذلك.
وقد جاء بيان هذه القصة من وجه آخر، أخرجه مسلم وهو الآتي:
• عن يزيد الفقير، قال: كنتُ قد شغفني رأيٌ مِنْ رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريدُ أن نحجَّ، ثم نخرج على النّاس. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد اللَّه يحدّث القوم -جالسٌ إلى سارية- عن رسول اللَّه ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين. قال: فقلت له: يا صاحبَ رسولِ اللَّه، ما هذا الذي تحدِّثون؟ واللَّه يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٢]، و ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٠] فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلتُ: نعم. قال: فهل سمعتَ بمقام محمد ﵇؟ (يعني الذي يبعثه اللَّه فيه)، قلت: نعم، قال: فإنّه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرجُ اللَّه به من يخرج. قال: ثم نعت وضعَ الصّراط ومرَّ الناسِ عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أنّ قومًا يخرجون من النّار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السّماسم. قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنّة، فيغسلون فيه، فيخرجون كأنّهم
следующие страницы →