← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٥ - باب ما قيل: إنّ المقام المحمود هو أن يُجلس اللَّه ﵎ نبيَّنا محمّدًا ﷺ معه على عرشه رُوي عن عبد اللَّه بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جيء بنبيِّكم ﷺ فأُقْعِد بين يدي اللَّه ﵎ على كرسيه. فقال رجلٌ لأبي مسعود -يعني الجريريّ-: إذا كان على كرسيّه فهو معه! قال: ويلكم هذا أقرُّ حديثٍ في الدُّنيا لعيني. وإسناده ضعيف، رواه ابن أبي عاصم في السنة (٧٨٦)، والخلال في السنة (٢٣٧)، والآجري في الشريعة (١٠٩٧)، وابن جرير في تفسيره كلّهم من طريق يحيى بن كثير أبي غسان العنبريّ، ثنا سلْم بن جعفر، عن سعيد الجريريّ، ثنا سيف السّدوسيّ، عن عبد اللَّه بن سلام، فذكره. وفيه رجال لا يعرفون. قال الذهبيّ في "العلو" (٢٠٣): "هذا موقوف ولا يثبت إسناده". ولكن قال الحاكم بعد أن رواه (٤/ ٥٦٨ - ٥٦٩) من وجه آخر في حديث طويل، عن عبد اللَّه ابن سلام وفيه: "فيلقى له كرسي عن يمين اللَّه ": "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وليس بموقوف، فإنّ عبد اللَّه بن سلام على تقدّمه في معرفة قديمة من جملة الصحابة. وقد أسنده بذكر رسول اللَّه ﷺ في غير موضع". كذا قال، والصحيح عكسه. وكذلك لا يصح ما رُوي عن ابن مسعود قال: بينا أنا عند النّبيّ ﷺ أقرأُ عليه حتّى بلغتُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [سورة الإسراء: ٧٩]. قال: "يُجلسني على العرش". أورده الذّهبيّ في "العلو" (٢٠٢) من حديث سلمة الأحمر، عن أشعث بن طُليق، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. قال الذّهبيّ: "هذا حديث منكر، لا يُفرح به، سلمة هذا متروك الحديث، وأشعث ثم يلق ابنَ مسعود". قلت: سلمة هو ابن صالح الأحمر الجعفيّ الكوفيّ، ضعّفه أئمّة النّقد. وكذلك لا يصح أيضًا عن ابن عباس مرفوعًا ولا موقوفًا. روى الذّهبيّ في "العلو" (٣٢٩) فقال: أخبرنا الحسن بن علي، أنا جعفر، أنا السلفيّ، أنا علي ابن بيان، أنا بشرى الفاتني، أنا عمر بن سَبَنْك القاضيّ، ثنا الحرّ بن محمد بن إشكاب، ثنا عمر بن مدرك الرّازيّ، ثنا مكيّ بن إبراهيم، عن جويبر، عن الضّحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يُقعده على العرش. قال الذّهبيُّ: "إسناده ساقط، وعمر هذا الرّازيّ متروك، وفيه جويبر" - هكذا قال وسكت عن الحكم عليه، وهو متروك أيضًا كما قاله النسائيّ والدّارقطنيّ بأنه متروك.

стр. 632

ثم قال الذهبيّ: "هذا مشهور من قول مجاهد، ورُوي مرفوعًا وهو باطل". قلت: وقد رُوي عن مجاهد من عدّة طرق: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسُه معه على عرشه. أخرجه الآجريّ في الشّريعة (٤/ ١٦١٤ - ١٦١٧)، والخلّال في السنة (١/ ٢١٢ - ٢١٣)، وابن جرير في تفسيره. وأسانيدها كلّها ضعيفة أو منقطعة، وليس فيها شيء من المرفوع أصلًا. قال القرطبيّ في "التذكرة" (٢/ ٦٠٥) بعد أن ذكر قول مجاهد: "هذا قول مرغوب عنه، وإن صحّ فيتأول على أنّه يجلسه مع أنبيائه وملائكته". وقال ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٧٥) بعد أن نقل قول مجاهد في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [سورة القيامة: ٢٢] قال: تنتظر الثّواب، وليس من النّظر: "مجاهد وإن كان أحد المقدّمين في العلم بتأويل القرآن فإنّ له قولين في تأويل آيتين هما مهجوران عند العلماء مرغوب عنهما. أحدهما هذا، والآخر في قول اللَّه : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: "يوسّع له العرش فيجلسه معه". وهذا قول مخالف للجماعة من الصّحابة، ومن بعدهم، فالذي عليه العلماء في تأويل هذه الآية أنّ المقام المحمود: الشّفاعة، والكلام في هذه المسألة من جهة النظر يطول". انتهى وقال الحافظ الذهبيّ في العلو (٢/ ١٠٨١): "أمّا قضية قعود النبيّ ﷺ على العرش فلم يثبت في ذلك نصّ، بل في الباب حديث واه. وما فسَّر به مجاهد للآية كما ذكرنا فقد أنكره بعض أهل الكلام، فقام المروزيّ وقعد، وبالغ في الانتصار لذلك، وجمع كتابًا، وطرق قول مجاهد. قال: فممن أفتى في ذلك العصر بأنّ هذا الأثر يُسلَّم ولا يعارَض أبو داود السّجستانيّ صاحب السنن، وإبراهيم بن الحربي وخلق، بحيث إن ابن الإمام أحمد قال عقيب قول مجاهد: أنا منكر على كلّ من ردّ هذا الحديث، وهو عندي رجل سوء متهم، سمعتُه من جماعة، وما رأيت محدِّثا ينكره، وعندنا إنما تُنكره الجهميّة". ثم قال: إنّ الفقيه أبا بكر أحمد بن سلمان النّجاد المحدّث قال: فيما نقله عنه القاضي أبو يعلى الفراء: "لو أنّ حالفًا حلف بالطّلاق ثلاثًا: إنّ اللَّه يقعد محمّدًا على العرش، واستفتاني لقلت له: صدقت وبررت". وعلّق عليه الذهبي قائلًا: "فأبصر -حفظك اللَّه من الهوى- كيف آل الغلو بهذا المحدّث إلى وجوب الأخذ بأثر منكر، واليوم فيردون الأحاديث الصّريحة في العلو، يحاول بعض الطغام أن يرد قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه: ٥] ". قال الشّيخ الألبانيّ رحمه اللَّه تعالى: "ومن العجائب التي يقف العقل تجاهها حائرًا أن يفتي بعض العلماء من المتقدّمين بأثر مجاهد هذا كما ذكره الذّهبيّ". ثم ذكر الخبر المذكور. انظر:

стр. 633

"الضّعيفة" (٨٦٥). قلت: إن كان الأمر كما قال ابن عبد البر والقرطبي والذهبي وغيرهم من أهل العلم قديمًا، ومن المعاصرين فلا يقبل قول الآجري: "أما حديث مجاهد في فضيلة النبيّ ﷺ وتفسيره لهذه الآية أنه يُقعده على العرش، فقد تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل لحديث رسول اللَّه ﷺ تلقوها بأحسن تلقٍ، وقبلوها بأحسن قبول، ولم ينكروها. وأنكروا على من ردّ حديث مجاهد إنكارًا شديدًا، وقالوا: من ردّ حديث مجاهد فهو رجل سوء" انتهى. لأنّ الأمور الغيبية لا تثبت بالرّوايات الموقوفة الضّعيفة وقد ثبت بالروايات الصّحيحة المرفوعة والموقوفة أن المقام المحمود هو الشّفاعة الكبرى، فوجب المصير إليه وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعلم بمجاهد وغيره، بل قد نُقل عن مجاهد نفسه أنّ المقام المحمود هو الشّفاعة. أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٥) عن محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: عيسى، وحدّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة. وأمّا من قال بقول مجاهد فلعلّه قال ذلك مغايظة الجهمية لأنّهم ينكرون أن يكون شيء على العرش، كما قال أبو داود السّجستانيّ بعد أن رواه عن إبراهيم بن موسى الرّازيّ، قال: ثنا محمد ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: يجلسه على عرشه. قال أبو داود: "من أنكر هذا فهو عندنا متّهم. وقال: ما زال النّاس يحدّثون بهذا يريدون مغايظة الجهميّة، وذلك أنّ الجهميّة ينكرون أن على العرش شيئًا". رواه الخلّال في السنة (٢٤٤)، وفي إسناده ليث وهو ابن أبي سليم صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فترك. ولكن لا إحالة في قبول هذا الخبر لو ثبت كما قال ابن جرير الطّبريّ بعد أن صوَّب بأنّ المقام المحمود هو الشّفاعة، قال: "وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن اللَّه يُقعد محمدًا ﷺ على عرشه، قول غير مدفوع صحته، لا من جهة خبر ولا نظر؛ وذلك لأنّه لا خبر عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك" انتهى. ٦ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لكلّ من قال: لا إله إلّا اللَّه، ولم يشرك باللَّه ولو عمل الكبائر واستحقّ النار • وعن أبي هريرة، أنه قال: قيل: يا رسول اللَّه، مَنْ أسعدُ النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول اللَّه ﷺ : "لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث

стр. 634

أحدٌ أوّلُ منك، لما رأيتُ من حرصك على الحديث. أسعدُ النّاس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلّا اللَّه خالصًا من قلبه أو نفسه". صحيح: رواه البخاريّ في العلم (٩٩) عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، قال: حدّثني سليمان بن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة، فذكر مثله. • عن أنس قال: سمعتُ النّبيّ ﷺ يقول: "إذا كان يومُ القيامة شُفِّعْتُ. فقلت: يا ربّ أدخل الجنّة من كان في قلبه خردلة، فيدخلون، ثم أقول: أدخل الجنّة من كان في قلبه أدنى شيء". قال أنس: كأنّي أنظر إلى أصابع رسول اللَّه ﷺ . صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠٩) عن يوسف بن راشد، حدثنا أحمد بن عبد اللَّه، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن حُميد، قال: سمعت أنسًا، فذكر الحديث. • عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "يخرجُ قومٌ من النّار بعد ما مسّهم منها سَفْعٌ فيدخلون الجنّة، فيسمّيهم أهل الجنّة الجهنميين". وفي رواية: "ليصيبنَّ أقوامًا سَفْعٌ من النّار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم اللَّه الجنّة بفضل رحمته، يقال لهم الجهنميّون". صحيح: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٥٥٩) عن هدبة بن خالد، حدّثنا همّام، عن قتادة، حدّثنا أنس بن مالك، فذكره. والرّواية الثانية عند البخاريّ أيضًا (٧٤٥٠) من وجه آخر عن هشام الدّستوائيّ، عن قتادة، عن أنس، فذكر مثله. وقوله: "سَفْع" من سَفَعَ يسْفَعُ سَفْعًا: قبض عليه وجذبه بشدّة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ويقال: سفعتِ النّارُ وجهه غيّرتْ لونَ بشرته وسوَّدتْه. هؤلاء أهل التّوحيد ارتكبوا ذنوبًا وخطايا، فأُدخلوا النّار، فأدخلهم اللَّه الجنّة برحمته، وهم الذين تشملهم الشّفاعة. وأما أهل الشّرك فلا شفاعة لهم. • عن أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أمّا أهل النّار الذين هم أهلها فإنّهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس أصابتهم النّارُ بذنوبهم (أو قال: بخطاياهم)، فأماتهم إماتةً حتّى إذا كانوا فحمًا أُذن بالشّفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فبثُّوا على أنهار الجنّة، ثم قيل: يا أهل الجنّة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحِبَّةِ تكون في حَميل السّيل".

стр. 635

فقال رجل من القوم: كأنّ رسول اللَّه ﷺ قد كان بالبادية. صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨٥) من طرق عن أبي سلمة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، فذكر مثله. قوله: "ضبائر" وهو جمع ضِبارة -بكسر الضّاد وفتحها- بمعني جماعات في تفرقة، وقوله: "فبُثُّوا" أي فرقّوا. • عن جابر، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "يخرج من النّار بالشّفاعة كأنّهم الثّعارير". قلت: ما الثّعارير؟ قال: الضغابيس، وكان قد سقط فمُه. فقلت لعمرو بن دينار: أبا محمد، سمعتَ جابر بن عبد اللَّه يقول: سمعتُ النّبيَّ ﷺ يقول: "يخرج بالشّفاعة من النّار"؟ قال: نعم. متفق عليه: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٥٨)، ومسلم في الإيمان (١٩١: ٣١٨) كلاهما من حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر فذكر مثله، واللفظ للبخاريّ، وليس عند مسلم: "كأنّهم الثّعارير" وتفسيره. و"الضغابيس" هي صغار القثاء، وأحدها ضغبوس وقيل غير ذلك. وقد جاء بيان هذه القصة من وجه آخر، أخرجه مسلم وهو الآتي: • عن يزيد الفقير، قال: كنتُ قد شغفني رأيٌ مِنْ رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريدُ أن نحجَّ، ثم نخرج على النّاس. قال: فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد اللَّه يحدّث القوم -جالسٌ إلى سارية- عن رسول اللَّه ﷺ . قال: فإذا هو قد ذكر الجهنَّميين. قال: فقلت له: يا صاحبَ رسولِ اللَّه، ما هذا الذي تحدِّثون؟ واللَّه يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة آل عمران: ١٩٢]، و ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [سورة السجدة: ٢٠] فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أتقرأ القرآن؟ قلتُ: نعم. قال: فهل سمعتَ بمقام محمد ﵇؟ (يعني الذي يبعثه اللَّه فيه)، قلت: نعم، قال: فإنّه مقام محمد ﷺ المحمود الذي يخرجُ اللَّه به من يخرج. قال: ثم نعت وضعَ الصّراط ومرَّ الناسِ عليه. قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذاك. قال: غير أنه قد زعم أنّ قومًا يخرجون من النّار بعد أن يكونوا فيها. قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السّماسم. قال: فيدخلون نهرًا من أنهار الجنّة، فيغسلون فيه، فيخرجون كأنّهم

стр. 636

القراطيس. فخرجنا قلنا: ويحكم! أترون الشيخ يكذبُ على رسول اللَّه ﷺ ؟ فرجعنا، فلا واللَّه ما خرج منا غير رجل واحد. أو كما قال أبو نعيم. صحيح: أخرجه مسلم في الإيمان (١٩١: ٣٢٠) عن الحجاج بن الشاعر، حدّثنا الفضل بن دكين، حدّثنا أبو عاصم (يعني محمد بن أبي أيوب) قال: حدثني يزيد الفقير، فذكره. "الفقير" بالفاء ثم القاف على وزن عظيم، وهو لقب له؛ لأنّه كان يشكو فقار ظهره، لا أنّه ضد الغني. • عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ قال: "يخرج قوم من النّار بشفاعة محمد ﷺ ، فيدخلون الجنّة يُسَمَّون الجهنميين". صحيح: رواه البخاريّ في الرّقاق (٦٥٦٦) عن مسدّد، حدّثنا يحيى، عن الحسن بن ذكوان، حدّثنا أبو رجاء، حدّثنا عمران بن حصين، فذكره. ورُوي مثل هذا عن ابن عباس. قال ابن خزيمة في التوحيد (٥٤٤) سمعت بندار -وهو محمد بن بشار- في الرّحلة الثانية، وقيل له: حدَّثكم يحيى بن سعيد، قال: حدّثنا الحسن بن ذكوان، عن أبي رجاء العُطارديّ، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ بمثله؟ فقال بندار: نعم. قال ابن خزيمة: "لستُ أُنكر أن يكون الخبران صحيحين؛ لأنّ أبا رجاء قد جمع بين ابن عباس وعمران بن حصين في غير هذا الحديث أيضًا". • عن أنس عن النّبيّ ﷺ قال: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي". صحيح: رواه أبو داود (٤٧٣٩)، والترمذيّ (٢٤٣٥)، وأحمد (١٣٢٢٢)، وابن خزيمة في التوحيد (٥٢٧)، وابن حبان (٦٤٦٨)، والحاكم (١/ ٦٩) كلّهم من طرق عن أنس بن مالك، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين". وقوله: "شفاعتي لأهل الكبائر" فإنّما أراد الشّفاعة بعد الشّفاعة الكبرى التي عمّت جميع المسلمين وهي شفاعة لمن قد أُدخل النّار من المؤمنين بذنوبهم وخطاياهم قد ارتكبوها، ولم يغفرها اللَّه لهم في الدّنيا، فيخرجون من النّار بشفاعته ﷺ ". ذكره ابن خزيمة (٢/ ٥٧٧). • عن جابر، قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمّتي". صحيح: رواه ابن ماجه (٤٣١٠) عن عبد الرحمن بن إبراهيم الدّمشقيّ، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا زهير بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فذكره. وهذا إسناد صحيح، والوليد بن مسلم وإن كان مدلِّسًا إلا أنّه صرَّح بالتحديث، كما أنّه توبع

стр. 637

فقد أخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٥٣١)، وابن حبان (٦٤٦٧)، والحاكم (١/ ٦٩) كلّهم من طريق عمرو بن أبي سلمة، ثنا زهير بن محمد به مثله. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". وقال: وقد تابعه محمد بن ثابت البناني عن جعفر. قلت: محمد بن ثابت البنانيّ تكلّم فيه غير واحد من أهل العلم، ومن طريقه رواه الترمذيّ (٢٤٣٦)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٣٠)، والحاكم (١/ ٦٩)، والآجريّ في الشّريعة (٧٧٨) كلّهم من طريق أبي داود الطّيالسيّ عنه، عن جعفر بن محمد بإسناده، مثله. وقال محمد بن علي وهو أبو جعفر: قال لي جابر: "يا محمد، من لم يكن من أهل الكبائر فما له، وللشّفاعة؟ ! ". قال الترمذيّ: "حديث غريب من هذا الوجه". قلت: وهو كما قال، فإنّه غريب من الوجه الذي أخرجه، وفيه زيادة منكرة ولم يتابع عليها؛ ولذا أدخله ابنُ حبان في المجروحين في ترجمة محمد بن ثابت البناني (٩٢٥) وإن لم يذكر تلك الزّيادة. وأمّا الوجه الأول الذي أخرج من طريقه ابن خزيمة وابن حبان فهو صحيح. • عن كعب بن عجرة، قال: قلت: يا رسول اللَّه، الشّفاعة؟ قال: "الشّفاعة لأهل الكبائر من أمّتي". حسن: رواه الآجريّ في الشّريعة (٧٨٠)، والخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٤٠) (في ترجمة محمد بن عمر بن عبد العزيز الهمدانيّ) كلاهما عن طريق محمد بن بكّار، حدّثنا عنبسة بن عبد الواحد، عن واصل، عن أُمَيّ أبي عبد الرحمن، عن الشّعبيّ، عن كعب بن عجرة، فذكره. قال الخطيب عقب رواية الحديث: "قال علي بن عمر -يعني الدارقطنيّ-: هذا حديث غريب من حديث الشّعبيّ، عن كعب بن عجرة، تفرّد به أُمَيّ بن ربيعة الصيرفيّ عنه، وتفرّد به واصل بن حيّان، عن أُمَيّ، ولا يعلم حدَّث به عنه غير عنبسة بن عبد الواحد". قلت: رجال إسناده ثقات لا يضرّ، تفرّد بعضهم عن بعض، أما واصل فيرى الدّارقطني أنه ابن حيان الأحدب وهو ثقة ثبت من رجال الجماعة، وقيل: هو مولى أبي عيينة وهو ثقة حجّة أيضًا. وأمّا أُمَيّ فهو ابن ربيعة الصّيرفيّ أبو عبد الرحمن وهو ثقة أيضًا. • عن عوف بن مالك الأشجعي قال: عَرَّس رسولُ اللَّه ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فافترش كلُّ رجل منّا ذراعَ راحلته، قال: فانتهيتُ إلى بعض الليل فإذا ناقهُ رسول اللَّه ﷺ ليس قُدَّامها أحدٌ، قال: فانطلقتُ أطلب رسولَ اللَّه ﷺ فإذا معاذُ بن جبل وعبد اللَّه ابن قيس قائمان، قلت: أين رسولُ اللَّه ﷺ ؟ قالا: ما ندري غير أنّا سمعنا صوتًا

стр. 638

بأعلى الوادي، فإذا مثل هزيز الرَّحل. قال: "امْكُثُوا يسيرًا". ثم جاءنا رسول اللَّه ﷺ فقال: "إنّه أتاني اللّيلة آتٍ من ربِّي فخيَّرني بين أن يَدخُلَ نصفُ أمَّتي الجنَّةَ وبين الشَّفاعةِ فاخترتُ الشَّفاعةَ". فقلنا: ننشُدُك اللَّهَ والصُّحبةَ لَمَا جعلْتَنَا من أهل شفاعتك. قال: "فإنّكم من أهل شفاعتي". قال: فأقبلْنا مَعانيقَ إلى النّاس، فإذا هم قد فَزعُوا وفَقَدُوا نَبِيَّهم، وقال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّه أتاني اللّيلة آتٍ من ربِّي فخيَّرني بين أن يَدخُلَ نصفُ أمَّتي الجنَّةَ وبين الشَّفاعةِ فاخترتُ الشَّفاعةَ". قالوا: يا رسول اللَّه نَنشُدُك اللَّهَ والصُّحْبة لما جعلتنا من أهل شفاعتك. قال: فلمّا أضَبُّوا عليه، قال: "فأنا أشهدُكم أنَّ شفاعتي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا". صحيح: رواه الإمام أحمد (٢٤٠٠٢)، وابن خزيمة (٥١٦، ٥١٧)، وابن حبان (٢١١، ٦٤٦٣)، والآجري في الشريعة (٧٩٣)، والحاكم (١/ ٦٧) كلّهم من طريق قتادة، عن أبي المليح، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، فذكره. ولفظهم سواء. وأخرجه الترمذيّ (٢٤٤١) من هذا الوجه مختصرًا. ورواه ابن ماجه (٤٣١٧) من وجه آخر مختصرًا أيضًا، وفيه: "هي لكل مسلم". وله طرق أخرى، انظر كتاب التوحيد لابن خزيمة. • عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفرٍ فنزلنا ليلة، فقمتُ أطلبُ النّبيَّ ﷺ فلم أجدْه، ووجدتُ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعريّ فقالا: ما حاجتك؟ فقلت: أين رسول اللَّه ﷺ ؟ فقالا: لا ندري فبينا نحن على ذلك، إذْ سمعنا في أعلى الوادي هديرًا كهدير الرَّحا، فلم نلبث أن جاء النَّبيُّ ﷺ . فقلنا: يا رسول اللَّه فقدناك اللّيلة؟ فقال: "إنه أتاني آتٍ من ربّي فخيّرني بين أن تكون أمتي شطر أهل الجنّة وبين الشّفاعة، فاخترتُ الشّفاعة". فقلنا: يا نبي اللَّه ادعُ اللَّه أن يجعلنا من أهل الشّفاعة. فقال: "اللهمّ اجعلهم من أهلها". ثم أتينا القوم فأخبرناهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه أن يجعلنا من أهل شفاعِتك. فقال: "اللهمّ اجعلهم من أهلها". ثم قال رسول اللَّه ﷺ : "أشهدكم أنّ شفاعتي لكلِّ من مات لا يشرك باللَّه شيئا". صحيح: رواه عبد الرزاق (٢٠٨٦٥)، وابنُ أبي عاصم (٨١٩)، وابن خزيمة (٥٢٢) كلّهم من طريق أبي قلابة، عن عوف بن مالك، قال (فذكره)، واللّفظ لعبد الرزاق، ولفظهما قريب منه. وإسناده صحيح، ورجاله ثقات غير أنّ أبا قلابة رُمي بالتدليس إلّا أنّ ابن خزيمة رواه من

стр. 639

طريقين عن أبي بشر الواسطيّ، قال: حدّثنا خالد -يعني ابن عبد اللَّه-، عن خالد -يعني الحذاء- عن أبي قلابة، بإسناده. وقال: وقال خالد: فحدّثني حميد بن هلال، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن عوف بن مالك، قال: سمعت خلْف أبي موسى هزيزًا كهزيز الرّحى، فقلت: أين رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ورائي وقد أقبل، فإذا أنا برسول اللَّه ﷺ ، فقلت: يا رسول اللَّه! إنّ النّبيّ ﷺ إذا كان بأرض العدو كان عليه حارسًا! فقال النّبيُّ ﷺ : "إنّه أتاني آتٍ من ربّي آنفًا، فخيّرني بين أن يُدخل نصف أمّتي الجنّة، وبين الشّفاعة، فاخترتُ الشّفاعة" انتهى. قال ابن خزيمة: "جعلت هذا الخبر -أعني خبر عوف بن مالك- بإسنادين: أحدهما: أبو المليح، عن عوف بن مالك. والثاني: أبو بردة، عن أبي موسى، عن عوف بن مالك". فالطّريق الأول كما سبق، والطّريق الثاني هو طريق أبي قلابة تم تحويله إلى طريق أبي بردة، عن أبي موسى، عن عوف بن مالك. ولذلك أفردتُ هذا الطّريق، ولكن رُوي هذا الحديث أيضًا من مسند أبي موسى وهو الآتي: • عن أبي موسى قال: كُنّا مع رسول اللَّه ﷺ ذات ليلة فعرّس وعرّسنا، فقال: "أتي آتٍ بعدكم من ربِّكم فخيّرني بين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة، وبين الشّفاعة، فاخترتُ الشّفاعة، فقلنا: يا رسول اللَّه، اجعلنا ممن تشفع له. قال: "أنتم منهم". قلنا: أفلا نبشِّر النّاس بها يا رسول اللَّه؟ وابتدرناه الرجال فلما كثروا على رسول اللَّه ﷺ قال: "هي لكلّ من مات لا يشرك باللَّه شيئًا". حسن: رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (٨٢١) عن هشام بن عمار، ثنا الحكم بن هشام، حدّثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، وأبي بكر ابني أبي موسى، عن أبي موسى، فذكره. وإسناده حسن من أجل الحكم بن هشام، فإنّه صدوق. • عن ابن دارة مولى عثمان، قال: إنا لبالبقيع مع أبي هريرة إذ سمعناه يقول: أنا أعلم النّاس بشفاعة محمد ﷺ يوم القيامة، قال: فتداكّ النّاس عليه، فقالوا: إيهٍ يرحمك اللَّه! قال: يقول: "اللهمّ اغفر لكل عبد مسلم، لقيك يؤمن بي لا يشرك بك". حسن: رواه أحمد (٩٨٥٢) عن حجاج، قال: حدّثنا ابن جريج، قال: حدثني العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن ابن دارة، مولى عثمان فذكره. وإسناده حسن من أجل العلاء بن عبد الرحمن وشيخه ابن دارة مولى عثمان وكلاهما حسن الحديث.

стр. 640

واختلف في ابن دارة هل له صحبة أم لا، والصحيح أنه ليست له صحبة. • عن أبي موسى، أنّ النّبيّ ﷺ كان يحرُسُه أصحابه، فقمتُ ذات ليلة، فلم أره في منامه، فأخذني ما قَدُم وما حدث، فذَهبتُ أنظر، فإذا أنا بمعاذ قد لقي الذي لقيتُ، فسمعنا صوتًا مثل هزيز الرحا، فوقفا على مكانهما، فجاء النبيّ ﷺ من قِبَل الصَّوت، فقال: "هل تدرون أين كنتُ؟ وفِيم كنتُ؟ أتاني آتٍ من ربّي ، فخيَّرني بين أن يدخل نصف أمَّتي الجنّة وبين الشّفاعة، فاخترتُ الشّفاعة". فقالا: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه أن يجعلنا في شفاعتك. فقال: "أنتم ومَنْ ماتَ لا يُشركُ باللَّه شيئًا في شفاعتي". حسن: رواه أحمد (١٩٦١٨) عن عفّان، حدّثنا حمّاد -يعني ابن سلمة- أخبرنا عاصم، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. وإسناده حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود فإنّه حسن الحديث. وعزاه الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٦٨ - ٣٦٩) إلى أحمد والطبرانيّ وقال في رواية أحمد: "رجالهما رجال الصّحيح غير عاصم بن أبي النّجود، وقد وُثِّق، وفيه ضعف". ورواه حمزة بن علي مخفر، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: غزونا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره قال: فعرّس بنا رسول اللَّه ﷺ ، فانتهيت بعض اللّيل إلى مناخ رسول اللَّه ﷺ أطلبه فلم أجده، قال: فخرجتُ بارزًا أطلبه، وإذا رجلٌ من أصحاب رسول اللَّه ﷺ يطلبُ ما أطلبُ. قال: فيينا نحن كذلك إذ اتّجه إلينا رسول اللَّه ﷺ قال: فقلنا: يا رسول اللَّه، أنت بأرض حرب ولا نأمن عليك فلولا إذْ بَدَتْ لك الحاجة قلت لبعض أصحابك، فقام معك. قال: فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّي سمعت هزيزا كهزيز الرّحى -أو حنينًا كحنين النّحل- وأتاني آت من ربّي قال: فخيرني بأن يدخل ثلث أمتي الجنّة وبين الشّفاعة لهم فاخترت لهم شفاعتي وعلمت انها أوسع لهم، فخيّرني أن يُدْخِل شطر أمّتي الجنّة وبين شفاعتي لهم فاخترت شفاعتي لهم وعلمت أنّها أوسعُ لهم". فقالا: يا رسول اللَّه، ادعُ اللَّه تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعتك. قال: فدعا لهما، ثم إنّهما نبّها أصحابَ رسول اللَّه ﷺ وأخبراهم بقول رسول اللَّه ﷺ قال: فجعلوا يأتونه، ويقولون: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعتك فيدعو لهم، قال: فلمّا أَضَبَّ عليه القوم وكَثُروا، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنّها لمن مات وهو يشهد أن لا إله الا اللَّه". رواه الإمام أحمد (١٩٧٢٤) عن حسن بن موسى -يعني الأشْيب- قال: حدّثنا سُكين بن عبد العزيز، قال: أخبرنا يزيد الأعرج. -قال عبد اللَّه: يعني أظنّه الشنّيّ- قال: حدّثنا حمزة بن علي بن مخفر، عن أبي بردة، عن أبي موسى (فذكره). وحمزة بن علي بن مخفر من رجال "التعجيل" وهو مجهول، كما ذكره المؤلف، إلّا أنه توبع،

стр. 641

ولبعض فقراته شواهد صحيحة كما مضتْ. وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا: "خُيِّرت بين الشّفاعة، أو يدخل نصف أُمّتي الجنّة، فاخترتُ الشّفاعة؛ لأنّها أعمُّ وأكفى، أترونها للمنقين؟ لا، ولكنّها للمتلوّثين الخطّاؤون". قال زياد: أما إنّها لحن، ولكن هكذا حدّثنا الذي حدّثنا. رواه الإمام أحمد (٥٤٥٢) حدّثنا معمر بن سليمان أبو عبد اللَّه، حدّثنا زياد بن خيثمة، عن علي ابن النّعمان بن قراد، عن رجل، عن عبد اللَّه بن عمر، فذكره. وعلي بن النعمان بن قراد لم يرو عنه غير زياد بن خيثمة فهو مجهول، وإن كان ابن حبان ذكره في الثقات على قاعدته في ذكر المجاهيل، واعتمده الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٧٨) فوثقه، وشيخه مبهم لا يُعرف من هو؟ . وقد رُوي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعريّ. رواه ابن ماجه (٤٣١١) من وجه آخر عن زياد بن خيثمة، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن خراش، عن أبي موسى الأشعريّ، وفيه: "أترونها للمنقِّين؟ لا، ولكنّها للمذنبين الخطّائين المتلوثين". وفي رواية أخرى عن ربعي، عن النبيّ ﷺ ، مرسلًا. ذكر الدّارقطنيّ هذا الحديث في كتابه "العلل" ونقل ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (٢/ ٤٣٨) قول الدارقطني: "ليس في الأحاديث شيء صحيح". فمن لم يتنبَّه لوقوع الاضطراب في هذا الحديث صحّحه. وقوله: "للمنقين" من التنقية - أي للمطهّرين من الذنوب. • عن أنس قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّي لأوّلُ النّاس تنشقُّ الأرضُ عن جُمْجُمَتِي يوم القيامة ولا فخر، وأُعْطي لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيّد النّاس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يدخل الجنّة يوم القيامة ولا فخر، وإنّي آتي باب الجنّة فآخذ بِحَلْقَتِها فيقولون: مَنْ هذا فأقول: أنا محمّد. فيفْتَحُون لي فأدخلُ فإذا الجبّار مستقبلي، فأسجدُ له فيقول: ارْفَعْ رَأْسَك يا محمّد، وتَكَلَّمْ يُسْمَعْ منك وقُلْ يُقْبلُ منك، واشْفَع تُشَفَّع. فأرفع رأسي، فأقول: أُمّتي أُمّتي يا ربّ، فيقول: اذْهب إلى أُمَّتك فمن وجدتَ في قلبه مثقال حبّة من شعير من الإيمان فأدخله الجنّة، فأُقْبِلُ فَمَنْ وجدتُ في قلبه ذلك فأُدخِلُهُ الجنّة. فإذا الجبَّار مستقبلي فاسجد له فيقول: ارْفَعْ رَأْسَك يا محمّد، وتَكَلَّمْ يُسْمَعْ منك وقُلْ يُقْبلُ منك، واشْفَع تُشَفَّع. فأرفع رأسي فأقول: أمّتي أمّتي أَيْ رَبِّ فيقول: اذهب إلى أمّتك فمن وجدت في قلبه

стр. 642

نصف حبة من شعير من الإيمان فأدْخلْهم الجنّة، فأذهبُ فمن وجدتُ في قلبه مثقال ذلك أدخلهم الجنّة. فإذا الجبار مُستقبلي، فأسجد له فيقول: ارْفَعْ رَأْسَك يا محمّد، وتَكَلَّمْ يُسْمَعْ منك وقُلْ يُقْبلُ منك، واشْفَع تُشَفَّع. فأرفع رأسي فأقول: أمّتي أمّتي. فيقول: اذهب إلى أمَّتِك فمن وجدتُ في قلبه مثقالَ حبَّةٍ من خَرْدل من الإيمان فأدخله الجنّة، فأذهبُ فمن وجدتُ في قلبه مثقالَ ذلك أدخلتُهم الجنّة. وفرغ اللَّهُ من حساب النّاس وأدخل من بقي من أمّتي النّار مع أهل النّار. فيقول أهلُ النّار: ما أغني عنكم أنَّكم كنتم تعبدون اللَّه لا تشركون به شيئًا! . فيقول الجبار: فبعِزَّتِي لأعتِقَنَّهم من النّار فيُرسل إليهم فيُخْرجُون وقد امْتَحَشُوا فيدخلون في نَهْر الحياة، فَينْبُتُونَ فيه كما تَنْبُتُ الحبَّةُ في غُثاءِ السَّيْل، ويُكْتَبُ بين أعينهم: هؤلاء عتقاءُ اللَّه فيُذْهبُ بهم فَيُدْخلُون الجنّة، فيقولُ لهم أهلُ الجنّة: هؤلاء الْجَهَنَّمِيُّوَن! فيقول الجبار: بل هؤلاء عتقاءُ الجبار". حسن: رواه الإمام أحمد (١٢٤٦٩)، وابن منده في الإيمان (٨٧٧)، وابن خزيمة في التوحيد (٦٠١)، والضّياء في المختارة (٢٣٤٥)، والدّارميّ (٥٣). كلّهم من طريق اللّيث، عن ابن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس بن مالك، فذكره، واللّفظ لأحمد. وإسناده حسن من أجل عمرو بن أبي عمرو مولى المطّلب فإنه مختلف فيه، فضعّفه ابنُ معين، والنسائيّ، ووثّقه أبو زرعة والعجليّ، وقال أحمد: ليس به بأس. وقال الذهبيّ: حديثه حسن. وهو كما قال إذا لم يأت في حديثه ما ينكر عليه. وله أسانيد ضعيفة، والذي ذكرتُه أصحّها. • عن أنس قال: سألت النبيّ ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: "أنا فاعل". قال: قلت: يا رسول اللَّه، فأين أطلبك؟ قال: "اطلبني أوّل ما تطلبني على الصّراط". قال: قلت: فإن لم ألقاك على الصّراط؟ قال: "فاطلبني عند الميزان". قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: "فاطلبني عند الحوض، فإنّي لا أخطئ هذه الثلاث المواطن". حسن: رواه الترمذيّ (٢٤٣٣) عن عبد اللَّه بن الصّباح الهاشميّ، حدّثنا بدل بن المحبَّر، حدّثنا حرب بن ميمون الأنصاريّ أبو الخطّاب، حدّثنا النّضر بن أنس، عن أبيه، فذكر مثله. ورواه الإمام أحمد (١٢٨٢٥) عن يونس بن محمد، حدّثنا حرب بن ميمون، بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل حرب بن ميمون، فإنه حسن الحديث.

стр. 643

وقال الترمذيّ: "حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". • عن أمّ حبيبة، عن النّبيّ ﷺ قال: "أُريت ما تلقى أمّتي بعدي، وسفك بعضهم دماء بعضٍ، وسبق ذلك من اللَّه، كما سبق على الأمم قبلهم، فسألته أن يولّيني شفاعةً يوم القيامة فيهم، ففعل". صحيح: رواه ابن خزيمة في التوحيد (٥٣٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٠١)، والحاكم (١/ ٦٨) كلّهم من طريق أبي اليمان، قال: حدّثنا شعيب -وهو ابن أبي حمزة-، عن الزهريّ، عن أنس، عن أمِّ حبيبة، فذكرته. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه، والعلّة عندهما فيه أنّ أبا اليمان حدّث به مرّتين، فقال مرّة عن شعيب، عن الزّهريّ، عن أنس. وقال مرّة: عن شعيب، عن ابن أبي حسين، عن أنس. وقد قدّمنا القول في مثل هذا أنه لا ينكر أن يكون الحديث عند إمام من الأئمّة عن شيخين. فمرّة يحدِّثُ به عن هذا، ومرّة عن ذاك. وقد حدّثني أبو الحسن علي بن محمد بن عمر، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا إبراهيم بن هانئ النّيسابوريّ، قال: قال لنا أبو اليمان: الحديثُ حديثُ الزّهريّ، والذي حدّثكم عن ابن أبي حسين غلطتُ فيه بورقة قلبتُها. قال الحاكم: هذا كالأخذ باليد؛ فإنّ إبراهيم بن هانئ ثقة مأمون" انتهى. قلت: قول الحاكم: أن يكون الحديث عند إمام من الأئمّة عن شيخين. . . إلخ كلام سديد، ولكن يشترط له استواء الطّريقين في الصّحة، وأما إذا عُلِّلت إحدى الطّريقين فلا وجه لصحة الطّريقين كما هنا. فإنّ الحاكم نفسه نقل عن إبراهيم بن هانئ النّيسابوريّ أنه قال له أبو اليمان. . . إلخ ما ذكر. فتبيّن من هذا أنّ هذا الحديث من حديث الزّهريّ، ومن قال خلاف ذلك فلا وجه له. وقد روى جعفر بن محمد بن أبان الحرّاني أنّه سأل يحيى بن معين عن هذا الحديث فقال يحيى: أنا سألت أبا اليمان فقال: الحديث حديث الزّهريّ، فمن كتبه عنّي من حديث الزّهريّ فقد أصاب، ومن كتبه عنّي من حديث ابن أبي حسين فقد أخطأ، إنّما كتبُه في آخر حديث ابن أبي حسين، فغلطتُ فحدّثتُ به من حديث ابن أبي حسين، وهو صحيح من حديث الزّهريّ. هكذا قال يحيى. وقد رُوي هذا الحديث عن أم سلمة، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف. انظر: "السنة" لابن أبي عاصم (٨٠١). • عن ابن عمر، قال: ما زلنا نُمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من في نبيِّنا ﷺ يقول: "إنّ اللَّه ﵎ لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء". قال: "فإنّي أخّرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي يوم القيامة".

стр. 644

فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. حسن: رواه أبو يعلى (٥٨١٣)، والطبراني في الأوسط -مجمع البحرين (٤٨٠٩) -، وابن أبي عاصم في السنة (٣٨٠) كلّهم من طريق شيبان بن فرّوخ الأيلي، ثنا حرب بن سُريج المنقريّ، ثنا أيوب السّختيانيّ، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في حرب بن سريج فتكلّم فيه البخاريّ، وابن حبان، وأبو حاتم، ومشّاه أحمد وابن معين والدارقطني، وابن عدي وغيرهم، وهو حسن الحديث. واعتمد الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٥) توثيق من وثّقه فقال: "رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصّحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة". وقد رُوي عنه بإسناد آخر بلفظ: "شفاعتي يوم القيامة لأهل الكبائر من أمّتي". أورده الذهبيّ في "الميزان" (٢/ ٣١٤) في ترجمة صديق بن سعيد الصوناخي التركي، عن محمد بن نصر المروزيّ، عن يحيى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. وقال: "وهذا لم يروه هؤلاء قطّ، ولكن رواه عن صديق من يجهل حاله وهو أحمد بن عبد اللَّه ابن محمد الزيني فما أدري مَنْ وضعه" انتهى. قلت: ومن هذا الطّريق أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١١) في ترجمة الحسين بن أحمد ابن سلمة الأسديّ القاضي أبو عبد اللَّه. قال الخطيب: قرأت في كتاب علي بن محمد النُّعيمي بخطّه، حدّثني القاضي أبو عبد اللَّه الحسين ابن أحمد بن سلمة الأسديّ المالكي -ببغداد- حدّثنا أبو الحسين أحمد بن عبد اللَّه بن محمد الزيني البصريّ -بجيلا من كورة أسْفِيحان- حدّثنا الصديق بن سعيد الصّوناخي، بإسناده، مثله. وفي الباب عن أبي الدّرداء مرفوعًا: "شفاعتي لأهل الذّنوب من أمّتي". قال أبو الدّرداء: وإنْ زنى وإن سرق؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم، وإنْ زنى وإنْ سرق على رغم أنف أبي الدّرداء". رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٤١٦) (في ترجمة محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد الطّرسوسيّ أبو الفتح، يعرف بابن البصريّ)، عن الأزهريّ والقاضي أبي العلاء محمد بن علي، قالا: أنبأنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم بن محمد بن يزيد الطّرسوسيّ، قال: نبّأنا الحسن بن عبد الرحمن بن زريق -بحمص- قال: نبّأنا محمد بن سنان الشّيرازيّ، قال: نبّأنا إبراهيم بن حيان ابن طلحة، قال: نبّا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي الدّرداء، فذكره. وإسناده ضعيف، فإنّ محمد بن سنان الشّيرازيّ قال في "الميزان" (٣/ ٥٧٥): "صاحب مناكير". وفيه أيضًا القاضي أبو العلاء محمد بن علي الواسطيّ المقرئ ضعيف مخلّط، وفي الإسناد رجال لا يعرفون.

стр. 645

ولكن رواه البزّار -كشف الأستار (٥) - من وجه آخر مختصرًا، وهو قوله ﷺ : "من مات لا يُشرك باللَّه دخل الجنّة"، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن رغم أنف أبي الدّرداء". قال البزّار: "وهذا قد روي عن أبي ذر، وأبي الدّرداء، وهذا أحسن أسانيد أبي الدّرداء؛ لأنّ الحسن كوفي مشهور، وزيد ثقة". قلت: حديث أبي الدّرداء رواه الإمام أحمد (٢٧٥٦١) مطوّلًا، عن حسن قال: حدّثنا ابنُ لهيعة، عن واهب بن عبد اللَّه، أنّ أبا الدّرداء، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من قال: لا إله إلّا اللَّه، وحده لا شريك له، دخل الجنّة". قال: قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ ! قال: "وإنْ زنى وإنْ سرق". قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ ! قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟ ! قال: "وإن زنى وإن سرق، على رغم أنف أبي الدّرداء". قال: فخرجتُ لأُنادي بها في النّاس، قال: فلقيني عمر، فقال: ارجع، فإنَّ النّاس إنْ علموا بهذه، اتّكلوا عليها، فرجعتُ فأخبرتُه ﷺ ، فقال ﷺ : "صدق عمر". وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام معروف، ولعلّ الهيثميّ أشار إلى هذا في "المجمع" (١/ ١٦) بقوله: "رواه أحمد والبزّار والطبرانيّ في "الكبير"، و"الأوسط" وإسناد أحمد صحيح، وفيه ابنُ لهيعة، وقد احتجّ به غير واحد". قلت: ولكن هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد معروف أنه من حديث أبي ذرّ المتفق عليه، وقد مضى في كتاب الإيمان، وسيأتي أيضًا في كتاب صفة الجنّة. وكذلك لا يصح ما رُوي عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: "شفاعتي لأمّتي من أَحَبَّ أهلّ بيتي وهم شيعتي". رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٤٦) من طريق القاسم بن جعفر بن محمد بن عبد اللَّه بن عمر بن عليّ بن أبي طالب قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن جدّه محمد بن عمر، عن أبيه عمر بن عليّ، عن أبيه علي بن أبي طالب، فذكره. قال الخطيب: "قدم القاسم بن جعفر بغداد، وحدّث بها عن أبيه، عن جدّه، عن آبائه نسخة أكثرها مناكير". واعتمد الذّهبيّ قول الخطيب فذكره في الميزان (٣/ ٣٦٩) ولم يزد عليه. وفي الباب عن سلمان الفارسيّ قال: يأتونَ النَّبيَّ ﷺ ، فيقولون: يا نبيَّ اللَّه! أنتَ الذي فتح اللَّهُ بك، وختم بك، وغفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، قُمْ فاشفع لنا إلى ربِّك، فيقول: نعم، أنا صاحبكم، فيخرج يحوشُ النّار، حتى ينتهي إلى باب الجنّة، فيأخذ بحلق في الباب من ذهب، فيقرعُ البابَ، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد". قال: فيفتح له. قال: فيجيءُ حتّى يقومَ بين يدي اللَّه، فيستأذنُ في السُّجود، فيؤذن له. قال: فيفتحُ اللَّه له من الثّناء، والتّحميد، والتمجيد ما لم

стр. 646

يفتحْهُ لأحد من الخلائق، فينادَى: يا محمد، ارْفعْ رأسَك، سَلْ تُعْطَه، ادعُ تُجب. قال: فيرفعُ رأسه، فيقول: ربّ أمّتي أمّتي، ثم يستأذنُ في السُّجود، فيؤذنُ له، فيفتحُ له من الثّناء والتّحميد والتّمجيد ما لم يُفْتَحه لأحدٍ من الخلائق، فيُنادى: يا محمد، ارْفعْ رأسكَ، سلْ تُعطه، واشفع تشفَّع، وادعُ تُجَب. قال: يفعل ذلك مرّتين أو ثلاثًا، فيُشَفَّعُ فيمن كان في قلبه حبّة من حنطة، أو مثقالُ شعيرة، أو مثقالُ حبّة من خردل من إيمان". قال سلمان: فذلك المقام المحمود. رواه ابن خزيمة في التوحيد (٥٩٦) واللّفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (٨١٣)، والطبرانيّ في الكبير (٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤) إلّا أنه اختصره. كلّهم من طريق أبي معاوية قال: حدّثنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان النّهديّ، عن سلمان. وإسناده صحيح إلّا أنه موقوف على سلمان. • عن أنس، عن النّبيّ ﷺ قال: "ما زلتُ أشفع إلى ربّي ويُشَفِّعني حتى أقول: ربِّ شفّعني فيمن قال: لا إله إلّا اللَّه، قال: فيقول: ليست هذه لك يا محمد، إنّما هي لي، أما وعزّتي وحِلْمي ورحمتي لا أدعُ في النّار أحدًا -أو قال: عبدًا- قال: لا إله إلّا اللَّه". حسن: رواه أبو يعلى (٢٧٨٦) عن هارون بن عبد اللَّه، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عمران العمي، عن الحسن، عن أنس، فذكره. والحسن هو الإمام البصريّ معروف، ولكنّه مدلّس وصرّح بالسماع كما سيأتي. ورواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٨١)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٢٨) كلاهما من حديث حماد بن مسعدة، بإسناده، مثله. وإسناده حسن من أجل الكلام في عمران وهو ابن دَاوَر -بفتح الواو وبعدها راء- القطّان أبو العوّام العمي، غير أنّه حسن الحديث، وقد توبع. وهو ما أخرجه الشّيخان - البخاريّ (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣: ٣٢٦) كلاهما من حديث حماد ابن زيد، حدّثنا معبد بن هلال العنزي، قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك، فذكر الحديث بطوله كما مضى في شفاعة النبيّ ﷺ لأهل الموقف، وجاء فيه في آخر الحديث: "فأقول: يا ربّ، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلّا اللَّه. قال: ليس ذاك إليك، ولكن وعزّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجنّ من قال: لا إله إلّا اللَّه". وقد أشار إليه أيضًا ابن خزيمة في كتاب التوحيد (٥٨٢) فقال: في خبر حماد بن زيد، عن معبد ابن هلال، عن أنس، فذكر آخر الحديث. وأخرجه بطوله في موضع آخر (٦٠٤) من هذا الوجه، وجاء فيه: قال معبدٌ: فأقبلنا حتى إذا كُنّا بظهر الجبال، قلتُ: لو مِلنا إلى الحسن -وهو مستخفٍ في

стр. 647

منزل أبي خليفة- قال: فدخلنا عليه. فقلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، وحدّثناه حتى إذا فرغنا. قال: ما حدّثكم إلّا بهذا؟ قلنا: ما زادنا على هذا. قال: فقال الحسن: فقد حدّثني منذُ عشرين سنةً، فما أدري أنسي الشّيخُ أم كره أن يحدِّثكم، فتتكلوا؟ قال: فقالوا يا أبا سعيد، حدِّثنا، فضحك وقال: خُلق الإنسان عجولًا، إنّي لم أذكره إلا وأنا أريد أن أحدّثْكموه -كما حدَّثكم- منذ عشرين سنة. ثم قال: "فأقوم الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ له ساجدًا". قال: "فيقال لي: ارفع رأسك، وقُلْ يُسْمَعْ لك، وسَلْ تعطه، واشفع تشفّع". قال: "فأرفع رأسي، فأقول: أي ربِّ، ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه". قال: "فيقال: ليس لك ذلك، ولكن وعزّتي وكبريائي وعظمتي لأُخرجنّ منها من قال: لا إله إلّا اللَّه". انتهى. وفي صحيح مسلم قال: معبد: فأشهد على الحسن أنه حدّثنا به أنه سمع أنس بن مالك، أراه قبل عشرين سنة وهو يومئذ جميع. وليس معنى هذا الحديث أنّ قائل: لا إله إلّا اللَّه بلسانه من غير تصديق قلب يخرج من النّار، وقد جهّل ابنُ خزيمة من قال ذلك، ورماه بقلّة معرفة بدين اللَّه وأحكامه، وذلك يعود إلى جهله بأخبار النّبيّ ﷺ فمختصرها ومتقصَّاها؛ لأنّ شاهد أن لا إله إلّا اللَّه من غير أن يشهد أنّ للَّه رسلًا وكتبًا وجنّة ونارًا، وبعثًا، وحسابًا يدخل الجنّة أشدّ فرقًا". وقال أيضًا: "إذ أكثرُ أهل زماننا لا يفهمون هذه الصّناعة، ولا يميّزون بين الخبر المختصر وبين الخبر المتقصّي، فيحتجّون بالخبر المختصر، ويدَعون الخبر المتقصّ، وربّما خفي عليهم الخبر المتقصّى فيحتجّون بالخبر المختصر، ويترأسون قبل التّعلم، قد حُرموا الصّبر على طلب العلم، لا يصبرون حتى يستحقّوا الرّياسة، فيبلغوا منازل العلماء" انتهى. كتاب التوحيد (٢/ ٦١٥). ٧ - شفاعة النّبيّ ﷺ لكلّ مَنْ دعا بالدّعاء عند سماع النّداء • عن جابر بن عبد اللَّه، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من قال حين يسمع النِّداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدّعوة التّامة، والصّلاة القائمة، آتِ محمّدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّتْ له شفاعتي يوم القيامة". صحيح: رواه البخاريّ في الأذان (٦١٤) عن علي بن عياش، قال: حدّثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. وفيه أيضًا عن أبي الدّرداء، عن النّبيّ ﷺ ، ولكن إسناده ضعيف، رواه الطبرانيّ في الأوسط (مجمع البحرين) (٦٣٧). قال الهيثميّ في "المجمع" (١/ ٣٣٣): "فيه صدقة بن عبد اللَّه السّمين، ضعّفه أحمد والبخاريّ ومسلم وغيرهم، وثقه دُحيم وأبو حاتم وأحمد بن صالح المصريّ".

стр. 648

وفيه أيضًا: سليمان بن أبي كريمة، وهو ضعيف. ٨ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لمَنْ مات في المدينة • عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة فلْيمتْ بها، فإنّي أشفع لمن يموت بها". حسن: رواه الترمذيّ (٣٩١٧)، وابن ماجه (٣١٢) كلاهما من طريق معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن غريب من حديث أيوب السّختيانيّ". قلت: وهو كما قال؛ فإنّ معاذ بن هشام الدّستوائيّ لم يرتق درجة ثقة، إلّا أنّه حسن الحديث. وقد صحّحه ابنُ حبان (٣٧٤١)، وأخرجه من هذا الوجه. وقال الترمذيّ: "وفي الباب عن سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة". قلت: وهو الآتي بعد حديث صميتة. • عن صمينة -امرأة من بني ليث- وكانت في حجر رسول اللَّه ﷺ قالت: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فلْيمت، فإنّه مَنْ يموتُ بها أشفعُ له يوم القيامة، وأشهد له". صحيح: رواه النّسائيّ في "الكبرى"، وابن أبي عاصم في "الأحاد والمثاني" (٩٣٨٢) من طريق عقيل، عن الزّهريّ، عن عبيد اللَّه (ابن عبد اللَّه بن عمر)، عن عبد اللَّه بن عتبة، عن صميتة، فذكرته. وإسناده صحيح. ولكن رواه يونس عن الزّهريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، عن صميتة، بإسقاط عبد اللَّه بن عتبة. من هذا الوجه رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٣٣١). ورواه ابن حبان في صحيحه (٣٧٤٢) فقال: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن صميتة، فالظّاهر أنّه وقع غلط في الإسناد. وقد نقل الحافظ في الإصابة (٤/ ٣٥١) رواية يونس، عن الزّهريّ، عن عبيد اللَّه، عن صميتة -امرأة من بني ليث- يحدّث أنّها سمعت (فذكره). وزاد فيه: قال الزّهريّ: ثم لقيتُ عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر فسألته عن حديثها فحدّثنيه عن صميتة. هذه رواية ابن وهب، عن يونس، وهي موافقة لرواية عقيل. ورواه عتبة، عن يونس، فأدخل صفيّة بنت أبي عبيد بين عبيد اللَّه وصميتة. ورواه ابن أبي ذئب، عن الزّهريّ، فقال: عن عبيد اللَّه، عن امرأة يتيمة، عن صفية بنت أبي عبيد، عن النبي ﷺ " انتهى.

стр. 649

قلت: امرأة يتيمة هي صمية -بالتصغير- الليثية وقيل: الدارية، وكانت يتيمة في حجر عائشة. فدار الحديث بين أن يكون الحديث من مسند صميتة، وبين صفية بنت أبي عبيد. والثانية هي زوجة عبد اللَّه بن عمر، والغالب أنها لم ترو عن النبيّ ﷺ ، وإنما تروي عن أزواجه مثل عائشة وحفصة وغيرهما. وقد أكَّد أكثر أهل العلم أنّها لم تدرك النّبيّ ﷺ ، أو أدركته ولكنها لم تسمع منه. • عن سبيعة بنت الحارث الأسلميّة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمتْ؛ لأنّه لا يموتُ بها أحدٌ إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٢٤/ ٢٩٤)، وأبو يعلى كما في المطالب العالية (٢/ ٦٧)، وأبو نعيم في الصحابة (٦/ ٣٣٤٩) كلّهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدّراورديّ، عن أسامة بن زيد، عن عبد اللَّه بن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب، عن أبيه، عن سُبيعة الأسلميّة، فذكرته. ورجاله ثقات خلا عبد اللَّه بن عكرمة. قال الهيثميّ في "المجمع" (٣/ ٣٠٦): "رواه الطبرانيّ في الكبير، ورجاله رجال الصحيح خلا عبد اللَّه بن عكرمة، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وروى عنه جماعة، ولم يتكلّم فيه أحدٌ بسوء". ٩ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لمن صبر على لأواء المدينة • عن ابن عمر قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبرْ على لأوائها وشدّتها أحدٌ إلا كنتُ له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة". صحيح: رواه مالك في كتاب الجامع (٣) عن قطن بن وهب بن عُمير بن الأجدع، أن يُحَنَّس مولى الزّبير بن العوّام أخبره، أنّه كان جالسًا عند عبد اللَّه بن عمر في الفتنة، فأنَتْه مولاةً له تُسلم عليه، فقالت: إنّي أردت الخروجَ يا أبا عبد الرحمن اشتدّ علينا الزّمان. فقال لها عبد اللَّه بن عمر: اقعدي لَكِاع فإنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث). ورواه مسلم في الحجّ (١٣٧٧) عن يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالك، فذكره. وقوله: "لأوائها" شدائد المقام فيها. وقوله: "شهيدًا" أي مزكيًّا لعمله إذا كان عملُه خيرًا. • عن أبي سعيد الخدريّ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبر أحدٌ على لأوائها فيموت إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا". صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٧٤: ٤٧٧) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سعيد مولى المهْريّ أنّه جاء أبا سعيد الخدريّ ليالي الحرّة فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارَها وكثرةَ عياله، وأخبره أن لا صَبْرَ له على جَهْد المدينة ولَأوائها.

стр. 650

فقال له: ويحك لا آمرُك بذلك، إنّي سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث). • عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يدعُها أحدٌ رغبةً عنها إلّا أبدل اللَّه فيها من هو خير منه، ولا يثبثُ أحدٌ على لأوائها وجَهْدها إلّا كنتُ له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة". صحيح: رواه مسلم في الحج (١٣٦٣)، من طريق عثمان بن حكيم، حدّثني عامر بن سعد، عن أبيه (سعد بن أبي وقاص) قال (فذكر الحديث). • عن أبي هريرة، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يصبر على الأواءِ المدينة وشدّتها أحدٌ من أمتّي إلّا كنتُ له شفيعًا يوم القيامة، أو شهيدًا". صحيح: رواه مسلم في الحجّ (١٣٧٨) من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر الحديث. وفي الباب عن أسماء بنت عُميس قالت: إنّها سمعتْ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا يصبر على لأواء المدينة وشدّتها أحدٌ إلّا كنتُ له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة". رواه الإمام أحمد (٢٧٠٨٥)، والنّسائيّ في الكبرى (٤٢٨٢)، والطّبرانيّ في الكبير ٢٤/ رقم (٣٧٣) كلّهم من طريق يعقوب (ابن إبراهيم بن سعد الزّهريّ) قال: حدّثني أبي، عن الوليد بن كثير (المخزوميّ) قال: حدّثني عبد اللَّه بن مسلم الطّويل -صاحب المصاحف- أن كلابَ بن تَليد أخا بني سعد بن ليث - أنه بينا هو جالس مع سعيد بن المسيّب جاءه رسول نافع بن جُبير بن مُطْعِم بن عدي يقول: إنّ ابنَ خالتك يقرأُ عليك السَّلامَ ويقول: أخبرني كيف الحديث الذي كنتَ حدَّثْتَني عن أسماء بنت عُميس؟ فقال سعيد بن المسيب: أخْبره أن أسماء بنت عميس أخبرتني (فذكر الحديث). وفيه كلاب بن تَليد لم يؤثر فيه توثيق أحد غير ابن حبان فإنه ذكره في "الثقات" (٥/ ٣٣٨)، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا تُوبع وإلّا فلين الحديث. والرّاوي عنه عبد اللَّه بن مسلم الطويل -صاحب المقصورة أو المصاحف- لم يرو عنه سوى الوليد بن مسلم، ولم يؤثر فيه: توثيق أحد غير أن ابن حبان ذكره في الثقات (٧/ ٥٢) فقال فيه: عبد اللَّه بن محمد بن مسلم الطّويل، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول" أي إذا توبع وإلّا فليّن الحديث. وقال فيه الذّهبيّ: "لا يكادُ يُعرف". ١٠ - باب شفاعة النّبيّ ﷺ لأبي طالب لتخفيف العذاب عنه • عن أبي سعيد، أنه سمع النبيّ ﷺ وذُكر عنده عمُّه فقال: "لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٨٨٥)، ومسلم في الإيمان (٢١٠) من حديث اللّيث

стр. 651

ابن سعد، حدّثنا ابن الهاد، عن عبد اللَّه بن خبّاب، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكر مثله. قوله: "ضحضاح" هو ما رق من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، واستعير في النّار. • عن العباس بن عبد المطلب، أنّه قال للنبيّ ﷺ : ما أغنيتَ عن عمِّك، فإنّه كان يحوطُك ويغضبُ لك؟ ! قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدّرَك الأسْفل من النّار". متفق عليه: رواه البخاريّ في المناقب (٣٨٨٣)، ومسلم في الإيمان (٢٠٩) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدّثنا عبد الملك بن عمير، حدّثنا عبد اللَّه بن الحارث، حدّثنا عباس ابن عبد المطلب، فذكره. وفي لفظ عند مسلم من رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بإسناده. قلت: يا رسول اللَّه، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدتُه في غمرات من النّار، فأخرجته إلى ضحضاح". ١١ - باب ما فُضل به النّبي ﷺ على غيره من الأنبياء منها الشّفاعة • عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي، نصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعلتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلِّ، وأحلَّتْ لي الغنائم، وكان النّبيُّ ﷺ يُبعث إلى قومه خاصّة وبُعثتُ إلى النّاس كافة، وأعطيتُ الشّفاعة". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصّلاة (٤٣٨)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من حديث هُشيم، عن سيار، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. • عن أبي ذرّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُتيتُ خمسًا لم يؤتهنّ نبيٌّ كان قبلي: نُصرتُ بالرّعب؛ فيرعب مني العدو مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد كان قبلي، وبُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وقيل لي: سلْ تُعطه، فاختبأتُهَا شفاعةً لأمّتي، وهي نائلة منكم -إن شاء اللَّه- من لقي اللَّه لا يشرك به شيئًا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢١٢٩٩) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدّثني سليمان الأعمش، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، عن عبيد بن عمير اللّيثيّ، عن أبي ذر، فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن إسحاق وهو مدلس إلّا أنه صرّح بالتحديث كما أنه توبع. وقد أشار البزار -كشف الأستار (٣٤٦٠) - إلى رواية الأعمش هذه ولم يخرجها، ولكن

стр. 652

أخرجه من وجه آخر عن شعبة، عن واصل يعني الأحدب، عن مجاهد، عن أبي ذر، فذكره. قال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٧١): "رواه البزار بإسنادين حسنين". وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٣٤) من وجه آخر عن أبي أسامة وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سورة سبأ: ٢٨] فقال: حدّثنا الأعمش، بإسناده، فذكر مثله. قال مجاهد في تفسير الأحمر والأسود: الإنس والجنّ. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشّيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، إنّما أخرجاه ألفاظًا من الحديث متفرقة". ورواه أبو داود (٤٨٩) من وجه آخر عن جرير، عن الأعمش، بإسناده مختصر بلفظ: "جُعلتْ لي الأرضُ طهورًا ومسجدًا". • عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنّ رسول اللَّه ﷺ عام غزوة تبوك قام من اللّيل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلى وانصرف إليهم، فقال لهم: "لقد أُعطيتُ اللّيلة خمسًا ما أُعْطِيَهُنَّ أحدٌ قبلي: أمّا أنا فأُرْسِلْتُ إلى النّاس كلِّهم عامَّةً، وكان مَنْ قبلي إنّما يُرْسَلُ إلى قومه، ونُصِرْتُ على العدوِّ بالرُّعْب، ولو كان بيني وبينهم مسيرةُ شهرٍ لَمُلئ منه رعبًا، وأُحلَّت لي الغنائمُ آكلُها، وكان مَنْ قبلي يُعَظِّمون أَكْلَها كانوا يحرقُونَها، وجُعلت لي الأرضُ مساجدَ وطَهُورًا أينما أَدْركتني الصَّلاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وكان مَنْ قبلي يُعَظِّمون ذلك إنما كانوا يُصلُّون في كَنائِسهم وبِيَعِهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سَلْ فإنَّ كلَّ نبيٍّ قد سأل، فأخَّرْتُ مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله الا اللَّه". حسن: رواه الإمام أحمد (٧٠٦٨) عن قتيبة بن سعيد، حدّثنا بكر بن مُضر، عن ابن الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، فذكره. وإسناده حسن من أجل عمرو بن شعيب، فإنّه حسن الحديث. • عن ابن عباس، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ نبيٌّ قبلي، ولا أقولهنَّ فخرًا: بُعثتُ إلى النّاس كافّة، الأحمر والأسود، ونُصرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وأُحلَّتْ لي الغنائم، ولم تَحلَّ لأحد قبلي، وجعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأُعطيتُ الشّفاعة، فأخّرتُها لأمّتي فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٧٤٢)، والبزّار -كشف الأستار (٣٤٦٠) - وابن أبي عاصم في السنة (٨٠٣) كلّهم من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره، ولفظهم سواء. ويزيد بن أبي زياد هو الهاشميّ مختلف فيه فوثّقه ابن سعد، والعجلي، وقال ابن عدي: مع

стр. 653

ضعفه يكتب حديثه وتكلّم فيه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم، والسّبب في تضعيفه أنه لما كبر ساء حفظه وتغيّر، وكان يلقّن، ما لُقِّن وقعتِ المناكير فيه، وكان صدوقًا، قاله ابن حبان. قلت: الظّاهر أنه أصاب في هذا الحديث، ولم يخطئ لوجود متابع له، وكثرة شواهده الصّحيحة. وأما المتابع فهو ما رواه البزار -كشف الأستار- كما سبق من طريق ابن أبي يعلى، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره. وابن أبي ليلى سيء الحفظ إلّا أنه توبع أيضًا في الإسناد الأوّل. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٨/ ٢٥٨) وقال: "رواه أحمد والبزّار والطّبرانيّ بنحوه إلّا أنه قال: "حتى إنّ العدو ليخافني من مسيرة شهر أو شهرين. وقيل لي: سلْ تُعْطَه، فادّخرتُ دعوتي شفاعة لأمّتي". ورجال أحمد رجال الصّحيح غير يزيد بن أبي زياد، وهو حسن الحديث". وفي الباب أيضًا عن أبي موسى مرفوعًا: "أُعطيتُ خمسًا بعثتُ إلى الأحمر والأسود، وجعلتْ لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلتْ لي الغنائم، ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرتُ بالرّعب شهرًا، وأعطيتُ الشّفاعة، وليس من نبيّ إلّا وقد سأل الشّفاعة، وإنّي اختباتُ شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمّتي لم يشرك باللَّه شيئًا". رواه الإمام أحمد (١٩٧٣٥) عن حسين بن محمد، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعريّ. وأبو إسحاق مدلّس ومختلط، وإسرائيل سمع منه بعد الاختلاط كما قال الإمام أحمد، ولذا اضطرب في رفعه ووقفه، فقد رواه الإمام أحمد (١٩٧٣٦) من وجه آخر عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، مرسلًا، ولم يذكر أبا موسى فلعلّه عائد إلى اختلاطه فلم يتميّز من الرّفع والإرسال، أيهما أرجح، مع أنّ القاعدة أنّ زيادة الثقة مقبولة، ولكن هنا أبو إسحاق وإن كان ثقة إلّا أنه اختلط في آخر حياته. وكذلك في الباب أيضًا عن عوف بن مالك مرفوعًا: "أُعطيتُ أرْبعًا لم يُعطهنّ أحدٌ كان قبلنا، وسألتُ ربّي الخامسة فأعطانيها، كان النّبيُّ يبعث إلى قريته ولا يعدوها، وبُعثت كافة إلى النّاس، وأرهب منا عدوُّنا مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومساجد، وأحل لنا الخمسُ ولم يحل لأحد كان قبلنا، وسألتُ ربّي الخامسة، فسألته أن لا يلقاه عبد من أمّتي يوحِّده إلّا أدخله الجنّة فأعطانيها". رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٣٩٩) عن أبي يعلى، حدّثنا هارون بن عبد اللَّه الحمّال، حدّثنا ابن أبي فديك، عن عبيد اللَّه بن عبد الرّحمن بن موهب، عن عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعيّ، عن عوف بن مالك، فذكره. وعباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعيّ لم يوثقه أحدٌ وإنّما ذكره ابن حبان في كتابه

стр. 654

"الثقات"، وأخرج عنه في صحيحه، ولذا قال فيه الحافظ: "مقبول". أي إذا تُوبع، ولم يتابع فهو لين الحديث. والرّاوي عنه عبيد اللَّه بن عبد الرحمن بن موهب، قال فيه النسائي: ليس بالقوي. ١٢ - باب مَنْ لا تنالُه شفاعة النّبيّ ﷺ - • عن أبي أُمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمّتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، وكلّ غال مارق". حسن: رواه الطبرانيّ في الكبير (٨/ ٣٣٧) عن معاذ بن المثنى ومحمد بن التمار البصريّ، قالا: ثنا مسدّد، ثنا جعفر بن سليمان، عن المعلى بن زياد الفردوسيّ، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في أبي غالب صاحب أبي أمامة غير أنه حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات. أورده الهيثميّ في "المجمع" (٥/ ٢٣٥)، والمنذريّ في الترغيب والترهيب (٣٤٠٤) وقالا: رواه الطبراني في الكبير، ورجاله ثقات غير أن المنذريّ عزاه أيضًا إلى الأوسط وهو فيه كما في مجمع البحرين (٢٥٧٧) ولكن من وجه آخر عن الخليل بن مرة، عن أبي غالب، عنه ولفظه: "صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي إمام غاشم ظلوم، وغالٍ في الدّين". وفيه الخليل بن مرّة ضعيف، والرّاوي عنه العلاء بن سليمان وهو الرّقيّ، قال ابن عدي: "منكر الحديث، يأتي بمتون وأسانيد لا يتابع عليها". ولذا أفرد الهيثميّ بعد أن عزاه للطبرانيّ في "الكبير" و"الأوسط" ذكر رجال الطبرانيّ بأنهم ثقات دون رجال "الأوسط"، ولم يتنبّه له المنذريّ. • عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "رجلان لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غشوم، وآخر غال في الدِّين مارق منه". حسن: رواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٤١) كلاهما من حديث ابن المبارك، قال: أخبرني منيع، حدّثني معاوية بن قرّة، عن معقل بن يسار، فذكره. وإسناده حسن من أجل منيع، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وترجمه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٤٥٦) وهو منيع بن عبد الرحمن أبو عبد اللَّه البصريّ، وساق له حديثًا واحدًا وقال: "منيع هذا يحدِّث عن سعيد بن أبي عروبة، وعن غيره بأحاديث حسان، وفي حديثه إفرادات وأرجو أنه لا بأس به". ونقل عنه الحافظ في اللّسان (٦/ ١٠٣) ولكن تحرّف فيه إلى "منير".

стр. 655

وقال الهيثميّ في "المجمع" (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦): "رواه الطبرانيّ بإسنادين في أحدهما منيع، قال ابن عدي: له أفراد وأرجو أنه لا بأس به، وبقية رجال الأول ثقات". والإسناد الثاني الذي أشار إليه الهيثمي هو ما أخرجه الطبرانيّ في "الكبير" (٢٠/ ١٢٤) أيضًا من طريق أغلب بن تميم، عن معلى بن زياد، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي: سلطان ظلوم غشوم، وغال في الدّين يشهد عليهم فيتبرأ منهم". وإسناده ضعيف جدًّا من أجل أغلب بن تميم قال فيه البخاريّ: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: حدّث عنه يزيد بن هارون، خرج عن حدّ الاحتجاج به لكثرة خطئه. انظر ترجمته في "الميزان" (١/ ٢٧٣). وأمّا ما رُوي عن أنس مرفوعًا: "صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي: المرجئة والقدرية". قيل: يا رسول اللَّه: من القدرية؟ قال: "قوم يقولون: لا قدر". قيل: فمن المرجئة؟ قال: "قوم يكونون في آخر الزمان، إذا سئلوا عن الإيمان يقولون: نحن مؤمنون إن شاء اللَّه". فهو موضوع، أخرجه ابن الجوزيّ في "الموضوعات" (٢٨٢)، والجوزقاني في "الأباطيل" (٣٤) وقال: هذا حديث باطل، وفي إسناده ظلمات. ١٣ - باب من لا تكون له الشّفاعة • عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللّعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٩٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم وأبي حازم، عن أمِّ الدّرداء، عن أبي الدّرداء، فذكره. ١٤ - باب طلب الشّفاعة من النّبيّ ﷺ - • عن ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنتُ أبيتُ مع رسول اللَّه ﷺ ، فأتيته بوَضوئه وحاجته، فقال لي: "سَلْ". فقلتُ: أسألُك مرافتَك في الجنّة. قال: "أو غير ذلك؟ ". قلت: هو ذاك. قال: "فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود". صحيح: رواه مسلم في الصلاة (٤٨٩) عن الحكم بن موسى أبي صالح، حدّثنا حِقْل بن زياد قال: سمعت الأوزاعيّ قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب فذكره. • عن خادم للنّبيّ ﷺ رجل أو امرأة قال: كان النّبيُّ ﷺ مما يقول للخادم: "ألك حاجة؟ ". قال: حتّى كان ذات يوم، فقال: يا رسول اللَّه حاجتي. قال: "وما

стр. 656

حاجتُك؟ ". قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة. قال: "ومن دلَّك على هذا؟ ". قال: ربِّي. قال: "إما لا، فأعنّي بكثرة السّجود". صحيح: رواه الإمام أحمد (١٦٠٧٦) عن عفّان، حدّثنا خالد -يعني الواسطيّ- قال: حدّثنا عمرو بن يحيى الأنصاريّ، عن زياد بن أبي زياد مولى بني مخزوم، عن خادم، فذكره. وإسناده صحيح. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (٢/ ٢٤٩) فقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصّحيح". والخادم هو ربيعة بن كعب الأسلمي كما مضى. • عن ربيعة بن كعب، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ : "سَلْني أُعْطِكَ". قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أَنْظِرْني أنظر في أمري. قال: "فانظر في أمرك". قال: فنظرتُ، فقلت: إنّ أمر الدّنيا ينقطع، فلا أرى شيئًا خيرًا من شيء آخذُه لنفسي لآخرتي، فدخلتُ على النّبيّ ﷺ فقال: "ما حاجَتُك؟ ". فقلت: يا رسول اللَّه، اشْفَعْ لي إلى ربِّك ، فلْيُعْتقني من النّار، فقال: "مَنْ أمرك بهذا؟ ". فقلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه، ما أمرني به أحدٌ، ولكني نظرتُ في أمري، فرأيتُ أنّ الدُّنيا زائلة من أهلها، فأحببتُ أن آخُذ لآخرتي. قال: "فأعنِّي على نفسِك بكثرة السُّجود". حسن: رواه الإمام أحمد (١٦٥٧٨) عن أبي اليمان، قال: حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمرة، عن ربيعة وفيه إسماعيل بن عياش وهو ضعف في روايته عن غير أهل بلده، وهذا منها، ولكنه تابع. ومحمد بن إسحاق مدلّس، إلّا أنه صرَّحَ بالتحديث في الرواية التالية. وهي ما رواه الإمام أحمد (١٦٥٧٩) عن يعقوب، حدّثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نعيم بن مجمّر، عن ربيعة بن كعب قال: كنت أخدم رسول اللَّه ﷺ وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتى يصلي رسول اللَّه ﷺ العشاء الآخرة، فأجلسُ ببابه إذا دخل بيته أقول: لعلَّها أن تحدث لرسول اللَّه ﷺ حاجةٌ. فما أزال أسمعُه يقول رسول اللَّه ﷺ : "سبحان اللَّه سبحان اللَّه، سبحان اللَّه وبحمده". حتى أَملَّ، فارْجِعَ أو تغلبني عيني فأرقد. قال: فقال لي يومًا لما يرى من خِفّتي له وخدمتي إيّاه: "سَلْني يا ربيعةُ أُعْطِكَ". قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول اللَّه ثم أعلمك ذلك. قال: ففكّرت في نفسي، فعرفتُ أنّ الدُّنيا منقطعة زائلة، وأنَّ لي فيها رزقًا سيكفيني ويأتيني. قال: فقلت: أسأل رسول اللَّه ﷺ لآخرتي فإنه من اللَّه بالمنزل الذي هو به قال: فجئت. فقال: "ما فعلتَ يا ربيعةُ؟ ". قال: فقلت: نعم يا رسول اللَّه أسألُك أن تشفع لي إلى ربِّك فيعتقني من النّار. قال: فقال: "مَنْ أمرك بهذا يا ربيعة؟ ". قال: فقلت: لا واللَّه الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحدٌ، ولكنّك لما قلتَ: "سَلْنِي أُعْطِك". وكنتَ من اللَّه بالمنزل

стр. 657

الذي أنت به، نظرتُ في أمري وعرفت أنّ الدّنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقًا سيأتيني. فقلت: أسأل رسول اللَّه ﷺ لآخرتي. قال: فصمت رسول اللَّه ﷺ طويلًا ثم قال لي: "إنّى فاعلُ، فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود". ١٥ - باب ما جاء في شفاعة المصلين للميّت • عن عائشة، عن النّبيّ ﷺ قال: "ما من ميّتٍ يصلّي عليه أمَّةٌ من المسلمين يبلغون مائةً كلّهم يشفعون له، إلّا شُفِّعوا فيه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٧) عن الحسن بن عيسى، حدّثنا ابن المبارك، أخبرنا سلّام ابن أبي مُطيع، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن يزيد رضيع عائشة، عن عائشة، فذكرته. قال: فحدثتُ به شعيب بن الحبحاب، فقال: حدّثني به أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ . القائل: فحدّثتُ به شُعيبًا - هو سلّام بن أبي المطيع فإنّه يرويه من وجهين: أحدهما عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن عائشة. والثاني: من طريق شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، عن النبيّ ﷺ . • عن ابن عباس، أنه مات له ابنٌ بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من النّاس. قال: فخرجتُ فإذا ناسٌ قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول: هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه، فإنّي سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون باللَّه شيئًا إلّا شفّعهم اللَّه فيه". صحيح: رواه مسلم في الجنائز (٩٤٨) من طرق عن أبي صخر، عن شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمير، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد اللَّه بن عباس، فذكره. ١٦ - باب ما رُوي في شفاعة النّبيّ ﷺ لمن يصلي عليه صباحًا ومساءً رُوي فيه عن أبي الدّرداء قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من صلّى عليَّ حين يصبح عشرًا، أو حين يمسي عشرًا، أدركتْهُ شفاعتي". رواه الطّبرانيّ في الكبير عن محمد بن علي بن حبيب الطّرائفيّ الرّقيّ، حدّثنا محمد بن علي بن ميمون، حدّثنا سليمان بن عبد اللَّه الرّقيّ، حدّثنا بقية بن الوليد، عن إبراهيم بن محمد بن زياد، قال: سمعت خالد بن معدان يحدّث عن أبي الدّرداء، فذكره. أورده ابن القيم في جلاء الأفهام (ص ٢١٢ - ٢١٣) وإسناده منقطع فإن خالد بن معدان لم يسمع من أبي الدّرداء، وفيه بقية بن الوليد وهو مدلّس تدليس التسوية ولم يصرح بالتحديث.

стр. 658

قال السّخاويّ في "القول البديع" (ص ١٢٧): "رواه الطبرانيّ بإسنادين أحدهما جيد، لكن فيه انقطاع؛ لأنّ خالد بن معدان لم يسمع من أبي الدّرداء، وأخرجه ابن أبي عاصم، وفيه ضعف". ١٧ - باب في شفاعة الملائكة والنّبيين والمؤمنين • عن أبي سعيد الخدريّ، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "حتى إذا خلص المؤمنون من النّار، فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدةً للَّه في استقصاء الحقّ من المؤمنين للَّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النّار، يقولون: ربَّنا كانوا يصومون معنا، ويصلُّون ويحجُّون؟ فيقال لهم: أخرجُوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النّار. فيخرجُون خلقًا كثيرًا قد أخذت النّارُ إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربَّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرْتنا به. فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربَّنا لم نذرْ فيها أحدًا ممن أمرْتنا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقًا كثيرًا، ثم يقولون: ربّنا لم نَذرْ فيها ممن أمرتنا أحدًا. ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من خير فأخرجوه فيخرجون خلقًا كثيرًا. ثم يقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها أحدًا". وكان أبو سعيد يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: ٤٠]. فيقول اللَّه : شفعت الملائكةُ، وشفع النّبيُّون، وشفع المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحمُ الرّاحمين فيقبض قبضةً من النّار فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرًا قطّ، قد عادوا حُممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنّة يقال له: "نهر الحياة" فيخرجون كما تخرج الحِبة في حميل السّيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشّجر، ما يكون إلى الشّمس أُصيفر وأُخَيضر. وما يكون منها إلى الظّل يكون أبيض؟ ". فقالوا: يا رسول اللَّه، كأنّك كنتَ ترعى بالبادية! . قال: "فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهلُ الجنَّة. هؤلاء عتقاء اللَّه الذين أدخلهم اللَّه الجنّة بغير عمل عمِلوه ولا خير قدَّموه. ثم يقول: ادخُلوا الجنّة فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربّنا، أعطيتنا ما لم تُعط أحدًا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضلُ من هذا. فيقولون: يا ربَّنا، أيُّ شيءٍ أفضلُ من هذا؟ فيقول: رِضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدًا".

стр. 659

متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٣٩)، ومسلم في الإيمان (١٨٣) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ، فذكره في حديث طويل، انظره في رؤية المؤمنين ربَّهم يوم القيامة. • عن أبي سعيد الخدري، عن النّبيّ ﷺ قال: "قد أُعطي كلُّ نبيٍّ عطيّة، فكلّ قد تعجّلها، وإنّي أخّرتُ عطيتي شفاعةً لأمّتي، وإنّ الرّجل من أمّتي ليشفع للفئام من النّاس، فيدخلون الجنّة، وإنّ الرّجل ليشفع للقبيلة، وإنّ الرّجل ليشفع للعُصبة، وإنّ الرّجل ليشفع للثلاثة وللرّجلين وللرّجل". حسن: رواه الإمام أحمد (١١١٤٨)، وأبو يعلى (١٠١٤)، والبزّار -كشف الأستار (٣٤٥٨) - كلّهم من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عطيّة العوفيّ. ورواه ابن خزيمة في التوحيد (٦٢٦) من طريق مالك بن مغول، عن عطية، به، مثله. وإسناده حسن من أجل الكلام في عطية وهو ابن سعيد بن جنادة العوفيّ مختلف فيه. فقال ابن معين: صالح، وضعّفه النسائيّ وغيره وقال أبو حاتم: ضعيف يكتب حديثه. قلت: قول أبي حاتم هو العمدة فإنه مع ضعف فيه يكتب حديثه في الشّواهد والمتابعات، وهذا منها وإن انفرد ضُعِّف. وأرى أنه لم يخطئ في هذا الحديث لوجود شواهد كثيرة لأجزائه، وقد حسّنه الترمذيّ (٢٤٤٠) بعد أن رواه من الطّريق نفسه الجزء الثاني من الحديث. وقال الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٧١): "إسناده حسن". • عن أبي بكر الصّديق في حديث الشّفاعة في الموقف وفيه: "ثم يقال: ادعوا الصّدِّيقين فيشفعون، ثم يقال: ادْعُوا الأنبياء، قال: فيجيء النبي ومعه العصابة، والنّبي ومعه الخمسة والسّتة، والنّبيُّ وليس معه أحد. ثم يقال: ادعوا الشّهداء فيشفعون لمن أرادوا، وقال: فإذا فعلت الشُّهداء ذلك. قال: يقول اللَّه : أنا أرحم الرّاحمين، أدْخلوا جنَّتِي مَنْ كان لا يُشركُ بي شيئًا. قال: فيدخلون الجنَّةَ". حسن: رواه الإمام أحمد (١٥)، وأبو يعلى (٥٦)، والبزّار -كشف الأستار (٣٤٦٥) - كلّهم من طريق النّضر بن شُميل، قال: حدّثني أبو نَعامة، قال: حدّثني أبو هُنيد البراء بن نوفل، عن والان العدَويّ، عن حذيفة، عن أبي بكر الصّديق، فذكره في حديث طويل سبق ذكره والنكارة فيه: تقديم الصديقين على الأنبياء. • عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الرّجلَ ليشفعُ للرّجلين والثّلاثة، والرّجل للرّجل".

стр. 660

صحيح: رواه البزّار -كشف الأستار (٣٤٧٣) -، وابن خزيمة في التوحيد (٦٢٤) من طرق عن عبد الرزّاق، أنبأ معمر، عن ثابت، أنه سمع أنس بن مالك يقول (فذكره). وإسناده صحيح. • عن عبد اللَّه بن أبي الجدْعاء، أنّه سمع النبيَّ ﷺ يقول: "ليُدخلنّ الجنّة بشفاعة رجل من أمّتي أكثر من بني تميم". قالوا: يا رسول اللَّه، سواك؟ قال: "سوايَ". صحيح: رواه الترمذيّ (٢٤٣٨)، وابن ماجه (٤٣١٦) -والسياق له- كلاهما من طريق خالد الحذّاء، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن عبد اللَّه بن أبي الجدعاء، فذكره. وسياق الترمذيّ: قال عبد اللَّه بن شقيق: كنتُ مع رهط بإيلياء، فقال رجل منهم: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول (فذكر الحديث). فلما قام، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا ابنُ أبي الجدْعاء. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب، وابن أبي الجدعاء هو عبد اللَّه، وإنّما يعرف له هذا الحديث الواحد" انتهى. قلت: إسناده صحيح، وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (٦١٩)، وابن حبان في صحيحه (٧٣٣٦)، والحاكم (١/ ٧٠، ٧١)، والبيهقي في دلائل النّبوة (٦/ ٣٧٨) كلّهم من طريق خالد الحذّاء. وكان الحسن يقول: "هو أويس القرني". وفي رواية "عثمان". • عن أبي بكرة، عن النّبيّ ﷺ قال: "يُحمل النّاس على الصراط يوم القيامة، فتقادعُ بهم جنبتا الصّراط تقادعُ الفراش في النّار. قال: فينجّي اللَّهُ برحمته من يشاء". قال: "ثم يؤذن للملائكة والنّبيين والشّهداء أن يشفعوا، فيشفعون ويخرجون، ويشفعون ويُخرجون، ويشفعون ويُخرجون، وزاد عفان: مرة فقال أيضًا ويشفعون ويُخرجون مَنْ كان في قلبه ما يزن ذرّة من إيمان". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٠٤٤٠)، والبزّار -البحر الزّخار (٣٦٧١) -، والطبرانيّ في الصغير (٩٢٩)، وابن أبي عاصم في السنة (٨٣٨) كلّهم من حديث عفّان بن مسلم، حدّثنا سعيد بن زيد، قال: سمعت أبا سليمان العصريّ، حدّثنا عقبة بن صُهبان، عن أبي بكرة، عن النبيّ ﷺ ، فذكره. وإسناده حسن من أجل سعيد بن زيد وهو أخو حمّاد بن زيد فإنه حسن الحديث، وأبو سليمان العصريّ وثقه ابن معين كما روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٣٨٠) وسمّاه الدَّولابيّ في الكنى (١/ ١٩٥) كعب بن شبيب، وأخرج الحديث من طريق آخر عن سعيد بن زيد بإسناده، مثله. وقال البزّار: "لا نعلمه رواه بهذا اللّفظ إِلَّا أبو بكرة، وإسناده مرضيون". وصحّح رجاله أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٥٩). • عن أنس بن مالك، عن النّبيّ ﷺ قال: "خررتُ ساجدًا فأسجد سجودي أوّل مرة ومثله معه، ويفتح لي من الثّناء والتّحميد مثل ذلك، ثم يقال: سلْ تُعْطَه،

стр. 661

واشْفع تُشفَّع، فأقول: يا ربّ ذرية آدم لا تُحرق اليوم بالنّار، فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من إيمان فأخرجوه، فيُخرجون ما يعلم عدَّتهم إِلَّا اللَّه ، ويبقى أكثرهم، ثم يؤذن لآدم بالشّفاعة فيشفع لعشرة آلاف ألف، ثم يؤذن للملائكة والنّبيين فيشفعون حتى إنّ المؤمن ليشفعُ لأكثر من ربيعة ومضر". حسن: رواه الآجرّي في الشّريعة (٨٠٩) عن أبي بكر جعفر بن محمد الفريابيّ، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا اللّيث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس ابن مالك، فذكر الحديث بطوله، وسبق كاملا في الشّفاعة لأهل الموقف. وإسناده حسن من أجل الكلام في سعيد بن أبي هلال اللّيثيّ، غير أنه حسن الحديث. • عن حذيفة بن اليمان، أنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "يُخرجُ اللَّهُ قومًا مُنْتنين قد محشتْهم النَّارُ بشفاعة الشّافعين، فيدخلهم الجنّة، فيُسَمَّون الجهنميُّون". حسن: رواه الإمام أحمد (٢٣٤٢٣)، وأبو داود الطيالسيّ في "مسنده" (٤٢٠) ومن طريقه ابنُ خزيمة (٥٤٥)، والآجريّ في الشّريعة (٨٠٥) كلّهم من طريق شعبة، عن حمّاد، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، فذكره. وإسناده حسن من أجل حمّاد وهو ابن أبي سليمان، فإنه حسن الحديث. تنبيه: وقع سقط في مسند أبي داود الطَّيالسيّ في طبعة المعارف القديمة، فإنّ الإسناد الذي ذكر فيه وهو: "حدّثنا أبو عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة". هو لمتن آخر سقط منه وهو: "كلّ معروف صدقة". وكذا رواه أيضًا مسلم (١٠٠٥) من طريق أبي عوانة، بإسناده. وأمّا متن هذا الحديث فإسناده كما ذكرناه، وبهذا الإسناد أخرجه ابن خزيمة والآجري فلا يكون أبو مالك الأشجعيّ متابعًا لحماد بن أبي سليمان؛ لأنّ هذا الحديث يدور على حمّاد بن أبي سليمان، وعنه رواه شعبة كما مضى، ومحمد بن جعفر عند الإمام أحمد (٢٣٤٢٣)، وابن خزيمة (٥٤٢)، وحماد بن سلمة، وهشام الدّستوائيّ عند ابن أبي عاصم في السنة (٨٣٥، ٨٣٦) كلّهم عن حمّاد بن أبي سليمان، بإسناده، مثله. وقد نبّه على سقط المتن المشار إليه، الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي في تحقيق مسند أبي داود الطيالسيّ فجزاه اللَّه خيرًا. • عن أبي أمامة، عن النبيّ ﷺ قال: "يخرجُ من النّار بشفاعة رجل من أمّتي أكثر من ربيعة ومضر". حسن: رواه الطّبرانيّ في الكبير (٨/ ٣٣٠) عن أحمد بن داود المكيّ، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا مبارك بن فضالة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، فذكره.

стр. 662

وأبو غالب صاحب أبي أمامة مختلف فيه، فضعّفه النسائيّ وأبو حاتم وابن حبان، ووثقه الدارقطنيّ، ويُحسَّن حديثُه في الشّواهد والمتابعات، وقد توبع. رواه الإمام أحمد (٢٢٢١٥)، والآجريّ في الشّريعة (٨١٧) كلاهما من حديث حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة، عن أبي أمامة قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ليدخلن الجنّة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيَّين -أو مثل أَحد الحيين-: ربيعة ومضر". فقال رجل: يا رسول اللَّه، أو ما ربيعة من مضر؟ فقال: "إنّما أقول ما أُقَوَّل". • عن عتبة بن عبد السُّلميّ، قال: جاء أعرابي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: ما حوضُك الذي تُحدِّث عنه؟ قال: "كما بين البيضاء إلى بصري يمدُّني اللَّه فيه بكُراعٍ لا يدري إنسانٌ مِمَّن خُلق أين طرفاه"، فكبَّر عمر بن الخطّاب، فقال: "أما الحوض فيرد عليه فقراء المهاجرين الذين يقاتلون في سبيل اللَّه، ويموتون في سبيل اللَّه. فأرجو أن يُورِثَني الكُرَاع فأشرب منه". وقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ ربي وعدني أن يدخل الجنّة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يشفع كلُّ ألف لسبعين ألفًا، ثم يَحثي ربي ﵎ بكفيه ثلاث حَثَيَات". فكبَّر عمر وقال: إنّ السَّبعين الأُوّلى ليشفعهم اللَّه في آبائهم، وأبنائهم، وعشائرهم. وأرجو أن يجعلني اللَّهُ في إحدى الحثيات الأواخر". فقال الأعرابيُّ: يا رسول اللَّه، فيها فاكهةٌ؟ قال: "نعم وفيها شجرة تدعى طوبى هي تطابق الفردوس". فقال: أيّ شجر أرضنا تُشبه؟ قال: "ليس تشبه من شجر أرضك، ولكن أتيتَ الشّام؟ ". قال: لا يا رسول اللَّه، قال: "فإنَّها تشبه شجرة في الشّام تُدعى الجوْزَةَ تنبت على ساق واحد، ثم ينتشر أعلاها". قال: فما عِظم أصلها؟ قال: "لو ارتحلتَ جذعةً من إبل أهلك لما قطعتها حتى تنكسر ترقوتُها هَرَمًا". قال: فيها عنب؟ قال: "نعم". قال: ما عظم العنقود منها؟ قال: "مسيرة شهر للغراب الأبقع لا ينثني ولا يفتر". قال: فما عظم الحبة منه؟ قال: هل ذبح أبوك من غنمه تيسًا عظيمًا؟ قال: "نعم". قال: فسلخ إهابها فأعطاه أمَّك، فقال ادبغي هذا ثم افري لنا منه ذنوبا نروي به ماشيتنا". قال: نعم. قال: فإن تلك الحبة تشبعني وأهل بيتي فقال النبيّ ﷺ : "وعامة عشيرتك". حسن: رواه الطَّبرانيّ في "الأوسط" (٤٠٤) واللّفظ له، وفي "الكبير" (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧)، وأحمد (١٧٦٤٢) مختصرًا كلّهم من طريق عامر بن زيد البكاليّ، أنه سمع عتبة بن عبد السّلميّ، فذكره. وصحّحه ابن حبان (٦٤٥٠). وإسناده حسن، عامر بن زيد البكاليّ، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٩١)، وابن أبي حاتم

стр. 663

في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه شيئًا، وهو من رجال التعجيل (٥٠٥)، ولما قال الحسيني: "ليس بالمشهور" تعقبه الحافظ فقال: "بل معروف" وأطال في ذكره، والخلاصة أنه حسن الحديث. وأورده الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٤١٤) وقال: "رواه الطّبرانيّ في "الأوسط" واللّفظ له، وفي "الكبير"، وأحمد باختصار عنهما وفيه عامر بن زيد البكاليّ، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات". وقوله: "بكراع" أي بطرف من ماء الجنّة. قال في النهاية: "وفي حديث الحوض: "فبدأ اللَّه بكراع" أي طرف من ماء الجنّة، فشبّه بالكراع لقلته وأنه كالكراع من الدَّابة". وفي الباب أيضًا ما رُوي مرسلًا عن الحسن، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يشفع عثمان بن عفّان يوم القيامة في مثل ربيعة ومضر". رواه الترمذيّ (٢٤٣٩)، والآجريّ في الشريعة (٨١٨) كلاهما من حديث جسر أبي جعفر، عن الحسن، فذكره. وهو مع إرساله ضعيف؛ لأنّ جسرًا وهو ابن فرقد القصّاب أبو جعفر، وقيل: جسر بن الحسن اليمامي ولكن كنيته أبو عثمان، كلاهما في طبقة واحدة يرويان عن الحسن إِلَّا أن الأوّل ضعيف، والثاني صدوق، والغالب أنه الأوّل لأنه يكنى بأبي جعفر. ولكن رواه الإمام أحمد في الزهد (٦٧١)، والحاكم (٣/ ٤٠٥) كلاهما من وجهين مختلفين عن الحسن، فذكر مثله. قال الحسن كما في الزهد: "كانوا يرونه عثمان بن عفان أو أويس القرنيّ". وفي المستدرك: قال أبو بكر بن عياش: "فقلت لرجل من قومه: أويس بأي شيء بلغ هذا؟ قال: فضل اللَّه يؤتيه من يشاء". وفي الباب ما رُوي عن الحارث بن أُقيش مرفوعًا: "إنّ من أمّتي مَنْ يدخلُ الجنّة بشفاعته أكثر من مضر، وإنّ من أمّتي من يعظم للنار حتى يكون أحدَ زواياها". وفيه عبد اللَّه بن قيس النخعيّ مجهول. رواه ابن ماجه (٣٢٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن داود بن أبي هند، قال: حدّثنا عبد اللَّه بن قيس، قال: كنت عند أبي بردة، ذات ليلة، فدخل علينا الحارث بن أقيش، فحدثنا الحارث ليلتئذ أن رسول اللَّه قال (فذكر الحديث). وأخرجه الإمام أحمد (١٧٨٥٨)، وابن خزيمة في كتاب التوحيد (٦٢١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧١) وقال: "صحيح على شرط مسلم". والحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة الحارث بن أقيش (١/ ٢٧٣) وقال: "أخرج ابن ماجه حديثه في الشّفاعة بسند صحيح". وله حديث آخر فيمن مات له ثلاثة من الولد.

стр. 664

وقد أخرجه ابن خزيمة (أي في التوحيد) مجموعًا إلى الحديث الآخر، ووقع عند البغويّ تصريحه بسماعه من النّبيّ ﷺ ". انتهى كلامه. قلت: في الإسناد عبد اللَّه بن قيس وهو ليس من رجال مسلم، وإنّما أخرج له ابن ماجه. وهو ممن ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا فهو في عداد المجهولين. وكذا قال الحافظ في التقريب: "مجهول". ونقل في التهذيب عن علي بن المديني أنه جهله. ولم يوثقه الذّهبيّ في الكاشف، وإنّما اكتفى بقوله: روى عنه داود بن أبي هند - يعني أنه مجهول. وقال في "الميزان" عنه داود بن أبي هند، ولعله الذي قبله - أي عبد اللَّه بن قيس، عن ابن عباس: لا يدري من هو؟ تفرّد عنه أبو إسحاق" انتهى كلامه. وأخرجه البخاريّ في التاريخ الكبير (٢/ ٢٦١) من طريق داود بن أبي هند بإسناده مكتفيًا بحديث الشّفاعة وقال: "إسناده ليس بذاك المشهور". وفي الباب ما رُوي عن ابن عمر قال: يقول النّبيُّ ﷺ للرّجل: "يا فلان قم فاشفع، فيقوم الرجل فيشفع للقيلة، ولأهل البيت، وللرّجل وللرّجلين على قدر عمله". رواه ابن خزيمة في التوحيد (٦٢٣) عن إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشّهيد، قال: حدّثنا يحيى بن يمان، عن سفيان، عن آدم بن علي، عن ابن عمر، فذكره. ويحيى بن يمان العجليّ الكوفيّ مختلف فيه فمشاه ابن معين في رواية، وضعّفه في رواية، وأكثر أهل العلم على تضعيفه لسوء حفظه حتى قال ابن عدي بعد أن أخرج عدّة من أحاديثه: "ولابن يمان عن الثوريّ غير ما ذكرت، وعامّة ما يرويه غير محفوظ، وابن يمان في نفسه لا يتعمّد الكذب، إِلَّا أنّه يخطئ ويشتبه عليه". ١٨ - باب ما جاء في شفاعة إبراهيم ﵇ للمسلمين من ولده • عن حذيفة، عن النّبيّ ﷺ قال: "يقول إبراهيم يوم القيامة: يا ربَّاه، فيقول الرَّبُّ جَلَّ وعلا: يا لبَّيكاه فيقول إبراهيم: يا ربّ، حرَّقْتَ بنيَّ. فيقول: أخرجوا من النّار من كان في قلبه ذرّةً، أو شعيرة من إيمان". صحيح: رواه ابنُ حبان (٧٣٧٨) عن محمد بن الحسن بن مكرم، قال: حدّثنا سُريج بن يونس، قال: حدّثنا مروان بن معاوية، قال: حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن حذيفة، فذكره. وإسناده صحيح. وفي الباب ما رُوي عن ربعي بن حراش قال: لقيت عبد اللَّه بن سلام فقال: ألا أحدثك حديثًا أجده في كتاب اللَّه : "إنّ اللَّه يخرج قومًا من النّار حتى إنّ إبراهيم خليل الرّحمن يقول: أي ربّ، حرَّقْت بني، فيخرجون".

стр. 665

رواه ابن خزيمة في التوحيد (٦٢٧)، والطبرانيّ في الكبير (قطعة من الجزء ١٣ - ١٤ (٣٩٦) كلاهما من حديث أبي داود، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش قال: قدمتُ المدينة فلقيتُ عبد اللَّه بن سلام، فذكره. ولفظهما سواء إِلَّا أنه ذكر في الطبرانيّ خرشة بن الحرّ، وكذلك ذكره أيضًا الهيثميّ في "المجمع" (١٠/ ٣٨١)، وعزاه إلى الطبرانيّ وقال: "رجاله رجال الصّحيح". وخرشة بن الحرّ من كبار التّابعين روى عن عبد اللَّه بن سلام، وعنه ربعي بن حراش، ولم أرَ أنَّ ربعي بن حراش روي عن عبد اللَّه بن سلام فالذي يظهر أنّه سقط في إسناد ابن خزيمة خرشة بن الحرّ. ثم هذا لم يسنده عبد اللَّه بن سلام إلى النّبيّ ﷺ . وقوله: "أجده في كتاب اللَّه" لعلّه يقصد به التَّوراة؛ لأنّه لا يوجد مثل هذا في القرآن الكريم. ١٩ - باب ما جاء في شفاعة الشّهيد • عن مقدام بن معدي كرب قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "للشّهيد ستُّ خصال: يُغفر له في أول دَفْعةٍ، ويرى مقعده من الجنّة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار: الياقوتةُ منها خيرٌ من الدُّنيا وما فيها، ويزوّج اثنين وسبعين زوجة من الحور العين، ويُشفَّع في سبعين من أقاربه". حسن: رواه الترمذيّ (١٦٦١) عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن، حدّثنا نُعيم بن حمّاد، حدّثنا بقية ابن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معدي كرب، فذكره. قال الترمذيّ: "حسن صحيح غريب". قلت: فيه بقية بن الوليد وهو مدلّس وقد عنعن، ولكنّه توبع. رواه ابن ماجه (٢٧٩٩)، والآجري في الشريعة (٨١١)، وأحمد (١٧١٨٢) كلّهم من طرق عن إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، بإسناده إِلَّا أن الآجرّي قال: "تسع خصال". وزاد الجميع خصلة واحدة وهي: "ويحلّى حلّة الإيمان". وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، وبحير بن سعد من أهل بلده، وباقي رجاله ثقات. وأمّا قوله: "ست خصال" أو "تسع خصال". والعدد الصّحيح في المتن "ثمان خصال". وفي بعض الرّوايات تكرار الزواج هكذا: ويزوَّج من الحور العين، ويزوَّج اثنين وسبعين من الحور العين". وأظنّ هذا كلّه من تخليط إسماعيل بن عياش، لأنّه كان مختلطًا في غير أهل بلده، وهذا لا يمنع أن يقع له الاختلاط أيضًا في أهل بلده أحيانًا.

стр. 666

فإذا صحّ تكرار الزواج صحَّ عدد الخصال وهو تسع. ولعلّ ممّا اضطرب فيه إسماعيل بن عياش أنه جعل هذا الحديث مرة من مسند معد يكرب، كما جعل أخرى من مسند عبادة بن الصّامت. رواه الآجريّ في الشّريعة (٨١٢) من طريقه عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير ابن مرة، عن عبادة بن الصّامت، فذكره. ولكن هذا لا يعلّل ما ثبت، أو أنّ هذا الحديث رُوي عن صحابين وكلاهما صحيح. • عن أبي الدّرداء قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: "يُشفَّع الشّهيد في سبعين من أهل بيته". حسن: رواه أبو داود (٢٥٢٢) ومن طريقه البيهقيّ (٩/ ١٦٤) عن أحمد بن صالح، حدّثنا يحيى ابن حسان، حدّثنا الوليد بن رباح الذَّماريّ، حدّثني عمي نمران بن عتبة الذَّماريّ، قال: دخلنا على أمّ الدّرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا فإنّي سمعتُ أبا الدّرداء يقول: قال رسول اللَّه ﷺ (فذكره). وإسناده حسن من أجل نمران بن عتبة روى عنه حريز بن عثمان، وشيوخ حريز كلّهم ثقات، ولم يوثقه أحدٌ وإنّما ذكره ابن حبان في "ثقاته" (٧/ ٥٤٤) وروى من طريقه في صحيحه (٤٦٦٠)، ومن طريقه رواه أيضًا الآجريّ في الشّريعة (٨١٤). أمّا الوليد بن رباح الذّماريّ فقال أبو داود: "صوابه: رباح بن الوليد". وهو: رباح بن الوليد بن يزيد بن نمران الذَّماريّ فانقلب على بعض الرّواة فقالوا: الوليد بن رباح الذّماريّ وهو "صدوق". وفي الباب عن عثمان بن عفّان مرفوعًا: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشّهداء". رواه ابن ماجه (٤٣١٣) عن سعيد بن مروان قال: حدّثنا أحمد بن يونس، قال: حدّثنا عنبسة ابن عبد الرحمن، عن عِلاق بن أبي مسلم، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفّان، فذكره. وفيه عنبسة بن عبد الرحمن الأمويّ جمهور أهل العلم متفقون على تضعيفه، وقد رماه أبو حاتم بالوضع، وشيخه علاق بن مسلم أو ابن أبي مسلم "مجهول". ٢٠ - باب ما جاء في شفاعة القرآن لأهله • عن أبي أمامة الباهليّ، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "اقرأوا القرآن، فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرأوا الزّهراوين البقرة وسورة آل عمران، فإنّهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامنان، أو كأنهما غياتيان، أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تُحاجّان عن أصحابهما. اقرأوا سورة البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة".

стр. 667

صحيح: رواه مسلم في صلاة المسافرين (٨٠٤) عن الحسن بن علي الحلوانيّ، حدّثنا أبو توبة (وهو الربيع بن نافع)، حدّثنا معاوية (يعني ابن سلّام)، عن زيد، أنه سمع أبا سلّام يقول: حدّثني أبو أمامة، فذكره. وزيد هو أخو معاوية بن سلّام بن أبي سلّام، فيكون أبو سلّام هو جدّ زيدٍ. • عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنّ سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له هي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". حسن: رواه أبو داود (١٤٠٠)، والترمذيّ (٢٨٩١)، وابن ماجه (٣٧٨٦)، وصحّحه ابن حبان (٧٨٧)، والحاكم (١/ ٥٦٥) كلّهم من طريق شعبة، عن قتادة، عن عباس الجشميّ، عن أبي هريرة، فذكره. وإسناده حسن من أجل عباس الجشمي واسم أبيه عبد اللَّه، ذكره ابن حبان في ثقاته، وأخرج حديثه في صحيحه، وصحّحه أيضًا الحاكم، وحسّنه الترمذيّ، وهو من التابعين، وروى عنه جمعٌ، فلا بأس من تحسين حديثه وخاصة في الفضائل والأحكام. وأمّا ما نقل عن البخاريّ أن الجشمي لم يذكر سماعا فلم أجده في التاريخ (٧/ ٤)، وإنْ وجد في بعض النسخ فذلك راجع إلى مذهبه، والجشمي لم يتهم بالتدليس، فعنعنته تحمل على الاتصال كما هو رأي الجمهور. وفي الباب ما رُوي عن علي بن أبي طالب مرفوعًا: "من قرأ القرآن واستظهره، فأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، أدخله اللَّه به الجنّة، وشفَّعه في عشرة من أهل بيته كلّهم وجبت له النّار". رواه الترمذيّ (٢٩٠٥) واللّفظ له، وابن ماجه (٢١٦) كلاهما من طريق حفص بن سليمان أبي عمرو، عن كثير بن زاذان، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، فذكره. واختصره ابن ماجه. ومن هذا الطّريق رواه أيضًا عبد اللَّه بن أحمد في مسند أبيه (١٢٦٨)، والآجريّ في الشّريعة (٨١٦). وحفص بن سليمان الأسديّ أبو عمرو مع إمامته في القراءة كان ضعيفًا في الحديث. قال البخاريّ: "تركوه". وقال مسلم: "متروك". وتكلَّم فيه ابنُ معين، وابن المدينيّ، والنسائيّ، والحاكم، وابن عدي وغيرهم. وكان الإمام أحمد حسن الرّأي فيه فقال: "صالح" ولعله يقصد به صلاحه في الدّين، ولجلالته في القراءات، وشيخه كثير بن زاذان مجهول. قال الذّهبيّ في "الميزان": "كثير بن زاذان عن عاصم بن ضمرة له حديث منكر". قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وليس إسناده صحيح، وحفص ابن سليمان يُضعَّف في الحديث" انتهى. • * *

стр. 668

جموع أبواب الإيمان باليوم الآخر ١ - باب ما جاء في النَّفخ في الصُّور قال اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [سورة الكهف: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [سورة طه: ١٠٢]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون: ١٠١]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [سورة النمل: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [سورة يس: ٥١]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [سورة ق: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [سورة الحاقة: ١٣]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [سورة النبأ: ١٨]. قال مجاهد: الصُّور كهيئة البوق. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [سورة المدثر: ٨]. قال ابن عباس: الصُّور. وقوله تعالى: النَّفخة الأوّلى و ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ النَّفخة الثّانية ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [سورة النازعات: ٦ - ٧]. قاله ابن عباس. • عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تفضّلوا بين أنبياء اللَّه، فإنّه

стр. 669

يُنفخ في الصُّور، فيصعق مَنْ في السّماوات وَمَنْ في الأرض إِلَّا مَنْ شاء اللَّه، ثم يُنفخ فيه أخرى، فأكون أوَّلَ من بُعث، فإذا موسى آخذ بالعرش، فلا أدري أحُوسب بصعقته يوم الطّور، أم بُعث قبلي". متفق عليه: رواه البخاريّ في أحاديث الأنبياء (٣٤١٤)، ومسلم في كتاب الفضائل (٢٣٧٣) كلاهما عن عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة، عن عبد اللَّه بن الفضل الهاشميّ، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. وفي الحديث قصة وسيأتي الحديث بطوله في كتاب الفضائل. فضائل موسى ﵇. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: قال رسول اللَّه ﷺ فذكر خروج الدّجال- ثم قال: "فيبقى شرار النّاس في خفّة الطّير وأحلام السِّباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا. فيتمثَّل لهم الشّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارّةٌ أرزاقهم، وحسنٌ عيشُهم، ثم ينفخ في الصُّور، فلا يسمعه أحدٌ إِلَّا أضغى لِيتًا، ورفع لِيتًا. قال: وأوّلُ من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق ويصعق النّاس، ثم يرسل اللَّه -أو قال: ينزل اللَّه- مطرًا كأنّه الطّلُّ أو الظّلُّ -نعمان الشّاك- فتنبتُ منه أجسادُ النّاس. ثم يُنفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. . . ". صحيح: رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٤٠) عن عبد اللَّه بن معاذ العنبريّ، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثّقفيّ. يقول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو، فذكر الحديث بطوله في قصة خروج الدّجال. • عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أُنعم وصاحبُ الصّور قد الْتقم، وحنا جبهته ينتظر متى يُؤمر أن ينفخ". قيل: قلنا يا رسول اللَّه، ما نقول يومئذ؟ قال: "قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل على اللَّه توكّلنا". صحيح: رواه أبو يعلى (١٠٨٤ - تحقيق حسين أسد) عن عثمان، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، فذكر الحديث. وإسناده صحيح. وصحّحه ابن حبّان (٨٢٣). وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٥٩) من طريق إسماعيل بن إبراهيم أبي يحيى التّيميّ، عن الأعمش إِلَّا أنّ إسماعيل ضعيف. وأمّا ما رواه الترمذيّ (٢٤٣١)، وابن ماجه (٤٢٧٣)، والإمام أحمد (١١٠٣٩) وغيرهم من طريق عطية العوفيّ، عن أبي سعيد ففيه اضطراب فإنّ عطية العوفي ضعيف، وقد اضطرب فيه فمرة يرويه عن أبي سعيد، وأخرى عن ابن عباس، وثالثه عن زيد بن أسلم، وقد أورد هذا الحديث ابنُ

стр. 670

عدي في "الكامل" (٣/ ٨٩١) وذكر فيه هذا الاختلاف. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن طَرْف صاحب الصّور مذ وكِّل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتدّ إليه طرْفه، كأنّ عينيه كوكبان درّيان". حسن: رواه الحاكم (٤/ ٥٥٨ - ٥٥٩) من طريق محمد بن هشام بن ملاس النّمريّ، عن مروان ابن معاوية الفزاريّ، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ، ثنا يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد". وقال الذّهبيّ: "صحيح على شرط مسلم". وإسناده حسن؛ فإنّ محمد بن هشام بن ملاس النّمري الدّمشقيّ ليس من رجال مسلم، بل ليس من رجال التهذيب غير أنّه صدوق كما قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/ ١١٦) ولذا حسَّنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٣٦٨). وأمّا عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ فهو من رجال مسلم وقال فيه ابن حجر: "مقبول" لأنه لم يوثقه غير ابن حبان فأورده في الثقات (٧/ ١٤٢) وقال: "روى عنه مروان بن معاوية الفزاريّ". وزاد ابن أبي حاتم (٥/ ٣٢١) "عبد الواحد بن زياد". وزاد الذّهبيّ في "الكاشف" ابن عيينة وغيرها. ولكن لمن يذكر أحد توثيقه من أحد الأئمة فهو في عداد المجهولين إِلَّا أن رواية مسلم له اكتسبته قوّة، ولم يأتِ في حديثه ما ينكر عليه، فلا بأس من قبول حديثه في الشّواهد. تنبيه: إنه وقع تحريف في نسخة الحاكم فقال: "عمرو بن عبد اللَّه بن الأصمّ". والصَّحيح أنه عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصم؛ لأنه لا يوجد في كتب الرّجال مَنْ اسمه "عمرو بن عبد اللَّه بن الأصمّ". وفي الباب عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنعم وصاحب الصّور قد التقم القرن، وحنا ظهره ينظر تجاه العرش كأن عينيه كوكبان دُريَّان، لم يَطْرِفْ قطّ مخافة أن يؤمر قبل ذلك". رواه الخطيب في "تاريخه" (٥/ ١٥٣) والضياء في المختارة (٢٥٦٧) كلاهما من حديث إسماعيل بن علي بن إسماعيل الخطبيّ، قال: حدّثنا أحمد بن منصور بن حبيب أبو بكر المروزيّ الخطيب، قال: حدّثنا عفّان بن مسلم، قال: حدّثنا همام، عن قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره. أخرجه الخطيب في ترجمة أحمد بن منصور بن حبيب وقال: حدّث عن عفّان بن مسلم وعمرو ابن عبيد المكتِب. روى عنه الحسن بن محمد بن شعبة الأنصاريّ وإسماعيل الخطبيّ، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا فهو في عداد المجهولين. ٢ - باب ما روي أنّ الذي ينفخ في الصّور هو إسرافيل ﵇ لقد ادّعى الحليمي الإجماع على أنّ الذي ينفخ في الصّور هو إسرافيل كما ذكره
следующие страницы →