Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6966–7005 · переход к 6971.
стр. 6966
حياة بعدها إلّا بعد البعث.
ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة الزمر: ٤٢].
وقوله: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي ما كسبتم، قال ابن عباس: "ما اكتسبتم من الإثم".
وقوله: ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ هو الموت.
٩ - باب قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾
قوله: ﴿حَفَظَةً﴾ أي الملائكة الذين يحفظون بدن الإنسان كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الرعد: ١١].
وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي لا يقصّرون في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها، وينزلونها حيث شاء اللَّه ، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجيين.
وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد الموت.
وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي الخلائق يُردون بالموت إلى اللَّه مولاهم؛ ليحكم بينهم؛ لأنه لا حكم إلّا له؛ لقوله في آخره: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لكمال علمه وقدرته، فإنه إذا حاسب يكون حسابه سريعا؛ لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد.
١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾
قوله: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي الرجم والحصب من السماء.
وقوله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي الخسف.
وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي فرقا متخالفين بعد ما كنتم مجتمعين.
وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أي في الفتنة فيُسلّط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل.
قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ [سورة الملك: ١٦ - ١٨].
• عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ
стр. 6967
فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "أعوذ بوجهك". قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا أهون أو هذا أيسر".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٨)، عن أبي النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، عن جابر قال: فذكره.
١١ - باب قوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾
قوله: ﴿الصُّورِ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وفي معناه أحاديث ذكرت في موضعها.
١٢ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾
قوله: ﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ذهب غير واحد من أهل العلم بأن اسم أبي إبراهيم "تارح" اعتمادًا على ما جاء في سفر التكوين: [٢٧: ١١]. وقالوا آزر اسم لصنم كان يعبده، فغلب عليه اسمه.
قلت: لا يمنع أن يكون لأبيه عدة أسماء: "تارح" و"آزر" أو أحدهما اسم، والآخر لقب، أو وقع تحريف في التوراة المزعومة في اسمه كما وقع في مواضع أخرى. فلا ينبغي الإنكار الصريح أن يكون اسمه آزر ما دام سماه اللَّه تعالى به.
١٣ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾
يعني بيّن اللَّه له وجه الدلالة لوحدانيته تعالى في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. وقد يكون ذلك على ظاهره بأن اللَّه تعالى بقدرته أرى إبراهيم ﵇ ما في السماوات والأرض من العجائب، وجلّى له بواطن الأمور وظواهرها كما روي عن بعض الصحابة والتابعين إِلَّا أنه لم يثبت مرفوعًا.
فقد روي عن مجاهد قال: "فرجت له السماوات، فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن.
كذلك ما روي عن سعيد بن جبير قال: "كُشِف له عن أديم السماوات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على خاتم رب العزة، لا إله إلّا اللَّه".
وكذلك ما روي عن سلمان، وعلي، وغيرهما. ذكرها ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٥٠ - ٣٥١) ولا يثبت من ذلك شيء مرفوعًا.
стр. 6968
وقوله: ﴿مَلَكُوتَ﴾ من الملك، وزيدت فيه التاء للمبالغة كالجبروت والرحموت والرهبوت.
وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يتوحد بتوحيد اللَّه، ويعلم حقيقة ما هداه له، وبصّره إياه من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياهم آلهة دون اللَّه تعالى. كما قاله ابن جرير.
١٤ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾
اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروي عن ابن عباس أنه مقام نظر. وكان ذلك في حال طفولته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن ذلك كفرا. وقال غيره: إنه في مقام مناظرة لقومه مبينا لهم بفلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والكواكب والشمس والقمر، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ. . .﴾ الآية.
١٥ - باب قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾
قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع أي أن اللَّه هو النافع والضار لا آلهتكم؛ لأن اللَّه قادر على كل شيء.
١٦ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣].
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٩)، ومسلم في الإيمان (١٢٤) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه.
стр. 6969
١٧ - باب قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾
قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قد يكون الضمير يعود إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين، ولا إشكال في أن الناس كلهم من ذرية نوح.
وقد يعود إلى إبراهيم؛ لأن سياق الكلام يدل على ذلك. ولكن يشكل على ذلك أمران.
أحدهما: ﴿وَلُوطًا﴾ قوله: ولوط ﵇ ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو لوط بن هاران أخي إبراهيم. (التكوين: ٢٧: ١١).
فيقال: إنه دخل تغليبا كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٢].
فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبا.
والثاني: ذكر عيسى في ذرية إبراهيم؛ لأنه ولد من مريم بدون أب.
ويجاب بأن ولد البنات من ذرية الرجال، كقول النبي ﷺ للحسن بن علي: "إنّ ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاريّ (٢٧٠٤) عن أبي بكرة.
وأم عيسى كانت من نسل داود، وهو من ذرية إبراهيم.
١٨ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾
• عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام: ٨٤ - ٩٠] ثم قال: هو منهم.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول، عن مجاهد فذكره.
ثم قال البخاريّ: زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد، قلت لابن عباس، فقال: "نبيكم ﷺ ممن أُمِرَ أن يقتدِيَ بهم".
стр. 6970
١٩ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾
قوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أي أعطيناكم، وأنعمنا به عليكم من المال والخدم.
وقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي في الدنيا. وقد جاء في الصحيح:
• عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٩) عن سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره.
٢٠ - باب قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾
قوله: ﴿بَصَائِرُ﴾ هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن.
وقوله: ﴿دَرَسْتَ﴾ بسكون السين، من الدرس وهو العلم. يعني يا محمد! أنت تعلمت من أهل الكتاب.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وهي قراءة متواترة، ومعناها: دارست أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلمتها.
كما قال المشركون من قبل أنّ بشرا يُعلّم محمدًا. وقد أخبر اللَّه عن مقالتهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة النحل: ١٠٣].
يعني لما قال المشركون إن هذا العلم الذي عند محمد يأتيه من العجم من الفرس، ردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وكذلك يرد اللَّه على هؤلاء بقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي أن هذا العلم ليس من أهل الكتاب، ولا من العجم، وإنما وحيٌ من عند اللَّه، نوضّح ذلك لقوم من أهل الكتاب خاصة، ولغيرهم عامة.
٢١ - باب قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾
نهى اللَّه رسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين مع أنها شجر وحجر، لا قيمة لها، ولكن فيه
стр. 6971
مفسدة عظيمة، وهي أنهم يسبون اللَّه تعالى الذي لا إله إلّا هو.
روي عن ابن عباس قال: قالوا: يا محمد! لتنتهين عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ ربَّك. فنهاهم اللَّه أن يسبّوا أوثانهم، فيسبوا اللَّه عدوا بغير علم.
٢٢ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾
يعني يا محمد! إن كان لك أعداء يخالفونك ويعادونك، فقد كان لكل نبي من قبلك أيضًا أعداء، فلا تحزن. وجاء في الصحيح:
• عن عائشة أنها قالت: قال ورقة بن نوفل لرسول اللَّه ﷺ : إنه لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إِلَّا عُودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. في سياق طويل.
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الوحي (٣)، ومسلم في الإيمان (١٦٠) كلاهما من حديث ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة فذكرته.
قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الشيطان هو: كل من خرج عن طاعة اللَّه وأوامره، وشيطان الإنس قد يكون شرا من شياطين الجن، وشياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فيكون الإنسان في تصرفاته مثل شياطين الجن، ثم يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول.
٢٣ - باب قوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾
فيه إخبار من اللَّه تعالى عن حال أكثر أهل الأرض بأنهم ضالون.
وفي سورة الصافات [٧١]: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وفي سورة يوسف: [١٠٣] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم إنّ ضلالهم ليس على أسس ثابتة. وإنما هي على ظنون كاذبة وحسابات باطلة.
٢٤ - باب قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾
стр. 6972
• عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه. فأنزل اللَّه ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
حسن: رواه أبو داود (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، والحاكم (٤/ ١١٣) كلهم من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الخلاف في رواية سماك وهو ابن حرب، عن عكرمة. فإنه مضطرب فيه، ولكنه لم يضطرب في هذا الحديث لوجود متابعات له كما ذكرته في كتاب الصيد والذبائح.
في هذه الآيات بيان من اللَّه تعالى للذبيحة التي يحل أكلها والتي لا يحل أكلها، فالتي يحل أكلها بدون خلاف هي الذبيحة التي ذكر اسم اللَّه تعالى عليها بخلاف ما ذبح على النصب، وكذلك الميتات، فإنها محرمة أكلها بدون خلاف.
وأما ما لم يذكر اسم اللَّه عليه فللعلماء فيه أقوال:
القول الأول: لا تحل الذبيحة التي لم يذكر اسم اللَّه عليها سواء ترك التسمية عمدا أو سهوا. وبه قال مالك في رواية، وأحمد في رواية وبعض الشافعية.
والقول الثاني: أن التسمية ليست بواجبة، وإنما هي مستحبة، فإن تركها عمدًا أو سهوًا لم تضر. وبه قال الشافعي وأصحابه ورواية عن مالك وأحمد.
وحملوا الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ على ما ذبح لغير اللَّه لقوله تعالى ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وكذلك حملوا الآية على الميتة التي كان أهل الجاهلية يأكلونها. روي عن ابن عباس أنه قال: "إذا ذبح المسلم، ولم يذكر اسم اللَّه فكلوه، فإن المسلم فيه اسم من أسماء اللَّه".
والقول الثالث: إن ترك التسمية نسيانا لم تحرم، وإن تركها عمدا تحرم. وهذا القول مروي عن جمهور أهل العلم منهم: أبو حنيفة ومالك وأحمد. وهو رأي علي وابن عباس وغيرهما من الصحابة.
٢٥ - باب قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾
• عن عبد اللَّه بن عمرو قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم اللَّه ".
صحيح: رواه أحمد (٦٦٤٤) عن معاوية بن عمرو، حدّثنا إبراهيم بن محمد أبو إسحاق الفزاري، حدّثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن زيد، عن عبد اللَّه الديلمي قال: دخلت على عبد اللَّه
стр. 6973
ابن عمرو فذكره. انظر للمزيد كتاب القدر.
النور: هو كتاب اللَّه الكريم، والظلمات هي الجها لات والضلا لات. وقد ضرب اللَّه أمثلة كثيرة في كتابه العزيز، فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ [سورة فاطر: ١٩ - ٢٣] وغيرها من الآيات.
٢٦ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾
قوله: ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾ أي شياطينهم الذين زين لهم قتل أولادهم عموما خشية فقرهم عموما، وقتل بناتهم خصوصا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ [سورة النحل: ٥٨]. وقد حذر اللَّه من قتل البنات، فقال: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨ - ٩]. ولا يزال هذا العمل الشنيع جاريا حتى اليوم في كثير من البلدان بالإجهاض بدون سبب شرعي.
٢٧ - باب قوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾
• عن ابن عباس قال: إذا سرّك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة في سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله ﴿قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٥٢٤)، عن أبي النعمان، حدّثنا أبو عوانة، عن أبي بِشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فذكره.
٢٨ - باب قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
كان أهل الجاهلية من المشركين يحرمون أشياء، ويحلون أشياء. فأخبر اللَّه تعالى نبيه بأن يُعلن لهم بأني لا أجد من الحرام إِلَّا ما أوحي إلي في هذه الآية الكريمة.
هذا بالنسبة لأهل الجاهلية الذين كانوا أحلوا الميتة والدم المسفوح وما ذيح على الأوثان والأنصاب. وأما بالنسبة للمسلمين، فقد حرم عليهم علاوة على هذه ما ذكر في [سورة المائدة:
стр. 6974
٣] وهي قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وكذا ما ذكر في الأحاديث الصحيحة.
فقال أهل العلم: وقع النسخ في الحصر الذي في سورة الأنعام. والناسخة هي آية سورة المائدة والأحاديث الصحيحية. ولا يصح الاستدلال بآية الأنعام على حلة باقي الأشياء؛ لأن حصره مرفوع.
﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يعني المهراق، وأما الدم الخالط في اللحم، فلا يحرم.
روي عن عكرمة قال: "لولا هذه الآية لتتبع المسلمون من العروق ما تتبعت اليهود".
٢٩ - باب قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾
• عن جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إنّ اللَّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام". فقيل: يا رسول اللَّه! أرأيت شحوم الميتة. فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا هو حرام". ثم قال رسول اللَّه ﷺ عند ذلك: "قاتل اللَّه اليهود إن اللَّه لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٣٦)، ومسلم في المساقاة (١٥٨١) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا ليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد اللَّه، فذكره. ولفظهما سواء.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "قاتل اللَّه اليهود، حُرّم عليهم الشحم، فباعوه وأكلوا ثمنه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٤)، ومسلم في المساقاة (٧٤: ١٥٨٣) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن وهب، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، سمعت سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن ابن عباس يقول: بلغ عمر بن الخطاب أن فلانًا باع خمرا، فقال: قاتل اللَّه فلانًا، ألم يعلم أن رسول اللَّه ﷺ قال: "قاتل اللَّه اليهود، حُرِّمت عليهم الشحوم،
стр. 6975
فجملوها فباعوها".
متفق عليه: رواه البخاريّ في البيوع (٢٢٢٣)، ومسلم في المساقاة (١٥٨٢) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، حدّثنا عمرو بن دينار، قال: أخبرني طاوس، أنه سمع ابن عباس يقول: فذكره. واللفظ للبخاري وعند مسلم: "بلغ عمر أن سمرة باع خمرا".
قوله: ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ هو من البهائم والطير ما لم يكن مشقوق الأصابع كالإبل والنعام.
وقوله: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ قال ابن جرير: "جمع، واحدها حاوِياءُ وحوية. وهي ما تحَوَّى من البطن. فاجتمع واستدار وهي بنات اللبن. وهي المباعر، وتسمى المرابض وفيها الأمعاء".
وبنات اللبن: هو ما صغر من الأمعاء.
والمباعر جمع مبعر. وهو مكان البعر من كل ذي أربع.
وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا التحريم كان بسبب بغيهم وعدوانهم كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [سورة النساء: ١٦٠].
وأما قوله تعالى في سورة آل عمران: [٩٣] ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ. . .﴾.
فكان سببه أن إسرائيل (وهو يعقوب ﵇ كان يشتكي بمرض، نحرم على نفسه بعض الأطعمة.
وروي عن ابن عباس أنه حرّم على نفسه العروق. وقيل: أنه حرّم على نفسه لحم الإبل، فحرمه أبناءه وأتباعه من غير تحريم اللَّه ذلك عليهم من وحي، أو على لسان رسول من رسله، وزادوا في تحريمهم ما شاءوا، وذلك قبل أن ينزل اللَّه التوراة. فلما أنزل اللَّه التوراة، حرم عليهم أشياء كانت حلالا ولكنهم حرموها، فحرمها اللَّه تعالى عليهم لبغيهم عقوبة لهم.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي في خبرنا هذا عن هؤلاء اليهود، بينما هم كاذبون في زعمهم، أن هذه الأشياء، إنما حرّمها إسرائيل إياها على نفسه؛ لأن الصحيح أن إسرائيل لم يحرم على نفسه إلّا بعض الأطعمة كما سبق.
٣٠ - باب قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾
• عن عبادة بن الصّامت: -وكان شهد بدرًا، وهو أحد النقباء ليلة العقبة- أن رسول اللَّه ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم
стр. 6976
وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم، فأجره على اللَّه، ومن أصاب من ذلك شيئًا، فعوقب في الدنيا، فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا، ثم ستره اللَّه، فهو إلى اللَّه إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه". فبايعناه على ذلك.
متفق عليه: رواه البخاريّ في الإيمان (١٨)، ومسلم في الحدود (١٧٠٩) كلاهما من حديث الزهري، عن أبي إدريس عائذ اللَّه بن عبد اللَّه، عن عبادة بن الصّامت فذكره.
ورواه الحاكم (٢/ ٣١٨)، من حديث سفيان بن حسين الواسطي، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصّامت قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من يبايعني على هذه الآيات، ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى ختم الآيات الثلاث. فمن وفى فأجره على اللَّه، ومن انتقص شيئًا أدركه اللَّه بها في الدنيا، كانت عقوبته. ومن أخر إلى الآخرة، كان أمره إلى اللَّه، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".
وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. إنما اتفقا جميعًا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: "بايعوني على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا". وقد روى سفيان بن حسين الواسطي كلا الحديثين عن الزهري فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما" اهـ.
قلت: إِلَّا أن سفيان بن حسين الواسطي ضعيف في الزهري كما قال به أهل العلم، فلا يقبل تفرده عن الزهري.
• عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: قلت له: آنت سمعته من عبد اللَّه؟ . قال: نعم. ورفعه أنه قال: "لا أحد أغير من اللَّه. ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه، ولذلك مدح نفسه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٤)، ومسلم في التوبة (٣٤: ٢٧٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة اللَّه أن يأتي المؤمن ما حُرِّمَ عليه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في النكاح (٥٢٢٣)، ومسلم في التوبة (٢٧٦١) كلاهما من حديث يحيى قال: حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة فذكره.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ أي نهى اللَّه تعالى أن يقتل أحد ابنه من خشية الفقر، فإن أهل الجاهلية كانوا يقتلون البنات للعار، والذكور للافتقار. وقد جاء في
стр. 6977
الصحيحين:
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: سألت أو سئل رسول اللَّه ﷺ أيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ ". قال: "أن تجعل للَّه ندا وهو خلقك". قلت: " ثم أي؟ ". قال: "ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: "ثم أي؟ ". قال: "أن تزاني بحليلة جارك". قال: ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول اللَّه ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨].
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٧٦١)، ومسلم في الإيمان (١٤٢: ٨٦)، كلاهما من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي ميسرة، عن عبد اللَّه قال: فذكره. والسياق للبخاري.
٣١ - باب قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾
قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي السبيل الواحد الذي هو سبيل اللَّه؛ لأن الحق واحد بخلاف الباطل؛ فإنّ طرقه كثيرة، كالنور فإنه واحد والظلمات كثيرة. كما قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٥٧].
• عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "خط لنا رسول اللَّه ﷺ خطا، ثم قال: "هذا سبيل اللَّه"، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.
حسن: رواه أحمد (٤١٤٢)، والبزار - كشف الأستار (٢٢١٠)، وصحّحه ابن حبان (٧، ٦)، والحاكم (٢/ ٣١٨) كلهم من طريق حماد بن زيد، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره.
وإسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث.
ورواه النسائيّ في التفسير (١١١٧٥)، وصحّحه الحاكم (٢/ ٢٣٩)، عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن مسعود به مرفوعًا.
والطريقان محفوظان، عاصم له شيخان: زر وأبو وائل - كلاهما عن ابن مسعود.
• عن النواس بن سمعان الأنصاري، عن رسول اللَّه ﷺ قال: "ضرب اللَّه مثلا
стр. 6978
صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران، فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تتعرجوا، وداعٍ يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران: حدود اللَّه، والأبواب المفتحة: محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب اللَّه، والداعي من فوق الصراط: واعظ اللَّه في قلب كل مسلم".
صحيح: رواه أحمد (١٧٦٣٤)، والطحاوي في شرح المشكل (٢١٤٢)، والحاكم (١/ ٧٣) كلهم من طرق عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم، ولا أعرف له علة".
٣٢ - باب قوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾
قوله: ﴿تَمَامًا﴾ أي كمالا لإحسانه.
وقوله: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ المراد به الجنس، فاستوى فيه مفرده وجمعه. ومعناه: الذين أحسنوا من بني إسرائيل. يؤيد هذا المعنى ما جاء في قراءة ابن مسعود ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِين أَحْسَنُوا﴾ وقيل: معنى قوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ﴾ هو موسى ﵇ نفسه، فإن اللَّه جزاه بإحسانه وقيامه بأوامره أن أعطاه الكتاب، فيه هدًى ونور. والأوّل أصح. واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي ما يحتاجون إليه من أوامر وأحكام.
٣٣ - باب قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾
قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ أي القرآن العظيم، وأخطأ من جعل اسم الإشارة للكتاب الذي أنزله اللَّه تعالى على موسى ﵇ وهو التوراة.
٣٤ - باب قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها. فإذا رآها الناس، آمن من عليها. فذاك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾.
стр. 6979
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٥)، ومسلم في الإيمان (١٥٧)، كلاهما من طريق عمارة بن القعقاع، حدّثنا أبو زرعة، حدّثنا أبو هريرة، قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما أحال على لفظ إسناد آخر قبله بنحوه.
• عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث إذا خرجن، لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٨) من طرق عن فُضَيل بن غَزْوَانَ، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: فذكره.
٣٥ - باب قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾
• عن ابن عباس عن النبي ﷺ فيما يرُوي عن ربه قال: "إنّ اللَّه كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك، فمن همَّ بحسبة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها اللَّه له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها اللَّه له عنده حسنة كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها كتبها اللَّه له سيئة واحدة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الرقاق (٦٤٩١)، ومسلم في الإيمان (١٣١) كلاهما من حديث عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدّثنا أبو رجاء العُطاردي، عن ابن عباس فذكره.
وزاد مسلم: "ومحاها اللَّه ولا يهلك على اللَّه إِلَّا هالك".
• عن أبي هريرة: "يقول اللَّه إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٥٠١)، ومسلم في الإيمان (١٢٨: ٢٠٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
وفي معناه أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الزهد.
стр. 6980
٧ - تفسير سورة الأعراف وهي مكية، وعدد آياتها ٢٠٦
١ - باب قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾
• عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوافا؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو ... كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت: هذه الآية:
صحيح: رواه مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طريق محمد بن جعفر غندر، حدّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
٢ - باب قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾
• عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا وائل يقول: سمعت عبد اللَّه بن مسعود يقول: قلت له: آنت سمعتَه من عبد اللَّه؟ قال: نعم. ورفعه أنه قال: "لا أحد أغير من اللَّه. ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه، ولذلك مدح نفسه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٤)، ومسلم في التوبة (٣٤: ٢٧٦٠) كلاهما من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
٣ - باب قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾
• عن أبى سعيد الخدري، وأبى هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ينادي مناد: إنّ لكم أن تَصِحُّوا، فلا تسقموا أبدًا. وإنّ لكم أن تحيوا، فلا تموتوا أبدًا. وإنّ لكم أن تشبوا، فلا تهرموا أبدًا. وإنّ لكم أن تنعموا، فلا تبتئسوا أبدًا". فذلك قوله ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 6981
صحيح: رواه مسلم في الجنة (٢٨٣٧) من طريق عبد الرزاق، قال: قال الثوري: فحدثني أبو إسحاق، أن الأغر حدثه، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قالا: فذكراه.
٤ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾
• عن أنس، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، فقال أبي: أراناه معاذ.
صحيح: رواه الترمذيّ (٣٠٧٤)، وأحمد (١٢٢٦٥) -واللفظ له-، وابن خزيمة في التوحيد (١٩٤ - ٢٠٠)، والحاكم (١/ ٢٥ و ٢/ ٣٢٠، ٥٧٧) كلهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس فذكره. وإسناده صحيح.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إِلَّا من حديث حماد بن سلمة".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم".
قوله: "طرف الخنصر" أي تجلّى أدنى تجلّ للجبل، فصار دكّا أي متقطعا، وأنها مثل الرمال.
وقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ أي مغشيا عليه.
• عن أبى سعيد الخدري قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ ، قد لطم وجهه. وقال: يا محمد! إنّ رجلًا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه". فدعوه. قال: "لم لطصت وجهه؟ ". قال: يا رسول اللَّه، إني مررت باليهود، فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر. فقلت: وعلى محمد؟ وأخذتني غضبة، فلطمته. قال: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُزِي بصعقة الطور".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٨)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٤) كلاهما من طريق سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري قال: فذكره، واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه بهذا الإسناد، وإنما ساق بعضه وأحال بعضه على إسناد آخر قبله.
• عن أبى هريرة قال: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، قال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى
стр. 6982
على العالمين. فرفع المسلم يده عند ذلك، فلطم وجه اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ ، فأخبره بما كان من أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم، فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي ﷺ : "لا تخيروني على موسى، فإنّ الناس يصعقون يوم القيامة، فأصعق معهم، فأكون أول مَن يفيق، فإذا موسى باطش جانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أو كان ممن استثنى اللَّه".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الخصومات (٢٤١١)، ومسلم في الفضائل (١٦: ٢٣٧٣) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري.
٥ - باب قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة، إن اللَّه أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلقِ الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا، ألقى الألواح فانكسرتْ".
صحيح: رواه أحمد (٢٤٤٧)، والطبراني في الأوسط (٢٥)، وفي الكبير (١١٨٣، ١١٨٤)، والبزار (٥٠٦٢، ٥١٥٥)، وصحّحه ابن حبان (٦٢١٣)، (٦٢١٤)، والحاكم (٢/ ٣٢١)، و (٢/ ٣٨٠) كلهم من طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
٦ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾
قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ الخطاب موجه لجميع بني آدم من العرب والعجم، والأحمر والأسود بأنه ﷺ رسول للجميع.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
• عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبُعِثت إلى الناس عامة".
стр. 6983
متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد (٥٢١) كلاهما من حديث هُشيم، أخبرنا سيار، قال: حدّثنا يزيد بن صهيب الفقير، قال: أخبرنا جابر بن عبد اللَّه فذكره في حديث طويل.
وهذا يقتضي أن يكون النبي ﷺ آخر الأنبياء؛ لأن نبوته تشمل جميع الزمان والمكان، وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠].
٧ - باب قوله: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾
وجاء في سورة البقرة [٦٠]: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
وذلك عدد الأسباط وهم: أشير، وأفريم، منسى بن يوسف، بنيامين، جاد، دان، رأوبين، زبولون، شمعون، نفتالي، يساكر، يهوذا.
وقعت هذه القصة في التيه، قال ابن عباس: "ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا عشرة عينا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون منها".
وتفاصيل هذه القصة مذكورة في سفر العدد، باب: ٢٠. وذكر فيها فصل برية صين. وهي موضع في التيه عبر به بنو إسرائيل إلى كنعان، وظن بعض المفسرين أنها بلد معروف اليوم وهو الصين.
• عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٩)، ومسلم في الأشربة (١٥٨: ٢٠٤٩) كلاهما من طريق شعبة، عن عبد الملك بن عمير، قال: سمعت عمرو بن حريث، قال: سمعت سعيد بن زيد، قال: فذكره. ولفظهما سواء.
٨ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾
• عن أبي هريرة ﵁ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "قيل لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٥٨] فبدّلوا، فدخلوا يزحفون
стр. 6984
على أستاههم، وقالوا: حبة فى شعرة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤١)، ومسلم في التفسير (٣٠١٥) كلاهما من طريق عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة، يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
٩ - باب قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾
• عن عبد اللَّه بن عباس قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته، كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير، فتستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه. قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة. فلما دخل. قال: يا ابن الخطاب واللَّه ما تعطينا الجزل، وما تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتى همّ بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين! إن اللَّه تعالى قال لنبيه ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ وإن هذا من الجاهلين. فواللَّه ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب اللَّه.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٢) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، أن ابن عباس قال: فذكره.
• عن عبد اللَّه بن الزبير: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾. قال: "ما أنزل اللَّه إلّا في أخلاق الناس".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٣)، عن يحيى، حدّثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير، فذكره.
ورواه في التفسير أيضًا (٤٦٤٤) تعليقا، فقال: "وقال عبد اللَّه بن برّاد، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير قال: "أمر اللَّه نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس، أو كما قال".
وهذا المعنى روي أيضًا عن مجاهد.
وقال ابن عباس: " ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي خذ ما عفا لك من أموالهم. وما أتوا به من شيء فخذه. فكان هذا قبل أن تنزل "براءة" بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت به الصدقات إليه. رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٦٤١).
وقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي بالمعروف، وهو كل قول حسن، وفعل حسن.
وقيل: معناه إن اللَّه أمره بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم.
стр. 6985
• عن عقبة بن عامر قال: لقيت رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: "يا عقبة بن عامر، صل من قطعك، وأعط من حرمك، واعف عمن ظلمك".
حسن: رواه أحمد (١٧٤٥٢) عن حسين بن محمد، حدّثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر فذكره في سياق طويل. وإسناده حسن من أجل ابن عياش وهو إسماعيل بن عياش فإنه حسن الحديث، إذا روى عن الشاميين. وهذا منها.
١٠ - باب قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾
والنزغ: الكلام الذي يقصد به الاغراء بين الناس.
ونزغ الشيطان: وساوسه، وما يحمل به الإنسان على المعاصي.
وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ [الإسراء: ٥٣].
قال ابن جرير: "وإما يغضبنّك من الشيطان غَضَبٌ يصدّك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم.
١١ - باب قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾
هذا حكم عام في كل من سمع كتاب اللَّه يقرأ أن يستمع ويُنصت له.
وقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ أي احضروا قلوبكم لسماع القرآن، وتدبر معانيه.
وقوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أي اتركوا حديث الناس، ووجهوا عنايتكم في سماع القرآن. وقد كان كفار مكة يقولون كما حكى اللَّه عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فصلت: ٢٦].
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي إنّ الاستماع والإنصات يحصل بهما الرحمة. وأما الإنصات في الصلاة الجهرية عند قراءة الإمام سورة الفاتحة فهو مختلف فيه كما مضى في كتاب الصلاة.
وأما ما روي عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "من استمع إلى آية من كتاب اللَّه ، كتِب له حسنة مضاعفة، من تلاها كانت له نورًا يوم القيامة" فهو ضعيف.
رواه أحمد (٨٤٩٤) عن أبي سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا عبّاد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة فذكره.
فيه عباد بن ميسرة، قال فيه ابن معين: "ليس بالقوي". وقال أبو داود: "ليس بالقوي". ومع ذلك ذكره ابن حبان في "الثقات".
وفيه الحسن وهو الإمام المعروف إلّا أنه كان يدل، ولم يثبت سماعه من أبي هريرة.
стр. 6986
ورواه سعيد بن منصور، حدّثنا إسماعيل بن عياش، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من تلا آية من كتاب، كانت له نورًا يوم القيامة، ومن استمع لآية من كتاب اللَّه كتبت له حسنة مضاعفة".
رواه البيهقي في شعب الإيمان (١٨٢٨) بإسناده عن سعيد بن منصور.
وفيه إسماعيل بن عياش الشامي، روايته عن أهل بلده مقبولة، وفي غيره مضطرة، وهذا منها. وليث هو ابن سُليم، كوفي سيئ الحفظ.
١٢ - باب قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾
يستحب أن يكون ذكر اللَّه تعالى بالقول الوسط لا جهرًا بليغًا، ولا سرًّا لا يسمع.
وقوله: ﴿تَضَرُّعًا﴾ أي متضرعا بلسانك.
وقوله: ﴿وَخِيفَةً﴾ أي خائفا من اللَّه.
• عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فكنا إذا أشرفنا على واد، هللنا وكبرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ : "يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنه معكم، إنه سميع قريب، تبارك اسمه وتعالى جده".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٩٩٢)، ومسلم في الذكر (٢٧٠٤) كلاهما من حديث عاصم، عن أبي عثمان، عن أبي موسى فذكره. واللفظ للبخاري.
وقوله: "اربعوا على أنفسكم" أي ارفقوا بأنفسكم.
وقد يراد به كما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ لأن المشركين إذا سمعوا القرآن، سبوا اللَّه ، وسبوا على من نزل وهو النبي ﷺ . فأمر اللَّه تعالى أن لا تجهروا بالصلاة جهرا بالغا يسمعه المشركون فيسبوا اللَّه ، ولا تخافت - أي عن أصحابك، فلا يسمعونه، بل اختر سبيلا بين الأمرين وهو الوسط.
стр. 6987
٨ - تفسير سورة الأنفال وهي مدنية، وعدد آياتها ٧٥
وقيل: إِلَّا سبع آيات من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى سبع آيات، فإنها نزلت بمكة. والأصح أنها نزلت بالمدينة، وإن كانت الواقعة بمكة فإنها من إخبار الماضي.
الأنفال: جمع نفل، وهو في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل، تفضلا من غير أن يجب ذلك عليه. وقد أحل اللَّه الأنفال -وهي الغنائم- للمؤمنين من أموال عدوهم تكرما وتفضلا على هذه الأمة، بعد أن كانت محرمة على الأمم السابقة.
• عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس سورة الأنفال؟ قال: "نزلت في بدر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٥)، عن محمد بن عبد الرحيم، حدّثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير فذكره. وهو في الصحيحين - البخاريّ (٤٨٨٢)، ومسلم (٣٠٣١) من طريق هُشيم به مطولا، وسيأتي في موضعه.
• عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة، صلى حيث كان، ونُصِرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة".
متفق عليه: رواه البخاريّ في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١) كلاهما من طريق هُشيم، حدّثنا سيّار، حدّثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد اللَّه قال: فذكره.
والسياق لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه.
• عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ، أعطيتُ جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون".
صحيح: رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢٣) من طرق عن إسماعيل -وهو ابن جعفر-، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره.
стр. 6988
١ - باب قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾
• عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم بدر: "من فعل كذا وكذا، فله من النفل كذا وكذا". قال: فتقدم الفتيان، ولزم المشيخة الرايات، فلم يبرحوها. فلما فتح اللَّه عليهم، قالت المشيخة: كنا ردءا لكم، لو انهزمتم لفئتم إلينا، فلا تذهبوا بالمغنم، ونبقى، فأبى الفتيان، وقالوا: جعله رسول اللَّه ﷺ لنا، فأنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. يقول: فكان ذلك خيرًا لهم، فكذلك أيضًا، فأطيعوني؛ فإني أعلم بعاقبة هذا منكم.
وفي لفظ: "من قتل قتيلا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرا فله، كذا وكذا". وزاد في رواية: فقسمها رسول اللَّه ﷺ بالسواء.
صحيح: رواه أبو داود (٢٧٣٧)، والحاكم (٢/ ١٣١ - ١٣٢)، -وعنه البيهقي (٦/ ٢٩١) - كلاهما من طريق خالد بن عبد اللَّه الواسطي، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح، فقد احتج البخاريّ بعكرمة، وقد احتج مسلم بداود بن أبي هند". وقال الذهبي: "قلت: "هو على شرط البخاريّ".
والزيادة المذكورة بلفظين قد رواها أبو داود (٢٧٣٨، ٢٧٣٩)، والبيهقي (٦/ ٢٩٢، ٦/ ٣١٥) من طرق عن داود بن أبي هند به. وإسناده صحيح أيضًا.
• عن ابن عباس قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، قال: الأنفال المغانم كانت لرسول اللَّه ﷺ خالصة، ليس لأحد منها شيء، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سِلْكًا فهو غُلول. فسألوا رسول اللَّه ﷺ أن يعطيهم منها، قال اللَّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قل: الأنفال لي جعلتها لرسولي، ليس لكم فيها شيء. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ثم أنزل اللَّه ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]. ثم قسم ذلك الخُمس لرسول اللَّه ﷺ ، ولمن سمي في الآية.
стр. 6989
حسن: رواه الطبريّ في تفسيره (١١/ ١٩ - ٢٠)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٧٦٦)، والبيهقي (٦/ ٢٩٣) كلهم من طريق عبد اللَّه بن صالح، حدّثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح فإنه حسن الحديث، إذا كان له أصلًا.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفا، فأتي به النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، نفلنيه. فقال: "ضعه". ثم قام، فقال له النبي ﷺ : "ضعه من حيث أخذته". ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه. فقال: "ضعه". فقام، فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه أأُجعَل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : "ضعه من حيث أخذته". قال: فنزلت هذه الآية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (٣٤: ١٧٤٨)، من طريق محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، فذكره.
• عن سعد بن أبي وقاص قال: جئت إلى النبي ﷺ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول اللَّه إن اللَّه قد شفى صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف. قال: "إنّ هذا السيف ليس لي ولا لك". فذهبت وأنا أقول: يعطاه اليوم من لم يُبْلِ بلائي! فبينا أنا، إذ جاءني الرسول، فاتال: "أجب". فظننت أنه نزل في شيء بكلامي، فجئت، فقال لى النبي ﷺ : "إنّك سألتنى هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، وإن اللَّه قد جعله لي فهو لك، ثم قرأ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية.
حسن: رواه أبو داود (٢٧٤٠)، واللفظ له، والترمذي (٣٠٧٩)، وأحمد (١٥٣٨)، والحاكم (٢/ ١٣٢) كلهم من طريق أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن بهدلة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ابن أبي وقاص، فذكره.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
قلت: "إسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، فإنه حسن الحديث".
قال أبو داود عقب الحديث (٢٧٤٠): "قرأة ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ النَّفَلِ﴾.
وقيل: إن قوله تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ منسوخ بقول اللَّه : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال: ٤١]، كانت الغنائم يومئذ للنبي ﷺ ، فنسخها اللَّه بالخمس.
стр. 6990
٢ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾
﴿وَجِلَتْ﴾ أي خافت وانقادت لأمره، وخضعت لذكره.
وقوله: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانً﴾ أي تصديقا ويقينا.
قال عمير بن حبيب -وكانت له صحبة-: إن للإيمان زيادة ونقصانا. وقيل فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا اللَّه وحمدناه، فذلك زيادته، وإذا سهونا، وغفلنا، فذلك نقصانه. ذكره البغوي.
وقال ابن عباس: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ قال: "المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر اللَّه عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات اللَّه، ولا يتوكلون على اللَّه، ولا يصلّون إذا غابوا، ولا يؤدُّون زكاة أموالهم. فأخبر اللَّه سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، فأدوا فرائضه ﴿وإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول: تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾، يقول: لا يرجون غيره.
رواه الطبري في التفسير (١١/ ٢٧ - ٢٨)، قال: حدثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾
• عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: "إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: "يا رسول اللَّه، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم. قال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين".
متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٣١) كلاهما من طريق مالك بن أنس، عن صفوان بن سُليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، فذكره.
ولم يذكره يحيى بن يحيى في موطئه.
٤ - باب قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾
قوله: ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ أي الفريقين، إحداهما أبو سفيان مع العير، والأخرى: أبو جهل مع النفير.
стр. 6991
• عن أبي أيوب قال: أنزل اللَّه ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾، فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا، طابت أنفسنا. والطائفتان، عِير أبي سفيان، أو قريش.
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٨١٧) كلاهما من طريق عبد اللَّه بن وهب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن أسلم أبا عمران التجيبي حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في ابن لهيعة وهي من رواية عبد اللَّه بن وهب عنه.
وقوله: ﴿غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أي العير التي ليس فيها قتال. ﴿الشَّوْكَةِ﴾ أي الشدة. ويقال: السلاح.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ فكان كما أراد اللَّه . وذلك في وقعة بدر التي كانت في السنة الثانية من الهجرة، يوم الجمعة، صبيحة السابع عشر من شهر رمضان.
٥ - باب قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾
• عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول اللَّه ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي اللَّه ﷺ القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، لا تعبد في الأرض". فمازال يهتف بربه مادّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه. وقال يا نبي اللَّه: كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل اللَّه ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ فأمدّه اللَّه بالملائكة.
قال أبو زميل: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ، يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: "أقدم حيزوم". فنظر إلى المشرك أمامه، فخرّ مستلقيا، فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط. فاخضر ذلك أجمع. فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة". فقتلوا يومئذ سبعين وأُسروا سبعين.
قال أبو زميل: قال ابن عباس: فلما أسروا الأسارى، قال رسول اللَّه ﷺ لأبي
стр. 6992
بكر وعمر: "ما ترون في هؤلاء الأسارى". فقال أبو بكر: يا نبي اللَّه هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى اللَّه أن يهديهم للإسلام. فقال رسول اللَّه ﷺ : "ما ترى يا ابن الخطاب". قلت: لا واللَّه يا رسول اللَّه! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى إنْ تمكنا، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيبا لعمر- فأضرب عنقه. فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول اللَّه ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان. قلت: يا رسول اللَّه! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك. فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة". شجرة قريبة من نبي اللَّه ﷺ . وأنزل اللَّه : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأحل اللَّه الغنيمة لهم.
صحيح: رواه مسلم في الجهاد والسير (١٧٦٣)، من طرق عن عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن الخطاب، قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن رسول اللَّه ﷺ قال: -وهو في قبة يوم بدر-: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إنْ تشأْ لا تُعبد بعد اليوم". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول اللَّه، ألححت على ربك، وهو يثب في الدرع، فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [سورة القمر: ٤٥].
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٨٧٥) من طريق خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: فذكره.
• عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ . فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ " قال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها، قال: "وكذلك من شهد بدرا من الملائكة".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٩٢)، عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير (وهو ابن عبد الحميد) عن يحيى بن سعيد (وهو الأنصاري)، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه -كان أبوه من أهل بدر- قال: فذكره.
• عن ابن عباس أن النبي ﷺ : قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه
стр. 6993
أداة الحرب".
صحيح: رواه البخاريّ في المغازي (٣٩٩٥) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا عبد الوهاب، حدّثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره.
قوله: أي وراء كل ملكٍ ملكٌ كما قال ابن عباس.
٦ - باب قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾
• عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول اللَّه ﷺ تحت شجرة يصلي، ويبكي، حتى أصبح.
صحيح: رواه أحمد (١٠٢٣)، وأبو يعلى (٢٨٠)، وصحّحه ابن خزيمة (٨٩٩)، وابن حبان (٢٢٥٧) كلهم من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي فذكره.
• عن أبي طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم بدر. قال أبو طلحة: وكنت فيمن غشيه النعاس يومئذ، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.
صحيح: رواه أحمد (١٦٣٥٧) عن يونس، حدّثنا شيبان، عن قتادة وحسين (وهو ابن محمد) في تفسير شيبان، عن قتادة قال: وحدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: فذكره.
ومن هذا الطريق رواه أيضًا ابن حبان (٧١٨٠)، وشيبان هو ابن عبد الرحمن النحوي ثقة صاحب كتاب.
ولكن رواه البخاريّ في التفسير (٤٥٦٢) عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرحمن أبي يعقوب، حدّثنا حسين بن محمد بإسناده، فقال فيه: "يوم أحد".
وكذلك رواه أيضًا في المغازي (٤٠٦٨) فقال: "وقال لي خليفة، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة فذكر نحوه بلفظ: "يوم أحد".
فرأى أهل العلم أن النعاس وقع في بدر كما في قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾.
كما وقع في أحد أيضًا لقوله تعالى في سورة آل عمران ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٤].
والحكمة في إلقاء النعاس على المؤمنين لجعل قلوبهم آمنة غير خائفة؛ لأن الخائف لا يغشاه النعاس.
стр. 6994
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي من الحدث والخبث؛ لأنه كان من الممكن أن يكون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين، فأراد اللَّه أن يطهرهم ظاهرا، ويطهرهم من وساوس الشيطان ورجزه باطنا.
• عن علي بن أبي طالب قال: -في سياق قصة بدر- ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها، من المطر. . . . الحديث.
صحيح: رواه أحمد (٦٤٨) عن حجاج، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي، فذكره في حديث طويل، وهو مذكور في موضعه.
وكان نزول المطر لسببين: أحدهما أن الأرض كانت رملة. فبعث اللَّه المطر عليها لتثبت الأقدام. والثاني: إن الشيطان قد وسوس لهم بأن منهم من لم يتطهر من الحدث الأصغر والأكبر. فاغتسل المسلمون، فصاروا متطهرين ظاهرا وباطنا، وبهذا أذهب اللَّه رجز الشيطان.
٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾
• عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول اللَّه، وما هن؟ قال: "الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٦٦)، ومسلم في الإيمان (٨٩) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد المدني، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة، فذكره.
وأما ما روي عن بشير بن الخصاصية السدوسي قال: أتيت النبي ﷺ لأبايعه، قال: فاشترط علي: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل اللَّه. فقلت: يا رسول اللَّه، أما اثنتان، فواللَّه ما أطيقهما: الجهاد والصدقة، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر، فقد باء بغضب من اللَّه، فأخاف إن حضرت تلك جشعت نفسي، وكرهت الموت، والصدقة فواللَّه ما لي إلا غُنيمة وعشر ذود، هن رسل أهلي وحمولتهم. قال: فقبض رسول اللَّه ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: "فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟ ". قال: قلت: يا رسول اللَّه، أنا أبايعك. قال: فبايعته عليهن كلهن. فهو غريب.
رواه أحمد (٢١٩٥٢)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٢)، والحاكم (٢/ ٧٩ - ٨٠)، والبيهقي (٩/ ٢٠) كلهم من طرق عن جبلة بن سُحيم، عن أبي المثنى مؤثر بن نفادة الكوفي قال: سمعتُ بشير ابن الخصاصية السدوسي قال: فذكره.
стр. 6995
وأبو المثنى مؤثر بن نفادة لم يوثقه إلا ابن حبان والعجلي، ولذا قال عنه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة. ولم أجد له متابعا. وفي لفظه غرابة.
٨ - باب قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾
• عن أبي سعيد قال: نزلت في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾.
صحيح: رواه أبو داود (٢٦٤٨)، والنسائي في الكبرى (١١١٣٩)، (١١١٤٠)، والحاكم (٢/ ٣٢٧) من طرق عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم".
وقوله: ﴿إِلَى فِئَةٍ﴾ أي رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن الآية نزلت في بدر، ولم يكن لهم فئة إلا رسول اللَّه ﷺ ، فأما بعد ذلك فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض.
ولذا حكمها ثابت في جميع المؤمنين، وإن اللَّه حرّم على المؤمنين إذا لقوا العدو أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف القتال، أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانوا، فلا حاجة إلى دعوى نسخها.
وكون اللآية نزلت يوم بدر، لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وقد صح من حديث أبي هريرة: أن الفرار من الموبقات.
٩ - باب قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾
• عن ابن عباس قال: رفع رسول اللَّه ﷺ يده يوم بدر. فقال: "يارب! إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدا". فقال له جبريل ﵇: خُذْ قبضة من التراب، فأخذ قبضةً من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمَه ترابٌ من تلك القبضة فولّوا مدبرين.
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ٨٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٧٣) كلاهما من طريق أبي صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي صالح وهو عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا لم يخطئ.
• عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء إلى الأرض، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول اللَّه ﷺ بتلك الحصيات، فانهزموا، فذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ
стр. 6996
الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾.
حسن: رواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٧)، والطبري في تفسيره (١١/ ٨٤)، وابن أبي حاتم في التفسير (٥/ ١٦٧٢)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٨٠)، كلهم من طرق عن موسى بن يعقوب الزمعي، عن يزيد بن عبد اللَّه، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام فذكره. واللفظ لابن أبي حاتم.
قال الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٤): "إسناده حسن".
قلت: موسى بن يعقوب الزمعي حسن الحديث، وفيه أيضًا يزيد بن عبد اللَّه. قال البيهقي: "هذا هو ابن وهب بن زمعة عمّ موسى بن يعقوب".
لم يوثقه أحد إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، وقد روى عنه ابن أخيه موسى بن يعقوب، ولحديثه أصل، وهو في المغازي، وقد يتسامح فيه ما لا يتسامح في الأحكام.
ورواه الطبراني في الكبير (٣/ ٢٢٧) عن أحمد بن مابهرام الأيذجي، ثنا محمد بن يزيد الأسفاطي، ثنا إبراهيم بن يحيى الشجري، حدثني أبي، ثنا موسى بن يعقوب الزمعي، عن عبد اللَّه ابن يزيد مولى الأسود بن سفيان، عن أبي بكر بن سليمان، عن أبي حثمة، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر أمر رسول اللَّه ﷺ فأخذ كفا من الحصباء فاستقبلنا به فرمانا بها وقال: "شاهت الوجوه" فانهزمنا فأنزل اللَّه : ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
كذا وقع في هذا الإسناد: "عبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان" مع أنه رواه غير واحد عن موسى الزمعي فسمّوا شيخه: "يزيد بن عبد اللَّه" كما في الإسناد السابق، بل رواه ابن أبي حاتم (٥/ ١٦٧٢) من طريق يحيى بن محمد بن هانئ، عن موسى الزمعي به، وسمّاه: "يزيد بن عبد اللَّه" كرواية الجماعة.
فالأشبه أن ما وقع في معجم الطبراني خطأ فإن في إسناده عدة علل.
وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ أي: ما بلّغتَ إذ رميتَ، ولكن اللَّه بلّغ، فأصاب وجوه جيش الكفار، فما بقي أحدٌ منهم إلّا أصابها منه شيء.
١٠ - باب قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾
• عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صُعير أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحنه الغداة. فكان المستفتح.
صحيح: رواه أحمد (٢٣٦٦١)، عن يزيد، أخبرنا محمد -يعني ابن إسحاق- حدثني الزهري، عن عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير فذكره.
стр. 6997
ومحمد بن إسحاق وإن كان حسن الحديث إذا صرح، ولكنه رواه أيضًا صالح بن كيسان -وهو ثقة حافظ- عن الزهري به مثله، ومن طريقه رواه النسائي في الكبرى (١١١٣٧)، والحاكم (٢/ ٣٢٨). وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وعبد اللَّه بن ثعلبة صحابي صغير، ولد قبل الهجرة بأربع سنين، وقيل: بعد الهجرة، فالحديث مرسل صحابي، وهو مقبول عند جماهير أهل العلم.
قوله: "فأحنه" من أحانه اللَّه - أي أهلكه.
• عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: بينا أنا واقف فى الصف يوم بدر، نظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار، حديثة أسنانهما، تمنيت لو كنت بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما. فقال: يا عم! هل تعرف أبا جهل. قال: قلت: نعم وما حاجتك إليه يا ابن أخي. قال: أخبرت أنه يسبّ رسول اللَّه ﷺ ، والذي نفسي بيده لئن رأيته، لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. قال: فتعجبت لذلك فغمزني الآخر، فقال مثلها، قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل، يجول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه قال: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأخبراه. فقال: "أيكما قتله". فقال كل واحد منهما: أنا قتلت. فقال: "هل مسحتما سيفيكما". قالا: لا. فنظر في السيفين فقال: "كلاكما قتله". وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ ابن عفراء.
متفق عليه: رواه البخاريّ في فرض الخمس (٣١٤١)، ومسلم في الجهاد والسير (٤٢: ١٧٥٢) كلاهما عن يوسف بن الماجشون، عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده عبد الرحمن بن عوف أنه قال، فذكره.
• عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللَّه ﷺ وهو متوسد بردة له فى ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو اللَّه لنا؟ قال: "كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليُتمنّ هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللَّه أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".
صحيح: رواه البخاريّ في المناقب (٣٦١٢) عن محمد بن المثنى، حدّثنا يحيى، عن إسماعيل، حدّثنا قيس، عن خباب بن الأرت، قال: فذكره.
стр. 6998
١١ - باب قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
قوله: ﴿الصُّمُّ﴾ أي عن سماع الحق.
قوله: ﴿الْبُكْمُ﴾ أي عن فهم الحق.
شبّه اللَّه تعالى هؤلاء المنافقين والمشركين بهذه الصفات الحيوانية، لإنكارهم عن اتباع الحق، فهم كالأنعام، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال ابن عباس: "المراد بهؤلاء نفر من بني عبد الدار من قريش".
• عن ابن عباس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قال: هم نفر من بني عبد الدار.
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٦)، عن محمد بن يوسف، حدّثنا ورقاء، عن ابن أبي نُجَيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره.
١٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾
قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي أن في استجابة اللَّه ورسوله حياة، وفي إنكاره ممات.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي في حالة عدم الاستجابة للَّه، فإن اللَّه يحول بين المرء وقلبه، فلا يعقل ولا يدري ما يعمل، وفيه حث على الإسراع إلى طاعة اللَّه ورسوله.
• عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول اللَّه ﷺ ، فلم أجبه، فقلت: يا رسول اللَّه! إني كنت أصلي، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ثم قال لي: "لأعلّمنّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرج من المسجد". ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: "لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن". قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته".
صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٤٧٤)، عن مسدد، حدّثنا يحيى، عن شعبة قال: حدثني خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: فذكره.
• عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص يقول: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرّفه حيث يشاء". ثم
стр. 6999
قال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم مصرف القلوب، صرّف قلوبنا على طاعتك".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٤) من طرق عن عبد اللَّه بن يزيد المقرئ، قال: حدّثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُليّ، أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، يقول: فذكره.
١٣ - باب قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾
قوله: ﴿فِتْنَةً﴾ أي إنّ الفتنة تعم الصالح والفاسق، ولا تخص أهل المعاصي، فاتقوها إن لم تتقوها أصابتكم.
• عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ قال: "مثل القائم على حدود اللَّه والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".
صحيح: رواه البخاريّ في الشركة (٢٤٩٣)، عن أبي نعيم، حدّثنا زكريا، قال: سمعت عامرا يقول: سمعت النعمان بن بشير، فذكره.
• عن قيس بن أبي حازم قال: قرأ أبو بكر الصديق هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة: ١٠٥] قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه -أو قال: المنكر- فلم يغيروه، عمَّهم اللَّه بعقابه".
صحيح: رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨ و ٣٠٥٧)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، وأحمد (١)، وصحّحه ابن حبان (٣٠٤) كلهم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: فذكره. واللفظ لابن حبان.
وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال في الموضع الثاني: "وقد رواه غير واحد، عن إسماعيل بن أبي خالد نحو هذا الحديث مرفوعا. وروى بعضهم عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي بكر قوله، ولم يرفعوه".
قلت: الرفع فيه زيادة علم وهو حجة عند الجمهور.
стр. 7000
١٤ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾
قوله: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي بترك ما أمر اللَّه به ورسوله، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي أدوا الأمانات إلى أصحابها.
وروي عن عبد اللَّه بن أبي قتادة قال: نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ في أبي لبابة بن عبد المنذر.
رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٢٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٨٩٧٥) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت عبد اللَّه بن أبى قتادة، يقول: فذكره، ولكنه مرسل.
وتفصيل القصة كما ذكر ابن إسحاق (السيرة النبوية لابن هشام ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، قال: "ثم إنهم بعثوا (أي بنو قريظة) إلى رسول اللَّه ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف. وكانوا حلفاء الأوس، لنستشيره في أمرنا، فأرسله رسول اللَّه ﷺ إليهم. فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح. قال أبو لبابة: فواللَّه ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنتُ اللَّه ورسوله ﷺ ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول اللَّه ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده. وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب اللَّه علي مما صنعت. وعاهد اللَّه أن لا أطأ بني قريظة أبدا، ولا أرى في بلد خنت اللَّه ورسوله فيه أبدا.
قال ابن إسحاق: "فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ خبره. وكان قد استبطأه، قال: "أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له، فأما إذ قد فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب اللَّه عليه".
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط أن توبة أبي لبابة نزلت على رسول اللَّه ﷺ من السحر وهو في بيت أم سلمة. فقالت أم سلمة: فسمعت رسول اللَّه ﷺ من السحر وهو يضحك. قالت، فقلت: مم تضحك، يا رسول اللَّه؟ أضحك اللَّه سنك. قال: "تيب على أبي لبابة". قالت: قلت: أفلا أبشّره يا رسول اللَّه؟ قال: "بلى، إن شئت".
قال: فقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللَّه عليك. قالت: "فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا، واللَّه حتى يكون رسول اللَّه ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلما مر عليه رسول اللَّه ﷺ خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.
واستغفار النبي ﷺ لمن جاء إليه خاص بحياته، والكلام عليه مبسوط في تفسير سورة النساء: ٦٤.
стр. 7001
١٥ - باب قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾
• عن ابن عباس، قال: إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف: لو قد رأينا محمدا، لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة تبكي، حتى دخلت على رسول اللَّه، فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك، لو قد رأوك، لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك. فقال: "يا بنية، أريني وضوءا" فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه، قالوا: ها هو ذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرا، ولم يقم إليه منهم رجل، فأقبل رسول اللَّه ﷺ حتى قام على رؤوسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: "شاهت الوجوه" ثم حصبهم بها، فما أصاب رجلا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا.
حسن: رواه أحمد (٢٦٧٢)، وابن حبان (٦٥٠٢)، وصحّحه الحاكم (١/ ١٦٣) كلهم من طرق عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم فإنه حسن الحديث.
• عن ابن عباس: أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه، قالوا: من أنت؟ . قال: شيخ من نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم مني رأيٌ ونصحٌ. قالوا: أجل، ادخل! ، فدخل معهم، فقال: انظروا إلى شأن هذا الرجل، واللَّه ليوشكن أن يُواثبكم في أموركم بأمره. قال: فقال قائل: احبسوه في وَثاق، ثم تربصوا به ريبَ المنون، حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم! قال: فصرخ عدوُّ اللَّه الشيخ النجدي، فقال: واللَّه، ما هذا لكم برأي! واللَّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم قالوا: فانظروا في غير هذا. قال: فقال قائل: أخرجوه من بين أظهركم تستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم". فقال الشيخ النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة
стр. 7002
قوله، وطلاقة لسانه، وأخذَ القلوب ما تسمع من حديثه؟ واللَّه لئن فعلتم، ثم استعرَض العرب، لتجتمعن عليكم، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق واللَّه! فانظروا رأيًا غير هذا. قال: فقال أبو جهل: واللَّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، ما أرى غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا وَسيطا شابًّا نَهْدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فلا أظن هذا الحي من بني هاشم يقدرون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل، واسترحنا وقطعنا عنا أذاه. فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيره! قال: فتفرقوا على ذلك وهم مُجْمعون له، قال: فأتى جبريل النبيَّ ﷺ ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، وأذِن اللَّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة "الأنفال"، يذكّره نعمه عليه، وبلاءه عنده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وأنزل في قولهم: تربصوا به ريبَ المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء": ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [سورة الطور: ٣٠] وكان يسمى ذلك اليوم: "يوم الزحمة" للذي اجتمعوا عليه من الرأي.
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٣٥، ١٣٤) عن سعيد بن يحيى الأموي قال: ثني أبي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره.
وهذا الإسناد رجاله ثقات سوى محمد بن إسحاق وهو صدوق حسن الحديث، لكنه مدلس، وقد عنعن، وقد زالت شبهة تدليسه، لكونه قد صرح بالتحديث في رواية أخرى عند الطبري في تاريخه (٢/ ٣٧٠)، فقال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبيد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجاج، عن ابن عباس فذكره.
ثم هو إمام في التاريخ والمغازي.
١٦ - باب قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
قوله ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ هذا كذب منهم؛ فإنهم لا يستطيعون أن يقولوا مثل هذا وقد تحدوا غير مرة أن يأتوا بسورة من مثله.
وقوله: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ هو جمع أسطورة وهي الكتب المعروفة لدى هؤلاء، وفيها القصص
стр. 7003
والخرافات والعجائب، فكانوا ادعوا أن النبي ﷺ كان يقتبس من هذه الكتب القصص السابقة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].
١٧ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾
هذه طريق المعاندين للدعوة، فإنهم يشترطون شروطا لقبول الدعوة.
• عن أنس بن مالك يقول: قال أبو جهل: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٤٩)، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٦) كلاهما من طريق عبيد اللَّه بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، أنه سمع أنس بن مالك يقول: فذكره.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾.
أي أن وجود النبي ﷺ مانع من وقوع عليهم، وذلك تشريف له ﷺ .
ولما خرج من مكة إلى المدينة، وبقيت بقية المسلمين يستغفرون اللَّه، سلموا من العذاب، وهو المانع الثاني من وقوع العذاب عليهم، فلما خرج هؤلاء أيضًا من مكة وأذن في فتح مكة، فأصابهم العذاب الذي جاء ذكره في الآية التي بعدها وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
• عن ابن عباس: إن المشركين كانوا يطوفون بالبيت يقولون: "لبيك، لبَّيك، لا شريك لك"، فيقول النبي ﷺ : "قد قد". فيقولون: "إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"، ويقولون: "غفرانك، غفرانك"، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
فقال ابن عباس: كان فيهم أمانان: نبيّ اللَّه، والاستغفار.
стр. 7004
قال: فذهب النبي ﷺ ، وبقي الاستغفار ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قال: "فهذا عذاب الآخرة". قال: "وذاك عذاب الدنيا".
حسن: رواه الطبري في تفسيره (١١/ ١٥٠ - ١٥١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٩١)، والبيهقي (٥/ ٤٥ - ٤٦) كلهم من طرق عن أبي حذيفة موسى بن مسعود، ثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل سماك الحنفي، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل أبي حذيفة موسى بن مسعود النهدي، وأبي زميل سماك الحنفي، فإنهما حسنا الحديث.
• عن ابن عباس قال: "كان المشركون يقولون: "لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول اللَّه ﷺ : "ويلكم قد قد". فيقولون: "إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت".
صحيح: رواه مسلم في الحج (١١٨٥)، عن ابن عباس بن عبد العظيم العنبري، حدّثنا النضر بن محمد اليمامي، حدّثنا عكرمة -يعني ابن عمار-، حدّثنا أبو زميل، عن ابن عباس، قال: فذكره.
قوله "قد قد" أي كفاكم هذا الكلام، فاقتصروا عليه ولا تزيدوا.
١٨ - باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾
• عن عبد اللَّه بن عباس قال: "كان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، فأنزل اللَّه ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وأنزل فيهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢].
حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦٩٦)، والضياء في المختاره (١٠/ ١٧٠ - ١١٨) كلاهما من طريق يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري، حدّثنا جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: فذكره.
وإسناده حسن من أجل يعقوب بن عبد اللَّه الأشعري، وشيخه جعفر بن أبي المغيرة فإنهما حسنا الحديث.
والحديث عند مسلم في التفسير (٣٠٢٨) من طريق مسلم البطين، عن سعيد بن جبير عنه مقتصرا على آية الزينة، وهو مذكور في موضعه.
تنبيه: وقع في تفسير ابن حاتم: "جعفر بن المغيرة"، وفي المختارة: "جعفر" دون ذكر
стр. 7005
اسم أبيه، لكن جاء عنده في الإسناد الذي قبله (١١٤): "جعفر بن أبي المغيرة"، وهذا هو الصواب، وهو الموافق لما في كتب التراجم.
١٩ - باب قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾
• عن ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول اللَّه أنؤاخذ بما عملنا فى الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".
متفق عليه: رواه البخاريّ في استتابة المرتدين (٦٩٢١)، ومسلم في الإيمان (١٢٠) كلاهما من طريق منصور والأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه.
• عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول اللَّه، أرأيت أشياء كنت أتحنث بها في الجاهلية، من صدقة أو عتاقة وصلة رحم، فهل فيها من أجر، فقال النبي ﷺ : "أسلمت على ما سلف من خير".
متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٣٦)، ومسلم في الإيمان (١٢٣) كلاهما من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام، قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
• عن عمرو بن العاص قال: لما جعل اللَّه الإسلام في قلبي، أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: "ما لك يا عمرو". قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: "تشترط بماذا". قلت: أن يغفر لي. قال: "أما علمت، أن الإسلام يهدم ما كان قبله. . . . ". الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٢١) من طريق حيوة بن شريح، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري، قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت. . . فأقبل علينا بوجهه، فقال: فذكره في حديث طويل.
٢٠ - باب قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾
• عن أبي موسى الأشعري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرَى مكانه، فمن في سبيل اللَّه؟ قال:
следующие страницы →