← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

عياش بن عباس، عن بكير بن عبد اللَّه، عن بسر بن سعيد، أنّ سعد بن أبي وقاص قال: فذكر الحديث في فتنة عثمان بن عفان وفيه: "كن كابن آدم" فأسقط فيه الواسطة. ولكن الصواب ذكره. ٧ - باب قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢)﴾ قوله: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي كان سببا في بقاء حياته بالتداوي له، أو بالتبرع بالدم ونحوه. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: لدغت رجلا منا عقرب، ونحن جلوس مع رسول اللَّه ﷺ فقال رجل: يا رسول اللَّه، أرقي؟ قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل". صحيح: رواه مسلم في السلام (٢١٩٩) عن محمد بن حاتم، حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه يقول: فذكره. ٨ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ • عن أبي قلابة أنه كان جالسا خلف عمر بن عبد العزيز، فذكروا ما ذكروا، فقالوا وقالوا: قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال ما تقول يا عبد اللَّه بن زيد أو قال ما تقول يا أبا قلابة؟ . قلت: ما علمت نفسا حلَّ قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان أو قتل نفسا بغير نفس أو حارب اللَّه ورسوله ﷺ . فقال عنبسة: حدّثنا أنس بكذا وكذا. قلت: إياي حدّث أنس. قال: قدم قوم على النبي ﷺ . فكلموه فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض، فقال: "هذه نَعَم لنا تَخرُج، فاخرِجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها". فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا النعم، فما يستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفس وحاربوا اللَّه ورسوله، وخوَّفوا رسول اللَّه ﷺ . فقال: سبحان اللَّه. فقلت: تتهمني؟ قال: حدّثنا بهذا أنس، قال: وقال: يا أهل كذا، إنكم لن تزالوا بخير ما أُبقِي هذا فيكم أو مثل هذا.

стр. 6932

متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٠)، ومسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧١: ١٢) كلاهما من طريق ابن عون قال: حدثني سلمان أبو رجاء مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة، فذكره، واللفظ للبخاري. ولم يسق مسلم لفظه كاملا فذكر بعضه وأحال بعضه على إسناد قبله. وقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الأرض شاملة للأمصار والطرقات. وبه قال جمهور أهل العلم غير أبي حنيفة، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يُدخله بيتا فيقتله، ويأخذ متاعه، إنها محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلّا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده عمن يغيثه ويعينه. وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ ظاهر الآية يقتضي سقوط جميع العقاب من القتل والصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف، أو النفي من الأرض. وهذا الذي فهمه بعض الصحابة مثل علي بن أبي طالب وأبي هريرة، وقال غيرهم: العفو عما كان متعلقا بحق اللَّه، وأما حقوق الآدميين فلا تسقط. ٩ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)﴾ الوسيلة: على وزن فعيلة من قولهم: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي أطلبوا القربة إلى اللَّه تعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهي، وأما التوسل في الدعاء فالكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية. ١٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ • عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي ﷺ بيهودي محمّما مجلودا، فدعاهم النبي ﷺ ، فقال: "هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم، فقال: "أنشدك باللَّه الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ " قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا، لم أخبرك، نجده الرجم. ولكنه كثر

стр. 6933

في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف، تركناه. وإذا أخذنا الضعيف، أقمنا عليه الحد. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم. فقال رسول اللَّه ﷺ : "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه". فأمر به فرُجم، فأنزل اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقول: ائتوا محمدا ﷺ ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٤ - ٤٥، ٤٧] في الكفار كلها. صحيح: رواه مسلم في الحدود (١٧٠٠) من طرق عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عبد اللَّه ابن مرة، عن البراء بن عازب فذكره. ١١ - باب قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ • عن ابن عباس، قال: إن اللَّه أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: قال ابن عباس: أنزلها اللَّه في الطائفتين من اليهود، وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة، فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة، فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ المدينة، وذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول اللَّه ﷺ ، ورسول اللَّه ﷺ يومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيّين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا، وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول اللَّه ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة، فقالت: واللَّه ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد

стр. 6934

صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيما منا، وقهرا لهم، فدُسُّوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه: إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم، فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول اللَّه ﷺ ناسا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول اللَّه ﷺ ، فلما جاء رسول اللَّه ﷺ ، أخبر اللَّه رسوله بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا﴾ إلى قول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال فيهما: واللَّه نزلت، وإياهما عنى اللَّه . حسن: رواه أبو داود (٣٥٧٦) مختصرا، وأحمد (٢٢١٢) واللفظ له، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل ابن أبي الزناد فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث. وما قاله ابن عباس قال به غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتابعين منهم البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وأبو مجلز، وأبو رجاء العُطاردي، وعكرمة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، والحسن البصري، وغيرهم قالوا: "نزلت في أهل كتاب". وزاد الحسن البصري: "وهي علينا واجبة". وروي عن ابن طاوس قال: "وليس كمن كفر باللَّه وملائكته وكتبه ورسله". وقال عطاء: "هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق". وعن ابن عباس أنه قال: "وليس بالكفر الذي يذهبون إليه". رواه الحاكم (٢/ ٣١٣) بإسناده عن طاوس قال: قال ابن عباس: "إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرا ينقل عن الملة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر. وقال: "صحيح الإسناد". ١٢ - باب قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ • عن أنس بن مالك قال: كسرت الربيع -وهي عمة أنس بن مالك- ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النبي ﷺ . فأمر النبي ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النضر -عم أنس بن مالك- لا واللَّه لا ممسر سنها يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه ﷺ : "يا أنس كتاب اللَّه القصاص". فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١١) عن محمد بن سلام، أخبرنا الفزاري (وهو أبو

стр. 6935

إسحاق إبراهيم بن محمد)، عن حُميد، عن أنس فذكره. ورواه مسلم في القسامة والمحاربين (١٦٧٥) من طريق ثابت، عن أنس بنحوه. ١٣ - باب قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)﴾ • عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [سورة المائدة: ٤٢] قال: كان النبي ﷺ مخيرا في هذه الآية حتى نزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. صحيح: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ١١٥٣)، والحاكم (٢/ ٣١٢)، والبيهقي (٨/ ٤٨) كلهم من حديث عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" وهو كما قال. لقد أمر النبي ﷺ أن يحكم بينهم، بعد ما كان قد رخص له أن يُعرض عنهم إن شاء. فنسخت هذه الآية التي كانت قبلها. وهو قول جماعة من أهل العلم. ١٤ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ • عن أبي موسى الأشعري قال: لما نزلت ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هم قوم هذا" يعني أبا موسى الأشعري. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٠)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٢١)، وتمام في فوائده (١١٠٨)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٥١ - ٣٥٢) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري، عن أبي موسى الأشعري قال: فذكره. واللفظ لابن أبي حاتم. وفي بعض الروايات: قرأت عند النبي ﷺ : ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال: "هم قومك أهل اليمن". وإسناده حسن من أجل سماك بن حرب؛ فإنه حسن الحديث. ولكن رواه الطبراني (١٧/ ٣٧١)، وابن جرير الطبري في تفسيره، والحاكم (٢/ ٣١٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٤٦٠) كلهم من حديث سماك بن حرب، عن عياض الأشعري قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

стр. 6936

قال: "أومأ رسول اللَّه ﷺ إلى أبي موسى الأشعري بشيء كان معه، فقال: "هم قوم هذا". وعياض مختلف في صحبته. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه تابعي، وحديثه هذا مرسل. والآية عامة وفيها إشارة إلى قدرة اللَّه تعالى بأنه يقدر أن يستبدل من هم خير منكم كما جاء في سورة محمد (٣٨) ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ وكما جاء في ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [سورة إبراهيم: ١٩ - ٢٠]: والتاريخ يشهد لذلك. قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة اللَّه، ورسوله ﷺ لائمة لائم. • عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين، والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئًا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مُرّا، وأمرني أن لا أخاف في اللَّه لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فإنهن من كنز تحت العرش. صحيح: رواه أحمد (٢١٤١٥)، والطبراني في الدعاء (١٦٤٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣٥٤)، وصحّحه ابن حبان (٤٤٩) كلهم من حديث محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر فذكره. وإسناده صحيح. • عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: إن اللَّه ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول: أي عبدي، رأيت منكرا فلم تنكره، فإذا لقي اللَّه عبدا حجته قال: يا رب وثقتُ بك، وخفتُ الناس. حسن: رواه ابن ماجه (٤٠١٧)، وأحمد (١١٧٣٥)، وصحّحه ابن حبان (٧٣٦٨) كلهم من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الأنصاري، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد فذكره. وإسناده حسن من أجل نهار العبدي فإنه حسن الحديث. ورواه أبو البختري، عن أبي سعيد الخدري نحوه. رواه أحمد (١١٦٩٩)، وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد. وقد قال علي بن أبي طالب: "واعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا، ولا يقرب أجلا. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٦ - ١١٦٧). ١٥ - باب قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠)﴾

стр. 6937

• عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُقدتْ أمةٌ من بني إسرائيل، لا يدرى ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر، ألا ترونها إذا وُضِع لها ألبان الإبل لم تشربه وإذا وضع لها ألبان الشاء شربته؟ " قال أبو هريرة: فحدّثت هدا الحديث كعبا. فقال: آنت سمعته من رسول اللَّه ﷺ ؟ قلت: نعم. قال ذلك مرارا. قلت: أأقرأ التوراة؟ صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٧: ٦١) من طرق عن خالد، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. قال النووي: "ألا ترونها إذا وضعت لها ألبان الإبل" معنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها فدل امتناع الفأرة من لبن الإبل دون الغنم على أنها مسخ من بني إسرائيل. وقوله: "أأقرأ التوراة؟ " بهمزة الاستفهام وهو استفهام إنكار. ومعناه ما أعلم ولا عندي شيء إلا عن النبي ﷺ . ولا أنقل عن التوراة ولا غيرها من كتب الأوائل شيئًا بخلاف كعب الأحبار وغيره ممن له علم بعلم أهل الكتاب. • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "الْفَأْرَةُ مَسْخٌ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الْغَنَمِ فَتَشْرَبُهُ وَيُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهَا لَبَنُ الإِبِلِ فَلَا تَذُوقُهُ" فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ: أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ . قَالَ: أَفَأُنْزِلَتْ عَلَيَّ التَّوْرَاةُ؟ . صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٧: ٦٢)، عن أبي كريب محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام، عن محمد، عن أبي هريرة فذكره. ١٦ - باب قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ قوله تعالى: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي بخيلة، فإن اليد الموثقة لا تُنفق بل تُمسِك. مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [سورة الإسراء: ٢٩]. ١٧ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ • عن عائشة قالت: من حدّثك أن محمدا ﷺ كتم شيئًا مما أنزل اللَّه عليه فقد كذب، واللَّه يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وزاد في رواية: قالت: ولو كان

стр. 6938

محمد ﷺ كاتما شيئًا مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [سورة الأحزاب: ٣٧]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٢)، عن محمد بن يوسف، حدّثنا سفيان، عن إسماعيل (وهو ابن أبي خالد)، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. ورواه مسلم في الإيمان (١٧٧: ٢٨٧)، عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن إبراهيم (وهو ابن علية)، عن دواد (وهو ابن أبي هند)، عن الشعبي به. ثم قال مسلم (١٧٧: ٢٨٨)، وحدثنا محمد بن المثنى، حدّثنا عبد الوهاب (وهو الثقفي)، حدّثنا داود بهذا الإسناد نحو حديث ابن علية، وزاد: . . . . فذكر الزيادة المذكورة. ونحوها عند البخاري من وجه آخر كما في الحديث الآتي: • عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي ﷺ يقول: "اتق اللَّه وأمسك عليك زوجك". قالت عائشة: لو كان رسول اللَّه ﷺ كاتما شيئًا، لكتم هذه الآية. صحيح: رواه البخاريّ في التوحيد (٧٤٢٠) عن أحمد (يعني ابن سيار المروزي)، حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس فذكره. • عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا إلا كتاب اللَّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. صحيح: رواه البخاريّ في العلم (١١١)، عن محمد بن سلام قال: أخبرنا وكيع، عن سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جحيفة قال: فذكره. • عن عنترة بن عبد الرحمن قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال له: إنّ ناسا يأتونا، فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يُبده رسول اللَّه ﷺ للناس؟ فقال: ألم تعلم أن اللَّه تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. واللَّه ما ورثنا رسول اللَّه ﷺ سوداء في بيضاء. حسن: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٠) - عن أحمد بن منصور الرمادي، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه فذكره. وإسناده حسن من أجل هارون بن عنتره فإنه حسن الحديث. وقال ابن كثير: "هذا إسناد جيد".

стр. 6939

وقد شهد الصحابة في أعظم المحافل وهي خطبة حجة الوداع بأنّ الرسول ﷺ قد بلّغ ما أمر به. • عن جابر بن عبد اللَّه قال: خطب رسول اللَّه ﷺ وقال: فذكر خطبة عظيمة وجاء فيها: "وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ. وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ" قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ. فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ "اللَّهُمَّ اشْهَدِ اللَّهُمَّ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. صحيح: رواه مسلم في الحج (١٢١٨) من طرق عن حاتم بن إسماعيل المدني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فقلنا: أخبرني عن حجة رسول اللَّه ﷺ فذكره مطولا. قوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ قال ابن عباس: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك، لم تُبلِّغ رسالته. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي يا محمد! بلّغ عني رسالتي، ولا تخف أنا حافظك وناصرك. وقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يُحرس كما جاء في الصحيحين. • عن عائشة تقول: كان النبي ﷺ سهر (ذات ليلة وهي إلى جنبه قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول اللَّه ﷺ ؟ ) قال: "ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني الليلة" إذ سمعنا صوت سلاح فقال: "من هذا" فقال: أنا سعد بن أبي وقاص، جئت لأحرسك، فنام النبي ﷺ . وفي رواية فسمعت غطيط رسول اللَّه ﷺ في نومه. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٨٨٥)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤١٠) كلاهما من حديث يحيى بن سعيد، عن عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، عن عائشة قالت فذكرته. واللفظ للبخاري. والذي في القوسين، ذكره أحمد (٢٥٠٩٣) وقد رواه من هذا الوجه. وبعد نزول هذه الآية الكريمة أمر النبي ﷺ الحراس للانصراف، قالت عائشة: كان النبي ﷺ يُحرَس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فأخرج رسول اللَّه ﷺ رأسه من القبة. فقال لهم: "يا أيها الناس! انصرفوا، فقد عصمني اللَّه ". رواه الترمذيّ (٣٠٤٦)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٦٩)، والحاكم (٢/ ٣١٣) كلهم من طريق مسلم بن إبراهيم، قال: حدّثنا الحارث بن عبيد، عن سعيد الجُريري، عن عبد اللَّه بن شقيق، عن عائشة فذكرته. قال الترمذيّ: "هذا حديث غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق قال: "كان النبي ﷺ يُحرَس". ولم يذكروا فيه عن عائشة". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".

стр. 6940

والصحيح أنّه مرسل كما قال الترمذيّ. رواه ابن جرير في تفسيره من طرق عن ابن علية، عن الجريري، عن عبد اللَّه بن شقيق أن رسول اللَّه ﷺ كان يعتقبه ناس من أصحابه. فلما نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. خرج، فقال: "يا أيَّها الناس! الحقوا بملاحقكم، فإنّ اللَّه قد عصمني من الناس". وهذا أصح فإنّ الحارث بن عبيد أخطأ في رفعه، وقد تكلم فيه من ناحية حفظه. وكذلك روي أيضًا مرسلًا عن سعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والربيع بن أنس وغيرهم. وهذه المراسيل قد اختلفت مخارجها وهي تقوي بعضها بعضًا. وقد روي مرفوعًا أيضًا عن أبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد اللَّه، وابن عباس وهي كلها معلولة وهي قصة مشهورة في كتب السير والتاريخ. ومن عصمة اللَّه لرسوله ﷺ وحفظه ما جاء في الصحيح: • عن جابر بن عبد اللَّه: أنه غزا مع رسولِ اللَّه ﷺ قِبَلَ نجد، فلما قَفَل رسولُ اللَّه ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلةُ في واد كثير العِضاةِ، فنزل رسول اللَّه ﷺ ، وتفرَّق الناس يستظلُّون بالشجر، فنزلَ رسولُ اللَّه ﷺ تحت شجرة، وعلَّق بها سيْفَهُ، ونِمنا نومة، فإذا رسولُ اللَّه ﷺ يدعونا، وإذا عنده أعرابي، فقال: "إن هذا اخترطَ عليَّ سيفي وأنا نائم، فاستيقظتُ وهو في يده صلْتا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: "اللَّه" ثلاثًا، ولم يعاقبْهُ، وجلسَ. متفق عليه: رواه البخاريّ في الجهاد (٢٩١٠)، ومسلم في الفضائل (٨٤٢) كلاهما من حديث الزهري، حدثني سِنان بن أبي سنان الدؤلي، عن جابر فذكره. واسم هذا الأعرابي غورث بن الحارث كما في البخاريّ (٤١٣٦). ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٣) عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري قال: "لما غزا رسول اللَّه ﷺ بني أنمار، نزل على ذات الرقيع بأعلى نخل، فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلي رجليه. فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن هذا. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به، قال: فأتاه فقال: يا محمد! أعطني سيفك أشيمه، فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده. قال رسول اللَّه ﷺ : "حال اللَّه بينك وبين ما تريد"، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾. وفيه موسى بن عبيد اللَّه ضعيف. ولذا قال أبن كثير في تفسيره: "هذا حديث غريب من هذا الوجه". • عن أبي هريرة قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا نزل منزلا، نظروا أعظم شجرة يرونها، فجعلوها للنبي ﷺ ، فينزل تحتها وينزل أصحابه بعد ذلك في ظل الشجر،

стр. 6941

فبينما هو نازل تحت شجرة، وقد علق السيف عليها، إذ جاء أعرابي، فأخذ السيف من الشجرة، ثم دنا من النبي ﷺ وهو نائم فأيقظه. فقال: يا محمد من يمنعك مني الليلة؟ فقال النبي ﷺ : "اللَّه" فأنزل اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. حسن: رواه ابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن (١٧٣٩) عن عبد اللَّه بن محمد الأزدي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أنبأنا مؤمّل بن إسماعيل، حدّثنا حماد بن سلمة، حدّثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن فيه مؤمّل بن إسماعيل؛ وهو سيء الحفظ، ويحسن حديثه إذا توبع، وقد تابعه آدم، عن حماد بن سلمة عند ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (٣/ ١٥٥). تنبيه: هذا الحديث لم أجده في النسخة المطبوعة من "صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان"، وهو موجود في أصل "صحيح ابن حبان"، لأن الحافظ ابن حجر أيضًا ذكره في "إتحاف المهرة" (٢٠٦٦٧) كما ذكره الهيثمي في "الموارد". وفي معناه ما روي عن جعدة بن خالد الصّمة الجُشمي قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلًا سمينا، فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده، ويقول: "لو كان هذا في غير هذا، لكان خيرًا لك". قال: وأتي النبي ﷺ برجل، فقالوا: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي ﷺ : "لم تُرَع، لم تُرَع، ولو أردت ذلك، لم يسلطك اللَّه عليّ". رواه أحمد (١٥٨٦٨)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٤)، والحاكم (٤/ ١٢١ - ١٢٢)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٢٧٩، ٥٢٧٨) كلهم من طرق عن شعبة قال: سمعت أبا إسرائيل، قال: سمعت جعدة فذكره. واللفظ لأحمد. وبعضهم اقتصر على الجزء الأول فقط. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: أبو إسرائيل الجُشمي مولى جعدة الجُشمي، اسمه شعيب لم يرو عنه سوى شعبة. ولم يوثقه أحد إِلَّا أن ابن حبان ذكره في ثقاته، لذا قال ابن حجر في التقريب: "مقبول" أي عند المتابعة، ولم أجد له متابعا. وأما قول الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٢٦ - ٢٢٧): "رجاله رجال الصحيح، غير أبي إسرائيل الجُشمي وهو ثقة"، فهو اعتماد منه على توثيق ابن حبان. ١٨ - باب قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ

стр. 6942

آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي القرآن. وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم مسلمون. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ هم اليهود. وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ هم طائفة من المجوس من الفرس وغيرهم، كان لهم كتاب فضيّعوه، وكانوا يقولون: "لا إله إلّا اللَّه". ولكنهم لم يؤمنوا بالنبي ﷺ ، وكانوا يرون أن العمل الصالح ينفعهم في الآخرة، ولكن العمل الصالح في نظر الإسلام ما كان موافقًا للشريعة المحمدية بعد إرسال آخر الرسل محمد بن عبد اللَّه ﷺ ، فهؤلاء المؤمنون بالنبي ﷺ ، واليهود والصابئون والنصارى إذا آمنوا باللَّه الواحد، لا شريك له، وآمنوا باليوم الآخر وهو يوم المعاد يوم الجزاء، وعملوا وفق شريعة النبي ﷺ مؤمنين به، فهؤلاء لا خوف عليهم في يوم المعاد، ولا هم يحزنون. وقيل: إن اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا مؤمنين بأنبيائهم قبل بعثة النبي ﷺ كاليهود الذين آمنوا بموسى ﵇. وعملوا وفق شريعته، والنصارى الذين آمنوا بالمسيح ﵇، وعملوا وفق تعاليمه، والصائبين الذين كانوا آمنوا بنبيهم في زمانه، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وأما الآن فلا بد من الإيمان بالنبي ﷺ آخر الأنبياء والرسل، ولا نجاة لهم بدون الإيمان به. وقوله: ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ بالرفع وحقه النصب، ولكن لما طال الفصل حسن العطف بالرفع. ١٩ - باب قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ يعني النصارى الذين جعلوا المسيح وأمه إلهين مع اللَّه. فاللَّه هو الثالث كما جاء في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾. فردّ اللَّه على افترائهم بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. ٢٠ - باب قوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾

стр. 6943

قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي مصدقة لما جاء به المسيح ﵇ ومؤمنة به. وقد دلّت الآية بأن مريم ليست بنبية وقد زعمت بعض الفرق الإسلامية بنبوتها ونبوة سارة أم إسماعيل، ونبوة أم موسى. والصحيح الذي عليه جمهور أهل السنة، هو أن اللَّه لم يبعث نبيًا إلّا من الرجال لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [سورة يوسف: ١٠٩]. ٢١ - باب قوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ قوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ذكر اللَّه داود وعيسى ﵉ لعلوّ شأنهما وإلّا فإنهم لُعنوا على لسان جميع أنبياء بني إسرائيل. روي عن ابن عباس قال: "لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد ﷺ في القرآن". وقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ولذا ذمّهم اللَّه. وروي عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم، فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون". وكان رسول اللَّه ﷺ متكئا، فجلس، فقال: "لا، والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرا". رواه أبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٧، ٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦)، وأحمد (٣٧١٣) كلهم من طريق علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود فذكره واللفظ لأحمد. والصحيح أن أبا عبيدة بن عبد اللَّه بن مسعود لم يسمع من أبيه. ومشاه غير واحد بأن الحديث عن بعض أهل البيت. فلعله سمعه عن بعض أهله، عن أبيه. قال الترمذيّ: "قال عبد اللَّه بن عبد الرحمن (هو شيخ الترمذيّ): قال يزيد: وكان سفيان الثوري لا يقول فيه عن عبد اللَّه". ثم قال الترمذيّ: "هذا حديث حسن غريب. وقد رُوي هذا الحديث عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن علي بن بَذيمة، عن أبي عبيدة، عن النبي ﷺ مرسل". انتهى. وقول الترمذيّ "حسن غريب" لعلّه من باب حديث أهل البيت، وإلّا فالترمذي ممن يرى أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.

стр. 6944

ورواية سفيان الثوري عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن النبي ﷺ عند الترمذيّ وابن ماجه بالأرقام المكررة، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٥٩٠). ورواه أبو داود (٤٣٣٧)، عن خلف بن هشام، حدّثنا أبو شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود، عن النبى ﷺ بنحوه. وزاد: "أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنّكم كما لعنهم". قال أبو داود: "رواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد اللَّه بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه. ورواه خالد الطحان، عن العلاء، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة" انتهى، أي مرسلًا. ورُوي هذا الحديث عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، رواه خالد بن عبد اللَّه الواسطي، عن العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ فذكر نحوه. وسأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث كما في العلل (١٨٠١): فقال: "لا أعرف هذا الحديث من حديث عمرو بن مرة، وإنما رواه علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه، عن النبي ﷺ . وهذا الذي رجّحه أيضًا الدارقطني في العلل (٥/ ٢٨٧ - ٢٨٨). ٢٢ - باب قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لآ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾ قوله: ﴿الْيَهُودَ﴾ أي اليهود كانوا أكثر من أظهروا العداوة للنبي ﷺ مع أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقد حرص النبي ﷺ على إسلامهم كما جاء في الصحيح. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لو تابعني عشرة من اليهود، لم يبق على ظهرها يهودي إِلَّا أسلم". متفق عليه: رواه البخاريّ في مناقب الأنصار (٣٩٤١)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٣)، كلاهما من طريق قرة (وهو ابن خالد السدوسي)، حدّثنا محمد (وهو ابن سيرين)، عن أبي هريرة، قال: فذكره. واللفظ لمسلم. ورواه أحمد (٨٥٥٥) من طريق أبي هلال قال: حدّثنا محمد بن سيرين به، وفيه: "لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود، لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض". والمراد بالعشرة هنا: رؤوسهم، فلو آمن هؤلاء لآمن اليهود جميعًا على وجه الأرض، لأنهم

стр. 6945

تبع لرؤوسائهم، وإلّا فقد آمن به أكثر من عشرة وكان أشهرهم عبد اللَّه بن سلّام. • عن سلمان قال: "لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ صَنَعْتُ طَعَامًا، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَال: "مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ ". قُلْتُ: "صَدَقَةٌ"، فَقَال لأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَلَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إِنِّي رَجَعْتُ حَتَّى جَمَعْتُ طَعَامًا، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَقَال: "مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ ". قُلْتُ: "هَدِيَّةٌ"، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ، وَقَال لأَصْحَابِهِ: "كُلُوا". قُلْتُ: "يَا رَسُول اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنِ النَّصَارَى؟ " قَال: "لا خَيْرَ فِيهِمْ وَلا فِيمَنْ أَحَبَّهُمْ"، فَقُمْتُ وَأَنَا مُثْقَلٌ، فَأَنْزَل اللَّهُ : ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فَقَال لِي: "يَا سَلْمَانُ إِنَّ أَصْحَابَكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ". صحيح: رواه الطبرانيّ في الكبير (٦/ ٣٠٥)، عن الحسن بن حرير الصوري، ثنا زكريا بن نافع الأرسوقي، ثنا السري بن يحيى، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان فذكره. وإسناده صحيح. وله طرق أخرى غير أن ما ذكرته هو أصحها. تنبيه: سقط من الإسناد "عن أبي عثمان النهدي" كما هو ظاهر من ترجمة الطبرانيّ. وهؤلاء القسيسيون والرهبان كانوا من أتباع أريانوس المصري الذي ظهر في القرن الثالث الميلادي، ودعا إلى نبوة المسيح ﵇، وأنكر ألوهيته فعُذِّب هو وأصحابه، وبقي بعض أتباعهم فأدركوا عهد النبي ﷺ فآمنوا به. ولعل النجاشي ملك الحبشة كان من أتباعه أيضًا سرًا، وأنه لم يظهر ذلك خوفا من جمهور النصارى الذين كانوا على مذهب بولس، ولذا جعل القرآن والإنجيل من مشكاة واحدة، مع أن الأناجيل الموجودة لا تُنكر ألوهية المسيح، ولعله اطلع أيضًا على إنجيل برناباس الذي اكتشف قبل حكمه بخمسين سنة، وفيه إنكار لألوهية المسيح، وإثبات لنبوته، وبشارات بنبوة محمد ﷺ . فقوله: "من مشكاة واحدة" يرجع إلى القرآن وإنجيل برناباس أو ما تحمله من أفكار أريانوس. • عن عبد اللَّه بن الزبير قال: "نزلت هذه الآية في النجاشي، وفي أصحابه ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. حسن: رواه النسائيّ في الكبرى (١١١٤٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٥)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٦٠٢) كلهم من حديث عمر بن علي بن مقدّم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير فذكره. وإسناده حسن من أجل عمر بن علي بن مقدم؛ فإنه حسن الحديث إلّا أنه رمي بالتدليس.

стр. 6946

والآثار المروية في هذا الباب تقوي هذا الحديث. قال ابن إسحاق: "سألت الزهري عن الآيات: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ قال: "ما زلت أسمع علماءنا يقولون: نزلت في النجاشي وأصحابه". سيرة ابن هشام (١/ ٣٩ ٢). ٢٣ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ قوله: ﴿طَيِّبَاتِ﴾ أي اللذيذات من الطعام التي تشتهيها النفوس، وكذلك الجميلات من النساء التي تميل إليها القلوب، فلا تمنعوها كما فعل القسيسون والرهبان، فحرموها على أنفسهم، فلم يؤدوا حقها كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد: ٢٧]. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنا نغزوا مع رسول اللَّه ﷺ ، ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلي أجل. ثم قرأ عبد اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٥)، ومسلم في النكاح (١٤٠٤) كلاهما من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عبد اللَّه قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. • عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: هم رهطٌ من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: نقطَعُ مذاكيرَنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فأرسل إليهم، فذكر ذلك لهم فقالوا: نعم، فقال رسول اللَّه ﷺ : "لكنيّ أصوم وأفطر، وأصلِّي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مِني". حسن: رواه ابن جرير الطبريّ في تفسيره (٨/ ٦١١) عن المثنى، ثنا عبد اللَّه بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١١٨٧)، عن أبيه، ثنا أبو صالح كاتب الليث (وهو عبد اللَّه ابن صالح) به. وإسناده حسن من أجل عبد اللَّه بن صالح؛ فإنه مختلف فيه، غير أنه حسن الحديث إذا كان له أصل. وأما ما روي عن عبد اللَّه بن مسعود: أن رجلًا أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول اللَّه، إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء، وأخذتني شهوتي، فحرمت علي اللحم. فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ

стр. 6947

آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ فهو ضعيف. رواه الترمذيّ (٣٠٥٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٤)، وابن جرير الطبريّ في تفسيره (٨/ ٦١٣)، كلهم من حديث عثمان بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وقال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب، وروى بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلًا ليس فيه "عن ابن عباس". ورواه خالد الحذّاء، عن عكرمة مرسلًا". اهـ قلت: مع إرساله ووقفه فيه عثمان بن سعد الكاتب أبو بكر البصري، ضعيف عند جمهور أهل العلم وإن كان ابن عدي حسن الرأي فيه فقال: "هو حسن الحديث"، والقول قول الجمهور، وبه قال الحافظ في التقريب "ضعيف". قلت: وهو كما قال، فقد رواه ابن جرير الطبريّ من أوجه عن خالد الحذّاء، عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب النبي ﷺ همّوا بالخصاء، وترك اللحم والنساء، فنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. وهذا أصح؛ فإن خالد الحذّاء من الثقات الضابطين بخلاف عثمان بن سعيد؛ فإنه ضعيف. وقال مسروق: أتى عبد اللَّه بضرع، فقال للقوم: أدنو، فأخذوا يطعمونه. وكان رجل منهم في ناحية، فقال عبد اللَّه: أدن، فقال: إني لا أريده. فقال: لم؟ قال: لأني حرمت الضرع. فقال عبد اللَّه: هذا من خطوات الشيطان. وتلا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أدن، فكل، وكفر عن يمينك، فإن هذا من خطوات الشيطان. رواه الحاكم (٢/ ٣١٣ - ٣١٤) من طريق منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق. وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ذهب الإمام أحمد وغيره إلى أنّ مَنْ حرّم مأكلا، أو مشربا، أو شيئًا من الأشياء، فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين؛ لعموم قوله تعالى كما في الآية التي بعدها. ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ. . .﴾ ولأثر ابن مسعود وغيره. وذهب الشافعي وغيره إلى أن من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئًا ما عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، لأنّ مَن حرّم اللحم على نفسه، لم يأمره النبي ﷺ بكفارة. قلت: لعل ذلك لم ينقل، لأن كفارة اليمين معروفة في كتاب اللَّه وسنة رسول اللَّه ﷺ . ٢٤ - باب قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾

стр. 6948

قوله: ﴿أَوْ﴾ للتخيير، بدون خلاف؛ فإن اللَّه بدأ بالأيسر فالأسهل. وروي عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات، قال حذيفة: يا رسول اللَّه: نحن بالخيار؟ قال: "أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطعمت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات" إِلَّا أنه لم يصح. وقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة بإطلاقها، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقيّد الشافعي وغيره بالمؤمنة. وأخذوا تقييدها بالإيمان من كفارة القتل. وقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ الآية مطلقة ليس فيها كون الصيام متتابعا. وبه قال مالك والشافعي وغيرهما. ومن ذهب إلى التتابع، أخذ بقراءة ابن مسعود ﴿فصيام ثلاثة أيام متتابعات﴾ إلّا أنها قراءة شاذة غير متواترة. والغالب أنه من تفسير ابن مسعود. • عن عائشة: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ في قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٣) عن علي بن سلمة، حدّثنا مالك بن سُعَير، حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، فذكرته. • عن عائشة أن أباها كان لا يحنث في يمين حتى أنزل اللَّه كفارة اليمين، قال أبو بكر: لا أرى يمينا أرى غيرها خيرًا منها، إلّا قبلت رخصة اللَّه وفعلت الّذي هو خير. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٤)، عن أحمد بن أبي رجاء، حدّثنا النضر، عن هشام قال: أخبرني أبي، عن عائشة. فذكرته. • عن ابن عباس قال: كان الرجل يقوت أهله قوتا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتا فيه شدة. فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾. صحيح: رواه ابن ماجه (٢١١٣) عن محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح، وقد صحّحه أيضًا البوصيري في زوائد ابن ماجه. ٢٥ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ قوله: ﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ يعني الأوثان، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها "نصب". وقوله: ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ يعني القدأح التي كانوا يستقسمون بها. واحدها: زلم. وقوله: ﴿رِجْسٌ﴾ أي خبيث مستقذر. • عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإنّ في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما

стр. 6949

فيها شراب العنب. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٦)، عن إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن بشر، حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: حدثني نافع، عن ابن عمر قال: فذكره. • عن عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَأَلُوا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْفَضِيخِ، فَقَالَ: مَا كَانَتْ لَنَا خَمْرٌ غَيْرَ فَضِيخِكُمْ هًذَا الذي تُسَمُّونَهُ الْفَضِيخَ، إِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِيهَا أَبَا طَلْحَةَ وَأَبَا أَيُّوبَ وَرِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِنَا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ. فَإِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ: يَا أَنَسُ! أَرِقْ هَذِهِ الْقِلَالَ. قَالَ: فَمَا رَاجَعُوهَا وَلَا سَأَلُوا عَنْهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٧)، ومسلم في الأشربة (١٩٨٠: ٤) كلاهما من طريق ابن علية، أخبرنا عبد العزيز بن صهيب قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه. • عن ابن عمر قال: سمعت عمر على منبر النبي ﷺ يقول: أما بعد، أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والخمر ما خامر العقل. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٩)، ومسلم في التفسير (٣٠٣٢: ٣٣) كلاهما من طريق ابن إدريس، حدّثنا أبو حيان، عن الشعبي، عن ابن عمر قال: فذكره. وزاد مسلم: "وثلاث، أيها الناس، وددت أن رسول اللَّه ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا". وقوله: ﴿وَالْمَيْسِرُ﴾ أي القمار، والنرد من القمار كما قال ابن عمر وغيره. وقال علي بن أبي طالب وغيره: "الشطرنج من القمار". ولذا ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى تحريم الشطرنج. وكرهه الشافعي. قال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٧٥): "يحرم اللعب بالنرد جملة واحدة، لم يستثن وقتا من الأوقات، ولا حالا من الأحوال، فسواء شغل النرد عن الصلاة أو لم يشغل، أو ألهى عن ذلك ومثله أو لم يفعل ششِا من ذلك". اهـ. وقد جاء في الصحيح. • عن بريدة بن الحصيب أن النبي ﷺ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه". صحيح: رواه مسلم في الشعر (٢٢٦٠) عن زهير بن حرب، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه أنّ النبي ﷺ قال: فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى إِلَّا أنّها لا تصح.

стр. 6950

قوله: "النردشير" النرد اسم أعجمي، شير معناه الحلو، والنرد شير لعبة حلوة ذات صندوق وحجارة وفصين، تعتمد على الحظ، وتُنَقّل فيه الحجارة على حسب ما يأتي به الفَصُّ (الزهر). وتعرف عند العامة بالطاولة. يقال: لعب بالنرد. "المعجم الوسيط". وقال ابن عبد البر: "والنرد قطع ملونة تكون من خشب البقس، ومن عظم الفيل، ومن غير ذلك. وهو الذي يعرف بالطبل، ويعرف بالكعاب، ويعرف أيضًا بالأرن، ويعرف أيضًا بالنردشير". اهـ. التمهيد (١٣/ ١٧٥) ٢٦ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي انتهوا، فإن هذا استفهام ومعناه أمر كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٨٠]. ٢٧ - باب قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ • عن أنس قال كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول اللَّه ﷺ مناديا ينادي: "ألا إن الخمر قد حرمت". قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. فخرجت فهرقتها فجرت في سكك المدينة. فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل اللَّه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. متفق عليه: رواه البخاريّ في المظالم (٢٤٦٤)، ومسلم في الأشربة (١٩٨٠) كلاهما من طريق حماد بن زيد، حدّثنا ثابت، عن أنس، فذكره. واللفظ للبخاري. • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال لي رسول اللَّه ﷺ : "قيل لي: أنت منهم". صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٢٤٥٩) من طرق عن علي بن مسهر، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه فذكره. ورواه الطبرانيّ في الكبير (١٠/ ٧٧)، والحاكم (٤/ ١٤٣ - ١٤٤) كلاهما من طريق سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "لما نزلت تحريم الخمر قالت اليهود: "أليس إخوانكم الذين ماتوا، كانوا يشربونها؟ فأنزل اللَّه : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾

стр. 6951

قال لي رسول اللَّه ﷺ : "فقيل لي: إنّك منهم". وسليمان بن قرم مختلف فيه. وكان الإمام أحمد حسن الرأي فيه إلّا أنه كان يرى أنه مفرط في التشييع، وقد خالف في بعض السياق وأصله ثابت. • عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول اللَّه! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر، لما نزل تحريم الخمر فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. حسن: رواه الترمذيّ (٣٠٥٢)، وأحمد (٢٠٨٨)، وابن جرير (٨/ ٦٦٥)، وصحّحه الحاكم (٤/ ١٤٣) كلهم من حديث إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في سماك بن حرب؛ فإنه كان يضطرب في روايته، عن عكرمة وهنا لم يضطرب لموافقة غيره. وقال الترمذيّ: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". • عن جابر قال: صبّح أناس غداة أحد الخمر، فقتلوا من يومهم جميعًا شهداء، وذلك قبل تحريمها. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦١٨) عن صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر فذكره. ورواه البزار في مسنده عن أحمد بن عبدة، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ ، ثم قتلوا شهداء يوم أحد. فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. قال البزار: "هذا إسناد صحيح". وقال ابن كثير: "ولكن في سياقه غرابة". قلت: لأنّ تحريم الخمر تأخر عن أحد. وروي عن البراء قال: مات رجل من أصحاب النبي ﷺ قبل أن تُحرَّم الخمر، فلما حرمت الخمر قال رجال: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. رواه الترمذيّ (٣٠٥٠) من طريق إسرائيل، وفي (٣٠٥١) عن طريق شعبة، كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره.

стр. 6952

وصحّحه من كلا الطريقين. وكذا أخرجه ابن جرير (٨/ ٦٦٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠١)، وصحّحه ابن حبان (٥٣٥٠، ٥٣٥١) كلهم من طريق شعبة به. ولكن رواه أبو يعلى (١٧١٩، ١٧٢٠) بإسنادين صحيحين عن شعبة، وزاد في آخره: قال شعبة: قلت: أسمعته من البراء. قال: لا. فتبيّن أن بين أبي إسحاق والبراء واسطة ولم تعرف. وفيه دلالة على أن أبا إسحاق دلّس في هذا السند، هذا هو التدليس القادح. ٢٨ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾ قوله: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ مثل الفرخ والبيض، وكذا ما لا يقدر من الفرار من صغار الصيد. وقوله: ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني الكبار من الصيد. وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ أي ذاكرا لإحرامه بخلاف المخطئ والناسي، فلا كفارة عليه. قال سعيد بن جبير: "لا تجب كفارة الصيد بقتل الخطأ، بل يختص بالعمد". ولكن ذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ العمد والخطأ سواء في لزوم الكفارة. وقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ النعم هي البدنة والبقرة والشاة. وأراد من النعم ما يقرب من الصيد المقتول شبها من حيث الخلقة، لا من حيث القيمة. ومثاله: حكموا في النعامة ببدنة، وهي لا تساوي بدنة، وفي الحمار الوحشي ببقرة، وهي لا تساوي بقرة، وفي الضبع بكبش، وهي لا تساوي كبشا، وفي الحمام شاة، . وهي لا تساوي شاة، وفي الغزال بعنز وهي لا تساوي عنزة. . . هكذا في بقية الصيد. وقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي أن المحرم في جزاء الصيد مخير بين أن يذبح المثل من النعم، فيتصدق بلحمه على مساكين الحرم، وبين أن يقوم المثل دراهم، والدراهم طعاما فيتصدق بالطعام على مساكين الحرم، أو يصوم عن كل مد من الطعام يومًا، وله أن يصوم حيث شاء، لأنه لا نفع فيه للمساكين.

стр. 6953

٢٩ - باب قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦)﴾ قوله: ﴿الْبَحْرِ﴾ أطلق الخاص وأريد به العام، والمراد منه جميع المياه بحرا كان أو نهرا، أو واديا فإن حكم الصيد لا يختلف باختلاف التسمية. وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ هو ما اصطاده انسان. وقوله: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ هو ما قذفه الماء إلى الساحل ميتا. وقد جاء في الصحيح: • عن جابر بن عبد اللَّه يقول: بعثنا رسول اللَّه ﷺ ثلاث مائة راكب، أميرنا أبو عبيدة ابن الجراح نرصد عير قريش. فأقمنا بالساحل نصف شهر، فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط. فسمي ذلك الجيش جيش الخبط. فألقى لنا البحر دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، وادهنا من ودكه حتى ثابت إلينا أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه، فنصبه فعمد إلى أطول رجل معه. قال سفيان مرة: ضلعا من أضلاعه فنصبه وأخذ رجلًا وبعيرا فمر تحته، قال جابر: وكان رجل من القوم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه. متفق عليه: رواه البخاريّ في المغازي (٤٣٦١)، ومسلم في الصيد (١٩٣٥: ١٨) كلاهما من حديث سفيان قال: الذي حفظنا من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد اللَّه فذكره واللفظ للبخاري. وروي عن أبي بكر الصديق قال: "كل دابة في البحر قد ذبحها اللَّه فكلها". ولذا أباح جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم الطافي من السمك. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه. ٣٠ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَحْفَوْهُ بِالْمَسْأَلَةِ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "سَلُونِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِك الْقَوْمُ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ. قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِى ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَأَنْشَأَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلَاحَى، فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ

стр. 6954

رَسُولًا، عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الدعوات (٦٣٦٢)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩: ١٣٧) كلاهما من حديث هشام بن عروة، عن قتادة عن أنس فذكره. واللفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ نحوه. وقال: "كان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. قوله: "احفوه بالمسألة" أي أكثروا في الإلحاح والمبالغة فيه. يقال: أحفى وألحف وألحّ بمعنى. وقوله: "أرمّوا" أي سكتوا. وأصله من المرفة، وهي الشفة أي ضموا شفاهم بعضها على بعض، فلم يتكلموا. وقوله: "يلاحى" الملاحة المخامصة والسباب. • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، فَخَطَبَ، فَقَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْم فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا". قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمٌ أَشَدُّ مِنْهُ. قَالَ: غَطَّوْا رُءُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ فُلَانٌ". فَنَزَلَتْ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢١)، ومسلم في الفضائل (٢٣٥٩: ١٣٤) كلاهما من طريق شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ مختصر. • عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى لَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ فَوَاللَّهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا". قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". بَرَكَ عُمَرُ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ

стр. 6955

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَوْلَى، وَالذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ، أَأَمِنْتَ أَنْ تَكُونَ أُمُّكَ قَدْ قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ: وَاللَّهِ لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ لَلَحِقْتُهُ. متفق عليه: رواه مسلم في الفضائل (١٣٦: ٢٣٥٩)، واللفظ له، والبخاري في مواقيت الصلاة (٥٤٠) مختصرًا، كلاهما من حديث الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك فذكره. ومعنى قولها: "قارفت" أي عملت سوءا. والمراد الزنى. وقوله: قال ابن شهاب: وصله عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٩)، عن معمر، عن الزهري به مثله إِلَّا أنه زاد في آخره: "وإنّما ألحقه بأبيه الذي كان له". • عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزَاءً. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةَ كُلِّهَا. صحيح: رواه البخاريّ في التفسمير (٤٦٢٢)، عن الفضل بن سهل، حدّثنا أبو النضر، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا أبو الجويرية، عن ابن عباس، قال: فذكره. وقد سبق في كتاب الحج أن سبب نزول هذه الآية: السؤال عن الحج. والأشهر ما ذكرناها هنا. ولا مانع من تعدد الأسباب. فدلّت الآية الكريمة وهذه الأحاديث على كراهية السؤال عما لا يحتاج إليه مما يسوء السائل جوابه، وقد ثبت في الصحيح. • عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ". متفق عليه: رواه البخاريّ في الزكاة (١٤٧٧)، ومسلم في الأقضية (١٣: ٥٩٣) كلاهما من حديث إسماعيل ابن علية، حدّثنا خالد الحذاء، عن ابن أشوع، عن الشعبي، حدثني كاتب المغيرة ابن شعبة، قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن اكتب إلي بشيء سمعته من النبي ﷺ ، فكتب إليه سمعت النبي ﷺ يقول: فذكره. ولم يكن للمهاجرين والأنصار رخصة في السؤال بخلاف الأعراب ونحوهم من الوفود القادمين

стр. 6956

إلى المدينة ليتعلموا الدين، ثم يرجعوا إلى بلادهم دعاة. • عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول اللَّه ﷺ بالمدينة سنة. ما يمنعني من الهجرة إِلَّا المسألة. كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول اللَّه ﷺ عن شيء. قال: فسألته عن البر والاثم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (١٥: ٢٥٥٣)، عن هارون بن سعيد الأيلي، حدّثنا عبد اللَّه ابن وهب، حدثني معاوية يعني -ابن صالح-، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان فذكره. ٣١ - باب قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ قوله: ﴿بَحِيرَةٍ﴾ هي الناقة كانت إذا ولدت خمسة أبطن لم يركبوها، ولم يجزّوا وبرها، ولم يمنعوها الماء والكلأ. ثم نظروا إلى خامس ولدها فإن كان ذكرًا نحروه وأكله الرجال والنساء. وإن كانت أنثى شقوا أذنها، وتركوها وحرموا على الناس منافعها، وكانت منافعها للرجال خاصة، فإذا ماتت حلت الرجال والنساء. وقيل: كانت الناقة إذا تابعت اثنتي عشرة سنة إناثًا، سُيِّبت فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها ولم يشرب لبنها إِلَّا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خلي سبيلها مع أمها في الإبل، فلم تركب ولم يُجزّ وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف، كما فعل بأمها، فهي البحيرة بنت السائبة. وقال أبو عبيدة: "السائبة البعير الذي يُسيّب؛ وذلك أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا مرض أو غاب له قريب نذر، فقال: إن شفاني اللَّه تعالى أو شُفي مريضي أو ردّ غائبي، فناقتي هذه سائبة، ثم يسيّبها فلا تحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبها أحد فكانت بمنزلة البحيرة". وأما الوصيلة: فمن الغنم، كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكرا ذبحوه، فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركوها في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى، وقالوا: "وصلت أخاها فلم يذبحوه، وكان لبن الأنثى حراما على النساء، فإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء جميعًا". وأما الحام: فهو الفحل إذا رُكب ولد ولده، ويقال: إذا نتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حُمي ظهره، فلا يركب، ولا يحمل عليه، ولا يمنع من كلأ ولا ماء، فإذا مات أكله الرجال والنساء. • عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درّها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس. والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء. قال: وقال أبو هريرة:

стр. 6957

قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول مَن سيَّب السوائب". والوصيلة الناقة البكر، تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم، إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودَعَوه للطواغيت وأعفوه من الحمل، فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٣)، ومسلم في الجنة (٢٨٥٦: ٥١) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم مختصر. • عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "رأيت جهنّم يحطم بعضها بعضًا. ورأيت عمروا يجر قُصْبَه وهو أول من سيب السوائب". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٤)، ومسلم في الكسوف (٣: ٩٠١) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت فذكرته. والسياق للبخاري، وسياق مسلم طويل. ٣٢ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ قيل: إنّها نزلت في اليهود والنصارى من أهل الكتاب بأنهم إذا لم يدخلوا في الإسلام، فعليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ من أهل الكتاب. وقيل: إنها نزلت في المشركين المعاهدين الذين يتدينون بالشرك، وقد صولحوا عليه، فلا يضركم إذا اهتديتم أنتم أيها المسلمون. وهذا الذي فهمه أمير المؤمنين أبو بكر الصديق كما جاء في الحديث الآتي: • عن قيس بن أبي حازم قال: قام أبو بكر، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنا سمعنا رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم اللَّه بعقابه". صحيح: رواه أبو داود (٤٣٣٨)، والترمذي (٢١٦٨)، وابن ماجه (٤٠٠٥)، والنسائي في الكبرى (١١٠٩٢)، وأحمد (١)، وصحّحه ابن حبان (٣٠٤) كلهم من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم فذكره. وإسناده صحيح. • عن عبد اللَّه بن عمرو قال: بينما نحن حول رسول اللَّه ﷺ إذ ذكروا الفتنة، أو

стр. 6958

ذُكرتْ عنده، فقال: "إذا رأيتَ الناس قد مَرِجتْ عهودُهم، وخفّتْ أماناتُهم، وكانوا هكذا" وشبّك بين أصابعه، قال: فقمتُ إليه، فقلت: كيف أفعل عند ذلك، جعلني اللَّه فداك؟ قال: "الزمْ بيتَك، وامْلِكْ عليكَ لسانَك، وخُذْ ما تعرف، ودع ما تُنكر، وعليك بأمر خاصة نفسِك، ودعْ عنك أمرَ العامّة". حسن: رواه أبو داود (٤٣٤٣)، وأحمد (٦٩٨٧)، والحاكم (٤/ ٢٨٢) كلهم من طريق يونس ابن أبي إسحاق، عن هلال بن خبّاب أبي العلاء، قال: حدثني عكرمة، حدثني عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص، قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل يونى بن أبي إسحاق وهلال بن خباب فإنهما حسنا الحديث. • عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية؟ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. قال: أما واللَّه لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول اللَّه ﷺ فقال: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك -يعني بنفسك- ودع عنك العوام، فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيه مثل قبضٍ على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله". وزادني غيره. قال: يا رسول اللَّه! أجر خمسين منهم؟ قال: "أجر خمسين منكم". حسن: رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤)، وصحّحه ابن حبان (٣٨٥) كلهم من حديث عتبة بن أبي حكيم، حدثني عمرو بن جارية اللخمي، حدثني أبو أمية الشعباني فذكره. وقال الترمذيّ: "حسن غريب". وإسناده حسن من أجل عمرو بن جارية روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في الثقات، ومن أجل شيخه أبو أمية الشعباني روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الشقات. ٣٣ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧)﴾ • عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء،

стр. 6959

فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا من ذهب، فأحلفهما رسول اللَّه ﷺ ، ثم وجد الجام بمكة، فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أوليائه، فحلفا لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. صحيح: رواه البخاريّ في الوصايا (٢٧٨٠) قال: وقال لي علي بن عبد اللَّه، حدّثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس فذكره. وقوله: " قال لي علي بن عبد اللَّه (وهو المديني من شيوخ البخاريّ) ". حكمه الاتصال كما بينتُ سابقا. ٣٤ - باب قوله: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠)﴾ قوله: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ هو جبريل ﵇. وقوله: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ في المهد - يعني صبيا. ﴿وَكَهْلًا﴾ يعني بعد أن بلغ ثلاثين سنة، وصار نبيا. ثم بقي في الأرض ثلاث سنوات يدعو الناس إلى اللَّه ، ثم رفع إلى السماء مع الخلاف كما سبق حيا أو ميتا. لقد امتن اللَّه بهذه المعجزات التي أعطاها عبده ورسوله عيسى ابن مريم فكيف يتصور منه بعد هذا كله أن يدعي الألوهية؟ والجواب: أنه لم يدّع الألوهية قطّ، وإنما كان ذلك من إحداث بولس ولذلك في الآيات القادمة ينكر المسيح ﵇ أنه ادّعى الألوهية لنفسه ولأمه، ويتبرأ ممن اتخذوه إلها، وقد ذكرتُ فصلا كاملًا عن بولس وإحداثه في النصرانية في كتابي: "اليهودية والمسيحية". ٣٥ - باب قوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ قوله: ﴿أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ أي ألهمت، وقذفت في قلوبهم. وقوله: أي خواص أصحاب عيسى وهم اثنا عشر، ورئيسهم بطرس. قوله: أي طعاما. ٣٦ - باب قوله: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾

стр. 6960

فالظاهر أنه نرلها. وهذا الذي قال به جمهور أهل العلم. وقد وصفت هذه المائدة بأوصاف لا دليل عليها من الكتاب والسنة الصّحيحة، وإنما هي أقوال الناس. وأما كون قصة المائدة لم تذكر في الأناجيل الموجودة، فلا غرابة في ذكرها في القرآن؛ لأنه الإنجيل الذي أنزله اللَّه تعالى على عيسى ﵇ ضيّعه النصارى في بداية عهدهم بعد تغلغل أفكار بولس في المجتمع النصراني. وأما الأناجيل الموجودة فالصحيح أنها أشبه بالسيرة لنبي اللَّه عيسى ﵇، ويُعرف من خطبه ومواعظه أنه كان يُبشّر بالانجيل الذي ضئعه النصارى. انظر على سبيل المثال: انجيل مرقس (١: ١٥). ٣٧ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ عطف على قوله ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ وهو يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون اللَّه. وليس مما قاله في الدنيا عند الرفع كما قال به بعض المفسرين. ومن المعلوم أن عبادة عيسى ﵇ حدثت بعد رفعه بزمان. فصلتُ القول في ذلك في كتابي: "اليهودية والمسيحية" فراجعه. وشُبهتهم في ذلك لفظ "إذ" فإنه يستعمل للماضي، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكن في كتاب اللَّه تعالى ذكر كثير من أمور يوم القيامة بلفظ الماضي لتحقق وقوعها. وقوله: أي يا رب ما قلت لهم إلّا ما أمرتني به من إفرادك بالتوحيد والعبادة. وكنت عليهم شاهدا ما يفعلونه، فكنت أعلمهم إن أخطأوا. فلما وفّيت أجلي في الدنيا، ورفعتني إليك حيا، كنت أنت المطلع على أعمالهم الظاهرة والباطنة؛ لأنه لاتخفى عليك خافية في الأرض، ولا في السماء. وقد جاء في الصحيح: • عن ابن عباس قال: خطب رسول اللَّه ﷺ فقال: "يا أيها الناس إنكم محشورون إلى اللَّه حفاة عراة غرلا" ثم قال: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] إلى آخر الآية ٣٠ قال: "ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم. ألا! وإنه يجاء برجال من أمتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ

стр. 6961

وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم". متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٥)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٥٦: ٢٨٦٠) كلاهما من طريق شعبة، أخبرنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فذكره واللفظ للبخاري. وفيه دلائل واضحة بأن ألوهية المسيح وقعتْ في النصرانية بعد رفع المسيح ﵇، وأنه لم يدّع لنفسه الألوهية قط. وقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيه تسليم للأمر كله إلى اللَّه ، وقوله: إنْ كان فيه طلب المغفرة لهم فذلك يعود إلى لين طبيعة عيسى ﵇ إِلَّا أنه فوّض الأمر إلى اللَّه ، ولذا ختمت الآية بقوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا مثل استئذان النبي ﷺ ربه تعالى للاستغفار لأمه شفقة عليها إِلَّا أنه لم يؤذن له لذلك.

стр. 6962

٦ - تفسير سورة الأنعام وهي مكية، وعدد آياتها ١٦٥ ١ - باب قوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾ قوله: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي وهو يرزق خلقه، ولا يأكل وقد جاء في التنزيل: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات: ٥٧ - ٥٨]. • عن أبي هريرة قال: دعا رجلٌ من الأنصار من أهل قباء النبيَّ ﷺ ، فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يده أو يديه، قال: "الحمد للَّه الذي يُطعِم ولا يُطعَم، منَّ علينا، فهدانا، وأطعمنا، وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مودّع، ولا مكافأ، ولا مكفور، ولا مستغنى عه، الحمد للَّه الذي أطعم من الطعام، وشى من الشراب، وكسا من الحري، وهدى من الضلالة، وبصَّر من العمى، وفضَّل على كثير ممن خلمه تفضيلا، الحمد للَّه رب العالمين". حسن: رواه النسائيّ في عمل اليوم والليلة (٣٠١)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (٤٨٦)، وصحّحه ابن حبان (٥٢١٩)، والحاكم (١/ ٥٤٦) كلهم من طريق بشر بن منصور السليمي، عن زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل بشر بن منصور السليمي البصري، وسهيل بن أبي صالح فإنهما حسنا الحديث. ٢ - باب قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ وقد جاء في الصحيح: • عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: أملى عليّ المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: "لا إله إلّا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأذان (٨٤٤)، ومسلم في المساجد (١٣٨: ٥٩٣) كلاهما من

стр. 6963

حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن ورّاد فذكره. قوله: "ذا الجد" بفتح الجيم - أي لا ينفع ذا الغني والحظ منك غناه. ٣ - باب قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ يعني الدابة أمة، والطير أمة، مثل الإنسان فإنه أمة. وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي رزقهم وأجلهم. والكتاب المراد به: اللوح المحفوظ. أي الجميع علمهم عند اللَّه، ولا ينسى واحدًا من جميعها بريًّا أو بحريًّا أو سماويًّا. كما جاء في سورة هود [٦] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ أي يبعثون يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [سورة التكوير: ٥]. ٤ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ قوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ أي تركوا العمل بما ذكّروا به. قوله: ﴿هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي الآيسون. • عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: "إذا رأيت اللَّه يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج". ثم تلا رسول اللَّه ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. حسن: رواه أحمد (١٧٣١١) عن يحيى بن غيلان، قال: حدّثنا رشدين -يعني ابن سعد- أبو الحجاج المهري، عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر فذكره. ورشدين بن سعد ضعيف عند أئمة الحديث، ولكنه توبع. فقد رواه الدولابي في الكنى (١/ ١١١)، والطبري في الأوسط (٩٢٦٨)، والبيهقي في القضاء والقدر (٢/ ٥٦٦)، وفي شعب الإيمان (٤٢٢٠) كلهم من طرق أخرى عن حرملة بن عمران التجيبي به، مثله. وحسنه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١١٥) بعد أن عزاه لأحمد والطبراني والبيهقي في الشعب. وللحديث إسناد آخر كما قال ابن جرير الطبريّ في تفسيره: "وحدث بهذا الحديث محمد بن

стр. 6964

حرب، عن أبن لهيعة، عن عقبة بن مسلم به، نحوه". وابن لهيعة فيه كلام معروف، ولكن متابعة هؤلاء تؤكد أنه لم يخطئ في هذا الحديث، بل حفظه، وأداه كما سمعه. ٥ - باب قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ • عن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ : اطرد هؤلاء لا يجترؤون علينا، قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول اللَّه ﷺ ما شاء اللَّه أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل اللَّه ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. صحيح: رواه مسلم في فضائل الصحابة (٤٦: ٢٤١٣)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدّثنا محمد بن عبد اللَّه الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد فذكره. ورواه مسلم في فضائل الصحابة (٤٥: ٢٤١٣) عن زهير بن حرب، حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه عن سعد: فيّ نزلت: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا له: تدني هؤلاء؟ وقوله: "لست أسميهما". وفي رواية "نسيت اسمهما". وروي نحوه عن ابن مسعود. رواه أحمد (٣٩٨٥)، وابن جرير (٩/ ٢٥٨) وفيه أشعث وهو ابن سوّار الكندي ضعيف. إلّا أنّ أحمد ذكر الآية التي قبلها وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا. . .﴾ [سورة الأنعام: ٥١ - ٥٨]. أي أن رؤساء قريش كانوا يسخرون ممن آمن وكانوا يقولون: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [سورة الأنعام: ٥٣] وقالوا أيضًا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [سورة الأحقاف: ١١]. ٦ - باب قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾ قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي أنه أوجب على نفسه الرحمة تفضلا منه وإحسانا. • عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لما قضى اللَّه الخلق كتب في كتابه فهو

стр. 6965

عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي". متفق عليه: رواه البخاريّ في بدء الخلق (٣١٩٤)، ومسلم في التوبة (٢٧٥١) كلاهما عن قتيبة ابن سعيد، حدّثنا المغيرة بن عبد الرحمن القرشي، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره. • عن سلمان الفارسي قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه خلق يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة". صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢١: ٢٧٥٣)، عن ابن نُمير، حدّثنا أبو معاوية، عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي فذكره. • عن عمر بن الخطاب قدم على النبي ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها، وأرضعته، فقال لنا النبي ﷺ : "أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ ". قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: "للَّه أرحم بعباده من هذه بولدها". متفق عليه: رواه البخاريّ في الأدب (٥٩٩٩)، ومسلم في التوبة (٢٧٥٤) كلاهما من حديث ابن أبي مريم، حدّثنا أبو غسان، قال: حدثني زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب فذكره. ٧ - باب قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ • عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مفتاح الغيب خمس، لا يعلمها إِلَّا اللَّه. لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر". صحيح: رواه البخاريّ في الاستسقاء (١٠٣٩) عن محمد بن يوسف قال: حدّثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: فذكره. وفي معناه أحاديث أخرى، ستأتي في تفسير سورة لقمان. ٨ - باب قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠)﴾ قوله: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ الوفاة الصغرى وهي حالة النوم، والوفاة الكبرى هي الموت الذي لا

стр. 6966

حياة بعدها إلّا بعد البعث. ومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [سورة الزمر: ٤٢]. وقوله: ﴿مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي ما كسبتم، قال ابن عباس: "ما اكتسبتم من الإثم". وقوله: ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ هو الموت. ٩ - باب قوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ قوله: ﴿حَفَظَةً﴾ أي الملائكة الذين يحفظون بدن الإنسان كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [سورة الرعد: ١١]. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي لا يقصّرون في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها، وينزلونها حيث شاء اللَّه ، إن كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجيين. وقوله: ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد الموت. وقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ أي الخلائق يُردون بالموت إلى اللَّه مولاهم؛ ليحكم بينهم؛ لأنه لا حكم إلّا له؛ لقوله في آخره: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ لكمال علمه وقدرته، فإنه إذا حاسب يكون حسابه سريعا؛ لأنه لا يحتاج إلى فكرة وروية وعقد يد. ١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾ قوله: ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ أي الرجم والحصب من السماء. وقوله: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي الخسف. وقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ أي فرقا متخالفين بعد ما كنتم مجتمعين. وقوله: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ أي في الفتنة فيُسلّط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل. قال اللَّه تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾ [سورة الملك: ١٦ - ١٨]. • عن جابر قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ

стр. 6967

فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "أعوذ بوجهك". قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: "أعوذ بوجهك". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول اللَّه ﷺ : "هذا أهون أو هذا أيسر". صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٨)، عن أبي النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو ابن دينار، عن جابر قال: فذكره. ١١ - باب قوله: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ قوله: ﴿الصُّورِ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وفي معناه أحاديث ذكرت في موضعها. ١٢ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾ قوله: ﴿لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ ذهب غير واحد من أهل العلم بأن اسم أبي إبراهيم "تارح" اعتمادًا على ما جاء في سفر التكوين: [٢٧: ١١]. وقالوا آزر اسم لصنم كان يعبده، فغلب عليه اسمه. قلت: لا يمنع أن يكون لأبيه عدة أسماء: "تارح" و"آزر" أو أحدهما اسم، والآخر لقب، أو وقع تحريف في التوراة المزعومة في اسمه كما وقع في مواضع أخرى. فلا ينبغي الإنكار الصريح أن يكون اسمه آزر ما دام سماه اللَّه تعالى به. ١٣ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ يعني بيّن اللَّه له وجه الدلالة لوحدانيته تعالى في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. وقد يكون ذلك على ظاهره بأن اللَّه تعالى بقدرته أرى إبراهيم ﵇ ما في السماوات والأرض من العجائب، وجلّى له بواطن الأمور وظواهرها كما روي عن بعض الصحابة والتابعين إِلَّا أنه لم يثبت مرفوعًا. فقد روي عن مجاهد قال: "فرجت له السماوات، فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن. كذلك ما روي عن سعيد بن جبير قال: "كُشِف له عن أديم السماوات والأرض حتى نظر إليهن على صخرة، والصخرة على حوت، والحوت على خاتم رب العزة، لا إله إلّا اللَّه". وكذلك ما روي عن سلمان، وعلي، وغيرهما. ذكرها ابن جرير في تفسيره (٩/ ٣٥٠ - ٣٥١) ولا يثبت من ذلك شيء مرفوعًا.

стр. 6968

وقوله: ﴿مَلَكُوتَ﴾ من الملك، وزيدت فيه التاء للمبالغة كالجبروت والرحموت والرهبوت. وقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ يعني أنه أراه ملكوت السماوات والأرض ليكون ممن يتوحد بتوحيد اللَّه، ويعلم حقيقة ما هداه له، وبصّره إياه من معرفة وحدانيته، وما عليه قومه من الضلالة من عبادتهم الأصنام، واتخاذهم إياهم آلهة دون اللَّه تعالى. كما قاله ابن جرير. ١٤ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروي عن ابن عباس أنه مقام نظر. وكان ذلك في حال طفولته قبل قيام الحجة عليه، فلم يكن ذلك كفرا. وقال غيره: إنه في مقام مناظرة لقومه مبينا لهم بفلان ما كانوا عليه من عبادة الأصنام والكواكب والشمس والقمر، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ. . .﴾ الآية. ١٥ - باب قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع أي أن اللَّه هو النافع والضار لا آلهتكم؛ لأن اللَّه قادر على كل شيء. ١٦ - باب قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ • عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]. متفق عليه: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٢٩)، ومسلم في الإيمان (١٢٤) كلاهما من طريق سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه بن مسعود، فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاريّ نحوه.

стр. 6969

١٧ - باب قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ قد يكون الضمير يعود إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين، ولا إشكال في أن الناس كلهم من ذرية نوح. وقد يعود إلى إبراهيم؛ لأن سياق الكلام يدل على ذلك. ولكن يشكل على ذلك أمران. أحدهما: ﴿وَلُوطًا﴾ قوله: ولوط ﵇ ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو لوط بن هاران أخي إبراهيم. (التكوين: ٢٧: ١١). فيقال: إنه دخل تغليبا كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة البقرة: ١٢٢]. فإسماعيل عمه، ودخل في آبائه تغليبا. والثاني: ذكر عيسى في ذرية إبراهيم؛ لأنه ولد من مريم بدون أب. ويجاب بأن ولد البنات من ذرية الرجال، كقول النبي ﷺ للحسن بن علي: "إنّ ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاريّ (٢٧٠٤) عن أبي بكرة. وأم عيسى كانت من نسل داود، وهو من ذرية إبراهيم. ١٨ - باب قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ • عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي ص سجدة؟ فقال: نعم، ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام: ٨٤ - ٩٠] ثم قال: هو منهم. صحيح: رواه البخاريّ في التفسير (٤٦٣٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني سليمان الأحول، عن مجاهد فذكره. ثم قال البخاريّ: زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد، قلت لابن عباس، فقال: "نبيكم ﷺ ممن أُمِرَ أن يقتدِيَ بهم".

стр. 6970

١٩ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾ قوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾ أي أعطيناكم، وأنعمنا به عليكم من المال والخدم. وقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ أي في الدنيا. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فأمضى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس". صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٩) عن سويد بن سعيد، حدثني حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكره. ٢٠ - باب قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ قوله: ﴿بَصَائِرُ﴾ هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن. وقوله: ﴿دَرَسْتَ﴾ بسكون السين، من الدرس وهو العلم. يعني يا محمد! أنت تعلمت من أهل الكتاب. وروي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ وهي قراءة متواترة، ومعناها: دارست أهل الكتاب، وقرأت الكتب وتعلمتها. كما قال المشركون من قبل أنّ بشرا يُعلّم محمدًا. وقد أخبر اللَّه عن مقالتهم ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة النحل: ١٠٣]. يعني لما قال المشركون إن هذا العلم الذي عند محمد يأتيه من العجم من الفرس، ردَّ اللَّه تعالى عليهم بقوله: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ وكذلك يرد اللَّه على هؤلاء بقوله: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي أن هذا العلم ليس من أهل الكتاب، ولا من العجم، وإنما وحيٌ من عند اللَّه، نوضّح ذلك لقوم من أهل الكتاب خاصة، ولغيرهم عامة. ٢١ - باب قوله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ نهى اللَّه رسوله والمؤمنين عن سب آلهة المشركين مع أنها شجر وحجر، لا قيمة لها، ولكن فيه
следующие страницы →