Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.
стр. 7071
ستنقطع، حتى أن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه، فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله! قد عودك الله في الدعاء خيرًا، فادع لنا، فقال: "أتحب ذلك؟ " قال: نعم، فرفع يديه ﷺ ، فلم يرجعهما، حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر.
صحيح: رواه ابن حبان (١٣٨٣)، والبزار - كشف الأستار (١٨٤١)، والحاكم (١/ ١٥٩)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٢٣١) كلهم من حديث ابن وهب، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير، عن عبد الله بن عباس فذكره.
وإسناده صحيح.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين".
تنبيه: سقط من إسناد ابن حبان "عتبة بن أبي عتبة".
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ كرر ذكر التوبة بعد أن ذكر في أول الآية: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فذكر التوبة في أول الآية للنبي ﷺ لجميع أصحابه الذين خرجوا في غزوة العسرة، وذكر التوبة الثانية للذين أرادوا التخلف والانصراف لشدة الساعة ثم مضوا ولم يتخلفوا.
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ختم الله بهذه البشرى للجميع الذين خرجوا في غزوة العسرة بأنه قبل توبتهم، ومن تاب الله عليه لم يعذبه أبدا.
وقوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ هم كعب بن مالك، ومرارة بن ربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، وتفصيل قصتهم في الحديث الآتي:
• عن كعب بن مالك قال: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ، وَلَا
стр. 7072
يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ - يُرِيدُ الدِّيوَانَ -. قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفى لَهُ، مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطُفْتُ فِيهِمْ، أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهْوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبٌ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ" فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضى بهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لأرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى
стр. 7073
وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضيَ اللَّهُ فِيكَ" فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ، فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذِّبُ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا إِسْوَةٌ، فَمَضيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَهْوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهْوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشدْتُهُ. فَقَال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضتْ عَيْنَايَ وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَال: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. فَقُلْتُ لَمَّا قَرَاتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ. فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ ﷺ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا بَلِ
стр. 7074
اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا. وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الأَمْرِ. قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ؟ قَالَ: "لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ" قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شيءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَاذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَأذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ. فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ. قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ" قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإلَى رَسُولِه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ" قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي
стр. 7075
الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ١١٩] فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلإسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لأَحَدٍ، فَقَالَ ﵎ ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ﴾ إِلَى قَوْلِه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦] قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنِ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ.
متفق عليه: رواه البخاري في المغازي (٤٤١٨) ومسلم في التوبة (٥٣: ٢٧٦٩) كلاهما من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، أن عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: فذكره.
٤١ - باب قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
• عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، حتى يكتب عند الله كذابا".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٦٠٩٤)، ومسلم في البر والصلة (٢٦٠٧) كلاهما عن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
وقوله: ﴿مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ أولهم النبي ﷺ وأصحابه الذين خرجوا إلى غزوة تبوك، ثم هو عام لجميع الصادقين الذين قبلوا الحق واستقاموا عليه، وأما الكاذب فلا يصلح للمصاحبة.
стр. 7076
٤٢ - باب قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾
قال قتادة: هذه خاصة لرسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذرٍ أو إذنٍ، وأما غيره من الأئمة والولاة فيجوز لمن شاء من المسلمين أن يتخلف عنه إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة.
وقال غيره: أنها عامة لأول هذه الأمة وآخرها. روي ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما.
قلت: القول الثاني له وجه قوي فإن الأئمة والولاة تبعا لخطاب النبي ﷺ ، فإذا وجب الخروج مع النبي ﷺ فكذلك مع الأئمة والولاة إلا بعذر أو بإذن.
٤٣ - باب قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾
﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم، تعرفون نسبه وحسبه، وهو من العرب مثلكم من بني إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وهو من دعوة إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٢٩].
وقد امتن الله تعالى في موضع آخر فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] وغيرها من الآيات.
كما قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولا منا، نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته فذكر الحديث، لما كان الأمر هكذا فلم تكفرون بهذا النبي الكريم وما جاء به، مع أنه حريص على إيمانكم وصلاحكم، ورؤوف رحيم بمن آمن به.
стр. 7077
١٠ - تفسير سورة يونس وهي مكية، وعدد آياتها ١٠٩
١ - باب قوله: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾
أي لو استجاب الله دعاءهم بالشر كما يستجيب دعاءهم بالخير لأهلكهم، وهذا كقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [سورة الإسراء: ١١]، لذا جاء النهي أن يدعوا الإنسان على نفسه وأهله وماله.
• عن جابر قال: سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة، والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه، فركبه، ثم بعثه، فتلدّن عليه بعض التلدن، فقال له: شأ، لعنك الله. فقال رسول الله ﷺ : "من هذا اللاعن بعيره؟ " قال: أنا يا رسول الله. قال: "انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٣٠٠٩) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ فذكر الحديث. ثم قال: "ثم مضينا حتى أتينا جابر بن عبد الله في مسجده ... فذكر الحديث.
٢ - باب قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾
هو كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [سورة فصلت: ٥١].
واستثنى الله من هؤلاء كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سورة هود: ١١]، فالمؤمن يشكر في السراء ويصبر في الضراء كما جاء في الصحيح:
• عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء
стр. 7078
صبر فكان خيرا له".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٩٩) من طرق عن سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾
وذلك من تعنتهم وعنادهم، حتى لو أنزل الله عليهم قرآنا آخر لكذبوه أيضا.
وقوله: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي قبل أن أكون نبيا وهو أربعون سنة، فهل أخذتم علي الكذب، بل العكس من ذلك كانوا سموه أمينا وصادقا. وقصة أبي سفيان مع هرقل مشهورة حين سأله: "هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ " قال أبو سفيان: "لا". وكان يومئذ زعيم المشركين.
وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث الله فينا رسولا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وقد كانت مدة مقامه بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة. انظر تفاصيل ذلك في جزء السيرة النبوية.
٤ - باب قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾
أي لا أحد أظلم وأشد جرما ممن تقول على الله، وزعم أن الله أرسله، فإن من كذب على الله فإن الله فضحه، وجعله من الخاسرين مثل مسيلمة الكذاب الذي ادعى النبوة، ففضحه الله تعالى، وجعله من الخاسرين، ومثل غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، وهو كاذب. وقد أظهر الله كذبه للناس، وبينهما أناس آخرون ادعوا النبوة، فكان أمرهم مثل هؤلاء؟ لأن الله تعالى لن يترك أحدا يكذب عليه، ويدعي أنه أرسله لما في ذلك من المفسدة على الخلق أجمعين.
٥ - باب قوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾
• عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم طلعت شمسه، إلا وكّل بجنبتيها ملكان، يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى. ولا آبت الشمس إلا وكّل بجنبتيها ملكان يناديان نداء يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط
стр. 7079
ممسكا تلفا"، وأنزل الله تعالى في ذلك قرآنا في قول الملكين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم في سورة يونس: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وأنزل في قولهما: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ [سورة الليل: ١ - ١٠].
حسن: رواه أحمد (٢١٧٢١)، وابن حبان (٦٨٦، ٣٣٢٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) كلهم من طريق قتادة، قال: حدثنا خليد بن عبد الله العصري مولى أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، فذكره.
وإسناده حسن من أجل خليد بن عبد الله العصري، فإنه حسن الحديث.
• عن جابر بن عبد الله يقول: جاءت ملائكة إلى النبي ﷺ ، وهو نائم، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة، والقلب يقظان. فقالوا: إن لصاحبكم هذا مثلا، فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الداعي دخل الدار، وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار، ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أولوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنه نائم. وقال بعضهم: إن العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: فالدار الجنة، والداعي محمد ﷺ ، فمن أطاع محمدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا ﷺ فقد عصى الله، ومحمد ﷺ فرق بين الناس.
صحيح: رواه البخاري في الاعتصام (٧٢٨١) عن محمد بن عبادة، أخبرنا يزيد، حدثنا سليمان بن حيان، حدثنا سعيد بن ميناء، سمعت جابرا يقول: فذكره.
٦ - باب قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الحسنى هي الجنة.
والزيادة هي: تضعيف الأعمال من عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. وهذا قول ابن عباس وأصحابه.
ومن الزيادة النظرُ إلى وجه الله الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه. وهو قول جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر وحذيفة وأبو موسى وعبادة بن الصامت. وقد جاء في الصحيح:
• عن صهيب، عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنه، قال: "يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم. فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة
стр. 7080
وتنجِّنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٨١) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة قال: حدثني عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن مسلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، فذكره.
ورواه أيضا من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة به، وزاد: "ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
ورواه أحمد (١٨٩٣٥) عن يزيد بن هارون به كاملا.
٧ - باب قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾
قوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ أي تعتريهم، وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها. كما قال تعالى في سورة الشورى [٤٥]: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾.
٨ - باب قوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾
قوله: ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أنه مصدقا للكتب السابقة بأنها من عند الله من حيث الجملة، وإن كان وقع فيها من التحريف والتغيير، ومع ذلك فيها من الأخبار مايصدقها القرآن مثل البشارة ببعث النبي ﷺ ، وصفاته وأخلاقه.
قوله: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أي الكتب كلها؛ لأن تعريف الكتاب تعريف الجنس، فيستغرق جميع الكتب. ومعنى كون القرآن تفصيلا لها: أنه مبين لما جاء مجملا في الكتب السالفة من الأحكام والأخبار، وناسخا لما لا مصلحة للناس في دوام حكمه، ودافعا للمتشابهات التي ضل فيها أهل الكتاب، ومبينا ومميزا عما زيد فيها، وأسيء فهمها.
٩ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾
لأنه في جميع أعماله متفضل عادل، وجاء في الصحيح:
• عن أبي ذر، عن النبي ﷺ : فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي! إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا
стр. 7081
عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه".
صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٧)، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدثنا مروان - يعني ابن محمد الدمشقي - حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، فذكره.
قوله: ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي بكفرهم وارتكاب معاصيهم.
١٠ - باب قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾
أنكر الله تعالى على المشركين الذين حرموا وحلّلوا مثل تحريمهم: البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام وغيرها من الأنعام، ومن الحرث ما يجعلونها لأوثانهم كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٣٨].
• عن مالك بن نضلة قال: أتيت رسول الله ﷺ وأنا قشف الهيئة، فقال: "هل لك مال؟ " قال: قلت: نعم. قال: "من أي المال؟ " قال: قلت: من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم. فقال: "إذا آتاك الله مالا، فَلْيُرَ عليك". ثم قال: "هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر، وتشقها، أو تشق جلودها، وتقول: هذه صرم، وتحرمها عليك، وعلى أهلك؟ ".
стр. 7082
قال: نعم، قال: "فإن ما آتاك الله لك، وساعد الله أشد، وموسى الله أحد" - وربما قال: "ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أحد من موساك". قال: فقلت: يا رسول الله! أرأيت رجلا نزلت به، فلم يكرمني، ولم يقرني، ثم نزلى بي أجزيه بما صنع، أم أقريه؟ . قال: "اقره".
صحيح: رواه أحمد (١٥٨٨٨)، واللفظ له، وأبو داود (٤٠٦٣)، والترمذي (٢٠٠٦)، وابن حبان (٥٤١٦)، والحاكم (١/ ٢٤ - ٢٥ و ٤/ ١٨١) كلهم من حديث أبي إسحاق، قال: سمعت أبا الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه، قال: فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
وقوله: ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ هو قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨].
١١ - باب قوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾
قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ هم الذين ذكرهم الله تعالى في الآية التي بعدها وهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يعني كل من وُصف بالإيمان والتقوى فهو من أولياء الله، وقد جاء في الأحاديث والآثار أن المتحابين في الله أيضا من الأولياء.
• عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من عباد الله ناسا يغبطهم الأنبياء والشهداء، ما هم بأنبياء ولا شهداء"، قال: قلنا: يا رسول الله اذكرهم لنا، فإنا نحبهم قال: "هم المتحابون في الله على غير أرحام، ولا أموال يتعاطونها بينهم، لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا" ثم تلا: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
حسن: رواه هناد في الزهد (٤٧٥) عن إسحاق الرازي، عن أبي سنان، عن عمر بن مرة، عن طلق، عن عمر بن الخطاب فذكره.
وطلق هو: ابن حبيب العنزي البصري صدوق في حديثه، مرجيء في مذهبه، وحديثه عن عمر مرسل كما قال العلائي في "المراسيل".
ولكن رواه أبو داود (٣٥٢٧)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٥) كلهم من وجه آخر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب فذكره.
وأبو زرعة لم يدرك عمر بن الخطاب.
والحديث بهذين الإسنادين يرتقي إلى درجة الحسن فإن أحدهما يقوّي الآخر لأنه ليس فيه من يُتهم.
قوله: "يغبطهم الأنبياء" فيه مبالغة للمقام الذي حصل لهم، لا أنهم أفضل وأعلى درجةً من الأنبياء.
стр. 7083
• عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من العباد عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء" قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: "هم قوم تحابوا بروح الله على غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور، يعني على منابر من نور، لا يخافون إنْ خاف الناسُ، ولا يحزنون إنْ حزنَ الناسُ" ثم تلا هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
حسن: رواه النسائي في الكبرى (١١١٧٢)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢١١)، والبيهقي في شعب الإيمان (٨٥٨٤) كلهم من حديث محمد بن فضيل، عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن فضيل فإنه حسن الحديث.
ولكن رواه أبو يعلى (٦١١١٠) - وعنه ابن حبان (١/ ٣٩٠ نسخة الحوت) - ولا يوجد في نسخة شعيب - من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة بن القعقاع به.
ولم يذكر فيه "عن أبيه" فإما إنه سقط من الناسخ، أو أن محمد بن فضيل أولا كان يروي عن أبيه، ثم تيسر له السماع، عن عمارة بن القعقاع وهو من شيوخه.
وأعلّ البيهقي حديثَ أبي هريرة فقال: "وهو وهمٌ، والمحفوظ عن أبي زرعة، عن عمر، عن عمر بن الخطاب".
قلت: لا يبعد أن يكون أبو زرعة سمع الحديث من عمر بن الخطاب كما سمعه أيضا من أبي هريرة، وكلا الطريقين محفوظان.
• عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الشهداء والنبيون يوم القيامة لقربهم من الله تعالى ومجلسهم منه"، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صِفْهم لنا، وجَلِّهم لنا، قال: "قوم من أقناء الناس من نُزّاع القبائل، تصادقوا في الله، وتحابوا فيه، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور يخاف الناس ولا يخافون" هم أولياء الله ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
صحيح: رواه الحاكم (٤/ ١٧٠ - ١٧١) عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله الزاهد الأصبهاني، ثنا أحمد بن يونس الضبي بأصبهان، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد قال: سمعت زياد بن خيثمة، يحدث عن أبيه، عن ابن عمر فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد". انظر للمزيد كتاب الإيمان.
• عن أبي مالك الأشعري أنه جمع قومه فقال: يا معشر الأشعريين اجتمعوا
стр. 7084
واجمعوا نساءكم وأبناءكم، أعلمكم صلاة النبي ﷺ التي صلى لنا بالمدينة فاجتمعوا، وجمعوا نساءهم وأبناءهم، فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ، فأحصى الوضوء إلى أماكنه حتى لما أن فاء الفيء، وانكسر الظل قام، فأذن فصف الرجال في أدنى الصف، وصف الولدان خلفهم، وصف النساء خلف الولدان، ثم أقام الصلاة، فتقدم فرفع يديه وكبر، فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسرهما، ثم كبر فركع فقال: سبحان الله وبحمده ثلاث مرار، ثم قال: سمع الله لمن حمده، واستوى قائما، ثم كبر، وخر ساجدا، ثم كبر فرفع رأسه، ثم كبر فسجد، ثم كبر فانتهض قائما، فكان تكبيره في أول ركعة ست تكبيرات، وكبر حين قام إلى الركعة الثانية، فلما قضى صلاته أقبل إلى قومه بوجهه، فقال: احفظوا تكبيري، وتعلموا ركوعي وسجودي؛ فإنها صلاة رسول الله ﷺ التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار.
ثم إن رسول الله ﷺ لما قضى صلاته أقبل إلى الناس بوجهه فقال: "يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم، النبيون والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله". فجثى رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى بيده إلى نبي الله ﷺ فقال: يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله انعتهم لنا حلِّهم لنا، - يعني صفهم لنا، شكلهم لنا - فسُرَّ وجه رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابي، فقال رسول الله ﷺ : "هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، فيُجلسهم عليها فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".
حسن: رواه أحمد (٢٢٩٠٦) - والسياق له -، وعبد الله بن المبارك في الزهد (٧١٤)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢١٢) كلهم من طريق عبد الحميد بن بهرام الفزاري، قال: حدثنا شهر بن حوشب، حدثنا عبد الرحمن بن غَنْم، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في شهر بن حوشب.
ورواه أحمد (٢٢٨٩٤)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٢٩) كلاهما من حديث عبد الرزاق - وهو في المصنف (٢٠٣٢٤) - عن معمر، عن ابن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، عن أبي مالك فذكره.
وشهر بن حوشب لم يدرك أبا مالك الأشعري.
стр. 7085
ورواية عبد الحميد بن بهرام هي المحفوظة؛ لأنه كان ألزم الناس لشهر بن حوشب.
ورُويَ عن بعض السلف: إن أولياء الله هم الذين يُذكر الله لرؤيتهم.
وقوله: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي في المستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي من الماضي، بل على ربهم يتوكلون، وقد جاء في التنزيل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
١٢ - باب قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾
قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ أي لأولياء الله، والبشرى في الدنيا: الثناء الحسن، وفي الآخرة: الجنة.
• عن أبي ذر قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجلَ يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه، قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٤٢) من طرق عن حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: فذكره.
ومن البشرى أيضا الرؤية الصالحة يراها المؤمن أو ترى له.
• عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له".
حسن: رواه الترمذي (٢٢٧٥)، وابن ماجه (٣٨٩٨)، وأحمد (٢٣٦٨٧)، والحاكم (٢/ ٣٤٥)، و (٤/ ٣٩١) كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت فذكره.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: أبو سلمة بن عبد الرحمن هو الزهري لم يسمعه من عبادة بن الصامت، فقد جاء عند الترمذي والحاكم في الموضع الثاني: نبئت عن عبادة بن الصامت".
وله طريق آخر: رواه أحمد (٢٢٧٦) عن أبي المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني حميد بن عبد الرحمن اليزني أن رجلا سأل عبادة بن الصامت فذكره.
وحميد بن عبد الرحمن اليزني، وقيل: حميد بن عبد الله، ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه جمع، فهو "مقبول" في إصطلاح ابن حجر أي عند المتابعة، وقد توبع في الإسناد الأول.
• عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لم يبق من النبوة إلا المبشرات" قالوا: وما المبشرات؟ قال: "الرؤيا الصالحة".
صحيح: رواه البخاري في التعبير (٦٩٩٠) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري،
стр. 7086
حدثني سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال: فذكره.
١٣ - باب قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾
ظاهر القرآن يشير إلى أن موسى ﵇ طلب أولا من فرعون خروج بني إسرائيل من مصر كما جاء في ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [سورة الشعراء: ١٧].
لما أبى فرعون من ذلك أمر الله موسى ﵇ أن يخرج بهم ليلا ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ [طه: ٧٧ - ٧٨].
قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي عبرنا بهم وكان عددهم نحو ست مائة ألف ماش من الرجال عدا الأولاد كما في سفر الخروج (١٢: ٣٧)، وكانت إقامتهم مصر أربع مائة وثلاثين سنة كما في سفر الخروج أيضا (١٢: ٤٠)، وفي الأمرين مبالغة كما بينتُ ذلك في كتابي "اليهودية والمسيحية".
فنجّى الله بني إسرائيل من ظلم فرعون وهو منفتاح الذي كان حاكما على مصر (١٢٣٢ - ١٢١١ ق م)، وكان مصيره الغرق.
قوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فهو آمن بعد ما رأى الآيات وغشيته سكرات الموت، وفي ذلك الوقت لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ [سورة غافر: ٨٤ - ٨٥].
• عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ : "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
حسن: رواه الترمذي (٣٥٣٧)، وأحمد (٦١٦٠)، وصححه ابن حبان (٦٢٨)، والحاكم (٤/ ٢٥٧) كلهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، فذكره.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد".
قلت: وإسناده حسن من أجل عبد الرحمن بن ثابت، فإنه حسن الحديث.
وكاد فرعون أن يؤمن بالله تعالى بعد ما رأى أن بني إسرائيل قد عبروا البحر، فجاء جبريل ﵇ ودسَّ في فمه التراب حتى لا يتكلم بكلمة التوحيد كما جاء في الحديث:
• عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : "إن جبريل كان يدسُّ في فم فرعون الطين مخافة أن يقول: لا إله إلا الله".
стр. 7087
وفي رواية: فيرحمه الله أو خشية أن يرحمه الله.
صحيح: رواه الترمذي (٣١٠٨)، وأحمد (٢١٤٤)، وصحّحه ابن حبان (٦٢١٥) كلهم من حديث شعبة، قال: أخبرني عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، رفع أحدهما إلى النبي ﷺ .
قلت: رواه الحاكم (٢/ ٣٤٠) عن شعبة، عن عدي بن ثابت به مرفوعا. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس" انتهى.
والحكم لمن رفعه كما هو قول جمهور أهل العلم.
وأما نطق فرعون بقوله: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فهو عند الغرق لما رأى سكرات الموت، وإن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر كما سبق.
стр. 7088
١١ - تفسير سورة هود وهي مكية، وعدد آياتها ١٣٣
١ - باب قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾
• عن محمد بن عباد بن جعفر، أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قال: سألته عنها، فقال: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا، فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم، فيفضوا إلى السماء، فنزل ذلك فيهم.
وفي رواية: كان الرجل يجامع امرأته، فيستحيي، أو يتخلى، فيستحيي فنزلت: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨١) عن الحسن بن محمد بن صباح، حدثنا حجاج، قال: قال ابن جريج: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر، فذكره.
والرواية الثانية أخرجها البخاري في التفسير (٤٦٨٢) عن إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج به.
٢ - باب قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله : أنفق أنفق عليك. وقال: يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٤)، ومسلم في الزكاة (٩٩٣) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، فذكره. واللفظ للبخاري.
• عن عمران بن حصين قال: دخلت على النبي ﷺ ، وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: "اقبلوا البشرى، يا بني تميم". قالوا: قد بشرتنا فأعطنا مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: "اقبلوا البشرى، يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم". قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا
стр. 7089
الأمر. قاله: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض". فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين. فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب، فوالله لوددت أني كنت تركتها.
صحيح: رواه البخاري في بدء الخلق (٣١٩١) عن عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، أنه حدثه عن عمران بن حصين، قال: فذكره.
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة". قال: "وعرشه على الماء".
صحيح: رواه مسلم في القدر (٢٦٥٣) عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن سرح، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِّي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: فذكره.
٣ - باب قوِله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي الذين صبروا في الشدائد والمكاره، وعملوا الصالحات في الرخاء والعافية لهم أجر ومغفرة. وليس ذلك إلا للمؤمن كما جاء في الصحيح:
• عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه".
متفق عليه: رواه البخاري في المرضى (٥٦٤١ - ٥٦٤٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا زهير بن محمد، عن محمد بن عمرو بن حلحلة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، فذكراه.
ورواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٣) من وجه آخر، عن عطاء به نحوه.
• عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : "عجبا لأمر المؤمن، إنّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء
стр. 7090
صبر فكان خيرا له".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٩٩) من طرق عن سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، قال: فذكره.
٤ - باب قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾
• عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٥٣) عن يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب قال: وأخبرني عمرو، أن أبا يونس، حدثه عن أبي هريرة، فذكره.
٥ - باب قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾
• عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف، إذ عرض رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن أو قال: يا ابن عمر! سمعت النبي ﷺ في النجوى؟ فقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يُدْنَى المؤمنُ من ربه، - وقال هشام: يدنو المؤمنُ -، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف. يقول: رب أعرف مرتين، فيقول: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الآخرون أو الكفار، فينادى على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٥)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٨) كلاهما من طريق هشام الدستوائي، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز قال: فذكره. واللفظ للبخاري. ولفظ مسلم نحوه.
٦ - باب قوله: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾
قالت ذلك سارة زوجة إبراهيم لما بشّرت بإسحاق أنها تلده تعجبا لأنها بلغت السن التي لا يلد من كان قد بلغها من الرجال والنساء.
стр. 7091
قال ابن إسحاق: كانت سارة يوم بشرت بإسحاق فيما ذكر لي بعض أهل العلم: ابنة تسعين سنة، وإبراهيم ابن عشرين ومئة. رواه ابن جرير وغيره.
وقوله: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ أي بيت إبراهيم، وقد كان النبي ﷺ علّمنا كيف نصلّي عليه، وعلى آل إبراهيم؟
• عن ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ ، فقلنا: قد عرفنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٩٧)، ومسلم في الصلاة (٤٠٦) كلاهما من طريق الحكم، قال: سمعت ابن أبي ليلى، قال: فذكره، واللفظ لمسلم.
وقوله: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أي أن إبراهيم يجادل رسلنا الذين جاؤوا إليه بالبشرى، وبإهلاك قوم لوط فقال: ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾ [العنكبوت: ٣٢].
٧ - باب قوله: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾
جواب "لو" محذوف أي لقاتلتُ عنكم أو لمنعتكم عما يريدون.
• عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد".
متفق عليه: رواه البخاري في الأنبياء (٣٣٧٢)، ومسلم في الإيمان (١٥١) كلاهما من حديث ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة فذكره.
قوله: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هو الرجوع إلى الله تعالى لأن لوطا ﵇ كان قد خرج من العراق مع عمه إبراهيم، وجعله الله نبيا لأهل سدوم في الشام فقال أولا: أي يقصد به عشيرته وقومه، وبهذا اعتذر أولا من أضيافه ثم توجه إلى الله تعالى، فإنه أشد الأركان، وأقواها، وأمنعها، ويكون قوله: بيان الحال التي كان عليها تطييبا لخاطر الأضياف لا أنه نسي التوكل على الله تعالى.
стр. 7092
٨ - باب قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾
يخاطب شعيب ﵇ قومه، وكان مسكنه مدينة مدين عند خليج عقبة فيقول لهم: يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح من الغرق، وقوم هود من العذاب، وقوم صالح من الرجفة، وقوم لوط الذين كان مسكنهم قريبا من مسكنكم - يعني السدوم - أو قريبَ عهدٍ بالعذاب بعد قوم نوح وعاد وثمود.
٩ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾
• عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٦)، ومسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٨٣) كلاهما من أبي معاوية، حدثنا بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: فذكره. ولفظهما سواء.
١٠ - باب قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ في حديث الشفاعة الطويل -: " ... ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم ... " الحديث.
متفق عليه: رواه البخاري في الأذان (٨٠٦)، ومسلم في الإيمان (١٨٢) كلاهما من طريق الزهري، قال: أخبرني عطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبره، فذكره في حديث طويل.
قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ العرب تقول هذه العبارة للتأبيد.
وقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إذا كان الاستثناء راجعا إلى شقي فمعناه من المؤمنين من يدخلهم الله النار بذنوب اقترفوها، ثم يخرجهم منها، ويدخلهم الجنة، كما جاء في الصحيح:
• عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يخرج قوم من النار بعد ما مسّهم منها سفْعٌ، فيدخلون الجنة، فيسمّيهم أهل الجنة الجهنّميين".
صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٥٩) عن هدبة بن خالد، حدثنا همام، عن قتادة، حدثنا
стр. 7093
أنس بن مالك فذكوه.
ورواه البخاري (٧٤٥٠) من وجه آخر عن قتادة بلفظ: "ليصيبنَّ أقواما سفعٌ من نار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم يدخلهم الله الجنةَ بفضل رحمته يقال لهم: الجهنّميون".
وإذا كان الاستثناء راجعا إلى سعيد فمعناه: مدة لبثهم في النار قبل دخول الجنة بذنوب أصابوها.
١١ - باب قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾
قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ بداية من الصبح إلى قبل غروب الشمس.
قوله: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ابتداء من المغرب ثم العشاء ثم إلى قيل طلوع الفجر.
يحتمل أن يكون ذلك قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه ﷺ أمر بأداء الصلوات قبل ذلك من غير تحديد عددها أسوة بالأنبياء الآخرين، ثم نسخ ذلك بخمس صلوات.
• عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، فأنا هذا، فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك، قال: فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فقام الرجل، فانطلق، فأتبعه النبي ﷺ رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فقال رجل من القوم: يا نبي الله! هذا له خاصة؟ قال: "بل للناس كافة".
صحيح: رواه مسلم في التوبة (٢٧٦٣: ٤٢) من طرق عن أبي الأحوص، عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله، قال: فذكره.
• عن ابن مسعود أن رجلا أَصاب من امرأة قبلة، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك له، فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال الرجل: أَلي هذه؟ قال: "لمن عمل بها من أمتي".
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٧)، ومسلم في التوبة (٢٧٦٣: ٤٠) كلاهما من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، فذكوه. واللفظ للبخاري، ولم يسق مسلم لفظه كاملا لهذا الإسناد، وإنما أحال على حديث قبله.
• عن أبي اليسر قال: أتتني امرأة تبتاع مني تمرا، فقلت: إن في البيت تمرا أطيب منه، فدخلت معي البيت، فأهويت إليها، فغمزتها وقبلتها، فأتيت أبا بكر، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك، ولا تخبر أحدا، فلم أصبر، فأتيت رسول الله ﷺ ،
стр. 7094
فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيا في أهله بمثل هذا؟ " حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا تلك الساعة حتى ظننت أني من أهل النار. قال: وأطرق رسول الله ﷺ طويلا، ثم أوحى الله إليه ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ إلى آخر الآية. قال أبو اليسر: فأتيته، فقرأها عليّ، فقال أصحابه: يا رسول الله! أله خاصة أو للناس عامة؟ قال: "بل للناس عامة".
حسن: رواه الترمذي (٣١١٥)، والطبري في تفسيره (١٢/ ٦٢٥)، والطبراني في الكبير (١٩/ ١٦٥) كلهم من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر، فذكره.
ورواه البزار في مسنده (٢٣٠٠)، والنسائي في الكبرى (٧٢٨٦ و ١١١٨٤) كلاهما من طريق شريك القاضي، قال: حدثنا عثمان بن عبد الله بن موهب به نحوه.
وقيس بن الربيع وشريك القاضي كلاهما ضعيفان، ولكن يقوّي أحدهما الآخر، وبه صار الإسناد حسنا.
قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
• عن أنس قال: جاء رجل النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! ما تركت حاجة ولا داجة إلا قد أتيت، قال: "أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله؟ " ثلاث مرات. قال: نعم. قال: "ذاك يأتي على ذلك".
صحيح: رواه البزار (٦٨٨٧)، وأبو يعلى (٣٤٣٣)، واللفظ له، والطبراني في الأوسط (٧٠٧٣)، والصغير (١٠٢٥)، والضياء في المختارة (١٧٧٣) كلهم من حديث الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس فذكره.
وإسناده صحيح. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٣): "رجالهم ثقات".
• عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال: والله لأحدثنكم حديثا، والله لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتوضأ رجل فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة التي تليها".
قال عروة: الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (١٦٠)، ومسلم في الطهارة (٢٢٧: ٦) كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، قال ابن شهاب: ولكن عروة يحدث عن حمران أنه قال: فذكره.
ورواه أحمد (٥١٣)، والبزار (٤٠٥)، والطبري في تفسيره (١٢/ ٦١٥)، وابن أبي حاتم في
стр. 7095
تفسيره (٦/ ٢٠٩٢) كلهم من طريق أبي عقيل - وهو زهرة بن معبد -، أنه سمع الحارث مولى عثمان بن عفان قال: جلس عثمان يوما، وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء، أظنه سيكون فيه مد، فتوضأ. ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: "ومن توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين صلاة المغرب، ثم لعله أن يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام، فتوضأ، وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهن الحسنات يذهبن السيئات".
قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات يا عثمان؟ قال: هن: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإسناده حسن من أجل الحارث مولى عثمان فإنه وإنْ لم يوثقه أحدٌ غير ابن حبان فإن لحديثه هذا أصلا.
стр. 7096
١٢ - تفسير سورة يوسف وهي مكية، وعدد آياتها ١١١
١ - باب قوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾
• عن سعد بن أبي وقاص قال: أنزل الله القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانا، فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا؟ فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ فتلاها عليهم رسول الله ﷺ زمانا، فقالوا: يا رسول الله! لو حدثتنا؟ فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [سورة الزمر: ٢٣].
حسن: رواه البزار في مسنده (١١٥٣)، وأبو يعلى في مسنده (٧٤٠)، وصحّحه ابن حبان (٢٦٠٩)، والحاكم (٢/ ٣٤٥) كلهم من حديث عمرو بن محمد العنقزي القرشي، قال: حدثنا خلاد بن مسلم الصفار، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص، قال: فذكره.
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد".
وقال الحافظ في المطالب العالية (٤٠١٣): "هذا حديث حسن".
قلت: وإسناده حسن من أجل خلاد بن مسلم الصفار، فإنه حسن الحديث.
وقوله: ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ المراد قصة يوسف، وسماها أحسن القصص لما فيه من العبر والحكم التي تصلح للدين والدنيا.
٢ - باب قوله: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾
وذلك أن رؤيا الأنبياء وحي، وعلم يعقوب ﵇ أن الاخوة إذا سمعوها حسدوه، فأمره بالكتمان لأن الشيطان يزيّن لهم السوء، ويحملهم على الكيد، وقد جاء في الصحيح:
• عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني قال: فلقيت أبا قتادة فقال:
стр. 7097
وأنا كنت لأرى الرؤيا، فتمرضني حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب، فلا يُحدّث بها إلا من يُحبّ، وإن رأى ما يكره، فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان، وشرها، ولا يُحدّث بها أحدا، فإنها لن تضره".
متفق عليه: رواه البخاري في التعبير (٧٠٤٤)، ومسلم في الرؤيا (٤: ٢٢٦١) كلاهما من طريق شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن أبي سلمة فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾
قوله: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي يختارك للنبوة والرسالة.
وقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ أي بالنبوة.
وقوله: ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي يجعل من أولاده الأنبياء والرسل.
وقوله: ﴿يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي جعلهما نبيين، وقد جاء في الصحيح:
• عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٨٨) عن عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الصمد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر، فذكره.
• عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! من أكرم الناس؟ قال: "أتقاهم" قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: "فعن معادن العرب تسألوني، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا".
متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٥٣)، ومسلم في الفضائل (٢٣٧٨) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد، حدثنا عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: فذكره. واللفظ لمسلم.
٤ - باب قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾
قوله: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي بدم مفترى عليه، وهو ليس دم يوسف، وإنما هو دم
стр. 7098
حيوان آخر عملوا ذلك ليوهموا أباهم يعقوب ﵇ بأن الذئب قد أكل يوسف، وعرف كذبهم أبوهم فقال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ ولكن أنا أصبر على ما تقولون. ومثّلتْ به عائشة ﵂ حين افتري عليها، كما في الحديث الآتي:
• عن عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا ... قال النبي ﷺ : "إن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه" قلت: إني والله لا أجد مثلا إلا أبا يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وأنزل الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾ العشر الآيات.
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) كلاهما من طريق يونس بن يزيد الأيلي قال: سمعت الزهري، سمعت عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله، عن عائشة فذكرته، واللفظ للبخاري، وسياق مسلم طويل.
• عن أم رومان، وهي أم عائشة قالت: بينا أنا وعائشة أخذتها الحمى، فقال النبي ﷺ : "لعلكِ في حديث تحدِّث". قالت: نعم، وقعدت عائشة، قالت: مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩١) عن موسى، حدثنا أبو عوانة، عن حُصين، عن أبي وائل قال: حدثني مسروق بن الأجدع، قال: حدثني أم رومان وهي أم عائشة قالت: فذكرته.
٥ - باب قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾
قوله: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ أي باعوه بثمن قليل، والبخس هو النقص كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾.
قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ أي ليس لهم رغبة فيه ولا في ثمنه، بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا.
٦ - باب قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾
قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ﴾ أي راوغتْه لحسنه وجماله، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلّقت الأبواب، ودعتْه إلى نفسها.
стр. 7099
• عن عبد الله بن مسعود قال: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ قال: وإنما نقرأها كما عُلِّمناها.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٢) عن أحمد بن سعيد، عن بشر بن عمر، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره.
وهذه قرأة الجمهور، وقرأ نافع وابن ذكوان وأبو جعفر: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ وقرأ هشام: ﴿هِئتَ لَكَ﴾، وقرأ ابن كثير: (هَيْتُ لَكَ﴾ وهي كلمة قبطية معناها: هلم لك.
وروى ابن جرير الطبري (١٣/ ٧١) عن أحمد بن سهيل الواسطي، قال: حدثنا قرة بن عيسى، قال: حدثنا النضر بن عربي الجزري، عن عكرمة مولى ابن عباس، في قوله: هَيْتَ لَكَ قال: هلم لك. قال: هي بالحورانية، أي تعال واقترب.
٧ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾
قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ جملة مستأنفة، وليست معطوفة على قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾، وقُدِّمَ جواب الشرط لأهميته أي: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، ومعناه: أنه لم يهمّ بها، لأنه رأى برهان ربه، وبذلك يظهر أن يوسف ﵇ لم يخالطه همٌّ بامرأة العزيز؛ لأن الله تعالى عصمه من الهمّ بالمعصية.
قال أبو حاتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة فلما أتيت على قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ الآية، قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير أي تقديم الجواب وتأخير الشرط كأنه قال: ولقد همّت به ولولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ أي أنه استشعر في قلبه عظمة الله ، وأنه بكل شيء محيط.
٨ - باب قوله: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾
وقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ الظاهر منه أنه رجل كبير، وقد قال ابن عباس: "كان ذا لحية" كما عند ابن جرير في تفسيره.
وأما ما روي من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة بنت فرعون" فهو ضعيف.
رواه الحاكم (٢/ ٥٩٥) عن أبي الطيب محمد بن محمد الشعيري، ثنا السري بن خزيمة، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا جرير بن حازم، ثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة فذكره. وقال: "صحيح الإسناد على شرط الشيخين".
стр. 7100
قلت: ليس كما قال، بل فيه أناس لا يُعرفون، ثم في متنه قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة، وذكر عند التفصيل أربعة.
وهو في الصحيحين من طريق جرير بن حازم، وليس فيه ذكر شاهد يوسف ولا ابن ماشطة ابنة فرعون فهي زيادة منكرة.
ورواه أحمد (٢٨٢١) عن ابن عباس موقوفا قال: تكلم أربعة صغار: عيسى ابن مريم ﵇، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون.
وهذا يخالف قول ابن عباس كما سبق ذكره من تفسير ابن جرير.
٩ - باب قوله: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾
وقوله: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ أي: قلن ذلك لحسنه وجماله، فقد كان يوسف ﵇ أعطي شطر الحسن، كما جاء في الصحيح:
• عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ في حديث الإسراء الطويل، أنه قال: " .... فإذا أنا بيوسف، إذا هو قد أعطي شطر الحسن ... " الحديث.
صحيح: رواه مسلم في الإيمان (١٦٢) عن شيبان بن فروخ، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، فذكره في حديث طويل.
١٠ - باب قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾
قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ أي أخرجوه من السجن.
• عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي، ونحن أحق من إبراهيم، إذ قال له: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [سورة البقرة: ٢٦٠].
متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٤)، ومسلم في الإيمان (١٥١) كلاهما من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ للبخاري ولفظ مسلم نحوه.
стр. 7101
قوله: "لأجبت الداعي" أي داعي الملك للخروج من السجن.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ قال رسول الله ﷺ : "لو كنت أنا لأسرعت الإجابة، وما ابتغيت العذر".
حسن: رواه أحمد (٨٥٥٤)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٠١)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢١٥٥ - ٢١٥٦) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، فإنه حسن الحديث.
١١ - باب قوله: ﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾
يعني جزاء السارق في شريعة يعقوب أن يسلم السارق إلى المسروق منه فيسترقّه سنةً بخلاف قانون ملك مصر فإنه يمنع حبس السارق، فأراد يوسف أن يحبس أخاه عنده فردَّ الحكم إليهم ليتمكن من حبسه عنده على حكمهم، ولم يجر فيه قانون الملك الذي لم يذكر في القرآن والأحاديث. وقد قيل: إن من قانون الملك أن يُضرب السارق، وقيل: يغرم السارق ضعفَيْ قيمة المسروق وقيل: غير ذلك.
وهذه الأقاويل رويت عن بعض التابعين وليس فيها شيء مرفوع.
١٢ - باب قوله: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾
قوله: ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي أن بنيامين الذي وجد السقاية في رحله هو أخوه لأمه من زوجة أبينا "راحيل" فهما شقيقان، وأما نحن من أولاد زوجاته الأخرى، فإن ليعقوب ﵇ أربع زوجات وهن: راحيل أم يوسف وبنيامين، وليئة وبُلهة وزلفة، وهن أمهات بقية أولاد يعقوب.
وأما كون أخيه سرق من قبل فهذا بهتان وكذب منهم، فإن يوسف ﵇ بريء من هذه التهمة، ولكنهم أرادوا نفي العار عن أنفسهم، وكان ذلك في مجلس يوسف ولكنه لم يظهر الغضب على كذبهم لئلا ينكشف أمره بأنه هو يوسف.
قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾.
وضمير التأنيث راجع إلى الكلمة التي قالها يوسف وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 7102
بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾ ذكرها سرّا في نفسه، ولم يصرح بأنكم كذابون في دعواكم.
وأما ما ذكره كثير من المفسرين من الروايات في بيان سرقة يوسف ﵇ فكلها ضعيفة ومعلولة، ليس فيها شيء ثابت عن النبي ﷺ .
١٣ - باب قوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾
قوله: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: أبوه وأمه وإخوته، سجودا على وجه التعظيم والتبجيل والإكرام، وكان سائغا في شرائعهم، وحرم في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجانب الرب ، كما جاء في الحديث:
• عن سراقة بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لو كنت آمر أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
صحيح: رواه الطبراني في الكبير (٧/ ١٥٢)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٧)، كلاهما من حديث وهب بن جرير بن حازم، حدثنا موسى بن عُلّي، عن أبيه، عن سراقة بن مالك فذكره. وإسناده صحيح.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لو كنت آمر أحدا يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها".
حسن: رواه الترمذي (١١٥٩)، والبيهقي (٧/ ٢٩١)، وابن أبي الدنيا في العيال (٥٣٤) كلهم من حديث النضر بن شميل، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فذكره. وإسناده حسن من أجل محمد بن عمرو وهو ابن علقمة الليثي، فإنه حسن الحديث.
وقيل: إن أم يوسف قد ماتت وإنما جاء يعقوب بخالته، والقرآن صريح في ذكر أبويه، ولم يردْ حديث صحيح في وفاة أم يوسف.
١٤ - باب قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾
قوله: ﴿أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بالتخفيف في قرأة الجمهور، وفي قرأة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، ويعقوب ﴿كُذِبُوا﴾ بالتشديد، وهي مروية عن عائشة كما جاء في الصحيح:
• عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت له، وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى
стр. 7103
إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ قال: قلت: أكذِبوا أم كذِّبوا؟ قالت عائشة: كذِّبوا. قلت: فقد استيقنوا أن قومهم كذَّبوهم، فما هو بالظن، قالت: أجل! لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت لها: وظنوا أنهم قد كذِبوا. قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها. قلت: فما هذه الآية؟ . قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر حتى استيأس الرسل ممن كذّبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذّبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٥) عن عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال أخبرني عروة بن الزبير.
• * *
стр. 7104
١٣ - تفسير سورة الرعد وهي مكية، عدد آياتها: ٤٣
١ - باب قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾
وقوله: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أي أراضٍ يجاور بعضها بعضا، ومع ذلك فهذه طيبة، تُنبت ما يفيد الناس، وهذه سَبَخة مالحة لا تنبت شيئا.
وكذلك يدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه حمراء، وهذه بيضاء، وهذه سوداء، وهذه كذا وكذا.
وهذا يدل على أن فاعلها قادر وحكيم.
وقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.
• عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾. قال: "الدقل، والفارسي، والحلو، والحامض".
حسن: رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٤٣١)، والعقيلي في ضعفائه (٢/ ١٣١)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٧٠) كلهم من طرق سليمان بن عبيد الله الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فذكره.
وإسناده حسن من أجل سليمان بن عبيد الله الرقي، فإنه حسن الحديث.
لكن سأل ابن أبي حاتم أباه عن طريق سليمان بن عبيد الله الرقي المذكور فقال: "حدث سليمان بهذا الحديث وأنا بالكوفة، فلم يقض لي السماع منه، ثم رجع عنه فقال: حدثنا به سيف بن محمد ابن أخت سفيان أخو عمار وهو ضعيف الحديث". اهـ. علل الحديث (١٧٣٣).
قلت: رواه الترمذي (٣١١٨) عن محمود بن خداش البغدادي، حدثنا سيف بن محمد الثوري، عن الأعمش به.
وقال: "هذا حديث حسن غريب، وقد رواه زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش نحو هذا. وسيف بن محمد هو أخو عمار بن محمد، وعمار أثبت منه، وهو ابن أخت سفيان الثوري" اهـ.
إن كان ما قاله الترمذي صحيح فيكون زيد بن أبي أنيسة متابعا لسيف بن محمد، وهو ضعيف
стр. 7105
جدا، بل كذّبوه.
ولكن قال الدارقطني في "الأفراد" بعد أن ساقه من طريق سيف، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش: "تفرد به محمود بن خداش، عن سيف بن محمد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن الأعمش عنه".
فالخلاصة فيه: أن حديث محمود بن خداش فيه اضطراب، فإن صحّ رجوع سليمان بن عبيد الله الرقي فلعله كان يروي بالكوفة عن عبيد الله بن عمرو الرقي، وإسناده حسن كما قلت. ثم بدأ يحدث عن سيف بن محمد فعبّر عنه أبو حاتم بالرجوع، ومحمود بن خداش وإن كان ممن وثقه ابن معين إلا أنه كان يخطيء أحيانا.
قوله: "الدقل" هو الردئ واليابس من التمر.
وقوله: "الفارسي" هو نوع من التمر.
٢ - باب قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾
• عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "مفاتيح الغيب خمس، لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله".
صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٧) عن إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، قال: حدثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فذكره.
٣ - باب قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾
• عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا من أصحابه إلى رجل من عظماء الجاهلية، يدعوه إلى الله ﵎، فقال: أيش ربك الذي تدعو إليه؟ من نحاس هو؟ من حديد هو؟ من فضة هو؟ من ذهب هو؟ فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأعاده النبي ﷺ الثانية، فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأرسله إليه الثالثة، فقال مثل ذلك، فأتى النبي ﷺ ، فأخبره، فأرسل الله ﵎ عليه صاعقة، فأحرقته، فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ﵎ قد أرسل على صاحبك صاعقة فأحرقته، فنزلت هذه الآية ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.
حسن: رواه البزار في مسنده (٧٠٠٧) - واللفظ له - وأبو يعلى في مسنده (٣٣٤١)، والبيهقي
стр. 7106
في الدلائل (٦/ ٢٨٣)، والضياء في المختارة (١٧١٠) كلهم من حديث دَيلم بن غزوان، ثنا ثابت، عن أنس، فذكره.
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٢): "رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح، غير ديلم بن غزوان وهو ثقة".
قلت: وإسناده حسن من أجل ديلم بن غزوان البصري، فإنه حسن الحديث.
٤ - باب قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾
• عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشك مي ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقين، كما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه، ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.
حسن: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٩٨) عن المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره.
وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف، وهو صدوق في نفسه، وكذلك فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث حسن الحديث.
٥ - باب قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾
• عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أول من يدخل الجنة من خلقِ الله الفقراءُ المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيّوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء، فنسلِّم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني، لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم
стр. 7107
من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
حسن: رواه أحمد (٦٥٧٠)، والبزار في مسنده (٢٤٥٧)، وصححه ابن حبان (٧٤٢١) كلهم من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره.
ومعروف بن سويد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، وقد توبع.
فقد رواه أحمد (٦٥٧١) من وجه آخر عن ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة به نحوه.
ورواه الحاكم (٢/ ٧١ - ٧٢) من وجه آخر عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري حدثه، فذكر نحوه.
وبهذه المتابعة يرتقي الإسناد إلى درجة الحسن.
٦ - باب قوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾
• عن المستورد بن شداد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ : "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع". وأشار بالسبابة.
صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: سمعت المستورد بن شداد أخا بني فهر يقول: فذكره.
• عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلا من بعض العالية، والناس كنفتيه، فمر بِجَدْي أَسَكّ ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ ". فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ ". قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم".
صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٧) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان - يعني ابن بلال -، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره.
قوله: "أسك" صغير الأذنين.
٧ - باب قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾
стр. 7108
قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: أنهم لا يقرون بهذا الاسم لله تعالى، ويأنفون من وصف الله بالرحمن والرحيم، فقد رفض المشركون يوم الحديبية أن يكتبوا: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" كما جاء في الصحيح:
• عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية ... وفيه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات، اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قال سهيل: أما الرحمن، فوالله! ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم. كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللهم ... " الحديث.
صحيح: رواه البخاري في الشروط (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، فذكراه.
٨ - باب قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾
• عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ... ". الحديث.
صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٤٩٣) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: فذكره في حديث طويل.
٩ - باب قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾
قوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي نعيم الجنة من المطاعم والفواكه والمشارب والسكن المريح والظل وغيرها ليس لشيء منها انقطاع ولا فناء، كما جاء في الصحيح:
• عن عبد الله بن عباس قال: خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ... وفيه: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناول شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت. قال: "إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" الحديث.
متفق عليه: رواه مالك في صلاة الخسوف (٤٤٥) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكره في حديث طويل.
стр. 7109
ورواه البخاري في الكسوف (١٠٥٢) من طريق مالك به.
ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٧) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به.
• عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
قال أبو حازم: فحدثتُ به النعمانَ بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام، ما يقطعها".
متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٥٢ - ٦٥٥٣)، ومسلم في الجنة ونعيمها وأهلها (٢٨٢٧ - ٢٨٢٨) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي حازم فذكره.
١٠ - باب قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾
أي أن الله ينسخ من الأقدار ما يشاء ويثبت منها ما يشاء، وقد يجعل له سببا ظاهرا كصلة الرحم والدعاء، وأعمال البر عموما، وقد يكون دون سبب ظاهر، وعلمه عند الله. فينبغي للإنسان أن يستمر في الدعاء والبر والصلة كما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: "اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة". رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٥٦٣) بسند حسن.
وكذلك جاء عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة".
رواه ابن جرير (١٣/ ٥٦٤) بإسناد جيد. وقد جاء في الصحيح:
• عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصلْ رحمه".
متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٦)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٥٧) كلاهما من طرق عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره.
في معناه أحاديث أخرى مذكورة في مواضعها. وقد ورد من أوجه كثيرة: لا لرد القدر إلا الدعاء، والكلام عليه مبسوط في الإيمان بالقدر.
стр. 7110
١٤ - تفسير سورة إبراهيم وهي مكية، وعدد آياتها ٥٢
١ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾
أي: هذه سنة الله في خلقه أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيح:
• عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
متفق عليه: رواه البخاري في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١) كلاهما من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد بن صهيب الفقير، قال: أخبرنا جابر بن عبد الله، فذكره.
• عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا ﷺ على الأنبياء ﵈، وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس! بم فضّله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٩ [وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [سورة الفتح: ١ - ٢]. قالوا: فما فضله على الأنبياء ﵈؟ قال: قال الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة سبأ: ٢٨]، فأرسله إلى الجن والإنس.
حسن: رواه الدارمي (٤٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والحاكم (٢/ ٣٥٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٨٦ - ٤٨٧) كلهم من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل الحكم بن أبان؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث.
وصحّحه الحاكم وقال: الحكم بن أبان قد احتج به جماعة من أئمة الإسلام، ولم يخرجه الشيخان.
следующие страницы →