← Книги сунны

Книги сунны · id 47

الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه

محمد ضياء الرحمن الأعظمي

Полный текст (8 687 стр.). Показаны 7106–7145 · переход к 7111.

стр. 7106

في الدلائل (٦/ ٢٨٣)، والضياء في المختارة (١٧١٠) كلهم من حديث دَيلم بن غزوان، ثنا ثابت، عن أنس، فذكره. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٢): "رواه أبو يعلى والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح، غير ديلم بن غزوان وهو ثقة". قلت: وإسناده حسن من أجل ديلم بن غزوان البصري، فإنه حسن الحديث. ٤ - باب قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾ • عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ فهذا مثل ضربه الله، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكّها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشك مي ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقين، كما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه، ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك. حسن: رواه ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢/ ٤٩٨) عن المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل علي بن أبي طلحة وهو وإن كان يرسل عن ابن عباس، ولكن الواسطة معروف، وهو صدوق في نفسه، وكذلك فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث حسن الحديث. ٥ - باب قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ • عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أول من يدخل الجنة من خلقِ الله الفقراءُ المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيّوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء، فنسلِّم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادا يعبدوني، لا يشركون بي شيئا، وتسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء. قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم

стр. 7107

من كل باب: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾. حسن: رواه أحمد (٦٥٧٠)، والبزار في مسنده (٢٤٥٧)، وصححه ابن حبان (٧٤٢١) كلهم من طريق أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عشانة المعافري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. ومعروف بن سويد ذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه الحافظ: "مقبول" أي عند المتابعة، وقد توبع. فقد رواه أحمد (٦٥٧١) من وجه آخر عن ابن لهيعة، حدثنا أبو عشانة به نحوه. ورواه الحاكم (٢/ ٧١ - ٧٢) من وجه آخر عن عمرو بن الحارث، أن أبا عشانة المعافري حدثه، فذكر نحوه. وبهذه المتابعة يرتقي الإسناد إلى درجة الحسن. ٦ - باب قوله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾ • عن المستورد بن شداد أخي بني فهر قال: قال رسول الله ﷺ : "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه في اليم فلينظر بم يرجع". وأشار بالسبابة. صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها (٢٨٥٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس قال: سمعت المستورد بن شداد أخا بني فهر يقول: فذكره. • عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ مر بالسوق داخلا من بعض العالية، والناس كنفتيه، فمر بِجَدْي أَسَكّ ميت، فتناوله، فأخذ بأذنه، ثم قال: "أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ ". فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: "أتحبون أنه لكم؟ ". قالوا: والله لو كان حيا كان عيبا فيه؛ لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال: "فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد (٢٩٥٧) عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان - يعني ابن بلال -، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، فذكره. قوله: "أسك" صغير الأذنين. ٧ - باب قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾

стр. 7108

قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ أي: أنهم لا يقرون بهذا الاسم لله تعالى، ويأنفون من وصف الله بالرحمن والرحيم، فقد رفض المشركون يوم الحديبية أن يكتبوا: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" كما جاء في الصحيح: • عن المسور بن مخرمة ومروان - يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه - قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية ... وفيه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هات، اكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا النبي ﷺ الكاتب، فقال النبي ﷺ : "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". قال سهيل: أما الرحمن، فوالله! ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم. كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فقال النبي ﷺ : "اكتب باسمك اللهم ... " الحديث. صحيح: رواه البخاري في الشروط (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) عن عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، قال: أخبرني الزهري، قال أخبرني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، فذكراه. ٨ - باب قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ • عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين: "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ... ". الحديث. صحيح: رواه مسلم في اللعان (١٤٩٣) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر قال: فذكره في حديث طويل. ٩ - باب قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾ قوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ أي نعيم الجنة من المطاعم والفواكه والمشارب والسكن المريح والظل وغيرها ليس لشيء منها انقطاع ولا فناء، كما جاء في الصحيح: • عن عبد الله بن عباس قال: خسفت الشمس، فصلى رسول الله ﷺ ... وفيه: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناول شيئا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت. قال: "إني أريت الجنة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" الحديث. متفق عليه: رواه مالك في صلاة الخسوف (٤٤٥) عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس، فذكره في حديث طويل.

стр. 7109

ورواه البخاري في الكسوف (١٠٥٢) من طريق مالك به. ورواه مسلم في الكسوف (٩٠٧) من وجه آخر عن زيد بن أسلم به. • عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها". قال أبو حازم: فحدثتُ به النعمانَ بن أبي عياش، فقال: حدثني أبو سعيد، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام، ما يقطعها". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٥٢ - ٦٥٥٣)، ومسلم في الجنة ونعيمها وأهلها (٢٨٢٧ - ٢٨٢٨) كلاهما عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا المخزومي، حدثنا وهيب، عن أبي حازم فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ أي أن الله ينسخ من الأقدار ما يشاء ويثبت منها ما يشاء، وقد يجعل له سببا ظاهرا كصلة الرحم والدعاء، وأعمال البر عموما، وقد يكون دون سبب ظاهر، وعلمه عند الله. فينبغي للإنسان أن يستمر في الدعاء والبر والصلة كما جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال وهو يطوف بالبيت ويبكي: "اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة". رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٥٦٣) بسند حسن. وكذلك جاء عن ابن مسعود أنه كان يقول: "اللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني وأثبتني في أهل السعادة". رواه ابن جرير (١٣/ ٥٦٤) بإسناد جيد. وقد جاء في الصحيح: • عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره فليصلْ رحمه". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٦)، ومسلم في البر والصلة (٢٥٥٧) كلاهما من طرق عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك فذكره. في معناه أحاديث أخرى مذكورة في مواضعها. وقد ورد من أوجه كثيرة: لا لرد القدر إلا الدعاء، والكلام عليه مبسوط في الإيمان بالقدر.

стр. 7110

١٤ - تفسير سورة إبراهيم وهي مكية، وعدد آياتها ٥٢ ١ - باب قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ أي: هذه سنة الله في خلقه أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيح: • عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة". متفق عليه: رواه البخاري في التيمم (٣٣٥)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (٥٢١) كلاهما من طريق هشيم، قال: أخبرنا سيار، قال: حدثنا يزيد بن صهيب الفقير، قال: أخبرنا جابر بن عبد الله، فذكره. • عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا ﷺ على الأنبياء ﵈، وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس! بم فضّله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٩ [وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [سورة الفتح: ١ - ٢]. قالوا: فما فضله على الأنبياء ﵈؟ قال: قال الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة سبأ: ٢٨]، فأرسله إلى الجن والإنس. حسن: رواه الدارمي (٤٨)، والطبراني في الكبير (١١/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، والحاكم (٢/ ٣٥٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٨٦ - ٤٨٧) كلهم من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره. وإسناده حسن من أجل الحكم بن أبان؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. وصحّحه الحاكم وقال: الحكم بن أبان قد احتج به جماعة من أئمة الإسلام، ولم يخرجه الشيخان.

стр. 7111

٢ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾ قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ هي تسع آيات كما في سورة بني إسرائيل ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] وتفصيلها في سورة الأعراف ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾ [١٣٠ - ١٣٥]. وهذه تسع آيات شاهدها فرعون وقومه المصريون، ثم أُتِيَ آيات أخرى في سيناء مثل ضرب الحجر بالعصا، وتظليلهم الغمام، وإنزال المن والسلوى وغيرها. قوله: ﴿بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي بنعماء الله التي أنعم الله بها عليهم في الأيام التي خلت مثل إنقاذهم من ظلم فرعون، وإنزال المنّ والسلوى عليهم وغير ذلك. • عن أبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ قال: "قام موسى يوما في قومه، فذكّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه". صحيح: رواه النسائي في الكبرى (١١١٩٦) وأحمد (٢١١٢٨)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٥٩٧ - ٥٩٨)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٣٥) كلهم من حديث أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، فذكره. وإسناده صحيح. ٣ - باب قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ • عن أبي ذر، عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: " ... يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري، فتضروني، ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ... ". الحديث.

стр. 7112

صحيح: رواه مسلم في البر والصلة (٢٥٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي، حدثنا مروان بن محمد الدمشقي، حدثنا سعيد بن العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، فذكره. ٤ - باب قوله ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ أي أن الله أهلك أمما من العرب وغير العرب بعد ثمود فانقطعت أخبارهم فلا يعلم أحد إلا الله فلا يجوز لأحد أن ينسب نفسه إلا ما يعلمه كما كان النبي ﷺ ينسب نفسه إلى عدنان ثم يمسك. ذكره البخاري في مناقب الأنصار، باب مبعث النبي ﷺ ، وبين عدنان وبين إسماعيل ﵇ لا يعرف عددهم. فقوله تعالى: فيه ردّ على توراة اليهود التي ذكرت فيها أنساب آدم وأبناؤه إلى من بعدهم في سفر التكوين. ٥ - باب قول: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ قوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي من كل أعضائه من جسمه. قال ابن عباس: أنواع العذاب الذي يُعذّبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا الموت يأتيه منه لو كان يموت، ولكن لا يموت، لأن الله تعالى قال: [فاطر: ٣٦] كما قال في الآية المذكورة: بل هو في عذاب غليظ مستمر. ٦ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ قوله: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي: لا إله إلا الله. وقوله: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلة. • عن ابن عمر، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أخبروني بشجرة تشبه - أو كالرجل المسلم - لا يتحات ورقها، ولا، ولا، ولا، تؤتي أكلها كل حين". قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن

стр. 7113

أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا. قال رسول الله ﷺ : "هي النخلة". فلما قمنا قلت لعمر: يا أبتاه! والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال: ما منعك أن تكلم. قال: لم أركم تكلمون، فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٦٩٨)، ومسلم في صفة القيامة (٦٤: ٢٨١١) كلاهما من طريق أبي أسامة، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. قوله: ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ أي أصل الشجرة ثابت في الأرض. ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي أغصانها منتشرة في السماء أي في العلو، فكذلك أصل الإيمان راسخ في قلب المؤمن وهو قوله: لا إله إلا الله، وأعماله الصالحة تصعد إلى السماء. ٧ - باب قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ قوله: ﴿بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هي كلمة التوحيد قبل الموت. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني القبر كما جاء في الصحيح: • عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ قال: "نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد ﷺ ، فذلك قوله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾. وفي لفظ: "إذا أقعد المؤمن في قبره أتي، ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. متفق عليه: رواه البخاري في الجنائز (١٣٦٩)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٢٨٧١) كلاهما من طريق شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب، فذكره. واللفظ الأول لمسلم، والثاني للبخاري. وبقية الأحاديث في عذاب القبر ونعيمه مذكورة في كتاب الجنائز. ٨ - باب قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ • عن ابن عباس: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم والله كفار قريش.

стр. 7114

قال عمرو (هو ابن دينار): هم قريش، ومحمد ﷺ نعمة الله. ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ قال: النار يوم بدر. صحيح: رواه البخاري في المغازي (٣٩٧٧) عن الحميدي، حدثنا سفيان (وهو ابن عيينة)، حدثنا عمرو (هو ابن دينار)، عن عطاء (هو ابن رباح) عن ابن عباس، فذكره. • عن أبي الطفيل، سمع عليا وسأله ابن الكواء عن هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ قال: هم كفار قريش يوم بدر. صحيح رواه النسائي في الكبرى (١١٢٠٣)، وابن جرير الطبري في تفسيره (١٣/ ٦٧٢)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٧/ ٢٢٤٦) كلهم من طريق شعبة، عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، فذكره. وإسناده صحيح. ورواه الحاكم (٢/ ٣٥٢) من وجه آخر عن أبي الطفيل عامر بن واثلة به. وقال: "هذا حديث صحيح عال". ٩ - باب قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ استجاب الله دعاء إبراهيم ﵇ فجعل مكة بلدا آمنا كما قال تعالى في سورة العنكبوت [٦٧] وقال في سورة آل عمران [٩٧] ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ أي أبعدني، أمرٌ من الثلاثي المجرد يقال: جنبه الشيء إذا جعله جانبا عنه أي أبعده عنه. استجاب الله دعاءه فيه وفي أولاده من صلبه وهما إسماعيل وإسحاق، فلم يقع منهم الشرك وعبادة الأصنام، وهذا الدعاء كان منه للتثبت على التوحيد لما رأى أن كثيرا من الناس ابتلوا بعبادة الأصنام مثل ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر أصنام قوم نوح، ومثل الأصنام التي عبدها قوم إبراهيم في العراق، ومثل الأصنام التي عبدها أقوام أخرى في فلسطين والشام ومصر كما يدل عليه قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ لا أنه كان خائفا من الوقوع في الشرك وعبادة الأصنام، لأن الأنبياء معصومون عن الشرك بالله. وقد فهم بعض المفسرين من قوله: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ بأن الشرك كان قد وقع في مكة قبل إبراهيم ﵇، واستدلوا في ذلك بآية من سورة البقرة [١٢٥]: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ

стр. 7115

وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. والصحيح في هذا أن الله أمر إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت على الطهارة للطواف، والاعتكاف، والركوع، والسجود لله وحده بخلاف ما كان الناس في عهده في العراق، والشام، ومصر وغيرها من البلدان ابتلوا بالشرك وعبادة الأصنام، وأما القول بأن مكة كان ماهولة بالسكان قبل إبراهيم، وأنهم ابتلوا بالشرك فيحتاج إلى دليل واضح من الكتاب والسنة الصحيحة، ولا دليل عليه. قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي من أولاده مثل الأنبياء والمؤمنين بهم، وآخرهم محمد بن عبد الله ﷺ ومن آمن به، فهؤلاء كلهم على ملة إبراهيم سواء كانوا من نسله أو من غير نسله. وقوله: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولو كانوا من نسلي فأنا أتبرأ منهم، وأفوّض أمرهم إلى رحمتك وغفرانك، وليس المقصود منه الدعاء بالمغفرة لمن عصى، فإنه لا يدعو لهم، وهذا يدل على حلمه وصبره فلم يدع عليهم بالهلاك والاستئصال، وكان النبي ﷺ على هديه كما جاء في الصحيح: • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ تلا قول الله في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية. وقال عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٨] فرفع يديه، وقال: "اللهم أمتي أمتي". وبكى، فقال الله : يا جبريل! اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ﵊، فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قال، وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك". صحيح: رواه مسلم في الإيمان (٢٠٢) عن يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ قوله: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي أجفانهم لا تطرف من هول ما ترى في ذلك اليوم. يقال: فلان شخص بصره أي لم يغمضه. وقوله: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي مصوبين بصرهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، ولا يعرفون مواطن أقدامهم، يقال: هطع الرجل ببصره إذا صوبه، وبعير مهطع إذا صوب عنقه. وقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي رافعي رؤوسهم، أي أن وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء، لا ينظر أحد إلى أحد، كما قال الحسن البصري.

стр. 7116

وقوله: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي خالية لا تعي شيئا، ولا تعقل من شدة الخوف، كأن القلوب قد زالت عن أماكنها. ١١ - باب قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أي تكون الأرض المبدّلة يوم القيامة أرضا بيضاء، عفراء كما جاء في الصحيح: • عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : "يُحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقي، ليس فيها علم لأحد". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٢١)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٩٠) كلاهما من طريق محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: حدثني أبو حازم بن دينار، قال: سمعت سهل بن سعد قال: فذكره. واللفظ لمسلم. قوله: "ليس فيها علم لأحد" أي: ليس فيها علامة سكنى ولا بناء ولا أثر. • عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي ﷺ : "تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة، يتكفؤها الجبار بيده، كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٢٠)، ومسلم في صفة القيامة (٢٧٩٢) كلاهما من حديث الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري فذكره. قوله: "نزلا لأهل الجنة" هو ما يعد للضيف عند نزوله. • عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك، فقال له رسول الله ﷺ : "أينفعك شيء إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال: "سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : "هم في الظلمة دون الجسر" قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: "فقراء المهاجرين" قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون" قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم

стр. 7117

عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" قال: صدقت، قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض، إلا نبي أو رجل أو رجلان، قال: "ينفعك إن حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني، قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا، فعلا مني الرجل مني المرأة، أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل، آنثا بإذن الله" قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : "لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به". صحيح: رواه مسلم في الحيض (٣٤: ٣١٥) عن الحسن بن علي بن الحلواني، حدثنا أبو ثوبة (وهو الربيع بن نافع)، حدثنا معاوية (يعني ابن سلام)، عن زيد (يعني أخاه)، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني أبو أسماء الرحبي، أن ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه فذكره. • عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون الناس يومئذ يا رسول الله؟ فقال: "على الصراط". صحيح: رواه مسلم في صفة القيامة (٢٧٩١) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة فذكرته. ومعنى تبديل الأرض تغيير هيئتها التكوينية من الجبال والأنهار والأشجار، وكذلك تغيير هيئتها الطبيعية من الحر والبرد والهواء والجاذبية، ولا يعرف حقيقة حالها يوم القيامة إلا الله . ١٢ - باب قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ قوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي قمصهم، واحدها سربال. والقطران ما يتقطر من الهناء، وهو الذي تهنأ به الإبل، أي تطلى، وهو نوع من المرهم من تركيب كيمياوي قديم، وهو شديد الحرارة، ويشبه اليوم السائل الذي تطلى به الشوارع، ويسمى الزفت، فيؤلم الجلد، وهو لباسهم قبل دخول النار. وقد جاء في الصحيح: • عن أبي مالك الأشعري، حدثه أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة، وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب". صحيح رواه مسلم في الجنائز (٩٣٤) من طرق عن أبان بن يزيد، حدثنا يحيى، أن زيدا حدثّه أن أبا سلّام، حدثه أن أبا مالك الأشعري، حدّثه، فذكره.

стр. 7118

١٥ - تفسير سورة الحجر وهي مكية، وعدد آياتها ٩٩ ١ - باب قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ من المشهور أن الكافر يقول ذلك عند ما يرى أن المؤمنين يخرجون من النار بشفاعة النبي ﷺ كما جاء في الصحيح: • عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا عند ربنا، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته، ويقول: ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله، فيأتونه، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا، فيأتونه، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته، ائتوا موسى الذي كلمه الله، فيأتونه، فيقول: لست هناكم فيذكر خطيئته، ائتوا عيسى، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدا ﷺ ، فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت، ساجدا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال لي: ارفع رأسك، سل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمني، ثم أشفع فيحد لي حدا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأقع ساجدا مثله في الثالثة أو الرابعة، حتى ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن". وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود. متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٦٥)، ومسلم في الإيمان (١٩٣) كلاهما من حديث أبي عوانة، عن قتادة، عن أنس بن مالك فذكره. • عن صالح بن أبي طريف قال: قلت لأبي سعيد الخدري: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ فقال: نعم، سمعته يقول: "يخرج الله أناسا من النار بعد ما يأخذ نقمته منهم. قال: لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال المشركون: أليس كنتم تزعمون في الدنيا أنكم أولياء، فما لكم معنا في النار؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة، فيتشفع لهم الملائكة

стр. 7119

والنبيون حتى يخرجوا بإذن الله، فلما أخرجوا قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم، فتدركنا الشفاعة، فنخرج من النار، فذلك قول الله جل وعلا: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قال: فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: ربنا اذهب عنا هذا الاسم، قال: فيأمرهم، فيغتلسون في نهر الجنة، فيذهب ذلك منهم". حسن: رواه ابن حبان (٧٤٣٢) عن محمد بن الحسين بن مكرم قال: حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا أبو أسامة، عن أبي روق قال: حدثنا صالح بن أبي طريف قال فذكره. وإسناده حسن من أجل صالح بن أبي طريف، ذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٧٦)، ولم يذكر من الرواة عنه غير أبي روق عطية بن الحارث الهمداني، غير أن حديثه هذا له أصل من حديث أنس، وهو من التابعين، فتحسين هذا الحديث يناسب هذا المقام. وفي معناه ما روي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء الله من أهل القبلة يقول الكفار: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم وقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب، فأخذنا بها، فيسمع الله ما قالوا، فأمر بمن كان من أهل القبلة، فأخرجوا، فلما رأى ذلك أهل النار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما خرجوا". قال: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾. رواه ابن أبي عاصم في السنة (٨٦٩)، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٨)، والحاكم (٢/ ٢٤٢) كلهم من طريق خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى فذكره. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". قلت: بل ضعيف، فإن خالد بن نافع الأشعري ضعفه أبو زرعة والنسائي، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه. وقال أبو داود: متروك. قال الذهبي في الميزان: "وهذا تجاوز في الحد، فإن الرجل قد حدث عنه أحمد بن حنبل ومسدد، فلا يستحق الترك". انتهى. قلت: ويشهد له ما سبق، فلا يستحق الترك، ويحمل هذا الحديث على حديث الشفاعة أيضا. وكان ابن عباس وأنس بن مالك يفسران هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ قالا: ذلك يوم يجمع الله أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فذكر نحو الحديث السابق. رواه ابن جرير في تفسيره. وروي مثل هذا عن كثير من الصحابة والتابعين، بل قال بعض أهل العلم: إن المشركين لما قالوا للمسلمين: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون؟ فيغضب الله لهم، فيقول للملائكة والنبيين: اشفعوا فيشفعون، فيخرجون من النار، حتى إن إبليس ليتطاول رجاء أن يخرج منهم، فعند ذلك

стр. 7120

﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾. فرجع الأمر إلى الشفاعة، فلا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فيود الكافر حينئذ لو كان مسلما. وقوله: ﴿رُبَمَا﴾ الأصل أنه يستعمل للتقليل، وهنا استعمل للتكثير، كما أن الغالب أنه يدخل على الماضي، وهنا دخل على المستقبل لتحققه. ٢ - باب قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ هو القرآن الكريم. وقوله: أي من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، بأن هيأ الله تعالى أسباب حفظه، فجعله أولا ثابتا في قلب النبي ﷺ ، ثم أن النبي ﷺ علم أصحابه، فحفظه عدد لا يحصى من الصحابة عن ظهور قلوبهم في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته، وعن الصحابة تواتر حفظه في جميع البلاد الإسلامية، واستمر ذلك إلى يومنا هذا. هكذا أراد الله تعالى أن يبقى كتابه محفوظا إلى يوم القيامة بخلاف الكتب الأخرى، فإن الله تعالى لم يضمن لها حفظها، ولم يرد لها البقاء إلى يوم القيامة، ولذا وقع فيها ما وقع من التبديل والتحريف والضياع. حكى القاضي عياض في المدارك أن القاضي إسماعيل بن إسحاق بن حماد المالكي البصري سئل عن السر في تطرق التغيير للكتب السابقة وسلامة القرآن من ذلك، فأجاب بأن الله أوكل للأحبار حفظ كتبهم، فقال: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة: ٤٤] وتولى حفظ القرآن بذاته تعالى، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. وذكر القرطبي في تفسيره (١٠/ ٥ - ٦) عن يحيى بن أكثم قال: كان للمأمون - وهو أمير إذ ذاك - مجلس نظر، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجه طيب الرائحة، قال: فتكلم فأحسن الكلام والعبارة، قال: فلما أن تقوض المجلس دعاه المأمون، فقال له: إسرائيلي؟ قال نعم. قال له: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقال: ديني ودين آبائي! وانصرف. قال: فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال: فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام، فلما تقوض المجلس دعاه المأمون، وقال: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له: بلى. قال: فما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك، فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت مع ما تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة، فاشتُريت مني. وعمدت إلى الإنجيل، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة، فاشتُريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين، فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها، فلم يشتروها، فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.

стр. 7121

قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الخبر، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله . قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله ﵎ في التوراة والإنجيل: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة: ٤٤ [فجعل حفظه إليهم، فضاع، وقال : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾. فحفظه الله علينا، فلم يضع". انتهى. ومن العلماء من جعل ﴿الذِّكْرَ﴾ شاملا للقرآن وسنة النبي ﷺ ، لأنها مفسرة له، فحفظ القرآن يتضمن حفظ السنة أيضا. وهو كذلك؛ فإن السنة الصحيحة عن النبي ﷺ كلها محفوظة، إلا أن طريقة حفظها تخلف عن طريق حفظ القرآن، كما بينت ذلك في المقدمة. ٣ - باب قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ يقال: كانت الشياطين لا يحجبون عن السموات، وكانوا يدخلونها، ويأتون بأخبارها، فلما ولد عيسى ﵇، منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد بن عبد الله النبي ﷺ منعوا من السماوات أجمع. فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: إن نبي الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه، فحرّفها، وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيُصَدّق بتلك الكلمة التي سمع من السماء". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٨٠٠) عن الحميدى، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، قال: سمعت عكرمة يقول، سمعت أبا هريرة يقول: فذكره. • عن عائشة قالت: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانا الشيء يكون حقا، قال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه قرَّ الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة". متفق عليه: رواه البخاري في التوحيد (٧٥٦١)، ومسلم في السلام (٢٢٢٨: ١٢٣) كلاهما من

стр. 7122

طريق الزهري، أخبرني يحيى بن عروة، أنه سمع عروة يقول: قالت عائشة فذكرته. واللفظ لمسلم. وفي لفظ البخاري: "فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة". وقوله: "ليسوا بشيء" أي أن كلام الكهان ليس بشيء من العلم الصحيح. وقوله: "قرَّ" يقال: قرَّ قريرا أي صوَّت صوتا مماثلا، وهو ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه. قال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن: "إن الرجم كان قبل بعثته ﷺ ، ولكن لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه". اهـ. ٤ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾ قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ أي: أن الله يعلم كل من هلك من لدن آدم ﵇، وكل من هو حي، ومن سيأتي إلى يوم القيامة. وأما ما روي عن ابن عباس قال: "كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ امرأة حسنة من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم في الصف الأول؛ لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله: . فهو منكر. رواه الترمذي (٣١٢٢)، والنسائي (٢/ ١١٨)، وابن ماجه (١٠٤٦)، وأحمد (٢٧٨٣)، وصحّحه ابن خزيمة (١٦٩٦)، وابن حبان (٤٠١)، والحاكم (٢/ ٣٥٣) كلهم من حديث نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس فذكره. وقد روي مرسلا. قال الترمذي: "وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عباس. وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح". وكذا رجح الحافظ ابن كثير في تفسيره بأنه من كلام أبي الجوزاء، وقال: "وهذا الحديث فيه نكارة شديدة. وقد رواه عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك - وهو البكري -، أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ في الصفوف في الصلاة ﴿الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر". ثم ذكر قول الترمذي. قلت: مع إرساله فيه عمرو بن مالك النكري ضعيف. ذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: "يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عنه، يخطئ ويغرب". واختلف فيه قول ابن معين في توثيقه وتضعيفه، ومن كان هذا حاله، فلا يقبل منه مثل هذه القصة في الصحابة الكرام الذين أتنى الله عليهم خيرا، وأثنى عليه رسول الله ﷺ ، وأجمع المسلمون على عدولهم، والله المستعان. ٥ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾

стр. 7123

• عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٢٩٩٦) من طرق عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة قالت: فذكرته. ٦ - باب قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ وأسفلها للمنافقين لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ١٤٥] ولغيرهم من أهل النار حسب إجرامهم كما جاء في الصحيح: • عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: "منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه النار إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى ترقوته". صحيح: رواه مسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (٣٣: ٢٨٤٥) عن عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب - يعني ابن عطاء -، عن سعيد، عن قتادة، قال: سمعت أبا نضرة، يحدث عن سمرة بن جندب، فذكره. وقوله تعالى: ﴿أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ أي لكل طبقة لها سكانها من المجرمين، كل حسب إجرامهم، وأما ما ذكر أسماء هذه الطبقات، وسكان كل طبقة منها فمجرد تخرص لا دليل عليه من الكتاب والسنة الصحيحة؛ لأنها من الغيبيات لا يعلمها إلا الله ، فصيانة كتب التفاسير من هذه الأقوال أولى من ذكرها. والله المستعان. ٧ - باب قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ أي: أن أهل الجنة تكون قلوبهم خالية من الشحناء، والبغضاء، والحقد والحسد، لأنهم يُنقّون، ويُهذّبون من كل ذلك قبل أن يدخلوا الجنة، كما جاء في الصحيح: • عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقَصّ لبعضهم من بعض، مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا، ونُقُّوا، أُذِن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا". صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٥٣٥) عن الصلت بن محمد، حدثنا يزيد بن زريع، قال:

стр. 7124

حدثنا سعيد بن أبي عروبة، قال: حدثنا قتادة، أن أبا المتوكل الناجي، حدثهم أن أبا سعيد الخدري، حدثهم قال: فذكره. ورواه أحمد (١١٧٠٦) عن عفان، حدثنا يزيد بن زريع به نحوه، وزاد في آخره، فقال: قال قتادة: وقال بعضهم: ما يشبه لهم إلا أهل جمعة حين انصرفوا من جمعتهم. ٨ - باب قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾ أي: لا يصيبهم فيها شيء من المشقة والأذى. وممن لهم بيت في الجنة ليس فيه نصب ولا صخب، أم المؤمنين خديجة ﵂ كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك، فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب". متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٢٠)، ومسلم في فضائل الصحابة (٢٤٣٢) كلاهما من طريق محمد بن فضيل، عن عمارة، عن أبي زرعة، قال: سمعت أبا هريرة، قال: فذكره. ٩ - باب قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ • عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار". صحيح: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٦٩) عن قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة فذكره. ١٠ - باب قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي

стр. 7125

سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ في هذه الآيات الكريمة يذكر الله تعالى قصة لوط ﵇، وهو ابن أخي إبراهيم ﵇، خرج مع عمه من العراق إلى الكنعانيين أرض فلسطين والشام، فتوجه إبراهيم ﵇ إلى مصر، وبعث الله لوطا ﵇ لهداية أهل السدوم التي تقع جنوب البحر الميت، وكان أهلها ابتلوا بإتيان الذكور دون النساء. وفي سفر التكوين (١٣: ١٣): "كان أهل سدوم أشرارا وخُطاةً لدى الرب جدا" فأمطر الله عليهم حجارة من السماء، وجعل عاليها سافلها. وأما لوط ومن معه من المؤمنين فتوجهوا إلى مدينة صوغر إلا امرأته فإنها كانت من الهالكين. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ أي المتفرسين المتفكرين. أي أن آثار الدمار والعذاب لا تزال قائمة على حافة البحر الميت، وفي ذلك عبرة للمعتبرين، وآيات لأولي الألباب والمتوسلين. والبحر الميت سمي بذلك لكثافته، فإن مقدار الجامدة فيه نحو ثمانية أضعاف ما في ماء البحار، ولذا لا يغرق الإنسان في الماء لكثافته، ولا يعيش فيه شيء من النبات أو الحيوان، وطوله ٤٦ ميلا، وعرضه عشرة أميال، وهو يبعد ١٦ ميلاد عن أروشليم شرقا. ١١ - باب قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ هم قوم شعيب ﵇، والأيكة: الشجر الملتف بعضه ببعض، أي أن بيوتهم كانت في غيضة من الأشجار الكثيرة الورق، وكان ظلمهم أنهم أشركوا بالله تعالى، وقطعوا الطريق، ونقصوا في المكيال والميزان، فأخذهم الله بالصيحة والرجفة. وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ أي قرية لوط وأيكة قوم شعيب، وجاء في سورة هود: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [سورة هود: ٨٩]. وقوله: ﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي كلتا القريتين بطريق القوافل بأهل مكة عندما كانوا يذهبون إلى الشام في الصيف. ١٢ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾

стр. 7126

قوله: ﴿أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ الحجر من الحجارة لأنهم كانوا ينحتون بيوتهم في صخر الجبل نحتا محكما كما تدل عليه الآثار الموجودة الآن، وموقعهم بين المدينة والشام، وهو المعروف اليوم باسم مدائن صالح. وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي في وقت الصباح. وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي يصنعون البيوت في صخر الجبل؛ فإنها لم تنجهم من العذاب وهؤلاء هم قوم ثمود، وهم الذين كذبوا نبيهم صالحا ﵇، فجاءهم العذاب، فحذر النبي ﷺ من الدخول في بيوتهم إلا أن تكونوا باكين، كما جاء في الصحيح: • عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين، فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم". متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٢)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٨٠) كلاهما من طريق عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر فذكره. • عن عبد الله بن عمر قال: مررنا مع رسول الله ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين، حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم". ثم زجر فأسرع حتى خلفها. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٨١)، ومسلم في الزهد والرقائق (٣٩: ٢٩٨٠) كلاهما من طريق يونس، عن ابن شهاب الزهري، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: فذكره، واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري نحوه. • عن عبد الله بن عمر: أن الناس نزلوا مع رسول الله ﷺ أرض ثمود، الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة. متفق عليه: رواه البخاري في أحاديث الأنبياء (٣٣٧٩)، ومسلم في الزهد والرقائق (٢٩٨١) كلاهما من طريق أنس بن عياض، عن عبيد الله، عن نافع، أن عبد الله بن عمر، أخبره: فذكره. واللفظ للبخاري، ولم يذكر مسلم لفظه بهذا الإسناد. وإنما أحال على لفظ إسناد قبله. ١٣ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هو سورة الفاتحة؛ لأنها تتكرر قرأتها في كل صلاة، وقد جاء في الصحيح: • عن أبي سعيد المعلى قال: مر بي النبي ﷺ ، وأنا أصلي، فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيت، فقال: "ما منعك أن تأتي؟ ". فقلت: كنت أصل. فقال: "ألم يقل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ

стр. 7127

بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ " [الأنفال: ٢٤]. ثم قال: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد". فذهب النبي ﷺ ليخرج من المسجد، فذكرته، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٣) عن محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، قال: فذكره. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم". صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٤) عن آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: فذكره. بهذا قال عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة من الصحابة، وبه قال جمع من التابعين وأتباعهم. وقال ابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك وغيرهم هي السبع الطوال، يعنون: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس، وبه قال أيضا ابن عباس، وابن مسعود في رواية. ١٤ - باب قوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ قوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي نهى أن يتمنى الرجل مال صاحبه كما قال ابن عباس، وجاء في سورة طه [١٣٠ - ١٣١]: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي في حالهم الذي كانوا عليها من الكفر والعناد، وما يحل بهم من العذاب في الدنيا مثل يوم بدر وفي الآخرة. وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي كن رفيقا للمؤمنين ومتواضعا لهم، وإن كان القلب شديدا على الكفار فلا يكن كذلك مع المؤمنين، وذكر من صفات أصحاب محمد ﷺ كما في سورة الفتح [٢٩]: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ والنذير على وزن فعيل بمعنى المنذر، والمقام يقتضي أن يقول للكفار: ما أنا إلا نذير من حدث فيه ضرر لكم، وقد جاء في الصحيح عن أبي موسى:

стр. 7128

• عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء! فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم، فنجوا، وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم، فصبّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني، فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني، وكذّب بما جئت به من الحق". متفق عليه: رواه البخاري في الاعتصام (٧٢٨٣)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٣) كلاهما عن أبي كريب، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، فذكره. • عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إنما مثلي ومثل الناس، كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهن، ويغلبنه فيقتحمن فيها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها". متفق عليه: رواه البخاري في الرقاق (٦٤٨٣)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٤) كلاهما من طريق أبي الزناد، عن عبد الرحمن، أنه حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره، واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : "مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن، ويغلبنه، فيتقحمن فيها". قال: "فذلكم مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار، هلم عن النار فتغلبوني تقحمون فيها". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (١٨: ٢٢٨٤) عن محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، فذكره. • عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تفلتون من يدي". صحيح: رواه مسلم في الفضائل (٢٢٨٥) عن محمد بن حاتم، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سليم، عن سعيد بن ميناء، عن جابر، قال: فذكره. • عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : "إني ممسك بحجزكم، وتغلبوني تقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب، وأوشك أن أرسل بحجزكم،

стр. 7129

وأفرط لكم على الحوض، وتردون علي معا أو أشتاتا". حسن: رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/ ٤٥١ - ٤٥٢) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (٧٤٤)، والبزار - كشف الأستار (٩٠٠) - كلهم من طريق مالك بن إسماعيل، ثنا يعقوب بن عبد الله القمي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب، فذكره. وإسناده حسن من أجل الكلام في يعقوب بن عبد الله القمي، غير أنه حسن الحديث. ١٥ - باب قوله ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ قوله: ﴿عِضِينَ﴾ جمع عضة، من عضّيت الشيء إذا فرّقته، وجعلته أعضاء، وأصلها عضو فحذفت الواو، وعوض عنها الهاء. المراد بالمقتسمين هم اليهود والنصارى الذين قسموا القرآن على قسمين، منه ما صدقوا به وهو ما يوافق دينهم، ومنه ما كذبوا به وهو ما يخالف تحريفهم وتبديلهم. • عن ابن عباس: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، اليهود والنصارى. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٦) عن عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس، فذكره. • عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب، جزّؤوه أجزاءً، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٥) عن يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وقال بعض أهل العلم: المراد بالقرآن هو الكتاب المقروء عندهم من التوراة والإنجيل، فآمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه، مثل البشارات بالنبي ﷺ ، وقول ابن عباس يحتمل المعنيين، وذهب مجاهد إلى المعنى الثاني. ١٦ - باب قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ • عن عبد الله بن عباس في قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قال: ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن غيطل السهمي، والعاص بن وائل السهمي، فأتاه جبريل ﵇، فشكاهم إليه رسول الله ﷺ ، فأراه أبا عمرو الوليد بن المغيرة، فأومأ جبريل إلى أكحله، فقال: "ما صنعت شيئا". فقال: كفيتكه. ثم أراه الحارث

стр. 7130

ابن غيطل السهمي، فأوما إلى بطنه، فقال: "ما صنعت شيئا". فقال: كفيتكه. ثم أراه العاص بن وائل السهمي، فأوما إلى أخمصه، فقال: "ما صنعت شيئا". فقال: كفيتكه. فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة، وهو يريش نبلا له، فأصاب أكحله، فقطعها. وأما الأسود بن المطلب، فعمي فمنهم من يقول عمي كذا، ومنهم من يقول: نزل تحت شجرة، فجعل يقول: يا بُنَيّ، ألا تدفعون عني، قد هلكت أطعن بشوك في عيني، فجعلوا يقولون: ما نرى شيئا، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه. وأما الأسود بن عبد يغوث؛ فخرج في رأسه قروح، فمات منها. وأما الحارث بن غيطل، فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه، فمات منها. وأما العاص بن وائل، فبينما هو كذلك يوما حتى دخل في رجله شبرقة حتى امتلأت منها، فمات". حسن: رواه الطبراني في الأوسط (٥/ ٥١٥ - ٥١٧)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣١٦ - ٣١٨)، والمقدسي في المختارة (١٠/ ٩٦ - ٩٨) كلهم من حديث سفيان بن حسين، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره. وإسناده حسن من أجل سفيان بن حسين؛ فإنه يُحَسّن في غير الزهري. ١٧ - باب قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ أي: استمر على عبادة الله حتى يأتيك الموت. فالمراد باليقين هنا الموت، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [سورة المدثر: ٤٣ - ٤٧]. وكذلك جاء اليقين بمعنى الموت في الحديث النبوي كما جاء في الصحيح: • عن خارجة بن زيد الأنصاري: أن أم العلاء امرأة من نسائهم، قد بايعت النبي ﷺ ، أخبرته أن عثمان بن مظعون طار له سهمه في السكنى حين أقرعت الأنصار سكنى المهاجرين. قالت أم العلاء: فسكن عندنا عثمان بن مظعون، فاشتكى، فمرضناه حتى إذا توفي، وجعلناه في ثيابه دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لي النبي ﷺ : "وما يُدريك أن الله أكرمه؟ ". فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : "أما عثمان فقد جاءه والله اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدرى، وأنا رسول الله ما يفعل بي". قالت: فوالله! لا أزكي أحدا بعده أبدا" ... الحديث. صحيح: رواه البخاري في الشهادات (٢٦٨٧) عن أبي اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال، حدثني خارجة بن زيد الأنصاري، فذكره.

стр. 7131

١٦ - تفسير سورة النحل وهي مكية، وعدد آياتها ١٢٨ ١ - باب قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ أي أنهم يحملون أوزار ضلالهم في أنفسهم، وكذلك يحملون أوزار إضلالهم لغيرهم، كما جاء في الصحيح: • عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا". صحيح: رواه مسلم في العلم (٢٦٧٤) من طرق عن إسماعيل يعني ابن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ٢ - باب قوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ هداية التوفيق من الله، وأما هداية الدلالة والإرشاد فمن العباد، وبه أرسل الله الرسل في كل أمة. وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ وذلك من أجل اختيارهم الغواية على الهداية، والضلالة على الرشد، وتركهم سبيل الأنبياء والمرسلين، وعدم إيمانهم بدعوتهم، فلم يكونوا موفقين من الله ، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]. ٣ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ فيه إثبات لقدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وردٌّ على منكريها. وقوله: ﴿إِنَّمَا﴾ قصر لتكوين الموجود بمجرد صدور الأمر الإلهي، ولا يستحيل عليه شيء كما كان المشركون يعتقدون استحالة إحياء الموتى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] وفي سورة يس [٧٨] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾. وقوله: ﴿لِشَيْءٍ﴾ شامل للموجود وغير الموجود، وأما الموجود فمثل إحياء الموتى الذين

стр. 7132

صاروا كالرمائم فتعود إليهم الحياة بأمر الله تعالى: ﴿كُن﴾. وأما غير الموجود فمثل خلق السموات والأرض وما فيهن، فإن الله خلقهن من العدم، وعليه يدل قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧]. ٤ - باب قوله: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقال تعالى في سورة الرعد [١٥]: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ فيه إشارة إلى وجود مخلوقات في الكواكب تسجد لله كما تسجد الجمادات من الشمس والقمر والسيارات الأخرى، وأما الملائكة فيأتي ذكرهم استقلالا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ الدابة تطلق على كل ما يدب على الأرض غير الإنسان، وسجود هذه الدواب الانقياد والطاعة لله لما خُلقنَ كما جاء في سورة فصلت [١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفع، خص ذكر الملائكة مع كونهم من جملة ما في السموات بسبب اعتقاد المشركين بأنهم بنات لله، ولهم تصرف فأبطل الله هذا الاعتقاد، وأخبر أنهم من جملة المخلوقين الذين يسجدون لله ثم ذكر من صفاتهم ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾. ٥ - باب قوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾ بعد أن أبطل الله اعتقاد المشركين عموما في اتخاذ الآلهة الكثيرة، أبطل في هذه الآية الكريمة اعتقاد بعض المشركين من العرب الذين تأتروا بعقيدة الفرس الذين كانوا في جوارهم، وهم يعبدون إلهين اثنين، إله الخير يسمونه "يزدان"، وإله الشر ويسمونه "أهرمن"، وزعموا أن يزدان كان منفردا بالإلهية، وكان لا يخلق إلا الخير، فلم يكن في العالم إلا الخير، فخطر في نفسه مرة خاطر شر، فتولد عنه إله آخر شريك له، وهو إله الشر. وقد دان بهذه العقيدة بعض القبائل العربية، فردّ الله عليه، وأحكم القول بأنه إله واحد، وهو مثل قول الله تعالى لعيسى بن مريم ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١١٦] فلما تبرأ عيسى ﵇ ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]. ٦ - باب قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ

стр. 7133

عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾. من الأفعال القبيحة عند المشركين أنهم جعلوا لله البنات - وهو منزه عنه - وكرهوا ذلك لأنفسهم فإن من بُشّر بولادة الأنثى صار وجهه مسودا من شدة الحزن والكراهية، فيغيب عن أبصارهم للعار الذي لحقه بولادة هذه الأنثى، فهو يتردد بين إمساكها على هون، وبين دسّه في التراب حية وهو قوله تعالى ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. ومن صور الوأد ما ذكره البغوي في تفسيره (٢/ ٦١٩): "وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت، وأراد أن يستحييها، ألبسها جبة من صوف أو شعر، وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال لأمها: زيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها، وقد حفر لها بئرا في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر فيدفعها من خلفها في البئر، ثم يُهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض فذلك قوله : ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾. ٧ - باب قوله: ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾ • عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال رسول الله ﷺ : "اسقه عسلا" فسقاه. ثم جاء فقال: إني سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا، فقال له ثلاث مرات ثم جاء الرابعة فقال: "اسقه عسلا" فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقا. فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك" فسقاه، فبرأ. متفق عليه: رواه البخاري في الطب (٥٧١٦)، ومسلم في السلام (٢٢١٧) كلاهما عن محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد الخدري، قال: فذكره. واللفظ لمسلم ولفظ البخاري نحوه. وفي الباب أحاديث أخرى مذكورة في كتاب الطب. ٨ - باب قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾ قوله: ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: آخره في حال الكبر والعجز والخرف. والأرذل من كل شيء: الرديء منه، وقد جاء في الصحيح الإستعاذة منه. • عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يدعو "اللهم إني أعوذ بك من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات".

стр. 7134

متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء (٢٧٠٦: ٥٢) كلاهما من طريق هارون بن موسى أبي عبد الله الأعور، حدثنا شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك، فذكره. ٩ - باب قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ • عن عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكة جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "ألا تجلس؟ " قال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدّثه، إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة إلى السماء، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينغض رأسه، كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته، واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، قال: يا محمد! فيم كنت أجالسك وآتيك، ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة؟ قال: "وما رأيتني، فعلت؟ " قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك، كأنك تستفقه شيئا يقال لك. قال: "وفطنت لذاك؟ ". قال عثمان: نعم. قال رسول الله ﷺ : "أتاني رسول الله آنفا، وأنت جالس". قال: رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمدا. حسن: رواه أحمد (٢٩١٩)، والبخاري في الأدب المفرد (٨٩٣)، والطبراني في الكبير (٩/ ٢٧ - ٢٨) كلهم من حديث عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، حدثنا عبد الله بن عباس قال: فذكره. وإسناده حسن من أجل شهر بن حوشب؛ فإنه مختلف فيه غير أنه حسن الحديث، إذا لم يأت بما ينكر عليه. وقال ابن كثير في تفسيره (٤/ ٥٩٧): "إسناده جيد متصل حسن".

стр. 7135

١٠ - باب قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ أي أوفوا بالعهود والمواثيق، فإن الغدر والخيانة من علامات النفاق كما جاء في الصحيح: • عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصا: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها". متفق عليه: رواه البخاري في الجزية والموادعة (٣١٧٨)، ومسلم في الإيمان (٥٨) كلاهما من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: فذكره. • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". متفق عليه: رواه البخاري في الإيمان (٣٣)، ومسلم في الإيمان (٥٩) كلاهما من حديث إسماعيل بن جعفر، قال: حدثنا نافع بن مالك بن أبي عامر أبو سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ١١ - باب قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي: الحياة المشتملة على وجوه الخير من الرزق الحلال والقناعة والطاعة ونحوها. • عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه". صحيح: رواه مسلم في الزكاة (١٠٥٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل - وهو ابن شريك -، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، فذكره. • عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع". حسن: رواه الترمذي (٢٣٤٩)، وأحمد (٢٣٩٤٤)، وصححه ابن حبان (٧٠٥)، والحاكم (١/ ٣٤ - ٣٥) كلهم من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن أبا علي عمرو بن مالك الجَنْبِيّ، أخبره عن فضالة بن عبيد، فذكره.

стр. 7136

قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: إسناده حسن من أجل أبي هانئ - وهو حميد بن هانئ -، فإنه حسن الحديث. وقوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. • عن أنس بن مالك، أنه حدث عن رسول الله ﷺ : "إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته". صحيح: أخرجه مسلم في صفة القيامة (٢٨٠٨: ٥٧) عن عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر، قال سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك، فذكره. ١٢ - باب قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ هذا أمر من الله لعباده على لسان نبيه أن يستعيذوا بالله تعالى من الشيطان الرجيم إذا أرادوا أن يقرؤوا القرآن الكريم، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [سورة المائدة: ٦]، فالإستعاذة تكون قبل القراءة على رأي جمهور أهل العلم، وهو الصحيح. ١٣ - باب قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾ • عن ابن عباس قال: كان ناس من أهل مكة أسلموا، وكانوا مستخفين بالإسلام، فلما خرج المشركون إلى بدر أخرجوهم مكرهين، فأصيب بعضهم يوم بدر مع المشركين، فقال المسلمون: أصحابنا هؤلاء مسلمون أخرجوهم مكرهين، فاستغفروا لهم، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: ٩٧]، فكتب المسلمون إلى من بقي منهم بمكة بهذه الآية، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ظهر عليهم المشركون وعلى خروجهم، فلحقوهم، فردوهم، فرجعوا معهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة العنكبوت: ١٠] فكتب المسلمون إليهم بذلك، فحزنوا، فنزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكتبوا إليهم بذلك".

стр. 7137

صحيح: رواه البزار - كشف الأستار (٢٢٠٤) عن عبدة بن عبد الله، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره. قال البزار: "لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك". قلت: إسناده صحيح، ومحمد بن شريك أبو عثمان المكي ثقة، وثّقه ابن معين وأحمد وأبو زرعة وغيرهم. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩): "روى البخاري بعضه، ورواه البزار، ورجاله رجال الصحيح". ١٤ - باب قوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾ قوله: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أي: فرضت عليهم أحكام السبت من تحريم العمل فيه. وقوله: ﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: اليهود. فصار يوم السبت واجبا إحترامه على اليهود مع أنهم يدعون أنهم على ملة إبراهيم، وليس في ملة إبراهيم حرمة السبت، ولذا جاء عيسى ﵇ ولم يحترم يوم السبت كاحترام اليهود، قائلا: "السبت إنما جعل لأجل الإنسان، لا الإنسان لأجل السبت". (إنجيل مرقس: ٢/ ٢٧). وكان ذلك من جملة أسباب معاداة اليهود لعيسى ﵇، ثم ابتدع النصارى بعد رفع المسيح، فاتخذوا يوم الأحد، وجعلوا يجتمعون فيه للصلاة بحجة قيامة المسيح من القبر يوم الأحد، وهدى الله هذه الأمة ليوم الجمعة، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وأن الله تعالى يخبر يوم القيامة المحق من المبطل في ذلك. • عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا والنصارى بعد غد". متفق عليه: رواه البخاري في الجمعة (٨٧٦)، ومسلم في الجمعة (٨٥٥) كلاهما من طريق أبي الزناد، أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج مولى ربيعة بن الحارث حدثّه، أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره، واللفظ للبخاري. • عن أبي هريرة، وحذيفة قالا: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق". صحيح: رواه مسلم في الجمعة (٨٥٦) من طرق عن ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي عن

стр. 7138

أبي حازم، عن أبي هريرة، وعن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قالا: فذكراه. ١٥ - باب قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ • عن أبي بن كعب، قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة وفيهم حمزة، ومثلوا بقتلاهم، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين، لنربِينّ عليهم، فلما كان يوم الفتح قال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فنادى منادي رسول الله ﷺ : أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا، ناسا سماهم، فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "نصبر ولا نعاقب". حسن: رواه الترمذي (٣١٢٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١٢٣، ٢١٢٢٩) - واللفظ له -، وصحّحه ابن حبان (٤٨٧)، والحاكم (٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩) كلهم من طرق عن الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب من حديث أبي بن كعب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". وإسناده حسن من أجل عيسى بن عبيد وهو الكندي أبو المنيب، فإنه حسن الحديث. وفيه أيضا الربيع بن أنس مختلف فيه غير أنه حسن الحديث. • * *

стр. 7139

١٧ - تفسير سورة الإسراء وهي مكية، وعدد آياتها ١١١ • عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر. حسن: رواه الترمذي (٢٩٢٠)، وأحمد (٢٤٣٨٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧١٢)، وابن خزيمة (١١٦٣)، والحاكم (٢/ ٤٢٤) من طرق عن حماد بن زيد، عن أبي لبابة العقيلي، عن عائشة فذكرته. وعند الأكثر في أوله زيادة. وإسناده حسن من أجل أبي لبابة العقيلي، واسمه مروان، فإنه حسن الحديث، والكلام عليه مبسوط في كتاب الأدعية والأذكار. • عن ابن مسعود قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العتاق الأوَل، وهن من تلادي. صحيح: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٨) عن آدم، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد، قال سمعت ابن مسعود، قال: فذكره. وقوله: "العتاق" جمع عتيق، وهو القديم، أو هو كل ما بلغ الغاية في الجودة، يريد بذلك تفضيل هذه السور، بما تضمنت من ذكر القصص، وأخبار الأنبياء، وأخبار الأمم. وقوله: "تلادي" التلاد ما كان قديما من المال، يريد أنهن من أوائل السور المنزلة في أول الإسلام، لأنها مكية، وأنها من أوائل ما قرأه، وحفظه من القرآن والله أعلم. ١ - باب قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ قوله: ﴿الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ فيه إخبار عن وجود مسجد آخر، وهو مسجد المدينة، ويكون مسجد إيليا أبعد المسجدين من المسجد الحرام. والمسجد الأقصى هو المسجد الثاني الذي بناه إبراهيم ﵇ بعد المسجد الحرام، وكان بينهما أربعون سنة كما جاء في الصحيحين - البخاري (٣٣٦٦) ومسلم (٥٢٠) - من حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وُضِعَ في الأرض أوّلُ؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". أي بعد أن فرغ إبراهيم ﵇ مع ابنه إسماعيل ببناء المسجد الحرام، ورجع إلى

стр. 7140

فلسطين، وُلِدَ له إسحاق من زوجته سارة بعد أربع عشرة سنة من ولادة إسماعيل، وكان عمر إبراهيم آنذاك مائة سنة، فلما ماتت سارة تزوج إبراهيم ﵇ بقطوراة فوُلِدَ له ستة بنين، وتزوج إسحاق بعد أربعين سنة، وولد له يعقوب وعيسو بعد عشرين سنة، فلما كثر أولاده وأحفاده احتاج إلى بناء بيت للعبادة وذلك بعد أربعين سنة كما جاء في الصحيح، فبنى له مذبحا كما تنص التوراة: "فبنى هناك مذبحا للرب، ودعا باسم الرب" التكوين (١٢: ٨). ثم جدّد بناءه داود ﵇، واستكمله سليمان ﵇ فنسب إليه. والمذبح هو بمعنى المسجد وقوله: ودعا باسم الرب يعني ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)﴾ [الجن: ١٨]. ومات إبراهيم ﵇ وعمره مائة وخمس وسبعون سنة. • عن أبي ذر كان يحدِّث أنّ رسول الله ﷺ قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكة فنزل جبريلُ ﷺ ، فَفَرَجَ صَدْري. ثم غَسَلَهُ من ماء زمزم. ثم جاء بِطَسْتٍ من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغَها في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فَعَرَج بي إلى السّماء، فلمّا جِئْنا السّماء الدُّنيا قال جبريلُ ﵇ لخازن السّماء الدّنيا: افتح. قال: مَنْ هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم معي محمد ﷺ ، قال: فأُرسل إليه؟ قال: نعم، ففتح. قال: فلما علونا السّماء الدنيا، فإذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة وعن يساره أَسْوِدَة، قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: فقال مرحبا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم ﵇ وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السّماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدّنيا، ففتح. فقال أنس بن مالك: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين، ولم يُثْبِتْ كيف منازِلُهم غير أنه ذكر أنه قد وجد آدم ﵇ في السّماء الدّنيا وإبراهيم في السماء السّادسة. قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس صلوات الله عليه، قال: مرحبًا بالنّبيّ الصّالح، والأخ الصّالح قال: ثم مرَّ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. قال: ثم مررت بموسى ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثم مررتُ بعيسى، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والأخ الصّالح. قلت:

стр. 7141

من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم. قال: ثم مررتُ بإبراهيم ﵇، فقال: مرحبًا بالنّبي الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت من هذا؟ قال: هذا إبراهيم". قال ابنُ شهاب: وأخبرني ابنُ حزم أنّ ابن عباس وأبا حَبَّة الأنصاريَّ كانا يقولان قال رسول الله ﷺ : "ثم عرج بي حتى ظهرْتُ لمستوًى أسمعُ فيه صريفَ الأقلام". قال ابنُ حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : "ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة". قال: "فرجعت بذلك حتى أمر بموسى فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربُّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة قال لي موسى ﵇: فراجِعْ ربَّك فإنَّ أمَّتَك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي، فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال: فرجعت إلى موسى فقال: راجع ربَّك فقلت: قد استحييت من ربي. قال: ثم انطلق بي جبريل حتى نأتي سدرةَ المنتهى فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي. قال: ثم أُدخلتُ الجنّةَ فإذا فيها جَنابذُ اللؤلؤ وإذا ترابُها المسك". متفق عليه: رواه البخاريّ في الصلاة (٣٤٩)، ومسلم في الإيمان (١٦٣) كلاهما من حديث يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، قال: "كان أبو ذرّ يحدّث". فذكر الحديث مثله، واللّفظ لمسلم، ولفظ البخاريّ قريب منه. • عن أبي هريرة قال: أُتِي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بقد حين من خمر ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، قال جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك. متفق عليه: رواه البخاري في التفسير (٤٧٠٩)، ومسلم في الأشربة (١٦٨) كلاهما من طريق يونس، عن الزهري قال: قال ابن المسيب، قال أبو هريرة: فذكره. • عن جابر بن عبد الله، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لما كذّبني قريش، قمتُ في الحِجْر، فجلا الله لي بيت المقدس، فطفقتُ أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه". متفق عليه: رواه البخاري في مناقب الأنصار (٣٨٨٦)، ومسلم في الإيمان (١٧٠) كلاهما من طريق الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب الزهري، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، سمعت جابر بن عبد الله، فذكره. ولفظهما سواء. وفي الإسراء والمعراج أحاديث كثيرة مذكورة في السيرة النبوية.

стр. 7142

٢ - باب قوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ وقوله: أي: أن الإنسان يدعو أحيانا بالشر كدعائه بالخير في حالات الغضب وضيق النفس ونحوها، وهذا من جهل الإنسان وعجلته، ولكن الله قد لا يستجيب له رحمة منه وفضلا، وقد جاء النهي عن الدعاء على النفس والأولاد والمال، كما في الصحيح: • عن جابر بن عبد الله قال: "سرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بطن بواط، وهو يطلب المجدي بن عمرو الجهني، وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة، فدارت عقبة رجل من الأنصار على ناضح له، فأناخه، فركبه، ثم بعثه، فتلدَّن عليه بعض التلدُّن، فقال له: "شأ لعنك الله". فقال رسول الله ﷺ : "من هذا اللاعن بعيره؟ " قال: أنا يا رسول الله. قال: "انزل عنه، فلا تصحبنا بملعون، لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم". صحيح: رواه مسلم في الزهد والرقائق (٣٠٠٩) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل. ٣ - باب قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ أي: أن كل إنسان محفوظ له عمله، قليله وكثيره، خيره وشره، فكله مكتوب له، وهو الذي يجازي، ويحاسب عليه، وهو الذي يدل عليه آخر الآية. ٤ - باب قوله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ أي أن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه. والذين لم تبلغهم الدعوة، ولم تقم عليهم الحجة في الدنيا يمتحنون يوم القيامة، كما جاء في الحديث: • عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "أربعة يوم القيامة - يعني يدلون على الله بحجة -: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة، فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا. وأما الأحمق

стр. 7143

فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا. وأما الذي مات في الفترة، فيقول: رب، ما أتاني رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعنَّه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، قال: "فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما". حسن: رواه البيهقي في القضاء والقدر (٣/ ٩١٠ - ٩١١) بإسناده عن علي بن عبد الله، نا معاذ، نا أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فذكره. ورواه الإمام أحمد (١٦٣٠٢) عن علي بن عبد الله، بإسناده، وقال في آخره: "فمن دخلها كانت عليه بردا وسلاما، ومن لم يدخلها يُسحب إليها". قال البيهقي: "هذا إسناد صحيح". قلت: إسناده حسن من أجل الكلام في معاذ، وهو ابن هشام الدستوائي غير أنه حسن الحديث، وقد احتج به الشيخان. وأما ما روي عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: "إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم، فيسألهم ربهم ﵎، فيقولون: ربنا لم ترسل إلينا رسولا، ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك، فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني، فيقولون: نعم، فيأمرهم أن يعمدوا جهنم، فيدخلونها، فينطلقون حتى إذا دنو منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا، فرجعوا إلى ربهم، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، أو أجرنا منها. فيقول لهم: ألم تزعمون أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني. فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا لها، فادخلوها. فينطلقون حتى إذا رأوها، فرقوا، فرجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين. فقال نبي الله ﷺ : "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما". رواه البزار من طريقين: إحداهما (٤١٦٩) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا ريحان بن سعيد، قال: حدثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن ثوبان. والثانية: (٤١٧٠) عن يحيى بن محمد السكن، قال: نا إسحاق بن إدريس، قال نا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة به نحوه. وعياد بن منصور ضعيف، وإسحاق بن إدريس قال النسائي: "متروك الحديث". وقال الدارقطني: "منكر". وأصل حديث ثوبان في صحيح مسلم في الفتن (٢٨٨٩) من طرق عن حماد عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان مختصرا، كما ذكر في الفتن، والزيادة التي ذكرها البزار منكرة، ولذا قال: "هذا الحديث عن ثوبان لا نحفظه إلا من هذا الطريق الذي ذكرناه، ولا نعلم رواه عن أيوب، عن أبي

стр. 7144

قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان إلا عباد بن منصور، ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد، ولا نعلم حدّث بحديث أبان إلا إسحاق بن إدريس، وهو غريب عن أيوب، وعن يحيى بن أبي كثير، وهذا الحديث فمتنه عن رسول الله ﷺ غير معروف إلا من هذا الوجه". وقال الهيثمي: في "المجمع" (١٠/ ٣٤٧): "رواه البزار بإسنادين ضعيفين". وأما الحاكم فقال: (٤/ ٤٤٩) "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وإنما أخرج مسلم حديث معاذ بن هشام، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرجي، عن ثوبان مختصرا". وهو ليس كما قال، وهذا يدل على تساهله فإن في إسناده إسحاق بن إدريس، وهو متروك، وحديث مسلم المختصر ليس فيه هذه الزيادة وهي منكرة كما قلت. ووردت في هذا المعنى أحاديث أخرى، والكلام عليها مبسوط في الإيمان. ٥ - باب قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ قد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها: • عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف". قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة". صحيح: رواه مسلم في البر والصلة والآداب (٢٥٥١) عن شيبان بن فروخ، حدثنا أبو عوانة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكره. ٦ - باب قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ إن الله يأمر بصلة الأرحام، والإحسان إلى الأقرباء، الأقرب فالأقرب كما جاء في الحديث: • عن طارق بن عبد الله المحاربي قال في حديث طويل: ثم قدمنا المدينة من الغد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يخطب الناس على المنبر، فسمعته يقول: "يد المعطي يد العليا، وابدأ بمن تعول، أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك ... ". الحديث. حسن: رواه ابن حبان (٦٥٦٢)، والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) كلاهما من حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن جامع بن شداد، عن طارق بن عبد الله المحاربي، فذكره في حديث طويل. وأخرجه أيضا النسائي (٤٨٣٩)، وابن ماجه (٢٦٧٠) إلا أنهما لم يذكرا موضع الشاهد.

стр. 7145

وإسناده حسن من أجل يزيد بن زياد بن أبي الجعد. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين". • عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه". متفق عليه: رواه البخاري في الأدب (٥٩٨٦)، ومسلم في البر والصلة (٢١: ٢٥٥٧) كلاهما من طريق الليث، حدثني عُقيل بن خالد، قال: قال ابن شهاب، أخبرني أنس بن مالك فذكره. ٧ - باب قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ إن الله يأمر بالوسطية في الإنفاق، وينهى عن البخل وعن الإسراف، وقد جاء في الحث على الإنفاق والنهي عن البخل أحاديث كثيرة منها: • عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين، عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت - أو وفرت - على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع". متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٤٣)، ومسلم في الزكاة (١٠٢١) كلاهما من طريق أبي الزناد، أن عبد الرحمن حدثه، أنه سمع أبا هريرة يقول: فذكره. واللفظ للبخاري، ولفظ مسلم نحوه. • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا". متفق عليه: رواه البخاري في الزكاة (١٤٤٢)، ومسلم في الزكاة (١٠١٠) كلاهما من طريق سليمان بن بلال، حدثني معاوية بن أبي مُزَرَّد، عن أبي الحباب سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، فذكره. ولفظهما سواء. وقوله: "خلفا" أي عوضا سواء أنفقه في الواجبات أو المندوبات. وقوله: "أعط ممسكا تلفا" أي أتلف ما أمسك - يحمل هذا الدعاء على من امتنع من النفقات الواجبة، ولا يشمل المندوبات لأنه من امتنع عن المندوبات لا يدعى عليه. ٨ - باب قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾ [الإسراء: ٣١] كان أهل الجاهلية لا يورثون البنات بل منهم من يقتل ابنه خوفا من الفقر، فنهى الله تعالى عن ذلك، وقد جاءت في ذلك أحاديث كثيرة، منها: • عن عبد الله قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل
следующие страницы →