← Тараджим

Тараджим · id 48

المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (175 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

[المقدمة] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِيْن، وَالصَّلَاةُ والسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ والمُرْسَلِيْنَ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأصحَابِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْم أما بعد فإنَّ اللَّهَ ﵎ مَنَّ عليَّ بتأليف مَعْلَمةٍ = مَوسوعَةٍ شامِلَةٍ عن فاطمة ﵂، أسميتُها: «فاطمة بنت النبي ﷺ ، سيرتها، فضائلها، مسندها ﵂ ـ دراسة حديثية تاريخية موضوعية ـ» (١) ــ ولِلَّهِ الحمْدُ والفَضْلُ والمِنَّةُ ــ، حاولتُ الإحاطة بكل ما يتعلق بها: حديثياً، وعقدياً، ونَسَبِياً، وتاريخياً، وجغرافياً، وأدبياً، ومعارف أخرى، قصدتُ أن تكون مرجعاً مُغنياً للباحثين، وليست للقراءة التامة من أولها إلى آخرها. الموسوعة في سبعة مجلدات، تَضمَّنَتْ (٧٥٥) حديثَاً بدراسَةٍ عِلمِيَّة مفصَّلة. جاءت في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب، وملحق، وخاتمة، وفهارس. استغرق المجلد الأول كاملاً المقدمةَ والتمهيدَ. بيَّنتُ في التمهيد ما يتعلق بآل البيت، والكتبِ المؤلفة فيهم، وفي فاطمة، مع ترجمتها، وموقف بعض الفِرَق منها، وبعضِ المسائل المنهجية

стр. 2

في تناول أسانيد التاريخ. تضَمَّنَ البابُ الأول: الأحاديثَ المروية في سيرة فاطمة ﵂، في خمسة فصول، تحت كل فصل عدة مباحث في حالها مع والدها ﷺ ، ومع زوجها، وابنيها الحسن والحسين ﵄، وما يتعلق بوفاتها ﵂. وتضَمَّنَ البابُ الثاني: الأحاديثَ المروية في فضائلها، في خمسة فصول، تحت كل فصل عدة مباحث، في منزلتها عند أبيها ﷺ ، ومنزلة أبيها عندها ﵂، ومنزلتها عند الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ومنزلتها في العلم والعبادة وما فُضِّلَت به ﵂. وتضَمَّنَ البابُ الثالث: مسندَها، أي الأحاديث التي روتْها عن أبيها ﷺ ، مع دراستها وتخريجها بتوسُّع. وفي الخاتمة: أهم نتائج الموسوعة، ثم أوردتُ فهارس متنوعة تفصيلية. أعتبر هذه الموسوعة = المعلَمة أوسعَ كتابٍ أُلِّف عن امرأة، فإني لا أعلمُ قبله كتاباً كبيراً في سيرة امرأة أكبر من مجلدين حقِيقَين ـ وللَّهِ الحمدُ والفضلُ والمِنَّة ـ. وقد أعلنتُ في خاتمة الموسوعة عن هذا المختصر، الذي أقتصرُ فيه على المقبول، دون الإحالات والنقول، وربما أذكر يسيرَاً من المردود مع

стр. 3

بيانه، فهو مُختصرٌ لا يُغني طلبةَ العلم والباحثين عن الموسوعة، وفيه زياداتٌ عليها يسيرة، وتصحيحات. هذا وقد انتظم المختصر في المعالم التالية: ١. عقيدة أهل السنة والجماعة بآل البيت، والعناية بهم ﵈ و ﵃. ٢. عناية أهل السنة والجماعة بفاطمة ﵍، ومحبة المسلمين لها ﵂، ولطائف في موضع ترجمتها وأبواب مناقبها ومسندها. ٣. اسمُها ﵍ وسبب التسمية. ٤. نَسبُها ﵂. ٥. كُنيَتُها ﵍. ٦. لقَبُها ﵂. ٧. العائلة: شَيءٌ من فضائلهم، وترتيبُ فاطمةَ بين إخوانها وأخواتها ﵃. ٨. مَولِدُها ﵂. ٩. نَشأتُها ﵍. ١٠. هِجرَتُها ﵂. ١١. زَواجُها، وحالُها مع زوجِها ﵄.

стр. 4

١٢. أولادُها ﵍. ١٣. عقِبُها ﵂. ١٤. بَيتُها ﵂. ١٥. صفَتُها وشمائلُها ﵍. ١٦. حالُها مع والِدِها النبي ﷺ : بِرُّها به، بِرُّها بوالدتها، نفقةُ النبيِّ ﷺ عليها، وقيامُه عليها بالعدل، ومحبَّتُه لها واحتفاؤه بها، الزيارة بينهما، وغيرتُه عليها، وحِفظُها لسرِّهِ، وتعليمُه إياها. ١٧. مِن مناقبِها وخَصائِصها ﵂. ١٨. عِلْمُها، ومُسنَدُها ﵍. ١٩. علاقتها بأزواج النبي ﷺ ، وحثُّ النبي ﷺ إياها على حُبِّ عائشة ﵃. ٢٠. مَوقِفُها من طلبِ أبي سفيان الشفاعة ﵄. ٢١. مَوقِفُها مع أبي لبابة، وهل حلَّتْ عِقَالَه ﵄؟ ٢٢. طلبُها الميراثَ من أبي بكر، وعلاقتها بالشيخين ﵃. ٢٣. هل لها مَوقفٌ من بَيعَةِ أبي بكر ﵄؟ ٢٤. حُزنُها ﵂ على وفاة أبيها ﷺ . ٢٥. وَصيَّتُها ﵍.

стр. 5

٢٦. وفَاتُها: متى تُوفِّيَت؟ ومَن غسَّلها وصَلَّى عليها ﵂؟ ٢٧. قبرُها ﵂. ٢٨. منظومتان لترجمة فاطمة ﵍. أسألُ اللَّهَ ﵎ أن يُبارِك بالمَوسُوعةِ الأصل وهذا المختصر، وأن يَنفعْ بهما الإسلامَ والمُسلِمين. كتبه: إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن المديهش مدينة الرياض (٣ /رمضان ٩/ ١٤٤١ هـ) للتواصل: ibrahim.almdehesh@gmail.com

стр. 6

[١] عقيدة أهل السنة والجماعة بآل البيت، والعناية بهم . آلُ بَيْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هُمْ: مَن تحرُم عليهم الصدقةُ، وهُمْ على الصحيح: أزواجُه، وذرِّيتُه، وأقاربُه المسلمون من بني هاشم بن عبد مناف. وقيل: وبَنِي المطلب بن عبد مناف أيضاً. وقد دلَّ على فَضْلِهِم: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ سلَفِ الأمَّةِ. قال اللَّهُ ﵎ عن أُمَّهَاتِ المؤمنين: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (سورة الأحزاب، آية ٣١، ٣٤). فالآية في أمهات المؤمنين، ويدخل ضمن آية التطهير أيضاً ذرية النبي ﷺ ؛ لأنه تلاها في حديث الكساء الآتي. عن عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ غداةً، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل، من شَعْرٍ أسود، فجاء الحسَنُ بنُ علي فأدخلَه، ثم جاءَ الحُسَين

стр. 7

فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثم جاء عليُّ فأدخلَهُ، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. أخرجه: مسلم. وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول اللهِ ﷺ يوماً فينا خطيباً، بماء يُدعى «خُمَّاً» بين مكة والمدينة، فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليه، ووعظ وذَكَّر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجِيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقَلَين: أولهما كتابُ الله فيه الهُدَى والنور، فخذوا بكتاب اللَّهِ، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتَابِ اللَّهِ ورغَّبَ فيه، ثم قال: «وأهلُ بَيتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي». الحديث. أخرجه: مسلم. قوله: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهل بيتي» أي: (اذكُرُوا اللهَ، اذكُرُوا خَوفَهُ وانتقَامَه إنْ أضعَتُم حقَّ آل البيت، واذكُروا رحمتَه وثوابَه إنْ قُمْتُمْ في حقِّهِم). قاله ابن عثيمين، وقال أيضاً: (اعرفوا لهم حقَّهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب التوكيد، وإلا فكُلُّ إنسانٍ مُؤمِنٍ له حقٌّ على أخيه، لا يحقُّ له أن يعتدِيَ عليه، ولا أنْ يَظلِمَهُ؛ لكِنْ لآلِ النبيِّ ﷺ حَقٌّ زَائِدٌ على حُقُوقِ غَيرِهِمْ مِن المسلمين).

стр. 8

قال صديق خان: (فالمراد بالتذكير فيهم: حِفظُ رُتبَتهم في الإسلام، وتعظيمُهم، وحبُّهم في الدِّين، وصَونُ عظيمِ عِزِّهم في الأمة، وتقدِيمُهم على غيرِهم في: المجلس، والكلامِ، والخطابِ، والمشيِ، والقعودِ، والقيامِ؛ وبذلُ الأموال لهم، ونُصرَتُهم في مقابل أعدائهم، والتمسُّكُ بهم إنْ كانوا أهلَ العِلْمِ والتقوى). فالحديث بمجموع رواياته (تضمَّن الحثَّ على المودَّةِ لهم، والإحسانِ إليهم، والمحافظةِ بهم، واحترامِهم، وإكرامِهم، وتأدِيَةِ حُقُوقِهِم الواجبة والمستحبَّة، فإنهم مِن ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ، مِن أشرَفِ مَن وُجِد على وَجْهِ الأرضِ، فَخْرَاً وحَسَبَاً ونَسَبَاً، ولا سِيَّما إذا كانُوا متَّبعِينَ للسُّنَّة النبويَّةِ الصَحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّة، كما كَانَ علَيهِ سَلَفُهُم كالعبَّاسِ وبَنِيه، وعَليٍّ وآلِ بَيتِه وذَوِيْهِ ﵃. ذكره السخاوي وبنحوه عند ابن كثير، زاد السخاوي: وكذا يَتضمَنُ تَقدِيمَ المتأهِّلِ مِنهُم لِلْوِلايَاتِ عَلى غَيرِهِ.). هذا، وقَد اتَّبَعَ سلَفُ الأمة بدءاً من أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحب الكرام ﵃ وصيةَ النبيِّ ﷺ بالعنايةِ والرِّعايةِ لآلِ البيتِ ﵃. فهذا خليفةُ رسُولِ اللهِ، الصِّدِّيقُ أبو بكر ﵁ يقول: «ارْقُبُوا محمَّدَاً ﷺ في أهلِ بَيْتِهِ». أي: احفظُوه فيهم، فلا تُؤذُوهُمْ، ولا تُسِيؤوا إليهِم.

стр. 9

ويقول أبو بكر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي». ثم خليفةُ خليفةِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ : الفاروقُ عُمرُ بنُ الخطاب ﵁ اعتنى بآل البيت عنايةً فائقة، من ذلك: أنه بدأ بهم لمَّا وضَعَ الديوانَ للعطاء؛ مَحبَّةً لهم، واحتراماً وتقديراً ومعرفةً بمكانتهم، وامتثالاً لأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ برعايتهم. وهكذا السلَفُ الصالحُ جيلاً بعد جيل، إلى زماننا هذا ــ ولله الحمدُ والمِنَّةُ على الهدايةِ والسُّنَّةِ ــ. قال الشيخ: ابن سِعدي: (فمَحبَّةُ أهلِ بيتِ النبيِّ ﷺ وَاجِبةٌ من وُجُوهٍ، منها: أولًا: لإسلامهم، وفضلهم وسوابقهم. ومنها: لما تميَّزوا به من قُرْبِ النبي ﷺ واتصالهم بنسبه. ومنها: لما حثَّ عليه ورَغَّب فيه. ولما في ذلك من علامة محبة الرسول ﷺ ). قال محمد الحضرمي «بَحرَق»: (وإذا كانَتْ أبناءُ الرَّجُلِ الرئيس، بَلْ وعشيرَتُه، بَلْ وغِلْمَانُهُ وأتبَاعُهُ، بَلْ وقَبيلَتُهُ، بَلْ وأهلُ بَلَدِهِ، بَلْ وأهْلُ قُطْرِه، بَلْ وأهلُ عصرِهِ، قَدْ يَسُودُون بسيادتِه، ويشرُفونَ بِشَرَفِ رئاسَتِهِ، ويفتَخِرُونَ عَلى مَن سِوَاهُم بفَضلِهِ، ويعلُونَ بِعُلُوِّ مَنصِبِهِ ونُبْلِه، فهَل أحَدٌ أجَلُّ قَدرَاً، وأعظمُ مَرتَبَةً وفَخْرَاً ممن ينْتَسِبُ أهلُ البيتِ إليه؟ !

стр. 10

إلى أن قال: وقد كانت قلوبُ السلَفِ الأخيارِ، والعلماءِ الأحبَارِ، مجبولةً على حُبِّهِم واحتِرامِهِم، ومَعرِفَةِ ما يجِبُ لهم طبعاً، فمِصْدَاقُ ذلك تعظيمُ وحُبُّ كلِّ مَن يُنسَبُ إليه بقُربةٍ أو قَرَابَةِ أو صُحْبَةٍ، أو اتِّبَاعِ سُنَّةٍ؛ إذْ كُلُّ ما يُنسَبُ إلى المحبوبِ مَحبُوبٌ). إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ لَيرَونَ الحقَّ لآل البيت: حَقَّ الإيمان، والصُّحْبَةِ، وحَقَّ القَرَابَة والسَّبْقِ لِلْخَيرِ، ويُنزِلُونَهُم مَنزِلَتَهُم الحقيقية الشَّرعِيَّة. يُحبُّونَهُمْ جميعاً، ويُوقِّرُونَهُم كلَّهم دُونَ إفرَاطٍ ولَا تَفرِيطٍ، فَهُمْ في هذا البابِ: «آل البيت» وَسَطٌ بين الفِرَقِ الضَّالة، بين طرفَين ضالَّين: غَالِينَ وجَافِينَ، بين مُفْرِطِينَ ومُفَرِّطِينَ: ١. الخوارج، والنواصب الذين كفَّروا أو فسَّقوا آلَ البَيْتِ ﵈ و ﵃، وناصبُوهم العَدَاء. ٢. الإمامية الذين غَلَوا في محبَّتِهِم لآلِ البيت، حتى اعتقَدُوا فيهم عِلْمَهُمْ الغَيْبَ! وعِصمَتَهُم من الخطأ! وسُؤالَهم مِن دُونِ اللَّهِ ، وغَيْرَ ذلِكَ كَثِيرٌ.

стр. 11

من عناية أهل السنة والجماعة بآل البيت: تنوَّعت عناية المحدِّثين بمرويات وفضائل آل البيت، فمنهم مَن: ١. أفردَ فيهم كتاباً مستقلاً، في آل البيت عامة، أو في أزواج النبي ﷺ ، أو في ذريته، أو في بني هاشم. ٢. ومنهم من ضمَّن كتابَه أبواباً خاصة فيهم، أورد فيها مروياتهم ــ مسندهم ــ أو المرويات فيهم. فالخلاصة في هذا الموضوع: ١. آل البيت هم: أزواج النبي ﷺ ، وأولاده، وبنو هاشم. ٢. الصحابة منهم، له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، والصحبة، وآل البيت. ٣. أهل السنة والجماعة يُوجِبُون محبة آل البيت، ويرون أنها من محبة النبي ﷺ ، ويتولَّونهم جميعاً، بخلاف الإمامية الذين يتوَلَّون بعض آل البيت، ويُكفِّرون ويُفسِّقُون آخرين، وكذا النواصب. ٤. يرون موالاتِهم ونصرتَهم، ونَشْرَ فضائلِهم، والدفاعَ عنهم، والذبَّ عن أعراضهم. ٥. يتبرأُ أهلُ السنة والجماعة من الجافين عن آل البيت، وهم: النواصب، والغالين وهم: الإمامية.

стр. 12

٦. يعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ لآل البيت فضائل وخصائص وكرامة وشرفاً وسيادة، وليسوا بمعصومين كما تدَّعِيهِ الإمامية. ٧. يعرفون لهم الفضائل والحقوق الواجبة من خُمُس الخُمُس من الفيء والغنيمة، والصلاة عليهم تبعاً للصلاة على النبي ﷺ . ٨. يتولون أزواج النبي ﷺ ويترضون عنهن جميعاً، فهُنَّ أزواجه في الدنيا والآخرة، ومن آلِ بيتِ النبيِّ ﷺ على الصحيح. ٩. لا يُغالون في آل البيت، فلا يرفعونهم فوق قَدْرِهم المشروع، ولا يَدَّعون لهم العصمةَ، فهم بَشَرٌ يُصِيبُونَ ويُخطِئون، وفيهم البرُّ والفاجر، ويتولَّونَ كلاً منهم بحسب إيمانه وصلاحه واتِّبَاعه لسُنَّةِ النبي ﷺ ، ولا يبخسونهم ما آتاهم اللَّهُ من فَضلِهِ. ١٠. تفضيلُ آلِ البيت تفضيلُ جملة، لا يعني فَضلُهم في جميع الأحوال، وعلى كُلِّ الأشخاص، فقد يُوجَد مِن غَيرِهم مَن هو أفضلُ منهم لاعتبَارَاتٍ أخرَى من الصلاح والتقوى والنفعِ للأمة. العناية بآل البيت: يسرُّني ما يسرُّها: أورد أبو الفرج الأصبهاني في «مقاتل الطالبيين» قصة، ونقلها عنه: السخاويُّ في «استجلاب ارتقاء الغُرَف بحُبِّ أقرباء الرسول وذوي الشرَف» أنَّ الخليفةَ عُمَر بنَ عبدالعزيز ﵀ دخل عليه

стр. 13

عبدُاللَّهِ بنُ حَسَن بنِ حسَن بنِ علي بن أبي طالب ﵀ وهو حَدَثُ السِّنِّ، فأكرَمَه، وأقبل عليه، وقضى حوائجه فلامَه قومُه؛ لعنايته بحَدَثٍ، فقال عمر بن عبدالعزيز: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إنما فاطمةُ بَضْعَة مِنِّي، يسرُّني ما يَسرُّها». وأنا أعلَمُ أنَّ فاطمةَ ﵂ لو كانت حَيَّةً، لَسَرَّها ما فَعلْتُ بابنِها.

стр. 14

[٢] عناية أهل السنة والجماعة بفاطمة، ومحبة المسلمين لها، ولطائف في موضع ترجمتها وأبواب مناقبها ومسندها ﵂ -. زيادة على الأبواب المفردة في فاطمة التي أوردها أهل السنة والجماعة في مؤلفاتهم: العقدية، والحديثية، والتاريخية، وبعضها أبواب واسعة كما عند: ابن سعد، وابن ناصر الدين، والصالحي، فقد أفرد فيها عدد من العلماء كتاباً مستقلاً، كابن شاهين، والحاكم، والسيوطي «الثغور الباسمة»، والأكواري «إتحاف السائل»، وعبدالستار الشيخ، وغيرهم، ثم كتابي الموسوعة عنها في (٧) مجلدات، ومختصرها الكتاب الذي بين يديك ــ متَّعَك اللَّهُ به، وبهما ــ. أهلُ السُّنَّة والجمَاعة يُحِبُّون فاطمةَ ﵂ وبناتِ النبي ﷺ ، وآلَه، ولمْ أجدْ أحَداً طعَنَ أو تكلَّم أو أعرضَ عن فاطمة ﵂ مِن أهل السنة والجماعة خاصة، ومن جميع الطوائف المنتسبة إلى الإسلام عامة كل ما وجدته: طعن بعض اليهود والنصارى من المستشرقين في فاطمة، وذمهم لها، وقد قُوبلوا بالإنكار من بعض إخوانهم المستشرقين كذلك ممن طعن فيها بطريق غير مباشر: مَن غلا فيها غُلوَّاً مفرطاً، كما فَعَلَتْ الإسماعيليةُ، والإمامية، والنُّصَيريةُ، والصوفيةُ

стр. 15

هذا، وإن من عظيم محبة وإجلال أهل السنة والجماعة لفاطمة ﵂ أن بدأوا بِذِكْر أحاديثها ـ مسندها ـ أو أبواب فضائلها قبل غيرها من النساء عامة أو مشارِكاتها في الاسم، وبدأوا بترجمتها أيضاً قبل غيرها، خالفوا الترتيب الذي يسيرون عليه؛ حُبَّاً في فاطمة وبنات النبي ﷺ و ﵅، كما في مسند الإمام أحمد، وفضائل الصحابة له، والبخاري، والترمذي، والطبراني، والآجري، وأبي نعيم، وغيرهم. [٣] اسمها وسبب التسمية . اسمها فاطمة، مشتَقٌّ من (الفَطْمِ) وهو: القطْع، فطمتُ الصبي، وفطَمَتْهُ أمُّه تَفطِمه: إذا فصَلَتْه عن رضاعها. وغُلامٌ فَطِيم ومفطوم. وفطمتُ فلاناً عن عادته إذا قطعتها. والاسم موجود قبلها، تسمَّى به عدد كثير، من ذلك جدَّةُ النبيِّ ﷺ لأبيه: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. وقد ذكر العلماء الفواطم اللاتي ولَدْنَهُ ﷺ وهُنَّ: قرشية، وقيسيتان، ويمانيتان. وأما ما رُوي أنها سُمِّيَت بذلك؛ لأن اللَّهَ فطمَها ومحبيها عن النار، فكذبٌ لا يصح.

стр. 16

[٤] نسبها . فاطمة بنتُ رسُولِ اللهِ ﷺ محمد بن عبدِالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف بن قُصَي بن كِلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤي بن غالب بن فِهر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان. إلى هنا متفق عليه عند العلماء، وما بعد عدنان إلى نبي الله وخليله: إبراهيم، ومنه إلى آدم ــ أيضاً ــ مختلف فيه كثيراً، وقد روي عن عدد من الصحابة والتابعين تخطئة من يرفع النسب بعد عدنان، أباً عن جَدٍّ. مع الاتفاق على أنَّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵈. قال الذهبي: (والذي عليه أئمة هذا الشأن أنه: عدنان بن أدد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ابن آزر ــ واسمه تارح ــ بن ناحور بن ساروح بن راعو بن فالخ بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇ بن لامك بن متوشلخ بن خنوخ، وهو إدريس ﵇، بن يرد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم أبي البشر ﵇. قال ابن عبدالبر: وهذا الذي اعتمده محمد بن إسحاق في «السيرة»، وقد اختلف أصحابُ ابنِ إسحاق عليه في بعض الأسماء).

стр. 17

[٥] كنيتها . أمُّ أبِيها، وأمُّ الحسن، وأمُّ الحسنين ﵃. والعجيب: أن ابنَها الكبير: الحسن، ولم أجد مَن ذكر كُنيتَها: «أم الحسن»، إلا ابن حجر في «التقريب». والأمرُ في باب الكنى عند العرب واسِعٌ جدَّاً. [٦] لقبها . ذُكر لها ﵂ أربعة ألقاب: السيِّدة (١)، والزَّهْرَاء، والبَتَوْل، والصِّدِّيقَة. الأول: السَيِّدة، وهذا أصح لقب لها، مأخوذ من حديث النبي ﷺ بأنها سيدة نساء هذه الأمة، سيدة نساء أهل الجنة. الثاني: الزهراء، الأزهر: الأبيض المستنير، والزهر والزهرة: البياض النيِّر، وهو أحسن الألوان، والزهراء: المرأة المشرقة الوجه، والبيضاء المستنيرة المُشْرَبة بحمرة، ويقال: الليالي الزهر: أي الليالي البيض. وجاء في صفة النبي ﷺ أنه أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم. وابنته فاطمة ﵂ من أقرب الناس شبهاً به ﷺ ، وبِناءً عليه فإن معنى الزهراء في لقب فاطمة ﵂ أي: المشرقة الوجه، البيضاء المستنيرة، المشربة بحمرة ـ والله أعلم ـ.

стр. 18

وما قيل بأنها لُقِّبَتْ بالزهراء؛ لأنها لم ترَ دماً في حيض ولا نفاس، فغير صحيح، ولايثبت أنها لم ترَ ذلك. وأول من وقفت عليه ذكر هذا اللقب: ابنُ حبان (ت ٣٥٤ هـ)، ثم بعده عددٌ غفيرٌ من العلماء، وفي هذا القرن الرابع ذُكر في كتب الإمامية، ولا يُعلَم أيُّهم أوَّل. وما دام أن أختَيها: رقية، وأم كلثوم ﵄، ابنَتَي النبيِّ ﷺ وُصِفَتا بالنُّورَين، في تلقيبِ الخليفة الراشد: عثمان بن عفان بِـ «ذي النورين» ﵁، وهو وَصْفٌ قديم مَشهُورٌ مجمع عليه؛ لأجلِ زواجِه بابنتَي النبيِّ ﷺ واحدةً بعد الأخرى؛ فإن وصف فاطمة بالزهراء مثلهما، فالنور والزهر بمعنى واحد. لذلك لا أرى بأساً بتلقيبها بالزهراء ــ واللَّهُ أعلَم ــ. وأحسنُ منه وأصحُّ وأفضلُ: اللقب الثابت «السيدة» سيدة نساء هذه الأمة، وسيدة نساء أهل الجنة. وأحسن من ذلك كلِّه قول: فاطمةُ بنتُ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -؛ لنِسْبَتِهَا الشَّرِيفَةِ، وللصَّلَاةِ عَلى النبيِّ ﷺ وآلِه.

стр. 19

الثالث: البَتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها في الفَضل والدِّين والنَّسَب والحسَبِ. وأولُ مَن وجدتُه وصفَها بذلك: أبو نعيم (ت ٤٣٠ هـ)، وقد نص ابن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) على أنه من محدثات الشيعة. هذا، وقد كَثُرَ في كتابات المعاصرين وصْفُ فاطمةَ بِـ: البتول، والتبتل، والانقطاع للعبادة، والعزلة عن الناس. أقول: لا شكَّ في عبادتها وصلاحها، لكن لم أجد في الآثار شيئاً يدلُّ على هذا الانقطاع والعزلة، وهي ﵂ في غِنى كَبيرٍ عن الألقاب والأوصاف المحدَثة التي لا أصل لها، ولم أجد معنى صحيحاً يصدق عليه هذا اللقب؛ لذلك لا أرى صحتَه ولا استعماله، وإن ذكره عدد من العلماء ـ والله أعلم ـ. الرابع: الصِّدِّيقَة، لا يثبت لقباً، وهو من محدثات الإمامية، ولا شك أنها صدِّيقة سيدة ﵂. هذا، وتُوصف بالكبرى: فاطمة الكبرى؛ تمييزاً لها عن فاطمة الصغرى، والموصوفة بالصغرى ثنتان: ١ ــ بنت زوجها: فاطمة بنت علي بن أبي طالب. ٢ ــ حفيدة الكبرى: فاطمة بنت الحسين بن علي. فبنتُ عليٍّ تُوصَف بالصغرى في التراجم، وبنتُ الحسين يَردُ وصفُها بالصغرى في الأسانيد ﵃.

стр. 20

[٧] العائلة (١)، شيء من فضائلهم، وترتيب فاطمة بين إخوانها وأخواتها . والدُها: أفضلُ الخلق، سيدُ البشَر محمدُ بنُ عبدِالله ﷺ . والدتُها: من سيِّدَات نساءِ العالَمِين: أمُّ المؤمنين، أمُّ القاسم: خديجةُ بنتُ خويلد بنِ أسد بن عبد العزى بن قُصَيِّ بن كِلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤي بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعَدِّ بن عدنان. تلتقي بنسبها مع النبي ﷺ في أبيه الخامس: قُصَي. وهو أبوها الرابع. خديجة ﵂ أمُّ أولادِ رسولِ الله ﷺ كلِّهم إلا إبراهيم. أولادُها منه ﷺ : القاسمُ، ثم رقيةُ، ثم زينبُ، ثم أمُّ كلثوم، ثم فاطمةُ، ثم عبدُاللَّه ـ ويلقَّبُ بِـ: الطيِّب، والطاهر، على

стр. 21

الصحيح ــ. (١) * للنبيِّ ﷺ من مارية القبطية: إبراهيم، مات صغيراً، وهو آخرُ أولاده ﵃ و ﵈. أمُّ المؤمنين خديجة ﵂ أوَّل مَن آمنَ به، وصدَّقَه قبلَ كُلِّ أحَدٍ، وثبَّتَتْ جَأشَهُ، ومضَتْ به إلى ابنِ عمِّها ورَقَة بنِ نَوفَل. قال عِزُّ الدين ابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ): (اختلف العلماء في أول مَن أسلم، مع الاتِّفَاق على أنَّ خديجةَ أوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ إسلاماً). وذكر ابنُ حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) أن خديجة أول من صدَّقَت ببعثته مطلقاً. وهي ممَّنْ كَمُل من النساء، كانت ﵂ عَاقلةً، جَلِيلةً، ديِّنة، مَصُونةً، كريمةً، مِن أهل الجنة، وكان النبيُّ ﷺ يُثني عليها، ويُفضِّلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمِها، بحيث إنَّ عائشة كانت تقول: ما غِرت من امرأة ما غِرت من خديجة، من كثرة ذِكْرِ النبيِّ ﷺ لها. ومن كرامتِها عليه ﷺ أنه لم يتزوَّجْ امرأةً قبلها، وجاءَهُ منها عِدةُ أولاد، ولم يتزوج عليها قط، ولا تسرَّى إلى أن قضَتْ نَحْبَها، فوَجَدَ لِفقدها، فإنها كانت نِعم القَرين.

стр. 22

ومناقبُها جَمَّةٌ، منها: ما في «الصحيحين» من حديث عائشة ﵂ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بشَّرَ خديجةَ ببيت في الجنة من قصَب، لا صخَب فيه ولا نصَب. وفي «الصحيحين» من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «خَيرُ نسائها مريمُ بنت عمران، وخَيرُ نسائها خديجة بنت خويلد». وفي «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «أتاني جبريل، فقال: يا رسول الله، هذه خديجة أتتك ومعها إناءٌ فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربِّها السَّلامَ، ومِنِّي» الحديث. وكانت مُوسِرَةً مُتَمَوِّلةً؛ عَرَضَتْ على النبيِّ ﷺ ـ قبل النبوة ـ أن يخرج في مالها إلى الشام، فخرجَ مع مولاها ميسرة. بنَى بها ولَه خمسٌ وعشرونَ سنةً. وكانَتْ أسنَّ منه بخمسَ عشرةَ سنة. قال ابنُ إسحاق: تتابعَتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ المصائب بهلاك أبي طالب، وخديجة في عام واحد. وكانت خديجةُ وزيرةَ صِدق. وعن عائشة: أن خديجةَ توفِّيَتْ قبل أن تُفرَض الصلاة. وقال قتادة وعروة: ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين ـ وهو الراجح ـ.

стр. 23

وقيل: بأربع، وقيل: بخمس سنين. وقال الواقديُّ: تُوفِّيَت لعشر خَلَونَ مِن رمضان، وهي بنتُ خمس وستين سنة ﵂. إخوانها وأخواتها وترتيبها بينهم: قال ابن كثير ﵀: (لا خلاف أنَّ جميعَ أولادِه ﷺ من خديجة بنت خويلد ﵂ سوى إبراهيم فمن مارية بنت شمعون القبطية). وقال ابن القيم ﵀: (فَصلٌ في أولادِهِ ﷺ . أولهم: القاسم، وبه كان يُكنَى، مات طفلاً، وقيل: عاش إلى أن ركب الدابة وسار على النجيبة. ثم زينب، وقيل: هي أسَنُّ من القاسم، ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة. وقد قيل في كل واحدة منهن: إنها أسنُّ من أختيها. وقد ذُكر عن ابن عباس: أن رقية أسَنُّ الثلاث، وأم كلثوم أصغرهن. ثم وُلِدَ له عبدُالله، وهل ولد بعد النبوة أو قبلها؟ فيه اختلاف، وصحَّح بعضهم أنه ولد بعد النبوة. وهل هو الطيب والطاهر، أو هما غيره؟ على قولين. والصحيحُ أنهما لَقَبان له، واللَّهُ أعلَمُ. وهؤلاء كلُّهم من خديجة، ولم يُولد له من زوجة غيرها. ثم وُلِدَ لهُ إبراهيم بالمدينة من سُرِّيَّتِهِ «مَارِيَة القبطية»، سنة ثمانٍ من

стр. 24

الهجرة، وبشَّرَهُ بِه أبو رافع مولاه، فوهب له عبداً، ومات طفلاً قبل الفطام، واختُلِف هل صلَّى عليه أم لا؟ على قولين. وكلُّ أولادِهِ تُوفي قبله إلا فاطمة، فإنها تأخرت بعده بستة أشهر، فَرفَعَ اللَّهُ لها بصبرها واحتسابها من الدرجات ما فَضَلَتْ به نساءَ العالمين. وفاطمةُ أفضلُ بناتِه على الإطلاق، وقيل: إنها أفضلُ نساء العالمين، وقيل: بل أمها خديجة، وقيل: بل عائشة، وقيل: بل بالوقف في ذلك). قلت: زينب أكبر أخواتها شِبه اتفاق بين العلماء، والراجح في ترتيب فاطمة بين أخواتها: زينب، ثُمَّ رقية، ثُمَّ أم كلثوم، ثُمَّ فاطمة ﵅. زوجها، وأولادها: سيأتي ذكرهم. [٨] مولدها . وُلِدَتْ فاطمة ﵂ قبل مَبعث النبيِّ ﷺ بخمس سنين، وعُمرُ النبيِّ ﷺ خمس وثلاثون سنة. هذا هو الراجح. وقيل: ولدت قبل المبعث بسنة أو سنتين. وأمَّا يذكره بعض الصوفية من تحديد يومِ وشَهْرِ ولادتها، فكَذِب. مكان مولدها: في «مكة»، في بيت النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وخديجة ﵂. وكذا ما يذكره بعضُ الكتاب في القرون المتأخِّرة من آثار البيت،

стр. 25

فكذب لا يخفى على عاقل، فضلاً عن عاقل طالبِ عِلْم. [٩] نشأتها . يكفي لمعرفة نشأتها معرفةً كامِلةً، أنْ تعلَمَ أنها نشأتْ في بيت والدِها رسولِ اللَّهِ ﷺ ، هذا يكفي لِيَعلمَ المرءُ عِلماً يقيناً لا شكَّ فيه مبلغَ العلم والهدى والعبادة والتربية والسكينة والخيرات المتعددة التي أكرم الله بها بنات النبي ﷺ سواء قبل زواجهن في «مكة»، أو بعده في «المدينة النبوية». فإذا أضفتَ إلى ذلك أن أُمَّهُنَّ السيدةَ الكاملةَ العاقلةَ الرزينة المؤمنة: أمَّ المؤمنين خديجة ﵂ كان هذا خيراً على خير عظيم. فإذا أضفت إلى ذلك ـ أيضاً ـ أن فاطمة من بين أخواتها كانت ملازمة للنبيِّ ﷺ ، شَهدَتْ مراحِلَ الدعوة كلَّها، وبعضَ غزواته، وكان بيتُها بعد زواجها مجاوراً لبيتِ النبيِّ ﷺ ، وهي الوحيدة التي بقيت بعده، عَلِمْتَ أنها امتلأت حِكمةً وإيماناً وعِلماً وتَربية ﵅. قال الأديب: عباس العقاد: (لم تفتح عينَيها على غير بوادر ومقدمات الصلوات والتسبيحات والتألُّه من أبوين كريمين إذا وُصِفت نشأةُ الزهراء بكلمة واحدة تُغني عن كلمات، فالجِدُّ هي تلك الكلمة الواحدة ...

стр. 26

نشأتْ في حَنانٍ جادٍّ رَصِين، ونكادُ نقول: بَلْ حَنْانٍ صَابِرٍ حَزينٍ نَشْأَةُ جِدِّ واعتكاف، ونَشْأةُ وقار واكتفاء. لقد أوشكَت الزهراءُ أنْ تَنْشأَ نشأةَ الطفل الوحيد في دار أبويها؛ لأنها لم تجد معها غيرَ أُختٍ واحدةٍ ليست من سِنِّها، وغيرَ أخيها من أمها هند بنِ أبي هالة وأوشَكَتْ عُزْلَةُ الطفلة الوحيدة أن تكبُرَ معها؛ لأنها لم تكُنْ تسمَعُ عن ذُكرَيات إخوتها الكبار إلا ما يُحزِن ويُشغِل: ماتوا صغاراً، وخلَّفوا في نفوس الأبوين لَوْعَةً كَامِنَةً، وصَبْرَاً مَرِيرَاً. مع زواج الأختين الكبيرتين لقد لَقِيَتْ مِن والدِها حَنَانَاً كَبِيراً، والحَنَانُ على الصُّغْرَى مِن الذرِّيةِ بعد فِراقِ الذُّرِّيَةِ كلِّها بالموت أو بالرحلة، حَنَانٌ ـ لَعَمْرُ الحقِّ ـ صابرٌ حَزِيْنٌ. ولقد نَعِمَت الزهراءُ بهذا الحنَانِ مِن قَلْبَيْنِ كَبِيْرَيْنِ، حَنَانٌ أحرَى بِهِ أنْ يُعَلِّمَ الوقَارَ، ولا يُعلِّمَ الخِفَّةَ والمَرَحَ والانْطِلاق). (١) ووصفت الأديبة: عائشة بنت الشاطئ نشأتَها بأنها: هجَرَتْ في صِباها مَلاعِب أترَابها ولِدَاتِها، وأدركَتْ عِظَمَ مَسؤوليةِ والدِها ﷺ بعد أنْ بعثَهُ اللَّهُ رحمَةً للعالَمين. هجَرَتْ ملاعبَ الصِّبا، وانتبذَتْ مِن صَواحِبِهَا مَكَاناً قريباً من أبيها في

стр. 27

قَلْبِ الميدان. قال الأستاذ: عبدالستار الشيخ في وصف طفولتها: (وتَرَعْرَعَت الطفلةُ في أحضان النبوة وظِلال الوحي الذي يتنزَّل على أبيها ﷺ غدوةً وعشيِّاً بآيات القرآن الحكيم، وتفتَّحَ قلبُها وعقلُها على معاني آياته الكريمة مشفوعاً بالهَدْي النبوي الرفيع الذي تعيشه غضَّاً طريِّاً في كلِّ ساعةٍ ومَوقفٍ وحادثَةٍ. فكانت مَلَكَاتُها ومَدارِكُهَا تَشبُّ وتَنمُو بما يفوق جِسْمَها الضئيل، وسِنَّها الصغيرة؛ وهذا ما يُفسِّر لنا مواقِفَها الباهِرة، وجُرْأَتَها النادرة، ووعيَها الوقَّاد، مما يشهدُ به كثيرٌ من أحداث الدعوة في مكة والمدينة، والذي ترجمَتْ به السيدةُ الزهراءُ ثمرات تلك النشأة الفريدة في سِنيِّ طفولتها المبارَكة). وقد رأت فاطمةُ ﵂ الزهدَ والإقلالَ من الدنيا في حياةِ والدِها ﷺ قبلَ الهِجرة وبعدَها، قال الأستاذ: عبدالستار الشيخ: (عاشَتْ في كنف أبيها دهرَاً لم ترَهُ يَتبسَّط من الدنيا، وأموالُ خديجة بين يديه. وفاطمة وعلي ــ لأنه عاش مع النبي ﷺ ــ رأيَا الزهدَ والتقشُّفَ من النبيِّ ﷺ ، وكان يحبُّ الزهدَ لآل بيته، وقد قال: «اللهم اجعَلْ رِزْقَ آلِ محمَّد قُوتاً»).

стр. 28

[١٠] هجرتها . عُمرها عند هِجْرَتِها نحو ثمان عشرة سنة، بناءً على الراجح أنَّ مَولدَها قبل النبوة بخمس سنين. هاجرت مع أختها أم كلثوم، وسودة زوج النبي ﷺ مع زيد بن حارثة، وآل أبي بكر ﵃، لم يختلِف في ذلك المؤرِّخون. وكان هجرتهم بعد مَقدَمِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - المدينة بنحو سبعة أشهر. عن عائشة ﵂ أنها سُئلتْ: متى بنَى بكِ رسولُ الله ﷺ ؟ فقالت: لما هاجرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى المدينة، خلَّفَنَا وخَلَّفَ بَنَاتِهِ. فلما قَدِمَ المدينةَ بعَثَ إلينا زيدَ بنَ حارثة، وبعثَ معَهُ أبا رافعٍ مَولاهُ، وأعطاهُمَا بَعِيرَيْنِ وخَمسمَئةِ درهم، أخذَهَا رسُولُ اللَّهِ ﷺ من أبي بكر، يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهْر، وبعثَ أبو بكر معهما عبدَالله بن أُرَيْقِط الدِّيلي بِبَعِيرين أو ثلاثة، وكتبَ إلى عبدِالله بنِ أبي بَكر يأمرُهُ أنْ يحمِلَ أهلَه: أُمِّي أمَّ رُومَان، وأنَا، وأُخْتِي أسماء ــ امرأةَ الزبير ــ؛ فخَرجُوا مُصْطَحِبِينَ.

стр. 29

فلما انْتَهَوا إلى قُدَيْد اشتَرى زيدُ بنُ حَارثة بتلك الخمسمئة ثلاثةَ أَبعِرَة، ثمَّ رحَلُوا مِن مكة جميعاً. وصَادَفُوا طلحةَ بنَ عُبَيدِالله يُريدُ الهجرَةَ بآلِ أبي بكر، فخرَجْنَا جميعاً. وخرَجَ زيدُ بنُ حارِثةَ، وأبُو رافعٍ، بِفَاطِمَةَ وأُمِّ كُلثُومِ، وسَودَةَ بنتِ زَمعَةَ، وحمَلَ زيدٌ أمَّ أيمنَ، وأسامةَ بنَ زيد. وخرَجَ عبدُاللَّه بنُ أبي بكر بأمِّ رُومَان وأُختَيْهِ، وخرَجَ طلحةُ بنُ عُبَيدِاللَّه، واصطَحَبَنَا جَميعَاً. حتَّى إذا كُنَّا بِالبيضِ مِن تَمَن (١)، نَفَر بَعِيرِي ــ وأنا في مَحَفَّةٍ مَعِي فيها أُمِّي ــ، فجَعَلَتْ أُمِّي تقُولُ: وَابِنْتَاه، واعَرُوسَاه، حتَّى أُدْرِكَ بَعِيرُنا وقَد هَبَطَ مِن لَفْتٍ (٢)، فسَلَّمَ اللَّهُ . ثم إنَّا قدِمنا المدينةَ فنزلتُ مع عيالِ أبي بكر، ونَزَلَ آلُ رسولِ اللَّهِ.

стр. 30

ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومئذ يَبنِي المسجدَ وأبيَاتَاً (١) حولَ المسجد، فأنزلَ فيها أهلَهُ، ومَكثْنَا أياماً في مَنزِلِ أبي بكر، ثم قال أبو بكر: يا رسولَ اللهِ، ما يمنَعُكَ من أنْ تَبنِيَ بِأهلِكَ؟ قال رسول اللَّهِ ﷺ : «الصداق». فأعطاهُ أبو بكر الصداق اثنتَي عشرةَ أُوقِيَّةً ونَشَّاً (٢)؛ فبعثَ بها رسولُ الله ﷺ إلينا، وبَنَى بِي رسولُ اللَّهِ ﷺ في بَيتِي هذا الذي أنا فيه، وهُو الذي تُوفِّي فيهِ رسولُ اللَّهِ ﷺ ، وجعلَ رسولُ اللَّهِ لِنفسه باباً في المسجد وِجَاهَ بابِ عائشة. قالت: وبنَى رسولُ اللَّهِ ﷺ بِسَوْدَةَ في أحَدِ تِلكَ البُيُوتِ التي إلى جنبي. فكان رسول اللَّهِ ﷺ يكونُ عندَهَا). أخرجه: ابن سعد، والحاكم، وغيرهما. وأما زينب ﵂ فحبَسَها زوجُها أبو العاص ﵁، ثم هاجرَتْ بَعْدُ في السنة الثانية للهجرة، فنَخَسَها الحُويرثُ بن نُقَيذ، وهبَّارُ بن الأسود. وقد وَهِمَ ابنُ هشام في «السيرة» فجعل النَّخْسَ علَى فاطمة وأمِّ كلثوم،

стр. 31

ولم يتعقبه شارحه السهيلي. وجعلَ الذي خرجَ بهما العباس بن عبدالمطلب. وبيَّن هذا الوهمَ التقيُّ الفاسي. ومن ذلك يُعلَم خطأُ ما أوردَه عَددٌ من المترجمين لفاطمة من المعاصرين، الذين ذكروا هذه القضية كما ذكرها ابنُ هشام. [١ ١] زواجها، وحالها مع زوجها. زوجها: هو ابنُ عَمِّ النبيِّ ﷺ : عليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبدالمطلب بن هاشم القُرَشِيِّ، أفضلُ هذه الأمَّةِ بعد أبي بكر وعمر وعثمان ﵃. وهو رابع الخلفاء الراشدين. قُتل شهيدَاً عام (٤٠ هـ) ﵁. أمُّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف الهاشمية، وهي بنتُ عمِّ أبي طالب، كانت من المهاجرات، توفيت في حياة النبي ﷺ بالمدينة. قال الحافظ ابن حجَر: (عليٌّ أوَّلُ الناسِ إسلاماً في قولِ كَثيرٍ مِن أهل العلم. وُلِد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، فرُبِّيَ في حَجْر النبيِّ ﷺ ولم يُفارِقْهُ، وشهِد معه المشاهد إلا غزوة تبوك، فقال له بسبب تأخيره له بالمدينة: «ألا ترضى أن تكون منِّي بمنزلة هارون من موسى».

стр. 32

ومناقبه كثيرة، حتى قال الإمام أحمد: لم يُنقل لأَحَدٍ من الصحابة ما نُقل لعليٍّ. وقال غيرُه: وكان سببُ ذلك: بُغض بني أمية له، فكان كلُّ من كان عنده عِلْمٌ من شيءٍ مِن مناقبِهِ مِن الصحابة يبُثُّهُ، وكلما أرادوا إخماده وهدَّدوا من حدَّث بمناقبه لا يزداد إلا انتشاراً. وقد وَلَّدَ له الرافضةُ مناقبَ مَوضوعَة، هو غَنيٌّ عنها، وتتبَّع النسائيُّ ما خُصَّ به من دون الصحابة ﵃، فجمَعَ من ذلك شيئاً كثيراً بأسانيد أكثرُها جِيَاد. روى عن النبيِّ ﷺ كثيراً. وكان ﵁ قد اشتهر بالفروسية والشجاعة والإقدام، وكان أحدَ الشورى الذين نصَّ عليهم عمرُ بنُ الخطاب ﵁. ومن خصائص عليٍّ: قولُه ﷺ يوم خيبر: «لأدفعنَّ الرَّاية غداً إلى رجُلٍ يحبُّ اللَّهَ ورسُولَه، ويحبُّهُ اللَّهُ ورَسُولُه، يفتحُ اللهُ على يديه». فلما أصبحَ رسولُ اللَّهِ ﷺ غدوا كلُّهم يرجو أن يُعطاها، فقال رسول اللَّهِ ﷺ : «أينَ عليُّ بنَ أبي طالب»؟ فقالوا: هو يشتكي عينيه، فأُتيَ به فبصَقَ في عينَيه، فدعا له فبرَأَ، فأعطاهُ الرَّايةَ».). وهو مِن الذين بشَّرَهم النبيُّ ﷺ بالجنة. ففاطمةُ، وأمُّها، وزوجُها، وولدَاها: الحسنُ والحسينُ، كلُّهم مِن

стр. 33

المبشَّرِينَ بالجنة ﵃. لَمْ يتيسَّرْ الزواج لفاطمة في مكة؛ لِشدة أذى المشركين للنبي ﷺ والمؤمنين، وهِجرة بعضهم للحبشة، وحِصار بني هاشم في الشِّعْب، ثم موتِ خديجة ﵂، ولما هاجرَ النبيُّ ﷺ تقدَّم لخِطْبَتِها أبو بكر وعمر ﵄ فاعتذر لهما النبيُّ ﷺ بأنها صغيرة أي بالنسبة لهما. عن بُرَيْدَة ﵁، قال: خطبَ أبو بكر، وعمرُ ﵄ فاطمةَ ﵂، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إنها صَغِيرةٌ». فخَطبَهَا عليٌّ ﵁، فَزوَّجَهَا منه. أخرجه: النسائي. وكان عُمْرُ أبي بكر الصديق ﵁ حين خطب فاطمة: خمسين سنة تقريباً، لأنه تُوفي سنة ثلاث عشرة، وله ثلاث وستون سنة. وكان عُمْرُ عُمَرَ بنِ الخطاب ﵁ حين خطب فاطمة: أربعين سنة تقريباً، لأنه تُوفي سنة ثلاث وعشرين، وله ثلاث وستون سنة. وقد بوَّب النسائي حديث بريدة ـ السابق ـ بقوله: باب تزوُّج المرأة مثلها في السن. ثم خطبها عليٌّ، فاستأذنَها النبيُّ ﷺ ، فقبِلَتْ، ثم زوَّجها. وكان عُمْرُ عليٍّ ﵁ حين خطب فاطمة: ثلاثاً وعشرين سنة؛ لأنه توفي سنة أربعين، وله ثلاثٌ وستون سنة.

стр. 34

وقيل: إحدى وعشرين سنةً، وخمسة أشهر. فبَينهما قرابة خمس سنوات ــ على القول الراجح ــ. وكان ﷺ يستشير بناته عند الخِطبة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّهِ ﷺ إذا أراد أنْ يُزَوِّجَ شيئاً مِنْ بنَاتِه، جلَسَ إلى خِدْرِها فقال: «إنَّ فلاناً يذكر فلانة»، يُسمِّيها ويُسَمِّي الرجلَ الذي يَذكُرُها، فإنْ هي سكَتَتْ، زوَّجَهَا، وإنْ كَرِهَتْ نَقَرَتْ السِّتْرَ، فَإذَا نَقَرَتْهُ، لَمْ يُزَوِّجْهَا. أخرجه: أحمد. وفي الصحيحين: عن عائشة ﵂ قالت: سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن الجارية ينكحها أهلها، أتُستَأمر أم لا؟ فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «نعم، تُستأمر»، فقالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فذلك إذنُها، إذا هي سكتَتْ». هذا لفظُ مسلم. وعند البخاري بنحوه، وفيه: «رضاها صَمتها»، وفي لفظ له: «إذنها صماتها»، وفي لفظ له: «سكاتها إذنها». وكانت الخِطبة في السنة الأولى من الهجرة، والبناء بها بعد غزوة بدر وقبل أُحُد، أي في آخر السنة الثانية أو أوائل السنة الثالثة. وقد نبَّه عَددٌ من الحفاظ كابن حبان، وابن ناصر الدين الدمشقي، وابن كَثِير إلى كَثْرةِ المرويات المكذوبة في زواج فاطمة ﵂.

стр. 35

عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أردتُ أنْ أخطُبَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ابنتَه، فقلتُ: ما لي مِن شيءٍ، فكيف؟ ! ثم ذكرتُ صِلَتَهُ وعَائدَتَهُ، فخطبتُهَا إليه، فقال: «هل لكَ مِن شَيءٍ»؟ قلتُ: لا. قال: «فأينَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ التي أعطيتُكَ يومَ كذا وكذا»؟ قال: هي عندي. قال: «فأعطِنِيْهَا». قال: فأعطيتُها إياه. أخرجه: أحمد. كان مهرُها ﵂ أربعمئة وثمانين درهماً، قوَّتها الشرائية في ذلك الزمن (٤٨) شاةً. وهو مَهْرٌ يَسِيرٌ، لا كلَفةَ فيه، ولا مباهاة، وهكذا كان مهر النبيِّ ﷺ لأزواجه، وقبولُه مهرَ بناتِه ﵅. عن أبي سلمة بن عبدالرحمن، أنه قال: سألت عائشة ﵂: كم كان صداقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشَّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمئة درهم (١)، صدَاقُ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأزواجِه. أخرجه: مسلم. ورُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «ألا لَا تغلوا صدق النساء، ألا لا تغلوا صدق النساء، قال: فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند اللَّهِ، كان أولاكم بها النبيُّ ﷺ ما أصدقَ رسولُ اللَّهِ

стр. 36

- ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَتْ امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية». أخرجه أحمد، وأصحاب السنن. عن زيد بن أسلم قال: «ما ساق رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى امرأةٍ من نسائه، ولا سِيقَ إليه لشيء من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فذلك أربع مئة وثمانون درهماً». رواه عبدالرزاق مرسلاً. قال الإمام الشافعي ﵀: (والقصد في الصداق أحب إلينا، وأستحب أن لا يُزاد في المهر على ما أصدقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ نساءَه وبناتِه، وذلك خمسمئة درهم؛ طلباً للبركة في موافقة كل أمر فعلَه رسولُ اللَّهِ ﷺ ). ويُروى عن عِلْبَاء اليشكري أن علياً تزوج فاطمة، فباع بعيراً له بثمانين وأربعمئة درهم، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا ثلثين في الطيب، وثُلثاً في الثياب». أخرجه: ابن سعد، وهو مرسل. عن علي ﵁، قال: «جهَّز رسولُ اللَّهُ ﷺ فاطمةَ ﵂ في خَمِيْلٍ، وقِرْبَةٍ، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيْفُ الإِذْخِرِ». أخرجه: النسائي، وأحمد. ومجموع المرويات في جَهَازِها دلَّتْ على أنه كان: ١. خميلاً، وهو كِساء فيه لِين. ٢. وقِربةً، وفي رواية: سِقاء.

стр. 37

٣. وَوِسادةً من جِلْد حشْوُها لِيفُ الإذْخِر. ٤. ورَحْيَيْن، تثنية رحى، وهي: التي يُطحن بها. ٥. وجرَّتين وهما إناءان من فَخار. ٦. وسريرَاً مُزيَّناً بحِبال من خوص أو ليف. ٧. وإناءً من جلد. ٨. وقطعةً من أقط. وفي حديث عِلْبَاء اليَشْكُري: ٩. أمر ﷺ أن يُجعل ثلثا المهر في الطيب، والثلث الباقي في الثياب. وهذ الجهاز في غايةِ اليُسْر والسُّهولة، وعدَمِ التكلُّفِ، وفيه من دلالات الزهد، والتقَلُّلِ من الدنيا في بيت النبي ﷺ وآله، ما يقف عنده المؤمنُ معتبراً. ودلَّ حديثُ عِلباء على العناية في الجهاز بالطيب والإكثار منه؛ لِمَا لَهُ من الأهمية والأثر الحسن في الحياة الزوجية. وللنبي ﷺ عنايةٌ بالطيب في عامة أحواله، فكان لايرد الطيب، وقال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعل قُرَّةُ عيني في الصلاة». أخرجه: النسائي، وأحمد. ويُروى عند البناء بها أنَّ النبيَّ ﷺ مجَّ في ماء، ثم صبَّ على

стр. 38

فاطمة وعلي ﵄، ودعا لهما بقوله: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نَسلهما». بَنَى بها عليٌّ ﵁ في منزلِه وكان بعيداً عن منزل النبي ﷺ ، ثم حوَّلها ﷺ إلى بيتٍ مجاور له من الجهة الشمالية، وكان لحارثة بن النعمان ﵁. أوْلَمَ عليٌّ ﵁ في زواجِه، وساعدَه النبيُّ ﷺ بآصُعٍ من تمر وشعير، وكذا ساعدَه الصحابةُ ﵃، فقدَّمَ سعدُ بنُ معاذ كَبشاً، وقدَّم الأنصارُ آصُعَاً من ذُرَةٍ. روي في حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: «يا عليُّ، إنَّه لابُدَّ للعروسِ من ولِيمةٍ». فقال سعدٌ: عندي كَبشٌ، وجمع له رَهطٌ من الأنصار آصُعَاً من ذُرَةٍ، فلمَّا كان ليلةَ البِنَاء، قال: «لا تُحدِثْ شيئاً حتى تلقاني»، قال: فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بإناء، فتوضأ فيه، ثم أفرغه على علي، ثم قال: «اللَّهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما». أخرجه: النسائي، وابن سعد. الصحابة ﵃، بل كلُّ مُسلِمٍ يغبطُ أصهارَ النَّبيِّ ﷺ ؛ لِقُربِهم من النَّبيِّ ﷺ خاصةً عليَّاً لزواجه بأفضل بنات النبي ﷺ ، وبقاءِ نَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - منها.

стр. 39

عن ابن عمر ﵄ قال: (كنَّا نقول في زمَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رسُولُ اللَّهِ خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُوتِيَ ابنُ أبي طالب ثلاثَ خصال، لأَنْ تكُونَ لي واحِدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ مِن حُمُرِ النَّعَمْ: زوَّجَهُ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ابنَتَهُ، ووَلَدَتْ لَهُ، وَسَدَّ الأبوابَ إلا بَابَهُ في المسجد، وأعطَاهُ الرايةَ يومَ خَيْبَرَ). أخرجه: أحمد، وابن أبي شيبة. ولا شك بأنَّ عثمان وعليَّاً مغتبطان بمصاهرتهما النبيَّ ﷺ ، كذلك أبو بكر وعمر، لكن: لم يَثبُتْ شَيءٌ من المرويات أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ فاخَر بزوجه أمام الناس، كما أن عثمان بن عفان زوج ابنتَي رسُولِ اللَّهِ ﷺ لم يفاخر بذلك ﵃ أجمعين. خدمتُها لِزَوجِها، وصبرُها على ضيق العيش معه. عن عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ــ أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ــ فَسَبِّحَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعَاً وَثَلاثِينَ،

стр. 40

فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ». أخرجه: البخاري، ومسلم. وعند الطبراني، وأبي نعيم زيادة: أن فاطمة ﵂ كانت حاملاً، فكانت إذا خبزت أصاب حرق التنور بطنَها، فأتت النبي ﷺ تسأله خادماً، فقال: «لا أعطيك خادماً وأدع أهل الصُّفَّة تطوى بطونهم من الجوع. الحديث. وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتت فاطمةُ النبيَّ ﷺ تسأله خادماً، فقال لها: «قولي: اللَّهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللَّهم أنتَ الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنَّا الدين، وأغننا من الفقر». أخرجه: مسلم. كانت فاطمة ﵂ خير زوج، صبرت وصابرت على شظف العيش، وخِدمَتِها لزوجها وصبيانها، وفي فترات لم يكن لها خادم يخدمها، ولم يُقدِّمها النبيُّ ﷺ على حاجة المسلمين حينما جاءه السبي، وأرشدَها وزوجَها إلى خَيرِ مُعِين لهما، وهو الذكر عند النوم من التسبيح والتحميد والتكبير.
следующие страницы →