- ﷺ امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَتْ امرأةٌ من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية». أخرجه أحمد، وأصحاب السنن.
عن زيد بن أسلم قال: «ما ساق رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى امرأةٍ من نسائه، ولا سِيقَ إليه لشيء من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، فذلك أربع مئة وثمانون درهماً». رواه عبدالرزاق مرسلاً.
قال الإمام الشافعي ﵀: (والقصد في الصداق أحب إلينا، وأستحب أن لا يُزاد في المهر على ما أصدقَ رسولُ اللَّهِ ﷺ نساءَه وبناتِه، وذلك خمسمئة درهم؛ طلباً للبركة في موافقة كل أمر فعلَه رسولُ اللَّهِ ﷺ ).
ويُروى عن عِلْبَاء اليشكري أن علياً تزوج فاطمة، فباع بعيراً له بثمانين وأربعمئة درهم، فقال النبي ﷺ : «اجعلوا ثلثين في الطيب، وثُلثاً في الثياب». أخرجه: ابن سعد، وهو مرسل.
عن علي ﵁، قال: «جهَّز رسولُ اللَّهُ ﷺ فاطمةَ ﵂ في خَمِيْلٍ، وقِرْبَةٍ، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيْفُ الإِذْخِرِ».
أخرجه: النسائي، وأحمد.
ومجموع المرويات في جَهَازِها دلَّتْ على أنه كان:
١. خميلاً، وهو كِساء فيه لِين.
٢. وقِربةً، وفي رواية: سِقاء.
стр. 37
٣. وَوِسادةً من جِلْد حشْوُها لِيفُ الإذْخِر.
٤. ورَحْيَيْن، تثنية رحى، وهي: التي يُطحن بها.
٥. وجرَّتين وهما إناءان من فَخار.
٦. وسريرَاً مُزيَّناً بحِبال من خوص أو ليف.
٧. وإناءً من جلد.
٨. وقطعةً من أقط.
وفي حديث عِلْبَاء اليَشْكُري:
٩. أمر ﷺ أن يُجعل ثلثا المهر في الطيب، والثلث الباقي في الثياب.
وهذ الجهاز في غايةِ اليُسْر والسُّهولة، وعدَمِ التكلُّفِ، وفيه من دلالات الزهد، والتقَلُّلِ من الدنيا في بيت النبي ﷺ وآله، ما يقف عنده المؤمنُ معتبراً.
ودلَّ حديثُ عِلباء على العناية في الجهاز بالطيب والإكثار منه؛ لِمَا لَهُ من الأهمية والأثر الحسن في الحياة الزوجية.
وللنبي ﷺ عنايةٌ بالطيب في عامة أحواله، فكان لايرد الطيب، وقال: «حُبِّب إليَّ من دنياكم النساء والطيب، وجُعل قُرَّةُ عيني في الصلاة». أخرجه: النسائي، وأحمد.
ويُروى عند البناء بها أنَّ النبيَّ ﷺ مجَّ في ماء، ثم صبَّ على
стр. 38
فاطمة وعلي ﵄، ودعا لهما بقوله: «اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نَسلهما».
بَنَى بها عليٌّ ﵁ في منزلِه وكان بعيداً عن منزل النبي ﷺ ، ثم حوَّلها ﷺ إلى بيتٍ مجاور له من الجهة الشمالية، وكان لحارثة بن النعمان ﵁.
أوْلَمَ عليٌّ ﵁ في زواجِه، وساعدَه النبيُّ ﷺ بآصُعٍ من تمر وشعير، وكذا ساعدَه الصحابةُ ﵃، فقدَّمَ سعدُ بنُ معاذ كَبشاً، وقدَّم الأنصارُ آصُعَاً من ذُرَةٍ.
روي في حديث بريدة أن النبي ﷺ قال: «يا عليُّ، إنَّه لابُدَّ للعروسِ من ولِيمةٍ».
فقال سعدٌ: عندي كَبشٌ، وجمع له رَهطٌ من الأنصار آصُعَاً من ذُرَةٍ، فلمَّا كان ليلةَ البِنَاء، قال: «لا تُحدِثْ شيئاً حتى تلقاني»، قال: فدعا رسولُ اللَّهِ ﷺ بإناء، فتوضأ فيه، ثم أفرغه على علي، ثم قال: «اللَّهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما».
أخرجه: النسائي، وابن سعد.
الصحابة ﵃، بل كلُّ مُسلِمٍ يغبطُ أصهارَ النَّبيِّ ﷺ ؛ لِقُربِهم من النَّبيِّ ﷺ خاصةً عليَّاً لزواجه بأفضل بنات النبي ﷺ ، وبقاءِ نَسْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - منها.
стр. 39
عن ابن عمر ﵄ قال: (كنَّا نقول في زمَنِ النَّبِيِّ ﷺ : رسُولُ اللَّهِ خيرُ الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر، ولقد أُوتِيَ ابنُ أبي طالب ثلاثَ خصال، لأَنْ تكُونَ لي واحِدةٌ منهنَّ أحبُّ إليَّ مِن حُمُرِ النَّعَمْ: زوَّجَهُ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ابنَتَهُ، ووَلَدَتْ لَهُ، وَسَدَّ الأبوابَ إلا بَابَهُ في المسجد، وأعطَاهُ الرايةَ يومَ خَيْبَرَ). أخرجه: أحمد، وابن أبي شيبة.
ولا شك بأنَّ عثمان وعليَّاً مغتبطان بمصاهرتهما النبيَّ ﷺ ، كذلك أبو بكر وعمر، لكن:
لم يَثبُتْ شَيءٌ من المرويات أنَّ علي بن أبي طالب ﵁ فاخَر بزوجه أمام الناس، كما أن عثمان بن عفان زوج ابنتَي رسُولِ اللَّهِ ﷺ لم يفاخر بذلك ﵃ أجمعين.
خدمتُها لِزَوجِها، وصبرُها على ضيق العيش معه.
عن عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ فَاطِمَةَ ﵂ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ، فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا»، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: «أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا ــ أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا ــ فَسَبِّحَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاثَاً وَثَلاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعَاً وَثَلاثِينَ،
стр. 40
فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ».
أخرجه: البخاري، ومسلم.
وعند الطبراني، وأبي نعيم زيادة: أن فاطمة ﵂ كانت حاملاً، فكانت إذا خبزت أصاب حرق التنور بطنَها، فأتت النبي ﷺ تسأله خادماً، فقال: «لا أعطيك خادماً وأدع أهل الصُّفَّة تطوى بطونهم من الجوع. الحديث.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أتت فاطمةُ النبيَّ ﷺ تسأله خادماً، فقال لها: «قولي: اللَّهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللَّهم أنتَ الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنَّا الدين، وأغننا من الفقر». أخرجه: مسلم.
كانت فاطمة ﵂ خير زوج، صبرت وصابرت على شظف العيش، وخِدمَتِها لزوجها وصبيانها، وفي فترات لم يكن لها خادم يخدمها، ولم يُقدِّمها النبيُّ ﷺ على حاجة المسلمين حينما جاءه السبي، وأرشدَها وزوجَها إلى خَيرِ مُعِين لهما، وهو الذكر عند النوم من التسبيح والتحميد والتكبير.
стр. 41
عن سهل بن سعدٍ، أن عليَّ بن أبي طالب دَخَلَ على فاطمةَ، وحسنٌ وحسينٌ ﵃ يبكيان، فقال: ما يُبْكيهما؟
قالت: الجوعُ.
فخرج عليٌّ، فوجد ديناراً بالسُّوق، فجاء إلى فاطمة فأخبرها، فقالت: اذهبْ إلى فلان اليهوديِّ فخذ لنا دقيقاً، فجاء اليهوديَّ فاشترى به دقيقاً، فقال اليهوديُّ: انتَ خَتَنُ هذا الذي يَزعُمُ أنه رسولُ اللَّهِ؟ قال: نعم، قال: فخذ دينارَك ولكَ الدقيقُ.
فخرج عليٌّ حتى جاء به فاطمةَ، فأخبرها، فقَالت: اذهب إلى فلانٍ الجزار فخذ لنا بدرهم لحماً، فذهب فرَهَن الدينارَ بدرهم لحمٍ، فجاء به، فعَجَنَتْ، ونَصَبَتْ، وخبَزَت، وأرسلَتْ إلى أبيها، فجاءهم، فقالت: يا رسول اللَّهِ، أذكر لك، فإن رأيتَه لنا حلالاً أكلناه وأكلتَ معنا، مِن شأنه كذا وكذا، فقال: «كُلُوا باسْم اللَّهِ» فأكلوا.
فبينا هم مكانهم إذا غلامٌ يَنشُد اللَّهَ والإسلامَ الدينار، فأمر رسولُ اللَّهِ ﷺ فدُعي له، فسأله، فقال: سَقَطَ مني في السوق، فقال النَّبِيُّ ﷺ : «يا عليُّ، اذهبْ إلى الجزَّار فقل له: إنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول لك: أرْسِلْ إليَّ بالدينار، ودِرهَمُكَ عليَّ».
فأرسل به، فدفعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إليه.
أخرجه: أبو داوود.
стр. 42
قالت الأديبة: عائشة بنت الشاطئ عن حياة فاطمةَ ﵂: (حياتُها الزوجية تختلف عن حياة أخواتها؛ لأنَّ أزواجهن أصحاب ثَراءٍ مادي بخلاف عليٍّ، فهو فقير، أبوه على شرَف نسبِه ووجاهته كان قليل المال كثير العيال وعليٌّ أسلم قديماً وهو صبي، ولازم النبي ﷺ فلم يشتغل بالتجارة ولا الزراعة، لذا خطب وليس عنده إلا دِرْعه).
وقد أرشد النبيُّ ﷺ ابنتَه فاطمة إلى الذكر عند النوم، عوضاً عن إجابتها بخادم، مع علمِه وبيانِه أنَّ أهل الصفة أحوج من فاطمة وزوجها، قال العقاد: (ولم يكُن ﷺ يضنُّ على فاطمة ﵂ بما يملك من الأنفال، فكان يخصُّها بالقسم الأوفى من حصَّته كلَّما فرَّق رزقاً بين ذويه وزوجاته، ولكنها كانت فاقةً تعمُّهم جميعاً حين لا يجدُ النبيُّ ﷺ ما يفرقه بينهم مثَلُ النبيِّ محمَّدٍ ﷺ يعلُو على إشفاق المشفِقين، ومَن كان في قُدرته أن ينعمَ من الدنيا بما يقطع قلوب الحاسدين حسدَاً، ثم يَرضَى لنفسِه وآلِه منزلة الإشفاق، فذلك هو الإعظامُ غايةَ الإعظام).
وقوعُ المغاضبةِ بينهما أحياناً:
يقع بين علي وفاطمة ﵄ ما يقع بين الزوجين، وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قريباً منهما، زيارةً، وتربية، ونُصحَاً وإصلاحَاً.
стр. 43
عن سهل بن سعد ﵁ قال: جاء رسولُ اللهِ ﷺ بيتَ فاطمة فلمْ يَجدْ عليَّاً في البيت، فقال: «أينَ ابنُ عمِّك»؟ قالت: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضَبَنِي، فخرج، فلم يَقِلْ عندي، فقال رسول اللهِ ﷺ لإنسان: «انظر أين هو»؟ فجاء فقال: يا رسولَ اللهِ، هو في المسجد رَاقِدٌ، فجاء رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو مضطجع، قد سقَطَ رِدَاؤه عن شِقِّه، وأصابه تُرابٌ، فجعل رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يمسَحُه عنه، ويقول: «قُمْ أبا تُراب، قُمْ أبا تُراب». أخرجه: البخاري، ومسلم.
عن جابر بن عبد اللهِ الأنصاري ﵄ في حديث حجة الوداع. . . وفيه: وقَدِم عليٌّ من اليَمَن بِبُدْنِ النَّبيِّ ﷺ فوجدَ فاطمةَ ﵂ ممَّن حَلَّ، ولَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغَاً، واكتحَلَتْ، فأنكرَ ذلك عليها، فقالَت: إنَّ أبي أمرَني بهذا.
قال: فكان عليٌّ يقول بالعِراق: فذهبتُ إلى رسول اللَّهِ ﷺ محرِّشَاً على فاطمة للذي صَنعَتْ، مُستَفْتِياً لرسول اللَّهِ ﷺ فيما ذكَرَتْ عنْهُ، فأخبرتُه أني أنكَرتُ ذلك عليها، فقال ﷺ : «صَدَقَتْ صَدَقَتْ. الحديث. أخرجه: مسلم.
عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان بين علي وفاطمة كلامٌ، فدَخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ فألقى له مِثَالاً فاضطَجَعَ عليه، فجاءت فاطمةُ فاضطجعتْ من جانب، وجاءَ عليٌّ فاضطجع من جانب، فأخذ رسول اللَّهِ -
стр. 44
صلى الله عليه وسلم - بيدِ عليٍّ فوضَعَهَا على سُرَّتِه، وأخذَ بيد فاطمةَ فوضَعَها على سُرَّتِهِ، ولمْ يَزَلْ حتَّى أصلَحَ بينهما، ثم خَرَج، قال: فقيل له: دخلْتَ وَأنتَ عَلى حَالٍ، وخَرجْتَ ونحنُ نَرى البِشْرَ في وجهِكَ، فقال: «وما يَمْنَعُنِي وقَدْ أصْلَحْتُ بين أَحَبِّ اثنَيْنِ إليَّ». أخرجه ابن سعد، وهو مرسل.
لا تخلو الحياةُ الزوجية في أيِّ بيتٍ من وجود خلافات، حتى في بيت النبوة أفضلِ البيوت، فيه أفضلُ البشَرِ ﷺ مع أفضلِ النساء أمهاتِ المؤمنين ﵅، يقع منهن ما يقع للبشر من الغَيرة والمخاصمة والزيادة في طلبات النفقة، وغيرها.
وقد نُقل شَيءٌ مما حَدَث؛ تشريعاً للأمَّةِ، وبياناً لأفضلِ الهَدْي، واتِّسَاءً بخير الناسِ لأهلِهِ ﷺ .
مُكْثُ عَليٍّ مع فاطمة ﵄ قليلٌ نِسْبِيَّاً، فالمدة قريبة من ثمانِ سنوات فقط
وهذه السنوات كلُّها ـ عدا ستة أشهر ـ كانت في حياة النبي ﷺ وفي مَقربة منه، فكان بيتُها مجاورَاً لبيتِ النبيِّ ﷺ ، ينالُه بركةُ النبيِّ ﷺ في زياراتِه المتكررة لهما، إضافةً إلى محبة عليٍّ فاطمةَ، ورؤيتِه محبةَ وإجلالَ النبيِّ ﷺ الشديدةَ لابنتِه ﵂.
стр. 45
يُضاف إلى ذلك عِلمُهما ﵄ بالحقُوق الزوجية، مع الوصاية النبوية بالإحسان والرفق بالمرأة
ما سبق وغيرُه، يدلنا على قلة الخصومات بين علي وفاطمة ﵄، وإذا وُجِدَتُ ــ وهو أمْرٌ طبَعَي ــ فإنها محاطَة بالسِّتر، والدِّيَانة، والعَقْل، والمروءة؛ فلا ضَرْب، ولا تشهير، ولا هجراً سيئاً، ولا إخراجاً للمرأة من المنزل، ولا غيرَه.
قال عباس العقاد: (ولَمْ تَخْلُ هذه الحياةُ ـ وما خلَتْ حياةُ آدَميٍّ قط ـ من ساعاتِ خلاف، وساعاتِ شِكَاية، فربَّما شكَتْ فاطمةُ، وربما شَكا عليٌّ، وربما أخذَتْ فاطمةُ على قرينها بعضَ الشدَّةِ ــ وما هي بشِدَّةٍ ــ، فما كان رَجُلٌ مثلَ عَليٍّ لِيُعَنِّفَ على بنتِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يعلَمُ مكانَها من قَلْبِ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إنَّمَا اعْتِزَازُ فَاطِمَةَ بِنَفْسِهَا وَإبِاؤُهَا أَنْ تُهْمَلَ حَيْثُ كَانَتْ، وإنِّمَا الحَنَانُ الذِي تَعَوَّدَتْهُ مِنْ أَبِيْهَا، فَلا تَسْتَرِيْحُ إلَى مَا دُوْنَهُ، وَكُلُّ حَنَانٍ بَعْدَ حَنَانِ ذَلِكَ القَلْبِ الكَبِيْرِ، فَكَأَنَّهُ قَسْوَةٌ أَوْ قَرِيْبٌ مِنْ القَسْوَةِ عِنْدَ مَنْ يَتَفَقَّدُهُ، فَلا يَجِدُ نَظِيْرَهُ فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ).
هذا، وقد كان عليٌّ ﵁ يستحي أنْ يسألَ النبيَّ ﷺ في بعض شؤونه الخاصة لمكانته من فاطمة ﵂.
قال ﵁: كُنْتُ رجُلاً مَذَّاءً، وكُنْتُ أستحي أنْ أسألَ النبيَّ
стр. 46
- ﷺ لمكان ابنته، فأمرتُ المقدادَ بن الأسود فسألَه فقال: «يَغسِلُ ذكرَه، ويتوضأ».
وفي لفظ: مِن أجل فاطمة.
[١٢] أولادها ﵃ -.
الحَسن، والحُسين، ومحسِّن، وأم كلثوم، وزينب ﵃.
وقد وهم الليث بن سعد ومن تبعه بذكر ابنة لفاطمة اسمها: رقية.
وَلَدَتْ فاطمة ﵂:
الحَسنَ: في النصف من شهر رمضان، (سنة ٣ هـ).
ووَلَدَتْ الحُسَين: لخمس ليالٍ خلون من شعبان، (سنة ٤ هـ).
وأمَّا أمُّ كُلثوم: فلَمْ يُحَدَّدْ بالضبط تاريخُ ولادتها، قال ابن عبدالبر: وُلِدَتْ قبل وفاة النبي ﷺ . وقال الذهبي: (وُلِدَتْ في حدود سنة ست من الهجرة، ورأَتْ النبيَّ ﷺ ولم تَروِ عنهُ شيئاً).
وهي التي تزوَّجَها عمرُ بنُ الخطاب ﵄، وولَدَتْ له: زيدَاً ورُقَيَّة ــ وليس لهما عقِب ــ.
وتزوجها بعدَه: ابنُ عمِّهَا: عون بنُ جعفر بنِ أبي طالب، فمات عنها.
ثم تزوجها بعده أخوه: محمد، فمات عنها.
ثم تزوجها بعده أخوه: عبدُالله بن جعفر، فماتت عنده، ولم تَلِد لأحَدٍ من الثلاثة شيئاً.
стр. 47
وأمَّا زَيْنَب: فكذلك لم يُحَدَّد تاريخ ولادتها، قال ابن الأثير: (وُلِدَتْ في حَيَاتِهِ، ولم تَلِدْ فاطمةُ بنتُ رسولِ اللَّهِ ﷺ بعدَ وفاتِهِ شيئاً).
وقد تزوَّجَها ابنُ عمِّها: عبدُالله بن جعفر بنِ أبي طالب بن عبد المطلب، فولدَتْ لهُ:
عَلِيَّاً، وعَونَاً الأكبر، وعبَّاسَاً، ومحمَّدَاً، وأمَّ كلثوم.
وأما مُحَسِّن: فقد قال يونس بن بُكير، سمعت محمد بن إسحاق يقول: فولَدَتْ فاطمةُ لعليٍّ: حسَناً وحُسَيناً ومُحَسِّناً، فذَهَبَ مُحسِّنٌ صغيراً، وولدت له أم كلثوم وزينب.
وذكر ابن حزم (ت ٤٥٦ هـ) المحسِّن من أولاد علي، قال: ولا عقِب له، مات صغيراً جداً، إثر ولادته.
وقد وردت أحاديث كثيرة في الحَسن والحُسين ﵄:
١. فضائلُهما، وفيها رسالة جامعية للشيخ د. عثمان الخميس، ط. دار الآل والصَّحْب الوقفية في الرياض.
٢. مُسنَدُهُما، وفيها رسالة جامعية مطبوعة للدكتورة: منى الآنسي ــ قيد الطبع ــ في دار الآل والصَّحْب الوقفية في الرياض.
من فضائلِهما: أنهما كما في الحديث: «سيِّدا شباب أهل الجنة».
عقَّ النبي ﷺ عن الحسن والحُسين، وكان يحبُّهما ويُلاطفهما.
стр. 48
وكانت فاطمة تلاعب صبيانها، من ذلك ما رُوِي أنها كَانَتْ تَنْقُزُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَتَقُولُ:
«بِأَبِي شَبَهُ النَّبِيِّ ... لَيْسَ شَبِيهَاً بِعَلِيٍّ».
لم يصح أنَّها طلَبَتْ من أبيها ﷺ أنْ يورِّثَ ابنَيْها الحسنَ والحُسَين.
والأحاديث التي فيها أن فاطمة لم تر دماً في حيض ولا نفاس، أحاديثُ مكذوبة.
[١٣] عقب فاطمة ﵂ -.
الهَاشميُّون الموجُودُون الآن، هم: الطَّالبيُّون، والعبَّاسيُّون، والحَارثيُّون، وهُم:
١ ـ آل علي، وجعفر، وعقيل، أبناء أبي طالب ﵃.
٢ ـ آل العباس بن عبدالمطلب ﵃.
٣ ـ آل الحارث بن عبدالمطلب ﵃.
انحصَر عَقِبُ فاطمة ﵂ في ذرية الحَسَن، والحُسَين، وزينب من عبدِالله بن جعفر بن أبي طالب ﵃.
стр. 49
وهم الآن عددٌ غفير، في: الحجاز، ونجد، وجازان، واليمن، والشام، ومصر، وشمال أفريقيا، وغيرها.
لهم كتُبٌ، وسِجِلاتٌ، وضُبُوطٌ، ومُشَجَّرَاتٌ، وعِنَايةٌ دَقِيقَةٌ في ضَبْطِ أنسَابِهم، فمِن الصعوبةِ جداً دخولُ أفرَادٍ فيهم أو خروجُ أفراد منهم؛ لِدِقَّةِ الضبطِ، وامتدادِ التدوِينِ، وعدَمِ انقطَاعِهِ.
ذرية زينب = الزينبيون، مِن الأشراف، مِن آل هاشم = آل البيت بإجماع العلماء، لكنهم لا ينتسبون إلى النَّبيِّ ﷺ مثل أولاد الحسن والحسين؛ لأنهم أولاد بنت البنت.
وللسيوطي رسالةٌ جميلةٌ فيها جُمْلةُ مسائل عن ذرية زينب ﵂.
تَمييزُ ذريَّةِ فاطمةَ ﵂ بأمرَيْن ظاهرَين:
١ ــ اللقب . ٢ ــ اللباس
١ ــ اللقب:
- لقَبُ الأشراف = والشريف، والسيِّد: معناهما، وتاريخهما، وإطلاقاتهما، والفرق بينهما، وهل يُطلَق الشرَفُ على غير ذريَّة السِّبْطَين، وحكم التلقُّب بالشريف، وهل يدخل في الأوقاف على الأشراف منَ ينتسب إلى غير السبطين من بني هاشم؟
стр. 50
كان يُطلق الأشراف على آل البيت جميعاً، سواء كان حسَنياً، أو حُسَينِيَّاً، أو زينبيَّاً، أو علَويَّاً، أو جَعفَرِيَّاً، أو عَقِيليَّاً، أو عبَّاسيَّاً، أو حارثيَّاً.
ثم قصَرَهُ الحكامُ العُبَيديون الباطنِيون ـ المنتسبون زُورَاً إلى الفاطميين ــ (١) على ذرية الحسن والحسين فقط لا غير.
وذكر ابنُ تيمية، وابنُ حجر: أنه لُقِّبَ بِالشريف: كلُّ عباسيٍّ في بغداد، وكلُّ علَويٍّ في مصر، والشام. (٢)
إطلاق لقب الشريف والسيد على آل البيت، مقروناً باسمهم، لم يكن معروفاً في القرون المفضَّلة الأولى، لا تجد ذلك في كتب الأسانيد، والتراجم.
وقد بدأ ظهور لقبِ السيِّدِ والشَّريفِ مع الاسم الهاشمي، من القرن الرابع ــ على قِلَّة ــ، ثم كَثُر في القرن الخامس الهجري، وما بعده.
ويَذكُر د. حسان الباشا أنه وجدَ نقْشاً فيه لقبُ الشريف، عام ٢٩٥ هـ.
قلتُ: لكن يبدو أنَّ انتشارَه في القرن الرابع وما بعده؛ وللعبيديين ـ فيما يبدو ـ سبب في ظهوره والتزامه.
стр. 51
وكذا يُطلق وصف: السيدة والشريفة ـ على قِلَّة فيما يبدو ـ وقد ذُكِرا في القرن السابع وما بعده.
ولا فرق بين لقب الشريف والسيِّد، فيُطلقان عُرفاً على ذرية الحسن، وذرية الحسين، وقد فرَّق بعض المتأخرين في إطلاق هذين اللقبين:
فجعلُوا لقبَ «الشريف» على ذرية الحسن، ولَقَبَ «السيِّد» على ذرية الحسين. (١)
ذكر ذلك الشرواني الشافعي (ت ١٣٠١ هـ)، والنبهاني (ت ١٣٥٠ هـ) عن أهل الحجاز فقط. وقد أنكر العلماء هذا التفريق، وهو تفريق مُحْدَث، بل هو باطل لا يصح إن كان القصدُ منه أن يكون كلُّ لقَبٍ محدوداً فيما أُطلِقَ عليه لا يتجاوزه، فلا يطلق الشريف على ذرية الحسين، ولا السيد على ذرية الحسن.
فالعلماء السابقون من قرون متطاولة يطلقون اللفظين على ذرية الاثنين الحسن والحسين دون تفريق، تجد ذلك في كتب التراجم وغيرها، وكذلك الصكوك والوصايا المحفوظة لدى الهاشميين.
فلا فرق بين اللقبين، ولكلِّ بلَدٍ اصطلاحٌ وعُرْفٌ، ولا مُشاحَّةَ في
стр. 52
الاصطلاح، إنما يُنكر على مَن خصَّصَ لقب الشريف على ذرية الحسن، ومنع إطلاقه على ذرية الحسين، والعكس كذلك.
وذكر النبهاني (ت ١٣٥٠ هـ) اصطلاح أهل الحجاز لِلَّقَبَين؛ لأجل التفريق بينهما.
غالب أشراف مكة، وحكام اليمن قديماً: حَسنيون، وجميع أشراف الطائف: نمَويُّون حَسنيون، وأشراف المدينة: حُسَينيون.
ذكر الشيخ: إبراهيم بن منصور الهاشمي: أنَّ لقبَ «السيِّد» مقدَّم على لقب «الشريف» عند أهل: اليمن، وشرق وجنوب السعودية، والعراق، وأقاليم في الشام، وأقاليم في مصر، وبلاد العجم.
ولقَبَ «الشريف» مقدَّمٌ على لقَبِ «السيِّد» في: الحجاز، ونجد، والمغرب، وأقاليم في مصر، وأقاليم في الشام، وغيرها.
قال: ولعل هذا العُرْف المناطقي من أسباب التفريق في إطلاق اللقبين. (١)
- حكم لقب الشريف والسيد:
لم يُعلِّق الشرعُ المطهَّر الحكيمُ على هذين اللقَبَيْن حُكماً شرعيَّاً، فالأحكام الشرعية مذكورة باسم النبيِّ ﷺ ، وباسم آلِ البيت، وباسم ذوي القُربى.
стр. 53
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وأما اسمُ الشَّرَفِ فليسَ هُو مِن الأسماءِ التي علَّقَ الشارعُ بِها حُكْمَاً حتَّى يكونَ وحدَهُ مُتلَقَّى مِن جِهَةِ الشارِع .. ثم ذكر معنى الشريف لغة واصطلاحاً، وقال:
فالشريفُ هُو مَنْ له الرئاسة والسلطانُ، لكن لما كانَ أهلُ البيتِ أحقَّ مِن أهلِ البيوت الأخرى بالشرَفِ؛ صَارَ مَنْ كانَ مِن أهلِ البيتِ يُسَمَّى شَرِيفَاً.
فأهلُ العِراق لا يُسَمُّونَ شَرِيفَاً إلا مَن كان من بني العباس، وكثيرٌ مِن أهلِ الشام، وغَيرِهم، لا يُسَمُّونَ شَرِيفاً إلا مَنْ كَانَ عَلَوِيَّاً. (١)
وأما أحكامُ الشريعةِ التي عُلِّقَتْ، فهي مذكورةٌ باسمِ النبي ﷺ ، وباسمِ أهلِ بيتهِ، وذَوِي القُرْبَى، وهذه الأسماء الثلاثةُ
стр. 54
تَتَنَاوَلُ جَميعَ بَنِي هاشم، لا فَرقَ بَينَ ولَدِ العبَّاسِ، ووَلَدِ أبي طالب، وغَيرِهم.
وأعمامُ النبيِّ ﷺ الذين بَقِيَتْ ذُرِّيَتَهُم: العباسُ، وأبو طالب، والحارثُ بنُ عبدالمطلب، وأبو لهب. فمَنْ كان من ذرية الثلاثة الأولى؛ حَرُمَتْ عليهم الزكاةُ، واستَحَقُّوا مِن الخُمُسِ باتِّفَاقِ.
وأما ذُرِّيةُ أبي لهب، ففَيْهِ خِلافٌ بَين الفقهاء؛ لِكَونِ أبي لهب خَرَجَ عَن بني هاشم لما نَصَرُوا النبيَّ ﷺ ومَنَعُوهُ ممَّنْ كان يُريدُ أَذَاهُ مِن قريش.
ودخَلَ مع بني هاشمٍ بنُو المطَّلِب .. وذكَرَ حديث: «إنما بنو هاشم وبنو المطلِّب شَيءٌ واحد».
وأفضلُ الخَلقِ: النبيُّونَ، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثمَّ الصالحون، وأفضلُ كُلِّ صِنْفٍ: أتقاهُم، كما قال ﷺ : «لا فضلَ لِعَرَبيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ، ولا لِعَجَمِيٍّ عَلى عَرَبِيٍّ، ولَا لِأَبْيَضَ عَلى أسوَدَ، ولا لِأسودَ على أبْيَضَ، إلا بالتَّقْوَى». هذا في الأصنافِ العامَّةِ.
وأفضَلُ الخلقِ في الطبَقَاتِ: القَرنُ الذين بُعِثَ فيهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثمَّ الذين يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الذين يَلُوْنَهُمْ.
стр. 55
وأما في الأشخاص: فأفْضَلُهُمْ النبيُّ ﷺ ، ثمَّ إبراهيمُ ﵇.
فتَبَيَّنَ أنَّ الشَّرَفَ لَيس لِبَنِي هَاشِمٍ خَاصَّةً، بل يَتنَوَّعُ بِحسَبِ عُرْفِ المخَاطَبِيْنَ، ومَقَاصِدِهُمْ.
وأمَّا المسمَّى بِهذا اللفظ، فيُقَالُ: مِن الأحكام ما تشتَرِكُ فيه قُرَيشٌ كُلُّهَا، نحو: الإمامة الكبرى.
ومن الأحكامِ ما يختَصُّ بِبَنِي هاشِمٍ، أو بَنِي هاشمٍ معَ بَنِي المطَّلِبِ، دون سائر قريش، كالاستحقاقِ مِن خُمُسِ الغنائم، وتحريمِ الصدَقَةِ، ودُخُولِهم في الصلاة إذا صُلِّيَ عَلى آلِ محمَّدٍ، وثُبُوتِ المزِيَّةِ عَلى غَيرِهِمْ.
ومَنْ كانَتْ أمُّهُ قُرَشِيةً دُونَ أبِيهِ، لم يَستَحِقَّ الإمَامَةَ التِي اختُصَّتْ بِها قُريشٌ.
ومَن أُمُّهُ هاشِمِيَّةً أوْ غَيرَ فاطَمِيَّةٍ، وأبوه لَيس بهاشِمِيٍّ ولا مُطَّلِبِيٍّ؛ فَلا يَستحِقُّ مِن الخُمُس كما يستحقُّ بنُو هاشِم، وإنْ كانَ ينتَسِبُ إليهم نَسَبَاً مُطلَقَاً، فلَهُ نوْعُ امتِيَازٍ لِكَوْنِ أُمِّهِ مِنْهُم.
وأمَّا أَوْلَادُ العِتْرَةِ، فلَهُم مِن الاختصاصِ بقَدْرِ مَا لهُمْ مِن النَّسَبِ؛ لِكَونِ أحدِهِمْ أفضلَ مِنْ غَيرِهِمْ.
وبِكُلِّ حالٍ، فهذه الخصائصُ لا تُوجِبُ أنْ يكونَ الرَّجلُ بنفسِهِ أفضلَ مِن غيرِهِ لأجلِ نَسَبِهِ المجَرَّدِ، بل التفاضُلُ عِندَ اللَّهِ بِالتقَوى كما
стр. 56
قال ﷺ : «إنَّ آلَ بَنِي فُلَانٍ، لَيسُوا لِي بِأَولِيَاءَ، إنَّما وَلِيِّيَ اللهُ، وصَالحُ المؤمنين».
فمَنْ كانَ في الإيمانِ والتقوى أفضلَ؛ كانَ عِندَ اللهِ أفضلَ ممَّنْ هُو دُونَهُ في ذلك، وأولَاهُمْ بِرسولِ اللَّهِ ﷺ وإِنْ كان غيرُهُ أقربَ نَسَبَاً مِنْهُ، فإنَّهُ لا شَكَّ أنَّ الولَايَةَ الإيمانِيَّةَ الدِّينِيَّةَ أعظمُ وَأوثَقُ صِلَةً مِن القَرَابَةِ النَّسَبِيَّةِ، والله أعلم).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (إنما يفضلُ الإنسانُ بإيمانه وتقواه؛ لا بآبائه؛ ولو كانوا من بني هاشم أهلِ بَيتِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنَّ اللَّهَ خلقَ الجنة لمَن أطاعه وإنْ كان عبداً حبشيَّاً، وخلقَ النار لمن عصاه ولو كان شريفاً قُرشياً، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات، آية (١٣)).
وفي «السنن» عنه ﷺ أنه قال: «لا فضلَ لعَربيٍّ على عجَميٍّ، ولا لعجَمِيٍّ عَلى عَرَبيٍّ، ولا لأسوَدَ على أبيَضَ، ولا لأبيَضَ علَى أسْوَدَ، إلا بالتقوَى. الناسُ مِن آدَم، وآدَمُ مِن تُرَاب».
وفي «الصحيحين» عنه أنه قال لقبيلة قريبة منه: «إنَّ آل أبي فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي اللَّه وصالح المؤمنين». فأخبر النبي ﷺ أنَّ موالاته ليست بالقَرابة والنسَب؛ بل بالإيمان والتقوى).
стр. 57
وقال ابن تيمية ـ أيضاً ـ: (وإذا كان كذلك فأولياؤه المتقون بينه وبينهم قرابة الدين والإيمان والتقوى. وهذه القرابة الدينية أعظم من القرابة الطينية، والقُرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان؛ ولهذا كان أفضلَ الخلق أولياؤه المتقون، وأما أقاربُه ففيهم المؤمنُ والكافر، والبرُّ والفاجر، فإن كان فاضلاً منهم كعَلي، وجَعفر، والحسَن، والحسين ﵃، فتفضيلُهم بما فيهم من الإيمان والتقوى، وهم أولياؤه بهذا الاعتبار، لا بمجرَّدِ النسَبِ، فأولياؤه أعظمُ درجةً مِن آله، وإنْ صُلِّيَ عَلى آلِه تبعاً لَه؛ لم يقتضِ ذلك أن يكونوا أفضلَ مِن أوليائه الذين لم يُصلِّ عليهم، فإنَّ الأنبياءَ والمرسلين هُم من أوليائه، وهُمْ أفضلُ مِن أهل بيته، وإنْ لم يدخلوا في الصلاةِ معه تبعاً، فالمفضول قد يختصُّ بأمر، ولا يلزم أن يكون أفضلَ من الفاضل، ودليل ذلك أنَّ أزواجَه هُم ممن يُصلَّى عليه، كما ثبت ذلك في «الصحيحين»، فقد ثبتَ باتِّفَاق الناس كلِّهم أنَّ الأنبياءَ أفضلُ منهن كُلِّهن).
وقال أيضاً ﵀: (لم يُثْنِ اللَّهُ على أحَدٍ في القرآن بنسَبِهِ أصلاً: لا عَلى ولَدِ نَبيٍّ، ولا على أَبِي نَبِيٍّ، وإنما أثنى على الناسِ بإيمانهم وأعمالهم.
وإذا ذكرَ صنفاً وأثنَى عليهم؛ فَلِمَا فيهم من الإيمان والعمل، لا لمجرَّدِ النَّسَبِ.
стр. 58
ولما ذكرَ الأنبياءَ ــ ذكرهم في الأنعام ــ وهم ثمانية عشر قال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (سورة الأنعام، آية: ٨٧). فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائه ، وهدايته إياهم إلى صراط مستقيم، لا بنفس القرابة.
وقد يُوجِبُ النسَبُ حقوقاً، ويُوجِب لأجلِه حُقوقاً، ويُعلِّق فيه أحكاماً من الإيجاب والتحريم والإباحة، لكنَّ الثوابَ والعقابَ والوعدَ والوعيد على الأعمالِ لا عَلى الأنسَابِ.).
وقال السخاوي ﵀: (ويَنتَفِعُ المنتَسِبُ بِذلِكَ إنْ صَحِبَهُ القِيَامُ بِأمْرِ الدِّينِ، ولم يَكُنْ فيهِ مِن المتهَاوِنِينَ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾) ا. هـ.
هذا، وقد كَرِه بعضُ أهل العلم أن يُلقِّبَ الهاشميُّ نفسَه بِـ: الشريف، والسيِّد؛ لأن فيه تعظيمَ نفسِه وتزكيتَها.
والصواب أنه لا يُكرَه ذلك، وليس مستحبَّاً أيضاً، بل هو مباح؛ لأنه مصطلح تعريفي لا تعظيم فيه ولا تزكية، بل إشارة إلى النسَب لا غير.
ولقبُ الشَّرَفِ لا يلزم منه عدمُ الفِسْق.
ويُحذَر من إطلاق لفظ «السيِّد» على مَن فيه ضلالة ظاهرة، وبدعة، لحديث النَّبيِّ ﷺ : «لا تقولوا للمنافق: سيِّد، فإنه إنْ يَكُ سيِّدَاً، فقَدْ أسخَطْتُمُ ربَّكُمْ ».
стр. 59
أخرجه: أحمد، وأبو داوود، والنسائي.
ومِن العلماء مَن يرى عدم جواز تلقيب غير ذرية السبطين بالأشراف؛ لجريان العُرف بذلك، ولعدم اختلاط الأنساب، والاشتباه بين الناس، ويرى بعضهم تأديب من يفعل ذلك.
ومنهم من يرى جواز لقب الشريف لكل شريف أيَّاً كان، وكذا السيِّد لمن كان سيدَاً، ولا يجوز منع إطلاقهما على غير الهاشميين أو ذرية السبطين. وإن كان الأولى عند الإطلاق ـ في مواطن الاشتباه ـ التقييد حتى لا يشتبه بذرية السبطين، وهذا هو الأولى ـ والله أعلم ـ؛ لأنَّ الأنسابَ محفوظة لا تتأثر بلقَبٍ أو لباس.
- لقبُ: الحَسَني أو الحُسَيني الهاشمي، أفضلُ وأحسنُ من لقَبِ الشريف أو السيد .
الأفضلُ والأولَى أن يَذكُر ولَدُ فاطمة ﵂ لقبَه: الحسَنِي أو الحُسَينِي الهاشمي، وهو أحسن من ذِكر: «السيد» و «الشريف» قبل الاسم أو بعده؛ لأمور:
١. أنَّ لقبَ النبيِّ ﷺ : الهاشميُّ القرشيُّ، والاتِّسَاءُ به في ذلك مِن أولادِه أفضلُ.
٢. أنَّ اللقَبَين: السيد، والشريف، لم يُستخدما في القرون المفضَّلة.
стр. 60
٣. أنَّ المستعمل في القرون المفضَّلة لقب: «الهاشمي».
٤. أنَّ اللقبين من الألقاب المشتركة، فقد يكون المرءُ ـ غيرُ الهاشمي ـ سيداً في قومه، شريفاً في أفعاله، وله أن يتلقَّب بذلك ـ على الصحيح ـ؛ بخلاف لقب الهاشمي، فله حُرْمَةٌ ومكانَةٌ ووَقْعٌ في النفوس؛ محبةً للنبي ﷺ وآلِه ﵃. والناسُ يكرهون من يَنتسِب إلى جَدٍّ له اسمه هاشم، فيقول: الهاشمي؛ لما فيه من الالتباس بآل النبي ﷺ ، وحَريٌّ أن يُمنَع هذا اللقب «الهاشمي» في بلاد الإسلام إلا لآلِ النبي ﷺ .
٥. أن اللقَبَين من الألقاب المستهلَكةِ كثيرَاً عند المسلمين، وغيرِ المسلمين بخلاف لقب: الهاشمي.
٦. خروجاً من خلاف مَن قال بأن اللقبَين المذكورَين فيهما تزكية، فيُكره التلقُّبُ بهما، وإن كان الصوابُ عدمَ الكراهة، وأنهما للتعريف.
٧. جاء النهي في الحديث عن تلقيب الفاسق بِـ «السيِّد»، وقد يكون أحدُ الهاشميين معروفاً بفسقه وضلاله، فتلقيبُه بالسيد والشريف فيه ما فيه.
стр. 61
- الأوقاف والوصايا على «الأشراف» هل تكون لذرية السبطين: الحسن والحسين فقط، أم لآل هاشم ؟
يُرجع في ذلك إلى تقييد المُوْقِفِ والمُوصِي، فإن لم يوجد ما يدل عليه، فالمرجع العُرف في إطلاق هذا اللقب، زمَنَ الموصِي ومَكانَه.
- الهاشمي مولاهم .
يجوز لمولى الهاشميين أن ينتسب إليهم، لكن يجب أن يصرح بأنه مولاهم، فيقول: . الحسَني مولاهم، أو الحُسَيني مولاهم، أو الهاشمي مولاهم، أو العبَّاسي مولاهم، أو العَقِيلي مولاهم، وهكذا كما هو متقرر في علم النسب، ومعمول به في كتب التراجم.
стр. 62
٢ ــ اللباس:
شُطْفَة (١) = قِطعَةٌ خضراء على العمامة، ثم توسَّعَ بعضُهم فجَعَلَ العِمامةَ كلَّها خضراء.
ليس لها أصل في الشرع الحكيم، ولا في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم.
أصلها: أنَّ الخليفة المأمون: أبا العباس، عبدَ الله بنَ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور العباسي، (٢) بَايع بالعَهْدِ (سنة ٢٠١ هـ) لِـ: علي بن مُوسى ـ الرِّضَا ـ بن جعفر بن محمد ـ الصادق ـ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ (ت ٢٠٣ هـ)، ونوَّهَ بِذكِرِه، ونبذَ السَّوادَ، واتَّخَذَ لهم شِعَارَاً أخضَرَا؛ فهاجَتْ بنو العباس، وخلَعُوا المأمون، ثم بايعوا عمَّه إبراهيم بنَ المهدي. ثم انثنى عزمُه، وردَّ الخلافة إلى بني العباس.
فبقي الأخضرُ شِعَارَ الأشرَافِ من ذُرِّيةِ السِّبْطَين.
ثم اختَصَرُوا الثياب إلى قِطعَةِ ثَوبِ خَضْرَاءَ = شُطْفَة خضراء، تُوضَعُ عَلى عَمائِمِهِمْ؛ شِعَارَاً لهم، ثمَّ انقطعَ ذلكَ إلى أواخِرِ القَرنِ الثامِنِ الهجرِي.
стр. 63
ففي سنةِ ثلاثٍ وسبعين وسَبعِمئة (٧٧٣ هـ) أمَرَ السلطانُ الأشرفُ: شعبان بنُ حسين بن الناصر محمد بن قلاوون الصالحي النجمي، سلطان الديار المصرية والشامية (ت ٧٧٨ هـ) وعُمُره (٢٤ سنة) (١)
أنْ يمتَازُوا عَلى الناسِ بعصَائِبَ خُضْرٍ = علامة خضراء = شُطْفة أي قطعة خضراء عَلَى العمائم (٢) ولَيسَ عمامةً خضراء، فَفُعِلَ ذِلكَ بِأكثرِ البلادِ كمِصْرَ، والشامِ، وغيرِهما.
وذكر السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) بقاءَ هذا الشعار إلى وقته.
قال أبو عبد الله بن جابر الأندلسي الأعمى نزيل حلب:
جعلوا لأبناءِ الرسولِ علامةً ... إنَّ العلامةَ شأنُ مَن لم يشهر
نورُ النبوةِ في كريمِ وجُوهِهم ... يُغنِي الشريفَ عن الطِرازِ الأخضر
وقال الأديب محمد بن إبراهيم بن بركة الدمشقي المزين:
أطرافُ تِيجان أتَتْ من سُنْدُسٍ ... خُضْرٍ بأعلامٍ على الأشراف
والأشرفُ السلطانُ خصَّصَهمْ بها ... شَرَفاً لِيفَرقَهُم مِن الأطراف
стр. 64
وقد اختلف العلماء في هذا التمييز لغير عقب فاطمة ﵂ = ذرية السبطين الحسن والحسين ﵃:
منهم مَن يرى أنه لا يجوز لأحدٍ من غير ذرية السبطين لُبْس العمامة الخضراء أو الشُّطْفَةِ الخضراء، المختصة عرفاً بذرية السبطين؛ لئلا يحصل اختلاط في الأنساب، وقد يسبب ذلك اختلاطاً وإشكالاً في الاستفادة من الأوقاف المخصصة للأشراف من ذرية السبطين.
ذكر ذلك وشدَّدَ فيه بعضُ المتأخرين من المالكية، بل رأوا تأديب مَن يلبسها من غير ذرية السبطين.
ويبدو أن الاختصاص لم يستمر؛ لأنَّ الدسوقي المالكي (ت ١٢٣٠ هـ) يرى أنه لَمْ تَعُدْ الشطفة الخضراء في زمانه مختصةً بالأشراف، وذكر أنه عمَّت بها البلوى، ولَبِسَها غيرُهم، فلا تأديبَ إذَنْ.
ومع ذلك يرى أنَّ الأفضلَ عدمُ لُبْسِها لغير ذُرية السبطين.
ومِن العلماء مَن يرى الجواز، وأنه لا دليل على تخصيص اللباس الأخضر، ولا على منع غيرهم من لبسه، وأن الاختلاط والاشتباه متوهَّم؛ لأن الأنساب محفوظة مضبوطة لا تتأثر باللباس.
فيجوز للناس كلهم لبس العمائم الخضر، وأن يُلقَّب غيرُ الهاشميين بالأشراف.
стр. 65
- نكاح الفاطميات
يجوز لكل عربي كفؤ في النسب أن يتزوج الفاطميات = ذرية الحسن أو الحسين؛ ولا يجوز منع تزويج الفاطميات إلا من الفاطميين أو الهاشميين، فهذا القول بدعة منكرة، وضرر بالغ بنساء آل البيت.
وقَصْرُ الفاطميات على الفاطميين قولٌ مَشهُورٌ عند الزيدية، وأوَّلُ مَن قال به: العياني (ت ٤٠٤ هـ)، ولا يَعرِفُ هذا القولَ عُلماءُ السُّنَّةِ والجَمَاعَة.
[١٤] بيت فاطمة ﵂ -.
مكانه:
كان بيت فاطمة ﵂ لِحَارثةَ بنِ النعمان ﵁ فتحوَّل عنه لفاطمة بعد زواجها.
وقد أجمع المؤرخون على أن بيت فاطمة ﵂ على المسجد مباشرة، وعبَّر بعضهم بأنه في جوف المسجد، ملاصقاً لبيت عائشة من جهة الشمال، ويكون عن يسار المصلي.
وهو في مَوضع الزَّوْر مَخْرَج النَّبيِّ ﷺ ، وكانت فيه كُوَّةٌ إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا قام إلى المخرج اطَّلع من الكوة إلى فاطمة فعَلِم خبرَهم ثم سألَتْ فاطمةُ النبيَّ ﷺ أن يَسُدَّ الكوة، فسدَّها رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
стр. 66
فالمخرج ــ موضع الكنيف ــ، وهو خلف حجرة عائشة ﵂، بينها وبين بيت فاطمة ﵂، ومحله في الزور، الموضع المزوَّر، شِبه المثلث في بناء عمر بن عبد العزيز ﵀ في جهة الشام.
وكانت أسطوانة التهجد خلف بيت فاطمة.
وقد ذكر عبدُالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ﵀ أن بين بيت فاطمة وبين القبر خوخة.
وقد استمر البيت لولد فاطمة، فوُلِد فيه عبدُالله بن الحسن، ورُوي أنَّ الحسنَ بنَ الحسنِ بنِ علي بن أبي طالب كان في بيت فاطمة ﵂ يتعشَّى، فرأى سُهيل بن أبي سُهيل عند القبر، فناداه
وفي زمن الخليفة: الوليد بن عبدالملك (ت ٩٦ هـ) حين قدِم حاجَّاً، وخطبَ في المسجد النبوي، فرأى ــ وهو يخطب ــ في بيت فاطمة بنتِ محمد ﷺ حسنَ بنَ حسن بن علي ثم أمَر واليه على المدينة: عمر بن عبدالعزيز ﵀ بشراء البيت وإدخاله في المسجد لتوسعته.
فهدَم عمر بن عبدالعزيز بيت فاطمة، وأدخله في المسجد، وذلك سنة إحدى وتسعين، ومكث في بنيانه ثلاث سنين.
كان يسكن فيه وقتَ هَدْمه: فاطمة بنت الحسين بن علي، وزوجها: حسن بن حسن
فأدخل عمرُ بنُ عبد العزيز بعضَ بيتِ فاطمة ﵂ من
стр. 67
جهة الشمال في الحائِز الذي بناه مُحرَّفاً على الحجرة الشريفة، يلتقي على ركن واحد ــ ركن خامس ــ؛ لئلا تكون الحجرة الشريفة مربعة كالكعبة، فيتصوَّر جهال العامة أنَّ الصلاة إليها كالصلاة إلى الكعبة، وبقي بقية البيت من جهة الشمال.
وأما وصف البيت:
فمُشابِهٌ لصفةِ بُيوتِ النبيِّ ﷺ وحجراته، لأنَّ البيوت ـ كما سبق ـ كانت لحارثة بن النعمان ﵁ فتحوَّل عنها، وقد جاء وصفها باليُسْر والصغَر، مما يدل على الزهد في الدنيا، وقصر الأمل:
أخرج البخاري في «الأدب المفرد»، وابنُ أبي الدنيا في «قصر الأمل»، وغيرهما، عن عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا داود بن قيس، قال: رأيتُ الحُجُرات من جريد النخل مُغَشَّى من خارجٍ بِمُسُوحِ الشَّعْرِ، وأظنُّ عرضَ البيتِ من باب الحُجْرة إلى باب البيت: نحواً من ستِّ أو سبعِ أذرُع، وأحزِرُ البيتَ الداخلَ: عشْرَ أذرُع، وأظنُّ سُمْكَهُ بين الثمانِ والسَّبْعِ نحوَ ذلك، ووقفْتُ عندَ بَابِ عائشةَ ﵂ فإذا هُوَ مُستَقْبِلَ المغْرِبِ.
وأخرجَا ـ أيضاً ـ، وابنُ سعد، وغيرهم، عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا حُريث بن السائب، قال: سمعت الحسنَ ـ وهو البصري ـ يقول: كنتُ أدخل بيوتَ أزواج النبيِّ ﷺ في خلافة عثمان بن عفان ﵁، فأتناول سُقُفَها بيدي.
стр. 68
من كتاب «بيوت النبي ﷺ وحجراتها» أ. د. محمد بن فارس الجميل (ص ١١٠)
стр. 69
[١٥] صفتها وشمائلها ﵂ -.
كانت ﵂ تشبه أباها ﷺ في مِشْيَتِه وهَدْيِهِ وسَمْتِهِ.
لم تذكُر كتبُ السُّنةِ المُشرَّفة، والتاريخ، والتراجم إلا شبَهَها بأبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - في: مِشيَتِهِ، وهَديِهِ، وسَمْتِهِ، وكَلامِهِ.
وقد تجرأ بعضُ المعاصرين فذكروا شيئاً من صِفتها الخَلقية بما لم يرد له ذكر البتة في كتب المسلمين لا تصريحاً ولا تلميحاً.
وغالب الظن القريب من اليقين أنها أُخذت من كتب الإمامية، أو المستشرقين الذين أخذوا من كتب الإمامية ــ ولا يُعوَّل على ذلك كما لا يخفى ــ.
قال أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ﵀ في وصف فاطمة ﵂:
(ومن ناسكات الأصفياء وصفيات الأتقياء فاطمة ـ رضي اللهُ تعالى عنها ــ، السيدة البَتول، البَضعةُ الشبيهةُ بالرسول، ألوَطُ أولادِه بقلبِه لُصُوقاً، وأولهم بعد وفاته به لحوقاً، كانت عن الدنيا ومُتعتها عازِفة، وبغَوامض عيوب الدنيا وآفاتها عارِفة).
كانت قويةَ النفسِ شُجَاعَةً لا تهابُ في الحق، ففي صغرها ـ مع ضعف المسلمين واضطهادهم ــ لما وضعَ الأشقياءُ كُفَّارُ مكة على ظهْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ـ وهو ساجدٌ ـ سَلا الجَزور؛ أتت فاطمة
стр. 70
فأزالَتْهُ، وشتَمَتْهُمْ، قال ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) ﵀: (وفيه قوَّةُ نَفسِ فاطمة الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِهَا في قومها ونفسِهَا، لكونها صَرَخَتْ بشَتْمِهِم وهُمْ رؤوس قريش، فَلَمْ يردُّوا عَليها).
стр. 71
[١٦] حالها مع أبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
بِرُّها به، نفقةُ النبي ﷺ عليها، وقيامُه عليها بالعدل، ومحبتُه لها واحتفاؤه بها، الزيارة بينهما، وغيرتُه عليها، دفاعُهَا عنه، وحِفظُها لِسرِّه، تعليمُه إياها.
أولاً: برها به ﷺ -.
عن عبداللهِ بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول اللَّهِ ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجَمْعُ قريش في مجالسهم، إذْ قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جَزُورِ (١) آل فلان، فيعمد إلى فَرْثِهَا (٢) ودَمِها وسَلَاها (٣)، فيجيءُ به، ثم يُمْهِلُه حتى إذا سجَدَ وضعَهُ بين كتفَيه، فانبعثَ أشقَاهم، فلمَّا سجدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وضعَه بين كتفيه! ! وثبَتَ النبيُّ ﷺ ساجداً، فضحكوا حتى مالَ بعضُهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة ﵍ ـ وهي جويرية ـ، فأقبلت تسعى، وثبتَ النبي ﷺ ساجداً حتى ألقَتْهُ عنه، وأقبلَتْ عليهم تسُبُّهم، فلمَّا قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ الصلاة، قال: «اللَّهم عليكَ بقُريش، اللَّهُم عليكَ بِقُريش، اللَّهُم عليك بِقُريش»، ثم سمَّى:
стр. 72
«اللَّهُم عليكَ بعَمْرو بنِ هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشيبةَ بنِ ربيعة، والوليدَ بنِ عتبة، وأُمَيَّةَ بنِ خلف، وعقبةَ بنِ أبي مُعيط، وعمارة بنِ الوليد».
قال عبدُاللهِ بن مسعود: فوَ اللهِ لقد رأيتُهم صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القليب، قليبِ بدر، ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «وأُتبِعَ أصحابُ القليبِ لَعْنَةً». متفق عليه.
في رواية في «الصحيحين»: أن الذي جاء بِسَلَى الجزور، ووَضَعَه على ظهر النبيِّ ﷺ ، هو عقبة بن أبي مُعيط.
حتى جاءت فاطمة ﵍، فأخذت من ظهره، ودَعَتْ على مَن صنع ذلك.
تأمَّلْ قُدُومَها ــ وهي جاريةٌ صغيرةٌ دون البلوغ ـ لترفع الأذى عن والدها ﷺ ، ثم تتوجَّه إليهم ــ وهم كبار قريش ــ فتسبُّهم، ولم يَتعَرَّضوا لها ﵂.
قال الحافظ ابنُ حجَر ـ كما سبق ـ: (وفيه قوةُ نَفْس فاطمةَ الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِها في قومِها ونفسِها، لِكونها صرَخَتْ بشتمهم وهُم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها).
عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ، فتعاهدوا باللات، والعُزَّى، ومنَاة الثالثة الأخرى: لو قَدْ رأينا محمدَاً، قُمْنَا إليه قيام رجُلٍ واحِدٍ، فلم نُفَارِقْهُ حتَّى نقتله، قال: فأقبلَتْ
стр. 73
فاطمةُ تبْكِي حتَّى دخلَتْ على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأُ مِنْ قَومِكَ في الحِجْرِ، قد تعاهدوا: أنْ لَوْ قدْ رَأوكَ قامُوا إليك فقتَلُوكَ، فليس منهم رجلٌ إلا قَدْ عَرَفَ نصيبَهُ مِن دَمِكَ، قال: «يا بُنَيَّة، أدْنِي وضوءاً»، فتوضأَ، ثم دخل عليهم المسجدَ، فلمَّا رأوه، قالوا: هُوَ هذا، هُوَ هَذَا. فخَفَضُوا أبصارَهُم، وعقَرُوا (١) في مجالِسِهِم، فلَمْ يرفَعُوا إليه أبصارَهُم، ولم يقَمْ منهم رجُلٌ، فأقبلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتَّى قامَ عَلى رءوسِهِم، فأخَذَ قبضَةً مِن تُرَابٍ، فحصَبَهُمْ بها، وقال: «شَاهَت الوُجُوه».
قال: فما أصابَتْ رجُلاً منهُم حصَاةٌ إلا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كافِرَاً.
أخرجه: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وهو حديث حسن.
مِن برِّها بأبيها: مُعالجتُها إياه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -:
عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أنه سُئل عن جُرح النبي ﷺ يوم أُحُد (٢)، فقال: «جُرِح وجْهُ النَّبيِّ ﷺ ،
стр. 74
وكُسِرَتْ ربَاعِيَّتُهُ (١)، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ (٢) على رأسِه (٣)، فكَانت فاطمةُ ﵍ تغْسِلُ الدَّمَ، وعَليٌّ يُمسِك، فلما رأتْ أنَّ الدمَ لا يزيدُ إلا كثرةً، أخذَتْ حصِيراً فأحرَقَتْهُ حتَّى صَارَ رمَادَاً (٤)، ثم ألزَقَتْهُ؛ فاستَمْسَكَ الدَّم».
متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: وعليٌّ يأتي بالماء على تُرسِه وفي رواية يسكب الماء بالمِجَنِّ. و (فحُشي به جُرْحُه). والمِجَنُّ هو التُّرْس.
تأمل فعلها هذا، مع هول المصيبة، وشدة الواقعة، وما أُشيع ـ حينئذ ـ من موت النبي ﷺ ، والأنظار تتجه إلى موضعه، وقد علاه الجهد، وسال الدم على وجهه الشريف ﷺ ، ومع ذلك تنفرد فاطمة من
стр. 75
بين الناس كلِّهم في هذا الجمع الكبير؛ لتغسل الدم، ثم تعالج استمراره بحرق الحصير ووضعه على الجرح، وهذا يدل على بِرِّها، كما يدل على قوتها وصبرها، وحذقها وشجاعتها ﵂.
س: ما سببُ ذهابِ فاطمة ﵂ إلى أُحُد ؟
يُقال: لما كان يوم أُحد، وانصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمَنْ خرج، فلما رأت النبي ﷺ اعتَنَقَتْهُ، وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم؛ فلما رأت ذلك أخذَتْ شيئاً من حصير فأحرقته بالنار، وكمدته به حتى لصق بالجرح؛ فاستمسك الدم .. ).
عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبتُ إلى رسُولِ اللهِ ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسلُ، وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه، قالت: فسلَّمتُ عليه، فقال: «مَنْ هذه»؟
فقلتُ: أنا أم هانئ بنت أبي طالب.
فقال: «مرحبَاً بأم هانئ».
فلما فرغ من غُسْلِهِ، قام فصلى ثماني ركعات مُلتَحِفَاً في ثوب واحد، فلما انصرف، قلتُ: يا رسول اللهِ، زعَمَ ابنُ أمِّي أنه قاتِلٌ رجُلاً قدْ أجَرْتُهُ، فلانَ بنَ هُبيرة، فقال رسول اللهِ ﷺ : «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ (١) يا