Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فيه فانطلق وآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله علي من محامده حسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي ثم يقال يا محمد ارفع رأسك سل تعط واشفع تُشَفَّع فأرفع رأسي فأقول أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب فيقول: يا محمد ادخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى ".
وفي الصحيحين " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون ".
وفي رواية في صحيح مسلم سبعون ألفاً مع كل واحد منهم سبعون ألفاً قال في المفاتيح: التوكل نوعان خاص وهو أن يترك التداوي والاسترقاء والكي لغاية ثقته بأنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من النفع والضر وهو المراد هنا. وعام يجب على الكل وهو أن يعلم أن لا مؤثر إلا الله فالطعام لا يشبع والأدوية لا تشفي إلا بأمره، ومن له هذا الاعتقاد جاز له التداوي والاسترقاء. وكسب المال بالتجارة والحرف.
стр. 37
الحساب
قال الله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ. وَقِلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ. مِن دُونِ الله هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ. فَكُبِكْبُواْ فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُنَ. وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ.).
وقال الله تعالى: (فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرسَلِينَ. فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ.).
وفي صحيح مسلم عن شقيق بن عبد الله قال النبي ﷺ : " يؤتي بجهنم يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ".
وفي صحيح البخاري " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال هل بلغت فيقول نعم يا رب فيسأل أمته هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقال من شهودك فيقول محمد وأمته فقال رسول الله ﷺ فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله ﷺ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) قال: عدولاً، (لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً).
وقال مقاتل في قوله تعالى: (وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ) أي اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من الصالحين وقال السدي كونوا على حدة.
وفي الصحيحين قال رسول الله ﷺ : " يقول الله يا آدم قم فابعث بعث النار فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك وما بعث النار؟ فيقول من كل ألف
стр. 38
تسعمائة وتسعة وتسعين قال فحينئذ يشيب الوليد وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ربك شديد " فاشتد ذلك عليهم فقالوا يا رسول الله أين ذلك الرجل فقال رسول الله ﷺ " تسعمائة وتسعة وتسعون من يأجوج ومأجوج ومنكم واحد " فقال الناس الله أكبر فقال رسول الله ﷺ " والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة والله إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة " فكبر الناس فقال رسول الله ﷺ " ما أنتم يومئذ في الناس إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود أو كالشعرة السوداء في الثور الأبيض ".
وفي صحيح مسلم قال ﷺ : " لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " قال الكلبي يقول الله للبهائم والوحوش والطيور والسباع كن تراباً فسوى بهن الأرض فعند ذلك يتمنى الكافر أن لو كان تراباً لما قال الله تعالى: (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَبَا).
وفي كتاب الترمذي وغيره عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تزول قدما عبد يوم القيامة من بين يدي الله تعالى حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه وعن جسده فيم أبلاه وعن علمه فيم عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ". وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقال " أتدرون مم أضحك؟ " قلنا الله ورسوله أعلم قال " من مخاطبة العبد ربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم قال يقول بلى فيقول إني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وبالكرام الشاهدين عليك شهوداً قال فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي قال فتنطق بأعماله ثم يخلي بينه وبين الكلام فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل ".
وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم قال. قال رسول الله ﷺ : " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبين ربه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى
стр. 39
إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا ولو بشق تمرة ".
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " من حوسب يوم القيامة عذب " فقلت أليس قد قال الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً) قال " ليس ذلك الحساب إنما ذلك العرض من نوقش الحساب يوم القيامة عذب ".
فتفكر رحمك الله سؤال ربك لك بغير واسطة على كل قليل وكثير ونقير وقطمير وقول الملائكة يا فلان هلم إلى الموقف وقد روي عنه ﵇: إن لله ملكاً ما بين شفرتي عينيه مسيرة مائة عام فما ظنك بنفسك إذا شاهدت مثل هؤلاء الملائكة أرسلوا إليك ليأخذوك إلى مقام العرض فترتعد فرائضك وتضطرب جوارحك وتتمنى حملك إلى جهنم ولا تعرض قبائحك على ربك تعالى فتوهم نفسك في أيدي الموكلين بك حتى انتهوا بك إلى عرش الرحمن فرموك من أيديهم وناداك الله بعظيم كلامه يا ابن آدم ادن مني فدنوت بقلب خافق محزون وجل وطرف خاشع ذليل وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها فليت شعري بأي قدم تقف بين يدي الله وبأي لسان تجيب وبأي قلب تعقل ما تقول وماذا تقول إذا قال: أما استحييت مني ظننت أني لا أراك.
وعن الفضيل: إني لا أغبط أن أكون ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً ولا عبداً صالحاً أليس هؤلاء يعاقبون في القيامة إنما أغبط من لم يخلق.
وأنشد بعضهم:
مثل وقوفك يوم الحشر عريانا ... مستعطفاً قلق الأحشاء حيرانا
النار تزفر من غيظ ومن حنق ... على العصاة وتلقى الرب غضبانا
اقرأ كتابك يا عبدي على مهل ... وانظر إليه ترى هل كان ما كانا
стр. 40
لما قرأت كتاباً لا يغادر لي ... حرفاً وما كان في سر وإعلاناً
قال الجليل خذوه يا ملائكتي ... مروا بعبدي إلى النيران عطشانا
يا رب لا تحزنا يوم الحساب ولا ... تجعل لنا فينا اليوم سلطانا
стр. 41
فصل في الميزان
قال الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾.
وذكر أبو بكر البزار ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ملك موكل بالميزان فيؤتي بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبداً وإن خفت ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبداً ".
وفي سنن أبي داود عن عائشة ﵂ أنها ذكرت النار فبكت فقال ﷺ " ما يبكيك؟ " قالت ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال ﷺ " أما ثلاثة مواطن فلا يذكر فيها أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الكتاب حين يقال هاؤم أقرؤا كتابيه حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم ".
وفي الوسيط عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليعتذرن الله إلى آدم ثلاث معاذير يقول الله يا آدم لولا أني لعنت الكذابين وأبغضت الكذاب والخلف وأوعدت لرحمت اليوم ولدك أجمعين من شدة ما أعددت لهم من العذاب ولكن حق القول مني لئن كذبت رسلي وعصي أمري لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. ويقول الله : يا آدم اعلم أني لا أدخل من ذريتك النار أحداً ولا أعذب منهم بالنار أحداً إلا من قد علمت بعلمي أني لو رددته إلى الدنيا لعاد إلى شر مما كان فيه ولم يرجع ولم يعتب. ويقول : " قد جعلت حكماً بيني وبين ذريتك
стр. 42
قم عند الميزان فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم فمن رجح منهم خيره على شره مثقال ذرة فله الجنة حتى تعلم أني لا أدخل منهم النار إلا ظالماً ".
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أتدرون من المفلس " قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال " إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار ".
وفي الصحيح " إن أول ما يقضى في الدماء ".
وفي معالم التنزيل روي عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد من كان يطلب مظلمة فليجئ إلى حقه فليأخذه فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته أو أخيه فيأخذ منه وإن كان صغيراً ومصداق ذلك في كتاب الله : (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ. فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَلِدُونَ.).
ويؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين هذا فلان ابن فلان من كان له عليه حق فليأت إلى حقه ثم يقال آت هؤلاء حقوقهم فيقول يا رب من أين وقد ذهب الدنيا فيقول الله للملائكة انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها فإن بقي مثقال ذرة من حسنة قالت الملائكة يا ربنا بقي له مثقال ذرة من حسنة فيقول الله ضعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل رحمتي الجنة ومصداق ذلك في كتاب الله : (إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا).
стр. 43
وإن كان عبداً شقياً قالت الملائكة إلهنا فنيت حسناته وبقي طالبون فيقول الله خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكاً إلى النار.
وذكر الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله سيخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول الله أتنكر من هذا شيئاً، أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول لا يا رب فيقول الله أفلك عذر فيقول لا يا رب فيقول بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم فتخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فيقول أحضر وزنك فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال: إنك لا تظلم قال فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة قال فلا يثقل مع أسم الله شيء: أي من كان معه ذكر الله فلا يقاومه شيء يترجح من المعاصي بل يترجح الذكر على المعاصي.
فتفكر رحمك الله في ميزانك واحترز من خسرانك واعلم أن من لا سيئة له فله الجنة ومن لا حسنة له فله النار ومن خلط فالعدل بالميزان فاتقوا الله عباد الله ومظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرض لأعراضهم وتضييق قلوبهم وإساءة الخلق في معاشرتهم فإن ما بين العبد وبين الله خاصة فالمغفرة إليه أسرع.
وقيل إذا تعلق المظلوم بالظالم الأواب وهو الذي أقلع عن الذنب فلم يعد إليه ولم يتمكن من الاستحلال قال الله للمظلوم ارفع رأسك فيرفع راسه فإذا بقصر عظيم يلوح فيقول: ما هذا يا رب؟ فيقول: إنه للبيع فاشتره مني فيقول ما معي ثمنه فيقول: أن تبرئ مظلمة أخيك فالقصر لك فيقول قد فعلت يا رب.
وحكي أنه لما حضرت لقمان الحكيم الوفاة بكى فقال له ابنه ما يبكيك يا أبت؟ فقال يا بني لست أبكي على الدنيا ولا على نعيمها ولكن على ما أمامي من الشقة البعيدة والمفازة السحيقة والعقبة الكئود والزاد القليل والحمل الثقيل ولا أدري أيحط عني ذلك الحمل حتى أبلغ الغاية أم أثقل حتى أساق إلى النار
стр. 44
فلهذا أبكي فمات ﵀.
وأنشد بعضهم:
أراني إذا حدثت نفسي بتوبة ... تعرض لي من دون ذلك عائق
تقضت حياتي في اشتغال وغفلة ... وأعمال سوء كلها لا توافق
طردت وغيري بالصلاح مقرب ... ودون بلوغي مسلك متضايق
وكيف وزلات المسيء كثيرة ... أيقرب عبد عن مواليه آبق
إلى الله أشكو قلب سوء قد احتوى ... عليه الهوى واستأصلته العلائق
ولي حزن يزداد في كل لحظة ... ودمع جفوني للبكاء يسابق
فإن تغفر الذنب الذي قد أتيته ... فذاك رجائي والظنون توافق
علامة ما يولي من الفضل إن أنا ... هجرت الدنا أو قلت إنك طالق
هنالك يبدو كل سر معظم ... لعيني وتغشاني هناك الحقائق
стр. 45
المرور على الصراط والحوض
قال الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً. ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيّاً. ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً. وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً.).
واختلف في ورودها فقيل هو الدخول فيها وهي خامدة فيعبرها المؤمنون وتنهار بغيرهم وقيل هو الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها وصححه النووي ﵀.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أو حذيفة بعد ما ذكر حديث الشفاعة التي لجأ الناس إليه ﷺ فيها وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد قال فيأتون محمداً فيقوم ويؤذن له وترسل الأمانة والرحم فتنبي الصراط يمناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق ثم كمر الطير وأشد الرجال تجري بهم أعمالهم ونبيكم ﷺ قائم على الصراط يقول رب سلم ربِّ سلَّم حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً قال: وفي حافظتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت فمخدوش ناج ومكدوس في النار والذي نفس أبي هريرة إن قعر جهنم لسبعون خريفاً.
قال في إكمال العلم تفسير الحديث الآخر: " إن الصخرة العظيمة لتلقى في شفير جهنم فتهوى فيها سبعون عاماً حتى تفضي إلى قرارها ".
وفي صحيح البخاري قال: رسول الله ﷺ " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت
стр. 46
بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فو الذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى لمنزلة في الجنة منه لمنزلة كان في الدنيا.
وفي رسالة القشيري قال معاذ بن جبل: إن المؤمن لا يطمئن قلبه ولا تسكن روعته، حتى يخلف جسر جهنم.
وكان أبو ميسرة ﵁، إذ أوى إلى فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني، ثم يبكي، فقيل ما يبكيك؟ فقال: أخبرنا أنا واردوها ولم نخبر أنا صادرون عنها.
وبكى عبد الله بن رواحة وقال: آية أنزلت ينبئني فيها ربي، إني وارد النار، ولم ينبئني أني صادر عنها، فذلك الذي أبكاني.
وقال الحسن: كيف لا يحزن المؤمن وقد حدث عن الله أنه وارد جهنم ولم ينبئه بأنه صادر عنها.
وفي صحيح مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسماً، فقيل: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: " نزلت على آنفاً سورة يقرأ فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ.) ".
ثم قال: " أتدرون ما الكوثر؟ " فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " فأنه نهر وعدنية ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم فيختلج العبد منهم فأقول ربي إنه من أمتي فيقول: ما تدري ما حدث بعدك ".
وقوله يختلج بلفظ المجهول أي يعدل به عن الحوض، وهو إما المرتد وإما العاصي.
وفي كتاب الترمذي عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : " إن
стр. 47
لكل نبي حوضاً وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة وأني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة ".
وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: قال النبي ﷺ : " أنا فرطكم على الحوض من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم ".
وزاد أبو سعيد الخدري فقال: " فأقول إنهم مني فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي ".
" قوله لم يظمأ " أي لم يعطش وفيه أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وفيه أن الواردين المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع الذين يزادون عن الورود والمرور عليه، وسحقاً: أي بعداً، وهذا مشعر بأنهم مرتدون عن الدين، لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " بينما أنا قائم عند الحوض، إذ زمرة حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت: إلى أين؟ قال إلى النار والله قلت: ما شأنهم، قال إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرة إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم، فقال هلم فقلت إلى أين قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم، قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلص فيهم إلا مثل همل النعم ".
قال الكرماني في الكواكب الدراري والهمل بفتحتين ما يترك مهملاً لا يتعهد ولا يرعى، حتى يضيع ويهلك، أي لا يخلص منهم من النار، إلا قليل وهذا مشعر بانهم صنفان كفار وعصاة.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ أتي المقبرة فقال: " السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ووددت أنا قد رأينا إخواننا قالوا أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال بل أنتم
стр. 48
أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ". قالوا: وكيف تعرف من لم يأتي بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: " فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض ألا ليذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال أناديها ألا هلم ألا هلم، فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول سحقاً سحقاً ".
وفي كتاب الترمذي عن ثوبان عن النبي ﷺ " حوضي من عدن إلى عمان البلقاء، ماؤه اشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وآنيته عدد نجوم السماء، من شربة شربة لم يظمأ بعدها أبداً، أول الناس وروداً عليه فقراء المهجرين، الشعت رؤوساً، الدنس ثياباً، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد " فقال عمر بن عبد العزيز لكني نكحت متنعمات، وفتحت لي السدد نكحت فاطمة بنت عبد الملك، لا جرم أن لا أغسل رأسي، حتى يتشعت، ولا أغسل ثوبي الذي يلي جسدي حتى يتسخ.
وفي صحيح البخاري كان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. واعلم أن الحوض بيد النبي ﷺ ، على باب الجنة، يسقى منه المؤمنون، وهو مخلوق اليوم، فتب يا أخي إلى ربك واتقه ليخرجك من همك، واسأله أن يبقيك فتنة تقع في دينك، فتذاد عن حوض نبيك قيل إن الله ستر ثلاثاً في ثلاث، ستر رضاه في طاعته فلا يحقرن أحدكم من الطاعة شيئاً فرب محتقر من الطاعة فيه رضا الله، وستر غضبه في معصيته فلا يحقرن أحدكم شيئاً من المعصية، فرب محتقر من المعصية فيه غضب الله، وستر وليه في خلقه فلا يحقرن أحدكم أحداً من خلق الله، فرب من لا يؤبه له وهو ولي الله، وستر أيضاً رابعاً، وهو الإِجابة في الدعاء، فلا يحقرن أحدكم شيئاً من الدعاء، على أي حال كان، وفي أي موطن كان.
قف على الباب طالباً ... وذر الدمع ساكباً
стр. 49
وتوسل إليه وار ... جع عن الذنب تائباً
تلق من حسن صنعه ... عند ذاك العجائبا
لاتخف أن ترد عن ... كرم الله خائبا
فهو يجزي على اليسي ... ر ويعطي الرغائبا
شرف المرء بالتقى ... فاجعل الصدق صاحبا
واحتشم أن يراك رب ... ك للذنب راكبا
إن للدهر أسهما للرزايا صوائبا
وخطوباً تتابعت ... فأثارت نوائبا
فارض بالله واعتصم ... واسأل الله راغبا
стр. 50
الشفاعة الكبرى
قال الله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ).
ذكر أبو بكر البزار عن النبي ﷺ قال: " يحمل الناس يوم القيامة على الصراط فيتفادع بهم جنبا الصراط تفادع الفراش في النار ثم يؤذن للملائكة والنبيين والشهداء والصالحين فيشفعون ويخرجون من في النار ".
وروي في الصحيح: " إن أول من يشفع المرسلون ثم النبيون ثم العلماء ".
وفي كتاب الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : " يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم ". قيل: يا رسول الله سواك، قال: " سواي ".
وفي مسند البزار: قال: رسول الله ﷺ : " إن من أمتي من يشفع للفئام من الناس ومنهم من يشفع للعصبة ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للرجل وأهل بيته ".
وروى الدارقطني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " نعم الرجال أنا لشرار أمتي ". قالوا كيف لخيارها، قال: " أما خيارها فيدخلون الجنة بأعمالهم، وأما شرار أمتي، فيدخلون الجنة بشفاعتي ".
وروي عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني آت من عند الله فيخبرني بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئاً ".
وفي الوسيط للواحدي عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الرجل يقول في الجنة ما فعل صديقي وصديقه في الجحيم فيقول الله أخرجوا له صديقه إلى الجنة فيقول من بقي فيها فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ".
стр. 51
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: إن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة، قال: رسول الله ﷺ : " نعم ". قال هل: " تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحواً ليس معها سحاب، وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب ". قالوا: لا يا رسول الله. قال " ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب فيدعى اليهود فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير بن الله فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم ألا تردون فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون، فيقولون عطشنا يا ربنا فاسقنا قال فيشار إليهم ألا تردون فيحشرهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رواه فيها، قال فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً " مرتين أو ثلاثاً " حتى أن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها، فيقولون: نعم. فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كلما أراد أن يسجد خرَّ على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة، فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا، قد أخذت النار إلى نصف ساقية وإلى ركبتيه ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة، ويقولون اللهم سلم سلم، قيليا رسول الله وما الجسر؟ قال: دَحضٌ
стр. 52
مزلة فيه خطاطيف، وكلاليب وحسكٌ تكون بنجد فيه شويكة يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرفة العين وكالبرق وكالريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدش مرسل ومكدوس في نار جهنم حتى إذا خلص المؤمنون من النار فو الذي نفسي بيده ما منكم من أحد منكم بأشد منشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإِخوانهم الذين في النار يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا ويصلون ويحجون، فيقال لهم أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً قد أخذت النار إلى نصف ساقيه وإلى ركبتيه ثم يقولون: ربنا ما بقى فيها أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه خلقاً كثيراً، ثم يقولون ربنا لم نذر فيها أحداً ممن أمرتنا ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها خيراً، فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعلموا خيراً قط، قد عادوا حمماً فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة، يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل، ألا ترونها تكون إلى الحجر أو إلى الشجر ما يكون إلى الشمس أصيفر وأخيضر وما يكون منها إلى الظل يكون أبيض فقالوا يا رسول الله كأنك كنت ترعى بالبادية قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتمن فيعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير بعمل عملوه ولا خير قدموه، فيقال لهم لكم ما رأيتم ومثله معه.
стр. 53
أعلم أن الشفاعات خمس: أولها: الإِراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب وهي مختصة بمحمد ﷺ .
والثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهي أيضاً وردت له ﷺ .
والثالثة: قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبيا ومن شاء الله يشفع له.
والرابعة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها.
والخامسة: فيمن دخل النار من المذنبين فيشفع فيهم نبياً وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم المؤمنين، ثم يخرج الله كل من قال لا إله إلا الله من غير شفاعة شافع حتى لا يبقى فيها إلا الكافرون كما في حديث عن أنس: " ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخرُّ له ساجداً، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، قال ليس ذلك إليك لكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبروتي، لأخرجن من قال لا إله إلا الله " أي أتفضل بإخراجهم دون شفاعة شافع فهؤلاء هم الذين معهم مجرد الإيمان وهم الذين لم يؤذن في الشفاعة فيهم وإنما دلت الآثار أنه أذن لمن عنده شيء زائد على الإيمان من عمل صالح أو ذكر خفي، أو عمل من أعمال القلب، من شفقة على مسكين وخوف من الله ونية صادقة في عمل فاته، وجعل للشافعين من الملائكة والنبيين دليل عليه، وتفرد الله بعلم
стр. 54
ما تكنه القلوب، والرحمة لمن ليس عنده سوى الإيمان، فقوله مثقال ذرة من إيمان ومن خير الصحيح أن معناه شيء زائد على مجرد الإيمان لأن مجرد الإيمان الذي هو تصديق لا يتجزأ، فعليك يا أخي بالإيمان، بأن تعتقد بقلبك دين الإسلام وتنطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصرت على أحدهما خلدت في نار جهنم التي وقودها الناس والحجارة، ولا تنفعك شفاعة شافع ثم عليك أن تحترز من المعاصي، فإن المعاصي بريد الكفر.
فقد حكي أن تلميذاً للفضيل بن عياض حضرته الوفاة فدخل عليه الفضيل وجلس عند رأسه، وقرأ سورة يس. فقال يا أستاذ لا تقرأ هذه السورة فسكت ثم لقنه، فقال قل لا إله إلا الله، فقال لا أقولها لأني بريء منها ومات على ذلك فدخل الفضيل منزله وجعل يبكي أربعين يوماً لم يخرج من البيت ثم رآه في النوم وهو يسحب به إلى جهنم. فقال: بأي شيء نزع الله المعرفة عنك وكنت اعلم تلاميذتي؟ فقال بثلاثة أشياء: أولها: بالنميمة، فإني قلت لأصحابي بخلاف ما قلت لك.
وثانياً: بالحسد، حسدت أصحابي.
وثالثاً: كان بي علة فجاء إلى طبيب فسألته عنها فقال: اشرب في كل سنة قدحاً من خمر فإن لم تفعل تبقى بك العلة فكنت أشربه نعوذ بالله من السخط الذي لا طاقة لنا به.
قال بعضهم:
إذا أبقيت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
اللهم ارحمنا ولا تعذبنا، ووفقنا ولا تخذلنا، ولا تسلب منا الإيمان عند خواتيمنا، فإنه لا ملجأ لنا إلا إليك، ولا معول لنا إلاعليك يا أرحم الراحمين.
стр. 55
عذاب الكافرين في جهنم
قال الله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤوسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ. كُلَّمَا أَرَادُاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِِ.).
(تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ).
(إِذ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ. فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ).
(وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِى كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَ لَمْ نُعَمِرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ).
(إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّوِم طَعَامُ الأثِيِم كَالْمُهْلِ يَغْلىِ فيِ الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إلَى سَوَاءِ الْجَحِيِم ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأسِهِ مِنْ عَذَابِ الحَمِيِم ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الْكَرِيمُ).
(وَأَصْحَابُ الشِمَالِ مَا أَصْحابُ الشِمَالِ. فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ. وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ. لاَّ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ. إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتَرَفِينَ. وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ. وَكَنُواْ يَقُولُونَ أَئِذا مِتْنَا وكُنَّا تُرَاباً وعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ. قُلْ إِنَّ الأَوَلِينَ وَالآخِرينَ. لَمَجْمُوعُونَ
стр. 56
إلى مِيقَاتِ يَومٍ مَعْلُومٍ. ثُّمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالْونَ الْمُكَذِّبُونَ. لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُومٍ. فَمَالِؤنَ مِنْهَا البُطُونَ. فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ. فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ. هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ. نَحْنُ خَلَقْنكُمْ فَلَولا تُصَدِّقُونَ.) (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ. ثُّمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ. ثُّمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلِكُوهُ. إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤمِنُ بِالله الْعَظِيمِ. وَلاَ يَحَضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكينِ. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ. وَلاَ طَعَامٌ إلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ. لاَّ يَأكُلُهُ إِلاَّ الْخَاطِؤُنَ.).
(هل أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ. عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ. تَصْلَى نَاراً حَامِيَةٌ. تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ. لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ. لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ).
وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حفها بالمكاره، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها ثم جاء، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد.
قال فلما خلق الله النار، قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفها بالشهوات، ثم قال يا جبريل اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، فقال: أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها.
وفي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : " ناركم هذه التي يوقدها ابن آدم جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم "، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول
стр. 57
الله. قال: " إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها ".
وذكر سفيان بن عيينة عن أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ : " ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم ولولا أنها ضربت بالماء مرتين ما كان لأحد فيها منفعة ".
وفي كتاب الترمذي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة ".
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ : " أتدرون ما هذا؟ " قال: قلنا الله ورسوله أعلم قال: " هذا حجر رُميَ به في النار منذ سبعين خريفاً فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها ".
وفي كتاب الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن رضاضة مثل هذه وإشارة إلى مثل الجمجمة، أرسلت من السماء إلى الأرض، في مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها ".
وفي صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: " يقول الله: لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة، لو أن لك ما في الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك ".
وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "
стр. 58
إن أهون أهل النار عذاباً من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحداً أشد منه عذاباً وإنه لأهونهم عذاباً ".
وفيه عن سمرة بن جندب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إن منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه إلى عنقه ".
وفي مسند البزار عن هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو كان في المسجد مائة ألف أو يزيدون ثم تنفس رجل من أهل النار لأحرقهم ".
وفي كتاب الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن يكون طعامه؟ ".
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: " لسرادق النار أربعة جدر، وكثف كل جدار مسيرة أربعين سنة ".
قالصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لو أن دلواً من غساق تهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا ".
قال العلماء: عرق أهل النار وصديدهم.
وقيل دموعهم يسقونها مع الحميم.
وقال ﷺ : " ويل واد في جهنم يهوى الكافر فيه أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره والصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ويهوى كذلك أبداً ".
وقال ﷺ : " لو أن مقمعاً من حديد وضع على الأرض فاجتمع الثقلان ما نقلوه من الأرض. وقال: لو ضرب بمقمع من حديد الجبل لتفتت وصار غباراً ".
وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول إني قد وكلت بثلاث، بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين ".
وفي كتاب الترمذي عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: (
стр. 59
وَيُسْقَى مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ. يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ).
قال يقرب إلى فيه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره.
يقول الله تعالى: (وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ).
ويقول جل وعلا: (وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ).
وفيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الحميم حتى يخلص إلى جوفه فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان ".
وفيه عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: " وهم فيها كالحون: قال تشويه النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته ".
وفي كتاب الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً، وإن ضرسه مثل أُحد، وإن مجلسه في جهنم كما بين مكة والمدينة ".
وفي صحيح مسلم قال: ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أُحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث.
وقال: ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاث للراكب المسرع.
وروي عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الكافر ليسحب لسانه الفرسخ والفرسخين يتوطؤه الناس ".
وفي كتاب الترمذي وغيره عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا فإن أهل النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم
стр. 60
على وجوههم كأنها جداول حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء فتقرح العيون فلو أن سفناً أجريت فيها لجرت ".
وحكي عن شقيق البلخي أنه كان يوماً يعاتب نفسه ويوصيها ويقول: يا شقيق لا تعص الله إلا على حسب ما تطيق من عذابه واعمل لآخرتك على قدر حوائجك إليها، واطلب الرزق على قدر مقامك في الدنيا، واعمل لدار لا نفاذ لها فسوف ترى إذا انجلى الغبار أفرس تحتك أم حمار.
وروي أن الربيع بن خثيم كان يذهب إلى ابن مسعود فمر بحانوت حداد فرأى الحديدة المحماة في الكير فغشي عليه، ولم يفق إلى الغد، فلما أفاق سئل عن ذلك؟ فقال: تذكرت كون أهل النار في النار.
إخواني صححوا الإِيمان: وهو تصديق القلب، ولا يعتبر إلا مع التلفظ بالشهادتين حتى تنجوا من خلود نار جهنم واحرصوا كل الحرص على الإِتيان بكمال خصال الإِسلام حتى تنجوا من دخولها رأساً.
أيا عاملاً للنار جسمك لين ... فجربه لتمرينا بحرِّ الظهيرة
ودرجه في لسع الزنابير تجتري ... على نهش حيات هناك عظيمة
فإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي ... دعاك إلى إسخاط رب البرية
تبارز بالنكرات عشية ... وتصبح في أثواب نسك وعفة
فأنت عليه منك أجرى على الورى ... بما فيك من جهل وخبث طوية
تقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة
وربك رزاق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية
فإنك ترجو العفو من غير توبة ... ولست ترجى الرزق إلا بحيلة
على أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة
إلهي أجرنا من عظيم ذنوبنا ... ولا تخزنا وانظر إلينا برحمة
стр. 61
وخذ بنواصينا إليك وهب لنا ... يقيناً يُقينا كل شك وريبة
إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا ... إلى الحق نهجاً في سواء الطريقة
وكن شغلنا عن كل شغل وهمنا ... وبغيتنا عن كل هم وبغية
وصل صلاة لا تناهي على الذي ... جعلت به مسكاً ختام النبوة
стр. 62
الخلود في النار للكافرين
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وفي كتاب الترمذي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام من ضريع لا يسمن ولا يغني من جوع، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات، قالوا: بلى، قالوا: فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ظلال، قال: فيقولون ادعوا مالكاً فيقولون يا مالك ليقض علينا ربك، قال فيجيبهم إنكم ماكثون.
قال الأعمش: ثبت أن بين دعائهم وإجابة مالك إياهم ألف عام، قال: فيقولون ادعوا ربكم، فلا أحد خير من ربكم فيقولون ربنا غلبت شقوتنا وكنا قوماً ضالين، ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون، قال فيجيبهم: (اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ) قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل.
وروى أن لهب النار يرفع أهل النار حتى يطيروا كما يطير الشرر فإذا رفعهم أشرفوا على الجنة وبينهم حجاب فنادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد
стр. 63
وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ قالوا: نعم، فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا: إن الله حرمها على الكافرين، فتردهم ملائكة العذاب بمقامع الحديد إلى قعر جهنم.
قال: بعض المفسرين: هو معنى قول الله : (كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ).
وفي الكشاف وأنوار التنزيل عن ابن عباس ﵄: إن لهم ست دعوات إذا دخلوا النار، يقولون ألف سنة: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحاً).
فيجابون: (وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي).
فيقولون ألفاً: (قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ).
فيجابون: (ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ).
فيقولون ألفاً: (يَمَلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ).
فيجابون: (إِنَّكُم مَّاكِثُونَ).
فيقولون ألفاً: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ).
فيجابون: (أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبلُ مَالَكُم مِّن زَوَالٍ).
стр. 64
فيقولون ألفاً: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَلِحاً).
فيجابون: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ).
فيقولون ألفاً: (رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّى أَعْمَلُ صَالِحَاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).
فيجابون: (اخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ).
ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتى بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ثم يذبح ثم ينادي منادٍ يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم ".
وفي كتاب الترمذي: فلو أن أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة، ولو أن أحداً مات حزناً لمات أهل النار.
فاتق الله يا أخي ولا تصغر ذنباً ولا تلق مثل هذا خلف ظهرك ظناً منك أنه إِنما يلحق الكفار.
فقد روي البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قال: " يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن ".
وإنه قال ﷺ : " إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم ".
стр. 65
وقال الغزالي ﵀ وكان شيخنا يقول: إذا بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على الخطر ولا تدري ماذا يكون من العاقبة وماذا سبق لك في حكم الغيب ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.
وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
هي الموت غير الشهادة.
نصف دينار من خير فأخرجوه فيخرجون خلقاً كثيراً ثم يقولون ربنا لم نذر فيها ممن أمرتنا أحداً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة قال أبو حفص الحداد: بريد الكفر كما أن الحمَّى بريد الموت.
وقال حاتم الأصم: لا تغتر بموضع صالح فلا مكان أصلح من الجنة، فلقي آدم فيها ما لقي، ولا تغتر بكثرة العبادة فإن إبليس بعد طول تعبده لقي ما لقي، ولا تغتر بكثرة العلم فإن بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم، فانظر ماذا لقي، ولا تغتر برؤية الصالحين فلا شخص أكبر من المصطفى فلم ينتفع بلقائه أقاربه وأعداؤه.
وعن أبي بكر الوراق ﵀، أنه قال: أكثر ما ينزع الإِيمان من العبد عند الموت، فنظرنا في الذنوب فلم نجد أنزع للإِيمان من ظلم العباد.
أقنع فديتك بالقليل ... والزم مقارنة الخمول
واملك هواك مجاهداً ... وتنح عن قال وقيل
стр. 66
فلسوف تسأل يوم يح ... شرك المليك عن الفتيل
والمرء في شغل بذا ... ك عن المصاحب والخليل
لابد تجزى ما صنع ... ت من الدقيق وبالجليل
تنح ما استطعت على ذنوبك بالغدو وبالأصيل إن كنت ترغب في الجنان، وظل مولاك الظليل.
قال في إكمال المعلم: اعلم أن الإِجماع قد وقع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بتخفيف عذاب، ولا بنعيم لكنهم بإضافة بعضهم إلى الكفر كبائر المعاصي وأعمال الشر وأذى المؤمنين يزدادون عذاباً.
كما قال الله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ. وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ آلْخَائِضِينَ. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ. حَتَّى أَتَنَا الْيَقِينُ. فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَعَةُ الشَّافِعِينَ) فليس إذن عذاب أبي طالب كعذاب أبي جهل.
وذكر عن الحسن أن آخر من يخرج من النار يقال له هناد عذب ألف عام ينادي: يا حنان، يا منان، فبكى الحسن وقال: يا ليتني كنت هناداً، فتعجبوا منه، فقال: ويحكم أليس يوماً يخرج ولاشك أنه ﵀ كان عالماً بأحكام الآخرة.
وقال يحيى بن معاذ: لا تدري أي المصيبتين أعظم، أفوت الجنان، أم
стр. 67
دخول النيران، أما الجنة فلا صبر عنها وأما النار فلا صبر عليها وعلى كل حال، فوت النعيم أيسر من مقاساة الجحيم، ثم الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى هي في الخلود إذ أي قلب يحتمله وأي نفس تصبر عليه.
стр. 68
الجنة وما لأهلها من النعيم
قال الله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَبِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ).
والسابقون أي إلى الهجرة أو الخير.
(وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون. أُوْلئِكَ الْمُقَرَّبُونَ. فِي جَنَّتِ النَّعِيِم. ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ. وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ. عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ).
أي منسوجة بالذهب مشبكة بالجواهر (مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَبِلِينَ) وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد.
(يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ) ولا يشيبون ولا يتغيرون.
(بِأَكْوَابٍ) جمع كوب إناء لا عروة ولا خرطوم له.
(وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ) أي لا ينشأ عنها صداعهم ولا ذهاب عقلهم.
(وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَلِ الُّلؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي المصون عما يضر به.
(جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ. لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً) عبثاً باطلاً.
(وَلاَ تَأْثِيماً) أي ما يوقع في الإِثم.
(إِلاَّ قِيلا سَلاَماً سَلاَماً) أي إلا التسليم منهم بعضهم على بعض.
стр. 69
(وَأَصْحَابُ الْيِمَينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ) وهم الأبرار دون المقربين.
(فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ) أي لا شوك له أو مثنى الغصن من كثرة الحمل.
(وَطَلْحٍ) موز.
(مَّنضُودٍ) متراكم قد نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه.
(وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) أي منبسط أو دائم.
وفي الحديث: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها (وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ) أي مصبوب يجري على وجه الأرض من غير أخدود.
(وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ. لاَّ مَقْطُوعَةٍ) في زمان (وَلاَ مَمنْوُعَةٍ) من أحد (وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ) كما بين السماء والأرض (وُجُوهٌ يَوَمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ) ذات بهجة (لّسَعْيِها) في الدنيا (رَاضِيَةٌ) في الآخرة لما رأت من ثوابها (في جَنَّةٍ عَالِيَة) المحل أو القدر (لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لَغِيَةً) لغواً (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ. فِيَها سُرُرٌ مَّرْفُعَةٌ) رفيعة السمك إذا أراد أن يجلس عليها صاحبها تواضعت له ثم ترتفع (وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ) بين أيديهم (وَنَمَارِقُ) وسائد (مَصْفُوفَةٌ) بعضها بجنب بعض (وَزَرَابِىُّ) بسط فاخرة. (مَبْثُوثَةٌ) مبسوطة.
стр. 70
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " قال الله تعالى: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر).
اقرءوا إن شئتم: (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ).
قال أهل اللغة قرة أعين يعبر بها عن المسرة، ورؤية ما يحب الإِنسان ويوافقه.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة " اقرءوا إن شئتم (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب ".
وفي كتاب الترمذي: ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب.
وفي كتاب الترمذي عن أبي هريرة قال: قلت يا رسول الله مم خلق الخلق؟ قال: " من الماء ". قلنا الجنة ما بناؤها؟ قال: " لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا ييأس، ويخلد ولا يموت ولا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم ".
وفي صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ : " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضواء كوكب دري في السماء،
стр. 71
لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب ".
وفيه أيضاً: " ... لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، ولا يتفلون أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعاً في السماء ".
وفيه أيضاً: " ... لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشية ".
وفيه قال: يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتفلون، ولا يبولون ولا يتغوطون، ولا يمتخطون، قالوا: فما بال الطعام؟ قال: جشاء ورشح كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس.
وفي الصحيحين قال: " إن أهل الجنة يتراؤون أهل الغرف من فوقهم كما يتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم " قالوا: يا رسول الله تلك منزل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: " بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
وفي مسند البراز عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيجيء مشوياً بين يديك ".
وفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها " فقام إليه أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله فقال: " هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام ".
стр. 72
وفي كتاب الترمذي عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ قال: " لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرف له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوؤه ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ".
وفي كتاب الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة لسوقاً متجمعاً ما فيها شراء ولا بيع إلا صور من الرجال والنساء فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها ".
وفي كتاب الترمذي عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلاً قال يا رسول الله هل في الجنة من خيل؟ قال: " إن الله أدخلك الجنة فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء تطير بك في الجنة، حيث شئت إلا حملت " وسأله رجل فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل فقال: " إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك ".
وفي كتاب الترمذي قال ﷺ : " من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون بني ثلاث وثلاثين في الجنة لا يزيدون عليها أبداً، وكذلك أهل النار " وقال: " إن عليهم التيجان أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب ".
وفي كتاب الترمذي قال: " إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ".
وحكي أن أصحاب الثوري كلموه فيما كانوا يرون من خوفه واجتهاده ورثة حاله، فقالوا: يا أستاذ لو نقصت من هذا الجهد نلت مرادك أيضاً إن شاء الله تعالى، فقال سفيان كيف لا أجتهد وقد بلغني أن أهل الجنة يكونون في منازلهم فيتجلى لهم نور يضيء له الجنان الثمان فيظنون أن ذلك نور من عند
стр. 73
الرب فيخرون ساجدين فينادون أن ارفعوا رؤوسكم ليس الذي تظنون إنما هو نور جارية تبسمت في وجه صاحبها ثم أنشد يقول:
ما ضر من كان الفردوس مسكنه ... ماذا تحمل من بؤس وإقتار
تراه يمشي كئيباً خائفاً وجلا ... إلى المساجد يمشي بين أطمار
يا نفس مالك من صبر على النار ... قد حان أن تقبلي من بعد إدبار
وقيل لوهب بن منبه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك، ذكره البخاري في صحيحه.
وروي أن الله أوحى إلى موسى: (ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، كيف أجود برحمتي على من بيخل بطاعتي .... ).
وعن شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وخذلان. وعن رابعة البصرية أنها كانت تنشد:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وقال الشيخ اليافعي رحمة الله عليه:
فيا عجباً ندري بنار وجنة ... وليس لذي نشتاق أو تلك نحذر
إذا لم يكن خوف وشوق ولا حيا ... فماذا بقي فينا من الخير يذكر
ولسنا لحر صابرين ولا بلى ... فكيف على النيران يا قوم نصبر
وفوت جنان الخلد أعظم حسرة ... على تلك فليتحسر المتحسر
стр. 74
فأف لنا أف كلاب مزابل ... إلى نتنها نغدو ولا نتدبر
نبيع خطيراً بالحقير عماية ... وليس لنا عقل وقلب منور
فطوبى لمن يؤتى القناعة والتقى ... وأوقاته في طاعة الله يعمر
اللهم اجعلنا من المتقين الوارثين للجنة ولا تحرمنا من رفدك ورحمتك يا عظيم المنة.
стр. 75
صفة الحور العين
قال الله تعالى: (وَحُورٌ عِينٌ. كَأمْثَالِ الُّلؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ).
وقال: (إِنَّا أَنشَأْنَهُنَّ إِنشَاءً. فَجَعَلْنَهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً. لأَصْحَبِ الْيَمِينِ).
وفي صحيح مسلم: قال رسول الله ﷺ : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها ستون ميلاً في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن: أي صفة الكبرياء والعظمة فهو بكبريائه وعظمته لا يريد أن يراه أحد من خلقه حتى يأذن لهم في دخول جنة عدن فيرونه فيها ".
وفي صحيح مسلم قال: " إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً، فيقول لهم أهلوهم، والله لقد ازددتم حسناً وجمالاً ".
следующие страницы →