هَوَاهُ إِلَّا الشِّيعَة، فَإِن أصل عقدهم تضليل أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ: وَمن أَتَى السُّلْطَان طَائِعا حَتَّى انقادت لَهُ الْعَامَّة فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يكون من أَئِمَّة الْمُسلمين". قلت: هَذَا الْكَلَام من الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ فِي الشِّيعَة، وفَاق مَا قَدمته فِي الْخطْبَة. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: "مَا فِي أهل الْأَهْوَاء قوم أشهد بالزور من الرافضة. وَأخرج عَن جَابر بن عبد الله" قَالَ: "بَلغنِي حَدِيث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَن رَسُول الله ﷺ لم أسمعهُ مِنْهُ، فابتعت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلي ثمَّ سرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى قدمت الشَّام فَإِذا هُوَ عبد الله بن أنيس الْأنْصَارِيّ فَأَتَيْته فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَنْك أَنَّك سمعته من رَسُول الله ﷺ فِي الْمَظَالِم لم أسمعهُ فَخَشِيت أَن أَمُوت أَو تَمُوت قبل أَن أسمعهُ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " يحْشر النَّاس عُرَاة غُرْلا بُهْما. قُلْنَا: وَمَا البُهْم؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، فيناديهم نِدَاء يسمعهُ من بعُد كَمَا يسمعهُ من قرُب: أَنا الْملك، أَنا الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار، ولأحد من أهل الْجنَّة عِنْده مظْلمَة حَتَّى أقصه مِنْهُ. وَلَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَأحد من أهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى أقصه مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَة، قُلْنَا: كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي الله عُرَاة غُرْلا
стр. 37
بُهْما؟ قَالَ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات"، أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: "خرج أَبُو أَيُّوب إِلَى عقبَة بن عَامر يسْأَله عَن حَدِيث سَمعه من رَسُول الله ﷺ لم يبْق أحد سَمعه مِنْهُ غَيره، فَلَمَّا قدم أَتَى منزل مسلمة بن مخلد الْأنْصَارِيّ - وَهُوَ أَمِير مصر - فَخرج إِلَيْهِ فعانقه ثمَّ قَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا أَيُّوب؟ قَالَ: حَدِيث سمعتَه من رَسُول الله ﷺ فِي ستر الْمُؤمن، فَقَالَ: نعم. سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من ستر مُؤمنا فِي الدُّنْيَا على كربته ستره الله يَوْم الْقِيَامَة" ثمَّ انْصَرف أَبُو أَيُّوب إِلَى رَاحِلَته فركبها رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة فَمَا أَدْرَكته جَائِزَة مسلمة إِلَّا بعريش مصر".
وَأخرج الشَّيْخَانِ من طَرِيق صَالح بن حَيّ قَالَ: "كنت عِنْد الشّعبِيّ، فَقَالَ لَهُ رجل من أهل خُرَاسَان: إِنَّا نقُول بخراسان إِن الرجل إِذا أعتق أم وَلَده ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كَالَّذي يهدي الْبَدنَة ثمَّ يركبهَا. قَالَ الشّعبِيّ: أَخْبرنِي أَبُو بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ: رجل كَانَت لَهُ أمة فعلَّمها فَأحْسن تعليمها، وأدبها فَأحْسن تأديبها، وأعتقها فَتَزَوجهَا فَلهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْد يُؤَدِّي حق الله وَحقّ سيّده وَهُوَ من أهل الْكتاب" ثمَّ قَالَ الشّعبِيّ للرجل: قد أعطيناكها بِغَيْر
стр. 38
شَيْء وَقد كَانَ الرجل يرحل فِيمَا دونهَا إِلَى الْمَدِينَة". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: "إِن كنت لأسافر مسيرَة الْأَيَّام والليالي فِي الحَدِيث الْوَاحِد". وَأخرج عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: "قيل لعروة بن الزبير فِي قصَّة ذكرهَا: كذبتَ، قَالَ عُرْوَة: مَا كذبتُ وَلَا أكذبُ وإنَّ أكذبَ الْكَاذِبين لمن كذَّب الصَّادِقين". وَأخرج عَن عُثْمَان بن نفَيْل: قَالَ: "قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل: إِن فلَانا يتَكَلَّم فِي وَكِيع وَعِيسَى ابْن يُونُس وَابْن الْمُبَارك، فَقَالَ: من كذَّب أهل الصدْق فَهُوَ الْكذَّاب". وَأخرج مُسلم عَن ابْن سِيرِين قَالَ: "لقد أَتَى على النَّاس زمَان وَمَا يسْأَل عَن إِسْنَاد حَدِيث، فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة سُئِلَ عَن إِسْنَاد الحَدِيث، فَنظر من كَانَ من أهل السّنة أَخذ من حَدِيثه، وَمن كَانَ من أهل الْبدع ترك حَدِيثه".
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مَالك قَالَ: "كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول: سنّ رَسُول الله ﷺ وولاة الْأَمر من بعده سنناً الأخذُ بهَا تَصْدِيق لكتاب الله واستكثار لطاعة الله وَقُوَّة على دين الله، من اهْتَدَى بهَا فَهُوَ مهتد، وَمن استنصر بهَا فَهُوَ مَنْصُور، وَمن خالفها اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .
وَأخرج بِسَنَدِهِ عَن الْمُزنِيّ أَو الرّبيع قَالَ: كُنَّا يَوْمًا
стр. 39
عِنْد الشَّافِعِي إِذْ جَاءَ شيخ عَلَيْهِ جُبَّة صوف وعمامة صوف وَإِزَار صوف وَفِي يَده عكاز، فَقَامَ الشَّافِعِي وسوَّى عَلَيْهِ ثِيَابه واستوى جَالِسا وسلّم الشَّيْخ وَجلسَ، وَأخذ الشَّافِعِي ينظر إِلَى الشَّيْخ هَيْبَة لَهُ، إِذْ قَالَ لَهُ الشَّيْخ: سل؟، قَالَ: إيش الْحجَّة فِي دين الله، قَالَ: كتاب الله، قَالَ: وماذا؟، قَالَ وَسنة رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ: وماذا؟، قَالَ: اتِّفَاق الْأمة، قَالَ: من أَيْن؟، قلت: اتِّفَاق الْأمة من كتاب الله، قَالَ فَتدبر الشَّافِعِي سَاعَة، فَقَالَ للشَّافِعِيّ: قد أجلتك ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَإِن جِئْت بِحجَّة من كتاب الله فِي الِاتِّفَاق وَإِلَّا تب إِلَى الله، فَتغير لون الشَّافِعِي، ثمَّ أَنه ذهب فَلم يخرج إِلَّا بعد ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، قَالَ: فَخرج إِلَيْنَا من الْيَوْم الثَّالِث وَقد انتفخ وَجهه ويداه وَرجلَاهُ وَهُوَ مسقام، فَجَلَسَ فَلم يكن بأسرع إِذْ جَاءَ الشَّيْخ وَسلم وَجلسَ فَقَالَ: حَاجَتي، فَقَالَ الشَّافِعِي: نعم، أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ لَا يصليه على خلاف الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَهُوَ فرض فَقَالَ: صدقت، وَقَامَ فَذهب، فَلَمَّا ذهب الرجل قَالَ الشَّافِعِي: قَرَأت الْقُرْآن كل يَوْم وَلَيْلَة ثَلَاث مَرَّات حَتَّى وَقعت عَلَيْهِ".
стр. 40
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والدارمي عَن معَاذ بن جبل قَالَ: " لما بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن قَالَ لي: كَيفَ تقضي إِن عرض عَلَيْك قَضَاء؟، قلت: أَقْْضِي بِمَا فِي كتاب الله، قَالَ: فَإِن لم يكن فِي كتاب الله، قلت: أَقْْضِي بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فَإِن لم يكن قضى بِهِ الرَّسُول، قلت: أجتهد رَأْيِي وَلَا آلو، فَضرب صَدْرِي وَقَالَ. الْحَمد لله الَّذِي وفْق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرْضِي رسولَ الله ﷺ ". وَأَخْرَجَا أَيْضا وَالْحَاكِم عَن عبيد الله بن أبي يزِيد قَالَ: "رَأَيْت ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء، فَإِذا كَانَ فِي كتاب الله قَالَ بِهِ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بِهِ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عَن أبي بكر وَعمر قَالَ بِهِ، وَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أبي بكر عمر اجْتهد رَأْيه". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مَالك قَالَ: قَالَ ربيعَة: "أنزل الله كِتَابه على نبيه ﷺ وَترك فِيهِ موضعا لسنة نبيه ﷺ وَسن رَسُول الله ﷺ سننا وَترك فِيهَا موضعا للرأي". وَأخرج عَن مَسْرُوق قَالَ: قَالَ عمر ﵁: "ترد النَّاس من الجهالات إِلَى السّنة.
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عَليّ بن أُميَّة قَالَ: "قلت لعمر بن الْخطاب: لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة
стр. 41
إِن خِفْتُمْ أَن يَفْتِنكُم الَّذين كفرُوا وَقد أَمن النَّاس، فَقَالَ عمر: عجبتُ مِمَّا عجبتَ مِنْهُ فَسَأَلت رَسُول الله ﷺ قَالَ: "صَدَقَة تصدق بهَا الله عَلَيْكُم فاقبلوا صدقته" قَالَ الْعلمَاء: فَهموا من الْآيَة أَنه إِذا عدم الْخَوْف كَانَ الْأَمر فِي الْقصر بِخِلَافِهِ، حَتَّى أخْبرهُم النَّبِي ﷺ بِالرُّخْصَةِ فِي الْحَالين مَعًا. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أُميَّة بن عبد الله بن خَالِد أَنه قَالَ لعبد الله بن عمر: "إِنَّا نجد صَلَاة الْحَضَر وَصَلَاة الْخَوْف فِي الْقُرْآن وَلَا نجد صَلَاة السّفر فِي الْقُرْآن، فَقَالَ ابْن عمر: يَا ابْن أخي إِن الله بعث إِلَيْنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَلَا نعلم شَيْئا فَإِنَّمَا نَفْعل كَمَا رَأينَا رَسُول الله ﷺ يفعل". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِن أحاديثي ينْسَخ بَعْضهَا بَعْضًا كنسخ الْقُرْآن بعضه بَعْضًا"، وَأخرج عَن الزبير بن الْعَوام: "أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول القَوْل ثمَّ يلبث حينا ثمَّ ينسخه بقول آخر كَمَا ينْسَخ الْقُرْآن بعضه بَعْضًا".
وَأخرج عَن مَكْحُول قَالَ: "الْقُرْآن أحْوج إِلَى السّنة من السّنة إِلَى الْقُرْآن". أخرجه سعيد بن مَنْصُور. وَأخرج عَن يحيى بن أبي كثير قَالَ: "السّنة قاضية على الْكتاب وَلَيْسَ الْكتاب قَاضِيا على السّنة". أخرجه الدَّارمِيّ وَسَعِيد ابْن مَنْصُور، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَمعنى ذَلِك أَن السّنة مَعَ الْكتاب أُقِيمَت مقَام الْبَيَان عَن الله كَمَا قَالَ الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا
стр. 42
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لَا أَن شَيْئا من السّنَن يُخَالف الْكتاب. قلت: وَالْحَاصِل أَن معنى احْتِيَاج الْقُرْآن إِلَى السّنة أَنَّهَا مبينَة لَهُ ومفصلة لمجملاته، لِأَن فِيهِ لَو جازته كنوزا تحْتَاج إِلَى من يعرف خفايا خباياها فيبررها وَذَلِكَ هُوَ الْمنزل عَلَيْهِ ﷺ ، وَهُوَ معنى كَون السّنة قاضية عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْقُرْآن مُبينًا للسّنة وَلَا قَاضِيا عَلَيْهَا لِأَنَّهَا بَيِّنَة بِنَفسِهَا، إِذْ لم تصل إِلَى حد الْقُرْآن فِي الإعجاز والإيجاز لِأَنَّهَا شرح لَهُ، وشأن الشَّرْح أَن يكون أوضح وَأبين وأبسط من المشروح، وَالله أعلم. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن هِشَام بن يحيى المَخْزُومِي: "أَن رجلا من ثَقِيف أَتَى عمر بن الْخطاب فَسَأَلَ عَن امْرَأَة حَاضَت وَقد كَانَت زارت الْبَيْت ألها أَن تنفر قبل أَن تطهر؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ الثَّقَفِيّ: إِن رَسُول الله ﷺ أفتاني فِي مثل هَذِه الْمَرْأَة بِغَيْر مَا أَفْتيت، فَقَامَ إِلَيْهِ عمر فَضَربهُ بالدِّرة وَيَقُول: لِمَ تستفتوني فِي شَيْء أفتى فِيهِ رَسُول الله ﷺ ". وَأخرج عَن ابْن خُزَيْمَة قَالَ: "لَيْسَ لأحد قَول مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذا صَحَّ الْخَبَر". وَأخرج عَن يحيى بن آدم قَالَ: "لَا يحْتَاج مَعَ قَول النَّبِي ﷺ إِلَى قَول أحد إِنَّمَا كَانَ يُقَال سنة النَّبِي ﷺ ، وَأبي بكر، وَعمر، ليعلم أَن النَّبِي ﷺ مَاتَ وَهُوَ عَلَيْهَا". وَأخرج عَن مُجَاهِد قَالَ: "لَيْسَ أحد إِلَّا يُؤْخَذ من قَوْله وَيتْرك من قَوْله إِلَّا النَّبِي ﷺ ". وَأخرج
стр. 43
عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: سَمِعت أَبَا حنيفَة يَقُول: "إِذا جَاءَ عَن النَّبِي ﷺ فعلى الرَّأْس وَالْعين، وَإِذا جَاءَ عَن أَصْحَاب النَّبِي ﷺ نَخْتَار من قَوْلهم، وَإِذا جَاءَ عَن التَّابِعين زاحمناهم وَأخرج مُسلم عَن أبي مَسْعُود الْأنْصَارِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يؤم الْقَوْم أقرؤهم لكتاب الله، فَإِن كَانُوا فِي الْقُرْآن سَوَاء فأعلمهم بِالسنةِ، فَإِن كَانُوا فِي السّنة سَوَاء فأقدمهم هِجْرَة" وَأخرج عَن أبي البحتري قَالَ: قيل لعَلي بن أبي طَالب ﵁: أخبرنَا عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: "علم الْقُرْآن وَالسّنة ثمَّ انْتهى وَكفى بِهِ علما".
وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "مهما أُوتِيتُمْ من كتاب الله فَالْعَمَل بِهِ لَا عذر لأحد فِي تَركه، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فَسنة نَبِي مَاضِيَة، فَإِن لم يكن سنة نَبِي فَمَا قَالَ أَصْحَابِي، إِن أَصْحَابِي بِمَنْزِلَة النُّجُوم فِي السَّمَاء، فأيما أَخَذْتُم بِهِ اهْتَدَيْتُمْ، وَاخْتِلَاف أَصْحَابِي لكم رَحْمَة" ١ وَأخرج عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه مر على قاص يقص قَالَ: أتعرف النَّاسِخ من الْمَنْسُوخ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ عَليّ: هَلَكت وأهلكت". وَأخرج مثله عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الشَّافِعِي:، وَلَا يسْتَدلّ على النَّاسِخ والمنسوخ فِي الْقُرْآن إِلَّا بِخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ
стр. 44
أَو بِوَقْت يدل على أَن أَحدهمَا بعد الآخر فَيعلم أَن الآخر هُوَ النَّاسِخ، أَو بقول من سمع الحَدِيث أَو الْإِجْمَاع، قَالَ: وَأكْثر النَّاسِخ فِي كتاب الله إِنَّمَا عرف بِدلَالَة سنَن رَسُول الله ﷺ . وَأخرج عَن ابْن الْمُبَارك أَنه قيل لَهُ مَتى يُفْتِي الرجل؟ فَقَالَ: "إِذا كَانَ عَالما بالأثر بَصيرًا بِالرَّأْيِ". وَأخرج عَن جُنْدُب بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من قَالَ فِي الْقُرْآن بِرَأْيهِ فَأصَاب فقد أَخطَأ". وَأخرج عَن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ قَالَ: "أرسل عمر بن الْخطاب إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ: كَيفَ تخْتَلف هَذِه الْأمة وكتابها وَاحِد ونبيها وَاحِد وقبلتها وَاحِدَة؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّا أنزل علينا الْقُرْآن فقرأناه وَعلمنَا فِيمَا نزل وَإنَّهُ سَيكون بَعدنَا أقوم يقرؤون الْقُرْآن وَلَا يعْرفُونَ فِيمَا نزل فَيكون لكل قوم فِيهِ رَأْي فَإِذا كَانَ لكل قوم فِيهِ رَأْي اخْتلفُوا، فَإِذا اخْتلفُوا اقْتَتَلُوا". أخرجه سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه، قلت: فعُرف من هَذَا وجوب احْتِيَاج النَّاظر فِي الْقُرْآن إِلَى معرفَة أَسبَاب نُزُوله، أَسبَاب النُّزُول إِنَّمَا تُؤْخَذ من الْأَحَادِيث، وَالله أعلم.
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والدارمي عَن الشّعبِيّ قَالَ: كتب عمر بن الْخطاب إِلَى شُرَيْح: "إِذا حضرك أَمر لابد مِنْهُ فَانْظُر مَا فِي كتاب الله فَاقْض بِهِ، فَإِن لم يكن فبمَا قضى بِهِ
стр. 45
الرَّسُول ﷺ فَإِن لم يكن فبمَا قضى بِهِ الصالحون. وأئمة الْعدْل، فَإِن لم يكن فاجتهد رَأْيك". وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: "من ابْتُلِيَ مِنْكُم بِقَضَاء فليقض بِمَا فِي كتاب الله فَإِن لم يكن فِي كتاب الله فليقض بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا فِي قَضَاء رَسُول الله ﷺ فليقض بِمَا قضى بِهِ الصالحون، فَإِن لم يكن فليجتهد رَأْيه". وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "من أحدث رَأيا لَيْسَ فِي كتاب الله وَلم تمض بِهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ لم يدر على مَا هُوَ مِنْهُ إِذا لَقِي الله". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لن يستكمل مُؤمن إيمَانه حَتَّى يكون هَوَاهُ تبعا لما جِئْت بِهِ" وَأخرج الْبَيْهَقِيّ واللالكائي فِي السّنة عَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: "إيَّاكُمْ وَأَصْحَاب الرَّأْي فَإِنَّهُم أَعدَاء السّنَن أعيتهم أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ أَن يحفظوها فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فضلوا وأضلوا"، وَأخرج البُخَارِيّ عَن أبي وَائِل قَالَ: "لما قدم سهل بن حنيف من صفّين أتيناه لنستخبره فَقَالَ: اتهموا الرَّأْي على الدّين فَلَقَد رَأَيْتنِي يَوْم أبي جندل وَلَو أَسْتَطِيع أَن أرد على رَسُول الله ﷺ أمره لرددت وَالله وَرَسُوله أعلم وَمَا وَضعنَا أسيافنا على عواتفنا فِي أَمر يفظعنا إِلَّا سهل بِنَا إِلَى أَمر نعرفه قبل هَذَا الْأَمر مَا سددنا عَنهُ خصما إِلَّا انفجر
стр. 46
علينا خصم مَا نَدْرِي كَيفَ نأتي إِلَيْهِ"، وَأخرج البيقهي وَأَبُو يعلى عَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَنه قَالَ: "يَا أَيهَا النَّاس اتهموا الرَّأْي على الدّين فَلَقَد رَأَيْتنِي أرد أَمر رَسُول الله ﷺ برأيي اجْتِهَادًا فوَاللَّه مَا آلو عَن الْحق وَذَلِكَ يَوْم أبي جندل وَالْكتاب بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَأهل مَكَّة فَقَالَ: اكتبوا: بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالُوا: تَرَانَا قد صدقناك بِمَا تَقول، وَلَكِنَّك تكْتب كَمَا كنت تكْتب: بِاسْمِك اللَّهُمَّ. فَرضِي رَسُول الله ﷺ وأبيت عَلَيْهِم حَتَّى قَالَ لي رَسُول الله ﷺ : " تراني أرْضى وتأبى أَنْت"، فرضيت. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: " لوكان الدّين بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِن الْخُفَّيْنِ أَحَق بِالْمَسْحِ من ظاهرهما وَلَكِن رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يمسح على ظاهرهما"، وَأخرج عَن ابْن عمر قَالَ: "لايزال النَّاس على الطَّرِيق مَا اتبعُوا الْأَثر"، وَأخرج عَن عُرْوَة قَالَ: "اتِّبَاع السّنَن قوام الدّين"، وَأخرج عَن عَامر قَالَ: "إِنَّمَا هلكتم فِي حِين تركْتُم الْآثَار". وَأخرج عَن ابْن سِيرِين قَالَ: "كَانُوا يَقُولُونَ: مَا دَامَ على الْأَثر فَهُوَ على الطَّرِيق"، وَأخرج عَن شُرَيْح قَالَ: "أَنا أقتفى الْأَثر"، يَعْنِي آثَار النَّبِي. ﷺ . وَأخرج عَن الْأَوْزَاعِيّ قَالَ: "إِذا بلغك عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث فإياك أَن تَقول بِغَيْرِهِ، فَإِن رَسُول الله ﷺ كَانَ مبلغا عَن الله تَعَالَى" وَأخرج عَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: "إِنَّمَا الْعلم كُله الْعلم بالآثار".
стр. 47
وَأخرج عَن عُثْمَان بن عمر قَالَ: "جَاءَ رجل إِلَى مَالك فَسَأَلَهُ عَن مَسْأَلَة فَقَالَ لَهُ: قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ الرجل: أَرَأَيْت، فَقَالَ مَالك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ". وَأخرج عَن ابْن وهب قَالَ: قَالَ مَالك: "لم يكن من فتيا النَّاس أَن يُقَال لَهُم: لِمَ قلت هَذَا؟ كَانُوا يكتفون بالرواية ويرضون بهَا". وَأخرج عَن إِسْحَاق بن عِيسَى قَالَ: سَمِعت مَالك بن أنس يعيب الْجِدَال فِي الدّين وَيَقُول: "كلما جَاءَنَا رجل أجدل من رجل أردنَا أَن نرد مَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيل ﵇ إِلَى النَّبِي ﷺ ". وَأخرج عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: "ليكن الَّذِي تعتمد عَلَيْهِ الْأَثر وَخذ من الرَّأْي مَا يُفَسر لَك الحَدِيث".
وَأخرج عَن يحيى بن ضريس قَالَ: شهِدت سُفْيَان وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ: مَا تنقم على أبي. حنيفَة؟ قَالَ: وَمَاله قد سمعته يَقُول: آخذ بِكِتَاب الله فَإِن لم أجد فبسنة رَسُول الله ﷺ ، فَإِن لم أجد فِي كتاب الله وَلَا سنة رَسُوله أخذت بقول أَصْحَابه، آخذ بقول من شِئْت مِنْهُم وأدع قَول من شِئْت مِنْهُم وَلَا أخرج من قَوْلهم إِلَى قَول غَيرهم، فَأَما إِذا انْتهى الْأَمر إِلَى إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَابْن الْمسيب - وَعدد رجَالًا - فقوم اجتهدوا فأجتهد كَمَا اجتهدوا". وَأخرج عَن الرّبيع قَالَ: "روى الشَّافِعِي يَوْمًا
стр. 48
حَدِيثا فَقَالَ لَهُ رجل: أتأخذ بِهَذَا يَا أَبَا عبد الله؟، فَقَالَ: مَتى مَا رويت عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيثا صَحِيحا فَلم آخذ بِهِ، فأشهدكم أَن عَقْلِي قد ذهب". وَأخرج عَن الرّبيع قَالَ: "سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: إِذا وجدْتُم فِي كتابي خلاف سنة رَسُول الله ﷺ فَقولُوا بِسنة رَسُول الله ﷺ ودعوا مَا قلت"، وَأخرج عَن مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ قَالَ: "إِلَى كتاب الله وَالرَّسُول، قَالَ: إِلَى سنة رَسُول الله ﷺ "، وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والدارمي عَن أبي ذَر قَالَ: "أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن لَا نغلب على أَن نأمر بِالْمَعْرُوفِ وننهى عَن الْمُنكر ونعلم النَّاس السّنَن". وَأخرج عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: "تعلمُوا السّنَن والفرائض واللحن كَمَا تعلمُونَ الْقُرْآن" وَأخرج عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: "أَيهَا النَّاس عَلَيْكُم بِالْعلمِ قبل أَن يرفع فَإِن من رَفعه أَن يقبض أَصْحَابه، وَإِيَّاكُم والتبدع والتنطع، وَعَلَيْكُم بالعتيق فَإِنَّهُ سَيكون فِي آخر هَذِه الْأمة أَقوام يَزْعمُونَ أَنهم يدعونَ إِلَى كتاب الله وَقد تَرَكُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ". أخرجه الدَّارمِيّ، وَأخرج عَن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ قَالَ: "كنت أَنا وَأَبُو عُثْمَان وَأَبُو نَضرة وَأَبُو مجلز وخَالِد الْأَشَج نتذاكر الحَدِيث وَالسّنة، فَقَالَ بَعضهم: لَو قَرَأنَا سُورَة من الْقُرْآن كَانَ أفضل، فَقَالَ أَبُو نَضرة: كَانَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ يَقُول: مذاكرة الحَدِيث
стр. 49
أفضل من قِرَاءَة الْقُرْآن"، قلت: وَهَذَا كَمَا، قَالَ الشَّافِعِي ﵁: "طلب الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة، لِأَن قِرَاءَة الْقُرْآن نَافِلَة، وَحفظ الحَدِيث فرض كِفَايَة"، وَالله أعلم. وَأخرج عَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: "لَا أعلم شَيْئا من الْأَعْمَال أفضل من طلب الحَدِيث لمن حسنت فِيهِ نِيَّته". وَأخرج عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: "مَا أعلم شَيْئا أفضل من طلب الحَدِيث لمن أَرَادَ بِهِ الله ".
وَأخرج عَن خَالِد بن يزِيد قَالَ: "حُرْمَة أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ كَحُرْمَةِ كتاب الله"، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا أَرَادَ فِي معرفَة حَقّهَا وتعظيم حرمتهَا وَفرض اتباعها. وَأخرج عَن الشَّافِعِي قَالَ: كلما رَأَيْت رجلا من أَصْحَاب الحَدِيث فَكَأَنَّمَا رَأَيْت رجلا من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ .
وَأخرج عَن إِسْمَاعِيل بن أبي أويس قَالَ: "كَانَ مَالك إِذا أَرَادَ أَن يحدث تَوَضَّأ وَجلسَ على صدر فرَاشه وسرح لحيته وَتمكن من جُلُوسه بوقار وهيبة وَحدث، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ: أحب أَن أعظم حَدِيث رَسُول الله ﷺ ، وَلَا أحدث إِلَّا على طَهَارَة مُتَمَكنًا، وَكَانَ يكره أَن يحدث فِي الطَّرِيق أَو وَهُوَ قَائِم أَو مستعجل، وَقَالَ: أحب أَن أتفهم مَا أحدث بِهِ عَن رَسُول الله ﷺ ". وَأخرج عَن مَالك: "أَن رجلا جَاءَ إِلَى سعيد بن الْمسيب وَهُوَ مَرِيض فَسَأَلَهُ عَن
стр. 50
حَدِيث وَهُوَ مُضْطَجع، فَجَلَسَ فحدثه، فَقَالَ لَهُ الرجل: وددت أَنَّك لم تتعن، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كرهت أَن أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَأَنا مُضْطَجع".
وَأخرج عَن الْأَعْمَش أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يحدث على غير طهر تيَمّم. وَقَالَ الْأَعْمَش عَن ضرار بن مرّة قَالَ: كَانُوا يكْرهُونَ أَن يحدثوا على غير طهر.
وَأخرج عَن قَتَادَة قَالَ: "لقد كَانَ يسْتَحبّ أَن لَا نَقْرَأ الْأَحَادِيث الَّتِي عَن النَّبِي ﷺ إِلَّا على طَهَارَة". وَأخرج عَن بشر بن الْحَارِث قَالَ: "سَأَلَ رجل ابْن الْمُبَارك عَن حَدِيث وَهُوَ يمشي، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا من توقير الْعلم".
وَأخرج عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: "كنت عِنْد مَالك وَهُوَ يحدث فَجَاءَت عقرب فلدغته سِتّ عشرَة مرّة وَمَالك يتَغَيَّر لَونه ويتصبّر وَلَا يقطع حَدِيث رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا فرغ من الْمجْلس وتفرق النَّاس قلت لَهُ لقد رَأَيْت مِنْك عجبا، قَالَ: نعم إِنَّمَا صبرت إجلالا لحَدِيث رَسُول الله ﷺ ".
وَأخرج عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: كنت أكتب كل شَيْء سمعته من رَسُول الله ﷺ وَأُرِيد حفظه فنهتني قُرَيْش وَقَالُوا: تكْتب كل شَيْء سمعته من رَسُول الله ﷺ وَرَسُول الله ﷺ بشر يتَكَلَّم فِي الرضى وَالْغَضَب، قَالَ: فَأَمْسَكت فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ: اكْتُبْ فَوَالذي نَفسِي
стр. 51
بِيَدِهِ مَا خرج مِنْهُ إِلَّا حق، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى فَمه". أخرجه الدَّارمِيّ وَالْحَاكِم.
وَأخرج عَن أبي هُرَيْرَة أَن رجلا من الْأَنْصَار شكا إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أسمع مِنْك الحَدِيث وَلَا أحفظه، فَقَالَ: اسْتَعِنْ بيمينك وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ لِلْخَطِّ"، أخرجه التِّرْمِذِيّ.
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والدارمي عَن عبد الله بن دِينَار أَن عمر بن عبد العزيزكتب إِلَى أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم: "انْظُر مَا كَانَ من حَدِيث رَسُول الله ﷺ أَو سنة مَاضِيَة فاكتبه فَإِنِّي قد خفت درس الْعلم وَذَهَاب أَهله"، وَأَخْرَجَا أَيْضا عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: "كَانَ من مضى من عُلَمَائِنَا يَقُولُونَ: الِاعْتِصَام بِالسنةِ نجاة"
هَذَا مَا لخصته من كتاب الْبَيْهَقِيّ من الْأَحَادِيث والْآثَار الدَّالَّة على وجوب الِاعْتِصَام بِالسنةِ وَفرض اتباعها، وَهَذِه أَحَادِيث وآثار لم تقع فِي كتاب:
أخرج الشَّيْخَانِ عَن أنس وَابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني" وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْحَمْ خلفائي، قُلْنَا: يَا رَسُول الله وَمن خلفاؤك؟، قَالَ: الَّذين يأْتونَ من بعدِي يروون أحاديثي ويعلمونها النَّاس"، وَأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أدّى إِلَى أمتِي حَدِيثا تُقَام بِهِ
стр. 52
سنة أَو تثلم بِهِ بِدعَة فَلهُ الْجنَّة"، وَأخرج أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أبي بكر الصّديق ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من كذب عليّ مُتَعَمدا، أَو ردّ شَيْئا أمرت بِهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار".
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ عَن زيد بن أَرقم قَالَ: "بعث إِلَيّ عبيد الله بن زِيَاد فَأَتَيْته فَقَالَ: مَا أَحَادِيث تحدث بهَا وترويها عَن رَسُول الله ﷺ لَا نجدها فِي كتاب الله؟ تحدث أَن لَهُ حوضا فِي الْجنَّة؟، قَالَ: قد حدّثنَاهُ رَسُول الله ﷺ ووعدناه". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن سلمى قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ بَيْتا فِي النَّار، وَمن رد حَدِيثا بلغه عني فَأَنا مخاصمه يَوْم الْقِيَامَة، فَإِذا بَلغَكُمْ عني حَدِيث فَلم تعرفوه فَقولُوا: الله أعلم"
وَأخرج فِي الْأَوْسَط عَن جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من بلغه عني حَدِيث فكذبه، فقد كذب ثَلَاثًا: الله وَرَسُوله وَالَّذِي حدث بِهِ"، وَأخرج أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من بلغه عَن الله فَضِيلَة فَلم يصدق بهَا لم ينلها"، وَأخرج أَبُو يعلى عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " عَسى أَن يكذبنِي رجل مِنْكُم وَهُوَ متكئ على أريكته يبلغهُ الحَدِيث عني فَيَقُول: مَا قَالَ رَسُول الله ﷺ هَذَا، دع هَذَا وهات
стр. 53
مَا فِي الْقُرْآن"، هَذِه طَرِيق خَامِسَة الحَدِيث، فقد تقدمه من حَدِيث أبي رَافع والمقدام والعرباض بن سَارِيَة وَأبي هُرَيْرَة، وَله طَرِيق سادسة أخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن خَالِد بن الْوَلِيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يَا خَالِد أذِّن فِي النَّاس الصَّلَاة، ثمَّ خرج فصلى الهاجرة، ثمَّ قَامَ النَّاس فَقَالَ: مَا أحل أَمْوَال المعاهدين بِغَيْر حَقّهَا، يُمْسِي الرجل مِنْكُم يَقُول وَهُوَ متكئ على أريكته مَا وجدنَا فِي كتاب الله من حَلَال أحللناه، وَمَا وجدنَا من حرَام حرمناه أَلا وَإِنِّي أحرم عَلَيْكُم أَمْوَال المعاهدين بِغَيْر حَقّهَا"، وَطَرِيق سابعة أخرج السِّلَفي فِي الْمُنْتَقى من حَدِيث أبي طَاهِر الحنائي من طَرِيق حَمَّاد بن زيد عَن أبي هَارُون الْعَبْدي عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "يُمْسِي رجل يكذبنِي وَهُوَ متكئ، يَقُول: مَا قَالَ هَذَا رَسُول الله ﷺ ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ عَن أبي حَازِم عَن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ أَنه كَانَ فِي مجْلِس قومه وَهُوَ يُحَدِّثهُمْ عَن رَسُول الله ﷺ وَبَعْضهمْ يقبل على بعض يتحدثون، فَغَضب ثمَّ قَالَ: "انْظُر إِلَيْهِم أحدثهم عَن رَسُول الله ﷺ وَبَعْضهمْ يقبل على بعض، أما وَالله لأخْرجَن من بَين أظْهركُم وَلَا أرجع إِلَيْكُم أبدا، قلت لَهُ: أَيْن تذْهب؟، قَالَ: أذهب فأجاهد فِي سَبِيل الله". وَأخرج أَبُو يعلى بِسَنَد صَحِيح عَن
стр. 54
ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من قَالَ فِي الْقُرْآن بِغَيْر مَا يعلم جَاءَ بوم الْقِيَامَة مُلجمًا بلجام من نَار" وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من مَشى إِلَى سُلْطَان الله فِي الأَرْض ليذله أذلّ الله رقبته مَعَ مَا يدّخر لَهُ فِي الْآخِرَة" قَالَ مُسَدّد: "وسلطان الله فِي الأَرْض كتاب الله وَسنة نبيه". وَأخرج فِي الْأَوْسَط عَن ابْن عمر قَالَ: "الْعلم ثَلَاثَة: كتاب نَاطِق، وَسنة مَاضِيَة، وَلَا أَدْرِي". وَأخرج أَيْضا عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "سَيَأْتِي عَلَيْكُم زمَان لَا يكون فِيهِ شَيْء أعز من ثَلَاث: دِرْهَم حَلَال، أَو أَخ يسْتَأْنس بِهِ، أَو سنة يعْمل بهَا"، وَأخرج أَحْمد عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: "نزل الْقُرْآن وَسن رَسُول الله ﷺ السّنَن ثمَّ قَالَ: اتبعونا فوَاللَّه إِن لم تَفعلُوا تضلوا".
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار عَن مُجَاهِد قَالَ: "كُنَّا مَعَ ابْن عمر فِي سفر، فَمر. بمَكَان فحاد عَنهُ، فَسئلَ: لم فعلت؟، قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل هَذَا فَفعلت"، وَأخرج أَحْمد عَن مُحَمَّد بن سِيرِين قَالَ: "كنت مَعَ ابْن عمر بِعَرَفَات فَلَمَّا أَفَاضَ أفضت مَعَه حَتَّى انْتهى إِلَى الْمضيق دون المأزمين فَأَنَاخَ فأنخنا وَنحن نحسب أَنه يُرِيد أَن يُصَلِّي، فَقَالَ غُلَامه الَّذِي يمسك رَاحِلَته إِنَّه لَيْسَ يُرِيد الصَّلَاة وَلكنه ذكر أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 55
لما انْتهى إِلَى هَذَا الْمَكَان قضى حَاجته فَهُوَ يحب أَن يقْضِي حَاجته"، وَأخرج الْبَزَّار عَن ابْن عمر: "أَنه كَانَ يَأْتِي شَجَرَة بَين مَكَّة وَالْمَدينَة فيقيم تحتهَا ويخبر أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يفعل ذَلِك"، وَأخرج هُوَ وَأَبُو يعلى عَن زيد بن أسلم قَالَ: "رَأَيْت ابْن عمر محلول الأزرار، وَقَالَ: رَأَيْت النَّبِي ﷺ محلول الأزرار". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن عَمْرو بن شعواء اليافعي قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "سَبْعَة لعنتهم وكل نَبِي مجاب: الزَّائِد فِي كتاب الله، والمكذب بِقدر الله، والمستحل حُرْمَة الله، والمستحل من عِتْرَتِي مَا حرم الله، والنارك لسنتي، والمستأثر بالفيء، والمتجبر بسلطانه ليعز مَا أذلّ الله ويذل مَا أعز الله" وَأخرج فِي الْكَبِير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ عَليّ: " يَا رَسُول الله أَرَأَيْت إِن عرض لنا أَمر لم ينزل فِيهِ قُرْآن وَلم تمْضِي فِيهِ سنة مِنْك؟ قَالَ: تجعلونه شُورَى بَين العابدين من الْمُؤمنِينَ وَلَا تقضونه بِرَأْي خَاصَّة". وَأخرج فِي الْأَوْسَط بِسَنَد صَحِيح عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قلت لرَسُول الله ﷺ : "إِن نزل بِنَا أَمر لَيْسَ فِيهِ بَيَان أَمر وَلَا نهي فَمَا تَأْمُرنَا؟ فَقَالَ: تُشاوروا الْفُقَهَاء والعابدين، وَلَا تجعلونه بِرَأْي خَاصَّة" وَأخرج فِي الْأَوْسَط عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " أَكثر مَا أَتَخَوَّف على أمتِي من بعدِي رجل يتَأَوَّل الْقُرْآن، يَضَعهُ
стр. 56
على غير موَاضعه" وَأخرج أَحْمد والطبرافني عَن غُضَيْف بن الْحَرْث الثمالِي أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَا أحدث قوم بِدعَة إِلَّا رفع مثلهَا من السّنة" وَأخرج البُخَارِيّ فِي تَارِيخه وَالطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "مَا أَتَى على النَّاس عَام إِلَّا أَحْدَثُوا فِيهِ بِدعَة وأماتوا فِيهِ سنة حَتَّى تحيا الْبدع وَتَمُوت السّنَن". وَأخرج عَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من مَشى إِلَى صَاحب بِدعَة ليوقره فقد أعَان على هدم الْإِسْلَام" وَأخرج عَن الحكم بن عُمَيْر الثمالِي قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "الْأَمر المفظع وَالْحمل المضلع وَالشَّر الَّذِي لَا يَنْقَطِع إِظْهَار الْبدع"، وَأخرج فِي الصَّغِير عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "تفترق أمتِي على ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهم فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة، قَالُوا: وَمَا تِلْكَ الْفرْقَة؟ قَالَ: مَا أَنا عَلَيْهِ الْيَوْم وأصحابي"، وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث ابْن عَمْرو مثله. وَأخرج الدَّارمِيّ فِي مُسْنده عَن عبد الله بن الديلمي قَالَ: بَلغنِي أَن أول الدّين تركا السّنة"، وَأخرج عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: "مَا سألتمونا عَن شَيْء من كتاب الله نعلمهُ أخبرناكم بِهِ أَو سنة من نَبِي الله ﷺ أخبرناكم بِهِ وَلَا طَاقَة لنا مِمَّا أَخَذْتُم، وَأخرج عَن أبي سَلمَة مُرْسلا أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن الْأَمر يحدث لَيْسَ فِي كتاب الله وَلَا سنته؟ قَالَ: "ينظر فِيهِ العابدون من الْمُؤمنِينَ".
стр. 57
قَالَ: وَأخرج الدَّارمِيّ واللالكائي فِي السّنة عَن عمر بن الْخطاب قَالَ: "سَيَأْتِي نَاس يجادلونكم بشبهات الْقُرْآن فخذوهم بالسنن، فَإِن أَصْحَاب السّنَن أعلم بِكِتَاب الله". وَأخرج اللالكائي فِي السّنة عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ: "سَيَأْتِي قوم يجادلونكم فخذوهم بالسنن فَإِن أَصْحَاب السّنَن أعلم بِكِتَاب الله". وَأخرج ابْن سعد فِي الطَّبَقَات من طَرِيق عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَن عَليّ بن أبي طَالب أرْسلهُ إِلَى الْخَوَارِج، فَقَالَ: "اذْهَبْ إِلَيْهِم فخاصمهم وَلَا تحاجهم بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ ذُو وُجُوه، وَلَكِن خاصمهم بِالسنةِ"، وَأخرج من وَجه آخر أَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَنا أعلم بِكِتَاب الله مِنْهُم فِي بُيُوتنَا نزل، قَالَ: صدقت وَلَكِن الْقُرْآن حمال ذُو وُجُوه، نقُول وَيَقُولُونَ، وَلَكِن حاجهم بالسنن فَإِنَّهُم لن يَجدوا عَنْهَا محيصاً"، فَخرج إِلَيْهِم فحاجهم بالسنن فَلم يبْق بِأَيْدِيهِم حجَّة. وَأخرج سعيد بن مَنْصُور عَن عمرَان بن حُصَيْن أَنهم كَانُوا يتذاكرون الحَدِيث فَقَالَ رجل دَعونَا من هَذَا وجيؤونا بِكِتَاب الله فَقَالَ عمرَان: "إِنَّك أَحمَق أتجد فِي كتاب الله الصَّلَاة مفسرة، أتجد فِي كتاب الله الصّيام مُفَسرًا، إِن الْقُرْآن أحكم ذَلِك وَالسّنة تفسره". وَأخرج الدَّارمِيّ عَن الْمسيب بن رَافع قَالَ: "كَانُوا إِذا نزلت بهم الْقَضِيَّة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 58
أثر اجْتَمعُوا لَهَا وَأَجْمعُوا فَالْحق فِيمَا رَأَوْا، فَالْحق فِيمَا رَأَوْا". وَأخرج الدَّارمِيّ عَن مَيْمُون بن مهْرَان قَالَ كَانَ أَبُو بكر ﵁ إِذا ورد عَلَيْهِ الْخصم نظر فِي كتاب الله فَإِن وجد فِيهِ مَا يقْضِي بِهِ بَينهم قضى بِهِ، وَإِن لم يكن فِي الْكتاب وَعلم من رَسُول الله ﷺ فِي ذَلِك الْأَمر سنة قضى بهَا، فَإِن أعياه خرج فَسَأَلَ الْمُسلمين وَقَالَ أنافي كَذَا وَكَذَا فَهَل علمْتُم أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي ذَلِك بِقَضَاء فَرُبمَا اجْتمع إِلَيْهِ النَّفر كلهم يذكر عَن رَسُول الله ﷺ فِيهِ قَضَاء فَيَقُول أَبُو بكر: "الْحَمد لله الَّذِي جعل فِينَا من يحفظ علينا ديننَا".
وَأخرج عَن أبي نَضرة قَالَ: "لما قدم أَبُو سَلمَة الْبَصْرَة أَتَيْته أَنا وَالْحسن فَقَالَ لِلْحسنِ: أَنْت الْحسن، بَلغنِي أَنَّك تُفْتِي بِرَأْيِك، فَلَا تفت بِرَأْيِك إِلَّا أَن تكون سنة عَن رَسُول الله ﷺ أَو كتاب منزل".
وَأخرج عَن جَابر بن زيد أَن ابْن عمر لقِيه فِي الطّواف فَقَالَ لَهُ: "يَا أَبَا الشعْثَاء إِنَّك من فُقَهَاء الْبَصْرَة فَلَا تفت إِلَّا بقرآن نَاطِق أَو سنة مَاضِيَة، فَإنَّك إِن فعلت غير ذَلِك هَلَكت وأهلكت"، وَأخرج عَن شُرَيْح قَالَ: "إِنَّك لن تضل مَا أخذت بالأثر"، وَأخرج عَن الْحسن قَالَ: "إِن أهل السّنة كَانُوا أقل النَّاس فِيمَا مضى، وهم أقل النَّاس فِيمَا بقى،
стр. 59
الَّذين لم يذهبوا مَعَ أهل الأتراف فِي أترافهم وَلَا مَعَ أهل الْبدع فِي بدعهم وصبروا على سنتهمْ حَتَّى لقوا رَبهم". وَأخرج عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: "الاقتصاد فِي السّنة خير من الِاجْتِهَاد فِي الْبِدْعَة"، أخرجه الْحَاكِم، وَأخرج الدَّارمِيّ عَن عَطاء فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم﴾ قَالَ: "أولو الْعلم وَالْفِقْه، فطاعة الرَّسُول اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة". واخرج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: "إِنِّي لأجزئ اللَّيْل ثَلَاثَة أَجزَاء: ثلث أَنَام، وَثلث أقوم، وَثلث أَتَذكر أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ ". وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "أما تخافون أَن تعذبوا ويخسف بكم، أَن تَقولُوا قَالَ رَسُول الله ﷺ وَقَالَ فلَان"، وَأخرج عَن عمر بن عبد الْعَزِيز أَنه كتب: "لَا رَأْي لأحد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة سنّهَا رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا رَأْي الْأمة فِيمَا لم ينزل فِيهِ كتاب، وَلم تمض بِهِ سنة عَن رَسُول الله ﷺ "، وَأخرج عَن سعيد بن الْمسيب أَنه رأى رجلا يُصَلِّي بعد الرَّكْعَتَيْنِ يكثر فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّد أيعذبني الله على الصَّلَاة؟ قَالَ: "يعذبك الله بِخِلَاف السّنة".
وَأخرج عَن خرَاش بن جُبَير قَالَ: "رَأَيْت فِي الْمَسْجِد فَتى يخذف، فَقَالَ لَهُ: يَا شيخ لَا تخذف، فَإِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ نهى عَن الْخذف، فخذف فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: أحَدثك
стр. 60
عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ تخذف وَالله لَا أشهد لَك جَنَازَة وَلَا أعودك فِي مرض وَلَا أُكَلِّمك أبدا" وَأخرج عَن قَتَادَة قَالَ: "حدث ابْن سِيرِين رجلا بِحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ ، فَقَالَ رجل: قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ ابْن سيربن: أحَدثك عَن النَّبِي ﷺ وَتقول قَالَ فلَان، وَالله لَا أُكَلِّمك أبدا"، ثمَّ قَالَ الدَّارمِيّ: بَاب تَعْجِيل عُقُوبَة من بلغه عَن النَّبِي ﷺ حَدِيث فَلم يعظمه وَلم يوقره، وَأخرج فِيهِ من طَرِيق الْعجْلَاني عَن أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "بَيْنَمَا رجل يتبختر فِي بردين خسف الله بِهِ الأَرْض فَهُوَ يتجلجل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة"، فَقَالَ لَهُ فَتى وَهُوَ فِي حلَّة لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَة أهكذا كَانَ. يمشي ذَلِك الْفَتى الَّذِي خسف بِهِ، ثمَّ ضرب بِيَدِهِ فعثر عَثْرَة كَاد ينكسر مِنْهَا، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة للمنخرين والفم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ "، وَأخرج عَن عبد الرَّحْمَن بن حَرْمَلَة قَالَ: "جَاءَ رجل إِلَى سعيد بن الْمسيب يودعه لحج أَو عمْرَة فَقَالَ لَهُ: لَا تخرج حَتَّى تصلي فَإِن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لَا يخرج بعد النداء من الْمَسْجِد إِلَّا مُنَافِق" فَقَالَ: إِن أَصْحَابِي بِالْحرَّةِ، فَخرج فَلم يزل سعيد مُولَعا بِذكرِهِ حَتَّى أخبر أَنه وَقع من رَاحِلَته فانكسر فَخذه".
وَأخرج البُخَارِيّ عَن أبي ذَر أَنه قَالَ: "لَو وضعتم الصمصامة على هَذِه - وَأَشَارَ إِلَى قَفاهُ - ثمَّ ظَنَنْت أَنى أنفذ
стр. 61
كلمة سَمعتهَا من رَسُول الله ﷺ قبل أَن تجيزوا عَليّ لأنفذتها" وَأخرج الدَّارمِيّ عَن بشر بن عبد الله قَالَ: "إِن كنت لأركب إِلَى مصر من الْأَمْصَار فِي الحَدِيث الْوَاحِد لأسمعه". وَأخرج عَن سعيد بن جُبَير أَنه حدث يَوْمًا بِحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ فَقَالَ لَهُ رجل: فِي كتاب الله مَا يُخَالف هَذَا، فَقَالَ: لَا أَرَانِي أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَتعرض فِيهِ بِكِتَاب الله، كَانَ رَسُول الله ﷺ أعلم بِكِتَاب الله مِنْك"، هَذَا مَا انتقيته من مُسْند الدَّارمِيّ.
وَهَذِه جملَة منتقاة من كتاب السّنة للالكائي فِي هَذَا الْمَعْنى:
أخرج بِسَنَدِهِ عَن أبي بن كَعْب قَالَ: "اقتصاد فِي سنة خير من اجْتِهَاد فِي خلاف سنة"، وَأخرج عَن أبي الدَّرْدَاء مثله، وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "النّظر إِلَى الرجل من أهل السّنة يَدْعُو إِلَيْهَا، ينْهَى عَن الْبِدْعَة عبَادَة". وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "وَالله مَا أَظن على وَجه الأَرْض الْيَوْم أحد أحب إِلَى الشَّيْطَان هَلَاكًا مني"، قيل: وَلم؟ قَالَ: "إِنَّه لتحدث الْبِدْعَة فِي مشرق أَو مغرب فيحملها الرجل إِلَيّ، فَإِذا انْتَهَت إِلَيّ قمعتها بِالسنةِ فَترد إِلَيْهِ كَمَا أخرجهَا"، وَأخرج عَن أبي الْعَالِيَة قَالَ: "عَلَيْكُم بِسنة نَبِيكُم وَالَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابه"، وَأخرج عَن الْحسن قَالَ: "لَا يصلح قَول إِلَّا بِعَمَل، وَلَا يصلح قَول وَعمل إِلَّا بنية،
стр. 62
وَلَا يصلح قَول وَعمل وَنِيَّة إِلَّا بِالسنةِ"، وَأخرج عَن سعيد ابْن جُبَير قَالَ: "لَا يقبل قَول إِلَّا بِعَمَل وَلَا يقبل قَول وَعمل إِلَّا بنية، وَلَا يقبل قَول وَعمل وَنِيَّة إِلَّا بموافقة السّنة"، وَأخرج عَن الْحسن قَالَ: "يَا أهل السّنة تفَرقُوا فَإِنَّكُم من أقل النَّاس"، وَأخرج عَن يُونُس بن عبيد قَالَ: "لَيْسَ شَيْء أغرب من السّنة، وَأغْرب مِنْهَا من لَا يعرفهَا"، وَأخرج عَن أَيُّوب قَالَ: "إِنِّي أخبر بِمَوْت الرجل من أهل السّنة فَكَأَنِّي أفقد بعض أعضائي"، وَأخرج عَنهُ قَالَ: "إِن من سَعَادَة الْحَدث والأعجمي أَن يوفقهما الله للْعلم بِالسنةِ"، وَأخرج عَن ابْن شَوْذَب قَالَ: "أول نعْمَة الله على الشَّاب إِذا نسك أَن يؤاخي صَاحب سنة يحملهُ عَلَيْهَا"، واخرج عَن حَمَّاد بن زيد قَالَ: "كَانَ أَيُّوب يبلغهُ موت الْفَتى من أَصْحَاب الحَدِيث فيُرى ذَلِك فِيهِ، ويبلغه موت الرجل يذكر بِعبَادة فَمَا يرى ذَلِك فِيهِ"، وَأخرج عَن أَيُّوب قَالَ: "إِن الَّذين يتمنون موت أهل السّنة يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله بأفواههم".
وَأخرج عَن ابْن عَوْف قَالَ: "ثَلَاث أحبهنَّ لنَفْسي ولأصحابي: قِرَاءَة الْقُرْآن، وَالسّنة، وَرجل أقبل على نَفسه ولهى عَن النَّاس إِلَّا من خير".
وَأخرج عَن الْأَوْزَاعِيّ: "تطور مَعَ السّنة حَيْثُمَا دارت، وَأخرج عَنهُ قَالَ: "كَانَ يُقَال: خمس كَانَ عَلَيْهَا أَصْحَاب
стр. 63
رَسُول الله ﷺ والتابعون بِإِحْسَان: لُزُوم الْجَمَاعَة وَاتِّبَاع السّنة، وَعمارَة الْمَسَاجِد، وتلاوة الْقُرْآن، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله"، وَأخرج عَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: "اسْتَوْصُوا بِأَهْل السّنة خيرا فَإِنَّهُم غرباء". وَأخرج عَن الفضيل بن عِيَاض قَالَ: "إِن لله عبادا تحي بهم الْبِلَاد وهم أَصْحَاب السّنة"، وَأخرج عَن أبي بكر عَن عَيَّاش قَالَ: "السّنة فِي الْإِسْلَام أعز من الْإِسْلَام فِي سَائِر الْأَدْيَان"، وَأخرج عَن ابْن عَوْف قَالَ: "من مَاتَ على الْإِسْلَام وَالسّنة فَلهُ بشير بِكُل خير"، وَأخرج عَن الْحسن فِي قَوْله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قَالَ: "فَكَانَ عَلامَة حبهم إِيَّاه اتِّبَاع سنة رَسُول الله"، وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ قَالَ: "وُجُوه أهل السّنة ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قَالَ: وُجُوه أهل الْبدع"، وَأخرج عَن الْعَلَاء بن الْمسيب عَن أَبِيه قَالَ: قَالَ عبد الله: "إِنَّا نقتدي وَلَا نبتدي وَنَتبع وَلَا نبتدع، وَلنْ نضل مَا تمسكنا بالأثر". وَأخرج عَن شَاذ بن يحي قَالَ: "لَيْسَ طَرِيق أقصد إِلَى الْجنَّة من طَرِيق من سلك الْآثَار"، وَأُخْرَى عَن الفضيل بن عِيَاض قَالَ: "طُوبَى لمن مَاتَ على الْإِسْلَام وَالسّنة، وَإِذا كَانَ كَذَلِك فليكثر من قَول مَا شَاءَ الله كَانَ".
وَأخرج عَن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ: "السّنة عندنَا آثَار
стр. 64
رَسُول الله ﷺ ، وَالسّنة تَفْسِير الْقُرْآن وَهِي دَلَائِل الْقُرْآن"، وَأخرج عَن بعض أَصْحَاب الحَدِيث أَنه أنْشد:
دين النَّبِي مُحَمَّد أَخْبَار ... نعم المطية للفتى آثَار
لَا تعدلن عَن الحَدِيث وَأَهله ... فَالرَّأْي ليل والْحَدِيث نَهَار
ولربما غلط الْفَتى أثر الْهدى ... وَالشَّمْس بازغة لَهَا أنوار
وَهَذِه جملَة منتقاة من كتاب "الْحجَّة على تَارِك المحجة" للشَّيْخ نصر الْمَقْدِسِي، أخرج بِسَنَدِهِ عَن أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من غَدا أَو رَاح فِي طلب سنة مَخَافَة أَن تدرس كَانَ كمن غَدا أَو رَاح فِي سَبِيل الله، وَمن كتم علما علمه الله إِيَّاه ألْجمهُ الله يَوْم الْقِيَامَة بلجام من نَار"، وَأخرج عَن معَاذ بن جبل قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذا ظَهرت الْبدع فِي أمتِي وَشتم أَصْحَابِي فليظهر الْعَالم علمه، فَإِن لم يفعل فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ"، قيل للوليد بن مُسلم: "مَا إِظْهَار الْعلم؟ قَالَ: إِظْهَار السّنة"، وَأُخْرَى عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِيمَا يَنْفَعهُمْ فِي أَمر دينهم بعث يَوْم الْقِيَامَة من الْعلمَاء" قلت: هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق كَثِيرَة، وَأخرج من وَجه عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من روى عني أَرْبَعِينَ حَدِيثا من السّنة حشر يَوْم الْقِيَامَة فِي زمرة الْأَنْبِيَاء".
стр. 65
وَأخرج عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من تعلم حديثين اثْنَيْنِ ينفع بهما نَفسه أَو يعلمهما غَيره فينتفع بهما كَانَ خيرا من عبَادَة سِتِّينَ سنة"، وَأخرج عَن كثير بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِن الْإِسْلَام بَدَأَ غَرِيبا وَسَيَعُودُ غَرِيبا، فطوبى للغرباء" قيل: يَا رَسُول الله وَمن الغرباء؟ قَالَ: "الَّذين يحيون سنتي من بعدِي ويعلمونها عباد الله" , وَأخرج من هَذَا الطَّرِيق مَرْفُوعا: " من أحيى سنة من سنتي قد أميتت بعدِي كَانَ لَهُ مثل أجر من عمل بهَا من غير أَن ينقص من أجرهم شَيْئا"، وَأخرج عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا من أَمر دينهَا بَعثه الله يَوْم الْقِيَامَة فَقِيها وَكنت لَهُ شافعا وشهيدا".
وَأخرج عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا مثله، وَأخرج عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا من السّنة كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة"، وَأخرج عَن عَليّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَلا أدلكم على الْخُلَفَاء مني وَمن أَصْحَابِي وَمن الْأَنْبِيَاء قبلي هم حَملَة الْقُرْآن وَالْأَحَادِيث عني فِي الله وَللَّه"، وَأخرج عَن عَليّ ﵁ قَالَ: "مَا من شَيْء إِلَّا وَعلمه فِي الْقُرْآن وَلَكِن رَأْي الرِّجَال يعجز عَنهُ".
стр. 66
وَأخرج عَن الْجُنَيْد قَالَ: "الطَّرِيق مسدود على خلق الله إِلَّا على المتبعين أَخْبَار رَسُول الله ﷺ المقتدين بآثاره، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ "، وَأخرج عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي قَالَ: "الرجل إِلَى الحَدِيث أحْوج مِنْهُ إِلَى الْأكل وَالشرب، لِأَن الحَدِيث يُفَسر الْقُرْآن"، وَأخرج عَن رجل من الصَّحَابَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِن فِي آخر أمتِي قوما يُعْطون من الْأجر مثل مَا لأولهم يُنكرُونَ الْمُنكر ويقاتلون أهل الْفِتَن" فَقيل: لإِبْرَاهِيم بن مُوسَى من هم؟، قَالَ: "أهل الحَدِيث، يَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله ﷺ : افعلوا كَذَا، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : لَا تَفعلُوا كَذَا"، وَأخرج عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قيل لَهُ: "هَل لله أبدال فِي الأَرْض؟، قَالَ: نعم، قيل: من هم؟ قَالَ: إِن لم يكن أَصْحَاب الحَدِيث هم الأبدال فَلَا أعرف لله أبدالا"، وَأخرج عَن ابْن الْمُبَارك أَنه ذكر حَدِيث: "لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من ناوأهم حَتَّى تقوم السَّاعَة" قَالَ ابْن الْمُبَارك: هم عِنْدِي أَصْحَاب الحَدِيث"، وَأخرج عَن ابْن الْمَدِينِيّ أَنه قَالَ فِي حَدِيث: "لَا تزَال طَائِفَة": "هم أهل الحَدِيث وَالَّذين يتعاهدون مَذْهَب الرَّسُول ﷺ ويذبون عَن الْعلم، لولاهم لأهْلك الناسَ المعتزلةُ والرافضةُ والجهميةُ وأهلُ الإرجاء والرأي"، وَأخرج عَن ابْن مَسْعُود وَأبي ذَر قَالَا: قَالَ
стр. 67
رَسُول الله ﷺ : " من وَرَائِكُمْ أَيَّام صَبر فالمتمسك بِمَا أَنْتُم عَلَيْهِ لَهُ أجر خمسين، قَالُوا: يَا رَسُول الله منا أَو مِنْهُم، قَالَ: مِنْكُم"، وَأخرج مثله من حَدِيث ابْن عمر، وَأخرج عَن أبي الْجلد قَالَ: "يُرْسل على النَّاس على رَأس كل أَرْبَعِينَ سنة شَيْطَان يُقَال لَهُ القمقم فيبتدع لَهُم بِدعَة"، وَأخرج عَن الإِمَام البُخَارِيّ قَالَ: "كُنَّا ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة على بَاب ابْن عبد الله فَقَالَ: إِنِّي لأرجو أَن تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث: "لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خذلهم" أَنْتُم لِأَن التُّجَّار قد شغلوا أنفسهم بالتجارات وَأهل الصَّنْعَة قد شغلوا أنفسهم بالصناعات، والملوك قد شغلوا أنفسهم بالمملكة، وَأَنْتُم تحيون سنة النَّبِي ﷺ "، وَأخرج عَن ابْن وهب قَالَ: قَالَ لى مَالك بن أنس: "لَا تعارضوا السّنة وسلموا لَهَا"، وَأخرج عَن كهمس الْهَمدَانِي قَالَ: "من لم يتَحَقَّق أَن أهل السّنة حفظَة الدّين فَإِنَّهُ يعد فِي ضعفاء الْمَسَاكِين الَّذين لَا يدينون الله بدين، يَقُول الله لنَبيه ﷺ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ وَيَقُول رَسُول الله ﷺ : حَدثنِي جِبْرِيل عَن الله"، وَأخرج عَن سُفْيَان الثَّوْريّ قَالَ: "الْمَلَائِكَة حراس السَّمَاء وَأَصْحَاب الحَدِيث حراس الأَرْض"، وَأخرج عَن وَكِيع قَالَ: "لَو أَن الرجل لم يصب فِي الحَدِيث شَيْئا إِلَّا أَنه يمنعهُ من الْهوى كَانَ قد أصَاب فِيهِ"، وَأخرج عَن أَحْمد بن
стр. 68
سِنَان قَالَ: "كَانَ الْوَلِيد الْكَرَابِيسِي خَالِي، فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ لِبَنِيهِ: تعلمُونَ أحدا أعلم بالْكلَام مني؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: فتتهموني؟، قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي أوصيكم أتقبلون؟، قَالُوا: نعم، قَالَ: عَلَيْكُم بِمَا عَلَيْهِ أَصْحَاب الحَدِيث فَإِنِّي رَأَيْت الْحق مَعَهم"، وَأخرج أَحْمد فِي الزّهْد عَن قَتَادَة قَالَ: "وَالله مَا رغب أحد عَن سنة نبيه ﷺ إِلَّا هلك فَعَلَيْكُم بِالسنةِ وَإِيَّاكُم والبدعة وَعَلَيْكُم بالفقه وَإِيَّاكُم والشبهة"، وَأخرج الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى قَالَ: "لما وَقع النَّاس فِي عُثْمَان قلت لأبي بن كَعْب: مَا الْمخْرج من هَذَا؟، قَالَ: كتاب الله وَسنة نبيه، مَا استبان لكم فاعملوا بِهِ وَمَا أشكل عَلَيْكُم فكِلوه إِلَى عالمه"، وَأخرج الْحَاكِم أَيْضا عَن عَليّ بن أبي طَالب أَن أُنَاسًا أَتَوْهُ فَأَثْنوا على ابْن مَسْعُود فَقَالَ: "أَقُول فِيهِ مَا قَالُوا وَأفضل: قَرَأَ الْقُرْآن وَأحل حَلَاله وَحرم حرَامه، فَقِيه فِي الدّين، عَالم بِالسنةِ".
وَأخرج عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "غفار غفر الله لَهَا، وَأسلم سَالَمَهَا الله، أما أَنِّي لم أَقَله وَلَكِن الله قَالَه".
وَهَذِه جملَة منتقاة من رِسَالَة الْقشيرِي من كَلَام أهل الطَّرِيق فِي ذَلِك.
قَالَ ذُو النُّون الْمصْرِيّ: "من عَلامَة الْمُحب لله مُتَابعَة
стр. 69
حبيب الله ﷺ فِي أخلاقه وأفعاله، وأوامره وسننه".
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِي: "رُبمَا يَقع فِي قلبِي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم أَيَّامًا فَلَا أقبل مِنْهُ إِلَّا بِشَاهِدين عَدْلَيْنِ: الْكتاب وَالسّنة".
وَقَالَ أَحْمد بن أبي الْحوَاري: "من عمل عملا بِلَا اتِّبَاع سنة فَبَاطِل عمله".
قَالَ أَبُو حَفْص عمر بن سَالم الْحداد: "من لم يزن أَفعاله وأحواله فِي كل وَقت بِالْكتاب وَالسّنة وَلم يتهم خواطره، فَلَا تعدّوه فِي ديوَان الرِّجَال".
وَقَالَ الْجُنَيْد: "الطّرق كلهَا مسدودة على الْخلق إِلَّا على من اقتفى أثر رَسُول الله ﷺ ، وَقَالَ: من لم يحفظ الْقُرْآن وَلم يكْتب الحَدِيث لَا يقْتَدى بِهِ فِي هَذَا الْأَمر لِأَن علمنَا هَذَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة". وَقَالَ أَيْضا: "مَذْهَبنَا هَذَا مشيد بِحَدِيث رَسُول الله ﷺ ".
وَقَالَ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي: "الصُّحْبَة مَعَ الله بِحسن الْأَدَب ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مَعَ الرَّسُول ﷺ بِاتِّبَاع سنته وَلُزُوم ظَاهر الْعلم، وَقَالَ: من أَمر السّنة على نَفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، وَمن أمّر الْهوى على نَفسه نطق بالبدعة، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ " وَلما احْتضرَ أَبُو عُثْمَان مزق ابْنه أَبُو بكر قَمِيصه فَفتح أَبُو عُثْمَان عينه