سرِّح المَاء يمرّ فَأبى عَلَيْهِ الزبير فاختصما إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : اسْقِ يَا زبير ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ: يَا رَسُول الله أَن كَانَ ابْن عَمَّتك، فتلوّن وَجه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يَا زبير اسْقِ ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر"، فَقَالَ الزبير: وَالله إِنِّي لأحسب أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي ذَلِك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الْآيَة". وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "من أَطَاعَنِي فقد أطَاع الله، وَمن عَصَانِي فقد عصى الله"، وَأخرج البُخَارِيّ عَن جَابر بن عبد الله قَالَ: "جَاءَت مَلَائِكَة إِلَى نَبِي الله ﷺ وَهُوَ نَائِم فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه نَائِم، وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان، فَقَالُوا: إِن لصاحبكم هَذَا مثلا فاضربوا لَهُ مثلا، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه نَائِم، وَقَالَ بَعضهم إِن الْعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان، فَقَالُوا: مثله كَمثل رجل بنى دَارا وَجعل فِيهَا مأدبة وَبعث دَاعيا فَمن أجَاب الدَّاعِي دخل الدَّار وَأكل من المأدبة، وَمن لم يجب الدَّاعِي لم يدْخل الدَّار وَلم يَأْكُل من المأدبة فَقَالُوا: أوِّلوها لَهُ: يفقهها، فَقَالَ بَعضهم: إِنَّه نَائِم وَقَالَ بَعضهم: إِن الْعين نَائِمَة وَالْقلب يقظان، فَقَالُوا: فالدار الْجنَّة، والداعي مُحَمَّد ﷺ فَمن أطَاع مُحَمَّدًا ﷺ فقد أطَاع الله وَمن عصى مُحَمَّدًا ﷺ فقد عصى الله،
стр. 17
وَمُحَمّد ﷺ فرق بَين النَّاس"، وَأخرج البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "كل أمتِي يدْخلُونَ الْجنَّة إِلَّا من أَبى، قَالُوا يَا رَسُول الله وَمن يَأْبَى؟ قَالَ: من أَطَاعَنِي دخل الْجنَّة وَمن عَصَانِي فقد أَبى". قَالَ الشَّافِعِي ﵀: وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ إِلَى قَوْله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ , أخرج الْبَيْهَقِيّ عَن سُفْيَان فِي قَوْله ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قَالَ يطبع الله على قُلُوبهم: قَالَ الشَّافِعِي: وَأمرهمْ بِأخذ مَا أَتَاهُم والانتهاء عَمَّا نَهَاهُم عَنهُ فَقَالَ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ . أخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ: لعن الله الْوَاشِمَات وَالْمُسْتَوْشِمَات وَالْمُتَنَمِّصَات وَالْمُتَفَلِّجَات١ للحُسن المغيِّرات خلقَ الله تَعَالَى فَبلغ ذَلِك امْرَأَة يُقَال لَهَا: أم يَعْقُوب فَجَاءَت فَقَالَت: إِنَّه بَلغنِي أَنَّك قلت كَيْت وَكَيْت، فَقَالَ: مَالِي لَا ألعن من لعن رَسُول الله ﷺ وَهُوَ فِي كتاب الله، فَقَالَت: لقد قَرَأت مَا بَين اللَّوْحَيْنِ فَمَا وجدته قَالَ: إِن كنت قرأتيه
стр. 18
فقد وجدتيه أما قرأتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قَالَت: بلَى قَالَ: فَإِنَّهُ نهى عَنهُ، قَالَ الشَّافِعِي: وَأَبَان أَنه يهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم فَقَالَ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ هـ﴾ قَالَ الشَّافِعِي: وَكَانَ فَرْضه على من عاين رَسُول الله ﷺ وَمن بعده إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَاحِدًا فِي أَن على كلٍّ طاعتُه، ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن مَيْمُون بن مهْرَان فِي قَوْله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قَالُوا: الرَّد إِلَى الله: إِلَى كِتَابه، وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم إِذا قبض: إِلَى سنته. ثمَّ أورد الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي دَاوُد عَن أبي رَافع قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَا أَلفَيْنِ أحدا مُتكئا على أريكة يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي مِمَّا أمرت بِهِ أَو نهيت عَنهُ فَيَقُول: لَا نَدْرِي مَا وجدنَا فِي كتاب الله اتبعناه" قَالَ الشَّافِعِي وَفِي هَذَا تثبيت الْخَبَر عَن رَسُول الله ﷺ وإعلامهم أَنه لَازم لَهُم، وَإِن لم يَجدوا فِيهِ نصا فِي كتاب الله. ثمَّ أورد الْبَيْهَقِيّ حَدِيث أَبى دَاوُد أَيْضا عَن الْعِرْبَاض بن سَارِيَة قَالَ: "نزلنَا مَعَ النَّبِي ﷺ خَيْبَر وَمَعَهُ من مَعَه من أَصْحَابه، وَكَانَ صَاحب خَيْبَر رجلا مارداً مُنْكرا، فَأقبل إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد ألكم أَن تذبحوا حمرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا
стр. 19
نِسَاءَنَا؟ فَغَضب النَّبِي ﷺ وَقَالَ: يَا ابْن عَوْف اركب فرسك ثمَّ نَاد أَن اجْتَمعُوا للصَّلَاة، فَاجْتمعُوا فصلى النَّبِي ﵊ ثمَّ قَامَ فَقَالَ: أيحسب أحدكُم مُتكئا على أريكته لَا يظنّ أَن الله لم يحرم شَيْئا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآن أَلا إِنِّي وَالله قد أمرت ووعظت ونهيت عَن أَشْيَاء إِنَّهَا لمثل الْقُرْآن أَو أَكثر، وَإِن الله لم يحل لكم أَن تدْخلُوا بيُوت أهل الْكتاب إِلَّا بِإِذن، وَلَا ضرب نِسَائِهِم، وَلَا أكل ثمارهم إِذا أعطوكم الَّذِي عَلَيْهِم".
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: بَاب بَيَان بطلَان مَا يحْتَج بِهِ بعض من رد الْأَخْبَار من الْأَخْبَار الَّتِي رَوَاهَا بعض الضُّعَفَاء فِي عرض السّنة على الْقُرْآن. قَالَ الشَّافِعِي: احتجَّ على بعض من رد الْأَخْبَار بِمَا رُوي أَن النَّبِي ﵊ قَالَ: "مَا جَاءَكُم عني فاعرضوه على كتاب الله فَمَا وَافقه فَأَنا قلته وَمَا خَالفه فَلم أَقَله". فَقلت لَهُ. مَا روى هَذَا أحد يثبت حَدِيثه فِي شَيْء صَغِير وَلَا كَبِير وَإِنَّمَا هِيَ رِوَايَة مُنْقَطِعَة عَن رجل مَجْهُول، وَنحن لَا نقبل مثل هَذِه الرِّوَايَة فِي شَيْء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: أَشَارَ الإِمَام الشَّافِعِي إِلَى مَا رَوَاهُ خَالِد بن أبي كَرِيمَة عَن أَبى جَعْفَر: "عَن رَسُول الله ﷺ أَنه دَعَا الْيَهُود فَسَأَلَهُمْ فحدثوه حَتَّى كذبُوا على عِيسَى ﵇، فَصَعدَ النَّبِي ﷺ الْمِنْبَر فَخَطب النَّاس فَقَالَ: "إِن الحَدِيث
стр. 20
سيفشو عني، فَمَا أَتَاكُم يُوَافق الْقُرْآن فَهُوَ عني، وَمَا أَتَاكُم عني يُخَالف الْقُرْآن فَلَيْسَ عني" قَالَ الْبَيْهَقِيّ: خَالِد مَجْهُول، وَأَبُو جَعْفَر لَيْسَ بصحابي، فَالْحَدِيث مُنْقَطع. وَقَالَ الشَّافِعِي وَلَيْسَ يُخَالف الحَدِيث الْقُرْآن، وَلَكِن حَدِيث رَسُول الله ﷺ يبين معنى مَا أَرَادَ خَاصّا وعاما: وناسخا ومنسوخا ثمَّ يلْزم النَّاس مَا سنّ بِفَرْض الله فَمن قبل عَن رَسُول الله ﷺ فَعَن الله قبل.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوي الحَدِيث من أوجه أُخر كلهَا ضَعِيفَة، ثمَّ أخرج من طَرِيق ابْن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن الْأصْبع بن مُحَمَّد بن أبي مَنْصُور أَنه بلغه: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "الحَدِيث على ثَلَاث: فأيما حَدِيث بَلغَكُمْ عني تعرفونه بِكِتَاب الله فاقبلوه، وَأَيّمَا حَدِيث بَلغَكُمْ عني لَا تَجِدُونَ فِي الْقُرْآن مَوْضِعه وَلَا تعرفُون مَوْضِعه فَلَا تقبلوه، وَأَيّمَا حَدِيث بَلغَكُمْ عني تقشعر مِنْهُ جلودكم وتشمئز مِنْهُ قُلُوبكُمْ وتجدون فِي الْقُرْآن خِلَافه فَردُّوهُ" قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذِه رِوَايَة مُنْقَطِعَة عَن رجل مَجْهُول.
ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ من طَرِيق عَاصِم بن أبي النجُود عَن زر بن حُبَيْش عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " إِنَّهَا تكون بعدِي رُوَاة يروون عني الحَدِيث فاعرضوا حَدِيثهمْ على الْقُرْآن، فَمَا وَافق الْقُرْآن فَحَدثُوا بِهِ
стр. 21
وَمَا لم يُوَافق الْقُرْآن فَلَا تَأْخُذُوا بِهِ". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا وهم وَالصَّوَاب عَن عَاصِم عَن زيد بن عَليّ مُنْقَطِعًا١، قَالَ بِسَنَدِهِ من طَرِيق بشر بن. نمير عَن حُسَيْن بن عبد الله عَن أَبِيه عَن جده عَن عَليّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "إِنَّه سَيَأْتِي نَاس يحدثُونَ عني حَدِيثا فَمن حَدثكُمْ حَدِيثا يضارع الْقُرْآن فَأَنا قلته، وَمن حَدثكُمْ حَدِيثا لَا يضارع الْقُرْآن فَلم أَقَله" قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد ضَعِيف لَا يحْتَج بِمثلِهِ، حُسَيْن بن عبد الله بن ضميرَة قَالَ فِيهِ ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء، وَبشر بن. نمير لَيْسَ بِثِقَة. ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ من طَرِيق صَالح بن مُوسَى عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِنَّه سَيَأْتِيكُمْ مني أَحَادِيث مُخْتَلفَة فَمَا أَتَاكُم مُوَافقا لكتاب الله وسنتي فَهُوَ مني، وَمَا أَتَاكُم مُخَالفا لكتاب الله وسنتي فَلَيْسَ مني" قَالَ الْبَيْهَقِيّ: تفرد بِهِ صَالح بن مُوسَى الطلحي وَهُوَ ضَعِيف لَا يحْتَج بحَديثه، قلت: وَمَعَ ذَلِك فَالْحَدِيث لنا لَا علينا، أَلا ترى إِلَى قَوْله: "مُوَافقا لكتاب الله وسنتي".
ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق يحيى بن آدم عَن ابْن. أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ
стр. 22
قَالَ: "إِذا حدثتم عني حَدِيثا تعرفونه وَلَا تُنْكِرُونَهُ قلته أَو لم أَقَله فصدِّقوا بِهِ فَإِنِّي أَقُول مَا يعرف وَلَا يُنكر، وَإِذا حدثتم عني حَدِيثا تُنْكِرُونَهُ وَلَا تعرفونه فَلَا تصدّقوا بِهِ فَإِنِّي لَا أَقُول مَا يُنكر وَلَا يعرف". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ ابْن خُزَيْمَة: "فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث مقَال لم نر فِي شَرق الأَرْض وَلَا غربها أحدا يعرف خبر ابْن أبي ذِئْب من غير رِوَايَة يحيى بن آدم وَلَا رَأَيْت أحدا من عُلَمَاء الحَدِيث يثبت هَذَا عَن أبي هُرَيْرَة". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهُوَ مُخْتَلف على يحيى بن آدم فِي إِسْنَاده وَمَتنه اخْتِلَافا كثيرا يُوجب الِاضْطِرَاب، مِنْهُم من يذكر أَبَا هُرَيْرَة، وَمِنْهُم من لَا يذكرهُ وَيُرْسل الحَدِيث. وَمِنْهُم من يَقُول فِي مَتنه: "إِذا رويتم الحَدِيث عني فاعرضوه على كتاب الله"، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي تَارِيخه: "ذِكرُ أبي هُرَيْرَة فِيهِ وهم". ثمَّ أخرج الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق الْحَارِث بن نَبهَان عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْعَرْزَمِي عَن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "مَا بَلغَكُمْ عني من حَدِيث حسن لم أَقَله فَأَنا قلته". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا بَاطِل، والْحَارث والعرزمي مَتْرُوكَانِ، وَعبد الله بن سعيد عَن أبي هُرَيْرَة مُرْسل فَاحش، قَالَ: وَقد روى عَن أبي هُرَيْرَة مَا يضاد بعض هَذَا.
ثمَّ أخرج من طَرِيق أبي معشر السندي عَن سعيد
стр. 23
المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لَا أَلفَيْنِ أحدا مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الحَدِيث من حَدِيثي فَيَقُول: اتل عليَّ قُرْآنًا، مَا أَتَاكُم من خير عني قلته أَو لم أَقَله فَأَنا أقوله، وَمَا أَتَاكُم عني من شَرّ فَإِنِّي لَا أَقُول الشَّرّ"، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: صدرُ هَذَا الحَدِيث مُوَافق للأحاديث الصَّحِيحَة فِي قبُول الْأَخْبَار، وَقَوله: "قلته أَو لم أَقَله" فِي هَذِه الْأَحَادِيث مَالا يَلِيق بِكَلَام النَّبِي ﷺ وَلَا يشبه المقبول.
ثمَّ أخرج من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن سلمَان بن عَمْرو مولى الْمطلب عَن أبي الْحُوَيْرِث عَن مُحَمَّد بن جُبَير بن مطعم أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "مَا حدثتم عني مِمَّا تعرفُون فصدقوا، وَمَا حدثتم عني مِمَّا تنكرون فَلَا تصدقوا، فَإِنِّي لَا أَقُول الْمُنكر وَلَيْسَ مني"، قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَهَذَا مُنْقَطع، قَالَ: وأمثلُ إِسْنَاد رُوي فِي هَذَا الْمَعْنى مَا رَوَاهُ ربيعَة عَن عبد الْملك بن سعيد بن سُوَيْد عَن أبي حميد أَو أبي أسيد قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تعرفه قُلُوبكُمْ وتلين لَهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه مِنْكُم قريب فَأَنا أَوْلاكم بِهِ، وَإِذا سَمِعْتُمْ الحَدِيث عني تنكره قُلُوبكُمْ وتنفر مِنْهُ أَشْعَاركُم وَأَبْشَاركُمْ وترون أَنه مِنْكُم بعيد فَأَنا أبعدكم مِنْهُ". ثمَّ أخرج من طَرِيق بكير عَن عبد الْملك بن سعيد عَن ابْن عَبَّاس بن سهل عَن أُبي قَالَ: "إِذا بَلغَكُمْ عَن رَسُول
стр. 24
الله ﷺ مَا يُعرف وتلين لَهُ الْجُلُود فقد يَقُول النَّبِي ﷺ الْخَيْر وَلَا يَقُول إِلَّا الْخَيْر" قَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ البُخَارِيّ: وَهَذَا أصح - يَعْنِي أصح من رِوَايَة من رَوَاهُ عَن أبي حميد أَو أبي أسيد - وَقد رَوَاهُ ابْن لَهِيعَة عَن بكير بن الْأَشَج عَن عبد الْملك بن سعيد عَن الْقَاسِم بن سُهَيْل عَن أبي بن كَعْب قَالَ ذَلِك بِمَعْنَاهُ فَصَارَ الحَدِيث الْمسند معلولا، وعَلى الْأَحْوَال كلهَا حَدِيث رَسُول الله ﷺ الثَّابِت عَنهُ قريب من الْعُقُول مُوَافق لِلْأُصُولِ لَا يُنكره عقلُ من عقلَ عَن الله الْموضع الَّذِي وضع بِهِ رَسُول الله ﷺ من دينه وَمَا افْترض على النَّاس من طَاعَته، وَلَا ينفر مِنْهُ قلب من اعْتقد تَصْدِيقه فِيمَا قَالَ واتباعه فِيمَا حكم بِهِ، وكما هُوَ جميل حسن من حَيْثُ الشَّرْع جميل فِي الْأَخْلَاق حسن عِنْد أولي الْأَلْبَاب. هَذَا هُوَ المُرَاد مِمَّا عَسى يَصح من أَلْفَاظ هَذِه الْأَخْبَار.
ثمَّ أخرج بِسَنَدِهِ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: "إِذا حدثتكم بِحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَلم تَجدوا تَصْدِيقه فِي الْكتاب أَو هُوَ حسن فِي أَخْلَاق النَّاس فَأَنا بِهِ كَاذِب"، وَأخرج عَن عَليّ: "فَإِذا حدثتم عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا فظُنوا بِهِ الَّذِي هُوَ أهْدى وَالَّذِي هُوَ أهنأ وَالَّذِي هُوَ أتقى". قلت: والمعوَّل عَلَيْهِ فِي معنى الحَدِيث المورد أَن تثبت مَا أَشَارَ إِلَيْهِ الإِمَام الشَّافِعِي مِمَّا سبق أَن السّنة الثَّابِتَة لَيست منافرة
стр. 25
لِلْقُرْآنِ بل معاضدة لَهُ، وَإِن لم يكن فِيهِ نَص صَرِيح بلفظها فَإِن النَّبِي ﷺ يفهم من الْقُرْآن مَالا يفهمهُ غَيره، وَقد قَالَ لما سُئِلَ عَن الحُمُر: " مَا أنزل فِيهَا شَيْء إِلَّا هَذِه الْآيَة الفاذة الجامعة، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ " فَانْظُر أَخذ حكمهَا من أَيْن؟ وَقَالَ ابْن مَسْعُود فِيمَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم: "مَا من شَيْء إِلَّا بُين لنا فِي الْقُرْآن وَلَكِن فهمنا يقصر عَن إِدْرَاكه، فَلذَلِك قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ " فَانْظُر هَذَا الْكَلَام من ابْن مَسْعُود أحد أجلاء الصَّحَابَة وأقدمهم إسلاما.
قَالَ بَعضهم: السّنة شرح لِلْقُرْآنِ، وَقد ألف ابْن برَّجان كتابا فِي معاضدة السّنة لِلْقُرْآنِ: أخرج الشَّافِعِي. وَالْبَيْهَقِيّ من طَرِيق طَاوس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِنِّي لَا أحل إِلَّا مَا أحل الله فِي كِتَابه، وَلَا أحرم إِلَّا مَا حرم الله فِي كِتَابه" قَالَ الشَّافِعِي: وَهَذَا مُنْقَطع، وَكَذَلِكَ صنع ﷺ وَبِذَلِك أَمر. وافترض عَلَيْهِ أَن يتبع مَا أُوحِي إِلَيْهِ ونشهد أَن قد اتبعهُ وَمَا لم يكن فِيهِ وَحي فقد فرض الله فِي الْوَحْي اتِّبَاع سنته، فَمن قبل عَنهُ فَإِنَّمَا قبل بِفَرْض الله، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقَوله "فِي كِتَابه" إِن صحت هَذِه اللَّفْظَة فَإِنَّمَا أَرَادَ فِيمَا أُوحِي إِلَيْهِ، ثمَّ مَا أُوحِي إِلَيْهِ نَوْعَانِ: أَحدهمَا وَحي
стр. 26
يُتْلَى، وَالْآخر وَحي لَا يُتْلَى، وَقد احْتج ابْن مَسْعُود من الْآيَة الَّتِي احْتج بهَا الشَّافِعِي. بِمثل مَا احْتج بِهِ فِي أَن من قبل عَن رَسُول الله ﷺ فبكتاب الله قبله فَإِن حكمه فِي وجوب اتِّبَاعه حكم مَا ورد بِهِ الْكتاب، ثمَّ أورد الحَدِيث السَّابِق فى لعن الْوَاشِمَات.
ثمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيّ: بَاب فِيمَا ورد عَن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَغَيرهم من الصَّحَابَة من الرُّجُوع إِلَى خَبره، أخرج فِيهِ عَن قبيصَة بن ذُؤَيْب قَالَ: "جَاءَت الْجدّة إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ لتسأله مِيرَاثهَا. فَقَالَ لَهَا أَبُو بكر: مَالك فِي كتاب الله شَيْء وَمَا أعلم لَك فِي سنة نَبِي الله ﷺ شَيْئا، فارجعي حَتَّى أسأَل النَّاس، فَسَأَلَ النَّاس فَقَالَ لَهُ الْمُغيرَة بن شُعْبَة: حضرت رَسُول الله ﷺ أَعْطَاهَا السُّدس، فَقَالَ أَبُو بكر. هَل مَعَك غَيْرك: فَقَامَ مُحَمَّد بن مسلمة الْأنْصَارِيّ فَقَالَ مثل مَا قَالَ، فأنفذه لَهَا أَبُو بكر".
وَأخرج عَن ابْن الْمسيب أَن عمر بن الْخطاب ﵁ كَانَ يَقُول: "الدِّيَة لِلْعَاقِلَةِ، وَلَا تَرث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا شَيْئا حَتَّى أخبرهُ الضَّحَّاك بن سُفْيَان أَن رَسُول الله ﷺ كتب إِلَيْهِ أَن يُورث١ امْرَأَة أشْيَم الضبابِي من دِيَته
стр. 27
فَرجع إِلَيْهِ عمر"، أخرجه أَبُو دَاوُد. وَأخرج عَن طَاوس أَن عمر قَالَ: "أذكِّر الله امْرَءًا سمع من النَّبِي ﷺ فِي الْجَنِين شَيْئا فَقَامَ حمل بن مَالك بن النَّابِغَة قَالَ كنت بَين جاريتين لي - يَعْنِي ضرتين - فَضربت إِحْدَاهمَا الْأُخْرَى بمسطح فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا فَقضى فِيهِ رَسُول الله ﷺ بغرّة، فَقَالَ عمر: لَو لم نسْمع هَذَا لقضينا فِيهِ بِغَيْر هَذَا، إِن كدنا نقضي فِيهِ برأينا".
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قَالَ الشَّافِعِي: قد رَجَعَ عمر عَمَّا كَانَ يقْضِي فِيهِ بِحَدِيث الضحّاك إِلَى أَن خَالف حكم نَفسه، وَأخْبر فِي الْجَنِين أَنه لَو لم يسمع هَذَا لقضى بِغَيْرِهِ. وَقَالَ: إِن كدنا نقضي فِيهِ برأينا.
وَأخرج الشَّيْخَانِ من طَرِيق ابْن شهَاب عَن عبد الله ابْن عَامر بن ربيعَة: "أَن عمر خرج إِلَى الشَّام فَلَمَّا جَاءَ سرغ١ بلغه أَن الوباء قد وَقع بِالشَّام فَأخْبرهُ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: "إِذا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلَا تقدمُوا عَلَيْهِ، وَإِذا وَقع بِأَرْض وَأَنْتُم بهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا"، فَرجع عمر من سرغ". قَالَ ابْن شهَاب: وَأَخْبرنِي سَالم بن عبد الله بن عمر أَن عمر إِنَّمَا انْصَرف بِالنَّاسِ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف.
стр. 28
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: "لم يكن عمر أَخذ الْجِزْيَة من الْمَجُوس حَتَّى شهد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَن رَسُول الله ﷺ أَخذهَا من مجوس هجر".
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن زَيْنَب بنت كَعْب بن عجْرَة: "أَن الفريعة بنت مَالك بن سِنَان - وَهِي أُخْت أبي سعيد الْخُدْرِيّ - أخْبرتهَا أَنَّهَا جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ لتسأله أَن ترجع إِلَى أَهلهَا فِي بني خدرة فَإِن زَوجهَا خرج فِي طلب أعبُد لَهُ أَبقوا حَتَّى إِذا كَانَ بِطرف الْقدوم لحقهم فَقَتَلُوهُ. فسألتُ رَسُول الله ﷺ أَن أرجع إِلَى أَهلِي فَإِن زَوجي لم يتركني فِي مسكن يملكهُ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "امكثي فِي بَيْتك حَتَّى يبلغ الْكتاب أَجله"، قَالَت: فاعتددت فِيهِ أَرْبَعَة أشهر وَعشرا، قَالَت: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان بن عَفَّان أرسل إليَّ فَسَأَلَنِي عَن ذَلِك فَأَخْبَرته فَاتبعهُ وَقضى بِهِ"، وَأخرج عَن عَليّ ابْن أبي طَالب ﵁ قَالَ: "كنت إِذا سَمِعت من رَسُول الله ﷺ حَدِيثا نَفَعَنِي الله مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَن يَنْفَعنِي، وَإِذا حَدثنِي أحد من أَصْحَابه اسْتَحْلَفته فَإِذا حلف لي صدّقته، وَأَنه حَدثنِي أَبُو بكر - وَصدق أَبُو بكر - أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول: "مَا من عبد موقن يُذنب ذَنبا فيتطهر فَيحسن الطّهُور ويستغفر الله إِلَّا غفر لَهُ" أخرجه أَحْمد.
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن عَبَّاس: "أَن زيد بن ثَابت
стр. 29
قَالَ لَهُ: أتفتي أَن تصدُر الْحَائِض قبل أَن يكون آخر عهدها بِالْبَيْتِ؟ فَقَالَ ابْن عَبَّاس: أما لَا، فَسَأَلَ فُلَانَة الْأَنْصَارِيَّة، هَل أمرهَا بذلك رَسُول الله ﷺ ؟، فَرجع زيد بن ثَابت يضْحك وَيَقُول: مَا أَرَاك إِلَّا قد صدقت". قَالَ الشَّافِعِي: فَسمع زيد النَّبِي ﷺ ، فَلَمَّا أفتى ابْن عَبَّاس بالصدر أنكرهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا أخبر عَن رَسُول الله ﷺ رأى عَلَيْهِ حَقًا أَن يرجع عَن خلاف ابْن عَبَّاس١. وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن سعيد بن جُبَير قَالَ: "قلت لِابْنِ عَبَّاس: إِن نوفلا الْبكالِي يزْعم أَن مُوسَى صَاحب الْخضر لَيْسَ بمُوسَى بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ: كذب عَدو الله، أَخْبرنِي أبي بن كَعْب قَالَ: خَطَبنَا رَسُول الله ﷺ : فَذكر حَدِيث مُوسَى وَالْخضر"، قَالَ الشَّافِعِي: ابْن عَبَّاس مَعَ فقهه وورعه كذَّب امْرأ من الْمُسلمين وَنسبه إِلَى عَدَاوَة الله لما أخبرهُ عَن النَّبِي ﷺ من خلاف قَوْله. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم عَن هِشَام بن جُبَير قَالَ: "كَانَ طَاوس
стр. 30
يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد الْعَصْر فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس: اتركهما. فَقَالَ: مَا أدعهما. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: فَإِنَّهُ قد نهى النَّبِي ﷺ عَن صَلَاة بعد الْعَصْر وَلَا أَدْرِي أتعذَّب أم تؤجَر؟ لأنَّ الله قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ " قَالَ الشَّافِعِي: فَرَأى ابْن عَبَّاس الْحجَّة قَائِمَة على طَاوس بِخَبَرِهِ عَن النَّبِي ﷺ ودلَّه بِتِلَاوَة كتاب الله على أَن فرضا عَلَيْهِ أَن لَا يكون لَهُ الْخيرَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا. وَأخرج مُسلم عَن ابْن عمر قَالَ: "كُنَّا نخابر وَلَا نرى بذلك بَأْسا حَتَّى زعم رَافع أَن رَسُول الله ﷺ نهى عَنْهَا فتركناها من أجل ذَلِك". قَالَ الشَّافِعِي: فَابْن عمر قد كَانَ ينْتَفع بالمخابرة ويراها حَلَالا وَلم يتوسع إِذْ أخبرهُ الثِّقَة عَن رَسُول الله ﷺ أَنه نهى عَنْهَا أَن يخابر بعد خَبره. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَطاء بن يسَار: "أَن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان بَاعَ سِقَايَة من ذهب أَو ورِق بِأَكْثَرَ من وَزنهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاء: سَمِعت رَسُول الله ﷺ نهى عَن مثل هَذَا إِلَّا مثلا بِمثل فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: مَا أرى بِهَذَا بَأْسا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء: من يعذرني من مُعَاوِيَة؟ أخبرهُ عَن رَسُول الله ﷺ ويخبرني عَن رَأْيه، لَا أساكنك بِأَرْض أَنْت بهَا". قَالَ الشَّافِعِي: فَرَأى أَبُو الدَّرْدَاء الْحجَّة تقوم على مُعَاوِيَة بِخَبَرِهِ، فَلَمَّا لم ير مُعَاوِيَة ذَلِك فَارق
стр. 31
أَبُو الدَّرْدَاء الأَرْض الَّتِي هُوَ بهَا إعظاماً لِأَنَّهُ ترك خبر ثِقَة عَن رَسُول الله ﷺ . قَالَ الشَّافِعِي: وأُخبرنا أَن أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ لَقِي رجلا فَأخْبرهُ عَن رَسُول الله ﷺ شَيْئا فخالفه١ فَقَالَ أَبُو سعيد: "وَالله لَا آواني وَإِيَّاك سقف بَيت أبدا". قَالَ الشَّافِعِي: فَرَأى أَن ضيّقاً على الْمخبر أَن لَا يقبل خَبره.
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "لَا تمنعوا النِّسَاء بِاللَّيْلِ من الْمَسَاجِد"، فَقَالَ بعض بني عبد الله ابْن عمر: وَالله لَا ندعهن يتخذنه دغلا٢، فَضرب ابْن عمر صَدره وَقَالَ: أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وَأَنت تَقول مَا تَقول". وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة أَن عبد الله بن مغفَّل رأى رجلا يخذف٣ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: "إِن رَسُول الله ﷺ نهى عَن الْخذف، وَقَالَ: "إِنَّه لَا يرد الصَّيْد وَلَا ينْكَأ الْعَدو، وَلكنه قد يكسر السن ويفقأ الْعين" وَقَالَ: فَرَآهُ بعد ذَلِك يخذف فَقَالَ: أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ تخذف وَالله لَا أُكَلِّمك أبدا".
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عمرَان بن حُصَيْن أَنه قَالَ، قَالَ
стр. 32
رَسُول الله ﷺ : " الْحيَاء خير كُله" فَقَالَ بشير بن كَعْب: إِنَّا نجد فِي بعض الْكتاب أَن مِنْهُ سكينَة ووقارا وَمِنْه ضعفا، فَغَضب عمرَان بن حُصَيْن حَتَّى احْمَرَّتْ عَيناهُ وَقَالَ: أحَدثك عَن رَسُول الله ﷺ وتعارض فِيهِ. وَفِي رِوَايَة: وتحدثني عَن صحفك.
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ وَالْحَاكِم عَن الْحسن قَالَ: "بَيْنَمَا عمرَان بن الْحصين يحدث عَن سنة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ إِذْ قَالَ لَهُ رجل: يَا أَبَا نجيد حَدثنَا بِالْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُ عمرَان أَنْت وَأَصْحَابك تقرؤون الْقُرْآن أَكنت محدثي عَن الصَّلَاة وَمَا فِيهَا وحدودها، أَكنت محدثي عَن الزَّكَاة فِي الذَّهَب وَالْإِبِل وَالْبَقر وأصناف المَال؟ وَلَكِن قد شهدتُ وغبتَ أَنْت، ثمَّ قَالَ: فرض رَسُول الله ﷺ فِي الزَّكَاة كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ الرجل: أحييتني أحياك الله، قَالَ الْحسن: فَمَا مَاتَ ذَلِك الرجل حَتَّى صَار من فُقَهَاء الْمُسلمين".
قَالَ الشَّافِعِي: وَلَا أعلم من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين أحدا أخبر عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا قبل خَبره وانْتهى إِلَيْهِ وَأثبت ذَلِك سنة. ثمَّ أخرج عَن سَالم بن عبد الله: "أَن عمر بن الْخطاب نهى عَن الطّيب قبل زِيَارَة الْبَيْت وَبعد الْجَمْرَة، قَالَ سَالم: قَالَت عَائِشَة: طيبت رَسُول الله ﷺ بيَدي لإحرامه قبل أَن يحرم ولحله قبل أَن يطوف بِالْبَيْتِ، وَسنة رَسُول الله ﷺ أَحَق".
стр. 33
قَالَ الشَّافِعِي: فَترك سَالم قَول جده عمر فِي إِمَامَته، وَعمل بِخَبَر عَائِشَة. وأعلمَ من حَدثهُ أَنه سنة وَأَن سنة رَسُول الله ﷺ أَحَق، وَذَلِكَ الَّذِي يجب عَلَيْهِ. قَالَ الشَّافِعِي: وضع ذَلِك الَّذين بعد التَّابِعين، وَالَّذين لَقِينَاهُمْ كلهم يثبت الْأَخْبَار ويجعلها سنة يحمد من تبعها ويعاب من خالفها، فَمن فَارق هَذَا الْمَذْهَب كَانَ عندنَا مفارق سَبِيل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَأهل الْعلم بعدهمْ إِلَى الْيَوْم، وَكَانَ من أهل الْجَهَالَة. انْتهى.
هَذَا الَّذِي سقته من أول الْكتاب إِلَى هُنَا كُله تَحْرِير الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ كلَاما واستدلالا بالأحاديث وَلَقَد أتقنه ﵁ وَأَطْنَبَ فِيهِ لداعية الْحَاجة إِلَيْهِ فِي زَمَنه لما كَانَ يناظره من الزَّنَادِقَة والرافضة الرادين للْأَخْبَار، وَنَقله الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه فزاده محَاسِن كَمَا تقدم بَيَانه، وَبقيت آثَار ذكرهَا الْبَيْهَقِيّ مفرقة فِي كِتَابه، فها أَنا أذكرها ثمَّ أَزِيد عَلَيْهَا بِمَا لم يَقع فِي كَلَامه وَلَا فِي كَلَام الشَّافِعِي ﵁.
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ بِسَنَدِهِ عَن أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ قَالَ: "إِذا حدثت الرجل بِسنة فَقَالَ: دَعْنَا من هَذَا وأنبئنا عَن الْقُرْآن فَاعْلَم أَنه ضال"، قَالَ الْأَوْزَاعِيّ: "وَذَلِكَ أَن السّنة جَاءَت قاضية على الْكتاب وَلم يجىء الْكتاب قَاضِيا على السّنة".
стр. 34
وَأخرج عَن أَيُّوب قَالَ: "قَالَ رجل عِنْد مطرِّف بن عبد الله لَا تحدثونا إِلَّا بِمَا فِي الْقُرْآن. فَقَالَ مُطرِّف: إِنَّا وَالله مَا نُرِيد بِالْقُرْآنِ بَدَلا وَلَكنَّا نُرِيد من هُوَ أعلم بِالْقُرْآنِ منا". وَأخرج البُخَارِيّ عَن مَرْوَان بن الحكم قَالَ: "شهِدت عليا وَعُثْمَان بَين مَكَّة وَالْمَدينَة، وَعُثْمَان ينْهَى عَن الْمُتْعَة وَأَن يجمع بَينهمَا، فَلَمَّا رأى ذَلِك عليٌّ أهل بهما جَمِيعًا فَقَالَ: لبيْك بِحجَّة وَعمرَة مَعًا، فَقَالَ عُثْمَان: تراني أنهى النَّاس عَن شَيْء وَأَنت تَفْعَلهُ، فَقَالَ: مَا كنت لأدع سنة رَسُول الله ﷺ لقَوْل أحد من النَّاس".
وَأخرج مُسلم عَن سُلَيْمَان بن يسَار: "أَن أَبَا هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَأَبا سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف تَذَاكَرُوا الْمُتَوفَّى عَنْهَا الْحَامِل تضع عِنْد وَفَاة زَوجهَا، فَقَالَ ابْن عَبَّاس: تَعْتَد آخر الْأَجَليْنِ. وَقَالَ أَبُو سَلمَة: بل تحل حِين تضع. قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: أَنا مَعَ ابْن أخي، فأرسلوا إِلَى أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ فَقَالَت: قد وضعت سبيعة الأسْلَمِيَّة بعد وَفَاة زَوجهَا بِيَسِير فاستفتت رَسُول الله ﷺ فَأمرهَا أَن تتَزَوَّج" وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن الْبَراء قَالَ: "لَيْسَ كلنا كَانَ يسمع حَدِيث النَّبِي ﷺ ، كَانَت لنا ضَيْعَة وأشغال وَلَكِن كَانَ النَّاس لم يَكُونُوا يكذبُون فَيحدث الشَّاهِد الْغَائِب" وَأخرج عَن قَتَادَة: "أَن إنْسَانا حدث بِحَدِيث فَقَالَ لَهُ رجل
стр. 35
أسمعت هَذَا من رَسُول الله ﷺ قَالَ: نعم أَو حَدثنِي من لم يكذب، وَالله مَا كُنَّا نكذب، ولاكنا نَدْرِي مَا الْكَذِب" وَأخرج من طَرِيق مَالك أَن رَجَاء حَدثهُ أَن عبد الله بن عمر كَانَ يتبع أَمر رَسُول الله ﷺ وآثاره وحاله ويهتم بِهِ حَتَّى كَانَ قد خيف على عقله من اهتمامه بذلك. وَأخرج عَن الْحسن عَن سَمُرَة قَالَ: "حفظت عَن رَسُول الله ﷺ سكتتين سكتة إِذا كبر وسكتة إِذا فرغ من قِرَاءَة السُّورَة، فَكتب عمرَان بن حُصَيْن فِي ذَلِك إِلَى أبي بن كَعْب فَكتب بِصدق سَمُرَة، وَيَقُول: إِن سَمُرَة حفظ الحَدِيث من رَسُول الله ﷺ ". وَأخرج عَن مُحَمَّد بن سِيرِين: "أَن ابْن عَبَّاس لما أَمر بِزَكَاة الْفطر أنكر النَّاس ذَلِك عَلَيْهِ، فَأرْسل إِلَى سَمُرَة: أما علمت أَن النَّبِي ﷺ أَمر بهَا؟ فَقَالَ: بلَى، قَالَ: فَمَا مَنعك أَن تعلم أهل الْبَلَد؟ ". قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فَابْن عَبَّاس عَاتب سَمُرَة على ترك إِعْلَام أهل الْبَلَد أَمر النَّبِي ﷺ بِزَكَاة الْفطر.
وَأخرج البُخَارِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "بلغُوا عني وَلَو آيَة، وَحَدثُوا عني وَلَا تكذبوا عليَّ، فَمن كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن الْمُبَارك قَالَ: سَأَلَ أَبُو عصمَة أَبَا حنيفَة فَقَالَ: "إِنِّي سَمِعت هَذِه الْكتب - يَعْنِي الرَّأْي - فَمِمَّنْ تَأْمُرنِي أَن أسمع الْآثَار؟ قَالَ: فَمِمَّنْ كَانَ عدلا فِي
стр. 36
هَوَاهُ إِلَّا الشِّيعَة، فَإِن أصل عقدهم تضليل أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ: وَمن أَتَى السُّلْطَان طَائِعا حَتَّى انقادت لَهُ الْعَامَّة فَهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يكون من أَئِمَّة الْمُسلمين". قلت: هَذَا الْكَلَام من الإِمَام أبي حنيفَة ﵁ فِي الشِّيعَة، وفَاق مَا قَدمته فِي الْخطْبَة. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن حَرْمَلَة بن يحيى قَالَ: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: "مَا فِي أهل الْأَهْوَاء قوم أشهد بالزور من الرافضة. وَأخرج عَن جَابر بن عبد الله" قَالَ: "بَلغنِي حَدِيث عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ عَن رَسُول الله ﷺ لم أسمعهُ مِنْهُ، فابتعت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلي ثمَّ سرت إِلَيْهِ شهرا حَتَّى قدمت الشَّام فَإِذا هُوَ عبد الله بن أنيس الْأنْصَارِيّ فَأَتَيْته فَقلت: حَدِيث بَلغنِي عَنْك أَنَّك سمعته من رَسُول الله ﷺ فِي الْمَظَالِم لم أسمعهُ فَخَشِيت أَن أَمُوت أَو تَمُوت قبل أَن أسمعهُ، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: " يحْشر النَّاس عُرَاة غُرْلا بُهْما. قُلْنَا: وَمَا البُهْم؟ قَالَ: لَيْسَ مَعَهم شَيْء، فيناديهم نِدَاء يسمعهُ من بعُد كَمَا يسمعهُ من قرُب: أَنا الْملك، أَنا الديَّان، لَا يَنْبَغِي لأحد من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار، ولأحد من أهل الْجنَّة عِنْده مظْلمَة حَتَّى أقصه مِنْهُ. وَلَا يَنْبَغِي لأحد من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَأحد من أهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى أقصه مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَة، قُلْنَا: كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي الله عُرَاة غُرْلا
стр. 37
بُهْما؟ قَالَ بِالْحَسَنَاتِ والسيئات"، أخرجه أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ. وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: "خرج أَبُو أَيُّوب إِلَى عقبَة بن عَامر يسْأَله عَن حَدِيث سَمعه من رَسُول الله ﷺ لم يبْق أحد سَمعه مِنْهُ غَيره، فَلَمَّا قدم أَتَى منزل مسلمة بن مخلد الْأنْصَارِيّ - وَهُوَ أَمِير مصر - فَخرج إِلَيْهِ فعانقه ثمَّ قَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بك يَا أَبَا أَيُّوب؟ قَالَ: حَدِيث سمعتَه من رَسُول الله ﷺ فِي ستر الْمُؤمن، فَقَالَ: نعم. سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: "من ستر مُؤمنا فِي الدُّنْيَا على كربته ستره الله يَوْم الْقِيَامَة" ثمَّ انْصَرف أَبُو أَيُّوب إِلَى رَاحِلَته فركبها رَاجعا إِلَى الْمَدِينَة فَمَا أَدْرَكته جَائِزَة مسلمة إِلَّا بعريش مصر".
وَأخرج الشَّيْخَانِ من طَرِيق صَالح بن حَيّ قَالَ: "كنت عِنْد الشّعبِيّ، فَقَالَ لَهُ رجل من أهل خُرَاسَان: إِنَّا نقُول بخراسان إِن الرجل إِذا أعتق أم وَلَده ثمَّ تزَوجهَا فَهُوَ كَالَّذي يهدي الْبَدنَة ثمَّ يركبهَا. قَالَ الشّعبِيّ: أَخْبرنِي أَبُو بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن أَبِيه عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَة يُؤْتونَ أجرهم مرَّتَيْنِ: رجل كَانَت لَهُ أمة فعلَّمها فَأحْسن تعليمها، وأدبها فَأحْسن تأديبها، وأعتقها فَتَزَوجهَا فَلهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْد يُؤَدِّي حق الله وَحقّ سيّده وَهُوَ من أهل الْكتاب" ثمَّ قَالَ الشّعبِيّ للرجل: قد أعطيناكها بِغَيْر
стр. 38
شَيْء وَقد كَانَ الرجل يرحل فِيمَا دونهَا إِلَى الْمَدِينَة". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن سعيد بن الْمسيب قَالَ: "إِن كنت لأسافر مسيرَة الْأَيَّام والليالي فِي الحَدِيث الْوَاحِد". وَأخرج عَن الزُّهْرِيّ قَالَ: "قيل لعروة بن الزبير فِي قصَّة ذكرهَا: كذبتَ، قَالَ عُرْوَة: مَا كذبتُ وَلَا أكذبُ وإنَّ أكذبَ الْكَاذِبين لمن كذَّب الصَّادِقين". وَأخرج عَن عُثْمَان بن نفَيْل: قَالَ: "قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل: إِن فلَانا يتَكَلَّم فِي وَكِيع وَعِيسَى ابْن يُونُس وَابْن الْمُبَارك، فَقَالَ: من كذَّب أهل الصدْق فَهُوَ الْكذَّاب". وَأخرج مُسلم عَن ابْن سِيرِين قَالَ: "لقد أَتَى على النَّاس زمَان وَمَا يسْأَل عَن إِسْنَاد حَدِيث، فَلَمَّا وَقعت الْفِتْنَة سُئِلَ عَن إِسْنَاد الحَدِيث، فَنظر من كَانَ من أهل السّنة أَخذ من حَدِيثه، وَمن كَانَ من أهل الْبدع ترك حَدِيثه".
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مَالك قَالَ: "كَانَ عمر بن عبد الْعَزِيز يَقُول: سنّ رَسُول الله ﷺ وولاة الْأَمر من بعده سنناً الأخذُ بهَا تَصْدِيق لكتاب الله واستكثار لطاعة الله وَقُوَّة على دين الله، من اهْتَدَى بهَا فَهُوَ مهتد، وَمن استنصر بهَا فَهُوَ مَنْصُور، وَمن خالفها اتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وَالله تَعَالَى يَقُول: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ .
وَأخرج بِسَنَدِهِ عَن الْمُزنِيّ أَو الرّبيع قَالَ: كُنَّا يَوْمًا
стр. 39
عِنْد الشَّافِعِي إِذْ جَاءَ شيخ عَلَيْهِ جُبَّة صوف وعمامة صوف وَإِزَار صوف وَفِي يَده عكاز، فَقَامَ الشَّافِعِي وسوَّى عَلَيْهِ ثِيَابه واستوى جَالِسا وسلّم الشَّيْخ وَجلسَ، وَأخذ الشَّافِعِي ينظر إِلَى الشَّيْخ هَيْبَة لَهُ، إِذْ قَالَ لَهُ الشَّيْخ: سل؟، قَالَ: إيش الْحجَّة فِي دين الله، قَالَ: كتاب الله، قَالَ: وماذا؟، قَالَ وَسنة رَسُول الله مُحَمَّد ﷺ ، قَالَ: وماذا؟، قَالَ: اتِّفَاق الْأمة، قَالَ: من أَيْن؟، قلت: اتِّفَاق الْأمة من كتاب الله، قَالَ فَتدبر الشَّافِعِي سَاعَة، فَقَالَ للشَّافِعِيّ: قد أجلتك ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَإِن جِئْت بِحجَّة من كتاب الله فِي الِاتِّفَاق وَإِلَّا تب إِلَى الله، فَتغير لون الشَّافِعِي، ثمَّ أَنه ذهب فَلم يخرج إِلَّا بعد ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن، قَالَ: فَخرج إِلَيْنَا من الْيَوْم الثَّالِث وَقد انتفخ وَجهه ويداه وَرجلَاهُ وَهُوَ مسقام، فَجَلَسَ فَلم يكن بأسرع إِذْ جَاءَ الشَّيْخ وَسلم وَجلسَ فَقَالَ: حَاجَتي، فَقَالَ الشَّافِعِي: نعم، أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ لَا يصليه على خلاف الْمُؤمنِينَ إِلَّا وَهُوَ فرض فَقَالَ: صدقت، وَقَامَ فَذهب، فَلَمَّا ذهب الرجل قَالَ الشَّافِعِي: قَرَأت الْقُرْآن كل يَوْم وَلَيْلَة ثَلَاث مَرَّات حَتَّى وَقعت عَلَيْهِ".
стр. 40
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ والدارمي عَن معَاذ بن جبل قَالَ: " لما بَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ إِلَى الْيمن قَالَ لي: كَيفَ تقضي إِن عرض عَلَيْك قَضَاء؟، قلت: أَقْْضِي بِمَا فِي كتاب الله، قَالَ: فَإِن لم يكن فِي كتاب الله، قلت: أَقْْضِي بِمَا قضى بِهِ رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: فَإِن لم يكن قضى بِهِ الرَّسُول، قلت: أجتهد رَأْيِي وَلَا آلو، فَضرب صَدْرِي وَقَالَ. الْحَمد لله الَّذِي وفْق رسولَ رسولِ الله ﷺ لما يُرْضِي رسولَ الله ﷺ ". وَأَخْرَجَا أَيْضا وَالْحَاكِم عَن عبيد الله بن أبي يزِيد قَالَ: "رَأَيْت ابْن عَبَّاس إِذا سُئِلَ عَن الشَّيْء، فَإِذا كَانَ فِي كتاب الله قَالَ بِهِ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَكَانَ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ بِهِ، فَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عَن أبي بكر وَعمر قَالَ بِهِ، وَإِن لم يكن فِي كتاب الله وَلَا عَن رَسُول الله ﷺ وَلَا عَن أبي بكر عمر اجْتهد رَأْيه". وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن مَالك قَالَ: قَالَ ربيعَة: "أنزل الله كِتَابه على نبيه ﷺ وَترك فِيهِ موضعا لسنة نبيه ﷺ وَسن رَسُول الله ﷺ سننا وَترك فِيهَا موضعا للرأي". وَأخرج عَن مَسْرُوق قَالَ: قَالَ عمر ﵁: "ترد النَّاس من الجهالات إِلَى السّنة.
وَأخرج الشَّيْخَانِ عَن عَليّ بن أُميَّة قَالَ: "قلت لعمر بن الْخطاب: لَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح أَن تقصرُوا من الصَّلَاة