Полный текст (477 стр.). Показаны 456–477 · переход к 461.
стр. 456
وقد نسبت العرب الى كل ذلك فقالوا: خُماسي وسُداسي وعُشاري. قال أبو النجم:
فوق الخماسيّ قليلاً تفضّله
فأما قولهم: إن هذه الألفاظ إنما عدلت في المعنى، فأجريت مُجرى واحد واحد، اثنين اثنين، فقد قال المحتج له: إن أصل عدْلها وإن كان على ذلك فقد تكلم بها في معنى الأعداد المفردة، وعلى ذلك وقع النسب إليها في الخُماسي والعُشاري، والنسب لا يصح إلا على هذا المعنى. وقد استدلوا بقوله: ضربت خماس ... البيت. وهذا غير العنى الذي ذهبوا إليه، وإنما هو اسم معدول عن خمسة، ولا مدخل للتكرير فيه. وقالوا في إنكارهم تخصيص سُداس من بين الأعداد: إن الأعداد إذا استولت في المعنى لم يحظر على ذكر أحدهما، ولو قال خُماس أو رُباع لكان الأمر واحداً، ولو بلغ العُشار لم يزده غيرَ فضْل الاستطالة، وليس على الشاعر إذا بالغ في وصف أن ينتهي الى الغاية، ولا يترك في الإفراط مذهباً؛ على أنه قد يجوز أن يكون قصد استيفاء الأسبوع فقال: أهي ليلة أم ستّ؛ مضافة إليها، ولم يرد به الحساب، فيحمل على ما يوجبه حكم الضّرْب، فيكون الواحد في الستة ستة، وإنما قال أواحدة هي أم ست في واحدة، فإذا جعلت الست في الواحدة على جهة الظرْف والوعاء صارت سبعاً. فهذا وجه قريب.
قال الخصم: قد صغّر الليلة ثم استطالها فقال: لُييْلَتنا المَنوطة بالتناد.
قال أبو الطيب: هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيراً. قال لبيد:
وكلّ أناسٍ سوف تدخُل بينهم ... دوَيْهِيَةٌ تصفرّ منها الأنامل
أراد لطف مدخلها فصغّرها. وقال الأنصاري: أنا عُذيْقها المرجِّب،
стр. 457
وجُذَيلُها المُحكّك؛ فصغر وهو يريد التعظيم.
وقال آخر:
يا سَلمُ أسقاك البُريقُ الوامِضُ ... والدِيَم الغادية الفضافِض
أما تصغير اللفظ على تكثير المعنى فغير منكر؛ وهو كثير في كلام العرب؛ لكن في احتجاج أبي الطيب خلل؛ من قبل أن دُويْهية في هذا الموضع تصغير في المعنى واللفظ، وكذلك جذيلها المحكك لأن هذا الجذل لا يكون إلا لطيف الجرم؛ وإنما هو جذم من النخلة تحتكّ به الإبل، وكما زاد تحكّك الإبل به زاد لطفاً وصِغَراً وضئولة. وإنما وجه القول في هذا أن من التصغير ما يكون جارياً على طريق الاستهانة والتحقير، ومنه ما يراد به الصِّغر واللطافة؛ فأنت إذ قلت: جاءَني رُجيل لم تُبالِ بصغَر جسمه، وتفاوت خلْقه، وقِصَر قامته، إذا أردت تحقيرَ شأنه والإهوان به، ومتى أردت الإخبار عن ضئولته. ودمامة خلْقه لم تعرّج على حاله، ولم تفكر في محله. وقد تقول ذلك للملك على هذا الوجه، وتقول للرجل العادي على الوجه الأول، وقد تفعل ذلك وأنت تريد ذمّه؛ وإن كان قويّ الخُلُق، عظيم الشأن. وذكرُ لَبيد الدويْهية على لفظ التصغير من باب اللطافة دون النِّكاية؛ وقول أبي الطيب لُييلتنا خارج مخرج الذم والهجو، ثم قد أزال الالتباس وأفصح عن المراد بقوله: المنوطة بالتناد، إذ قد بين أنه لم يرد قِصَر مدتها. ولا قرب انقضائها. فأما قول أبي الطيب: إني لم أرد بالتّناد القيامة، وإنما أردت مصدر تَنادَى القوم، وعنيت أنها منوطة بما أهم منه فهو أعْلم بقصده، وأعرب بنيته؛ غير أن نسْق الكلام يشهد عليه. ومن تأمله عرف أنه بأن يراد به القيامة أشبه، ولا عيب فيه لو أراده؛ إنما هو ضرب من الإفراط قد استعمله الشعراء. قال بشار:
أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَه ... أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرَحُ
ومثله كثير موجود.
стр. 458
وقوله:
ولم تردّ حياةً بعد توليةٍ ... ولم تغِثْ داعياً بالويلِ والحرَبِ
قالوا: العرب لا تقول دَعا بالويل والحرب، وإنما يقال: دعا ويلَه؛ كما يقول دعا فلاناً. قال الله تعالى (لا تدْعو اليومَ ثُبوراً واحداً وادعوا ثُبوراً كثيراً) . فإنما يقال: دعا بكذا إذا طلب أن يؤتى بذلك الشيء؛ كقول الفرزدق:
دعوتُ بقُضبانِ الأراك التي جَنى ... لها الرّكْبُ من نُعمان أيام عرّفوا
وتداعوا بشعارهم، ودعا لكذا، أي من أجله، فقال أبو الطيب: يقال دعا للقتال وللخير وللشعر ولما به، أي إليه. ومن أجله قال طرفة:
وإن أُدْع للجُلّى أنْ من حُماتِها ... وإن يأتك الأعداءُ بالجهْدِ أجهَدِ
ويقال: دعا باللَّهَف وبالويل والحرَب بيا، وأيا؛ لأنه لفظ الداعي. وقال ذو الرمة:
تداعيْن باسم الشِّيب من متثلِّمٍ ... جوانبهُ من بصرةٍ وسِلام
وقال الراعي:
إذا ما دعت شيباً بجنَبِ عُنيزَة ... مشافرُها في ماء مُزنٍ وباقِلِ
وقال:
دعا الداعي بحيّ على الفلاح
وقال عنترة:
دعاني دعوةً والخيلُ تردي ... فما أدري أبِسْمي أم كَناني
وإنما يقال: دعا بكذا إذا أمر أن يؤتى به، لأنه ذكر اسمه. والذي ناله أبو الطيب محكيّ عن العرب، معروف عند أهل العلم، فإذا أراد ذكر المدعوّ قال: دعوته، وإذا أراد ما يلفظ به قال: دعا بكذا وكذا، وعلى هذا بيتُ عنترة، وقول الآخر:
стр. 459
دعا الدّاعي بحيّ على الفلاح
وقوله:
بياضُ وجهٍ يريكَ الشمسَ حالكةً ... ودُرُّ لفظٍ يريكَ الدُرَّ مخشَلَبا
قالوا: مخشلبا ليس من كلام العرب. فقال أبو الطيب: هي كلمة عربية فصيحة، وقد ذكرها العجّاج. ولست أعرفها في شعر العجاج ولا أحفظها محكي عن العرب؛ غير أني أرى استعمالها وأمثالها غير محفوظ، لأني أجد العرب تستعمل كثيراً من ألفاظ العجَم إذا احتاجت إليه لإقامة الوزن، وإتمام القافية، وقد تتجاوز ذلك الى استعماله مع الاستغناء عنه؛ كما سموا الحمَل برَقاً مع كثرة أسماء الغنم عندهم، وكما قال التغلبي:
وكنا إذا القيسيّ نبّ عَتوده ... ضرَبْناه دون الأنثَييْن على الكرْدِ
أراد الكَرْدَن، وهو العُنق، فأقام به القافية. وقال الآخر:
قد علمت فارس حِميَر والأع ... رابُ بالدّشْت أيُّهم نزَلا
أراد الدّشت وهو فارسي، وأسماؤه عند العرب كثيرة، فلم يمنعهم ذلك من الارتفاق به. وكذا قال الآخر:
تضمنها وهم ركوب كأنه ... إذا ضم جنبيها المخارِق رَزْدَقُ
يريد رَستَه، وهو الصف من النخل وغيره، إلا أنهم زعموا أنه أراد النخل هنا. وقد استعمل العجّاج في قوافي جميميته ألفاظاً منه. قال:
стр. 460
كما رأيت في المَلاء البَرْدَجا
يريد الرقيق؛ وهو بالفارسية برْده. وقال:
كالحبشيّ التفّ أو تسبّجا
يريد لبس قميصاً، وإنما هو بالفارسية شَبِي فعربه بسَبيجة ثم صرّف منه فِعلاً، في أبيات غيرها.
فليس بمحظور على الشاعر الاقتداء بهم في أمثال ذلك إذا احتاج إليه؛ فأما المحدَثون فقد اتّسعوا فيه حتى جاوزوا الحدّ لما احتاجوا الى الإفهام، وكانت تلك الألفاظ أغلبَ على أهل زمانهم، وأقربَ من أفهام منْ يقصدون إفهامه.
وقد أفرط أبو نواس حتى استعمل زنمرده، وبازبنده، وباريكنده، وغير ذلك، فإن كانت اللفظة مسموعةً عن العرب على ما حكاه أبو الطيب، فقد زالت الكلْفة، وإن لم تكن محفوظة فما رويناه من أمثالها عن العرب والمحدثين يعتذر عنه، ويقوم بحجته.
وقوله:
ليس التعلل بالآمال من أرَبي ... ولا القُنوعِ بضنْكِ العيش من شيَمي
قالوا: القُنوع خطأ وإنما هي القناعة، فأما القُنوع فالمسألة، يقال: قَنَع يقنَع قناعة؛ إذا رضي، وقنع يقنَع قُنوعاً؛ إذ سأل والفاعل فيهما قانِع.
قال المحتج: الرواية المسموعة هي:
ولا القناعة بالإقلال من شيَمي
стр. 461
وقد سمعت رواة الشاميين يذكرون أنه أنشدهم قديماً القُنوع ثم غيّر الإنشاد، ورجع الى القناعة، ثم إن القنوع بمعنى القناعة محكيّة عن العرب، وإن لم تكن مشهورة، وقد ذكرها أهل اللغة، وحكَوا عن أوس بن الحارث الطائي أنه أوصى ابنَه، فقال في بعض وصيته: خير الغنى القنوع وشر الفقر الخُضوع. ولا يحتمل معنى القُنوع هنا في هذا الكلام إلا الرضا والقناعة. وقوله:
واحرّ قلباه ممّن قلبُه شَبم
فألحق الهاء في قلباه. قالوا: وإنما تلحَقُ في الوق لخفاء الألف فتبين بها، فإذا وصلت حذفت.
قال المحتج: هذا هو الأكثر عند العرب، والاختيار عند النحويين، غير أنه ليس على الشاعر عيب في اتباع اللفظة النادرة إذا رَواها الثقاة، ومتى وُجدت الرواية عن ثقة لم يُحظَر على الشاعر قبولها، والعمل بها لأجل اختلاف النحويين، وقد أجاز الفراء وغيره إلحاقَ هذه الهاء في الوصل، وروي فيه:
يا ربِّ يا ربّاه إياك أسل ... عفواً أيا ربّاه من قبل الأجَل
وأنشدوا:
يا مرحباه بحمار ناجية
وأنشدوا للمجنون:
فقلت أيا ربّاه أوّل سؤلتي ... لنفسيَ ليلى ثم أنت حسيبها
وقد قال أبو زيد في بيت امرئ القيس:
وقد رابني قولُها يا هَناه ... ويْحك ألْحَقت شراً بشر
إن هذه الهاء هاء الوقف، وخالفه جُلّ النحويين؛ ففي هذه الأبيات عذر واضح
стр. 462
للمتنبي. وأضعف من إلحاق هذه الهاء إسقاط الياء في قلباه؛ وإنما الوجه واحر قلبِياه، وكذلك: وانقطاع ظهرياه، لأن الياء إنما تسقط حيث يحذف التنوين من المنادى، فلما كنت تقول: يا زيد فتحذف التنوين قلت واغلاماه، فأسقطت الياء، ولو قلت واغلام غلامياه أثبت الياء؛ لأنك تقول في النداء يا غلامَ زيدٍ فتنون المضاف الى المنادى، ولك في المفرد إثبات الياء تقول: واغلامياه، وإذا جاء موضع تثبت فيه النون فليس غير إثبات الياء؛ هذا الذي عليه جِلّة النحويين وحُذّاقهم، وقد أجاز بعضم إسقاط الياء في هذا الموضع، وهو في الشعر أقوى منه في الكلام.
وقوله:
حملْتُ إليهِ من ثَنائي حديقَةً ... سَقاها الحِجَى سقْيَ الرياضِ السّحائِبِ
قالوا: فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول؛ وإنما يفصل بينهما بالظروف والحروف وما أشبههما؛ لقول الشاعر:
لما رأت ساتيدَما استعْبَرتْ ... لله درّ اليوم منْ لامَها
ساتيدما: جبل؛ يقال: ما طلعت عليه الشمس إلا أريق فيه دم، معناه لله درّ من لامها اليوم. وقول الآخر:
كتَحْبير الكتاب بكفِّ يوماً ... يهوديّ يقارب أو يزيل
وقول الآخر:
كأن أصواتَ من إيغالهن بنا ... أواخر الميْس أصوات الفراريج
стр. 463
يريد: كأن أصواتَ أواخر الميْس، فأما في هذا فلا يجوز الفصل بينهما؛ لأنهما كالاسم الواحد.
قال المحتج: لقد أجاز الفرّاء هذا وأنشد فيه:
ترى النّور فيها مدخل الظل رأسَه ... وسائره باد الى الشمس أجمع
والرواية المشهورة رأسَه - بالنصب - وأنشد أبو عبيدة:
تفرق آلاف الحجيج على منى ... وصدعهم مشي النوى عنك أربع
أراد: وصدعهم النوى عنك مشي أربع ليال. وأنشد أيضاً:
وحلَق الماذيّ والقلانِس ... فداسهم دوْس الحصاء الدائس
وقال آخر:
يفرُك حَبّ السُنْبل الكُنافِج ... بالقاع فرْك القطن المحالج
ومما يقارب هذه الأبيات، مما يحتاج في بعضها الى تبيين وكشف، ويتجه في بعضها الطعنُ عليه، ويضعف في بعضها الاحتجاج عنه قوله:
هَذي برزْتِ لنا فهِجْتِ رَسيسا
قالوا: حذف علامة النداء من هذي؛ وحذفُها خطأ؛ لأن هذي تصلحُ أن تكون نعتاً لأي، وكل معرفة تصلح جاز أن تكون نعتاً لأي، فحذفُ علامة النداء منه غير جائز.
قال المحتج: هذا لعمري أصل القياس في النحو؛ غير أن ضرورة الشعر تجيز
стр. 464
القياس في النحو، وقد أجازوا ذلك في النكرات، وهو أبعد في الجواز من هذه المعارف؛ قال الشاعر:
صاحِ هلْ أبصرْتَ بالخبْ ... تَينِ من أسماءَ نارا
وقال العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري
فإذا جاز هذا في النكرات فهو في المعارف أجوز؛ مع أنّ النحويين قد ذكروا ذلك وأدخلوه في أبواب ضرورة الشعر.
وقوله:
بيضاءُ يمنعُها التكلّم دَلُّها ... تيهاً ويمنعُها الحياءُ تَميسا
فنصب تميس مع حذف أن، وهو عند النحويين ضعيف، لا يجيزون النصب على إضمار أن، إلا أن يكون منها عوض، وقد أجازه الكوفيون. وأنشدوا قول طرفة:
ألا أيّهذا اللائِمي أحضُرَ الوغَى
بإضمار أن، والبصريون يروونه على الرفع.
وقوله:
عوابِسَ حلّ يابسُ الماءِ حُزمَها ... فهنّ على أوساطِها كالمناطِقِ
قالوا: الماء لا يوصف باليَبَس، وإنما يقال: جَمد الماء وجَمَس السّمن، ويبس العود والنبت، ونحو ذلك.
стр. 465
قال المحتج: قد جاء عن العرب وصفُ الماء باليَبَس. قال بشر يصف خيلاً:
تراها من يَبيس الماء شُهْباً ... مُخالِطُ درّةٍ فيها غِرار
قالوا: وقد استعار الجموس في الماء ذو الرمة فقال:
ونقْري سَديفَ اللّحم والماء جامس
قال الخصم: أما يبيس الماء فإن العلماء رووا عن العرب أنها تُسمى العرب يَبيس الماء، فليس هو من هذا الباب بسبيل، وأما بيت ذو الرمة فقد ردّه الأصمعي، وعاب ذا الرمة به.
قال المحتج: أما تسميةُ العرَق يبيسَ الماء فلسْنا ندفعه؛ غير أنّ هذا البيت يشهد بخلاف ما قلتم؛ لأنه جعلها شُهباً، والعرق لا يغير ألوانه، وإنما أراد ما جمَد من الماء عليها، وبيت ذي الرمّة صحيح عنه، وهو حجة تلزُم الأصمعي وغيرَه. وهل ينكر الأصمعي ذلك إلا برواية عن العرب؟ ومتى ثبتت الرواية عن موثوق بفصاحته فقد وجب التسليم له.
وقوله:
تفكُّرُه علمٌ ومنطقُه حُكمٌ ... وباطنُه دينٌ وظاهرُه ظرْفُ
قالوا: خرج عن الوزن لأنه لم يجئ عن العرب مفاعلن في عروض الطويل غير مصرّع.
قال المحتج: إنما جاءالبحر على مفاعيلن، وليس يُحظَر على الشاعر إجراؤه على الأصل، وقد جاء عن العرب مفاعيلن في المصرّع، وما خرج عن الوزن لم يحتمله
стр. 466
المصرّع ولا غيره. قال امرؤ القيس:
ألا انعَمْ صباحاً أيها الطلَلُ البالي ... وهل ينْعمنْ من كان في العُصُرِ الخالي
فجاء بالعروض على مفاعيلن لمّا صرع. قالوا: وقد جاء في شعر المحدَثين ما أجروا فيه غير المصرّع مُجرى المصرّع، فقال شاعرهم:
فالوجه مثل الصبح مُبيضّ ... والشعرُ مثل الليل مسودُّ
وأبو الطيب أعذر من هذا، لأنه جرى على أصل البحر في الدائرة. وقد حرى أبو تمام الى ما هو أقبح من الأمرين، فصرّع المِصراع في قوله:
يقول فيُسمِع، ويمشي فيسرعُ ... ويضرب في ذات الإله فيوجِع
وعلى مثل هذا الطريق يعاب أبو الطيب بقوله:
إنما بدْرُ بنُ عمارٍ سحابٌ ... هطِلٌ فيه ثَوابٌ وعِقابُ
فإنه أخرج الرّمَل على فاعلاتن في العروض، فأجْرى على ذلك جميع القصيدة في الأبيات الغير مُصرّعة، وإنما جاء الشعر منه على فاعِلن؛ لكن أصله في الدائرة فاعلاتن، وإن كان غير محفوظ عن العرب.
وقوله:
ولعلّي مؤمِّلٌ بعضَ ما أبْ ... لُغُ باللُطْفِ من عزيزٍ حميدِ
قالوا: تمنى أن يؤمّل بعض ما يبلغ، وهذا لا يليق بالكلام، وإنما وجهه أن يقول: ولعلي بالغ بعض ما أؤمّل.
قال المحتج: قد يجوز أن يكون أراد: لعلي أبلغ آمالي، وأيد عليها بلطف الله تعالى حتى يكون ما أؤمله بعضَ ما أصل إليه، وهذا غير مُستنكر.
стр. 467
وقوله:
وعذلْتُ أهلَ العِشقِ حتّى ذُقتُه ... فعجِبْت كيف يموت من لا يعشقُ
قالوا: صعوبة العشق وشدته على أهله لا توجب ألا يموتَ من لا يعشق فيعجب منه، وإنما يقتضي أن كلّ من يعشق يموت؛ وكأنه أراد: كيف لا يعرف من يعشق! فذهب عن مُراده.
قال بعض من يحتج عن أبي الطيب: إنه خرج مخرج القلْب، وهو كثير في شعر العرب، ومنه قول الأعشى:
وكل كميت كأنّ السّلي ... ط في حيثُ وارى الأديمُ الشِّعارا
يريد: حيث وارى الشّعار الأديمَ، فقلب الكلام. وكقول الأخطل:
مثلُ القنافِذِ هدّاجون قد بلغَتْ ... نَجرانَ إن بلغت سوءَاتهم هجَرُ
يريد بلغت سوءاتهم هجَر. وقال الشماخ:
منه ولدت ولم يؤْشَب به حسبي ... ليّا كما عُصِبَ العِلْباء بالعودِ
أراد كما عصب العود بالعلباء. وقال آخر:
أسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشية وهَقا
أراد كما أسلم وهَقٌ وحشية. وقال آخر:
كان الزّناء فريضة الرجم
أراد كأن الرجم فريضة الزناء، ومثل هذا كثير.
стр. 468
وقال غيره: إن الكلام جار على طريقته، غير محتاج الحمل على القلْب، وإنما المراد كيف تكون المنية غيرَ العشق؛ أي أن الأمر المتقرِّر في النفوس أنه على مراتب الشدة هو الموت، وإني لما ذقت العشق فعرفت شدّته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتّفق على شدّته غير العشق، وكيف يجوز ألا تعم علته فتستولي على الناس، حتى تكون مناياهم منه، وهلاك جميعهم منه.
وقوله:
شَديدُ البُعدِ من شُربِ الشّمولِ ... تُرُنْجُ الهند أو طلْعُ النخيل
قالوا: المعروف من العرب الأترُج والترُنْج مما يغلط به العامة، فقال أبو الطيب: يقال أترجة وأترج وترنج، حكاها أبو زيد، وذكرهما ابن السّكيت في أدب الكاتب.
وقوله:
فِدًى من على الغَبراءِ أوّلهم أنا ... لهذا الأبيّ المائد الجائد القرْمِ
قالوا: لم يُحْك عن العرب: الجائد، وإنما المحكي عنهم رجل جواد، وفرس جواد، ومطر جواد.
قال المحتج: هذا الباب يستغنى فيه بالقياس عن السماع لاطّراده، واتّساق أمره على الاعتدال، فكل فعل في الكلام يقتضي التصريف الى فاعل ومفعول، وكل فعل فله مُفعِل ومفعَل، ولسنا نحتاج في مثل هذا الى التوقف واتباع المسموع، وهذا أشبه بمذاهب القياس، والأصل الذي عليه أهل اللغة.
وقوله:
خلائقٌ لو حَواها الزَّنجُ لانقلَبوا ... ظُمْيَ الشِّفاهِ جِعادَ الشّعْرِ غُرّانا
стр. 469
قالوا: الزَّنْجيّ لا يوجد إلا جعْدَ الشعر، وإنما تُفرِط الجعودةُ فيهم حتى تخرج عن حدّ الاعتدال، فكيف ينقلِبون من الجُعودة الى الجعودة! قال المحتجّ: إن للأوصاف حدوداً إذا فارقتها الى نقْص أو زيادة زالت الصفاتُ الى ما يخالفُ حقيقة اللغة، أو عادة الاستعمال، وللوصْف بالَعْد نهايةٌ، فإذا زاد فإنما هو المُقلَعِطّ والمُقلَعِدّ، وإن كان على هيئة شعْر الزنج فهو المُفَلْفَل، ونحو ذلك من الأوصاف؛ ولذلك صاروا يمدحون بجُعودة الشعر ويذمّون بشعور الزّنج، فلا شكّ أن ما حمدوه غير ما ذموه، وإنما مُراد الشاعر بقوله انقلبوا جعاد الشعر أنهم صاروا الى حدّ الاعتدال الذي يُحمَد ويُستَحسن ويوصَف به ويختار.
وقوله:
بَليتُ بِلى الأطلالِ إنْ لم أقِفْ بها ... وقوفَ شَحيحٍ ضاعَ في التُرْبِ خاتَمُهْ
قالوا: أراد التناهي في إطالة الوقوف فبالغ في تقصيره؛ وكم عسى هذا الشحيح بالغاً ما بلغ من الشُحّ، وواقعاً حيثُ وقعَ من البُخل أن يقف على طلب خاتمه، والخاتَم أيضاً ليس مما يَخْفى في التُرْب إذا طُلِب، ولا يعسُر وجوده إذا فتش. وقد ذهب المحتجّون عنه في الاعتذار له مذاهبَ لا أرضى أكثرها، وأقرَبُ ما يقال في الإنصاف ما أقوله إن شاء الله تعالى.
أقول إن التشبيه والتمثيل قد يقع تارةً بالصورة والصفة، وأخرى بالحال والطريقة؛ فإذا قال الشاعر - وهو يريدُ إطالة وقوفه: إني أقف وقوفَ شحيحٍ ضاع خاتَمه، لم يُرِد التسوية بين الوقوفين في القَدْر والزمان والصورة، وإنما يريد لأقفَنّ وقوفاً زائداً على القدْر المعتاد خارجاً عن حدّ الاعتدال، كما أنّ وقوفَ الشحيحِ يزيدُ على ما يُعرَف في أمثاله، وعلى ما جرت به العادةُ في أضرابه، وإنما هو كقول الشعر:
رُبّ ليلٍ أمدّ من نفَسِ العا ... شِقِ طولاً قطعْتُه بانتِحابِ
стр. 470
ونحن نعلم أنّ العاشق بالغاً ما بلغَ لا يمتد نفسُه امتِداد أقصر أجزاءِ الليل، وأن السعة الواحدة من ساعاته لا تنقضي إلا عن أنفاسٍ لا تُحصى؛ كائنةً ما كانت في امتدادها وطوله، وإنما مرادُ الشاعر أن الليل زائدٌ في الطول على مقادير الليالي كزيادة نفَسِ العاشق على الأنفاس؛ فهذا وجهٌ لا أرى به بأساً في تصحيح المعنى، وإن كنتُ لا أرى أن يؤخَذ الشاعر بهذه الدقائق الفلسفية ما لم يأخذْ نفسَه بها، ويتكلّف التعملَ لها، فيؤخذ حينئذ بحكمه، ويُطالب بما جنى على نفسه.
وقوله:
كأنّه من عِلمِه بالمَقتَلِ ... علّم بُقْراط فِصادَ الأكْحَلِ
قالوا: لم يكن بقراط فصّاداً ولا كان الفصْد غالباً عليه في زمانه، وإنما كثُر بعده. قال المحتجّ: أما هذه الدعوى فلا يُعلَم كيف وجهها؟ وهل أنتم صادقون فيها؟ وقد كان الفصْد قديماً، ولكنهم كانوا يحتذبون العِرْق بآلة شبيهة بالقِنّارة ثم يبضَعونه، فهذا أحوجُ الى الحِذْقِ واللُطف، ولسنا نأبى أن يكون بُقراط لا يفصد، وليس مقصِد الشاعر إلا علمه بالفصْد، وقد عُلِم موقعُ المعرفة بالتشريح من هذا العلم، وكيف يفتقر الى الوقوف على تشعّب العروق، واتّصال ما اتصل منها، وانفصال ما انفصل، وليس بمثل بُقْراط - على عِلمِه ومعرفته بالطبّ، واجتماع الألسُن على تقديمه جهْل ذلك، وقد يعلمُ الشيء منْ لا يعالجه بيده، ولا يتولاّه بنفسه، وليس ترْكُه مباشرة ذلك بدالّ على جهلِه به. ولو كان بُقراط أجهلَ الناس بذلك لم يلْحق أبا الطيب من هذا القول نقيصةٌ على طريقته؛ لأنهم لا يؤخَذون بمعرفة الأطباء ومواقعهم من الصناعة، ومهارتهم في العلم والعمل، ولما رأى الأطباء
стр. 471
لا يخْلون من معرفة العروق ومواقِع الفصْد، ورأى بقراط هو المقدَّم في الطب ضرب به المثل في ذلك، وهو ليس بأكبر من غلط العربي في اسم داود ﵇ الى اسم ابنه سليمان ﵇، ثم غلَطه في اسمه حتى يجعلَه مرة سلاّماً، ومرة يسميه سُليماً.
وقال الآخر منهم:
مثل النّصارَى قتلوا المَسيحا
لما سمع القصة ولم يدر كيف حقيقةُ القول فيها أجراها على ما خطر بباله.
وقوله:
الفاعلُ الفِعلَ لم يُفعَل لشدّتِه ... والقائلُ القولَ لم يُترَك ولم يُقَلِ
قالوا: كيف يكون القول غيرَ متروك ولا مَقول؟ وهل هذه إلا مناقضَة ظاهرة! قال المحتج: إنّ من عادة الناس إذا استقصَروا فعلَ الفعل قالوا: فعلتَ وما فعلتَ؛ أي لم تفعله على وجْه التمام، ولم تبلُغ به شريطة الكمال؛ فقد تكلّفْت الفعلَ، وكأنّك لم تفعل. فكذا هو القول لم يُترَك ولم يُقَل؛ لأنه قد تعرّض له فلم يوفِّه حقّه، ولم يبلُغ المرادَ فيه؛ فكأنه لم يُقَل. وقد يجوز أن يكون المُراد به أنه لم يُترَك، لأنه لم يخطُر بالبال فيُترَك، وإنما ابتدعتَه أنت وسبقتَ إليه؛ والشيء إذا لم يخطُر بالبال، ولم تتعلّقْ به الهمّة لم يُسَمّ متروكاً في المُتعارَف من الكلام؛ وليس يجبُ أن يكون الحكمُ بالمناقضة مقصوراً على ظاهر اللفظ، وإنما المعوَّل على المعاني والمقاصد؛ ولو ادّعى ذلك في قول القائل كان أسوَغ:
في كفه معطية منوع
стр. 472
وقوله:
حتى نجا من خوفه وما نجا
فقيل: كيف تكون معطية منوعاً وكيف ينجو ولا ينجو لكان دالاً على جهْل المدّعي وقصورِ علمه عن الأغراض.
وقوله:
يفضَحُ الشسَ كلّما زرّتِ الشمْ ... سُ بشمسٍ منيرةٍ سوْداءِ
قالوا: الشمسُ لا تكونُ سوداءَ، والإنارة تضادّ السوادَ، فقد تصرّف في المناقضة كيف شاء.
قال المحتجّ: إنه لم يجعلُه شمساً في لونِه فيستحيلُ عليه السوادُ. وللشعراء في التشبيه أغراض، فإذا شبّهوا بالشمس في موضع الوصفِ بالحُسنِ أرادوا به البهاء والرّوْنَق والضياءَ، ونُصوعَ اللونِ والتمام، وإذا ذكروه في الوصف بالنّباهة والشُهرة أرادوا به عمومَ مطْلعها وانتشار شُعاعها، واشتراك الخاصّ والعام في معرفتِها وتعظيمها. وإذا قرنوه بالجَلال والرِّفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها. وإذا ذكروه في باب النفع والإرْفاق قصدوا به تأثيرَها في النّشوء والنّماء، والتحليل والتصفية. ولكل واحدٍ من هذه الوجوه بابٌ مُفرد، وطريقٌ متميّز؛ فقد يكون المشبَّه بالشمس في العلوّ والنَباهة، والنّفْعِ والجَلالة أسود، وقد يكون منيرَ الفعال كمِدَ اللوْن، واضحَ الأخلاق كاسِفَ المنظَر؛ فهذا غرضُ الرجل؛ غير أن في اللفظ بشاعةً لا تُدفَع، وبُعْداً عن القبول ظاهر.
وقوله:
لا يأتَلي في ترْكِ أنْ لا يأتَلي
стр. 473
قالوا: أفسد المعنى، لأن لا يأتَلي لا يُقصّر؛ فكأنه قال: لا يقصِّر في ترْك أن لا يُقصِّر فوصفه بالتقصير. وبيان ذلك أنه لم يأتَل؛ فقد جدّ في ترْكِ الجِدّ، وهو نهايةُ التقصير. قال المحتج: لا أرى لا إلا زائدة؛ فتقديرُ الكلام: لا يأتلي في تركِ أن يأتلي؛ فكأنه لا يقصِّر في تركِ التقصير، وهذا هو الجِدّ؛ وزيادة لا غيرُ مستَنْكَر، وقد جاء في القرآن والشعر، قال الله تعالى: (لئلا يعْلَم) فمعناه ليعلم. وقال أبو النجم:
وما ألو البيض ألا تسحرا
فزاد لا، فأما زيادةُ ما فكثيرٌ مشهور. وقال العجّاج في زيادة لا:
في بئرِ لا حُورٍ سرَى وما شعَرْ
أي في بئر حورٍ.
وقوله:
كأنّك أبصَرْت الذي بي وخِفتَه ... إذا عِشْتَ فاخترْتَ الحِمام على الثُّكْلِ
قالوا: هذا الكلام الذي لا طريقَ للفهم إليه لتخالُفِ أطرافِه وتنافُرِ معانيه وألفاظه؛ يقول: كأنك أبصرتَ ما بي من الحُزنِ عليك، وخِفتَه إذا عشتَ، فاخترتَ أن تكوت على أن تثكل، ولو عاش ما أبصر شيئاً مما لحقَه ولا خافَه، لأنّ الذي جرّ ذلك الحزنَ والضّنَى هو موته، فكيف يكونُ - لو عاش - مُبصِراً له وخائفاً! وما معنى هذا الثُكْل ها هنا؟ أهو ثُكْل هذا الميّت له أم ثكله للميّت؟ فإن كان ثكله للميّت فهو الحِمام الذي قد حصل، وإن كان ثكل الميّت له فكأنه قال:
стр. 474
قد اخترتَ موتَك على موتي، ووجدَ الحِمام أهون من ثكلك لي! فكيف يقول ذلك وهو لو عاشَ لم يكن لثكله له سبب! ولو كان له ما يؤدّيه الى هذا الضّنى الذي ذكره في حياة هذا الميت لكان مثْكولاً وهو حيّ، مُصيباً منه الضّنى ما أصاب المتنبي! قالوا: وما نعرف بيتاً يُقارب هذا الخطأ إلا بيت أبي تمام:
لو لم يمُتْ أطراف بين الرّماح إذاً ... لماتَ إذا لم يمتْ من شدّة الحَزَنِ
قال المحتج: إنكم ذهبتُم عن غرض الرجل، وظننتُم أنه أراد: أنك خفت نزولَ هذا الضّنى بي لأجلِك، وأنت حيّ، ولم يرِدْ ما خطر لكم؛ وإنما مذهبُه فيه أنك خِفتَ أن يصيبني هذا العارضُ من الضّنى وأنت حيّ، فيبلغ منك الغمّ به مبلغ الثّكل، فاخترتَ الحِمام عليه.
فقال الخصم: هبِ الأمرَ على ما قلتُم، ما وجْهُ هذه المخافة؟ وكيف يصيبه ذلك الحزنُ وهو يثكل حبيباً ولم يفقد عزيزاً؟ وما وجْه شفقةِ ابنِ سيفِ الدولة على المتنبي حتى يفدي حزنَه بنفسه، ويختار الحِمام على ثُكلِه؛ على أنه له في ذلك عادات، منها قوله يرثي والدة هذا الممدوح:
بعيشِك هل سلوتِ؟ فإنّ قلبي ... وإن جانَبتُ أرضَكِ غيرُ سالي
وقوله يرثي أخته:
وهل سمعتِ سَلاماً لي ألمّ بها ... فقد أطلَعْتَ وما سلّمْتُ من كثَبِ
وما باله يسلم على الحرم، ويتشوّق الى الأمهات! ومن سبقه الى هذا! وإنما يفعل ذلك من يرثي بعض أهلِه، وأما استعماله إياه في هذا الموضع فدالٌ على ضعف البصر بمواقع الكلام. وما تحقق ذلك فيه قوله:
стр. 475
وغرَّ الدُمُسْتُقَ قولُ الوُشا ... ةِ إنّ عليّاً ثقيلٌ وَصِبْ
فجعل الأمراء يوشَى بهم، وإنما الوشاية السعاية ونحوها، ومن شأن الممدوح أن يفضل على عدوّه، ويجري العدوّ مجرى بعض أصحابه؛ لا سيما إذا كان الممدوح مثل ابن حمدان والعدوّ الدُمستُق، وليس بسائغ في اللغة أن يقال: وشي فلان بالسلطان الى رعيته، ولو قيل ذلك في أميرين لكان قصّر بالموشى به لا محالة؛ وإنما المعروف الصحيح أن يوشَى بالأصغر الى الأكبر، فإن توسع في ذلك فبالنظير.
قال المحتج: أصل الوشاية استخراج الحديث بالمسئلة والتلطّف، كما يستوشي الرجل جرْي الفرس بتحريكه وغمزِه بعَقبيه؛ فقد يجوز أن يجري هذه الكلمة على أصلها، ويجعل هؤلاء وشاة لما أتوه بهذا الخبر: والكلامُ هو الأول عندي والعذرُ فيه يضعف، وإنما أراد بالوُشاة الذين بعثوه على قصْد الثغور، فإنما وشوْا بأهلها لما دلّوه على ضعفِهم واشتغال ناصرهم.
ومن هذا الضّرب قوله:
ما ينقُص الموت نفْساً من نفوسِهمُ ... إلا وفي يدِه من نتنِها عودُ
قالوا: والعودُ لا يشتمّ، ولو اشتمّ لم يحظ من ريحه بطائل، وإنما يظهر عرْفه إذا حللت النار أجزاءه ولطفتها، فانبثّت في الهواء ودخلت في الخياشيم.
قال القاضي: وليس في المعنى عندي ما ذكره، ولا ذهب الرجل حيث ظنّوا، وإنما أراد أنه لا يباشرها إذا قبضها، ولكن يقبِضها وفي يده عودٌ يتناولها بطرفه، كما يريد الإنسان أخذَ الشيء يستقذره، فيصون عنه يده، ويتناوله بحاجز، ولم يرِدْ عود الطيب. وإنما أراد عوداً من العيدان أيها كانت.
وأمثال هذه الاعتراضات كثيرة واستقصاء جميعها بابٌ من التطويل، وإنما
стр. 476
يصلُح استيفاءُ ذلك إذا قصدنا شرْح المعاني المستغلة من شعره، فإنّ القولَ في ذلك يتّصل بالكشف عن هذه الأمور، ويتناول الغامض الخفيّ، والمتوسط المحتمل، والظاهر الذي فيه بعضُ اللبس؛ فينفي ما يجب أن ينفي؛ ويعتذر لما يحتمل العذر، ويذكر مثل قوله:
إذا ضوؤها لاقى من الطير فرْجةً ... تدوَّرَ فوق البَيضِ مثلَ الدّراهمِ
ويبَين كيف صار ما يقع من الشمس على البيْض إذا وجدَتْ من الطير فرْجةً مستديراً ولم يكن مستطيلاً، وإن كانت المشاهدة صحّحَت قول الشاعر، وإنما بقي علينا تعرُّف العلة. ومثل قوله:
لو لم تكنْ من ذا الورَى اللّذْ مِنكَ هو ... عقِمَتْ بمولِدِ نسلِها حوّاءُ
كيف يكون من الورى، والورَى منه: ونحو هذه المعاني وما يشاكلها. وقد قدّمنا عند ذكرنا الاستعارات ووجوه الإغراق والإفراط ما يبين لك القولَ في مثل قوله:
وضاقت الأرضُ حتى كاد هاربُهم ... إذا رأى غيرَ شيء ظنّه رجُلا
وقله:
فلوْ سرْنا وفي تشرينَ خمسٌ ... رأوْني قبلَ أن يرَوا السِّماكا
وإنما يطلع السماك في تلك الليلة.
وفي مثل قوله:
فصار سُقْمي به في جسمِ كتْماني
стр. 477
فجعل للكِتمان جِسماً. وما لحق بهذين البابين من استعارة بعيدة، وإفراط فاحش. فأما كتابُنا هذا فقد وفّيناه حقه، وبلغنا به نهايتَه، وآتينا على ما وصلت الطاقةُ إليه، وما أسعفَنا الإمكانُ به؛ فإذا زادنا النظرُ والفكرُ والمطالعةُ والبحث بعضَ ما يليق به أضفناه إليه؛ وإن أفادنا غيرُنا منه ما قصّر علمنا عنه استفدناه وأعظمنا النعمةَ فيه، وعرفنا لصاحبه فضلَ التقديم، ولرجعنا له بحق التعليم. وبالله نستعين على كل خير، وإياه نسأل التوفيق، ونستوهب العِصْمة والتسديد، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.