← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وقال العيني في جوابه: ولو أن عصفوراً يمدّ جناحه ... على طيئ في دارها لاستقلّتِ وقال طُريح: لو قلت للسيل دع طريقك والمو ... ج عليه كالهضب يعتلِجُ لارتدّ أوساخَ أو كان له ... في سائر الأرض عنك منعرَجُ وقال العوّام بن عبد عمرو: ولو أنها عصفورة لحسبتُها ... مسوّمةً تدعو عُبيداً وأزنَما وقال تميم بن مقبل: ولو كحلت حواجب خيل قيس ... بكلب بعد تغلب ما قُذينا وأمثال هذا مما لو قصدنا جمعه لم يعوز الاستكثار منه وجد من بعدَهُم سبيلاً مسلوكاً وطريقاً موطّئاً، فقصدوا، وجاروا، واقتصدوا وأسرفوا وطلب المتأخر الزيادة، واشتقاق الى الفضل فتجاوز غاية الأول، ولم يقف عند حد المتقدم، فاجتذبَه الإفراط الى النقص، وعدَل به الإسراف نحو الذم.

стр. 422

عودة الى الدفاع عن أبي الطيب ولما سمع أبو الطيب قول قيس بن الخطيم في الطعنة نافسه فقال: إذا ما ضربْت القِرنَ ثم أجزْتَني ... فكِلْ ذهباً لي مرّةً منه بالكلْمِ فلم يحفِل بسوء النظم، وهلهلةِ النّسج لما حصل له الغرض في إنهار الطعنة، وتوسيع الجرح. ولما سمع قول العوام بن عبد عمرو: ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمةً تدعو عبيداً وأزْنما ووجد المحدَثين قد تبعوه، فذهبوا به مذاهب طلب الزيادة فقال: وضاقت الأرض حتى كان هاربُهم ... إذا رأى غير شيء ظنّه رجُلا فلم يكترث بالإحالة، ولم يستقبح أن جعل غيرَ شيء مرثيّاً لما استوفى عند نفسه الغاية، ولم يبق وراءها مرمًى لشاعر، وشجّعه على ذلك أيضاً أنه سمع قول عمرو بن لجأ: وقعنب يا بْن لا شيء هتفت به وقول أبي تمام: أفيّ تنظِم قولَ الزّور والفنَدِ ... وأنت أنزَرُ من لا شيءَ في العدَدِ فقال: قد أجاز هذا أن يكون لا شيء واحداً، وهذا أن يكون معدوداً فكيف

стр. 423

يحظر عليّ أن أجعلَه مرئياً!. ولما رأى مهلهِلاً قد أسمع أهل حِجْر صليل البيْض، وهو بالذنائب وبينهما عرْض نجد أقدم على أن قال: سلّه الرّكْبُ بعد وهْنٍ بنجدٍ ... فتصدّى للغيث أهلُ الحجاز وإذا رآهم قد احتملوا لطريح أن يجعل الوليد بن يزيد يردّ السّيل بقوله من جهة، ويصرفه عن طريقه سامهم أن يحتملوا في ابن حمدان قوله: ألقَتْ إليكَ دماءُ الرومِ طاعَتها ... فلو دعوْت بلا ضرْب أجاب دمُ ومتى سامح الرواة وحملة الشعر الفرزدق في قوله: لعمركُ ما الأرزاق حين احتفالُها ... بأكثرَ خيراً من خِوان العُذافر ولو ضافه الدّجال يلتمِسُ القِرى ... وحلّ على خَبّازِه بالعساكر

стр. 424

بعدّة يأجوج ومأجوج كلهم ... لأشْبَعهم يوماً غذاء العُذافِر وسامحوا سُحَيماً عبد بني الحسحاس في قوله: وما زال بُردي طيّباً من رِدائها ... الى الحوْل حتى أنهجَ البرد بالِيا وجميلاً في قوله: ولو أن جلداً غير جِلدكِ مسّني ... وباشرني دون الثياب شريتُ ولو أن واقي الموت يدو جنازتي ... بمنطقها في الناطقين حييتُ لزمهم أن يسامحوا أبا نواس في قوله يصف قِدراً: يعضّ بحَيزوم الجرادة صدرُها ... وينضج ما فيها بعودِ خِلال تغلي بذكر النار من غير قُربها ... وينزلها عفواً بغير جعال والعَكوّك في قوله يصف رِجله ومشيها: إذا اتسعت لم يلحق الذرُّ شأوَها ... وخامرها دون الذراع ابتِهارُها وأبا الطيب في قوله: له رحمةٌ تُحيي العِظام وغضبةٌ ... بها فضلةٌ للجُرمِ عن صاحبِ الجُرمِ ورقّةُ وجهٍ لو ختمْتَ بنظرة ... على وجنتَيه ما امّحى أثرُ الختْمِ لقد حال بين الجِنّ والإنسِ سيفُه ... فما الظنّ بعد الجنِّ بالعُربِ والعُجمِ وأرهبَ حتى لو تأمّل دِرْعَه ... جرَتْ جزَعاً من غير نار ولا فحم فإن قالوا: ألسنا نسامح المتقدمين بالخطأ؟ ولا نحتمِل لهم هذا الإغراق الفاحش؟ قلنا: أو لستُم قد سلّمتم لهم الإحسان في غير ذلك، ولم تسقطوهم من عداد الشعراء لأجله فأجروا هذا الرجل مجراهم، وألحقوه في الحكم بهم. وإذا احتملوا لامرئ القيس قوله:

стр. 425

من القاصراتِ الطّرْف لو دبّ محوِلٌ ... من الذّرِّ فوق الإتْب منها لأثّرا ولحميد قوله: منعّمة لو يُصبِح الذّرُّ سارياً ... على جِلدها صبّت مدارجُه دما فاحتملوا للمُحدث قوله: يجرحه اللّحظُ بتكرارِه ... ويشتكي الإيماء بالكفّ ولأبي الطيب قوله: تألّمُ درزَهُ والدّرْزُ ليْنٌ ... كما نتألّم العضْبَ الصّنيعا وإذا لم ينزل عندكم حُميد بن ثور عن مكانه، ولم يؤخره عن مقامه إفراطه في قوله يصف امرأة ركبت هودجها: فما دخلتْ في الخِدْرِ حتى تنقّضتْ ... تآسيرُ أعلى قِدّه وتحطّما وما ركبتْ حتى تطاول يومُها ... وكانت لها الأيدي الى الحدب سُلّما فجرجَر لمّا كان في الخِدر نصفُها ... ونصف على أياته ما تجزّما وما كاد لما أن علَته يُقلّها ... بنهضتِه حتى اكلأزّ وأعْصَما وحتى تداعت بالنقيضِ حبالُه ... وهمّت بواني زورِه أن تحطما وأثر في صُم الصّفا ثفِناتُه ... ورام بلما أمرَه ثم صمّما قال الأصمعي - وقد قرئت عليه هذه الأبيات: لو كانت هذه المرأة الماز ندر ما زاد؛

стр. 426

فكيف ملتم على أبي الطيب لإفراطه في قوله: ذِراعاها عدوّاً دُملُجَيها ... يظنّ ضجيعُها الزّند الضّجيعا إذا ساغ للمتقدم أن يقول: فلما جئته أعلى محلّي ... وأجلسني على السّبعِ الشِّداد فأما ما جرى مجرى قول أبي نواس: وأخفْتَ أهلَ الشِّركِ حتى إنّه ... لتخافُك النُّطَفُ التي لم تخلَق فهو من المحال الفاسد، وله باب غير هذا، وكل هذا عند أهل العلم مَعيب مردود، ومنفي مرذول، وإن كان أهل الإغراب وأصحاب البديع من المحدَثين قد لهِجوا به واستحسنوه، وتنافسوا فيه؛ وبارَى بعضُهم بعضاً به. ولسنا نذهب بما نذكره في هذا الباب مذهب الاحتجاج والتحسين، ولا نقصد به قصد العُذْر والتسويغ؛ وإنما نقول: إنه عيب مشترك، وذنب مقتَسَم، فإن احتمل فللكل، وإن رُدّ فعلى الجميع، وإنما حظ أبي الطيب فيه حظ واحد من عرض الشعراء، وموقعه منه موقع رجل من المحدثين. فأما الاستعارة فهي أحد أعمِدة الكلام، وعليها المعوَّل في التوسّع والتصرف، وبها يتوصل الى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر، وقد قدمنا عند ذكرنا البديع نُبذاً منها مثلنا بها المُستَحسَن والمستقبح، وفصلنا بين المقتصِد والمفرِط.

стр. 427

الإفراط في الاستعارة وقد كانت الشعراء تجري على نهْج منها قريب من الاقتصاد، حتى استرسل فيه أبو تمام ومال الى الرّخصة، فأخرجه الى التعدي، وتبعه أكثر المدَثين بعده، فوقفوا عند مراتبهم من الإحسان والإساءة، والتقصير والإصابة. وأكثرُ هذا الصنف من الباب الذي قدمت لك القول فيه، وأقمت لك الشواهد عليه، وأعلمتك أنه يميَّز بقبول النفس ونفورها، وينتقد بسكون القلب ونبوّه. وربما تمكنت الحجج من إظهار بعضه، واهتدتْ الى الكشْف عن صوابه أو غلطه، وقد كان بعض أصحابنا يجاريني أبياتاً أبعد أبو الطيب فيها الاستعارة، وخرج عن حد الاستعمال والعادة؛ فكان مما عدد منها قوله: مسرّةٌ في قُلوب الطّيبِ مفرِقُها ... وحسرةٌ في قلوبِ البَيض واليلَبِ وقوله: تجمعتْ في فؤادِه همَمٌ ... ملء فؤاد الزمان إحداها فقال: جعل للطيب والبيض واليلَب قلوباً وللزمان فؤاداً. وهذه استعارة لم تجر على شبه قريب ولا بعيد؛ وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من المناسبة، وطرف من الشبه والمقاربة. فقلت له هذا ابن أحمر يقول: ولهت عليه كل مُعصفة ... هوجاء ليس للبّها زبْر فما الفصل بين من جعل للريح لُبّاً، ومن جعل للطيب والبيض قلباً! وهذا أبو رميلة يقول: هم ساعدُ الدهر الذي يتقي به ... وما خير كف لا تنوء بساعدِ

стр. 428

وهذا الكميت يقول: ولما رأيت الدهرَ يقلِبُ ظهره ... على بطنه فعل الممعّك بالرّمل وشاتم الدهر العبقي يقول: ولما رأيتُ الدهر وعْراً سبيلُه ... وأبدى لنا ظهراً أجبّ مسمّعا ومعرفة حصاء غير مفاضة ... عليه ولوناً ذا عثانين أجْدَعا وجبهة قرد كالشِّراك ضئيلة ... وصعّر خديه وأنفاً مجدَّعا فهؤلاء قد جعلوا الدهرَ شخصاً متكاملَ الأعضاء، تامّ الجوارح؛ فكيف أنكرت على أبي الطيب أن جعلَ له فؤاداً! فلم يحِرْ جواباً غير أن قال: أنا استَبَرْت ووجدت بين استعارة ابن أحْمر للريح لُبّاً، واستعارة أبي الطيب للطيب قلباً بوْناً بعيداً، وأصبت بين استعمال ساعد للدهر في بيت ابن رميلة، واستعمال فؤاد للزمان في بيتِ أبي الطيب فصلاً جليّاً، وربما قصر اللسان عن مُجاراة الخاطر، ولم يبلغ الكلام مبلغ الهاجس. حدّثني جماعةٌ من أهل العلم عن أبي طاهر الحازمي وغيره من شيوخ المصريين عن يونس بن عبد الأعلى قال: سألت الشافعي ﵁ عن مسألة فقال: إني لأجد بيانَها في قلبي، ولكن ليس ينطلقُ به لساني. وما أقربَ ما قالَه من الصواب وأخلقه بالسداد! وقد أجِد لهذا الفصل الذي تخيّل له بعضَ البيان؛ وذلك أنّ الريحَ لما خرجت بعُصوفها من الاستقامة، وزالت عن الترتيب شُبِّهت بالأهوج لا مُسكَة في عَقله، ولا زَبر للُبّه؛ ولما كان مدار الأهوج على التباس العقل حسُن من هذا الوجه أن يجعل للريح عقلاً، فأما الدهرُ فإنما يرادُ بذكره أهلُه؛ فإذا جعل للدهر ساعداً وعضُداً ومنكِباً فقد أقيم أهلُه مقام

стр. 429

هذه الجوارح من الإنسان؛ وليس للطيب والبَيضِ واليلَب ما يُشبه القلب، ولا ما يجري مع هذه الاستعارة في طريق. وقوله: ملء فؤاد الزمان إحداها إن عدل به الى أهله وأزيل عن مقتضى لفظه اختلّ المعنى وانقطع عن قولِه بعده: فإنْ أتى حظُّها بأزمنةٍ ... أوسعَ من ذا الزّمانِ أبْداها فهذا فصلٌ واضح وفرقٌ ظاهر. وأما أبيات شاتم الدهر فإنما صدرت مصدرَ الهزْل، وجرَتْ على عادةٍ في الاستعمال مُتداولةٍ؛ وذلك أنهم لما ابتذلوا اسمَ الدهر واعتمدوا على صرْفِه في الشكاية والشُكر، وأحالوا عليه باللّوم والعتْب، وألِفوا ذلك واعتادوه حتى صار أغلبَ على كلامهم، وأكثر في شعرهم وخطابهم من ذِكر أهله وأبنائه، ومن تقعُ هذه المحامد والملاوم عنه، ويحدُثُ أسبابُها عن جهته صار كالشخص المحمود المذموم، والإنسان المحسنِ المسيء، فوُصِف بأوصافه، وحلي بحلاه، وجعل له أعضاء تعدّ وتُنعت، وتستكرم وتستُهجَن، ومثل هذه الألفاظ قول امرئ القيس؛ يريد الليل: فقلتُ له لما تمطّى بصُلبِه ... وأردَف أعْجازاً وناء بكلْكَلِ

стр. 430

فجعل له صُلباً وعجُزاً وكلْكَلاً لما كان ذا أوْلٍ وآخر، وأوسط مما يوصف بثقل الحركة إذا استطيل وبخفّة السير إذا استقصر؛ وكلّ هذه الألفاظ مقبولة غيرُ مستكرهة، وقريبة المشاكلة ظاهرةُ المشابهة، وإنما يُحمَل ما جاء من ألفاظ المحدَثين وكلام المولَّدين زائِلاً عن هذا الموضع وغير مستمرّ على هذا السّنَن على وجوه تقرِّبهم من الإصابة، وتقيمُ لهم بعضَ العُذر، وتلك الوجوه تختلفُ بحسب اختلاف مواضعه، وتتباين على قدْر تبايُن المعاني المتضمنة له، فإذا قال أبو الطيب: مسرّةٌ في قلوبِ الطّيب مفرِقُها فإنما يريد أن مباشرةَ مفرِقها شرف، ومجاورتَه زيْنٌ ومفخرة، وأن التحاسدَ يقع فيه، والحسرةَ تقع عليه، فلو كان الطّيبُ ذا قلْب كما لو كانت البَيض ذوات قلوب لأسِفت؛ وإذا جعل للزمان فؤاداً أملأته هذه الهمّة فإنما أورده على مقابلة اللفظ باللفظ، فلما افتتح البيتَ بقوله: تجمّعتْ في فؤادِه همَم ثم أراد أن يقول إن إحداها تشغل الزمان وأهله ولا يتسع لأكثرَ منها ترخَّص بأن جعل له فؤاداً وأعانَه على ذلك أنّ الهمةَ لا تحل إلا الفؤاد، وسهّله في استعارة الأوصاف. وإذا قال أبو تمام: يا دهرُ قوِّمْ من أخدَعَيْك فإنما يريد: اعدل ولا تجُر، وأُنصِف ولا تحِفْ. لكنه لما رآهم قد استجازوا أن ينسُبوا إليه الجَوْر والميل، وأن يقذفوه بالعَسْف والظلم، والخُرْق والعنف، وقالوا: قد أعرض عنا، وأقبل على فلان، وقد جفانا وواصل غيرنا، وكان الليل

стр. 431

والإعْراض إنما وقع بانحراف الأخْدَع وازْورار المنْكِب، استحسن أن يجعلَ له أخدعا، وأن يأمُر بتقويمه. وهذه أمور متى حُمِلت على التحقيق، وطلب فيها محض التقويم أُخرِجت عن طريقة الشعر، ومتى اتّبع فيها الرخص، وأُجرِيت على المسامحة، أدّت الى فساد اللغة، واختلاط الكلام. وإنما القصد فيها التوسط والاجتزاء بما قرب وعُرِف. والاقتصار على ما ظهر ووضح.

стр. 432

من مآخذ العلماء على أبي الطيب ودفاع المؤلف عنه قد قلت في هذه الأبواب بقدر ما احتملت الرسالة قولاً مجملاً يسهّل لك السبيل، ويوقفك على جهة الاحتجاج. ولم أجد لإثبات كلّ لفظة، واستعراض كل بيت موقعاً من التدبر مرضياً إذا كان أكثرها مذكوراً في الأبيات المتقدمة، وكان ما لم يذكر منها دالاً على نفسه، ومتميزاً عن غيره، لا سيما وقد كشفت لك هذه الجملة عن وجه التمييز، ودلّتك على مطْلَب العيب، كما مهّدت لك طريق العذر، فأما ما وقع الطعن عليه من جهة الإعراب، واللُكنَة في ناحية الزّلل في اللغة، وما ألحق بذلك من النّقْص الظاهر والإحالة البيّنة، والتقصير الفاحش، فلا بدّ من تعديده، والحكم على كل واحد بعينه؛ لاختلاف مأخَذِ حججه، وتشعّب مذاهب القول في قبوله وردّه؛ وإنما أذكُر ما انتهى إليّ منه سماعاً وبلاغاً، وما وقفتُ عليه كشفاً واستقراء؛ غير أني لا أتجاوز ما يقعُ الاعتراض عليه من أهل العلم، وما يجري التنازعُ فيه بين أهل التحصيل والفهم؛ فإني لو شرعتُ في تبيين كل ما يشكل منه على الشّادي والمتوسط، وعلى الطبقة الأولى من أهل الأدب لاحتجتُ الى تفسير الديوان بأسْره، فإن اقتصرتُ فعلى مُعظَمه وأكثره فإن المعتَرضين عليه أحد رجلين: إما نحويّ لُغوي لا بصَر له بصناعةِ الشعر؛ فهو يتعرّض من انتقاد المعاني لما يدلّ على نقْصه، ويكشِف عن استحكام جهْله؛ كما بلغني عن بعضهم أنه أنكر قوله: تخطّ فيها العوالي ليس تنفُذُها ... كأنّ كلّ سنانٍ فوقها قلَمُ فزعم أنه أخطأ في وصْفِ دِرْعِ عدوِّه بالحصانة، وأسِنة أصحابه بالكَلال. ومن كان هذا قدرُ معرفته، ونهاية علمه فمناظرتُه في تصحيح المعاني وإقامة الأغراض

стр. 433

عَناء لا يُجدي، وتعبٌ لا ينفَع؛ كأنه لم يسمع ما شحَنَت به العربُ أشعارَها من وصف ركْضِ المنهزم، وإسراع الهارب، وتقصير الطّالب، وقولهم: إنّ الذي نجّى فلاناً كرمُ فرسه، والذي ثبطني عنه سرعةُ طِرْفه، ولم يعلم أنّ مذاهبَ العرب المحمودة عندهم، الممدوحَ بها شجعانهم التفضلُ عند اللقاء، وترك التحصن في الحرب، وأنهم يرون الاستظهار بالجنَن ضرباً من الجبن، وكثرة الاحتفال والتأهّب دليلاً على الوهن، ولم يسمع قول الأعشى: وإذا تكون كتيبة ملموسة ... خرساء يخشى الدارعون نِزالَها كنت المقدَّمَ غير لابس جُنّة ... بالسيف تضرب معلماً أبطالها ولما أنشد كثيّر عبدَ الملك بن مروان: على ابن أبي العاصي دِلاصٌ حصينةٌ ... أجاد المسدّي سرْدَها وأذالَها قال له عبد الملك: وصفتني بالجُبن! هلاّ قلت كما قال الأعشى، وذكر البيتين المتقدمين: فقال: وصفْتُك بالحزْم ووصَفه بالخُرْق. وأنشد الأصمعي قول مزَرِّد بن ضِرار: ومسفوحةٌ فضْفاضةٌ تُبّعيّةٌ ... وآها القَتيرُ تجتَويها المعابِلُ دِلاصٌ كظهْر النّونِ لا يستطيعُها ... سِنانٌ ولا تلك الحِظاءُ الدّواخلُ موشّحٌ بيضاءُ دانٍ حبيكُها ... لها حلَقٌ بعد الأنامِلِ فاضِلُ

стр. 434

قال الأصمعي: لئِنْ كان أجاد في وصْف الدِّرْع لقد عاب لابسها؛ لأن فرسان العرب المذكورين لا يحفلون بسبوغ الدروع وحصانتها؛ وأنشد: الدِّرعُ لا أبغي لها ثروة ... كل امرئ مستودع ماله ويروي غيره: لا أبغي لها نثرة هكذا الأصمعي ينشده ويقول في معناه: كل من قدر عليه شيء أصابه. وأنشد أيضاً بيتي الأعشى اللذين ذكرناهما. فهذا مذهبُ العرب: وقد قال الكلْحَبة العُرَني - لما فاته حَزيمة بن طارق التّغلبي: فأدرَك إبقاءَ العَرادَة ظلْعُها ... وقد تركَتْني من حزيمة إصْبَعا فاعتذر إذ فاته حَزيمة بظَلْع فرسه، وإنما يد تقصيرها لا امتلاءها الماء؛ ألا تراه يقول: ونادى مُنادي القوم أن قد أتيتُم ... وقد شربَتْ ماءَ المَزادَةِ أجْمَعا وقال سلَمة بن الخُرْشُب يذكر هرَب عامر بن الطفيل وأنه نجا بسرعة فرسَه: نجَوْتَ بنصْلِ السيفِ لا غِمدَ فوقَه ... وسرْجٍ على ظهْرِ الرحالة قاتر فأثْنِ عليها بالذي هي أهلُه ... ولا تكْفُرَنْها، لا فلاحَ لكافر فلو أنّها تجري على الأرض أدرِكتْ ... ولكنها تهْفو بتمثالِ طائِر وقال أوس بن حجر يذكر هرَب طفيل بن مالك يوم السوبان: تقبل من خيفانة جرشعية ... سليلة معروق الأباجل جرشع

стр. 435

ولو أدركته الخيل شال برجله ... كما شال يوم الخال كعب بن أصمع في شعر كثير يكاد يفوتُ الجمع، ولا يأتي عليه العدَّ؛ كل يحيل الأعداءَ بالسّبْق والنجاء، وينسُب خيلَه الى التقصير ولا يرى ذلك عيباً، ولا يعده نقصاً، ولم ينقم ناقِم، ولم يعِبه به عائب. وقد قالت العرب في معنى أبي الطيب بعينه. قال شريخ بن قرواش العبسي: عشيةَ نازلت الفوارس عنده ... وزلّ سناني عن شريح بن مسهر وأقسمُ لولا درعه لتركته ... عليه عواف من ضباع وأنْسر وقال ورْقاء بن زهير في هذا المعنى لما ضرب خالد بن جعفر وهو بارك على زهير بن جَذيمة: فشلّت يَميني يومَ أضرِبُ خالداً ... ويمنعُه منّي الحديدُ المُظاهَرُ فهو إنما دعا على يمينه بالشلل تأسّفاً، ولم يذمَّ سيفه ولم يذكر نُبوّه، ولا نعاه عليه ناعٍ من أعدائه، كما نُعِي على الفرزدق نُبوّ سيفه على عنق العلْج الخراساني، ولو كانت فيه وصْمَة أو لحق سيف ورْقاء منه مَعابة لما جعله الفرزدق عُذْراً يحسِّنُ به فعلَه، وحجّةً يناضِلُ بها خصْمَه فيقول: فسيف بني عبس وقد ضرَبوا به ... نَبا بيَديْ ورْقاء عن رأسِ خالدِ ولو كان مراده بهذا تقريع بني عبْس لا الاحتجاج لنفسه لما قال: كذاك سيوفُ الهِنْد تنْبو ظباتها ... ويقطَعْنَ أحياناً مَناطَ القلائِد وقال طريف بن تميم لما طعن شيطان بن عمرو الشيباني: ألا ليت شعري والخطوبُ كثيرة ... بما آب شيطان بن عمرو بن مرثد ولم أدر ما أثْوابُه غير أنني ... غبأت له بالرمح مُستَمْكِناً يدي

стр. 436

فهذا يذكر أنه قد طعن مستمكناً متثبِّتاً؛ وأنه قد استفرغ ما عنده، وبلغَ جُهده، ولم يعلم ما أثوابُه وكيف كانت بزّتُه؟ وهل منعَتْ سِنان الرمح من الخُلوص الى المقْتل، والوصلِ الى المقْصد، ومن زعم أنه أراد بقوله: لم أدْر من أثوابه؛ أي لم أسلبه، فلم يصنع شيئاً؛ لأنه لا يتمكن من سَلبه إلا وهو صَريع طَريح، ولو كان ذلك لم يمكنه الإياب ولم يشكُ، وقد قتله بما آب به. وللعرب في وصف السلاحِ والخيل مذهبان؛ فإذا وصف شاعرُهم خيلَ قومِه، وأداةَ رهْطه، وسلاحَ عشيرته، وما ادّخَره هو من عَتاد، واقتَناه من رباط، فإنما يريد أننا أهلُ حروب ومغارات، ولنا النجدة والمَنَعة، وأنا فينا العزّ والقهر، ولنا الغلبةُ والفضل، وإذا وصف بذلك عدوّه ومحارِبَه فإنما يطلب الغضّ منه والنعي عليه، وليس يفعل ذلك إلا وقد حاد ذلك العدوّ عنه في مُلتَقى، أو حاجزه في مُعتَرك، أو دعاه الى البِراز فلم يُجبه، أو أجابه فلم يثبت له؛ فهو إذا وصف سلاحه فإنما يقول له: إنك هربت وأنت مؤْد شاك السلاح، تامّ الآلة، حديد السيف، ماضي السنان؛ فهو أثْلم لعِرصِك، وأدلّ على عجزك، وأبلغُ في ذمّك. وإذا وصف فرسه فإنما يعتذر من بقائه بعْد لقائه، ومن خلاصه بعد تورطه. ويريد أن الفرس نجّته وأطلقته؛ وإنما منّتْ عليه وأنقذته، فهو طليقُها، وأسيرمنِّها ورَقيقها، كما قال: ولا تكفُرَنْها، لا فَلاحَ لكافِر فهذا هذا. أو معنوي مدقِّق لا عِلم له بالإعْراب، ولا اتّساع له في اللغة؛ فهو ينكر

стр. 437

الشيءَ الظاهر، وينقِم الأمر البيّن، كفعل بعضهم في قوله: لأنْت أسودُ في عيني من الظُلَمِ فإنه أنكر أسود من الظُلم، ولم يعلم أنه قد يحتمل هذا الكلام وجوهاً يصح عليها، وأن الرجل لم يرد أفعل التي للمبالغة. كإنكار آخر قوله: فالغيث أبخل مَنْ سعى فزعم أن من لا تكون إلا لما يعقل، وأفعل لا يجري إلا على البعض من تلك الجملة، تقول: زيد أفضل من الناس؛ فلا بد أن يكون زيدٌ من الناس، ولو قلت: أفضل الحمير لم يصحّ. وكذلك لو قلت: أفضل ما يقضم الشّعير ويرْعى الكلأ لم يجُزْ. قال فمَنْ سَعى لا يقع إلا على عاقل، والغيث ليس من هذه الجملة، وهذا الاعتراض يدلّ على تقصير شديد في العلم بكلام العرب؛ لأن العرب إذا وصفت الشيءَ بصفة غيره استعارت له ألفاظه، وأجرته في العبارة مجراه، وإن كان لو انفرد انفرد عنه بصفته، وتميّز دونه بعبارته؛ فمن ذلك قول الله تعالى: (والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجِدين) لمّا وصفهما بالسجود جمعهما بالياء والنون، ولا يُجمع بهما إلا جنس مَن يعقل، أما خرَج على بابه لعللٍ مذكورة في مواضعها، لكنه لما أجرى على الكواكب صفة من يعقل ألحقها في العبارة بهم. وكذلك قوله حاكياً عن السموات والأرض: (قالَتا أتيْنا طائِعين) لما حكى عنهما النطق والقول والطاعة والائتمار أجرى الكلام على ذلك فقال: فقضاهنّ، وعلى هذا قوله (وكلٌ في فلَكٍ يسبحون) وهو كثير. وفي الشعر؛ فإذا جعل الغيث بخيلاً أو جواداً، ووجد العرب قد أجازت وتكلمت به جاز له إلحاقه بالبخلاء والأجواد في استعمال العبارة،

стр. 438

فكأنّه قال: الغيث أبخل السُعاة، ولو قال ذلك لم ينكره منكر، وإن كان هذا السعي ابتناء المعالي لا السعي على الأقدام، وقدأنشدني بعض من أثِق به لبعض العرب: متى نوّهْت في الهيجاء باسمي ... أتاك السيفُ أوّلَ منْ يُجيب لمّا جعل السيفَ مُجيباً له ألحقه بمن تصحّ منه الإجابة من العقلاء. وكإنكارهم قوله: أثابَ بها مُعميي المِطيّ ورازِمُهْ فزعموا أن كلام العرب: ثاب جسم فلان: رجع لقوته بعض المرض؛ وهذا أبو زيد يروي عن العرب: أثاب الرّجلُ إذا ثابَ إليه جسمُه، وقد حكاه عنه أبو عبيد في الغريب المصنف، وحكى غيره ثابَ وأثابَ بمعنى واحد. ولو عرّجنا على كل معترِض وأصغينا لكل قائل لامتدّ بنا القول ولأعجزَنا كثرةُ الخصْم عن امتحان الشهادات، وشغلنا باتّصال الدعوى عن التوسّط، وإنما يقصد بالكشف ما يشتبه، ويتوسط في الأمر الذي يشكل ويلتبس. ونصون كتابنا عن سخيف الاعتراض، كما نصونه عن ضعيف الانفصال.

стр. 439

ما عاب العلماء على أبي الطيب فما أنكره عليه أهلُ العلم واستضعفوه قوله: جلَلاً كما بي فليَكُ التّبريحُ ... أغِذاء ذا الرَّشإ الأغنّ الشّيحُ فقال أهل الإعراب: حذف النون من تكن إذا استقبلتها اللام خطأ؛ لأنها تتحرك الى الكسر، وإنما تحذف استخفافاً إذا سكنت، فقال لهم المحتجّ عن أبي الطيب: لعمري إن وجهَ الكلام ما ذكرتُم، لكنّ ضرورة الشعر تُجيز حذف النون مع الألف واللام، وقد حكاه أبو زيد عن العرب في كتابه المعروف بكتاب النوادر، وأنشد لحسيل بن عُرفُطة: لم يكُ الحقُّ سوى أن هاجَه ... رسمُ دارٍ قد تعفّى بالسُرَر غيّر الجدّة عن عِرْفانِها ... خُرْق الريحِ وطوفانُ المطر وأبو زيد ثِقة والرواية عن العرب حجّة، وقد جاء مثله: فلستُ بآتيه ولا أستطيعُه ... ولاكِ اسقِني إنْ كان ماؤُكَ ذا فضْل كأنه حذف ثم جاء بالساكن منبعد فتركه على الحذف. وأنكر أصحاب المعاني قطعَ المصراع الثاني عن الأول في اللفظ والمعنى، فقال المحتجّ عنه إنما يسوغُ الإنكار لو قطع قبل الإتمام، وابتدأ بالثاني وقد غادر من الأول بقية، فأما أن يستوفي مراده، ثم ينتقل الى غيره فليس بعيب، وإنما المصراعان كالبيتين، وه قد استوفى بقوله: جلَلاً كما بي فليَكُ التّبريحُ

стр. 440

هذا المعنى، ثم ابتدأ بالمصراع الثاني مستفهماً فما في هذا من العيب! وقال بعضهم: قد يفعلُ الشاعر مثل هذا في النسيب خاصة ليدلّ به على تمكّن الشوق منه، وغلبة الحب عليه، وليرى أن آثار الاختلاط ظاهرة في كلامه، وأنه مشغول عن تقويم خطابه، قالوا: ولذلك قال: أغِذاء ذا الرّشإ الأغنّ الشيحُ وجعلوا من هذا الباب قول زهير: قِف بالدّيار التي لم يعفُها القدَمُ ... بلى وغيّرَها الأرواحُ والدّيمُ فنقض بالمصراع الثاني الأول ولم يحفل بتكذيب نفسه، وأنكر هؤلاء قول من ذهب الى أن معنى البيت أن القدم لم يعفُها، وإنما غيّرها الأرواح والدّيَم. ومن النّقض الظاهر قول بشار: لم يطُل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألم فقال: لم أنم، ثم زعم أن الطيف ألمّ به، وهو لا يُلمّ إلا بنائم. وقال غيره إن بين المصراعين اتصالاً لطيفاً، وهو أنه لما أخبر عن عظم تبريحه، وشدّة أسفه بيّن أن الذي أورثه التبريح والأسف وهدَى إليه الشوق والقلق هو الأغنّ الذي شكّكه غلبة شِبْه الغِزلان عليه في غذائه، وهذا الاعتذار قريب. وعابوا له: أمطِ عنك تشبيهي بما وكأنّه ... فلا أحدٌ فوقي ولا أحدٌ مثلي فقالوا: إنما يشبه من الأسماء بمِثل وشِبه ونحوهما، ومن الأدوات بالكاف، ثم تدخل على أنّ فيقال: كأنه الأسد، وقد تقرّب العرب التشبيه بأن تجعل أحد الشيئين

стр. 441

هو الآخر، فتقول زيد الأسد عادياً، والسيفُ مسلولاً، فأما ما فلها مواقعُ معروفة وليس للتشبيه في أبوابه مدخل. وهذا مما سُئِل أبو الطيب عنه فذكر أنّ ما تأتي لتحقيقِ التشبيه؛ تقول: عبد الله الأسد وما عبد الله إلا الأسد وإلا كالأسد، تنفي أن يشبَّه بغيره، وقال: وما هندُ إلا مُهرة عربية ... سَليلةُ أفراس تجلَّلها بغْل وقد تجيء مع الكاف قال لبيد: وما المرءُ إلا كالشِهاب وضوئِه ... يحور رماداً بعد إذْ هو ساطِعُ فكأن قائلاً قال: ما هو إلا كذا، وآخُ قال: كأنه كذا، فقال: أمط عنك تشبيهي بما وكأنه. وأقول: إن التشبيه بما محال وإنما يقع التشبيه في هذه المواضع التي ذكرها بحرْفه، فإذا قال: ما المرء إلا كالشهاب فإنما المفيد للتشبيه الكاف ودخلت ما للنفي فنفَت أن يكون المرء إلا كالشهاب، فهي لم تتعد موضعها من النفي، لكنها نفَت الاشتباه سوى المستثنى منها، وإذا قال: ما هند إلا مهرة فإن ما دخلت على المبتدأ والخبر، وكأن الأصل هند مهرة، وهو في تحقيق المعنى عائد الى تقريب الشّبَه، وإن كان اللفظ مُبانياً، ثم نفى أن يكون كذلك فأدخل حرفي النفي والاستثناء، فليس بمُنكَر أن يُنسَب التشبيهُ الى ما إذا كان له هذا الأثر، وباب الشعر أوسع من أن يضيق عن مثله. وأنكروا قوله: إذا كان بعض الناس سيفاً لدولةٍ ... ففي الناس بوقاتٌ لها وطبول فقالوا: إنّ جمع بوق على بوقات خطأ، وإنما يجمع باب فُعْل على أفعال في أدنى العدد، مثاله: قُفْل وأقفال. وعود وأعْواد، وقد يخرج عنه الى أفعل؛ مثل بُرْد وأبرد،

стр. 442

فأما في أكثر العدد فالباب فُعول؛ نحو جند وجنود، وبُرْد وبرود، فإن كان من المضاعف ففِعال، نحو خُف وخفاف، وحُب وحِباب، وقد جاء على فِعَلة نحو تُرْس وتِرَسَة، وجُحْر وجِحَرة، وعلى فِعْلان، نحو كوز وكيزان، وعلى فِعالة، نحو مُهر ومِهارة، وإنما يجمع على فعلات ما كان على فُعلة؛ نحو ركبة وركبات، فيكون فيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وضمها وتسكينها، فأما فُعْل وفعلات فمما لا يُعرَف في شيء من الكلام في صحيح ولا معتلّ. وسئل أبو الطيب عن ذلك فقال: هذا الاسمُ مولّد لم يُسمَع واحده إلا هكذا ولا جمعه بغير التاء، وإنما هو مثل حمّام وحمّامات وساباط وساباطات؛ وسائر ما جمَعوه من المذكر بالتاء. وقال المحتجّ عنه: إن أصل الجمع التأنيث، ولذلك جاء ما جاء منه بالتاء، وإن كان في الأصل مذكراً. قال: فمن جمع اسماً لم يجِدْ عن العرب جمعَه فأجراه على الأصل لم يسُغ الردّ عليه، ولم يجُز أن ينسب الى الخطأ لأجله، وهذا اسمٌ أعجمي تكلّمت به العربُ، ولم يحفظ عنهم جمعه، فلما احتاج المولدون إليه أجرَوه على أصل الجموع، وتبعوا فيه عادة العرب في الأسماء المنقولة عن الأسماء الأعجمية، نحو سُرادق وسُرادِقات، وساباط وساباطات، وخان وخانات، وهارون وهارونات، وإيوان وإوانات، فعدلوا بجميع هذه الأبنية عن أصول قياسه، وألحقوها بأصل الجمع وغلبوا فيها التأنيث، ولولا ذلك لما جاز في خان وهو مثل مالٍ أن يُجمَع على خانات، كما لا يقال: مال ومالات، ولا في إوان وهو مثل جِراب، وقد ترخّصوا في الأسماء العربية بمثل ذلك تغليباً للتأنيث في هذا الباب، فأخرجوها عن أبوابه، وخالفوا فيها أخواتها؛ قالوا: بُوان وبُوانات، وخَيال وخيالات، وجمل سِجِلّ وجمل سجِلاّت، ولميلهم لهذا الاختيار قالوا في جمع ذي القعدة: ذوات القعدة، وفي جمع ابن آوى بنات آوى، وكذلك بنات عرس، وقالوا مثل

стр. 443

ذلك في الشهور، فجمعوا رمضان وشوال رمضانات وشوّالات؛ كل هذا تقديماً للتأنيث في باب الجمع، وميلاً به عن التذكير، ولكلّ اسم من هذه الأسماء قياسٌ مطّرد وبابٌ متّسق، عدلوا به عنه وهو معرض. وتركوه وهو سهلٌ ممكن. فلهذا وأشباهِه اختار أبو الطيب بوقات على أبْواق، والوزن يتم بهما، والضرورة لا تدفع أحدهما. قال الخصْم: هذه اللفظة وإن كانت قليلة عن العرب فقد تكلّمت بها، وعرفت قديماً في لغتها: وأنشدوا: رحى طحّانةٍ صاح بوقُها وقد روي في الحديث أن النبي ﷺ لما استشار أصحابه في أمر ينصِبه علَماً للصلاة؛ يجمع الناس عليها؛ قال بعضهم: ناقوسٌ كناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود، ولسنا نبعد أن تكون الكلمةُ عربية صحيحة، وأن تكون اللغتان اتفقتا فيها، فإنا نجد لها اشتقاقاً وأصلاً في العربية مشهوراً، وهو قولهم: أصابتنا بوقة من المطر؛ أي دَفعة. قال رؤبة: من باكِر الوسْمِيّ نضّاحِ البُوَقْ ويقولون للشيء إذا انفجر دَفعة: انْباق، وهذا البوق المصوِّت يندفع فيه الصوت فكأنّه ينفجرُ منه، وينفلِت انفلاتَ البوقَة من المطر، فإن كانت عربية فبابُ جمعِها معروف، وإن كانت أعجمية فالعرب إذا عرّبت أعجمياً ألحقتهُ بكلامها، وأجرَته على أبنيتها؛ ألا تراهم قالوا: مُهرَق ومهارِق، وبَلاس وبُلُس، وبُستان وبساتين، ويلمَق ويَلامق، ورَزْدَق ورزادِق، وأمثال ذلك كثير موجود؛ وإنما يعدلون

стр. 444

ببعضه عنبابه الى التاء كما يعدلون بالعربي في نحو قولهم: بُوان وبُوانات، وإنما هذه الأحرف التي عددْتُموها ألفاظٌ خرجت عن القياس، وشذّت عن العبرة، وإنما يتبع فيها السماع، ويوقَف عند الرّواية، لا يتعدّى الى غيرها، ولا يتجاوز تلك الحروف بأعينها. ولا تكاد تجد باباً من العربية يخلو من نوادر وشواذّ؛ ولو جعلت أصولاً وأُجرِيت على حكم القياس لبطلت الأصول واختلط الكلام، ولجاز أن يقال في جمل أجمل كما قالوا: جبَل وأجْبل، وجاز كلب وأكْلاب كما قالوا: فرْخ وأفراخ. قال المحتج: ليس هذا من الباب الذي ذكرته، وليس بجار مجرى الشاذّ والنادر، بل قياس مستمر في جميع ما لا يوجد له مثال القلّة من المذكّر، وقد جاء أيضاً فيما له مثال القلّة وإن لم يكن مستمراً، وأنشد قول أوس بن حَجَر: تكنّفَنا الأعداءُ من كل جانبٍ ... لينتزعوا علقاتنا ثم تربعوا فجمع علقاً على علقات وأنشد لغيره: يرى عيساً يسودهن ماء ... من النّجَداتِ يحلبها الذميل يريد جمع النّجَد، وهو العرَق؛ في أبيات كثيرة تشهد لما قاله. قد قال الفريقان ما حكيناه؛ وقد كان لأبي الطيب في الصحيح مندوحة، وفي المجتَمع عليه متّسع. وعابوا عليه قوله: وإني لمِنْ قومٍ كأنّ نفوسَنا ... بها أنَفٌ أن تسكُن اللّحَمَ والعظْما فقالوا؛ قطع الكلام الأول قبل استيفاء الكلام وإتمام الخبر، وإنما كان يجب أن يقول: كأنّ نفوسهم ليرجعَ الضمير الى القوم، فيتم به الكلام. وهذا من شنيع ما وُجِد في شعره، وقد اعتذر له بأمور سنذكرها على ما فيها بمشيئة الله تعالى.

стр. 445

زعم بعض المحتجين عنه أنّ العرب تحمل الكلام على المعنى فتصرفُ الضمير عن وجهه، وتترك ردّه مع الحاجة إليه؛ لأن المراد بالضمير الثاني هو الأول في الحقيقة، وإن اختلفت العلامتان. قالوا: وقد جاء ذلك عن العرب في الأسماء الناقصة التي تتم صلاتُها وهي أحوجُ الى الضمير الراجع إليها؛ لأنها كالحرْف المفرد لا يتمّ إلا بالحروف التي تنْضافُ إليه؛ فصلَتُه بما فيه من الضمير كبقية حروف الاسم، فهو أمسّ حاجةً، وأشدّ افتقاراً الى ردّ الضمير إليه، وتكميل ذلك النّقص به، فمما جاء في ذلك قول المهلهل: وأنا الذي قتلتُ بكراً بالقَنا ... وتركتُ تغلِبَ غير ذاتِ سِنام وإنما وجه الكلام: وأنا الذي قتَل؛ ويكون في قتل ضميرٌ تقديرُه وأنا الذي قتل هو. وقول أبي النجم: يأيّها الذي قد سُؤتَني ... وفضحتني وطردتَ أمّ عِياليا ولو ردّ الضميرَ على حقيقة الكلام لقال: الذي قد ساءني. وكل هذا حُمل على المعنى، قالوا: وقد جاء في القرآن العزيز: (إن الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحات إنّا لا نُضيعُ أجْرَ من أحسَن عمَلاً) . وليس في الخبر ما يرجعُ الى الأول، ولو ردّ الضميرُ الى الأول لقيل: إنّا لا نضيعُ أجرَهم؛ لكنه لما كان من أحسن عملاً هم المُضمرون بهم، الذي في أجرهم جاز أن ينوبَ أحدُهما عن الآخر، لأنّ من أحسن عملاً هو من آمن. ومثلُ هذا قوله تعالى: (والذين يمسِّكون بالكِتاب وأقاموا الصلاة إنّا لا نضيعُ أجرَ المُصلحين) لما كان معنى المصلحين معنى الذين يمسكون بالكتاب جاز أن يُقام مقامَه فيعود الذكر إليه في المعنى، فكأنّه قال: إنا لا نُضيع أجرَهم. وعلى هذا أجاز النحويون: المؤمنُ أكرمُ من اتّقى الله، لأن معنى من اتّقى الله معنى المؤمن؛ قالوا: فكذلك هذان الضميران في اتفاق المعنيين.

стр. 446

قالوا: وقد جاء في شعر العرب ما يُشبِه هذا مما أُقيم فيه أحد الكتابين مقام الأخرى اعتماداً على المعنى؛ مثل قول لبيد: فبنى لنا بيتاً رفيعاً سَمْكهُ ... فسَما إليهِ كهلُها وغُلامُها يريد كهلُنا وغُلامنا. قالوا: وشبيهٌ بهذا قول الله تعالى: (حتى إذا كنتُم في الفُلكِ وجرَيْن بهم بريحٍ طيّبة) عدل عن ضمير المخاطب الى ضمير الغائب اعتماداً على ظهور المعنى. قالوا: ويجوز أن يكون اكتفى بقوله: وإني لمن قومٍ كرام وأشرافٍ. فحذف الصفة استغناء بما تقدم، وما تعقب من الكلام، ثم ابتدأ خبراً ثانياً، وصرف الخطاب عن الأول، وهذا سائغٌ لا يُردّ. ألا تراه لو قال: وإني لمن قوم كرام، ثم أمسك لكان قد استكمل الفائدة، واستوفى الغرض، ولم يُحظَر عليه العدول الى غيره، ولم يُطالَب بردّ الضمير الى ما تقدّمه. ومن طلب أبواب الحذْف والاختصار، والانتقال من كلام الى كلام، والانصراف عن الخطاب قبل استتمامه اجتزأ بظهور الغاية واستِبانة المراد. وتتبّع ذلك في معادنِه. والكتب المصنفة فيه تصوّر صحةَ ما قلناه؛ فأما استقصاء ذلك وذِكْرُ جميعه فمما يُعظِم حجم الكتاب، ويُطيل حواشي الكلام، ولا يحصلُ منه على كبير فائدة. وأنشدوا لعبد الله بن قيس الرُقيّات: فتاتان أما منهما فشبيهة ... هلالاً وأخرى منهما تشبه الشمسا فتاتان بالنجم السعيد وُلِدتُما ... ولم تلقيا يوماً هواناً ولا نحْسا فلم يقل فتاتان ولدَتا، وهو حق الكلام؛ لكنه عدل إليهما مخاطباً، ولم يحفِل بتغيير الكنايات والضمائر. قوله: فتاتان كالمنقطع من الكلام قبل استقلاله بفائدة، والكلام الثاني كالمبتور قبل تمامه إلا أن يُحمَل على ما حملنا عليه بيتَ أبي الطيب،

стр. 447

ونحو بيت ابن الرقيات قول أبي الطيب: قومٌ تفرّست المنايا فيكم ... قرأتْ لكم في الحرب صبْرَ كِرامِ كأنه قال: أنتم قوم هذه حالكم، وقوله: كريمٌ متى استوهِبَتْ ما أنتَ راكبٌ ... وقد لقِحَتْ حربٌ فإنّك باذِلُ وأقول: إنّ هذه القضية إذا استمرت على ظاهرها، واقتصر على القدْر المذكور منها، اختلطت الكنايات وتداخلت الضمائر، ولم ينفصِل غائب عن حاضر، ولم يتميّز مخاطب. وله مواضع تختصّ بالجواز، وأخرى تبعُد عنه، وبينهما فصول تدِقّ وتغمُض، ولذكرِها موضعٌ هو أملَك بهما، وأبياتُ أبي الطيب عندي غير مُستكرَهة في قسم الجواز، وقد بلغ هذا المحتجّ منه مبلغاً، غير أنّ أبا الطيب عندي غيرُ معذور بتركِه الأمرَ القويّ الصحيح الى المُشكِل الضعيف الواهي لغير ضرورة داعية، ولا حاجة ماسّة؛ إذ موقعُ اللفظتين من الوزنِ واحد؛ ولو قال: نفوسهم لأزال الشُبهة، ودفع القالة، وأسقط عنه الشغب، وعناء التعب. وقوله: مضى بعد ما التفّ الرِّماحان ساعةً ... كما يتلقّى الهُدْبُ في الرّقْدةِ الهُدْبا فأنكروا تثنية الرماح، وهو جمع رمح فحاجّهم أبو الطيب ببيت أبي النّجم: تنقلتُ من أول التنقل ... بين رِماحَيْ مالكِ ونهشَل والتثنية عند النحويين جائزة في مثل هذا إذا اختلفت الضروب والأجناس،

стр. 448

وأكثر ما على أبي الطيب أن يتبع أبا النّجم وأضرابه من شعراء العرب، فهم القدوة وبهم الائتمام، وفيهم الأُسوة. وقوله: فأرْحامُ شِعرٍ يتّصلْن لدُنّهُ ... وأرحامُ مالٍ ما تَني تتقطّعُ فأنكروا تشديد النون من لدنّ، وإنما هو لدُنْ ولدْن؛ فأما تشديد النون فغير معروف في لغة العرب، وقد كان أبو الطيب خوطِب في ذلك فجعل مكان لدنّه ببابه، ثم احتجّ بما أذكره جملة. قال: قد يجوز للشاعر من الكلام ما لا يجوز لغيره لا للاضطرار إليه، ولكن للاتّساع فيه، واتفاق أهله عليه، فيحذفون ويزيدون، وروى أبياتاً منها: إذا غاب غدواً عنك بلْعمّ لم تكن ... جليداً ولم تعطِف عليك العواطف إنما هو ابن العم؛ ومنها قول قطري: غَداة طغت عَلْماءِ بكر بن وائل ... وعُجْنا صدورَ الخيل نحو تميم وقول لبيد: درسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبان يريد المنازل. وقول الآخر: ثم تنادوا بعد ذاك الضّوْضا ... منهم بهاتِ وهلاّ وبابا نادى منادٍ منهم ألاتا ... قالوا جميعاً كلهم ألاتا آخر: قد وعدَتْني أمّ عمرٍ وأن تا ... تدهن رأسي وتفلّيني وا

стр. 449

وتمسحُ القَنْفاء حتى تنْتا ومما زاد فيه قول شبيب بن ثعلبة: ولسْبةُ الحُرقوصِ بالقَفَنّ ... ودُمَّل في الاست مستقرّن أحِبُّ منك موضع الوُشْحُنّ ... فذاك من ذاك الى السنن قطنة من أجود القطن فزاد هذه النونات. وقول الآخر: تعرضت لم تأل عن قتلٍ لي ... تعرض المهرة في الطولْ فزاد لاماً. وقال الآخر: يا ليتها قد خرجَتْ من فمه وقول الآخر: وليس المال فاعلمْه بمال ... وإن أعياك إلا الديني والتشديد في لدنّ أحسن من هذا كله؛ لأن النون ساكنة مع هاء، والنون تتبين عند حروف الحلق لتباعدها منها؛ فزاد في تبينها فاجتلب التشديد، وهذه زيادة نون. وقد قال بعض العرب: مُذْ لَدُ شَوْلاً فاليَ إتْلائِها فحذف النون من لدُن. وقال آخر: منا إن ذرّ قرن الشمس حتى ... أغاثَ شريدَهم غلسُ الظلامِ

стр. 450

فزاد ألفاً في مَنْ. وقال آخر: إن شكلي وإنّ شكلَكِ شتى ... فالزمي الخُص واحفظي تبْيَضِضّي أراد: تبيضّي، فزاد ضاداً أخرى، والعرب تقول: أنْظور بمعنى أنْظُر؛ وأنشدوا: وإنني حيث ما يثني الهوى بصري ... من حيث ما سلَكوا أدْنو فأنْظورُ قال: وللفصحاء المدلّين في أشعارهم مالم يُسمَع من غيرهم؛ كقول امرئ القيس: ديمةٌ هطْلاء. وذي الرُمة: أُدْمانة - يعني أدْماء. وفي شعر ابن أحمر وأمية: الهَينمان، والبلقوس، والقَساوِسَة؛ في جمع قَسٌ. ومثل هذا أكثر من أن يُحصى. فقال الخصم: قد خلط هذا الرجل في احتجاجه، وجمع بين أمور مختلفة، ودلّتا على بُعْدِه عن تحصيل المعاني، وذهابه عن مقاييس النحو، وأجرى كلامَه الى غاية

стр. 451

توجبُ قلب اللغة، ونقْضَ مباني العربية؛ لأنه جعل الشعراءَ بزعمه أمراءَ الكلام، وأباح لهم التصرّفَ على غير ضرورة؛ وهذه القضية إن سبقت على اطّراد قياسِها زال نظام الإعراب، وجاز للشاعر أن يقول ما شاء، وأن يناول ما أراد عن قرب، فيثقّلُ كل مخفّف، ويخفف كل مثقّل، ويحذف ويزيد، ويغيّر الجموع، ويتحكّم في التصريف، ويتعدّى ذلك الى حركات الإعراب، ويتجاوزُه الى ترتيب الحروف؛ فإذا كان هذا ممتنعاً محظوراً، ومتعذَّرا محجوراً، فلا بدّ من حد يقف عنده الشاعر، وينتهي إليه الفرق بين النظم والنثر، فيزول هذا الأساس الذي مهّده، والأصل الذي قرّره، ويرجع الى ما قالت العلماء فيه، وما أجيزَ للمضطر من التسهيل، وفُضِّل به النظمُ من التسامح، وهي أبواب معروفة، ووجوه محصور أكثرُها، ومعظَمُ ما يوجد فيها رد الكلمة الى أصلها، والى ما أوجب القياس الأعم له؛ مثلصرف ما لا ينصرف؛ لأن ترْك الصرف لعلة، فأزيلت وألحق الاسم بأصل الأسماء. ومثل قصر ما يُعدّ، لأن المَدّة زيادة عارضة فحذفت. ومثل إظهار التضعيف كقوله: إني أجود لأقوامٍ وإن ضَنِنوا لأنه الأصل، ونحو هذا وشبهه. وقد يجيء عن العرب شواذ لا تجعل أصولاً، ولا يلزَم لها قياس؛ لأنّ ذلك لو ساغ واستمر لانْقلبت اللغة، وانتقضت الحقائق، وهُم الى الحذف فيه أميل، وبالتخفيف أولع، وعلى ذلك قالوا: درس المنا؛ يريد المنازل. وقالوا: قواطن مكة من وُرْق الحما يريد الحَمام. وهذا باب يتسع فيه القول، وتتشعّب فيه الوجوه، وقدصنفت فيه كتب معروفة. ولأهْل الكوفة فيه رُخَص لاتكاد توجد لغيرهم من النحويين؛ كإجازتهم مد المقصور، وترك صرف الاسم المنصرف، ونحو ذلك؛ غير أنهم لا يبلغون به مرتبة الإهمال، ولا يرّضونه لتحكم الشعراء، ويجعلون هذا الباب من الضرورة، ويقتصرون به على الحاجة.

стр. 452

فأما ذكر أبي الطيب في هذا الكلام بَلْعمّ وعَلماء، ونحو ذلك فبمعزل عن هذا الشأن؛ لأنه سائغ في غير الشعر، وجائز في كل الكلام، وأكثر ما تقول العرب: عَلْماءِ بني فلان، وله باب ولا حاجة بنا الى ذكره، بعد أن عرفناك أنه غير متصل بما تنازعه من ضرورات الشعر، وكذلك الأبيات التي عددها في الحذف، فقد قدمنا لك ميْل العرب الى الاختصار، وإيثارَها الى الإيجاز، وغلبة الحذف على كلامها، وكثرته في خطابها. وقد حكى الأصمعي أن أخوَين من العرب مكثا متهاجرين زماناً، وهما يحُلان ويرتحلان معاً فإذا أراد أحدُهما الرحيل، قال: ألا تا، فجيبه الآخر ألا فا، وعلى هذا الطريق جروا في استعمال الترخيم، وترك الخبر في كثير من الابتداءات في مواضع من الشروط، وهذا لا يوجب التعدي الى ما ترخص به أبو الطيب، وسوّغه لنفسه واحتج به لشعره. فأما قوله: تبيضضي، فجار على ما خبّرناك باحتمال الشعر له من إظهار التضعيف، فأما التشديد الزائد فيه، وفي مستقرنّ والطول ونحو ذلك، فلأنها حروف الرويّ وخواتم القوافي، ومنقطع الكلام، فاحتملت ما لا يحتمله غيرها. ولو ساغ أن يُنصب ذلك علَماً، ويجعل عبرة، ويستمرّ على شريطة القياس لوجب أن لا ينكر على الشاعر إذا قال: رأيت حسناً؛ فشدد النون، أو ضربت محمداً فثقل الدال؛ كما جاز لك في الطولّ ومستقرنّ، ويجري ذلك في سائر الأسماء وجميع الحروف والأفعال، وهذا أمر لا ينتهي إليه عاقل. وقد جاء عن العرب التشديد في أواخر الأسماء إذا وقفوا عليها، وهذا ما يؤكد ما قلناه في تمييز القوافي عن غيرها؛ من حيث كانت العرب تقف عليها، وإن كانت مطلقة. فأما الألفاظ التي زعم أن الشعراء تفرّدوا بها فإنها موجودة عن أئمة اللغة، وعمن ينتهي السّندُ إليهم، ويُعتَمد في اللسان عليهم؛ وإنما نتكلم بما تكلّموا به، وواحد كالجميع، والنّفَر كالقبيلة، والقبيلة كالأمة، فإذا سمعنا من العربي الفصيح

стр. 453

الذي يعتد حجة كلمةً اتّبعناه فيها. ثم إن لم تبلغْنا عن غيره، ولم نسمع بها إلا في كلامه لم نزعم أنه اخترعها، ولم نحكم أنه أبو عُذرِها. وعلى هذا أكثر اللغة؛ لا سيما الألفاظ النادرة، والحروف الفردة. وكم نقل الناس عن أبي مهدية، وأبي الدقيش، وأبي الجراح، وأبي الصقر، والقناني، وأم الهيثم؛ وفلان وفلانة من لفظة لم تسمع قبلَهم، ولم تؤخذ إلا عنهم، ثم ليس لنا أن نجعلهم منفردين بتلك الكلمات، ومختصين بتلك الحروف. وهذا سبيل ما وجد في شعر هؤلاء من الشواذ الغريبة، والألفاظ النادرة. وقد أيّد بعض من يحتج لأبي الطيب ما قدمناه من كلامه بأن قال: قد بيّن الرجل العلة في حسْن هذه الزيادة، وذكر أن النون كما كانت خفيفة وكانت ساكنة، ومن حقها أن تتبيّن عند حروف الحلْقِ حسُن تشديدُها لتظهر ظهوراً شافياً، فهذه علة قريبة قد يحتمل للشاعر تغيير الكلام لأجلها. ويؤكد ذلك أن النون أقرب الحروف الى حروف العلة: الياء والواو، وأكثرها شبهاً بهما؛ ومناسبة لهما؛ لأنها تُدغَم فيهما، وتزاد حيث يزادان؛ فتنصب علماً للصرف، كما يجعلان علامة للإعراب، وتبدل الألف منها في قولك: اضْرِبْن؛ إذا أردْت النون الخفيفة؛ كما تبدل منها في مواضع البدل، وتحُلّ محلّ الواو في قولك: نهْرانيّ وصنعاني؛ وإنما هو نهراويّ وصنعاوي، وتحذف إذا كانت خفيفة كما يحذفان لالتقاء الساكنين فلما جرى معهما هذا المجرى، وحل من مناسبتهما هذا المحل، احتمل ما يحتملانه من حذف وزيادة، وحروف العلة أكثر الحروف احتمالاً، وأوسعها متصَرَّفاً؛ ولذلك يحمل عليها في الحذف، ويتجوز فيها بالزيادة، وعلى هذا استجازوا زيادةَ الياء في صياريف؛ وإنما هو صيارِف؛ إشباعاً للمدة للزوم الكسرة في هذا الموضع. قال الشاعر: تنفي يداها الحصَى في كل هاجرَة ... نفْيَ الدراهِم تنْقادُ الصّياريف وقد قال الفرزدق - فزادياء لغير علة إلا لإقامة الوزن: تبكي عليه الشمس والقمر الذي ... به يبهج السّارون ليلَ التمائم

стр. 454

أراد التّمام فزاد الياء. وقال الهذلي: به الروم أو تَنوخ أو الآ ... طام من صوّران أو زيد فشدد الواو من صوران، وإنما هو صوران، ولإجرائهم النون هذا المجرى قالوا: قطنّة من أجود القين فشدد النون من قُطنّة وليس هو في موضع قافية، ولا هو حرف روي. وقد احتمل للشعراء لأجل الشعر ما هو أبلغ من تغيير الألفاظ وإزالة الكلام عن موضعه. قال الفرزدق: وما فارقتُها شِبَعاً ولكنْ ... رأيتُ الدهرَ يأخذ ما يُعار أراد يُعير، فغير البناء كما تراه. وقال زهير: ماءٌ بشرقيّ سلْمى فَيْدُ أوْرَكَكُ وإنما اسم الماء ركّ، وليس هذا موضع إظهار التضعيف عند أكثر النحويين. وقال دُريد: فإن تُعقِب الأيام والدهر تعلَموا ... بني قارب أنا غضاب بمعبد يريد بعبد الله؛ فغير اسمه كما ترى. وقال حسان بن ثابت: من معشرٍ لا يغدِرون بذمّة ال ... حارث بن حبيّب بن سحام إنما هو حبيب. والكلام في هذا الباب يكثر من الفريقين. وقوله: ليس إلاك يا علي همام ... سيفه دون عِرضِه مسلولُ وقوله:

стр. 455

لم تر من نادمتْ إلاّكا فأنكروا اتصال الضمير بإلا، وحق الضمير أن ينفصل عنها، وبذلك جاء القرآن. قال الله تعالى: (ضلّ من تدْعون إلا إيّاهُ) وهو الظاهر في قياس النحو، والمشهور عن العرب. وقد روى الفرّاء بيتاً عن العرب احتج به أبو الطيب واحتذى عليه: فما نُبالي إذا ما كنتِ جارتَنا ... ألاّ يجاورَنا إلاّكِ ديّارُ وأنا أرى أن لا يطالب الشاعر بأكثر من إسناد قوله الى شعر عربي منقول عن ثقة وناهيك بالفرّاء! وقوله: أحادٌ أم سُداسٌ في أحادِ وقد مضى في صدر هذه الرسالة المواضع التي أنكرت في هذا البيت: وقد كان أبو الطيب سئل عنه فأجاب عن قولهم: إن سداساً غير محكي عن العرب، وأن أهل اللغة يزعمون أنهم لم يزيدوا على رُباع، وإنما هي ألفاظ معدولة يوقف به على السماع بأن قال: إنه قد جاء من العرب خُماس وسُداس الى عُشار؛ حكاه أبو عمرو الشيباني وابن السّكيت، وذكره أبو حاتم في كتاب الإبل، وزعم أبو عبيدة في المجاز أنه لا يعلمهم قالوا فوق رُباع؛ وهؤلاء ثقات لم يحكُموا إلا ما علموا، وقد جاء ذلك في الشعر. قال الكميت: فلمْ يستريثونك حتى رميْ ... تَ فوق الرّجال خِصالاً عُشارا آخر: ضربت خُماس ضربة عبْشَمي ... أدار سُداس أن لا يستقيما

стр. 456

وقد نسبت العرب الى كل ذلك فقالوا: خُماسي وسُداسي وعُشاري. قال أبو النجم: فوق الخماسيّ قليلاً تفضّله فأما قولهم: إن هذه الألفاظ إنما عدلت في المعنى، فأجريت مُجرى واحد واحد، اثنين اثنين، فقد قال المحتج له: إن أصل عدْلها وإن كان على ذلك فقد تكلم بها في معنى الأعداد المفردة، وعلى ذلك وقع النسب إليها في الخُماسي والعُشاري، والنسب لا يصح إلا على هذا المعنى. وقد استدلوا بقوله: ضربت خماس ... البيت. وهذا غير العنى الذي ذهبوا إليه، وإنما هو اسم معدول عن خمسة، ولا مدخل للتكرير فيه. وقالوا في إنكارهم تخصيص سُداس من بين الأعداد: إن الأعداد إذا استولت في المعنى لم يحظر على ذكر أحدهما، ولو قال خُماس أو رُباع لكان الأمر واحداً، ولو بلغ العُشار لم يزده غيرَ فضْل الاستطالة، وليس على الشاعر إذا بالغ في وصف أن ينتهي الى الغاية، ولا يترك في الإفراط مذهباً؛ على أنه قد يجوز أن يكون قصد استيفاء الأسبوع فقال: أهي ليلة أم ستّ؛ مضافة إليها، ولم يرد به الحساب، فيحمل على ما يوجبه حكم الضّرْب، فيكون الواحد في الستة ستة، وإنما قال أواحدة هي أم ست في واحدة، فإذا جعلت الست في الواحدة على جهة الظرْف والوعاء صارت سبعاً. فهذا وجه قريب. قال الخصم: قد صغّر الليلة ثم استطالها فقال: لُييْلَتنا المَنوطة بالتناد. قال أبو الطيب: هذا تصغير التعظيم، والعرب تفعله كثيراً. قال لبيد: وكلّ أناسٍ سوف تدخُل بينهم ... دوَيْهِيَةٌ تصفرّ منها الأنامل أراد لطف مدخلها فصغّرها. وقال الأنصاري: أنا عُذيْقها المرجِّب،

стр. 457

وجُذَيلُها المُحكّك؛ فصغر وهو يريد التعظيم. وقال آخر: يا سَلمُ أسقاك البُريقُ الوامِضُ ... والدِيَم الغادية الفضافِض أما تصغير اللفظ على تكثير المعنى فغير منكر؛ وهو كثير في كلام العرب؛ لكن في احتجاج أبي الطيب خلل؛ من قبل أن دُويْهية في هذا الموضع تصغير في المعنى واللفظ، وكذلك جذيلها المحكك لأن هذا الجذل لا يكون إلا لطيف الجرم؛ وإنما هو جذم من النخلة تحتكّ به الإبل، وكما زاد تحكّك الإبل به زاد لطفاً وصِغَراً وضئولة. وإنما وجه القول في هذا أن من التصغير ما يكون جارياً على طريق الاستهانة والتحقير، ومنه ما يراد به الصِّغر واللطافة؛ فأنت إذ قلت: جاءَني رُجيل لم تُبالِ بصغَر جسمه، وتفاوت خلْقه، وقِصَر قامته، إذا أردت تحقيرَ شأنه والإهوان به، ومتى أردت الإخبار عن ضئولته. ودمامة خلْقه لم تعرّج على حاله، ولم تفكر في محله. وقد تقول ذلك للملك على هذا الوجه، وتقول للرجل العادي على الوجه الأول، وقد تفعل ذلك وأنت تريد ذمّه؛ وإن كان قويّ الخُلُق، عظيم الشأن. وذكرُ لَبيد الدويْهية على لفظ التصغير من باب اللطافة دون النِّكاية؛ وقول أبي الطيب لُييلتنا خارج مخرج الذم والهجو، ثم قد أزال الالتباس وأفصح عن المراد بقوله: المنوطة بالتناد، إذ قد بين أنه لم يرد قِصَر مدتها. ولا قرب انقضائها. فأما قول أبي الطيب: إني لم أرد بالتّناد القيامة، وإنما أردت مصدر تَنادَى القوم، وعنيت أنها منوطة بما أهم منه فهو أعْلم بقصده، وأعرب بنيته؛ غير أن نسْق الكلام يشهد عليه. ومن تأمله عرف أنه بأن يراد به القيامة أشبه، ولا عيب فيه لو أراده؛ إنما هو ضرب من الإفراط قد استعمله الشعراء. قال بشار: أضلَّ النهارُ المستنيرُ طريقَه ... أم الدهر ليلٌ كله ليس يبرَحُ ومثله كثير موجود.

стр. 458

وقوله: ولم تردّ حياةً بعد توليةٍ ... ولم تغِثْ داعياً بالويلِ والحرَبِ قالوا: العرب لا تقول دَعا بالويل والحرب، وإنما يقال: دعا ويلَه؛ كما يقول دعا فلاناً. قال الله تعالى (لا تدْعو اليومَ ثُبوراً واحداً وادعوا ثُبوراً كثيراً) . فإنما يقال: دعا بكذا إذا طلب أن يؤتى بذلك الشيء؛ كقول الفرزدق: دعوتُ بقُضبانِ الأراك التي جَنى ... لها الرّكْبُ من نُعمان أيام عرّفوا وتداعوا بشعارهم، ودعا لكذا، أي من أجله، فقال أبو الطيب: يقال دعا للقتال وللخير وللشعر ولما به، أي إليه. ومن أجله قال طرفة: وإن أُدْع للجُلّى أنْ من حُماتِها ... وإن يأتك الأعداءُ بالجهْدِ أجهَدِ ويقال: دعا باللَّهَف وبالويل والحرَب بيا، وأيا؛ لأنه لفظ الداعي. وقال ذو الرمة: تداعيْن باسم الشِّيب من متثلِّمٍ ... جوانبهُ من بصرةٍ وسِلام وقال الراعي: إذا ما دعت شيباً بجنَبِ عُنيزَة ... مشافرُها في ماء مُزنٍ وباقِلِ وقال: دعا الداعي بحيّ على الفلاح وقال عنترة: دعاني دعوةً والخيلُ تردي ... فما أدري أبِسْمي أم كَناني وإنما يقال: دعا بكذا إذا أمر أن يؤتى به، لأنه ذكر اسمه. والذي ناله أبو الطيب محكيّ عن العرب، معروف عند أهل العلم، فإذا أراد ذكر المدعوّ قال: دعوته، وإذا أراد ما يلفظ به قال: دعا بكذا وكذا، وعلى هذا بيتُ عنترة، وقول الآخر:

стр. 459

دعا الدّاعي بحيّ على الفلاح وقوله: بياضُ وجهٍ يريكَ الشمسَ حالكةً ... ودُرُّ لفظٍ يريكَ الدُرَّ مخشَلَبا قالوا: مخشلبا ليس من كلام العرب. فقال أبو الطيب: هي كلمة عربية فصيحة، وقد ذكرها العجّاج. ولست أعرفها في شعر العجاج ولا أحفظها محكي عن العرب؛ غير أني أرى استعمالها وأمثالها غير محفوظ، لأني أجد العرب تستعمل كثيراً من ألفاظ العجَم إذا احتاجت إليه لإقامة الوزن، وإتمام القافية، وقد تتجاوز ذلك الى استعماله مع الاستغناء عنه؛ كما سموا الحمَل برَقاً مع كثرة أسماء الغنم عندهم، وكما قال التغلبي: وكنا إذا القيسيّ نبّ عَتوده ... ضرَبْناه دون الأنثَييْن على الكرْدِ أراد الكَرْدَن، وهو العُنق، فأقام به القافية. وقال الآخر: قد علمت فارس حِميَر والأع ... رابُ بالدّشْت أيُّهم نزَلا أراد الدّشت وهو فارسي، وأسماؤه عند العرب كثيرة، فلم يمنعهم ذلك من الارتفاق به. وكذا قال الآخر: تضمنها وهم ركوب كأنه ... إذا ضم جنبيها المخارِق رَزْدَقُ يريد رَستَه، وهو الصف من النخل وغيره، إلا أنهم زعموا أنه أراد النخل هنا. وقد استعمل العجّاج في قوافي جميميته ألفاظاً منه. قال:

стр. 460

كما رأيت في المَلاء البَرْدَجا يريد الرقيق؛ وهو بالفارسية برْده. وقال: كالحبشيّ التفّ أو تسبّجا يريد لبس قميصاً، وإنما هو بالفارسية شَبِي فعربه بسَبيجة ثم صرّف منه فِعلاً، في أبيات غيرها. فليس بمحظور على الشاعر الاقتداء بهم في أمثال ذلك إذا احتاج إليه؛ فأما المحدَثون فقد اتّسعوا فيه حتى جاوزوا الحدّ لما احتاجوا الى الإفهام، وكانت تلك الألفاظ أغلبَ على أهل زمانهم، وأقربَ من أفهام منْ يقصدون إفهامه. وقد أفرط أبو نواس حتى استعمل زنمرده، وبازبنده، وباريكنده، وغير ذلك، فإن كانت اللفظة مسموعةً عن العرب على ما حكاه أبو الطيب، فقد زالت الكلْفة، وإن لم تكن محفوظة فما رويناه من أمثالها عن العرب والمحدثين يعتذر عنه، ويقوم بحجته. وقوله: ليس التعلل بالآمال من أرَبي ... ولا القُنوعِ بضنْكِ العيش من شيَمي قالوا: القُنوع خطأ وإنما هي القناعة، فأما القُنوع فالمسألة، يقال: قَنَع يقنَع قناعة؛ إذا رضي، وقنع يقنَع قُنوعاً؛ إذ سأل والفاعل فيهما قانِع. قال المحتج: الرواية المسموعة هي: ولا القناعة بالإقلال من شيَمي
следующие страницы →