Полный текст (477 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
التفاضل - أطال الله بقاءك - داعيةُ التنافس؛ والتنافسُ سبب التحاسد؛ وأهل النقص رجلان: رجل أتاه التقصيرُ من قبَله، وقعَد به عن الكمال اختيارُه، فهو يساهم الفضلاءَ بطبعه، ويحنو علي الفضل بقدر سهمهِ؛ وآخرُ رأى النقص ممتزجاً بخِلقَته، ومؤثّلاً في تركيب فطرته، فاستشْعر اليأس من زواله، وقصُرتْ به الهمةُ عن انتقاله؛ فلجأ الى حسَد الأفاضل، واستغاث بانتقاص الأماثل؛ يرى أن أبلغَ الأمور في جبر نقيصته، وستْر ما كشفه العجزُ عن عورته اجتذابُهم الى مُشاركته، ووسمُهم بمثل سِمَتِه، وقد قيل:
وإذا أرادَ اللهُ نشْرَ فضيلةٍ ... طُوِيَت أتاحَ لها لِسانَ حسودِ
صدق والله وأحسن! كم من فضيلة لو لم تستَتِرْها المحاسد لم تبرحْ في الصدور كامنة، ومنقبةٍ لو لم تُزْعِجْها المنافسة لبقيت على حالها ساكنة! لكنها برزتْ فتناولتْها ألسنُ الحسَّد تجلوها، وهي تظن أنها تمحوها، وتشهَرُها وهي تحاول
стр. 2
أن تستُرَها؛ حتى عثَر بها مَن يعرف حقها، واهتدى إليها مَنْ هو أولى بها، فظهرت على لسانه في أحسن معرِض، واكتست من فضله أزينَ ملبس؛ فعادت بعد الخمول نابهة، وبعد الذبول ناضرة، وتمكنت من برِّ والدها فنوّهت بذكره، وقدَرت على قضاء حقِّ صاحبها فرفعت من قَدْره (وعَسى أن تكْرَهوا شيْئاً وهُوَ خيرٌ لكُم) .
ولم تزَل العلومُ - أيّدك الله - لأهلها أنساباً تتناصرُ بها، والآدابُ لأبنائها أرحاماً تتواصل عليها، وأدنى الشِّرك في نسب جوار، وأول حقوق الجار الامتعاضُ له، والمحاماةُ دونه، وما مَنْ حفظ دمه أن يُسفك، بأولى ممّن رَعى حريمه أن يهتك ولا حرمةَ أولى بالعناية، وأحقُّ بالحماية، وأجدر أن يبذل الكريمُ دونها عِرضَه، ويمتهن في إعزازها مالَه ونفسَه من حُرمة العلم الذي هو روْنَق وجْهه، ووقاية قدْره، ومَنار اسمه، ومَطيّة ذِكره.
وبحَسَب عِظَم مزيته وعلوّ مرتبته يعظم حقّ التشارك فيه، وكما تجب حياطتُه، تجب حياطة المتّصل به وبسببه، وما عقوق الوالد البَرّ، وقطيعةُ الأخ المشفِق، بأشنعَ ذِكراً، ولا أقبح وسْماً من عقوق من ناسبَك الى أكرم آبائك، وشاركك في أفخر أنسابك، وقاسمك في أزين أوصافك، ومتَّى إليك بما هو حظّك من الشرف، وذريعتُك الى الفخر.
وكما ليس من شرْط صِلَة رحمك أن تحيف لها على الحق، أو تميلَ في نصرها عن القصد، فكذلك ليس من حُكم مراعاة الأدب أن تعدِل لأجله عن الإنصاف، أو تخرج في بابه الى الإسراف، بل تتصرّف على حكم العدل كيف صرَفك، وتقف على رسْمه كيف وقفَك، فتنتَصِف تارة وتعتذر أخرى، وتجعل الإقرار بالحق عليك
стр. 3
شاهداً لك إذا أنكرت، وتقيم الاستسلام للحجة - إذا قامت - محتجاً عنك إذا خالَفْت، فإنه لا حال أشدّ استعطافاً للقلوب المنحرفة، وأكثر استمالةً للنفوس المشمئزة، من توقّفك عند الشُبهة إذا عرَضت، واسترسالِك للحجة إذا قهرت، والحكمِ على نفسك إذا تحققت الدعوى عليها، وتنبيه خصمك على مكامن حيَلك إذا ذهب عنها؛ ومت عُرفْت بذلك صار قولُك برهاناً مسلَّماً، ورأيك دليلاً قاطعاً، واتهم خصمُك ما علمه وتيقنه، وشكّ فيما حفظه وأتقنه، وارتاب بشهوده وإن عدّلتهم المحبة، وجَبُن عن إظهار حُججه وإن لم تكن فيها غميزة، وتحامتك الخواطر فلم تقدم عليك إلا بعد الثقة، وهابتك الألسُن فلم تعرض لك إلا في الفَرْط والنُدرة.
وما زلتُ أرى أهل الأدب - منذ ألحقتني الرغبةُ بجملتهم، ووصلَت العنايةُ بيني وبينهم - في أبي الطيب أحمد بنِ الحسين المتنبي فئتين: من مُطنب في تقريظه، منقطع إليه بجملته، منحطّ في هواه بلسانه وقلبه، يلتقي مناقِبَه إذا ذُكِرت بالتعظيم، ويُشيع محاسنه إذا حُكيت بالتفخيم، ويُعجَب ويعيد ويكرر، ويميل على من عابه بالزِّراية والتقصير، ويتناول من ينقصُه بالاستحقار والتجهيل؛ فإن عثَر على بيت مختلّ النظام، أو نِبَه على لفظ ناقص عن التمام التزم من نُصرة خطئه، وتحسين زلَله ما يُزيله عن موقف المعتذر، ويتجاوز به مقام المنتصر. وعائبٍ يروم إزالتَه عن رُتبته، فلم يسلّم له فضله، ويحاول حطّه عن منزلةٍ بوّأه إياها أدبُه؛ فهو يجتهدُ في إخفاء فضائله، وإظهار مَعايبه، وتتبع سقطاتِه، وإذاعة غَفلاته.
وكلا الفريقين إما ظالمٌ له أو للأدب فيه؛ وكما أن الانتصار جانبٌ من العدْل لا يسدّه الاعتذار؛ فكذلك الاعتذار جانب هو أولى به من الانتصار، ومَن لم يفرِّق
стр. 4
بينهما وقفت به المَلامةُ بين تفريط المقصّر، وإسراف المفرِط؛ وقد جعل الله لكل شيء قدْراً، وأقام بين كل حديث فصْلاً؛ وليس يطالَب البَشر بما ليس في طبع البشر، ولا يُلتَمس عند الآدميّ إلا ما كان من طبيعة ولدِ آدم؛ وإذا كانت الخلقة مبنيةً على السهو وممزوجة بالنسيان؛ فاستسقاط من عزّ حالُه حيْف، والتحامُل على من وُجِّه إليه ظلم.
وللفضل آثارٌ ظاهرة، وللتقدم شواهدُ صادقة، فمتى وجِدتْ تلك الآثار، وشوهدت هذه الشواهد فصاحبُها فاضل متقدم؛ فإن عُثِر له من بعدُ على زلّة، ووحدت له بعَقِب الإحسان هفْوة انتُحِل له عذرٌ صادق، أو رُخصة سائِغة؛ فإن أعوز قيل: زلّة عالم، وقلّ من خَلا منها، وأيُّ الرجال المهذب! ولولا هذه الحكومة لبطل التفضيل، ولزال الجَرْح ولم يكن لقولنا فاضل معنى يوجد أبداً، ولم نسِمْ به إذا أردنا حقيقة أحداً، وأي عالم سمعت به ولم يزلّ ويغلط! أو شاعر انتهى إليك ذكره لم يهْفُ ولم يسقط!
أغاليط الشعراء
ودونك هذه الدواوين الجاهلية والإسلامية فانظر هل تجد فيها قصيدة تسلم من بيت أو أكثر لا يمكن لعائب القدْح فيه؛ إما في لفظه ونظمه، أو ترتيبه وتقسيمه، أو معناه، أو إعرابه؟ ولولا أن أهلَ الجاهلية جُدّوا بالتقدم، واعتقد الناس فيهم أنهم القدوة، والأعلام والحجة، لوجدتَ كثيراً من أشعارهم معيبة مسترذَلة، ومردودة منفية، لكن هذا الظنّ الجميل والاعتقاد الحسن ستر عليهم، ونفى الظِّنة عنهم، فذهبت الخواطر في الذبّ عنهم كلّ مذهب، وقامت في الاحتجاج لهم كل مقام،
стр. 5
وما أراك - أدام الله توفيقك - إذا سمعتَ قول امرئ القيس:
أيا راكباً بلّغَ إخواننا ... مَن كان من كِندَة أو وائل
فنصب بلغ، وقوله:
فاليوْم أشْرَبْ غيرَ مُستَحقِبٍ ... إثْماً من الله ولا واغِلِ
فسكن أشرب، وقوله:
لَها مَتْنَتان خَظاتا كماً ... أكبّ على ساعدَيْه النّمِرْ
فأسقط النون من خَظاتَا لغير إضافة ظاهرة.
وقول لبيد:
تَرّاكَ أمكنة إذا لم أرْضَها ... أو يرتَبطْ بعض النّفوسِ حِمامُها
فسكن يرتبطْ ولا عمل فيها للَم. وقول طرفة:
قد رُفِع الفَخّ فماذا تحذَري
فحذف النون. وقول الأسدي:
стр. 6
كنا نرقّعها وقد مُزِّقت ... واتسع الخرْق على الراقع
فسكن نرقّعها. وقال الآخر:
تأبى قُضاعة أن تعْرِفْ لكمْ نسَباً ... وابْنا نِزار وأنتُم بيضَةُ البَلَدِ
فسكن تعرف، وقول الآخر:
يا عَجَباً والدهر جمٌ عجبُهْ ... من عَنْزيٍّ سبّني لم أضرِبُهْ
فرفع أضربه. وقول الفرزدق:
وعضُّ زمانٍ يا بْنَ مرْوانَ لم يدَعْ ... من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ
فضم مجلَّفاً. وقول ذي الخِرَق الطُّهَوي:
يقول الخَنى وأبغَضُ العُجْم ناطِقاً ... الى ربنا صُوْتُ الحمار اليُجَدَّعُ
فأدخل الألف واللام على الفعل. وقول رؤبة:
стр. 7
أقْفرَتِ الوعْثاء والعُثاعثُ ... من بعْدهم والبُرَق البَرارِثُ
وإنما هي البِراث جمع برَث؛ وهي الأماكن السهلة من الأرض، وروى البَوارث وكأنه جمع بارثة.
وقول بعض الرّجّاز؛ أنشده المفضّل:
كانت عجوزاً عُمِّرتْ زمانا ... وهي ترى سَيْئَها إحسانا
تعرفُ منها الأنفَ والعَينانا
ففتح النون من العينانا. وقول آخر منهم - أنشده أبو زيد:
طاروا عليهنّ فطِرْ عَلاها ... واشدُدْ بمَثنى حَقَب حَقواها
ناجيةً وناجياً أباها
فرفع حَقواها، وحقّه النصب، كما قد نصب أباها، وحقّه الرفع. وقول الأقيشر:
وقد بَدا هَنْك من المئْزرِ
стр. 8
وقول نقيع بن جُرموز:
أطوّفُ ما أطوفُ ثم آوي ... الى أمَّى ويرويني النقيعُ
فأدخل الألف في أمّى لغير نداء ولا ضرورة.
وغيرُ هذا مما هو أسهلُ منه قول امرئ القيس:
كأن ثَبيراً من عَرانين وبْلهِ ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مزمَّلِ
فخفض مُزَمّلا، وهو وصفُ كبير. وقول الفرزدق:
بخيْرِ يَدَيْ منْ كان بعد محمّدٍ ... وجارَيْه والمقتولِ للهِ صائمِ
فخفض صائم. وقول رؤبة:
قد شفّها النوح بمأزولٍ ضيَقْ
ففتح الياء. ومثال ذلك مما يُخرِج الكتاب عن غرضه.
ثم اسعرضتَ إنْكارَ الأصمعي وأبي زيد وغيرهما هذه الأبيات وأشباهها، وما جرى بين عبد الله بن أبي إسحاق الحضرَمي والفرزدق في أقواله ولحنه في قوله:
стр. 9
فلوْ كانَ عبدُ اللهِ موْلًى هجوتُهُ ... ولكنّ عبدَ الله موْلى مَوالِيا
ففتح الياء من موالي في حال الجر، وما جرى له مع عنْبَسَة الفيل النحوي حتى قال فيه:
لقد كان في معْدان والفيل شاغل ... لعنبَسَة الرّاوي عليّ القصائدا
وما كان القدماء يتّبعونه في أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى؛ حتى قال البرْدَخْت لبعض النحويين:
لقد كان في عينيك يا حفصُ شاغل ... وأنف كمثلِ العودِ مما تتبَّعُ
تتبّع لحناً في كلام مرقّشٍ ... وخلْقُك مبنيٌّ على اللحن أجمع
فعيناك إقواء وأنفك مكْفأ ... ووجهُك إيطاء فأنت المرقّع
стр. 10
وقول الأصمعي في الكميت: جُرمُقانيّ من جَراميق الشام لا يُحتجّ بشعره، وما أنكره من شعر الطّرمّاح، ولحّن فيه ذا الرُمّة.
ثم تصفحتَ مع ذلك ما تكلّفه النحويون لهم من الاحتجاج إذا أمكن: تارة بطلب التخفيف عند توالي الحركات، ومرة بالإتباع والمجاورة؛ وما شاكلَ ذلك من المعاذير المتمحَّلة، وتغيير الرواية إذا ضاقت الحجّة؛ وتبيّنتَ ما راموه في ذلك من المَرامي البعيدة، وارتكبوا لأجله من المراكب الصّعبة، التي يشهد القلب أن المحرّك لها، والباعث عليها شدةُ إعظام المتقدم، والكلَفُ بنُصرة ما سبق إليه الاعتقاد، وألِفته النفس.
عود إلى أغاليط الشعراء
ثم عدتَ الى ما عدّده العلماء من أغاليطهم في المعاني، كقول امرئ القيس:
وأركبُ في الرّوع خيْفانةً ... كسا وجْهَها شعرٌ مُنتشِرْ
وهذا عيبٌ في الخيل. وقول زهير:
يخرُجن من شرَباتٍ ماؤها طحِلٌ ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا
стр. 11
والضفادع لا تخاف شيئاً من ذلك. وقول سلَمة بن الخُرشُب:
إذا كان الحِزامُ لقُصرَيَيْها ... أماماً حيث يمتسِك البَريم
يقول: إن الحزامَ يقرب في جولانه إذا أكثر من عدْوِه فيصير أمام القصريين.
قال الأصمعي: أخطأ في الوصف؛ لأن خيرَ جرْي الإناث الخُضوع، وإنما يُختار الإشراف في جرْي الذكور، فإذا اختضعت تقدّم الحزام، كما قال بِشر بن أبي خازم:
نَسوفٍ للحِزامِ بمرفَقَيها ... يسدّ خَواء طُبْيَيْها الغُبارُ
وقد ساعد متمِّمُ بن نويرة على هذا الوصف سلَمة فقال:
وكأنه فوتَ الجوالِب جانِئاً ... رِئْمٌ تضايَفَه كلابٌ أخضَع
стр. 12
فوصف الذكر بالخضوع، وإنما يُختار له الإشتراف. وكقول الجعْدي:
كأن تواليهما بالضّحى ... نواعم جَعْل من الأثْأبِ
والجَعْل: صغار النخل، وإنما المراد الكبار، وبه يصحّ الوصفُ فيما زعموا.
وقول أبي ذؤيب يصف الفرس:
قصَرَ الصّبوحَ لها فشُرِّجَ لحمُها ... بالنِّيّ فهْي تَثوخُ فيها الإصبَعُ
قال الأصمعي: حمارُ القصّار خيرٌ من هذا، وإنما يوصف الفرسُ بصلابة اللحم وقول أبي النّجم:
تسبح أُخْراه ويطفو أوّله
واضطراب مآخيرِ الفرس قبيح. وقول المسيّب بن علَس:
وكأنّ غارِبَها رباوة مخرِمٍ ... وتَمُدّ ثِنْي جديلها بشَراع
أراد تشبيه العُنق بالدّقل فغلط، كما غلط طرَفة في السُكان فقال:
كسُكّان بوصيّ بدَجْلَة مُصعِد
стр. 13
وإنما يريد الدّقَل. وقول امرئ القيس:
إذا ما الثّريا في السماءِ تعرّضَتْ ... تعرُّضَ أثناء الوِشاحِ المفصَّلِ
والثريا لا تتعرّض، وإنما تتعرض الجوزاء. وقول رؤبة:
كنتم كمن أدخل في جُحْر يَدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا
فجعل الأفعى دون الأسود، وهي أشدّ نكاية منه. وقول زهير:
كأحْمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِم
وإنما هي أحْمر ثمود. وقول ليلى، ويروى لحُمَيد:
لما تخايلت الحُمول حسبتها ... دوماً بأيلَة ناعماً مكْموما
والدّوْم لا أكمام له.
هذا ما يعرفونه صباحاً مساءً. ويمارسونه على طول الدهر؛ فدعْ ما يخفى عليهم ويبعُد عن أبصارهم. كقول أبي ذؤيب في الدُرّة:
فجاءَ بها ما شِئتَ من لطَميّة ... يدور الفراتُ حولَها ويموجُ
стр. 14
فالفرات هو العذْب، والدرُّ، لا يوجد إلا في المِلْح. وقول الآخر:
فيه الرماحُ وفيه كلّ سابغة ... جدْلاء مُحكَمةٍ من نسْجِ سلاّمِ
وقول الآخر:
وكلّ صَموتٍ نثْلَةٍ تُبّعيّةٍ ... ونسْجُ سُلَيمٍ كلّ قضّاء ذائِل
أرادا داود فغلطا الى سليمان، ثم حرّفا اسمه فقال أحدهما: سلاّم وقال الآخر سُلَيم، كما قال الآخر: والشيخ عثمان بن عف أراد ابن عفان. وقال الآخر:
ومحوَرٍ أُخلِص من ماء اليَلَبْ
جعل اليَلَب حديداً وإنما هي سُيور؛ كما قال غيره:
لم تدْرِ ما نسجُ اليرَنْدَج قبْلَها
فإنه ظن أن اليرندج نسج، وإنما اليرَندَج جلود. وقول الآخر:
стр. 15
برّيّة لم تأكل المرَقّقا ... ولم تذُقْ من البُقول الفُستُقا
فجعل الفُستُق بقْلاً.
وأشبه ذلك مما يكثر تعقبه، ولم نذكر إلا اليسيرَ منه فيما نريده - شككتَ في أن نفْعَ هذا الحكم عام، وجدْواه شامل، وأن المتقدم يضْرب فيه بسهم المتأخر، والجاهليّ يأخذ منه ما يأخذ الإسلامي، وأنه قول لا حظّ له في العصبية، ولا نسبَ بينه وبين التحامل.
وليس يجب إذا رأيتني أمدح محدَثاً أو أذكر محاسن حضَريّ أن تظن بي الانحرافَ عن متقدم، أو تنسُبني الى الغضّ من بدوي؛ بل يجب أن تنظر مغْزاي فيه، وأن تكشف عن مقصدي منه، ثم تحكم عليّ حكم المنصف المتثبت، وتقضي قضاء المُقسِط المتوقّف.
الشعر
أنا أقول - أيدك الله - إن الشعر علمٌ من علوم العرب يشترك فيه الطبعُ والرّواية والذكاء، ثم تكون الدُّرْبَة مادةً له، وقوة لكل واحد من أسبابه؛ فمن اجتمعت له هذه الخصال فهو المحسن المبرِّز؛ وبقدر نصيبه منها تكون مرتبته من الإحسان، ولست أفضّل في هذه القضية بين القديم والمحدث، والجاهلي والمُخضرِم، والأعرابي والمولَّد؛ إلا أنني أرى حاجة المحْدَث الى الرواية أمَسّ، وأجده الى كثرة
стр. 16
الحفظ أفقر؛ فإذا استكشفْت عن هذه الحالة وحدت سببها والعلة فيها أن المطبوع الذكي لا يمكنه تناولُ ألفاظ العرب، إلا رِواية؛ ولا طريقَ للرواية إلا السمع؛ وملاكُ الرواية الحفظ، وقد كانت العرب تروي وتحفظ، ويُعرف بعضها برواية شعرِ بعض؛ كما قيل: إن زهيراً كان راوية أوْس، وإن الحُطيْئَة راوية زهير، وإن أبا ذؤيب راوية ساعدة بن جؤيّة؛ فبلغ هؤلاء في الشعر حيثُ تراهم، وكان عبيد راوية الأعشى ولم تُسمَع له كلمة تامة، كما لم يسمع لحسين راوية جرير، ومحمد بن سهل راوية الكميت، والسائب راوية كثيّر؛ غير أنها كانت بالطبع أشدّ ثقة وإليه أكثر استئناساً؛ وأنت تعلم أن العرب مشتركة في اللغة واللسان، وأنها سواء في المنطق والعبارة، وإنما تَفضُل القبيلةُ أختها بشيء من الفصاحة. ثم تجد الرجل منها شاعراً مُفْلقاً، وابنَ عمه وجار جَنابه ولصيقَ طُنُبه بكيئاً مفحَماً؛ وتجد فيها الشاعرَ أشعرَ من الشاعر، والخطيبَ أبلغَ من الخطيب؛ فهل ذلك إلا من جهة الطبع والذكاء وحدّة القريحة والفِطنة!
وهذه أمور عامة في جنس البشر لا تخصيص لها بالأعْصار، ولا يتّصف بها دهر دون دهر. فإن قلت: فما بالُ المتقدمين خُصّوا بمتانة الكلام وجزالة المنطق وفخامة الشعر، حتى إن أعْلَمَنا باللغة وأكثرَنا رِواية للغريب لو حفظ كلّ ما ضمّت الدواوينُ المرويّة، والكتبُ المصنفة من شعر فحْل، وخبر فصيح، ولفظ رائع - ونحن نعلم أن معظم هذه اللغة مضبوط مرويّ، وجلّ الغريب محفوظ منقول - ثم أعانه الله بأصحّ طبع وأثقب ذهن وأنفذ قريحة، ثم حاول أن يقول قصيدة، أو يقرضَ بيتاً يُقارب شعر امرئ القيس وزهير، في فخامته وقوة أسْره، وصلابة معجَمه لوجده أبعد من العيّوق مُتناولاً، وأصعبَ من الكبريت الأحمر مطلباً؟ قلت: أحلتُك
стр. 17
على ما قالت العلماء في حمّاد وخلَف وابن دأْب وأضرابِهم، ممن نحلَ القدماء شعرَه فاندمج في أثناء شعرهم، وغلب في أضعافه، وصعُب على أهل العناية إفرادُه وتعسّر، مع شدة الصعوبة حتى تكلّف فلْي الدواوين واستقراءُ القصائد فنُفِي منها ما لعلّه أمتن وأفخم، وأجمع لوجوه الجوْدة وأسباب الاختيار مما أثبت وقُبِل. وهؤلاء مُحدثون حضريّون، وفي العصر الذي فسد فيه اللسان، واختلطت اللغة وحُظِر الاحتجاجُ بالشعر، وانقضى مَنْ جعله الرواة ساقة الشعراء.
فإن قلت: فما بالُ هذا النّمط والطريقة، وهذه المنقَبة والفضيلة ينفردُ بها الواحد في العصر وهو مشحون بالشعر، وكان فيما مضى يشمل الدّهْماء ويعم الكافة؟ قلت لك: كانت العرب ومَنْ تبعها من السلَف تجري على عادةٍ في تفخيم اللفظ وجمال المنطق لم تألفْ غيرَه، ولا أنِسها سواه، وكان الشعرُ أحدَ أقسام منطقها، ومن حقّه أن يُختص بفضل تهذيب، ويُفرَد بزيادة عناية، فإذا اجتمعت تلك العادة والطبيعة، وانضاف إليها التعمّل والصنعة خرج كما تراه فخماً جزْلاً قوياً متيناً.
وقد كان القومُ يختلفون في ذلك، وتتباينُ فيه أحوالهم، فيرقّ شعرُ أحدهم، ويصلُب شعرُ الآخر، ويسهل لفظُ أحدهم، ويتوعّر منطقُ غيره؛ وإنما ذلك بحسَبِ
стр. 18
اختلاف الطبائع، وتركيب الخلْق؛ فإن سلامةَ اللفظ تتبعُ سلامة الطبع، ودماثة الكلام بقدر دماثة الخِلقة. وأنت تجدُ ذلك ظاهراً في أهل عصرك وأبناء زمانك، وترى الجافي الجِلْف منهم كزّ الألفاظ، معقّد الكلام، وعْر الخطاب؛ حتى إنك ربما وجدتَ ألفاظه في صوته ونغمته، وفي جرْسه ولهجته. ومن شأن البداوة أن تُحْدث بعض ذلك؛ ولأجله قال النبي ﷺ : مَنْ بَدا جَفا. ولذلك تجد شعر عَديّ - وهو جاهلي - أسلسَ من شعر الفرزدق ورجَز رؤبة وهما آهلان؛ لملازمة عديّ الحاضرة وإيطانه الريف، وبُعده عن جلافة البدْو وجفاء الأعراب، وترى رقةَ الشعر أكثرَ ما تأتيك من قِبَل العاشق المتيّم، والغزِل المتهالك؛ فإن اتفقت لك الدماثةُ والصّبابة، وانضاف الطبعُ الى الغزل؛ فقد جُمِعت لك الرقةُ من أطرافها.
فلما ضرب الإسلام بجِرانه، واتسعت ممالك العرب، وكثُرت الحواضر، ونزعت البوادي الى القرى، وفشا التأدّب والتظرّف اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأمهَله، وعمَدوا الى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعاً، وألطفها من القلب موقِعاً؛ والى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها؛ كما رأيتهم يختصرون ألفاظ الطويل؛ فإنهم وجدوا للعرب فيه نحواً من ستين لفظة؛ أكثرها بشِع شنع؛ كالعشنّط والعنَطْنَط والعشنّق، والجسْرَب والشّوْقَب والسّلْهب والشّوْذب، والطّاط والطّوط، والقاق والقوق، فنبذوا جميع ذلك وتركوه، واكتَفوا بالطويل لخفّته على اللّسان، وقلة نبُوّ السمع عنه. وتجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة، وأعلنهم على ذلك لينُ الحضارة وسهولةُ طباع الأخلاق، فانتقلت العادة، وتغير
стр. 19
الرّسم، وانتسخت هذه السنة، واحتذَوا بشعرهم هذا المثال، وترقّقوا ما أمكن، وكسَوا معانيَهم ألطفَ ما سنح من الألفاظ، فصارت إذا قيسَت بذلك الكلام الأول يتبيّن فيها اللين، فيُظَنّ ضعفاً، فإذ أُفرِد عاد ذلك اللّين صفاءً ورونقاً، وصار ما تخيلته ضعفاً رشاقة ولُطفاً؛ فإن رام أحدُهم الإغراب والاقتداءَ بمَن مضى من القدماء لم يتمكن من بعض ما يرومه إلا بأشدّ تكلّف، وأتم تضنع؛ ومع التكلف المقْت، وللنفس عن التصنّع نُفْرة، وفي مفارقة الطبع قلةُ الحلاوة وذهاب الرونق، وإخلاقُ الديباجة.
وربما كان ذلك سبباً لطَمْس المحاسن؛ كالذي نجده كثيراً في شعر أبي تمام، فإنه حاول من بين المحدَثين الاقتداءَ بالأوائل في كثير من ألفاظه، فحصل منه على توعير اللفظ، فقبح في غير موضع من شعره، فقال:
فكأنّما هي في السّماع جنادِلٌ ... وكأنّما هي في القلوب كَواكبُ
فتعسّف ما أمكن، وتغلغل في التصعّب كيف قدر، ثم لم يرضَ بذلك حتى أضاف إليه طلَب البديع، فتحمّله من كل وجْه، وتوصّل إليه بكل سبب، ولم يرض بهاتين الخَلتين حتى اجتلب المعاني الغامضة، وقصد الأغراض الخفيّة، فاحتمل فيها كل غثٍّ ثقيل، وأرْصد لها الأفكار بكل سبيل؛ فصار هذا الجنسُ من شعره إذا قرع السمعَ لم يصل الى القلب إلا بعد إتعاب الفِكْر، وكدّ الخاطر، والحَمْل على القريحة؛ فإن ظفر به فذلك من بعد العناء والمشقة، وحين حسَره الإعياء، وأوْهن قوّتَه الكَلال. وتلك حالٌ لا تهَشّ فيها النفس للاستماع بحسَن، أو الالتذاذُ بمُستظرف؛ وهذه جريرةُ التكلف! ولست أقول هذا غضّاً من أبي تمام، ولا تهْجيناً لشعره، ولا عصبيّة عليه لغيره. فكيف وأنا أدينُ بتفضيله وتقديمه، وأنتحلُ موالاتَه وتعظيمه، وأراه قِبْلة
стр. 20
أصحاب المعاني، وقُدْوة أهلِ البديع! لكن ما سمعتني أشترطُه في صدْر هذه الرسالة أنه يُحْظر إلا إتباع الحق وتحرّي العدل والحكم به لي أو عليّ. وما عدوْت في هذا الفصل قضية أبي تمام، ولا خرجت عن شرطه أن يقول في يوصف السراج شاعر مصر في وقته:
فلو تُبش المقابر عن زهير ... لعوّل بالبكاء وبالنّحيب
متى كانت مَعانيه عِيالاً ... على تفسير بُقراط الطبيب
وكيف لم يزل للشعر ماءٌ ... يرِفّ عليه ريحانُ القُلوبِ
فخبّرني هل تعرفُ شعراً أحوج الى تفسير بقراط وتأويل أرسطوليس من قوله:
جهميّةُ الأوصاف إلا أنهم ... قد لقّبوها جوْهَرَ الأشياء
وقوله:
يومٌ أفاض جوى أغاضَ تعزِّيا ... خاض الموى بحْرَيْ حجاه المزبِد
وأيّ شعر أقلّ ماء، وأبعد من أن يرِفّ عليه رَيْحان القلوب من قوله:
خشُنْتِ عليه أخت بني الخُشَيْن ... وأنجح فيك قول العاذِلَيْنِ
ألمْ يُقْنعك فيه الهجرُ حتى ... بكَلْت لقلبه هجرا ببَيْن
стр. 21
فهل رأيت أغثّ من بكلت في بيت نسيب! ومن قوله:
أأطلالَ الرسوم لطالَما قد ... أطلّت منك أجيادُ الظباء
بها شُغِلت دبابيج البهاء ... فضحوَة وجهها نشر الضَّحاء
لنا أيام لم تُدْمِ الليالي ... بذكر البَيْن عِرنينَ الصفاء
فأضحى البينُ لا يرضَى لطَرْفي ... نواه بالبكيِّ من البكاء
لقد طلع الفراقُ على ابن صبْري ... فأثكَله جلابيبَ العَزاء
فالعجب كل العجب من خاطرٍ قدح بمثل قوله:
أأيامَنا ما كُنتِ إلا مَواهبا ... وكنتِ بإسعاف الحبيبِ حَبائبا
سنُغرِب تجديداً لعهْدِك في البُكا ... فما كنتِ في الأيام إلا غرائبا
ومعتَركٍ للشوق أهدي به الهوى ... الى ذي الهوى نُجْلَ العيون ربائبا
كواعب زارت في ليالٍ قصيرة ... يخيّلْن لي من حُسْنِهنّ كَواعبا
سلَبْن غِطاء الحُسْن عن حُرِّ أوْجُهٍ ... تظل للُبِّ السّالِبيها سوالبا
وجوهٌ لو أن الأرض فيها كواكب ... توقّدُ للساري لكانت كواكِبا
وقوله:
ولقد أراكَ فهل أراكَ بغبطة ... والعيشُ غضٌّ والزمانُ غلامُ
أعوام وصْلٍ كان يُنسي طولَها ... ذكرُ النوى، فكأنها أيامُ
ثم انبرت أيامُ هجْرٍ أردفَتْ ... بجَوى أسى، وكأنها أعوامُ
стр. 22
ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحْلامُ
كيف يتصور فيه ذلك الكلام الغثّ! وأعجب من ذلك شاعر يرى هذه الغُرَر في ديوانه كيف يرضى أن يقرن إليها تلك الغُرَر! وما عليه لو حذف نصف شعره، فقطع ألسنَ العيب عنه، ولم يشْرَعْ للعدوّ باباً في ذمّه!
ومن جنايات هذا الاختيار على أبي تمام وأتباعِه أن أحدَهُم بينا هو مسترسِل في طريقته، وجارٍ على عادته يختلِجه الطّبع الحَضري، فيعدل به متسهلاً، ويرمي بالبيت الخَنث، فإذا أُنشد في خِلال القصيدة، وُجِد قلقاً بينها نافراً عنها؛ وإذا أُضيف الى ما وراءه وأمامه تضاعفت سُهولته، فصارت رَكاكة. وربما افتتح الكلمة وهو يجري مع طبْعه، فينظم أحسن عِقْد، ويختال في مثل الروضة الأنيقة، حتى تعارضه تلك العادةُ السيئة فيتسنّم أوْعرَ طريق، ويتعسّف أخشن مرْكب، فيطمس تلك المحاسن، ويمحو طُلاوة ما قد قدّم؛ كما فعل أبو تمام في كثير من شعره؛ ومنه قوله:
لو حار مرتادُ المنية لم يجد ... إلا الفراقَ على النفوس دليلا
قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنها ... نفسي من الدنيا تريدُ رَحيلا
الصبر أجملُ غير أنّ تلذذاً ... في الحب أحرى أن يكون جَميلا
أتظنني أجد السّبيل الى العَزا ... وجد الحِمام إذاً إليّ سبيلا
ردّ الجَموحِ الصّعبِ أسهلُ مُطلبا ... ؤمن ردّ دمْعٍ قد أصابَ مَسيلا
ذكرتكُم الأنواء ذِكْرى بعضكم ... فبكت عليكم بُكْرةً وأصيلا
إني تأملت النوى فوجدتها ... سيفاً على أهل الهوَى مسلولا
стр. 23
ثم عدل عن النسيب فقال:
لو جاز سلطان القُنوع وحُكْمه ... في الخلق ما كان القليلُ قليلا
من كان مَرْعى عزمِه وهمومه ... روضَ الأماني لم يزَل مهزولا
فهو كما تراه يعرض عليك هذا الديباج الخُسْرُواني، والوشي المنمنم، حتى يقول:
لله درُّك أيُّ مِعْبر قَفْرَةٍ ... لا يوحشُ ابنَ البيضة الإجْفيلا
أو ما تراها لا تراها هزة ... تشْأى العيون تعجرُفاً وذَميلا
فنغّص عليك تلك اللذة، وأحدث في نشاطك فترة؛ وهذه الطريقة أحد ما نُعِي على أبي الطيّب، وسنقول فيها وفي غيرها إذا استوفينا هذه المقدمة. ولو لم تكن هذه الأبيات متناسقة مقترنة، ولم يكن يجمعها قصيدة، وتسمع في حال واحدة لكان أخفى لعَيبِها، وأسترَ لشيْنها؛ فإنك تعلم بُعد ما بين قوله:
كادت لعِرْفان النوى ألفاظها ... من رِقّةِ الشكوى تكونُ دُموعا
وقوله:
هنّ البجاريُّ يا بُجَيْرُ ... أهدى لها الأبؤس الغُوير
وقوله:
أهيسٌ أليسٌ لجّاء إلى هِممٍ ... تغرق الأسد في آذيّها اللِّيسا
لكنها افترقت فغابت، ولم تقترن فتُعرَف وتُشْهَر.
ومتى سمعتَني أختارُ للمحدَث هذا الاختيار، وأبعثَهُ على الطبع، وأُحسِّن له
стр. 24
التسهيل؛ فلا تظنن أني أريدُ بالسّمْح السّهل الضعيفَ الركيك، ولا باللطيف الرشيق الخنِثَ المؤنث؛ بل أريد النّمَط الأوسط؛ ما ارتفع عن الساقط السّوقيّ، وانحط عن البدويّ الوحشي، وما جاوز سَفْسَفة نصْر ونُظرائه، ولم يبلغ تعجرُف هِمْيان بن قُحافة وأضرابه؛ نعم، ولا آمرُك بإجراء أنواع الشعر كلّه مُجرى واحداً، ولا أن تذهب بجميعه مذهبَ بعضِه؛ بل أرى لك أن تقسّم الألفاظ على رتَب المعاني، فلا يكون غزلك كافتخارك، ولا مديحُك كوعيدك، ولا هجاؤك كاستبطائك؛ ولا هزْلك بمنزلة جِدِّك، ولا تعريضُك مثل تصريحك؛ بل ترتّب كلاً مرتبتَه وتوفّيه حقّه، فتلطِّف إذا تغزّلت، وتُفخِّم إذا افتخرت، وتتصرّف للمديح تصرُّف مواقعه؛ فإن المدح بالشجاعة والبأس يتميّز عن المدح باللباقة والظّرف، ووصف الحرب والسلاح ليس كوصف المجلس والمُدام؛ فلكل واحد من الأمرين نهْج هو أمْلك به، وطريق لا يشاركه الآخر فيه.
وليس ما رسمتهُ لك في هذا الباب بمقصور على الشعر دون الكتابة، ولا بمختصّ بالنظم دون النثر؛ بل يجب أن يكون كتابك في الفتح أو الوعيد خلافَ كتابك في التشوق والتهنئة واقتضاء المواصلة، وخطابك إذا حذّرت وزجرت أفخم منه إذا وعدت ومنّيت.
فأما الهجو فأبلغُه ما جرى مجْرى الهزل والتهافت، وما اعترض بين التصريح والتعريض، وما قرُبت معانيه وسهُل حفظه؛ وأسرع عُلوقُه بالقلب ولُصوقه بالنفس؛ فأما القذْف والإفحاش فسِباب محض، وليس للشاعر فيه إلا إقامة الوزن وتصحيح النظم.
وإذا أردتَ أن تعرف موقعَ اللفظ الرشيق من القلب، وعِظَم غَنائه في تحسين
стр. 25
الشعر، فتصفّح شعر جرير وذي الرّمة في القدماء، والبحتري في المتأخرين، وتتبّع نسيب متيّمي العرب، ومتغزّلي أهلِ الحجاز؛ كعُمر، وكُثيّر، وجميل، ونُصَيب، وأضرابهم، وقسْهم بمَن هو أجود منهم شعراً، وأفصح لفظاً وسبكاً؛ ثم انظر واحكم وأنْصف، ودعْني من قولك: هل زاد على كذا! وهل قال إلا ما قاله فلان! فإن روعة اللفظ تسبق بك الى الحكم، وإنما تفضي الى المعنى عند التفتيش والكشف. ومِلاكُ الأمر في هذا الباب خاصة تركُ التكلّف ورفضُ التعمّل والاسترسالُ للطبع، وتجنّب الحمْل عليه والعنف به؛ ولستُ أعني بهذا كلّ طبْع، بل المهذّب الذي قد صقله الأدب، وشحذَتْه الرّواية، وجلَتْه الفِطنة، وأُلْهِمَ الفصل بين الرديء والجيد، وتصوّرَ أمثلة الحسن والقبح.
السهل الممتنع من شعر البحتري
ومتى أردت أن تعرف ذلك عِياناً، وتستثبته مُواجهة، فتعرفَ فرق ما بين المصنوع والمطبوع، وفضْل ما بين السمْح المنقاد والعَصيّ المستكرَه فاعمِد الى شعر البحتري، ودعْ ما يصدر به الاختيار، ويُعَدّ في أول مراتب الجودة، ويتبيّن فيه أثرُ الاحتفال، وعليك بما قاله عن عفْو خاطره، وأوّل فكرته، كقوله:
أُلامُ على هواكِ وليس عدلاً ... إذا أحببْتُ مثلكِ أنْ أُلاما
أَعيدي فيّ نظرةَ مُستَثيبٍ ... توخّى الأجْرَ أو كرِه الأثاما
تَريْ كبِداً محرّقةً وعينا ... مؤرّقة وقلباً مستهاما
تناءت دارُ عَلْوة بعد قُرْبٍ ... فهل ركْبٌ يبلِّغُها السّلاما
وجدّد طيفُها عتْباً علينا ... فما يعْتادُنا إلا لِماما
стр. 26
ورُبَّتَ ليلة قد بتّ أُسْقَى ... بعينيْها وكفّيْها المُداما
قطعنا الليل لثْماً واعتناقا ... وأفنيناه ضمّاً والتزاما
وقوله:
أُصْفيك أقصى الود غير مقلّلٍ ... إن كان أقْصى الود عندك ينْفَعُ
وأراك أحسَنَ مَنْ أراه وإن بَدا ... منك الصّدودُ وبانَ وصلُك أجمَع
يعتادني طرَبي إليك فيغْتلي ... وجْدي ويدعوني هواك فأتبع
كلِفاً بحبّك مولَعاًويسرّنيأني امرؤ كلِفٌ بحبّك مولَعُ
وقوله:
ردّي على المُشتاق بعضَ رُقاده ... أو فاشْركيه في اتّصال سُهادِه
أسهَرْتِه حتى هجَر الكرى ... خلّيتِ عنه ونمْت عن إسعادِه
وقسا فؤادُكِ أن يَلينَ للوْعَةٍ ... باتتْ تقلقل في صميم فؤاده
ولقد عززْتِ فهان طوعاً للهوى ... وجنبْته فرأيت ذُلَّ قِياده
مَنْ مُنصِفي من ظالم ملّكْتُه ... ودّي ولم أملك عسيرَ وِداده
ما كنت أعرف غيرَ سالفِ وُدِّه ... فبُليتُ بعد صدوده ببِعاده
وقوله:
أجدّك ما ينفكّ يسري لزينبا ... خيال إذا آب الظلام تأوّبا
سرى من أعالي الشام يجلبُه الكَرى ... هبوب نسيم الروض تجلبه الصّبا
وما زارني إلا ولِهْتُ صَبابةً ... إليه وإلا قلت: أهلاً ومرْحبا
وليلتنا بالجَزْع بات مساعفاً ... يريني أناة الخطْو ناعمة الصِّبا
أضرّت بضوء البدر، والبدرُ طالع ... وقامت مقام البدر لما تغيّبا
стр. 27
ولو كان حقاً ما أتاه لأطفأت ... غليلاً ولافْتكّتْ أسيراً مُعذّبا
علمْتُك إن منيّتِ منيّتِ موعِداً ... جَهاماً وإن أبْرَقْتِ أبرقتِ خُلَّبا
وكنت أرى أن الصّدود الذي مضى ... دلالاً فما إن كان إلا تجنُّبا
فوا أسفي حتّام أسألُ مانعاً ... وآمَنُ خوّاناً وأعتِبُ مُذْنبا
سأثني فؤادي عنك أو أتبع الهوى ... إليك إن استعفى فؤادي أو أبى
ثم انظر: هل تجدُ معنى مبتذلاً ولفظاً مشتهراً مستعملاً! وهل ترى صنعة وإبداعاً، أو تدقيقاً أو إغراباً! ثم تأمّل كيف تجد نفسك عند إنشاده، وتفقّدْ ما يتداخُلك من الارتياح، ويستخفّك من الطرف إذا سمعته، وتذكّر صَبْوةً إن كانت لك تراها ممثّلة لضميرك، ومصوّرة تلقاء ناظرك.
فإن قلت: هذا نسيب والنفس تهَشُّ له، والقلب يعْلَق به، والهوى يُسرع إليه، فأنشِد له في المديح قوله:
بلوْنا ضرائب مَنْ قد نرى ... فما إنْ وجدنا لفَتْحٍ ضَريبا
هو المرءُ أبدت له الحادثا ... تُ عزْماً وشيكا ورأياً صليبا
تنقّل في خُلُقي سودَدٍ ... سماحاً مرجّى وبأساً مَهيبا
فكالسّيف إنْ جئته صارخاً ... وكالبحر إن جئته مستثيبا
فتى كرّم الله أخْلاقه ... وألبَسَه الحمد بُرْداً فشيبا
وأعطاه من كل خبر يُعدّ ... حظّاً ومن كل مجد نصيبا
فديناك من أيّ خطب عرا ... ونائبةٍ أوشكت أن تَنوبا
стр. 28
ثم خرج الى الاستعطاف وأخذ في العتاب:
وإن كان رأيُك قد حال فيّ ... فألبستَني بعد بِشرٍ قُطوبا
وخيّبت أسبابي النازعات ... إليك وما حقها أن تخيبا
يريّبني الشيء تأتي به ... وأُكبِرُ قدرك أن أستَريبا
وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألْقى شَعوبا
أُكذِّب ظني بأن قد سخِطْتَ ... وما كنتُ أعهد ظني كذوبا
ولو لم تكن ساخطاً لم أكن ... أذُمّ الزمان وأشكو الخُطوبا
ولابد من لوْمةٍ أنتحي ... عليك بها مُخطئاً أو مُصيبا
أيصبح وِرْديَ في راحتيْ ... كَ رنْقاً ومرْعاي محْلاً جَديبا
أبيع الأحِبةَ بيع السّوام ... وأثني عليهم حبيباً حبيبا
ففي كل يوم لنا موقف ... يُشقِّق فيه الوداعُ الجيوبا
وما كان سخطُك إلا الفراق ... أفاض العيون وأشْجَى القُلوبا
ولو كنت أعرف ذنباً لما ... تخالجني الشكّ في أن أتوبا
سأصْبِرُ حتى ألاقي رِضا ... كَ إما بعيداً وإما قريبا
أراقبُ رأيك حتى يصحّ ... وأنظرُ عطفَك حتى يَثوبا
стр. 29
العذب من شعر جرير
وإنما أحلْتُك على البحتريّ؛ لأنه أقرب بنا عهْداً، ونحن به أشد أُنساً، وكلامه أليق بطباعِنا، وأشبه بعاداتنا؛ وإنما تألَف النّفس ما جانَسها، وتقْبل الأقرب فالأقْرب إليها. فإن شئت أن تعرِف ذلك في شعرِ غيره كما عرفتَه في شعره، وأن تعتبر القديمَ كاعتبارِ المولَّد فأنشد قول جرير:
ألا أيها الوادي الذي ضمّ سيلُه ... إلينا نوى ظَمياءَ حُيّيتَ وادِيا
إذا ما أراد الحيّ أن يتفرّقوا ... وحنّت جِمالُ الحيّ حنّت جِماليا
فيا لَيت أنّ الحيَّ لم يتزيّلوا ... وأمسى جميعاً جيرَةً مُتدانيا
إذِ الحيُّ في دارِ الجميع كأنّما ... يكونُ علينا نصفُ حوْلٍ لَياليا
الى اللهِ أشكو أن بالغوْر حاجةً ... وأخرى إذا أبصرْتُ نجْداً بَدا لِيا
نظرت برَهْبا والظّعائنُ باللّوى ... فطارَت برَهْبا شُعبةٌ من فؤادِيا
وما أبصر النّارَ التي وضحَت لنا ... وراءَ جُفافِ الطّيْرِ إلا تماريا
إذا ذُكِرتْ ليْلى أُتيحَ لي الهوى ... على ما تَرى من هِجرَتي واجتِنابيا
حليليّ لولا أن تظنّا بيَ الهَوى ... لقُلْتُ سمِعْنا من عُقَيلةَ داعِيا
قِفا فاسمَعا صوتَ المُنادي لعلّه ... قريبٌ وما دانيتُ بالوُدِّ دانِيا
ولوْ أنّها شاءَت شفَتْني بهيِّن ... وإنْ كان قد أعْيا الطّبيبَ المُداوِيا
стр. 30
فإنكِ إن تعطي قليلاً فطالَما ... منعتِ وحلأْتِ القُلوبَ الصّواديا
دُنوَّ عِتاقِ الطّيرِ أسمَحْن بعْدما ... شمَسْنَ وولّيْن الخُدودَ العواصِيا
إذا اكتحَلَتْ عيني بعينِك مسّني ... بخير وجلّى غَمرَةً عنْ فُؤاديا
ويأمُرني العُذّال أنْ أغلِبِ الهَوى ... وأن أكتُمَ الوجْد الذي ليس خافيا
فيا حسَراتِ القلْبِ في إثْر مَن يُرى ... قريباً وتلْقى خيرَهُ منكَ نائِيا
تعيّرُني الأخلافَ ليلى وأفضلَتْ ... على وصْلِ ليلى قوّةٌ من حِبالِيا
تخطّى إلينا من بعيدٍ خيالُها ... يخوضُ خُداريّاً من الليلِ داجيا
فحُيّيتَ من سارٍ تكلّف موهِنا ... مَزاراً على ذي حاجةٍ متراخِيا
ثم خرج فقال:
وإنّي لعفُّ الفَقْرِ مشترَك الغِنى ... سريعٌ إذا لم أرضَ داري احتِمالِيا
وإني لأستَحْييكَ والخرْقُ بيننا ... من الأرضِ أن تلْقى أخاً ليَ قالِيا
وقائلةً، والدّمْعُ يغسِلُ كُحلَها ... أبَعدَ جريرٍ تكرِمون المَواليا
فردّي جِمالَ البينِ ثم تحمّلي ... فما لكِ فيهمْ من مُقام ولا لِيا
تعرّضْتُ فاستمرَرتُ من دون حاجتي ... فدونَكَ إنّي مستمرٌّ لِحالِيا
وإني لَمَغرورٌ أعلَّلَ بالمُنى ... لَيالي أرجو أنّ ما لك ما لِيا
فأنت أخي ما لم تكُن لي حاجةٌ ... فإن أعرَضَتْ أيقنت أن لا أخالِيا
بأي نجادٍ تحمِلُ السّيفَ بعدَما ... قطعْتَ القُوى من محمَلٍ كان باقِيا
стр. 31
بأي سِنانٍ تطعَنُ القَرمَ بعْدَما ... نزَعْت سِناناً من قناتِك ماضِيا
ألمْ أكُ ناراً يصْطَليها عدوُّكم ... وحِرْزاً لما ألجأتُمُ من ورائِيا
وباسِطَ خيرٍ فيكُمُ بيمينِه ... وقابِضَ شرٍّ عنكُمُ بشِمالِيا
إذا سرّكُم أن تمسَحوا وجْهَ سابقٍ ... جَوادٍ فمُدّوا وابسُطوا منْ عِنانيا
أنا ابنُ صريحَي خِندِف غيرَ دِعوةٍ ... يكون مكان السّيف منها مكانيا
وليس لسَيفي في العِظام بقيّة ... وللسّيفُ أشوى وقعةً من لِسانيا
ألا لا تَخافا نَبوةً في مُلمّةٍ ... وخافا المنايا أن تَفوتَكما بِيا
وإنما أثبتّ لك القصيدة بكمالها، ونسختُها على هيئتها، لترى تناسبَ أبياتها وازدواجَها، واسواءَ أطرافها واشتباهها، وملاءمةَ بعضها لبعض، مع كثرة التصرف على اختلاف المعاني والأغراض.
الحشو في الشعر
وقد علمت أن الشعراء قد تداولوا ذكر عيون الجآذر ونواظر الغزلان؛ حتى إنك لا تكاد تجد قصيدة ذات نسيب تخلو منه إلا في النادر الفذّ؛ ومتى جمعت ذلك ثم قرنت إليه قول امرئ القيس:
تصُدّ وتُبدي عن أسيلٍ وتتّقي ... بناظِرةٍ من وحْش وَجْرة مُطفِلِ
أو قابلته بقول عديّ بن الرِّقاع:
وكأنّه بين النساءِ أعارَها ... عينيهِ أحْوَرُ من جآذرِ جاسِمِ
стр. 32
رأيت إسراع القلب الى هذين البيتين، وتبيّنت قربهما منه؛ والمعنى واحد، وكلاهما خالٍ من الصنعة، بعيدٌ عن البديع؛ إلا ما حسُن به من الاستعارة اللطيفة، التي كسته هذه البهجة. هذا وقد تخلل كلّ واحد منهما من حشو الكلام ما لو حُذف لاستغني عنه وما لا فائدة في ذكره؛ لأن امرأ القيس قال: من وَحْش وَجرة، وعديّاً قال: من جآذر جاسم، ولم يذكُرا هذين الموضعين إلا استعانة بهما في إتمام النظم، وإقامة الوزن، ولا تلتفتنّ الى ما يقوله المعنويون في وجْرة وجاسم، فإنما يطْلُب به بعضهم الإغرابَ على بعض؛ وقد رأيتُ ظِباءَ جاسم فلم أرها إلا كغيرها من الظباء. وسألت من لا أُحصي من الأعراب عن وحش وجْرة فلم يرَوا لها فضلاً على وحش ضريّة وغزلان بُسَيطة، وقد يختلف خلْق الظِباء وألوانها باختلاف المنشأ والمرتع؛ وأما العيون فقلّ أن تختلف لذلك؛ وأما ما تمم به عدي الوصف، وأضافه الى المعنى المبتذَل بقوله على إثر هذا البيت:
وسْنان أيقَظهُ النُعاسُ فرنّقتْ ... في عينِه سنَةٌ وليسَ بنائِمِ
فقد زاد به على كلّ منْ تقدم، وسبق بفضله جميعَ من تأخر، ولو قلت: اقتطعَ هذا المعنى فصار له، وحظَر على الشعراء ادّعاء الشرك فيه لم أرني بعُدت عن الحق، ولا جانبْتُ الصدق. وقد تغزل أبو تمام فقال:
دعْني وشُربَ الهوى يا شارب الكاسِ ... فإنني للذي حسيته حاسي
لا يوحِشنّك ما استعجمتَ من سَقمي ... فإنّ منزلَه من أحسن الناس
من قطْع ألفاظِه توصيلُ مَهلكَتي ... ووصْل ألْحاظه تقطيعُ أنفاسي
متى أعيش بتأميلِ الرّجاء إذا ... ما كان قطعُ رجائي في يديْ ياسي
стр. 33
فلم يخْل بيت منها من معنى بديع وصنعة لطيفة؛ طابق وجانس، واستعار فأحسن، وهي معدودة في المختار من غزَله. وحقّ لها؛ فقد جمعت على قصرِها فنوناً من الحُسن، وأصنافاً من البديع، ثم فيها من الإحكام والمتانة والقوة ما تراه؛ ولكنّني ما أظنك تجدُ له من سَورة الطرب، وارتياحِ النفس ما تجده لقول بعض الأعراب:
أقول لصاحبي والعيسُ تهوي ... بنا بين المُنيفة فالضِّمار
تمتّعْ من شَميم عَرارٍ نجْدٍ ... فما بعْد العشيّة من عَرارِ
ألا يا حبّذا نفَحاتُ نجْدٍ ... وريّا روضهِ غِبَّ القِطارِ
وعيشك إذ يحُلّ القوم نجْداً ... وأنتَ على زمانِك غيرُ زارِ
شُهورٌ ينقضين وما شعرْنا ... بأنْصافٍ لهنّ ولا سِرارِ
فأما ليلُهنّ فخيرُ ليلٍ ... وأقصر ما يكون من النهار
فهو كما تراه بعيد عن الصنعة، فارغ الألفاظ، سهل المأخذ، قريب التناول.
وكانت العرب إنما تُفاضل بين الشعراء في الجودة والحسن بشرف المعنى وصحّته، وجزالة اللفظ واستقامته، وتسلّم السّبْق فيه لمَنْ وصف فأصاب، وشبّه فقارب، وبدَهَ فأغزَر، ولمَن كثرت سوائر أمثاله وشوارد أبياته؛ ولم تكن تعبأ بالتجنيس
стр. 34
والمطابقة، ولا تحفِل بالإبداع والاستعارة إذا حصل لها عمود الشعر، ونظام القريض.
وقد كان يقع ذلك في خلال قصائدها، ويتّفق لها في البيت بعد البيت على غير تعمد وقصْد، فلما أفْضى الشعر الى المحْدَثين، ورأوْا مواقعَ تلك الأبيات من الغرابة والحسن، وتميّزَها عن أخواتها في الرشاقة واللطف، تكلّفوا الاحتذاء عليها فسمّوْه البَديع؛ فمن محسن ومسيء، ومحمود ومذموم، ومقتصد ومُفرط.
فإذا جاءتك الاستعارة كقول زهير:
وعُرّيَ أفراس الصِّبا ورواحله
وقول لبيد:
إذ أصبحتْ بيد الشَّمال زِمامها
وقول ابن الطّثريّة:
стр. 35
أخذنا بأطرافِ الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطِحُ
وقول الحارث بن حِلِّزة:
حتى إذا الْتَفَع الظِّباءُ بأطْ ... رافِ الظِّلال وقِلْنَ في الكُنُسِ
وقول أبي نُواس:
أعطتك ريحانها العُقار
وقوله:
بصحن خدٍّ لم يغِضْ ماؤه ... ولم تخضه أعْينُ الناس
وقوله:
جريْت مع الصِّبا طلْق الجُموح ... وهان عليّ مأثور القبيح
وقوله:
مباحة ساحة القلوبِ له ... يرتع فيها أطايب الثمر
وقوله:
وإذا بَدا اقْتادَتْ محاسنهُ ... قسْراً إليه أعنّةَ الحدَقِ
وقوله يصف الكأس:
بنينا على كِسرى سماءَ مُدامة ... مكلّلة حافاتُها بنجومِ
وقول مسلم:
ولما تلاقينا قضى الليلُ نحبَهُ
стр. 36
وقوله:
ظلمتُك إن لم أجزِل الشكر إنّما ... جعلتَ الى شكري نوالَك سُلَّما
فانظر كم بين استعارته السُّلّم، واستعارة أبي تمام له في قوله:
ما ضرّ أروعَ يرتَقي في همة ... روعاء أن لا يرتقي في سُلّم
وأول من علمناه افتتح هذه اللفظة الحُصين بن الحُمام المُرِّي في قوله:
فلستُ بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلّما
وهذا قريب من الحقيقة، وإن كان فيه شُعبة من ضرب المثل.
وقول أبي تمام:
أدنَت نقاباً على الخدّين وانتقبَتْ ... للناظرين بقدٍّ ليس ينتقبُ
وقوله:
وقد علّم الأفشَين وهو الذي به ... يُصانُ رداء الملك عن كل جاذب
وقوله:
رقّت حواشي الدهر فهي تمرْمَرُ ... وغدا الثّرى في حَلْيه يتكسّرُ
على أن لفظة يتكسر حضَريّة مولدة.
стр. 37
وقوله:
وكم سرق الدُجى من حُسنِ صبر ... وغطى من جِلادِ فتى جليد
وقوله:
ويضحكُ الدهر منهم عن غطارِفَةٍ ... كأنّ أيامَهم من حُسنِها جُمعُ
وقول البحتري:
يذكِّرنا ريّا الأحبّة كلّما ... تنفّس في هم في جنحٍ من الليل باردِ
وقوله يصف الخيال:
إذا نزعَتْه من يديّ انتباهةٌ ... عددت حبيباً راح مني أو غَدا
وقوله:
وإذا دجَتْ أقلامُه ثم انتحَتْ ... برَقت مصابيح الدجى في كُتْبِه
وقوله:
وكُنتُ إذا استبطأْتُ ودّك زُرْتُه ... بتفويف شِعْرٍ كالرِّداء المُحبَّر
وقول ابن المعتز:
أقول ودمع العين تسرقه يدي ... حذار لدمع الشامت المتودّد
وقوله:
ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيل لهم ... حتى توقّد في ذيل الدُجى الشّفقُ
стр. 38
وقوله:
لو ترانا إذا انتبهنا قعوداً ... نستشف القرى عن الأحلام
وقوله:
ما زال يلطِم خدّ الأرض وابلُها ... حتى وقَتْ خدّها الغُدْرانُ والخضرُ
وشتان ما بين هذا اللطم ولطْم أبي تمام في قوله:
ملْطومة بالورد أطلق دونه ... في الخَلْق فهو مع المَنون مُحكَّمُ
وإنما نازع أبا نُواس قولَه:
تبكي فتُذْري الدرَّ من نرْجس ... وتلطِم الورْدَ بعُنّابِ
فسبق أبو نواس بفضل التقدم والإحسان، وحصل هو على نقْص السَّرَقِ والتقصير؛ لكنه أحسن في بقية البيت فجبر بعض ذلك النقص.
وقول كُشاجم يصف السحاب:
مُقبلةٌ والخِصْبُ في إقبالها ... والرعدُ يحدو الوُرْقَ من جِمالها
بخطبة أبدع في ارتجالها ... كأنها من ثقل انتقالها
تجلّها الريحُ عن استعجالها ... إلا بما تجذبُ من أذيالها
стр. 39
فحين ضاق الجوّ عن مجالِها ... وراحت الرياحُ من كلالِها
جَنوبُها تشكو الى شَمالها ... دَنت من الأرض على أذْلالها
كأنما تسألُها عن حالِها ... والزّهرُ قد أصغى الى مقالِها
وكاد أن ينهضَ لاستِقبالها ... تسمّحت بالريّ من زُلالها
حتى لقال التُّرب من تهطالها ... إن سجلاً أتى على سجالها
ثم انثنى يُثني على فِعالِها
وقول السري الموصلي:
أقول لحنان العشيّ المغرد ... يهزّ صفيحَ البارقِ المتوقّد
تبسّم عن ري البلاد صَبيبُه ... ولم يبتسم إلا لإنجازِ موْعِد
ويا دَيرَها الشرقيّ لا زال رائح ... يحل عقود المُزْن فيك ومُغْتد
عَليلة أنفاس الرياح كأنّما ... يُعَلّ بماء الورْد نرْجسها النّدي
يشُقّ جيوبَ الورْد في جنباته ... نسيمٌ متى ينظر الى الماء يبرد
فقد جاءك الحسنُ والإحسان، وقد أصبتَ ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ.
стр. 40
فإذا سمعت بقول أبي تمام:
باشرت أسباب الغِنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوكِ طُبولا
وبقوله:
لها بين أبوابِ الملوكِ مَزامرٌ ... من الذكْر لم تنفخ ولا هي تزمرُ
وبقوله:
إذا ما الدّهْر جرّ جرَت أيادي ... يديه فغشّتِ الدُنيا ظلالا
وبقوله:
يا دهر قوِّمْ من أخدَعَيك فقد ... أضجَجْتَ هذا الأنام من خرَقك
وبقوله:
الى ملك في أيكة المجد لم يزَلْ ... على كَبد المعروف من نيله برْد
وبقوله:
كأنني حينَ جرّدْتُ الرّجاء له ... عضب صببتَ به ماءً على الزمنِ
وقول أبي نواس:
يا عمْرو أضحتْ مبيضةً كبدي ... فاصبغْ بياضاً بعصفُر العنبِ
следующие страницы →