← Адаб

Адаб · id 489

الوساطه بين المتنبي وخصومه ونقد شعره

الجرجاني، أبو الحسن

Полный текст (477 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقوله: ظلمتُك إن لم أجزِل الشكر إنّما ... جعلتَ الى شكري نوالَك سُلَّما فانظر كم بين استعارته السُّلّم، واستعارة أبي تمام له في قوله: ما ضرّ أروعَ يرتَقي في همة ... روعاء أن لا يرتقي في سُلّم وأول من علمناه افتتح هذه اللفظة الحُصين بن الحُمام المُرِّي في قوله: فلستُ بمبتاع الحياة بذلة ... ولا مُرتَقٍ من خشيةِ الموت سُلّما وهذا قريب من الحقيقة، وإن كان فيه شُعبة من ضرب المثل. وقول أبي تمام: أدنَت نقاباً على الخدّين وانتقبَتْ ... للناظرين بقدٍّ ليس ينتقبُ وقوله: وقد علّم الأفشَين وهو الذي به ... يُصانُ رداء الملك عن كل جاذب وقوله: رقّت حواشي الدهر فهي تمرْمَرُ ... وغدا الثّرى في حَلْيه يتكسّرُ على أن لفظة يتكسر حضَريّة مولدة.

стр. 37

وقوله: وكم سرق الدُجى من حُسنِ صبر ... وغطى من جِلادِ فتى جليد وقوله: ويضحكُ الدهر منهم عن غطارِفَةٍ ... كأنّ أيامَهم من حُسنِها جُمعُ وقول البحتري: يذكِّرنا ريّا الأحبّة كلّما ... تنفّس في هم في جنحٍ من الليل باردِ وقوله يصف الخيال: إذا نزعَتْه من يديّ انتباهةٌ ... عددت حبيباً راح مني أو غَدا وقوله: وإذا دجَتْ أقلامُه ثم انتحَتْ ... برَقت مصابيح الدجى في كُتْبِه وقوله: وكُنتُ إذا استبطأْتُ ودّك زُرْتُه ... بتفويف شِعْرٍ كالرِّداء المُحبَّر وقول ابن المعتز: أقول ودمع العين تسرقه يدي ... حذار لدمع الشامت المتودّد وقوله: ساروا وقد خضعت شمسُ الأصيل لهم ... حتى توقّد في ذيل الدُجى الشّفقُ

стр. 38

وقوله: لو ترانا إذا انتبهنا قعوداً ... نستشف القرى عن الأحلام وقوله: ما زال يلطِم خدّ الأرض وابلُها ... حتى وقَتْ خدّها الغُدْرانُ والخضرُ وشتان ما بين هذا اللطم ولطْم أبي تمام في قوله: ملْطومة بالورد أطلق دونه ... في الخَلْق فهو مع المَنون مُحكَّمُ وإنما نازع أبا نُواس قولَه: تبكي فتُذْري الدرَّ من نرْجس ... وتلطِم الورْدَ بعُنّابِ فسبق أبو نواس بفضل التقدم والإحسان، وحصل هو على نقْص السَّرَقِ والتقصير؛ لكنه أحسن في بقية البيت فجبر بعض ذلك النقص. وقول كُشاجم يصف السحاب: مُقبلةٌ والخِصْبُ في إقبالها ... والرعدُ يحدو الوُرْقَ من جِمالها بخطبة أبدع في ارتجالها ... كأنها من ثقل انتقالها تجلّها الريحُ عن استعجالها ... إلا بما تجذبُ من أذيالها

стр. 39

فحين ضاق الجوّ عن مجالِها ... وراحت الرياحُ من كلالِها جَنوبُها تشكو الى شَمالها ... دَنت من الأرض على أذْلالها كأنما تسألُها عن حالِها ... والزّهرُ قد أصغى الى مقالِها وكاد أن ينهضَ لاستِقبالها ... تسمّحت بالريّ من زُلالها حتى لقال التُّرب من تهطالها ... إن سجلاً أتى على سجالها ثم انثنى يُثني على فِعالِها وقول السري الموصلي: أقول لحنان العشيّ المغرد ... يهزّ صفيحَ البارقِ المتوقّد تبسّم عن ري البلاد صَبيبُه ... ولم يبتسم إلا لإنجازِ موْعِد ويا دَيرَها الشرقيّ لا زال رائح ... يحل عقود المُزْن فيك ومُغْتد عَليلة أنفاس الرياح كأنّما ... يُعَلّ بماء الورْد نرْجسها النّدي يشُقّ جيوبَ الورْد في جنباته ... نسيمٌ متى ينظر الى الماء يبرد فقد جاءك الحسنُ والإحسان، وقد أصبتَ ما أردت من إحكام الصنعة وعذوبة اللفظ.

стр. 40

فإذا سمعت بقول أبي تمام: باشرت أسباب الغِنى بمدائح ... ضربت بأبواب الملوكِ طُبولا وبقوله: لها بين أبوابِ الملوكِ مَزامرٌ ... من الذكْر لم تنفخ ولا هي تزمرُ وبقوله: إذا ما الدّهْر جرّ جرَت أيادي ... يديه فغشّتِ الدُنيا ظلالا وبقوله: يا دهر قوِّمْ من أخدَعَيك فقد ... أضجَجْتَ هذا الأنام من خرَقك وبقوله: الى ملك في أيكة المجد لم يزَلْ ... على كَبد المعروف من نيله برْد وبقوله: كأنني حينَ جرّدْتُ الرّجاء له ... عضب صببتَ به ماءً على الزمنِ وقول أبي نواس: يا عمْرو أضحتْ مبيضةً كبدي ... فاصبغْ بياضاً بعصفُر العنبِ

стр. 41

فاسدد مسامعك، واستغش ثيابك، وإياك والإصغاء إليه، واحذر الالتفاتَ نحوه؛ فإنه مما يُصدئ القلب ويُعميه، ويطمس البصيرة، ويكدّ القريحة. وربما جاءَ من هذا الباب ما يظنّه الناس استعارةً وهو تشبيه أو مثَل؛ فقد رأيت بعض أهل الأدب ذكر أنواعاً من الاستعارة عدّ فيها قول أبي نواس: والحبُّ ظهْرٌ أنت راكبُه ... فإذا صرفتَ عِنانه انصرفا ولست أرى هذا وما أشبهَه استعارة، وإنما معنى البيت أن الحب مثل ظهْر، أو الحب كظهْر تُديره كيف شئتَ إذا ملكتَ عِنانه؛ فهو إمّا ضرب مثَل أو تشبيه شيء بشيء؛ وإنما الاستعارةُ ما اكتُفِي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها. وملاكُها تقريب الشَّبَه، ومناسبةُ المستعار له للمستعار منه، وامتزاجُ اللفظ بالمعنى؛ حتى لا يوجد بينهما منافرة، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر. فأما التجنيس؛ فقد يكون منه المطلَق، وهو أشهر أوصافه، كقول النابغة: وأقطَعُ الخرْق بالخَرْقاء قد جعلت ... بعد الكَلال تشكّى الأيْنَ والسّأما وقول الشّنْفَرى: فبِتْنا كأن البيت حُجِّرَ فوقنا ... بريحانة ريحَت عِشاء وطُلَّت

стр. 42

وقول رؤبة: أحضرْت أهل حضرموت موتا فجانس في موضعين في بيت رجز. وقول أبي تمام: تطلُّ الطلولُ الدمعَ في كل موقف ... وتمثُل بالصبر الديارُ المواثِلُ فجانس في المصراعين. وقول البحتري: صدَق الغُراب لقد رأيت حمولَهم ... بالأمس تغرب عن جوانب غرّب فجانس بثلاثة ألفاظ. وقد يكون منه التجنيس المستوفى، كقول أبي تمام: ما مات من كرم الزمان فإنّه ... يحيا لدى يحيى بن عبد الله فجانس بيحيا ويحيى، وحروف كل واحد منهما مستوفاة في الآخر؛ وإنما عُدّ في هذا الباب لاختلاف المعنيين؛ لأن أحدَهما فعلٌ والآخر اسم؛ ولو اتفق المعنيان لم يُعدّ تجنيساً، وإنما كان لفظة مكررة، كقول امرئ القيس: فلما دنوت تسدّيتُها ... فثوباً نسيتُ وثوباً أجُرّ

стр. 43

فقد تكرر في البيت ذكرُ الثوب، كما تكرر ذكر يحيى في بيت أبي تمام، إلا أن هذين اتّفق معناهما، واختلف ذانك المعنيان؛ فعُدّ الأول من البديع. ومما أضيفُه الى هذا الباب وخالفني فيه بعضُ أهل الأدب قول الأعشى: إنْ تسُدِ الحوصَ فلم تعدُهم ... وعامِرٌ سادَ بني عامرِ فأقول: إنه قد جانس بعامر وعامر؛ لأن الأول اسم رجل، والآخر اسم قبيلة. وأراه يخالف قولَ الآخر: قتلنا به خيرَ الضُبَيْعات كلِّها ... ضُبَيعة قيس لا ضُبيعةَ أضْجَما لأن كلتيهما قبيلتان، فكأنّما جمع بين رجلين متَّفقي الاسم. ومنه التجنيس الناقص، كقول الأخنَس بن شهاب: وحامي لواء قد قتَلْنا وحاملٍ ... لواءً منعنا والسيوفُ شَوارعُ فجانس بحامي وحامل، والحروف الأصلية في كل واحد منهما تنقص عن الآخر. ومثله قول أبي تمام: يمدّون من أيدٍ عواص عواصِم ... تطول بأسْيافٍ قواضٍ قواضبِ فأما قوله: خلّفْتَ بالأفق الغربيّ لي سكَناً ... قد كان عيشي به حُلْواً بحلوان فهو من الأول وليس بناقص؛ لأن الألف والنون في حلوان زائدتان.

стр. 44

ومنه التجنيس المضاف، كقول البحتري: أيا قمر التِّمام أعَنْت ظُلْماً ... عليّ تطاولَ الليل التِّمام ومعنى التمام واحد في الأمرين، ولو انفرد لم يعدّ تجنيساً؛ ولكن أحدَهما صار موصولاً بالقمر، والآخر بالليل؛ فكانا كالمختلفين. وقد يكون من هذا الجنس ما تجانس به المفردُ بالمضاف، وقد تكون الإضافة اسماً ظاهراً ومكنيّاً، وقد تكون نسباً. ومن أملح ما سمعت فيه قول أبي الفتح بن العميد: فإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتب ... وإن كان مرضياً فقل شعر كاتب وأما المطابقة فلها شُعَب خفية، وفيها مكامن تغمُض، وربما التبست بها أشياء لا تتميّز إلا للنظر الثاقب، والذهن اللطيف؛ ولاستقصائها موضعٌ هو أملك به. ولم نفتح هذا الكلام وقصدنا ما جرى بنا القول إليه؛ لكنّ الحديث شُجون، وربما احتاج الشيءُ الى غيره فذُكر لأجله، وربما اتصل بما هو أجنبي منه فاستصحبه. ومن أشهر أقسام المطابقة ما جرى مجرى قول دِعْبِل: لا تعجبي يا سَلْمُ من رجلٍ ... ضحِك المشيب برأسِه فبكى وقول مسلم بن الوليد: مُستَعْبر يبْكي على دِمْنة ... ورأسُه يضحكُ فيه المشيب

стр. 45

وقول أبي تمام: وتنظّري خبَبَ الرِّكاب ينُصُّها ... مُحْيي القَريض الى مُميت المال وقوله: أرضى الثرى وأسخط الغبارا وقوله: هذا الذي عرفت يداهُ ساحتي ... من بعد ما جهل البخيلُ مكاني فكل هذا بابٌ واحد، وقد يجيء منه جنسٌ آخر تكون المطابقةُ فيه بالنفي، كقول البحتري: يُقيّض لي من حيث لا أعلم الهوى ... ويسري إليّ الشوق من حيث أعلم لما كان قوله: لا أعلم كقوله: أجهل، وكان قوله: أجهل مطابقة كان الآخر بمثابته. ومن أغرَب ألفاظه وألطف ما وُجِد منه قول أبي تمام: مَها الوحش إلا أنّ هاتا أوانِسٌ ... قَنا الخطِّ إلا أنّ تلْك ذَوابِلُ فطابق بهاتا وتلك وأحدهما للحاضر، والآخر للغائب، فكانا نقيضين في المعنى، وبمنزلة الضدين. وقد يخلط من يقْصُر علمه ويسوء تمييزه بالمطابق ما ليس منه؛ كقول كعب بن سعد: لقد كان: أما حِلْمُه فمروَّحٌ ... علينا وأمّا جهْلُه فعزيب

стр. 46

لما رأى الحلم والجهل، ومروّحاً وعزيباً جعلهما في هذه الجملة. ولو ألحَقْنا ذلك به لوجب أن نُلحِق أكثر أصناف التقسيم، ولاتّسع الخرْقُ فيه حتى يستغرق أكثر الشعر. ولنا في استيفاء هذا الكلام وتحديد هذه الأضرب قولٌ سنفرِد له كتاباً يُحتمل استقصاؤه فيه. ومن أصناف البديع التصحيف؛ كقول الشاعر: ولم يكن المغترُّ بالله إذا سرى ... لِيُعجِز، والمعتزّ بالله طالبُه وقوله: فكأنّ الشّليل والنّثْرة الحصْ ... داء منه على سَليل غَريف وقوله: ما بعيني هذا الغزال الغرير ... من فُتونٍ مُستَجْلَبٍ من فُتورِ وقول اسماعيل بن عبّاد: غَمائمٌ هنّ فوق أرؤُسِنا ... عمائِم لم يُذَلْنَ بالخِرَق وهذا يدخل في بعض الأقسام التي ذكرناها في التجنيس؛ لكن ما أمكن فيه التصحيف فله بابٌ على حِياله، وجانبٌ يتميّز به عن غيره. ومنه التقسيم، وقد يكون موصولاً، كقول زهير: يطْعَنُهم ما ارتَموا حتى إذا اطّعَنوا ... ضاربَ حتى إذا ما ضارَبوا اعْتَنقا

стр. 47

فقسّم البيت على أحوال الحرب ومراتب اللقاء، ثم ألحق بكل قسم ما يليه في المعنى الذي قصده من تفضيل الممدوح، فصار موصولاً به، مقروناً إليه. ونحوه قول عنترة: أن يلْحَقوا أكرر وإن يستَلْحِموا ... أشدد وإن نزلوا بضيق أنْزل فهذا كالأول في الصنعة، وإن كان إنما أزوج كل قسم بقرينه، وما هو وفْقه، ولم يرض الأولُ إلا بأن قسم ثم تقدم عن كل قسم قُدُماً، وارتفع عليه درجة. وقد تكون القسمةُ مطلقة غير مشفوعة، كقول النابغة: فلله عينا من رأى أهلَ قبة ... أضرّ لمن عادَى وأكثر نافعا وأعظمَ أحلاماً وأكرم سيداً ... وأفضل مشفوعاً إليه وشافعا فهذا ضربٌ من التقطيع على معانٍ مختلفة؛ ولستُ أسمح بتسميته تقسيماً؛ وقد رأيتُ من يُطلق له هذه التسمية. ومما يقاربُ هذا جمعُ الأوصاف، كقول أبي دُواد: بعيد مدى الظرف خاظِي البضيع ... مُمَرّ المَطا سمْهري العصَبْ وقد يجمع على نوع آخر كقول النابغة: حَديدُ الطّرْفِ والمنك ... ب والعُرقوب والقَلْبِ

стр. 48

وقد يُعدّ فيه التّقفية والترصيع، كقول امرئ القيس: والماء منهَمِرٌ والشّدُّ منحدِر ... والقُصْبُ مُضطَمِرٌ والمتن ملْحوب وقد يمتنع بعضُ الأدباء من تسمية بعض ما ذكرناه بديعاً؛ لكنه أحدُ أبواب الصنعة، ومعدود في حلْي الشعر، وله أشْباه تجري مجراه، وتذكر معه؛ كالالتفات والتوصل وغيرهما، ولو أقبلنا على استيعابها، وتمييز ضروبها وأصنافها لاحتجنا الى اتباع كل ما يقتضيه من شاهد وبيان ومثال. ولو فعلنا ذلك لبخسنا أبا الطيب حقه، وافتتحنا الكتاب بذكره ثم شَغلْنا معظَمه بغيره؛ وإنما قدمنا هذا النّبْذ توطئةً لما نذكره على أثره، وتدريجاً الى ما بعده؛ ليكون كالشاهد المقبول قوله، وبمنزلة المسلم أمره. والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدهما الخاتمة؛ فإنها المواقف التي تستعْطِف أسماعَ الحضور، وتستميلهم الى الأصغاء، ولم تكن الأوائل تخصّها بفضْل مراعاة؛ وقد احتذى البُحتري على مثالهم إلا في الاستهلال، فإنه عُني به فاتفقت له فيه محاسن؛ فأما أبو تمام والمتنبي فقد ذهبا في التخلص كلَّ مذهب، واهتمّا به كل اهتمام، واتفق للمتنبي فيه خاصة ما بلغ المراد، وأحسن وزاد.

стр. 49

بدء الوساطة ثم نعدل الى ما تكلفناه في هذه الوساطة فنقول: إن خصْم هذا الرجل فريقان: أحدهما يعمّ بالنقص كلّ مُحدَث، ولا يرى الشعر إلا القديمَ الجاهلي وما سُلك به ذلك المنهج، وأُجرِي على تلك الطريقة؛ ويزعم أن ساقة الشعراء رؤبة، وابن هَرْمة، وابن ميّادة، والحَكَم الخُضْري، فإذا انتهى الى من بعدهم - كبشّار وأبي نواس وطبقتهم - سمّى شعرهم مُلَحاً وطُرَفاً، واستحسن منه البيتَ استحسانَ النادرة، وأجراه مجرى الفكاهة؛ فإذا نزلت به الى أبي تمام وأضرابه نفَضَ يده، وأقسم واجتهد أن القوم لم يقرِضوا بيتاً قطّ، ولم يقعوا من الشعر إلا بالبعد. ومن كان هذا رأيهُ ومذهبُه، وهذه دعواه ونِحْلته فقد أعطاك ما أردت من وجهٍ وإن مانعك سواه، وسمح لك بما التمست وإن التوى عليك في غيره؛ لأن الذي انتصبْت له، وشغلتَ عنايتك به - إلحاقُ أبي الطيب بهذه الطبقة، وإضافتُه الى هذه الجملة، وقد بذل ذلك، وقرّب مطلبه عليك؛ فإن تكن الجماعة منسلخةً من الشعر، موسومة بالنقص، مستحقة للنفي، فصاحبك أولُهم؛ وإن تكن قد علِقَتْ منه بسبب، وحظِيت منه بطائل، وكان له فيه قدم، ومنه حظ وموقع، فهو كأحدهم. وليس الحكم بين القدماء والمولدين من التوسط بين المحدث والمُحدَث بسبيل؛ كما لا نسب بينه وبين تفضيل قديم على قديم، وإنما يستعتِب لك هذه المخاطبة مَنْ وافقك على فضل أبي تمام وحزبه، وسلّم محل مسلم ومنْ بعده، فتجعل هؤلاء شهودك وحججك، وتقيم شعرهم حكماً بينه وبينك؛ فإنك لا تدّعي لأبي الطيب طريقةَ بشار

стр. 50

وأبي نواس، ولا منهاج أشجع والخُرَيمي، ولو ادّعيته فإنما كنتَ تخادع نفسك، أو تُباهِت عقلك، وإنما أنت أحد رجلين: إما أن تدّعي له الصنعة المحضة فتُلحِقه بأبي تمام وتجعله من حِزْبه، أو تدّعي له فيه شركاً وفي الطبع حظّاً، فإن مِلت به نحو الصنعة فضْلَ ميْل صيّرته في جنَبَةِ مسلم، وإن وفّرت قسطه من الطبع عدلت به قليلاً نحو البحتري. وأنا أرى لك إذا كنت متوخّياً للعدل، مؤثراً للإنصاف أن تقسّم شعره؛ فتجعله في الصدر الأول تابعاً لأبي تمام، وفيما بعده واسطة بينه وبين مسلم. وما أكثر مَنْ ترى وتسمع من حفّاظ اللغة ومن جِلّة الرواة، من يلهج بسبب المتأخرين؛ فإن أحدهم يُنشد البيت فيستحسِنه ويستجيده، ويعجَب منه ويختاره؛ فإذا نُسب الى بعض أهل عصره وشعراء زمانه كذّب نفسه، ونَقض قوله، ورأى تلك الغضاضة أهون محْمَلاً وأقل مرْزأة من تسليم فضيلة لمُحدَث، والإقرار بالإحسان لمولّد. حُكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي أنه قال: أنشدتُ الأصمعي: هلْ الى نظرَةٍ إليْكَ سَبيلُ ... فيُبَلّ الصّدَى ويُشْفى الغَليلُ إنّ ما قلّ منْك يكْثُرُ عندي ... وكثيرٌ ممّنْ تحِبُّ القَليلُ فقال: والله هذا الدّيباجُ الخُسرَوانيّ، لمنْ تنشدني؟ فقلت: إنهما لليلتهما فقال: لا جَرم والله إنّ أثر التكلّف فيهما ظاهر. وعن ابن الأعرابي في أبيات أبي تمام في الرّوض نحوٌ من هذا. وله نظائر

стр. 51

مشهورة تُحْكى عن الأصمعي ومَنْ بعده. وقد بعدت بهم العصبيّة في ذلك الى تناول بعض المتقدمين. زعم الأصمعي أن العراب لا تَروي شعر أبي دواد وعدي بن زيد؛ لأن ألفاظَهما ليست بنجْدية؛ وكيف يكون ذلك! وهذا معاويةُ يفضّل عدياً على جماعة الشعراء. وهذا الحطيئة يُسأل: مَن أشعر الناس؟ فيقول: الذي يقول، وأنشد لأبي دواد: لا أعُدُّ الإقْتار عُدْما ولكنْ ... فقْدُ من قد رُزئتُه الإعدامُ من رجال من الأقارب ماتوا ... من حُذاق هم الرّءوس الكِرام فيهمُ للمُلاينين أناةٌ ... وعُرام إذا يُراد عرام وقد يتّفق لأحد هؤلاء غلبةُ الإنصاف على قلبه في الوقت بعد الوقت، فيخلع رداء العصبية، ويُصغي ويميز فيرجِع. حدثني جماعة من أصحاب أبي رياش القيسي، ولا نعرف في زماننا راوية تقدمه، وكان معروفاً بالتحامل على هؤلاء والغضّ من أبي تمام والبحتري خاصة، حتى إنّ نسخ هذين الديوانين قلّت بالبصرة في وقته؛ لقلّة الرغبة فيهما: أنه أُنشد ذات يوم قول البحتري: نظرتُ الى طَدان فقلت ليلى ... هناك وأين ليلى من طَدان؟! ودون مزارها إيجافُ شهر ... وسبع للمطايا أو ثَمانِ

стр. 52

ولما غرّبت أعْراف سَلْمى ... لهنّ وشرّقت قُنَن القِنان تصوبت البلادُ بنا إليكم ... وغنّى بالإيابِ الحادِيان فقال: أحسن والله! مَن هذا البدوي المطبوع؟ فقيل: إنها للوليد بن عُبيد، فقال: أعِد، فأعيدت، فرجع عن رأيه فيه، وحض الناس على رواية شعره. ولو أُنصف أصحابُنا هؤلاء لوُجِد يسيرُهم أحقّ بالاستكثار وصغيرهم أولى بالإكبار؛ لأن أحدهم يقفُ محصوراً بين لفظ قد ضُيِّق مجاله، وحُذِف أكثره، وقلّ عدده، وحُظِر مُعظمه. ومعان قد أُخذ عفوها، وسُبِق الى جيّدها؛ فأفكاره تنبثّ في كل وجه، وخواطره تستفتح كل باب؛ فإن وافق بعضَ ما قيل، أو اجتاز منه بأبعد طرف قيل: سرق بيت فلان، وأغار على قول فلان. ولعل ذلك البيت لم يقرَع قطّ سمعه، ولا مرّ بخلَده؛ كأن التوارد عندهم ممتنع، واتفاقَ الهواجس غيرُ ممكن! وإن افترع معنى بكْراً، أو افتتح طريقاً مُبهماً لم يرض منه إلا بأعذب لفظ وأقربه من القلب، وألذِّه في السمع؛ فإن دعاه حبُّ الإغراب وشهوة التنوّق الى تزيين شعره وتحسين كلامه، فوشّحه بشيء من البديع، وحلاّه ببعض الاستعارة قيل: هذا ظاهرُ التكلف، بيّن التعسف، ناشف الماء، قليل الرونق. وإن قال ما سمحتْ به النفس ورضي به الهاجس قيل: لفظ فارغ وكلام غسيل؛ فإحسانه يُتأوّل، وعيوبه تُتمحّل، وزلته تتضاعف، وعذره يكذَّب؛ فلا تشتغلنّ بهذه الطائفة مادمت تنظر بين المتنبي وأهل عصره، وأخّر المنازعة في هذا الرأي، وإن كان الخلاف الأكبر، فإن لكل مقام مقالاً. وإنما خصمك الألَدّ، ومخالفُك

стр. 53

المعاند، الذي صمدْت لمحاكمته، وابتدأت بمُنازعته ومحاجّته، من استحسن رأيك في إنصاف شاعر، ثم ألزمك الحيفَ على غيره، وساعدك على تقديم رجُل، ثم كلّفك تأخير مثله؛ فهو يسابقك الى مدح أبي تمام والبحتري، ويسوّغ لك تقريظ ابن المعتز وابن الرومي؛ حتى إذا ذكرت أبا الطيب ببعض فضائله، وأسميته في عِداد من يقصر عن رتبته امتعض امتعاض الموتور، ونفر نِفار المَضيم، فغضّ طرْفه، وثنى عِطفه، وصعّر خدّه، وأخذته العزة بالإثم، وكأنما زوّى بين عينيه عليك المحاجم. وأُقبِل عليك أيها الراوي المتعتّب فأقول لك: خبّرني عمّن تعظّمه من أوائل الشعراء، ومن تفتتح به طبقاتِ المحدَثين؛ هل خلص لك شعْر أحدهم من شائبة، وصفا من كدِر ومَعابة؟ فإن ادّعيت ذلك وجدت العِيان حجيجَك، والمشاهدة خصْمك؛ وعدنا بك الى أضعاف ما صدّرنا به مخاطبتك، واستعرضنا الدواوين فأريناك فيها ما يحول بينك وبين دعواك، ويحجُزك إن كان بك أدنى مُسكة عن قولك. فإن قلت: قد أعثُر بالبيت بعد البيت أنكِره، وأجد اللفظ بعد اللفظ لا أستحسنه، وليس كلّ معانيهم عندي مرضية، ولا جميع مقاصدهم صحيحة مستقيمة. قلنا لك: فأبو الطيب واحدٌ من الجملة، فكيف خُصّ بالظلم من بينها، ورجل من الجماعة فلِم أفرد بالحيف دونها؟ فإن قلت: كثُر زللُه، وقلّ إحسانه، واتسعت معايبه، وضاقت محاسنه. قلنا: هذا ديوانُه حاضراً وشعره موجوداً ممكناً؛ هلم نستقرئه ونتصفّحه، ونقلبه ونمتحنه، ثم لك بكل سيئة عشر حسنات، وبكل نقيصة عشر فضائل، فإذا أكملنا لك ذلك واستوفيته، وقادك الاضطرار الى القبول والبهْت، ووقفت بين التسليم والعناد عُدْنا بك الى بقية شعره فحاججناك به، والى ما فضل بعد المقاصّة فحاكمناك إليه.

стр. 54

وقد نجد كثيراً من أصحابك ينتحل تفضيلَ ابن الرومي ويغلو في تقديمه، ونحن نستقرئ القصيدة من شعره، وهي تناهزُ المائة أو تُربي أو تُضعِف، فلا نعثر فيها إلا بالبيت الذي يروق أو البيتين؛ ثم قد تنسلخ قصائد منه وهي واقفة تحت ظلها، جارية على رسلها؛ لا يحصل منها السامع إلا على عدد القوافي وانتظار الفراغ، وأنت لا تجد لأبي الطيب قصيدة تخلو من أبيات تُختار، ومعان تستفاد، وألفاظ تروق وتعذب، وإبداع يدلّ على الفطنة والذكاء، وتصرُّف لا يصدُر إلا عن غزارة واقتدار.

стр. 55

تفاوت شعر أبي نواس ولو تأملت شعر أبي نواس حقّ التأمل، ثم وازنت بين انحطاطه وارتفاعه، وعددتَ منفيّه ومختاره، لعظّمتَ من قدْر صاحبنا ما صغّرت، ولأكبرت من شأنه ما استحقرت، ولعلمت أنك لا ترى لقديم ولا محدَث شعراً أعم اختلالاً، وأقبح تفاوتاً، وأبين اضطراباً، وأكثر سفسفة، وأشد سقوطاً من شعره هذا؛ وهو الشيخ المقدّم والإمام المفضّل الذي شهد له خلَف وأبو عبيدة والأصمعي، وفسر ديوانه ابنُ السكيت؛ فهل طمست معايبه محاسنَه؟ وهل نقص رديُّه من قدر جيده؟ وهل ضرّ قوله: يحميك مما يستسر بفعله ... ضحكاتُ وجه لا يَريبُك مشرقِ حتى إذا أمضى عزيمة أمره ... أخذت بسَمْعِ عدوِّه والمنطقِ وقوله: يا ناقُ لا تسأمي أو تبلُغي ملكا ... تقبيلُ راحته والركن سيّانِ متى تحطّي إليه الرّحْل سالمةً ... تستجمعي الخلْق في تمثال إنسانِ وقوله: لعمرك ما غاب الأمينُ محمدٌ ... عن الشيء يعْنيه إذا حضر الفضلُ ولولا مواريثُ الخلافة أنها ... له دونه ما كان بينهما فضْلُ فإن كانت الأحساب فيها تباينٌ ... فقولُهما قولٌ وفعلُهما فعلُ أرى الفضْل للدنيا وللدين جامعاً ... كما السهمُ فيه الفوقُ والرّيشُ والنّصْل

стр. 56

وقوله: إذا نحن أثنينا عليك بصالحٍ ... فأنتَ كما نُثني وفوق الذي نُثني وإن جرتِ الألفاظُ منّا بمدحة ... لغيرك إنساناً فأنتَ الذي نعْني وقوله: لا أذودُ الطّيرَ عن شجَرٍ ... قد بلوت المُرَّ من ثمَرِه خِفْتُ مأثورَ الحديث غداً ... وغدٌ دانٍ لمُنتظره خاب مَن أسْرى الى ملِكٍ ... غير معلوم مدَى سفَرِه فامْضِ لا تمْنُن عليّ يدا ... منُّكَ المعروف من كدره رُبّ فتيان ربَأتهمُ ... مسقطَ العيّوق من سحَرِه فاتّقوْا بي ما يَريبهمُ ... إنّ تقوى الشرِّ من حذَره وقوله: قالوا كبرت فقلت ما كبِرت يدي ... عن أن تخبّ الى فمي بالكاس

стр. 57

وإذا عددت سنيّ كم هي لم أجدْ ... للشيب عذراً في النزول براسي وقوله: بانوا وفيهم شموسُ دُجنٍ ... تُنعِلُ أقدامَها القرونُ تعومُ أعجازُهنّ عوْماً ... وتنثني فوقها المُتونُ وقوله: وكأسٍ كمصباح السماء شربتُها ... على قُبلة أو موعد بلقاءِ أتت دونها الأيام حتى كأنها ... تساقُطُ نورٍ من فُتوق سماءِ وقوله: قامت تريك وأمرُ الليل مجتمع ... صبحاً تولّد بين الماء والعنب كأن صُغرى وكُبرى من فواقِعها ... حصْباءُ دُرٍّ على أرضٍ من الذهب كأن تُرْكاً قياماً في جوانِبها ... تواتَروا الرمي بالنشّاب من كثَب وإن كان النحويون ينكرون صغرى وكبرى بغير ألف ولام. وقوله: فإذا علاها الماء ألبَسَها ... زبَداً شبيهَ جلاجل الحِجْل

стр. 58

حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارِع النمل خطّين من شتى ومُجتَمع ... غُفْل من الإعجام والشّكْل وقوله: فتمشّتْ في مفاصلهم ... كتمشي البُرْءِ في السّقم ومن سلك هذا المسلك من شعره فقد صافح السماء وتناول النجوم. هل ضرّ قولَه هذا غَثاثةُ قوله يمتدح الأمين: فعصا نداه براحتي ... أعلو بها الإفلاسَ قرْعا وعليّ سورٌ مانعٌ ... من جوده إن خفتُ كسْعا فلو أنّ دهْراً رابني ... لصفعتُه بالكفّ صَفْعا وقوله: ما لرِجْلِ المالِ أضحَتْ ... تشتكي منك الكَلالا ما لأمْوالِك منْ جا ... ءَ احتَثى منها وَكالا وقوله: أيا مَنْ وجهه الداحي ... ومن منزله الماحي أماليَ منك يا ظال ... م إلا اللاهي واللاحي وضعفُ قوله:

стр. 59

ألا يا قمرَ الدّار ... ويا مِسكة عطّار ويا نفْحة نسرينٍ ... ويا وردةَ أسحار ويا جدول بُستان ... على شاطئ أنهار ويا كعبَيْن من عاج ... ويا غرّةَ دينار ويا نرْداً لفِتْيان ... ويا لُعْبة أبكار ويا مسواك جمّاش ... ويا طنبور شطّار وقوله: قد غَنينا عن الشِّتا ... وعن اللّبْس للفِرا وعن الحشو للعِما ... مة والكنِّ والصِّلا وعن الفرْش والوِطا ... ببيوت بلا كرا قدم الصيف بالولا ... بةِ قدّامه اللِّوا بالمناديل والغلا ... لة والنّعل والرِّدا والطنابير والطبو ... ل وبالرقص والغِنا يُحشَرُ الناس في القيا ... مة مُرْداً بلا لِحى أنا مالي وللربا ... ط وللغَزْوِ والفِدا لستُ ممن يطوف في ... عرفات ولا مِنى أركبُ المرد في الديا ... ر وفي المدن والقُرى فإذا ما تمنعوا ... وعصوا أبذلُ الرِّشا وهو كما تراه في سُخْف اللفظ، وسوء النظم، وسقط المعنى، وقوله: حمْدان ما لك تغضبْ ... عليّ من غير مُغضبْ فقد حلفتُ يميناً ... مبرورة ليس تُكذبْ

стр. 60

فثق بذلك مني ... يا بنَ الكريم المَرْكَبْ فالبحر أصبح شاني ... والبحر أشهى وأطيبْ وقد تآليتُ ألاّ ... في البر ما عشتُ أركَبْ وقوله: ذاك الذي من يد الل ... هـ حار فيه القبولُ فكلّ جانب قلبي ... شوقاً إليه يميلُ ويلي! وليس يرى لي ... حقَّ الهوى فيميلُ ويلي! وما هكذا إخ ... وتي يكونُ الخليلُ لم يختَرِقْ بيتنا ... حسناً بودّ رسولُ حتى بَدا منه ما لم ... يَفعَله قطّ مَلولُ ولا اهتَدى باحتيالٍ ... إليه قطّ بخيلُ ما أفصَح الطّرْفَ حدا ... للودِّ حين يجولُ وقوله: ونائح هبّ في الغصون ضُحاً ... كمُنْتَشٍ موْهِناً إذا انْقَلبا يدعو بذكر على اسمه لهوًى ... يذكرنا في أوانه الرّطبا وقوله: فاردُدْ عليّ حياتي ... عضّاً بفيك ولَحْسا وقوله: قد حكى البدرُ بَهاكا ... فرآه مَنْ رآكا وازدَهى بالحُسْنِ لمّا ... صار في الحسنِ حَكاكا

стр. 61

وقوله: عليو يا ريموده ... أصبحْت لي مستعدّه وقد علِمت لعَمْر الْ ... إله أنك جَلده بالاستلاب إذا ما ... مشيت لي مشي نجده ورجرجت من وَراها ... أردافَ إيزارِ بنده وقوله: قد صبَغتْ بنتُ المدينيه ... للفطر يا عباس فوهيّه وسلّفَتْ ماشِطَها أجرة ... واشترطت في المَشْط رازيّه فاسلفوا يا قوم في ... ... من نقْدِ بيتِ المالِ بخيّه فإنها أعشق بغّايةٍ ... لهذه المعصوبة النيه يا عمْرو ما بالُ المدينيه ... لا تأكل العصبان مشْوِيه ونحو هذا مما يملّ الناظر، ويضيع وقْت الكاتب. ولو وُجد لأبي الطيب بيت مثله، وحرفٌ يقاربه لعُصِب بعارِه، ولا انطلقت الألسن بعيبه، وصُدِّر به ديوان مثالبه وصحيفة مساويه. فإن طلبَ اللحنَ والغلط أخذ عليه مثل قوله: وضيْف كأس محدثهْ ملك ... تِيهُ مُغنٍّ وظَرْفُ زِنديقِ فسكن الهاء، وقوله: يا ربيَ الجبار. فرفع الجبار. وقوله: يا خيْرَ من كان ومَنْ يكونُ ... إلا النبيّ الطاهرُ الميمونُ

стр. 62

وقوله: فلما خشي الإيبا ... ء من صحْبٍ وجلاّسِ وإنما هو الإباء. وقوله: وإذا نزعتَ الى الغواية فليكُن ... لله ذاك النزعُ لا للناس وإنما هو نزع عن الشيء نزوعاً، وأبيات كثيرة يضعفُ عذة في معظمها، وإن كان باب التأويل يتسع، ومذاهب الاحتيال في النحو لا تضيق. ووجد له في الإحالة مثل قوله: وأخَفْتَ أهْلَ الشِّرْكِ حتى إنّه ... لتَخافُك النُّطَفُ التي لم تُخْلَقِ وقوله: حتى الذي في الرحم لم يك نطفة ... لفؤاده من خوفه خفَقان وقوله يصف الباري، جلّ أن يوصَف: إن الذي لا يخيّب سائله ... جوهره غير جوهر البشر وقوله: كانت ذخيرة صانع متنوَّق يعنيه - جل وعز. ومن الخطأ في الوزن قوله: رأيت كل من كا ... ن أحمقاً معتوها في ذا الزمان ... صار المقدم الوجيها يا رب نذل وضيع ... نوهته تنويها هجوته لكيما ... أزيده تشويها

стр. 63

فبعضه مستفعلن مفعول وفعول، وبعضه مستفعلن فاعلاتن. والعَجَب ممن ينقص أبا الطيب، ويغضّ من شعره لأبيات وجدها تدل على ضعف العقيدة وفساد المذهب في الديانة كقوله: يترَشفْن من فمي رشَفاتٍ ... هنّ فيهِ أحلى من التوحيد وقوله: وأبهَرُ آيات التِّهاميّ أنّهُ ... أبوكم وإحدى ما لكُم من مَناقب وهو يحتمل لأبي نواس قوله: قلت والكاس على ك ... فَّيّ تهوي لالتثامي أنا لا أعرف ذاك ال ... يوم في ذاك الزحام وقوله: يا عاذلي في الدهر ذا هجْرُ ... لا قَدرٌ صحّ ولا جبْرُ ما صح عندي من جميع الذي ... يُذكر إلا الموتُ والقبرُ فاشرب على الدهر وأيامه ... فإنما يهلكنا الدهرُ وقوله: عاذلتي بالسّفاه والزجر ... استمعي ما أبثّ من أمري باح لساني بمضمر السرِّ ... وذاك أني أقول بالدهرِ بين رياض السرور لي شيع ... كافرة بالحساب والحشرِ

стр. 64

موقنة بالممات جاحدة ... لما رووه من ضغطة القبرِ وليس بعد الممات منقلب ... وإنما الموت بيضة العَقْرِ وقوله: أأترك لذة الصهباء نقداً ... لما وعدوه من لبن وخمر حياة ثم موت ثم بعْث ... حديث خرافة يا أمَّ عَمرو وقد رُوي أنهما لديك الجن. وقوله: فدع الملامَ فقد أطعتُ غَوايتي ... ونبذتُ موعظتي وراء جداري ورأيت إيثارَ اللذاذة والهوى ... وتمتعاً من طيب هذي الديارِ أحرى وأحزمُ من تنظّر آجل ... ظنّي به رجْمٌ من الأخبارِ إني بعاجل ما ترين موكل ... وسواه إرجافٌ من الآثارِ ما جاءنا أحدٌ يخبر أنه ... في جنة مذ مات أو في النار فلو كانت الديانة عاراً على الشعر، وكان سوء الاعتقاد سبباً لتأخر الشاعر، لوجب أن يُمحى اسمُ أبي نواس من الدواوين، ويحذف ذكره إذا عُدّت الطبقات، ولَكان أولاهم بذلك أهل الجاهلية، ومن تشهد الأمة عليه بالكفر، ولوجب أن يكون كعب بن زهير وابن الزِّبَعري وأضرابُهما من تناول رسولَ الله ﷺ وعاب من أصحابه بُكْماً خرساً، وبِكاء مفحمين؛ ولكنّ الأمرين متباينان، والدين بمعزل عن الشعر.

стр. 65

تفاوت شعر أبي تمام ولو لزمت هذا المثال في شعر أبي تمام لتظاهرتْ عليك الحُجج، وكثرت عندك الشواهد، فقوِي في نفسك رأيي واعتقادي، وتصور لك صدقي وإصابتي؛ وإذ رأيته يقول: أموسى بنَ إبراهيم دعوة خامس ... به ظمأُ التثريب لا ظمأ الوِرْد جليد على عتب الخطوبِ إذا عرَتْ ... وليس على عتب الأخِلاّء بالجَلْدِ أأمنحُ هجْر القول من لو هجوْته ... إذا لهجاني عنه معروفه عندي كريمٌ متى أمدحْه أمدحْه والورى ... معي وإذا ما لُمته لمتُه وحْدي أردّ يدي عن عِرض حرٍّ ومنطقي ... وأملؤها من لِبدَةِ الأسد الوَرْد فإن يك سُخْطٌ عنّ أو تَكُ هفوةٌ ... على خطأ مني فعذري على عمْد

стр. 66

ويقول: ومن لم يسلِّمْ للنوائب أصبحت ... خلائقه جمْعاً عليه نَوائبا وقد يكْهَمُ السيف المسمى مَنيّة ... وقد يرجع المرءُ المظفَّرُ خائبا فآفة ذا ألاّ يُصادِف مضرباً ... وآفة ذا ألا يصادفَ ضاربا وقوله: أقول وقد قالوا استراحت لموتها ... من الكرب: روحُ الموت شرٌّ من الكرب قد نزلت ضنْكاً من اللحد والثرى ... ولو كان رحب الذّرْع ما كان بالرحب وكنت أرجّي القُرْب وهي بعيدة ... فقد نُقلت بعدي عن البُعْد والقرب لها منزلٌ تحت الثرى وعهدْتُها ... لها منزل بين الجوانِح والقلبِ ويقول: أرى الناسَ منْهاجَ الندى بعد ما عفَت ... مهايعُه المثلى ومحّتْ لواحِبه ففي كل نجد في البلاد وغائر ... مواهب ليست منه وهي مواهبه فيأيها السّاري اسْرِ غير محاذر ... جنان ظلام أو ردّي أنت هائبه ويقول: ذو الودّ مني وذو القربى بمنزلةٍ ... وإخوَتي أسوةٌ عندي وإخواني في دهريَ الأول المذموم أعرفهم ... فكيف أنكرهم في دهريَ الثاني عصابة جاورتْ آدابهم أدبي ... فهم إنْ فُرِّقوا في الأرض جيراني

стр. 67

ويقول: فتىً مات بين الضّرب والطّعن ميتةً ... تقوم مقام النصر إذ فاتهُ النصر لئن أُبغِض الدهرُ الخئون لفقده ... لَعَهدي به ممّن يحَبُّ له الدهر وكيف احتمالي للسحاب صنيعة ... بإسقائه قبراً وفي لحده البحْرُ ويقول: وما اشتبَهَتْ طريق المجد إلا ... هداك لقِبلة المعروف هادي وما سافرتُ في الآفاقِ إلا ... ومن جدْواك راحلتي وزادي مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد فيترقى في هذه الدّرج العالية، ويتصرف هذا التصرف المعجز، ثم ينحط الى الحضيض ويلصق بالتراب، ويقول: أصبحتَ نيءَ العقل فاصْل لميْسَم ... بيدي ألجِّ الناس في الإنضاج ويقول: ألا لا يمدّ الدهرُ كفّاً بسيئ ... الى مجتدى نصر فتقطع للزّنْدِ ويقول: لو كان كلّفها عُبيدٌ حاجةً ... يوماً لزنّى شدْقَماً وجَديلا وأظنه لو وجد لفظة أسقط من زنّى، وأقل مناسبة للمعنى لاستعملها.

стр. 68

ويقول: نمْ وإن لم أنم كراي كَراكا ... شاهدي الدّمع إنّ ذاكَ كذاكا طال ضُرّي نفسي فداؤك بل مَنْ ... أنا حتى تكون نفسي فِداكا ضاق صدري بل كيف أستطيع أن أصْ ... بِر إذ كان ناظري لايَراكا ذهبت مُقلتاي بالدّم والدمْ ... عِ الى النارِ إذ نجَتْ مُقلَتاكا ويقول: بنفسي مَنْ هواهُ أخي وترْبي ... وحِبّيه رضيعُ بنات قلبي ومن قد شفّني وصبرت حتى ... ظننتُ بأن نفسي نفسُ كلْب ويقول: قسّمَتْ لي وقاسمتني بسلطا ... نٍ من السحر مقلتا عبْدوسِ فالقسيم القَسام عن لحظات ... منهما يختلسن حب النفوس فالذي قاسمت بلحْظ إذا اللي ... ل تمطى من الكرى المنفوسِ ولست أدري - يشهد الله - كيف تصوّر له أن يتغزّل وينسِب، وأي حبيب يستعطف بالفلسفة! وكيف يتّسع قلب عبدوس هذا؛ وهو غلام غِرّ، وحدَث مُتْرف لاستخراج العويص وإظهار المعمّى! ويقول: لم يبرح البينُ المُشِتُّ جوانِحي ... حتى نروّث من دمٍ مسموم

стр. 69

ويقول: أأترك حاجتي غرَض التواني ... وأنت الدلوُ فيها والرِّشاءُ ويقول: ضاحي المحيّا للهجير وللقنا ... تحت العَجاج تخالُه مِحراثا ويقول: تُثَفّى الحربُ منه حين تغلي ... مراجِلُها بشيطان رجيم ويقول: ولّى ولم يُظْلَم وما ظُلِم امرؤ ... حث النّجاء وخلف التّنين فهو يجعل الممدوح تارة دلواً، وتارة محراثاً، ومرة رشاء، وأخرى تنّيناً وشيطاناً رجيماً؛ وأظنه جسَر على ذلك لما سمع قول جرير: أيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وهنّ يهوَينني إذ كنتُ شيطانا وما أبعد ما بين الكلامين، وأشد تفاوت ما بين الموضعين! ويقول: كان الزمان بكم كلباً فغادركم ... بالسيف والدهر فيكم أشهرُ الحرم

стр. 70

ويقول: فحرام عليك أن تقرعي ها ... مة قلبي بدمعك المهراق وما تكاد قصيدة من شعره تسلم من أبيات ضعيفة؛ وأخرى غثّة، لاسيما إذا طلب البديع وتتبّع العويص؛ فجاء بمثل قوله: لعمري لقد حرّرتُ يوم لقيته ... لو أن القضاء وحدَه لم يُبرَّدِ وقوله: لن يأكلوا هم ولا عشيرتهم ... ما كنزوه من صامت الحسب وقوله: ذلّتْ بهم عُنق الخليطِ وربما ... كان الممَنّع أخدعاً وصَليفا وقد أولع بذكر الأخدع؛ فردده في عدة أبيات لم يوفق إلا في واحد منها. قال: سأشكر فُرجة اللّبَب الرخيّ ... ولينَ أخادع الزّمِنِ الأبيّ وقال: يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضجَجْتَ هذا الأنامَ من خرَقِكْ وقال: فضربتَ الشّتاء في أخدعيه ... ضربةً غادرتْهُ عَوْداً رَكوبا

стр. 71

وقد أحسن في قوله: وما هو إلا الوحيُ أو حدُّ مرهفٍ ... تُميلُ ظُباه أخدَعَي كل مائلِ وقد ذكره البحتري صفحاً، فقال: عطَف ادّكارُك يوم رامة أخدَعي ... شوقاً وأعناقُ المطيّ قواصدُ فوقع من الحلاوة والحسن في الموقع الذي تراه. وقوله: لو لم تفتّ مُسنّ المجد مذ زمنٍ ... بالجود والبأس كان الجود قد خرِقا وقوله: كانوا رداء زمانهم فتصدّعوا ... فكأنما لبس الزمانُ الصوفا وقوله: ولديك آلات جنوبٌ كله ... فاحطم بأصْلبِهنّ أنف الشّمْألِ فإن حمَل نفسه على التكلّف، وفارق الطبع الى التعمق أراك مثل قوله: ألا سبيلَ ندًى إلا سبيلَ بِلَى ... لو كنت حياً لأضحى للندى سُبُل وقوله: لو لم يمت بين أطراف الرماح إذاً ... لمات إذ لم يمتْ من شدّة الحَزنِ وقوله: أيعد التي ما قبلها أفبعدها ... مقام لحرّ قلت أنت عجولُ

стр. 72

وقوله: ذهبت بمذهبه السماحةُ فالتوَتْ ... فيه الظنونُ أمُذهبٌ أم مذهبُ وقوله: المجدُ لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلا بالرضا بلغنا أن إسحق بن إبراهيم الموصلي سمعه ينشد هذا البيت، فقال له أن: يا هذا، لقد شققت على نفسك، إن الشعر لأقرب مما تظن. فإن أظهر التعجرف، وتشبّه بالبدو، ونسي أنه حضري متأدب، وقروي متكلف جاءك بمثل قوله: قد قلتُ لما اطْلَخَمّ الأمر وانبعثت ... عشواءُ تاليةٌ غُبْساً دَهاريسا وقوله: فعنيقُها يعضيدُها ووشيجُها ... سعدانُها وزميلُها تنّومها وقوله: إن الأشاءَ إذا أصاب مشذِّبٌ ... منه اتمهلّ ذُرًى وأثّ أسافِلا وقوله:

стр. 73

وحادِث أخرَق داويتُه ... ردّاعة داهِية درْدَبيسْ وقوله: ومُزَحْزِحاتي عن ذراكَ عوائِقٌ ... أصحرْن بي للعَنقَفير المؤبّدِ وقوله: مُقابلٌ في دِرى الأذواءِ منصبُه ... عيصاً فعيصاً وقُدموساً فقُدموسا ثم لو لزم ذلك واستمر عليه ديناً وعادة، واتّخذه إماماً وقِبلة لقلنا: بدوي جرى على طبعه، أو متحضِّر حنّ الى أصله؛ لكنه يُعرِض عنه صفحاً، ويتناساه جملة، ويقول وهو يمدح خليقة: مازلت في العفو للذنوب وإطْ ... لاقٍ لعانٍ في جُرمه غلِق حتى تمنّى البُراءُ أنهم ... عندك أمسوا في القِدّ والحلَق

стр. 74

فنازعه المعنى، وانفرد دونه بالعيب؛ لأن أبا دَهبل زعم أن البرآء يتمنون أن يُذنِبوا فيُصيبوا عفوة، ولا نقْص في ذلك على الممدوح؛ لأن انفراده بالعفو متعذّر، وإنما سببه الى ذلك ذنب المحرم وخطأ الجاني. وزاد أبو تمام فزعم أنّهم يتمنون اليُتم؛ ليصلوا الى رِفده، ويلحقوا بالأيتام في تكفّله، والممدوح ممكّن من إفاضة العدل، وبثّ العُرف، وإغنائهم عن هذا التمني الذي لا يختاره العاقل إلا بعد بلوغ الجهد منه، ووصول القُنوط الى قلبه، واستيلاء الضّنك على معيشته؛ وليس من صفة الجواد أن يعرّض مُدّاحه وقصّاده، ومن علقت به آماله، وسمت إليه همتُه لسوء الحال، ويكلّفهم الأماني الرّذْلة. وقد مدح أبا المغيث، فقال: اسقِ الرعية من بشاشتك التي ... لو أنها ماء لكان مَسوسا إن البشاشة والندى خيرٌ لهم ... من عفة جمَسَت عليك جُموسا لو أنّ أسباب العَفافِ بلا تُقًى ... نفعت لقد نفعتْ إذاً إبليسا فليتَ شعري عنه لو أراد هجوه، وقصد الغضّ منه، هل كان يزيد على أن يذم عفّته، ويصفها بالجموس والجمود، وهما من صفات البرد والثقل، ثم يختم الأمر بأن يضرب له إبليس مثلاً، ويقيمه بإزائه كُفُواً، هذا وهو يقول في مثل ذلك غير مادح، وبحيث يحتمل الاتساع ولا يضيق التصرف: عجباً لعمري أنّ وجهَك مُعرِض ... عنّي وأنت بوجهِ نفعِك مقبلُ

стр. 75

أوَلا ترى أن الطلاقة جُنّة ... من سوء ما تجني الظنونُ ومعقِل ومودة مطويةٌ منشورة ... فيها الى إنجاحها متعلل إن يُعطِ وجهاً كاسفاً من تحته ... كرم وطيبُ خليقةٍ لا تدخل فلرُبّ ساريةِ الغمام مطيرة ... جادت بوابلها وما تتهلل على أنه قد تحامل بقوله: إن يعط وجهاً كاسفاً، وبقوله في مثله: ليس يدري إلا اللطيفُ الخبير ... أي شيء تُطوي عليه الصّدورُ فتطلّق مع العناية إنّ الْ ... بشْر في أكثر الأمور بشيرُ إنما البشرُ روضةٌ فإذا كا ... ن ببذْل فروضةٌ وغدير فتكلم بما تجَمْجِم فالمن ... طقُ عنوان ما يجنّ الضمير فيتوصّل الى مراده أحسن ما توصل، ويعبّر عن ذات نفسه بألطف عبارة؛ وقوله: شكوت الى الزمان نحولَ جسمي ... فأرشدني الى عبدِ الحميد وإنما يُرشَد في نحول الجسم الى الأطباء، فأما الرؤساء والممدوحون فإنما يُلتَمس عندهم صلاحُ الأحوال؛ وقوله: تكادُ عطاياه يجنّ جُنونها ... إذا لم يعوّذْها بنغمةِ طالبِ
следующие страницы →