وذلك مَقدَمَهُ مِن الشام.
فخرَجَ أبو سفيان حتَّى قَدِمَ المدينة، فكَلَّمَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقال: هَلُمَّ فلَنْجُدِّدْ بيننا وبينَك كِتَابَاً.
فقال النبيُّ ﷺ : «فنحنُ على أمرِنَا الذي كانَ، وهَلْ أحدَثْتُمْ مِن حَدَثٍ»؟
فقال أبو سفيان: لا.
فقال النبيُّ ﷺ : «فنحنُ عَلى أمْرِنَا الذي كان بيننا».
فجاءَ عَليَّ بنَ أبي طالب فقال: هَلْ لكَ عَلى أنْ تسُودَ العرَبَ، وتمُنَّ عَلى قَومِكَ فتُجِيْرَهُمْ، وتُجَدِّدَ لهم كتاباً؟ فقال عليٌّ: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى رسُولِ الله ﷺ بأمْرٍ.
ثمَّ دخَلَ ــ أبو سفيان ــ عَلى فاطِمَةَ، فقالَ: هَل لَكِ أنْ تَكُوْنِي خَيْرَ سَخْلَةٍ (١) في العَرَبِ؟ أنْ تُجيرِي بَينَ الناس، فقد أجارَتْ أختُكِ عَلى رسُولِ الله ﷺ زوجَها أبا العاص بن الربيع فلَمْ يُغَيِّرْ ذلِكَ.
فقالت فاطمة: ما كنتُ لأفتَاتَ عَلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ بأمرٍ.
ثم قال ذلكَ للحسَنِ والحُسَين: أجِيرَا بَين الناس، قُولا: نَعَمْ، فلَمْ يقُولا شيئاً، ونظَرَا إلى أمِّهِما وقالا: نقولُ ما قالَتْ أمُّنَا.
فلَم يَنجح مِن واحِدٍ منهم مَا طلَب. الحديث.
стр. 142
وعند ابن أبي شيبة: قال أبو سفيان لفاطمة: يا فاطمة، هل لك في أمر تَسُودِين فيه نساءَ قومك، ثم ذكر لها نَحوَاً مما ذكرَ لأبي بكر، فقالت: ليس الأمرُ إليَّ، الأمرُ إلى اللَّهِ وإلى رسُولِه. ثمَّ أتى عَلِيَّاً الحديث.
عند الواقدي: دخل أبو سفيان على فاطمة بنت النبيِّ ﷺ فكلَّمَها، فقال: أجيري بين الناس!
فقالت ﵂: إنما أنا امرأةٌ.
قال: إنَّ جِوارَكِ جَائِزٌ، قَدْ أجارَتْ أُختُكِ أبا العاص بن الربيع، فأجازَ ذلكَ محمد.
قالت فاطمة: ذلكَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ! وأبَت ذلك عليه.
فقال: مُرِي أحدَ بَنِيكِ يُجِيرُ بين الناس!
قالت فاطمة: إنهما صَبِيَّان، وليس مِثلُهُما يُجير.
وعند البيهقي: قالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذاك إلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قال: فأمُرِي أحدَ ابنَيْكِ، قالت ﵂: إنما هما صبيَّان ليس مثلهما يُجِير، قال: فكلِّمِي عليَّاً، قالت: أنتَ فكلِّمْهُ، فكلَّمَ عليَّاً الحديث.
وعند البيهقي ـ أيضاً ـ: ثمَّ خرَجَ أبو سفيان فدخلَ عَلَى عَلِيِّ بنِ أبي طالب وعندَه فاطمةُ بنتُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وعندَهَا حسَنٌ، غلامٌ يدبُّ بين يديها، فقال: يا عليٌّ، إنك أمسُّ القومِ بي رَحِمَاً، وأقربُهُمْ مِنِّي
стр. 143
قَرابَةً، وقد جِئتُ في حَاجَةٍ، فلا أرجِعَنَّ كما جِئتُ خَائِبَاً، فاشْفَعْ لي إلى رسُولِ الله ﷺ ، فقال: ويحك يا أبا سفيان، واللَّهِ لقد عزمَ رسولُ اللَّهِ ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلمَه فيه، فالتَفَتَ إلى فاطمة ﵂، فقال: يا بنتَ محمَّدٍ، هل لكِ أن تَأمُرِي بَنِيْكِ هَذَا، فيُجِيرَ بَينَ الناس؛ فيَكُونَ سَيِّدَ العَرَبِ إلى آخر الدهر؟
فقالت فاطمة ﵂: واللَّهِ ما بلغَ بَنِييَّ ذاكَ أنْ يُجيرَ بَينَ الناس، وما يُجيرُ أحدٌ على رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
أقول: يُلحظ أنَّ في رواية ابنِ إسحاق، لم يطلُبْ أبو سفيان من فاطمة أن تشفع، بل أن تأمُرَ ولدَها الحسن ﵃، بخلاف رواية الواقدي، وموسى بن عُقبة، ومِقْسَم، وعكرمة ــ واللَّهُ أعلم ــ.
стр. 144
[٢١] موقف فاطمة مع أبي لبابة، وهل حلت عقاله ﵄ -؟
قصةُ أبي لبابة بن عبدالمنذر الأنصاري ﵁ وربطِه نفسَه في المسجد ندَماً على خطئيته ـ إما بعد غزوة تبوك، وإما بعد قريظة على اختلاف في ذلك ـ، وحَلَفَ أن لا يحِلَّ رِبَاطَه إلا رَسولُ اللهِ ﷺ ، فَحَلَّه الرَّسُولُ ﷺ ـ كذا في أغلب الأسانيد والروايات وهي من روايات السير والمغازي ـ وهذا القولُ هو المتناقل عند المُحدِّثين والمُفسِّرين والمُؤرِّخِين.
وفي روايةٍ ضَعِيفةٍ جِدَّاً: أن فاطمةَ ﵂ هي التي حلَّتْهُ وفكَّت رباطَه، وقال النبيُّ ﷺ إثرَ ذلك: «هي بَضعةٌ مني».
فبَرَّ أبو لبابة بيَمِيْنِهِ.
والصوابُ والأشهر، هوالأول، ولا يصحُّ لفاطمةَ ذكرٌ في القصة.
стр. 145
[٢٢] طلبها الميراث من أبي بكر، وعلاقتها بالشيخين ﵃ -.
لم تكُن فاطمة ﵂ تَعلَمُ ــ كما بقية أزواج النبي ﷺ عدا عائشة ــ أنَّ النبيَّ ﷺ لا يُورث، فجاءت تطلبُ ميراثها من أبي بكر، فأخبرَها بالسُّنَّة في ذلك، فصدَّقت، ولم تُناقشْهُ في ذلك، ولم تَعُدْ تطلب الميراث منه مرةً ثانية.
قال الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ﵀: (ولما توفي أبوها ﷺ ، تعلَّقَتْ آمالها بميراثه، وجاءتْ تطلب ذلك من أبي بكر الصديق، فحدَّثها: أنه سمعَ من النبيِّ ﷺ يقول: «لا نُورَث، ما تركنا، صدقة». فوَجَدَتْ عَليه، ثم تعَلَّلَتْ. ثم ذكر الذهبيُّ مراضاة أبي بكر لها في مرضها ﵄).
قال أبو إسماعيل حماد بن إسحاق المالكي (ت ٢٦٧ هـ) ﵀: (فأمَّا ما يحكيه قومٌ أن فاطمة ﵍ طلبتْ فدَك، وذكرَتْ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أقطعها إيَّاها، وشهِدَ لها عليٌّ ﵇، فلم يقبل أبو بكر ﵁ شهادتَه؛ لأنه زوجها؛ فهذا أمرٌ لا أصَلَ لَهُ، ولا تثْبُتْ بِهِ رواية، أنَّها ادَّعَتْ ذلك، وإنما هُوَ أمْرٌ مُفْتَعَل لا ثَبْتَ فيه، وإنِّما طلَبَتْ وادَّعَت الميراث، هي وغيرها من الورثة؛ وكان النظر والدعوى في ذلك،
стр. 146
وقد بيَّنَا ما جاءت به الروايات الصحاح فيه، وإنما طلبتْ هيَ والعباسُ ﵉ من فدَك وغيرها، مما خلَّفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الميراث، ولمْ تذْكُرْ أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ أقطعها إياها، بل كان طلبها من فدَك وغَيرِ فدَك ميراثها).
وقال أيضاً: (ولو كان رسُولُ اللَّهِ ﷺ أقطعَها فدَك، وعَلِمَ بذلك عليٌّ ﵇، وشهِدَ بِهِ كما ذَكَرُوا؛ لأَوْجَبَهَا عَليٌّ ﵇ لِوَرَثَةِ فاطمة ﵍، حيثُ وليَ الأمرَ، ولم يظلمْهُمْ حقوقَهُم أن كان قَدْ شهِدَ بذلك عَلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ كما زعموا، ولم يسَعَه إلا ذلك، إنْ كان ــ كما قالوا ــ شهِدَ بذلك على رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولم يكُن عَلِمَهُ أبو بكر فرَدَّ شهادتَه مِن أجل أنَّه زوجُها.
وكان يجبُ عليه ﵇ حيث وليَ الأمرَ أنْ يُمْضِيَهِ لهم، ويقول: قدْ أشهَدَنِي رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ورَدَّ أبو بكر شهادَتي مِن أجلِ أني زوجٌ، ولا يسَعُنِي إلا إنفاذَ الحقِّ لأهْلِهِ، كما جعلَهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ لها؛ إذْ علمتُ منهُ مَا لم يكُنْ عَلِمَهُ أبو بكر، فإنَّه لا يحلُّ لمسلمٍ إلا إنفاذَ ما صَحَّ عندَهُ مِن فِعْلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وأمرِهِ، يقول اللَّهُ : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة النور، آية ٦٣) كمَا عمِلَ أبو بكر ﵁ فيما سَمِعَ مِن رسولِ اللهِ
стр. 147
- ﷺ من قوله: «إنَّا لا نُورَث»؛ وكذلك إمضاؤه أمرَ قَسْمِ الخُمُسِ وغَيرِهِ، على ما رأى مِن فِعْلِهِ ﷺ ، ثمَّ لا يستَوحِشُ مِن ذلك ولا يُشاوِرُ فيه أحدَاً كما كان يفعلُ في غيره، مما لم يسمَعْ فيه منه شيئَاً، فيجمَعُ له أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عمرُ بعده.
ومَنْ قال بهذا القولِ يَلزمُهُ الطعنُ عَلى عَلِيٍّ ﵇ أكثرَ مما يلزمُه مِن الطعنِ عَلى أبي بكر! إذْ كان يزعُمُ أن عليَّاً ﵇ لم يُنفِذْ أمْرَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ الذي قدْ عَلِمَهُ، وشَهِدَ بِهِ، وأجازَ ما كانَ ظُلماً عندَه، ولم يُغيِّرْهُ، وزعَمُوا أنَّ أبا بكر لم يكُنْ عَلِمَ بذلك، وإنَّمَا شهِدَ بِهِ عندَهُ الزوجُ، فلَمْ يُجِزْ شهادَتَهُ، وطَعْنُهِمْ عَلى عَلِيٍّ ﵇ في هذَا أكثَرُ؛ وقَدْ خَلَّفَتْ ﵍ من الوَلَد: الحسنَ، والحُسين، وزينبَ، وأمَّ كلثوم ﵈، فتزوجَ عبدُالله بنُ جعفر بزينب، وولَدَتْ لَه أولادَاً، وتزوَّجَ عُمَرُ بأم كلثوم، وولدَتْ له زيْدَاً ورُقَيَّة ابنَي عُمَر، فكان يجبُ عَلى عَلِيٍّ ﵇ تسلِيمَ فَدَكٍ إلى ولَدِهَا، وكانَ لِعُمَرَ ﵁ الحظُّ الوَافر في ذلك، وهُو حَقُّ زوجتِهِ أمِّ كُلثومٍ، ثمَّ لزيدٍ ابنِهِ منها ولَدٌ). انتهى.
стр. 148
علاقة فاطمة ﵂ بالشيخين الخليفتين الراشدين ﵄ -:
كان الشيخان أبو بكر وعُمَر، والصحابةُ كلُّهم ﵃، والمسلمون أهلُ السنة والجماعة يُحبُّون آلَ بَيتِ النَّبيِّ ﷺ مَحبةً شَرعِيَّة، ويَعرفون لهم حُقُوقَهم، وكان بين الصحابةِ وآلِ البيت أُلْفَةٌ وحَميمِيَّةٌ ومُصَاهَرةٌ، لَمْ يُنكِرها إلا مُكَابرٌ مُعَانِدٌ.
كان الشيخان الخليفتان الراشدان البارَّان: أبو بكر، وعمر ﵄ يعتنيان بفاطمة وأولادها ﵃ غايةَ العناية، وقد طلبت فاطمة من أبي بكر أمرين: ميراثها، وأن يتولى زوجُها صدقاتِ النَّبيِّ ﷺ ، فأخبرها أبو بكر بالشرع الوارد، وأنَّ النبيَّ ﷺ لا يُورَث، وأما الصدقات فإنه يتولاها خليفةُ الرسول، ويعمل فيها كما كان يعمل فيها الرسولُ ﷺ ، وخيرَاً فعَلَ ﵁.
لم يَحصُلْ لفاطمة ﵂ ما طلَبَتْهُ، وعتَبَتْ على أبي بكر، فهجَرتْهُ حتى ماتَتْ، كما ذكرَتْ ذلك عائشةُ ﵂ وهي بهذا أعلم، وحديثُها في «الصحيحين»، لم يُنكر أحَدٌ من الأئمةِ صِحةَ ما ورَدَ فيه، إلا بعضُ المعاصرين الذين طعَنوا في عدد من الجُمَل الواردة فيه، ومنها: هَجْرُ فاطمة أبا بكر ﵄، ولم يكن معهم حُجَّة فيما ذهبوا إليه من القدح في الحديث.
стр. 149
وكان عُمر يقدِّم آل البيت في العطاء، وقد أظهر محبتَه لفاطمة، وبيَّن مكانتَها عنده، وأخبرَها بخطأَ اجتماعِ نفَرٍ من الرجال عند زوجها ﵁ في الأيام الأولى من البَيعة، والبَيعةُ قد قامَتْ لأبي بكر، فأمرَها عمرُ بعدم اجتماعهم، وهدَّدَ الرجال إن اجتمعوا أن يُحرِّق عليهم، كلُّ ذلك إتماماً للجماعة ودَفعاً للفُرقة والنزاع، وللسياسةِ الشرعية أحكام.
من محبة عمر لفاطمة زواجه بابنتها أم كلثوم ﵃ -.
هذا المبحث ـ علاقة فاطمة بأبي بكر وعمر ﵃ ـ من المباحث المهمة التي كثرت فيه الشبهات، وزلَّ فيها كثيرٌ ممن كتَبَ من المثقفين المعاصرين، فانظر الأصل = كتابي عن فاطمة ﵂، المجلد الثاني: نفقة النبي ﷺ عليها، ومبحث طلبها الميراث، وفي نهاية المجلد الرابع، وبداية الخامس علاقتها بالشيخين أبي بكر وعمر ﵃ ــ واللَّهُ الموفق والهادي، لا إله إلا هو العليم الخبير ــ.
стр. 150
[٢٣] هل لها موقف من بيعة أبي بكر ﵄ -؟
لمْ أقِفْ على شَيءٍ في مَوروث أهل السنة والجماعة: حديثاً، وعقيدةً، وتاريخاً، يتعلق بموقف فاطمة من بيعة أبي بكر ﵄.
والمرأةُ في الإسلام لا علاقة لها بالأمور السياسية البتة، فاليقينُ أنها وبقية النساء ــ ومنهن أمهاتُ المؤمنين أزواجُ النبي ﷺ ــ يتبعن ما اختارَه الرِّجَال مِن أهل الحلِّ والعَقْد.
قال أبو المعالي الجُويني (ت ٤٧٨ هـ) ﵀: (فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِمَحالِّ الإجماع في صِفَةِ أهلِ الاختيارِ، ثم ننعَطفُ على مَواقعِ الاجتهادِ والظنون.
فما نعلمُه قطعاً أنَّ النِّسوةَ لا مَدخلَ لهنَّ في تخيُّرِ الإمام وعَقْدِ الإمامَةِ، فإنهُنَّ ما رُوجِعْنَ قطُّ، ولو استُشِيرَ في هذا الأمرِ امْرأةٌ، لكان أحرى النِّسَاءِ وأجدرُهُنَّ بهذا الأمرِ فاطمةَ ﵍، ثم نِسْوةَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ أمهاتِ المؤمنين، ونحنُ بابتداءِ الأذهانِ نعلَمُ أنَّهُ ما كان لهُنَّ في هذا المجال مَخاضٌ في مُنقَرَضِ العُصورِ، ومَكَرِّ الدُّهُور).
وقال أيضاً: (والنسوانُ لازماتٌ خدورَهن، مفوِّضَاتٌ أمورَهن إلى الرجال القوَّامين عليهن، لا يعتَدْنَ ممارسة الأحوال، ولا يبرزْنَ في مُصَادَمَةِ الخُطُوبِ بروزَ الرِّجَال، وهُنَّ قَلِيلاتُ الغَنَاءِ فيما يتعلق بإبرامِ العَزائمِ
стр. 151
والآراء، ولذلك ذهبَ مُعظَمُ العلماءِ إلى أنَّهُنَّ لا يَسْتَقْلِلْنَ بأنْفُسِهِنَّ في التزويج).
قال الباحث: حافظ محمد أنور ــ بعد دراسة طويلة ــ لمسألة المرأة والشورى واختيار الخليفة: (إنَّ المرأةَ لم تشارك في الحياة السياسية، ولم تحضر المجالس الشورية مع الرجال في عهد الرسُولِ ﷺ والخلفاء الراشدين المهديين، بل وبعدهم أيضاً فترة طويلة، ولم يكن لها دور في اختيار الخلفاء ومبايعتهم).
فمن شروط أهل الحَلِّ والعَقْدِ: الذكورية، وليس للنساء مَدخل فيه.
هذا، وإنَّ من العَجَبِ العُجَاب ـ غير المستغرَب ـ من الإمامية أن يدَّعُوا إمامَةَ فاطمة! ! (١)
وأعجبُ من ذلك أن يكتُبَ في سيرة فاطمة ﵂ مَن يَنتسب إلى أهلِ السُّنَّة، فتطير الإمامية به فرحاً، ويستدلون بكلامه، وما كتبَ إلا أديبٌ مُنَحازٌ، أو غَيرُ محقِّقٍ، أو صُوفِيٌّ جَاهِلٌ، أو حَاطِبُ لَيلٍ.
стр. 152
فمثلاً: الأديب: عباس العقاد، يتحدث ببيان عجيب في مواضع من كتابه، يذهب إلى ما ذهبَتْ إليه الإمامية، فانظر إليه يقول: (بعضُ الأخبار يفيد ــ إنْ صحَّ وإن لم يصح ــ ومِن هذه الأخبار: خبر الرواة الذين قالوا: إنَّ عليَّاً جامَل فاطمة، فلم يبايع أبا بكر إلا بعد وفاتها.
إنْ صحَّ هذا الخبر أو لم يصح فدلالتُه صحيحة، وهي اعتقاد الناس في ذلك العصر أنَّ القضيةَ قضيةُ الزهراء، وأنَّ الإمامَ يُجامِلُها فلا يُغضِبُها وأنه أحقُّ بالخلافة، وأنَّ الأَولى أنَّ الخلافة تطلبُه لمعرفتِه بحقِّها. ثم جاء العقَّاد بخيالات وتوهُّمَات ــ عفَى اللَّهُ عنا وعنه ــ.
وفي موضع آخر ذكر عن الفاطميين ــ المنتسبين كذباً إلى فاطمة ــ: (بأنهم ثَبَتُوا على حقِّهِم في الخلافة، ووَرِثُوا الثباتَ من عليٍّ وفاطِمَة).
قلت: يريد بثبات علي وفاطمة: أحقية عليٍّ بالخلافة بعد النبي ﷺ ! !
ويذهب في موضع آخر إلى أنَّ فاطمة ترى حقَّ عليٍّ في الخلافة، أو أنَّ قرابةَ الرسُولِ ﷺ أحقُّ المسلمين بخلافتِه.
قال: وكان هذا رأي طائفةٍ من الصحابة الصالحين، أدهشَهم أن يجري الأمرُ على غير هذا المجرى! !
ويدَّعِي أن لفاطمة رأياً معارضاً لخلافة أبي بكر، وأنها لم تغضب إلا لأجلها، والخلافُ إنما هو على ميراث الخلافة! !
قلت: مَن الإمامي الذي أنبأكَ بهذا؟ !
стр. 153
وننظر في الكتاب الثاني وهو من تأليف الأديبة د. عائشة بنت الشاطئ، إذْ تذكر أنَّ عليَّاً حمَلها فوق دابة، وطافَ بها ليلاً على مجالس الصحابة ﵃ مجلسِاً مجلسِاً تسألهم تأييد عليٍّ في الخلافة! !
وقالت فاطمة للصحابة بأنَّ اللَّهَ حَسيبُ مَن انتزع الخلافة! !
وذكرَتْ د. بنتُ الشاطئ صراخَ فاطمة من أبي بكر وعمر، ومراضاة أبي بكر وعمر لفاطمة، وبيانُها لهما أنها ساخطةٌ عليهما، وستشكوهما لأبيها ﷺ إذا لقيَتْه! !
وهكذا في كتاب محمد حسين هيكل، وعَددٍ من الكُتَّاب المتأخرين في مصر خاصة، يلوكون هذه القضايا دون مستند، وهي كَذِبٌ فجٌّ صُرَاحٌ ــ واللهُ المستَعانُ على ما يَصفُون ويَفتَرون ــ.
стр. 154
[٢٤] حزنها ﵂ على وفاة أبيها ﷺ -.
عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ»، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ.
أخرجه: البخاري، ومسلم.
حُزْنُها ومُصِيبَتُها على أبيها النبيِّ ﷺ لا يمكن أن يتصوَّرَها أحَدٌ، وفي كلماتها السابقة حُزنٌ كاتم، مع إيمان ويقين باللهِ ﵎.
تضَاعَفَ الحُزنُ علَيها بعدَ وفَاة أبيهَا ﷺ ، وبَقِيَتْ حَزِيْنَةً حتَّى تُوفِّيَت بعدَه بستَّةِ أشهُرٍ، وكانَتْ صَابِرَةً مُحْتَسِبَةً ﵂.
قال محمد بن علي بن الحُسين بن علي بن أبي طالب ﵀: «ما رُئِيَتْ فاطمةُ ضَاحِكةً بعْدَ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إلا أنها قد تُمُورِي في طَرَفِ فِيها». وهذا مُرسَلٌ، محمدٌ ووالدُه لم يُدركَا فاطمة ﵂.
عن عبدِالله بن الحارث، قال: مكثَتْ فاطمةُ بعدَ النَّبيِّ ﷺ ستة أشهر، وهي تَذُوب.
стр. 155
قيل: وما ضَحِكَت بعده أبدَاً.
وقيل: وما رُئيَتْ ضاحكةً إلا تبسُّمَاً حتى ماتَتْ، وامتَروا بطَرَف فِيْهَا، ويُروَى أنها تبسَّمَتْ قُبَيل وفاتها عندما قِيل لها عن النَّعْشِ الذي يُصنَعُ في الحبَشَة.
قال ابن كثير ﵀: (ويقال: إنها لَمْ تَضحَكْ في مُدَّةِ بقَائها بعدَهُ ﵊، وإنها كادَتْ تَذُوبُ مِن حُزنِها عليه، وشَوقِها إليه).
قال القسطلاني ﵀ في حالها: ما ضحِكت، وحُقَّ لها ذلك.
وما رُوي، وقِيل مِن نَظمِها أو تمثُّلِها ﵂ بأبيات من الشعر بعد وفاة والدِها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، كلُّهُ كَذِبٌ، لا يصحُّ مِنْهُ شَيءٌ، ولا يَقْربُ مِن الصِّحَّةِ.
стр. 156
[٢٥] وصيتها ﵂ -.
ذكر أهلُ التاريخ الأوَّلُون أنها أوصَتْ عَلِيَّاً أن يتزوَّج بعدَها ابنةَ أختها زينب: أمامَةَ بنتَ أبي العاص ﵂.
وأوصت أن تُدفَن ليلاً، قيل: حِرصاً منها على الستر.
ورُوي أنها اغتسَلَتْ، ولَبِسَتْ أكفانها، وأوْصَتْ ألا تُغسَّل. وهذا باطِلٌ لا يَصِحُّ.
ورُوي أنها أوصَتْ عليَّاً وأسماءَ بنتَ عُمَيس أن يُغسِّلاها. وهذا ضَعيفٌ لا يَثبُتْ.
وثمَّةَ وصايا كثيرة، وكلُّ ما قيل فيها، وفي مَظلَمَتِها، كَذِبٌ وزُوْرٌ من افتعَالِ الإمَامِيَّةِ، ومَنْ تَبِعَهُم مِنْ جَهَلَةِ الصُّوفِيَّةِ، وجَهَلَةِ الأُدَبَاءِ المُعَاصِرِيْن.
وفي الكتاب الأصل تفصيلُ ذلك كلِّه.
стр. 157
[٢٦] وفاتها: متى توفيت، ومن غسلها، وصلى عليها ﵂ و ﵍ -؟
أخبرها النبيُّ ﷺ في مسارَّته لها بقُرْبِ أَجَلِه، وأنها أول مَن يتبعه من أهله.
مرِضت ﵂، فشُغِل بها عليٌّ ﵁، في تمريضها، وفي تَسْلِيَتِهَا بعد مُصِيبتها في فقد أبيها نبينا ﷺ ، وكان يلازمها.
توفيت ليلةَ الثلاثاء، (٣/ ٩/ ١١ هـ)، لثَلاثٍ خَلَونَ من شهر رمضان، بعد أبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بستة أشهر.
غَسَّلَها عليٌّ، وَصَلَّى عَليها مع جماعة من آلِه، ودفنَها في البقيع ليلاً، ولم يُخبر بذلك أبا بكر والصحابةَ ﵃.
وكان عمرُها نحو ثمان وعشرين سنة ونصف السنة تقريباً.
قيل: بأنها أول مَن غُطِّي نعشُها في الإسلام؛ لما رُوي أن أسماء بنت عُمَيس ذكَرَتْ لها ما رأتْهُ في الحبَشَة من سَتْر المرأة بهذا النَّعْشِ، فاستَحْسَنَتْهُ ﵄.
[٢٧] قبرها ﵂ -.
لا إشكال أنَّ فاطمة ﵂ دُفنت في المقبرة في بقيع الغَرْقَد، ولايصح أنها دُفِنت في بيتها، هذا هو المعتمد عند المؤرِّخين، وقد رَدُّوا على مَن ادَّعى أن قبرَها في بيتها، أو أمامَ مصلَّى الإمامِ في الروضة الشريفة، وهي
стр. 158
أقوالٌ واهِيةٌ جِدَّاً.
وأيضاً لا يصحُّ أن قبرَها أُخفِي عن الصحابة ــ كما تدعيه الإمامية ـ، وقد وردَتْ آثارٌ كثيرة ـ على ضَعفِها وانقطاعِها ـ تُثبِتُ أنها في مقبرة البقيع، قريباً من زاوية دار عُقيل، ومُواجِه دار نُبيه.
وهذه الدُّورُ والمَواضع كلُّها قد زالَتْ، ودخلَتْ في التوسعة ــ واللَّهُ أعلم ــ.
ولا يكادُ أحَدٌ الآنَ يَعلَمُ قبرَاً مُعَيَّنَاً من القُبور التي ذُكرَتْ في عدد من النصوص ــ ذكرتُها بالتفصيل في كتابي الأصل ــ.
فالقبورُ تتغيَّر معالِمُها، وتندثرُ تماماً مع تعاقب القرون فكيف بتعاقب قرون طويلة تصل إلى خمسة عشر قرناً، وفي التاريخ ما يدُلُّ على تعاقب الدفن في البقيع ـ في نهاية القرن الأول ـ في موضع واحد دون معرفة بالسابق.
ولم يكن على قبرها ولا قبرِ أحَدٍ من المسلمين تَجصيصٌ، ولا قُبَّةٌ، ولا بناءٌ؛ لنهي النَّبيِّ ﷺ عن ذلك، وإنما حدَثَ البناءُ على القبور في مكة والمدينة، وغيرِها، في زمن العُبيديين الباطنيين في القرن الخامس الهجري، ولقي استحساناً من الصوفية! !
قال السمهودي (ت ٩١١ هـ) ﵀: (وإنما أوجب عدمَ العِلْم بعين قبر فاطمة ﵂ وغيرها من السلف، ما كانوا عليه من عدم البناء على القبور وتجصيصها .. ).
стр. 159
ومَن دخل البقيع الآن، وسلَّم على الجميع بما في ذلك الصحابة وآل البيت ﵃؛ كفَاهُ ذلك ــ والحمدُ للَّهِ ــ.
ومن محاسن الدولة السُّعودية السُّنِّيَّة السَّنِيَّة المباركة ــ حفظها الله وحماها، وأبقاها مَصدَرَاً ومَورِدَاً لأهل السُّنَّةِ والجماعة ــ:
أنها هدَمَتْ القِباب البِدعية المبنية على القبور في مكة والمدينة، ومنها: قُبَّةٌ عظيمةٌ جدَّاً بُنيَت في البقيع على قبور يُدَّعى أنها لبعض آل البيت، ومنهم: فاطمة! !
وقد هُدِمَت القباب في البقيع مرَّتين ــ وللَّهِ الحمد ــ وعادَتْ المقبرة كما كانت في عَهْدِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، وعَهدِ الخلفاء الراشدين، والقرون الثلاثة المفضَّلة.
فالحمد للَّهِ على التوحيد، والسُّنَّة، والعقل الرشيد، ونسأل اللَّهَ أن يجزي الدولةَ السعودية خيرَاً كثيرَاً على إحسَانِها في هذه الأمور العقدية، وفي رعاية شؤون الحرمين الشريفين رعايةً فائقةَ الجَودة، مُبهِجَةً مُدهِشَةً ــ زادها اللهُ قوة وعزة ونُصرة للتوحيد والسُّنَّة، ورزَقَها خيرَاً على خَيْر ــ.
والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمين.
стр. 160
[٢٨] منظومتان لترجمة فاطمة ﵂ -.
استكتبتُ ــ لكتابي الأصل ــ بعضَ مَن أثقُ بجودَة شعره أو نظمه، مُيسِّرَاً لهم ذلك بمختصر جدَّاً لترجمتها، ولم أتمكن مِن الحصول إلا مِن اثنين:
١ ــ من فضيلة الشيخ الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري (١) فقد طلبتُ منه نظماً في فاطمة ﵂، وأرسلتُ له مُختَصرَاً من هذه الترجمة (٢)، فاستجاب لذلك ورحَّبَ ــ أحسنَ اللهُ إليه وجزاهُ خيرَاً ــ، ثم نظمَها في مِئَةِ بَيْتٍ، وأرسلَها إليَّ (٣)،
وهي التالية:
متن الأرجوزة الفاطمية المسماة:
стр. 161
١ - «السنن العاصمة في مناقب فاطمة ﵍ -»
للشيخ الفقيه الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناظم *
الحمد لله الذي علَّمنا ... مذاهب الأسلاف إذ فيها الغِنى
فمن طريقِهم أتانا الدينُ ... مؤصّلاً شعارُه التبيينُ
ما فيه من ميلٍ عن الآثارِ ... ولا تكلفٍ لمن يماري
وهذه الأرجوزة المُرتّبة ... فيما لبنت أحمدٍ من مَرْتبة
صلى عليه ربُّنا وسلَّما ... وآله وصحبه ومَن سما
تحوي صحيح الفضل أضحت عاصمة ... في سيرة «الزهراء» وهي «فاطمة» (١)
بنتُ النبيِّ المصطفى المطهَّرة ... زوجُ ابنِ عمِّه المُسمى «حيدرة»
أتت على منهج أهل السنةِ ... وحبِّهم للآلِ خير عترة
سألنيها الفاضلُ «المديهشُ» ... وهو اللبيبُ الفاحصُ المفتشُ
عن هذه الفضائل المسطورة ... في الكتب النافعة المنشورة
فلم أجد بُداًّ من امتثالي ... سؤالَه فهو أخو أفضال
стр. 162
اسمها ونسبها وكنيتها ولقبها
«فاطمةُ» اسمها من الفطْم الجلي ... وهو انفصالٌ عن رضاعٍ فاعقل
نسبُها إلى الرسول الهاشمي ... محمدٍ لنسل عدنانَ نُمي
من ولدِ اسماعيلَ للخليلِ ... يعودُ في التحقيق يا خليلي
كنيتها: «أم أبيها» كم لها ... من شرفٍ بهِ يطاول السُّها
وقيل: أم الحسنين أيضاً ... أفاده ابن حجرٍ خذ فيضاً
لقبُها: الزهراءُ والبتولُ (١) ... كم لهجت بذينك الفحولُ
الأول الضياء والإنارة ... من البياض فاحفظ العبارة
وأما البتول فمن التبتُّلِ (٢) ... وذاك الانقطاع لله العلي
وقيل: إن اللقبين انطلقا ... من قبل الشيعةِ ثم صُدّقا
من بعض أهل السنةِ الأخيارِ ... إذ ليس فيهما من استنكار
والحقُّ عندنا هو المعتبرُ ... يُقبل ممن قاله فحرَّروا
والدُها ووالدتها
والدها أفضلُ خلقِ الله ... محمدٌ هو ابن عبدالله
القرشيُّ الهاشميُّ العربيُّ ... سيّدُ نسلِ آدمٍ خيرُ نبي
وأمها: خديجةٌ خيرُ النساء ... في هذه الأمةِ ذات الائتسا
стр. 163
وكلُّ أولادِ النبيِّ منها ... سوى ابنِه ابراهيم فاحفظنها
أولُ مَن آمن ثم صدَّقَه ... وثبتتْ، به مضَتْ لورَقة
أفضالُها فاقت بها أناما ... واللهُ قد أقرأها السلاما
مولدها زماناً ومكاناً
قد وُلدت فاطمةُ الأبيَّة ... من قبل بعثةِ النبيْ السنيَّة
بخمسةِ الأعوام في المرجّحِ ... في بيته بمكةٍ فصحح
ترتيبها بين أخواتها
ترتيبُها الرابع فهي الصغرى ... من البنات للنبيِّ طُرَّاً
من بعد زينبٍ كذا رقيّة ... وأم كلثومٍ حوتْ مزيّة
قد دخلت في الدين من قبل البلوغ ... واتبعت والدها شأن النبوغ
نشأتها
ونشأت في بيت خير الخلقِ ... وخيرِ أمٍّ بالهدى والحقّ
ورضعت بوادرَ العبادة ... والعلمَ والأذكارَ والزهادة
صفتها وشمائلها
صفاتها قد أشبهت أباها ... في المشي والسمت وما قد فاها
به من الكلام والهداية ... من شابه النبيَّ حازَ الغاية
لها من الشمائل الأثيرة ... الشرف الأعلى وحُسنَ السيرة
стр. 164
ملازمتها لأبيها ودفاعها عنه
كم لازمت والداها النبيَّا ... وعنه ردّت مارقاً أذيَّا
وسبَّت الفاعلَ للفجورِ ... إذ دفعت عنه سلا الجزور
وطبّبت جراحه وأوقفت ... دما يسيل منه ثم سترت
مقامه إذ رام الاغتسالا ... في «الفتح»، من برٍّ حوتْ خصالا
وبقيت كل حياتها معه ... ولحقت بنصف عامٍ مسرعة
هجرتها
تقدمت راغبةً في الهجرة ... وعُمرها نحو ثمان عشرة
من بعد هجرة النبي المصطفى ... بسبعة من الشهور فاعرفا
محبة المسلمين لها
أحبَّها أهلُ الهدى والملة ... من كلِّ مسلمٍ كذا الأجلة
وحبها دينٌ وإيمانٌ غدا ... على الجميع واجباً مؤكدا
وقد غلا الشيعةُ والأراذلُ ... في حبها وأمرهمُ لسافلُ
إذ كذبوا وزوَّروا كل بِنا ... في وصفها وهيَّ عنهُ في غِنى
زوجها
وزوجُها عليٌّ ابنُ عمِّ ... والدها صاحبُ فضلٍ جمّ
رابع خير الخلفاء الراشدين ... فدى أباها، حبُّه والله دينْ
في السنة الثالثة الهجرية ... تزوَّجا فنعمتِ الذريَّة
стр. 165
من علاقتها مع زوجها
فصبرت وصابرت وخدمتْ ... وسبَّحَتْ وكبَّرَتْ وهلَّلتْ
وامتثلت قول النبي الخاتمِ ... بأن ذا خيرٌ لها من خادم
أولادها
وأنجبت لزوجها الأولادا ... الحَسَنَ الذي بصُلْحٍ سادا
ثم الحسين بعده مُحسِّنُ ... وزينبٌ وأم كلثوم افطنوا
فالحسن الذي غدا شبيها ... للمصطفى محمدٍ أبيها
وعقَّ عنهما النبيُّ كبشا ... كبشاً وبالسعد غدا أبشَّا
عقبها
ونسلُها من حسنٍ مع الحسين ... وزينبٍ وصيتهم في الخافقين
أولئك الأشراف فيما اشتهرا ... وسادةٌ بهم يقرُّ الكُبَرا
علمها
وعلمها وفقهها في السننِ ... سار جليَّاً للحصيف الفطن
قد حفظت عن النبيِّ الهادي ... من الحديث جملة الأعداد
لم يرو عنه غيرُها من ولدِه ... حديثُها فيه علوُّ مُسنِده
مسنَدُها حوى لها ثمانية ... وأربعين (١) واضحاتٍ دانية
стр. 166
لم تنقطع لغير ذاك البتة ... روى لها أصحابُ كُتْبٍ ستة
فأنسٌ عنها روى كذا ابنها ... هو الحسين وعليٌّ زوجها
وأم رافعٍ وأم سلمة ... عائشةٌ، حديثهم ما أعظمه!
ففي الصحيحين لها ثلاثةُ ... والسننِ الأربع قل: أربعةُ
وعند أحمدٍ فأربعٌ أتت ... وأربعٌ مع الثلاثين انجلت
في سائرِ الكُتْبِ وفي علم السِّيَر ... مع التواريخ حديثٌ مستَطر
عنها حديثان بلا إسنادِ ... استُدركا في كتبٍ أفراد
فتمت العدةُ خمسين سوى ... اثنين (١) فاحفظ منه ما عدلٌ روى
فضائلها وخصائصها
وقد حوت فضائلاً كثيرة ... مسطورةً في كتبٍ للسيرة
فإنها قد بُشّرتْ بالجنةِ ... سيدةُ النساءِ تاجُ العفة
صابرةٌ ديِّنةٌ وخيِّرة ... صيِّنةٌ قانِعَةٌ مستغفرة
الكذب على فاطمة
وهكذا كلُّ ذوي فضلٍ وجب ... فليس ينجو من مبالغٍ كذَب
فكذبُ الرافضة الكثيرُ ... قد عمّ آل البيت يا خبيرُ
فاخترعوا من الأباطيل الهُرا ... وزوَّروا وأكثروا المستنكرا
وابتدعوا في وصفها مناقبا ... مع الغُلو؛ كُنْ لها مجانبا
стр. 167
طلبها الميراث وعلاقتها بأبي بكر الصدِّيق ﵄
وطلبت ميراثها من النبي ... ولم تكن تعلمُ قبل الطلب
أن أباها ليس موروثاً كما ... أخبرها الصدّيقُ قولاً مُحكما
فوجدت في نفسها وهجرتْ ... حتى وفاتها وهذا قد ثبتْ
وقيل: قد أقنعها الصديقُ ... قبل وفاتها وذا خليقُ
من بعده بايعه عليُّ ... قدرُهما في أمتي عليُّ
ما نُظم في مدحها من الشعر
في مدحها التشريف للمحابرِ ... كما أتى للحافظ «العساكرِ» (١)
كذاك «إقبالٌ» على ما اشتهرا ... من نظمه أرجوزةً مفتخرا (٢)
كذاك للمعاصرين مسلكُ ... في نظم بعض فضلها يُستدركُ
حزنها على وفاة أبيها
وحزنت على وفاة المصطفى ... وكربُها قد شاع فيما وصِفا
وقد نعتْ في تلكم المصيبة ... خير الأنام إنها لبيبة
وصيَّتها
وقيل: قد أوصت بأن تُدفنَ في ... ليلٍ لحرصها على السترِ اعرف
стр. 168
وفاتها
وفاتُها بعد أبيها المصطفى ... بستة الأشهر فيما عُرفا
سنة إحدى عشرة فلتعلم ... في ثالث من رمضانَ الأعظم
يوم الثلاثا، زوجُها غسَّلها ... صلى عليها والبقيع أدخلا
للدفن ليلاً فيه فالوصية ... نافذةٌ من حُرَّةٍ أبيَّة
وعمرها إذ ذاك في العشرين ... بعد ثمانٍ من رحى السنين
قبرها
وقبرُها وسْط بقيع الغرقدِ ... بلا خلافٍ فاستمع واستفد
مَن ترجَم لفاطمة ﵍ -
ترجمها جمعٌ من الأعلامِ ... كالذهبيِّ الحافظ الإمام
وثَمَّ مَن أفردها كالحاكمِ ... ثم السيوطيُّ بثغرٍ باسم
ثم الصلاة والسلام السرمدي ... على النبيِّ المصطفى محمد
وآله وصحبه ومَن سلك ... سبيله ما دار نجمٌ في الفلك (١)
стр. 169
٢ ــ منظومة أخرى ، كتبها لي فضيلة الشيخ الفاضل اللغوي: محمود بن محمد بن محمد بن هارون بن الصالح بن أبي بكر الإدريسي الحسَنِي ــ حفظه اللَّهُ ورعاه ــ. (١)
منظومة في فاطمة ﵂
عظُم المرامُ فهل يُساعِفُ خاطري ... بنظيمِ دُرٍّ من ثناءٍ عاطِر
أم هل لشعر أن تُحيطَ بُحورُه ... بخصائص الزهراء أخت الطاهر
ومحاسنٍ شاد المنزَّلُ أصلَها ... فزَكَتْ وأَغْنَتْ عن سموط جواهر
نُبِّئْتُها فوق الحصى تَعدَادُها ... يذر المفوَّه كالعييِّ الحائر
إنَّ المهابةَ ألجمَتْهُ مفحَماً ... بالعيِّ عن خوضِ الخضَمِّ الزاخر
ماذا يقول عن البتول أما كفى ... شرفاً لها يومُ الكساءِ الساتر
مجدٌ تأثَّل في ذؤابة هاشمٍ ... وأتَمَّ أحمد نظمَ شملِ مآثر
هي بضعة المختار سَيِّدةُ النِّسَا ... فَرعٌ لدَوح مكارمٍ ومفاخر
وبأنها خيرُ النساء وأُمُّها (٢) ... صحَّ الحديثُ عن النبي الحاشر
زهرَا تَفتَّقَ نورُها مُتألِّقَاً ... من دارة البدر المنير الزاهر
стр. 170
وهي البتولُ علَتْ على كُلِّ النسا ... في الفضل والحسب المنيف الباهر
لقبَان من هذا ومن هذا جلا ... عنوانُ طهرِ بواطنٍ وظواهر
إنْ كان أهلُ الرفض مُبتَكرَيْهِمَا ... فمِنَ البداهة لا صياغةِ ماهر
ولها إذا عُدَّ الفخَارُ بسيِّدِيْ ... شُبَّانِ دارِ الخلدِ تَاجُ مَفَاخِر
وبِذَين كانت تكتَنِي وبِبِكْرِها ... وبأمِّ والدها السراجِ الباهر
بنت الأمين محمد وخديجة ... خير النساء وأمِّ نسل الحاشر
أي أمِّ كلثوم وزينبَ قاسمٍ ... ورقيةٍ أمِّ الحسين الزاهر
أبنا خديجة حلقة ذهبية ... لم يُدْرَ منها أوَّلٌ من آخر
وإذا جَنَحْتَ إلى فضائل أمِّها ... أَخَذَتْ بأطراف الفخار السائر
مَن مِثْلُ أمِّ المؤمنين خديجةٍ ... نُبْلاً وأخلاقاً وحُسنَ مآثر
فالمجدُ والشرف الرفيع لمن غَدَتْ ... لمحمد سكنا وأيّ مناصر
واستبشرت بالوحي أولَ مؤمن ... بنبوة الهادي الأمين موازر
جبريلُ أقرأَها السلامَ تحيةً ... من ربها مصحوبةً ببشائر
بيتٌ من القصب المجوَّف ما بِه ... صخب ولا نصب كهمِّ الناظر به
وبمكةٍ من قبل بعثة أحمدٍ ... بسنين خمسٍ في عديد مصادر
ميلادُ فاطمة وغيرُ محقَّقٍ ... تحديدُ شهر بل أُفَيكة آثر
وبمهبط الأنوار حضنِ المصطفى ... ظلَّتْ تُعلَّل بالضياء الباهر
فتألقَتْ منها مشابهُ أحمدٍ ... وشمائلٌ تُزرِي بنفح أزاهر
стр. 171
هدياً وسمتاً مشيةً ما أخطأت ... من مشية الهادي نُقَارةَ ناقر
كم هَشَّ مقبلةً إليها مَرْحَبَاً ... بنتي وناجاها بغيب صائر
واللهُ أكرمها سنين حياته ... بجواره فاستاثرت بمآثر
من برِّه من نصره بمواقف ... تركت لها حسن الثناء السائر
فهي التي قد زحزحتْ عنه السلا ... وَتَلَتْ شتائم للفريق الكافر
وهي التي عند اغتسال المصطفى ... لدخول مكة كنَّنَتْهُ بساتر
وغداة أُحْدٍ كَمْ سعَت في نسوة ... بالما إلى أُسْدِ العراك الدائر
واذكر جميل بلائها إذْ أوقَفَتْ ... نزف الدماء من الجبين الطاهر
وهناك ناولها أبوها سيفَه ... نَقِّي الدماءَ عن الحسام الباتر
هذا اسم فاطمة كثير تردد ... بحديث أحمد لاهتمام ظاهر
ولربما نُعِتَتْ ببنت محمد ... رمزاً لصدق عواطف ومشاعر
وأتت مهاجرةً لبضعة أشهر ... من هجرة المختار خير مهاجِر
مع أمِّ كلثوم وسودةَ أمِّنا ... وأسامةٍ وأبيه حِبِّ الحاشر
في آل صاحبه أبي بكر أبي ... غُرَر السوابق والثناء العاطر
للهِ درُّ ابن الربيع فقد وفى ... لنبينا عِدَةَ الكريم الشاكر
تسريح زينب بِنتِهِ فتَجَهَّزَتْ ... مع حَمْوِهَا عَنَقَاً لدار الحاشر
وسرَتْ مُهاجِرَةً ويا قُبحاً لما ... فعل الكفور من الجفاء السافر
نخَسَ البعيرَ بها فألقت حملها ... مما دهاها من البعير النافر
стр. 172
مَن حام حول حمى النبي فإنه ... للهلك ساعٍ والبَوارِ الحاضر
يا آلَ أحمدَ حقُّكُم نصَّاً أتى ... في سورة الشورى فهل مِن ذاكر
عهداً علينا واجبَاً إذْ كان من ... حب الرسول موثقاً بأواصر
ولحبكم في المسلمين بأسرهم ... بادٍ على بادٍ رأيت وحاضر
ومودةُ القربى لديهم طاعة ... وعقيدة ودليل يُمْنٍ وافِر
وبِكُتْبِهم مأثورة مسطورة ... تُرْوَى وتُدْرَسُ كابراً عن كابر
قد زاغ طائفتان فيه روافض ... ونواصب باؤوا بصفقة خاسر
فالناصبيُّ مجاهر بعداوة ... والرافضيُّ بعكسه في الظاهر
دَسَّ القوادح في مدائحَ زاهياً ... ومباهياً بهوَى الغلوِّ السافر
ومتى تخَلَّتْ أمَّةٌ عن سنة ... سلكَتْ بُنَيَّات الطريق الجائر
إن العَشاءَ هَوَى بهم في هوَّةٍ ... لو يبصرون فلا لعا للعاثر
أيروِّجُونَ ببنت أحمد بدعةً ... باءَتْ حُشودُهُم بِتَجْرٍ خَاسِر
علَتِ البَتولُ على المجرَّةِ هل ترى ... ما فوقها مِن مُرتَقَى ومَظَاهِر
وغَلت فما ترضى لها زوجاً سوى ... بدر تكَامَلَ في سماء مفاخر
من هاشمٍ طرفاه في بحبوبة ... حيث المجادةِ والفخارِ الفاخر
ذاك ابن عم نبينا وأخوه ذو ... لبَّاه أول مؤمن ومناصر
بادي السيادة والفروسة والهدى ... إن الفرات من المحيط الزاخر
رَبِّع به الخلفاء فهُوَ نديدهم ... وقرينهم في سؤدد ومآثر
стр. 173
حبر المنزل أي راسٍ راسخٍ ... في العلم كان من الطراز النادر
وقضيَّةٌ مَّا لا أبا حسنٍ لها ... مثل يَصُكُّ صدَاه كُلَّ مكابر
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كنتَ تعرفُ زاكياتِ عواطر
ويح الحسود فكم له من نعمة ... كالنشر في محسوده لمآثر
عدد الحصى مشهورة مشهودة ... طفحَتْ بمسندها ألوفُ مصادر
من كان مولًى للرسول فإنه ... مولَى عليٍّ من حديث الحاشر
صهر النبي وسيف مولانا علَى ... أعدائه ليث الحروب الزائر
شهد المشاهدَ غيرَ غزوة عسرةٍ ... خلَفَاً على آل النبي الطاهر
فغدا كما هارونَ من موسى أخا ... لنبينا أمسى بحظ وافر
وبتفلةٍ ميمونةٍ من أحمد ... في عينه حلَّ الشفا ببواصر
واختصَّهُ ربي براية خيبر ... قُرنَتْ بغُرِّ مناقب ومآثر
حبُّ الإله علا وحبُّ نبيه ... وبشارة أخرى بفتح ظاهر
وبمرحب ضاقت معاقل خيبر ... دوَّى بها صوتُ الهزبر الكاسر
هذا عليٌّ بالفوارس نازل ... ومعجل ليهود عقبى الكافر
اللهُ أكبر أيُّ حصنٍ قد هوى ... في خيبر فَغَدَا كأمس الدابر
بجيوش أحمد فتيةٍ من طيبة ... كأسود بيشةَ في قناً وبواتر
هذا الذي اختارته بنت محمد ... زوجاً بذروة سؤدد ومآثر
رضي الحبيب به وبارك داعيا ... لهما دعاءً واعداً ببشائر
стр. 174
فتسلسلت ذريَّةٌ نبويةٌ ... علوية منها منائر سائر
سبطا الرسولِ ومحسنٌ مع زينبٍ ... وبأم كلثومٍ تمامُ أزَاهِر
درجوا بلا عقِبٍ جميعاً ما عدا ... ريحانتَي خيرِ العباد الحاشر
وكذاك زينبُ أعقبت ذريةً ... في باذخِ الشرف الرفيع الظاهر
أبناء عبدالله فلذة جعفر ... أي نجله قُطْب السخاء الزاخر
ثم الشريف لآله طرَّاً جرى ... لقباً تواتر في الزمان الغابر
وبنو عبيد وحدَهم خصُّوا به ... ذُريَّةَ السِّبْطَين دون معاشر
من سائر القربى وكم من عثرةٍ ... للباطنية لا تقال لعاثر
ولهم أضافوا مع شريفٍ سيِّداً ... مقرونة بسماه عند الذاكر
كلٌّ جرى إطلاقه عُرفاً على ... آل الحسين وصنوِهِ في الغابر
بنقول أهل العلم جارٍ والقضا ... في رسمهم لصكوكه ومحاضر
مَن خَصَّ صنفاً عن سواه بسيِّد ... تَركَ الصوابَ إلى طريق جائر
يا ليته إذْ لَجَّ في تفريقه ... ردَّ القضية للحديث السائر
بسيادة الحسن الرضى وبِلَمِّه ... لشتات أمَّةِ جدِّه المتناثر
لا لا تُفضِّلْ بين آل محمد ... لمناطق أو لاختلاف عشائر
فبوصفهم قُربى النبي وآله ... أحكامُهُمْ لا باصطلاح معاشر
فهنالك الشرف المضيء بأصله ... تقوى الإله ولا صعودَ لفاجر
وبَني البتول مَيَّزوا بعمامة ... أو شطفة خضراء دون مشاطِر
стр. 175
فبتلك أو بعصائب خُضْر على ... تلك العمائم زِيُّهُم في الآخر
ولَنُورُ أحمَدَ ساطعاً بجباههم ... أجلى لباغي قرائن وأمائر
والهاشميُّ وِلايةً في عرفهم ... وَسْمُ المُوَالي والحليفِ الناصر
رجعى لفاطمة وهات ما روى ... عنها الأئمة من حديث الحاشر
فهي التي قد لازمته حياتَها ... ليس البعيد كالقريب الحاضر
أحرى حَرِيٍّ أن تحدث ما تشا ... ببواطن من أمره وظواهر
فروى ابنُها أعني الحسينَ وبنتُه ... وأبوه عنها في جموع أكابر
وكذا الجماعةُ قد رَوَوا في كُتْبِهم ... عنها الحديث كابراً عن كابر
هذا ومسندها تناهى سبعة ... في سبعة أخرى بعدٍّ حاصر
قد خرَّج الشيخان منه ثلاثة ... وتفرق الباقي خلال مصادر
يا ليتها عاشت طويلاً نرتوي ... مما تُروِّي عن أبيها الحاشر
رضي الإلهُ عليكم مِن صَفْوة ... خلقت شموس هداية للسائر
فلأنتمُ آل النبي أحقُّ مَن ... راجت بهم دُرَرُ الثناء السائر
ولأنتم أولى الورى بفواضل ... وفضائل ومكارم ومآثر
صلى الإله على أبيك نبيِّهِ ... وعلى الصحاب مُهَاجرٍ ومُنَاصِر
والزوجِ ما سار الحجيج ملبِّياً ... ومهلِّلاً بطوائر ومواخر
وكذاك ما صلى عليه مسلِّماً ... عَبدٌ فآب بها بخير وافر