← Тараджим

Тараджим · id 48

المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم

إبراهيم بن عبد الله المديهش

Полный текст (175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[١٦] حالها مع أبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. بِرُّها به، نفقةُ النبي ﷺ عليها، وقيامُه عليها بالعدل، ومحبتُه لها واحتفاؤه بها، الزيارة بينهما، وغيرتُه عليها، دفاعُهَا عنه، وحِفظُها لِسرِّه، تعليمُه إياها. أولاً: برها به ﷺ -. عن عبداللهِ بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول اللَّهِ ﷺ قائم يصلي عند الكعبة وجَمْعُ قريش في مجالسهم، إذْ قال قائلٌ منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي أيكم يقوم إلى جَزُورِ (١) آل فلان، فيعمد إلى فَرْثِهَا (٢) ودَمِها وسَلَاها (٣)، فيجيءُ به، ثم يُمْهِلُه حتى إذا سجَدَ وضعَهُ بين كتفَيه، فانبعثَ أشقَاهم، فلمَّا سجدَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وضعَه بين كتفيه! ! وثبَتَ النبيُّ ﷺ ساجداً، فضحكوا حتى مالَ بعضُهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة ﵍ ـ وهي جويرية ـ، فأقبلت تسعى، وثبتَ النبي ﷺ ساجداً حتى ألقَتْهُ عنه، وأقبلَتْ عليهم تسُبُّهم، فلمَّا قضَى رسولُ اللَّهِ ﷺ الصلاة، قال: «اللَّهم عليكَ بقُريش، اللَّهُم عليكَ بِقُريش، اللَّهُم عليك بِقُريش»، ثم سمَّى:

стр. 72

«اللَّهُم عليكَ بعَمْرو بنِ هشام، وعُتبةَ بنِ ربيعة، وشيبةَ بنِ ربيعة، والوليدَ بنِ عتبة، وأُمَيَّةَ بنِ خلف، وعقبةَ بنِ أبي مُعيط، وعمارة بنِ الوليد». قال عبدُاللهِ بن مسعود: فوَ اللهِ لقد رأيتُهم صرعى يوم بدر، ثم سُحِبوا إلى القليب، قليبِ بدر، ثم قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «وأُتبِعَ أصحابُ القليبِ لَعْنَةً». متفق عليه. في رواية في «الصحيحين»: أن الذي جاء بِسَلَى الجزور، ووَضَعَه على ظهر النبيِّ ﷺ ، هو عقبة بن أبي مُعيط. حتى جاءت فاطمة ﵍، فأخذت من ظهره، ودَعَتْ على مَن صنع ذلك. تأمَّلْ قُدُومَها ــ وهي جاريةٌ صغيرةٌ دون البلوغ ـ لترفع الأذى عن والدها ﷺ ، ثم تتوجَّه إليهم ــ وهم كبار قريش ــ فتسبُّهم، ولم يَتعَرَّضوا لها ﵂. قال الحافظ ابنُ حجَر ـ كما سبق ـ: (وفيه قوةُ نَفْس فاطمةَ الزهراء من صِغَرها؛ لِشَرَفِها في قومِها ونفسِها، لِكونها صرَخَتْ بشتمهم وهُم رؤوس قريش، فلم يردُّوا عليها). عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ الملأ من قريش اجتمعوا في الحِجْرِ، فتعاهدوا باللات، والعُزَّى، ومنَاة الثالثة الأخرى: لو قَدْ رأينا محمدَاً، قُمْنَا إليه قيام رجُلٍ واحِدٍ، فلم نُفَارِقْهُ حتَّى نقتله، قال: فأقبلَتْ

стр. 73

فاطمةُ تبْكِي حتَّى دخلَتْ على أبيها، فقالت: هؤلاء الملأُ مِنْ قَومِكَ في الحِجْرِ، قد تعاهدوا: أنْ لَوْ قدْ رَأوكَ قامُوا إليك فقتَلُوكَ، فليس منهم رجلٌ إلا قَدْ عَرَفَ نصيبَهُ مِن دَمِكَ، قال: «يا بُنَيَّة، أدْنِي وضوءاً»، فتوضأَ، ثم دخل عليهم المسجدَ، فلمَّا رأوه، قالوا: هُوَ هذا، هُوَ هَذَا. فخَفَضُوا أبصارَهُم، وعقَرُوا (١) في مجالِسِهِم، فلَمْ يرفَعُوا إليه أبصارَهُم، ولم يقَمْ منهم رجُلٌ، فأقبلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتَّى قامَ عَلى رءوسِهِم، فأخَذَ قبضَةً مِن تُرَابٍ، فحصَبَهُمْ بها، وقال: «شَاهَت الوُجُوه». قال: فما أصابَتْ رجُلاً منهُم حصَاةٌ إلا قُتِلَ يومَ بَدْرٍ كافِرَاً. أخرجه: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وهو حديث حسن. مِن برِّها بأبيها: مُعالجتُها إياه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: عن سهل بن سعد الساعدي ﵁: أنه سُئل عن جُرح النبي ﷺ يوم أُحُد (٢)، فقال: «جُرِح وجْهُ النَّبيِّ ﷺ ،

стр. 74

وكُسِرَتْ ربَاعِيَّتُهُ (١)، وهُشِمَتْ البَيْضَةُ (٢) على رأسِه (٣)، فكَانت فاطمةُ ﵍ تغْسِلُ الدَّمَ، وعَليٌّ يُمسِك، فلما رأتْ أنَّ الدمَ لا يزيدُ إلا كثرةً، أخذَتْ حصِيراً فأحرَقَتْهُ حتَّى صَارَ رمَادَاً (٤)، ثم ألزَقَتْهُ؛ فاستَمْسَكَ الدَّم». متفق عليه. وفي رواية للبخاري: وعليٌّ يأتي بالماء على تُرسِه وفي رواية يسكب الماء بالمِجَنِّ. و (فحُشي به جُرْحُه). والمِجَنُّ هو التُّرْس. تأمل فعلها هذا، مع هول المصيبة، وشدة الواقعة، وما أُشيع ـ حينئذ ـ من موت النبي ﷺ ، والأنظار تتجه إلى موضعه، وقد علاه الجهد، وسال الدم على وجهه الشريف ﷺ ، ومع ذلك تنفرد فاطمة من

стр. 75

بين الناس كلِّهم في هذا الجمع الكبير؛ لتغسل الدم، ثم تعالج استمراره بحرق الحصير ووضعه على الجرح، وهذا يدل على بِرِّها، كما يدل على قوتها وصبرها، وحذقها وشجاعتها ﵂. س: ما سببُ ذهابِ فاطمة ﵂ إلى أُحُد ؟ يُقال: لما كان يوم أُحد، وانصرف المشركون، خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمَنْ خرج، فلما رأت النبي ﷺ اعتَنَقَتْهُ، وجعلت تغسل جراحاته بالماء، فيزداد الدم؛ فلما رأت ذلك أخذَتْ شيئاً من حصير فأحرقته بالنار، وكمدته به حتى لصق بالجرح؛ فاستمسك الدم .. ). عن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ قالت: ذهبتُ إلى رسُولِ اللهِ ﷺ عام الفتح، فوجدتُه يغتسلُ، وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه، قالت: فسلَّمتُ عليه، فقال: «مَنْ هذه»؟ فقلتُ: أنا أم هانئ بنت أبي طالب. فقال: «مرحبَاً بأم هانئ». فلما فرغ من غُسْلِهِ، قام فصلى ثماني ركعات مُلتَحِفَاً في ثوب واحد، فلما انصرف، قلتُ: يا رسول اللهِ، زعَمَ ابنُ أمِّي أنه قاتِلٌ رجُلاً قدْ أجَرْتُهُ، فلانَ بنَ هُبيرة، فقال رسول اللهِ ﷺ : «قد أجَرْنَا مَنْ أجَرْتِ (١) يا

стр. 76

أمَّ هانئ». قالت أم هانئ: وذاك ضُحى. متفق عليه. في رواية: «فسترته ابنته فاطمة بثوبه، فلما اغتسل أخذه فالتحف به». (١) حزنها في مرض أبيها ووفاته ﷺ -: سيأتي ذكره في آخر الكتاب. دلَّتْ هذه الأحاديثُ وغيرها على عناية وبِرِّ فاطمة بأبيها ﷺ ، مع محبتها البالغة، وقد اجتمع عليها حقَّان عظيمان: بر الوالدين، وحق نبيها ﷺ ، فقامت بهما أتم قيام ﵂. ومِن البَدَهي أنه لايمكن القولُ بأنَّ صُوَرَ بِرِّهَا هي ما وردَتْ في الأحاديث المنقولة فحَسْب، لأنَّ اليقينَ أنَّها بذَلَتْ جَميعَ صُوَرِ البِرِّ والإحسانِ لأبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

стр. 77

بِرُّها بوالدتها خديجة ﵄ -. لم يُنقل إلينا شَيءٌ من هذا ـ بعد البحث ـ، وقد تُوفِّيَت خديجة ﵂ قبل الهجرة بثلاث سنين ـ على الراجح ـ وعُمْرُ فاطمة ﵂ قريبٌ من ست عشرة سنة، منها ثلاث في الحصار في شِعْب أبي طالب. وقد رُوِيَ عن مُهاجر بنِ مَيمون الحضرمي، عن فاطمة ﵃ أنها قالت للنبي ﷺ : أينَ أُمُّنَا خديجة؟ قال: «في بيتٍ من قَصَب، لا لغْوَ فيه ولا نصَبَ، بينَ مريم وآسيةَ امرأةِ فرعون». قالت: أمِنَ القَصَبِ؟ قال: «لا، بل من القَصَبِ المنظوم بالدُّرِّ والياقُوتِ واللؤلؤ». الشاهد فيه: سؤال فاطمة عن أمها ﵄. وهو حديث ضعيف، يُغني عنه ما ثبت في «الصحيحين» في مكانة خديجة في الجَنَّةِ ــ وليس فيه الشاهد ــ. فائدة: يُلحظ أنَّ لفاطمةَ ﵂ حُضورَاً في أسفارِ والدها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ومشَاهدِه، وغيرِها: في العهد المكي، في دفاعها عن والدها ـ كما سبق ـ. وفي غزوة أحد (٣ هـ) ـ كما سبق ـ. وكانت معه في «عمرة القضاء» (٧ هـ) ـ كما في «صحيح البخاري» (١)

стр. 78

في حديث تنازع علي وجعفر في ابنة حمزة ــ. وكانت معه في «فتح مكة» (٨ هـ) لما سترته عند اغتساله. وكانت معه ـ أيضاً ـ في حجة الوداع (١٠ هـ) ﵂. ثانياً: نفقته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عليها . كان النبي ﷺ أتقى الناس لربه ، وأحسن العالمين خُلقاً، ومن كريم الأخلاق، وجميل السجايا أن يحسن الإنسان إلى من يعول، وأن لا يضيِّع من يقوت. وقد وردت عنه ﷺ في الإنفاق على الأولاد أحاديث، وورد عنه الإحسان إلى البنات ورعايتهن، ومن أعظم الإحسان: القيام بالنفقة عليهن. وأفضل مَن يعمل بها هو النبيُّ ﷺ ؛ لتقواه، وحسن تربيته، وجميل أخلاقه. فالمسلم يبدأ في النفقة بالأقرب فالأقرب: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أفضل الصدقة ما ترك غِنَى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمَن تَعُول». تقول المرأة: إما أن تطعمني، وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني».

стр. 79

فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: «لا، هذا من كيس أبي هريرة». أخرجه: البخاري وعن أبي هريرة ﵁ أن رسُولِ اللَّهِ ﷺ قال: «خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غِنى، وابدأ بمن تعُول». أخرجه: البخاري. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «تصدقوا». قال رجل: عندي دينار. قال: «تَصَدَّقْ به على نفسك». قال: عندي دينار آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على زوجك». قال: عندي دينار آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على ولدك». قال: عندي دينار آخر. قال: «تَصَدَّقْ به على خادمك». قال: عندي دينار آخر. قال: «أنتَ أبصر». أخرجه: أبو داوود، والنسائي، وأحمد، بإسناد حسن. وحذر النبيُّ ﷺ الإنسانَ أنْ يُضيِّعَ مَن يَعُول: عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «كفى بالمرء إثماً أن يَحبِس عمن يملك قوتَه». أخرجه: مسلم. وورد بلفظ: «كفى بالمرء إثماً أن يُضيِّع مَن يقوتُ». رواه أبو داوود، والنسائي، وأحمد، وهو حديث حسن. (١)

стр. 80

وكان النبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يعتني بقوت أولادِه وأهلِه لمدة سنة: عن عمر ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم». متفق عليه. وحث ﷺ على إغناء الورثة بالمال: عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعودني وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال، أوصي بمالي كله؟ قال: «لا» قلت: فالشطر؟ قال: «لا» قلت: فالثلث؟ قال: «الثُّلثُ والثُّلثُ كثير، أنْ تدَعَ ورثتَك أغنياءَ خيرٌ من أن تدعَهم عالَةً يتكففون الناس في أيديهم، ومهما أنفقت فهو لك صدقة، حتى اللقمة ترفعها فِيْ فِيِّ امرأتك، ولعل اللهَ يرفعك، ينتفع بك ناس، ويضر بك آخرون». متفق عليه. وحث ﷺ على النفقة واحتساب الأجر فيها: عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : «إذا أنفق المسلم نفقة على أهله، وهو يحتسبها، كانت له صدقة». متفق عليه. وأمر بالإحسان إلى البنات، ورتَّب على ذلك أجراً عظيماً: عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : «مَن عالَ جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو» وضَمَّ أصابِعَه. أخرجه: مسلم.

стр. 81

وعن عائشة ﵂ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: «مَن ابتُلي مِن هذه البنات بشَيءٍ؛ كُنَّ له سترَاً من النار». متفق عليه. والنبيُّ ﷺ بَشَرٌ، يحِبُّ أولادَه، ويسعى في مصلحتهم، والعناية بهم، ومن أعظم وجوه العناية: الإنفاق عليهم. فكان ﷺ خيرَ أبٍ، وخيرَ زوج، في رعايته وعنايته بآل بيته. وإن كانت النفقة الواجبة على البنت بعد زواجها، تنتقل إلى زوجها؛ إلا أن الإحسان بالنفقة والهدايا لايقف، فكان يُحسن ﷺ إلى بناته، ومثل هذا الموضوع يعلمه كل مسلم بيقين؛ لأنه أمر فطري، وشرعي، ولا تتوقف معرفته على المرويات الواردة في ذلك، ومما ورد: عن عليٍّ ﵁ أنَّ أُكَيدَر دُوْمَةَ أهدَى إلى النَّبيِّ ﷺ ثَوبَ حَرِير، فأعطَاه عليَّاً، فقال: «شَقِّقْه خُمُرَاً بَينَ الفَوَاطِمْ». (١)

стр. 82

في رواية: «بيْنَ النِّسْوَة». أخرجه: البخاري، ومسلم ـ واللفظ له ـ. عند ابن أبي شيبة: قال علي: يا رسول الله: ما أصنعُ بها ألبسُها؟ قال: «لا، إني لا أرضَى لك ما أكرَهُ لِنفسي، ولكِن اجعلْها خُمُراً (١) بين الفواطم». عند أحمد: كسَاني رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُلَّةً من حرير، فخرجتُ فيها ليرى الناسُ علي كسوةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: «فرآني رسولُ اللهِ ﷺ فأمرني بنزعهما، فأرسلَ بإحداهما إلى فاطمة، وشق الأخرى بين نسائه». عند ابن أبي عاصم، وابن أبي الدنيا، والطحاوي، وابن عبدالبر، وغيرهم: قال علي: فشققتُ منها أربعة خُمر: خماراً لفاطمة بنت أسد بن هاشم ـ وهي أمُّ علي بن أبي طالب ـ؛ وخماراً لفاطمة بنت محمد ﷺ ؛ وخماراً لفاطمة بنت حمزة بن عبدالمطلب؛ وخماراً لفاطمة أخرى، قد نَسِيتُها. (٢) والقائل: قد نسيتها، هو يزيد بن أبي زياد.

стр. 83

ويُروى أنَّ النبيَّ ﷺ أطعم فاطمةَ وعليَّاً بخيبر من الشعير والتمر ثلاثمئة وسْق، الشعيرُ من ذلك خمسة وثمانون وسْقَاً، لفاطمة من ذلك مئتا وَسْق». (١) أخرجه: ابن سعد، والبيهقي، وهو حديث ضعيف من الناحية الحديثية، لكن مما يُقبل في الروايات التاريخية. ويُروَى أن النبيَّ ﷺ أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبَه لها، قال: وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قنَّعت به رأسها لم يَبْلُغ رِجْلَيها، وإذا غَطَّت به رجْلَيهَا لم يَبْلُغْ رأسَها، فلما رأى النبيُّ ﷺ ما تَلْقى قال: «إنَّهُ ليس عليكِ بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغُلامُكِ». أخرجه: أبو داوود، وغيره، وعند بعضهم: وهَبَ لها غلامين. والحديثُ صحَّحَهُ بعضُ العلماء، والأقربُ ضَعفُه. ويُروَى من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ أقبل من خيبر، ومعه غلامان، فقال علي: يا رسولَ الله، أخدمنا. فقال: «خذ أيهما شئت». قال: خِرْ لي. قال: «خُذْ هذا ولا تضربه؛ فإني قد رأيتُه يصلي مقبلنا من خيبر، وإني قد نهيت عن ضَرب أهل الصلاة». وأعطى أبا ذر غلاماً وقال: «استوصِ به مَعروفاً». فأَعتَقَهُ، فقال له

стр. 84

النبي ﷺ : «ما فعَلَ الغلامُ»؟ قال: يا رسولَ اللهِ، أمرتَني أن أستوصي به مَعرُوفَاً؛ فأعتقتُه. أخرجه: أحمد، وابنُ أبي شيبة، والبخاري في «الأدب المفرد»، وحسَّنَهُ بعضُ العلماء، وفيه ضَعف. أما ما يُروى: لما نزلَتْ هذه الآيةُ: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] «دعا النَّبيُّ ﷺ فاطِمةَ، وأعطَاها فَدَك». (١) أخرجه: أبو يعلى، والبزار، وابنُ عدي، والحاكم، وغيرهم، فهو حَدِيثٌ مَكذُوبٌ، حَكَمَ عليه أئمةُ الحَدِيثِ بالوَضْعِ. (٢)

стр. 85

ثالثاً: قيامه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عليها بالعدل . عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ قُرَيْشَاً أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ»؟ فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَاخْتَطَبَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمِ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَإِنِّي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقُطِعَتْ يَدُهَا. أخرجه: البخاري، ومسلم ــ واللفظ له ــ. عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ، فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَالله لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، فَقُطِعَتْ. أخرجه: مسلم. عن أبي هريرة ﵁ قال: قامَ رسولُ اللهِ ﷺ حين أنزلَ

стр. 86

اللهُ : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش ــ أو كلمةً نحوها ــ اشتَروا أنفسكم، لا أُغْنِي عنكم من اللَّهِ شيئاً، يا بني عبدِ مَناف لا أُغنِي عنكم من اللَّه شيئاً، يا عباسَ بنَ عبد المطلب لا أُغنِي عنك من اللَّهِ شيئاً، ويا صفيةَ عمَّةَ رسولِ اللَّهِ لا أُغنِي عنكِ من اللَّهِ شيئاً، ويا فاطمةَ بنتَ محمَّد سَلِيْنِي ما شِئتِ من مالي، لا أُغنِي عنكِ من اللهِ شَيئاً». متفق عليه ــ واللفظ للبخاري ــ. وفي لفظ لمسلم: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشاً فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ «يَا بَنِى كَعْبِ بْنِ لُؤَىٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِى نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّى لا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمَاً سَأَبُلُّهَا بِبَلالِهَا». دلَّت الأحاديث السابقة على قيام نبينا ﷺ بالعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض؛ امتثالاً لقول اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (سورة النحل، آية (٩٠) (، فمَعَ حبِّه ﷺ لابنتِه فاطمة ﵂ وأنها ابنته الصغرى، إلا أنه يُقسِم باللَّهِ ـ وهو الصَّادقُ

стр. 87

المَصدُوق ــ: «أن فاطمة لو سرقَتْ لقطعتُ يدها»! قالها مبالغة في إثبات الحدود وتطبيقها. فلا محاباة في دين اللَّهِ لأحد، والشرع يُطبَّقُ على الكبير والصغير، وبيَّن ﷺ أنَّ سبب هلاك الأمم السابقة حينما ميزت الناس في تطبيق العدل، فيطبق على الوضيع، ويترك الشريف، ثم أقسم بقيامه على ابنته فاطمة بالعدل كغيرها. قال ابن تيمية ﵀: (وكان بنو مَخزوم من أشرف بطون قريش، واشتدَّ عليهم أنْ تُقطع يدُ امرأةٍ منهم، فبيَّن النبيُّ ﷺ أنَّ هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أنَّ فاطمة ابنته ــ التي هي أشرفُ النساء ــ لو سَرَقَتْ ــ وقد أعاذها اللُّهُ مِن ذلك ــ، لقَطَعَ يدَهَا؛ لِيُبَيِّنَ: أنَّ وجوبَ العدل والتعميم في الحدود، لا يُستثنى منه بنتُ الرسول، فضلاً عن بنتِ غيره). وقال ابن حجر ﵀: (وإنما خَصَّ ﷺ فاطمةَ ابنتَه بالذِّكر؛ لأنها أعزُّ أهلِه عندَه، ولأنه لم يبقَ من بنَاتِه حينئذٍ غيرُها (١)، فأراد المبالغة في إثبات إقامةِ الحَدِّ على كلِّ مُكلَّفٍ، وتَركِ المحابَاةِ في ذلك؛ ولأن

стр. 88

اسم السارقة وافَقَ اسمَها ﵍؛ فناسَب أن يَضرِبَ المثلَ بها). قال أبو زرعة أحمد ابنُ العراقي ﵀: (والظاهرُ أنَّ ذِكر فاطمة ﵂ دون غيرها؛ لأنها أفضل نساء زمانها، فهي غايةٌ في النساء لا شيءَ بعدها، فلا يحصل تأكيد المبالغة إلا بذكرِها، وانضمَّ إلى هذا أنها عضوٌ من النبي ﷺ ، ومع ذلك فلم يحمله ذلك على محاباتها في الحقِّ. وفيها شيء آخر وهو: أنها مشارِكةً لهذه المرأة في الاسم، فينتقل اللفظُ والذِّهْنُ من إحداهما إلى الأخرى، وإن تبايَن ما بين المحَلَّيْن). (١) قلتُ: وثَمَّةَ احتِمَالٌ أراه قريباً، وهو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ذكر فاطمة مع وجود أم كلثوم ـ دون رقية وزينب لأنهما تُوفِّيَا قَبلُ ــ، كما ذكرها من قبل في «مكة» لما نادى على الصفا ــ في حياة جميعِ بناته ــ، والسبب في تخصيصها؛ لأنها أصغرُ أولاده؛ وللصغيرِ شَفَقةٌ ورَحمةٌ خاصة، وربما كان ذلك من عادة العرب في تخصيص الصغيرِ من الأولاد، في مثل هذه المواقف ــ واللهُ أعلم ــ. فإن صحَّ هذا الاحتمال فهو مما يُقوِّي القول المرجَّح سابقاً أنَّ فاطِمةَ أصغرُ بناتِ النبيِّ ﷺ ـ وهو قول الجمهور كما سبق ـ والله أعلم. وفي الحديث الأخير بَيَّنَ لها أنه لن يغني عنها من اللَّهِ شيئاً، فعليها

стр. 89

أن تتقي اللَّهَ ، ولا تتَّكِل على قُربِها من والدها ﷺ (١)

стр. 90

وقد أمرَ النبيُّ ﷺ بالعدل بين الأولاد: فعن النعمان بن بشير ﵄ ــ وهو على المنبر ــ يقول: أعطاني أبي عَطِيَّةً، فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهدَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فأتى رسولَ اللَّهَ ﷺ فقال: إني أعطيتُ ابني مِن عمرةَ بنتِ رواحة عَطيَّةً، فأمرَتْني أنْ أُشهِدَكَ يا رسولَ اللَّهِ، قال: «أعطيتَ سائرَ ولَدِكَ مِثلَ هذا»؟ ، قال: لا، قال: «فاتَّقُوا اللهَ واعدِلُوا بين أولادِكُم»، قال: فرجع فرَدَّ عطيته. أخرجه: البخاري ــ واللفظ له ــ، ومسلم. ورَسولُنا ﷺ إمامُ المتقين، وإمامُ العادلين، لما قسَمَ غنائم حُنين، قال له ذو الخويصرة التميمي: يا رسولَ اللَّهِ، اعدِلْ، فقال ﷺ : «ويلك! ومَن يعدِلْ إذا لم أعدِلْ، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». متفق عليه. ولما أمر ﷺ أصحابه ممن لم يَسُقِ الهدي في حجة الوداع أن يحلُّوا، ويجعلوها عمرة، فتباطؤوا، قال ﷺ : «قد علمتم

стр. 91

أني أتقاكُم للهِ، وأصدَقُكم، وأبرُّكم، ولولا هَدْيي لَحللتُ كما تحلُّون، فحُلُّوا، فلو استقبلتُ من أمري ما استدبَرتُ ما أهدَيْتُ». قال جابر ﵁: فحلَلْنا وسمعنا وأطعنا. متفق عليه. وقال ﷺ لعمر بن أبي سلمة ﵁ لما سأله عن القُبْلَة للصائم: «أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له». رواه مسلم. رابعاً: محبتُه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لها، واحتفاؤه (١) بها . عن أسامة بن زيد، قال: مررت بعلي والعباس ﵃ ـ وهما قاعدان في المسجد ـ فقالا: يا أسامة استأذن لنا على رسول اللهِ ﷺ فقلت: يا رسول اللَّهِ، هذا علي والعباس يستأذنان فقال: «أتدري ما جاء بهما»؟ قلت: لا واللَّهِ ما أدري. قال: «لكني أدري ما جاء بهما». قال: فأذَنْ لهما. فدخَلا فسلَّمَا ثمَّ قعَدَا، فقالا: يا رسول اللهِ، أيُّ أهلِكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: «فاطمة بنت محمد». أخرجه: أبو داوود الطيالسي ــ وهذا لفظه ــ، والترمذي، والطبراني، وغيرهم. وهو حَديثٌ حسَن.

стр. 92

سئلت عائشة ﵂ أيُّ النَّاسِ كان أحبَّ إلى رسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالت: «فاطمة»، فقيل: مِن الرجال؟ قالت: «زوجها، إنْ كانَ ما علِمتُ صوَّامَاً قوَّامَاً». أخرجه: الترمذي، والطبراني، والحاكم، وغيرهم، وهو حديث حسن. عن بُريدة ﵂ قال: «كان أحبُّ الناسِ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ من النساء فاطمة، ومِن الرجال علي». أخرجه: الترمذي، والنسائي ــ وهذا لفظه ــ وإسناده حسن. أما حديث علي: خطبتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فاطمة، فزوَّجني فقلت: يا رسولَ اللهِ أنا أحبُّ إليك أم هي؟ فقال: «هي أحبُّ إليَّ مِنك، وأنتَ أعزُّ عليَّ منها». عند النسائي، وغيره، فحديث ضعيف. عَنْ مَسْرُوقٍ، قال: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِيِنَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهُ جَمِيعَاً، لَمْ تُغَادَرْ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَمْشِي، لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَىهَا رَحَّبَ قَالَ: «مَرْحَباً بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا، فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدَاً، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ. الحديث. أخرجاه في «الصحيحين». وفي «السنن»: عن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدَاً أَشْبَهَ سَمْتَاً وَدَلَّاً وَهَدْياً بِرَسُولِ اللَّه فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ

стр. 93

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » قَالَتْ: «وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا. الحديث. أما ما ورد من أنه ﷺ إذا سافر كان آخرُ عهده بإنسان من أهله فاطمة، فقد جاء من حديث ثوبان مولى رسول اللَّهِ ﷺ قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا سَافرَ كانَ آخرُ عهدِه بإنسان من أهلِه فاطِمةَ، وأوَّل مَن يدخلُ علَيه إذا قدِم فاطمة. قال: فقَدِم مِن غَزاة له فأتاها، فإذا هو بمِسْحٍ على بَابها، ورأى على الحسَن والحُسين قُلْبَيْن (١) من فضَّة، فرجَعَ ولمْ يدخُلْ علَيها. فلمَّا رأتْ ذلك فاطمةُ ظنَّت أنَّه لم يدخُل عليها مِن أجْلِ ما رأى، فهَتَكَتْ السِّتْرَ، ونَزعَتْ القُلْبَين مِن الصَبِيَّيْن فقطَعتْهُما، فبَكَى الصبيَّان فقسَّمَتْه بينَهُما، فانطَلَقا إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ وهُمَا يبكيان، فأخذَه رسولُ اللهِ ﷺ منهما، فقال: «يا ثوبان، اذهَبْ بهذا إلى بَني فلان ــ أهل بيت بالمدينة ــ، واشتَرِ لفاطمةَ قِلادةً من عَصَبٍ (٢)، وسِوَارَيْنِ من

стр. 94

عَاج؛ فإنَّ هؤلاء أهلُ بيتي، ولا أُحِبُّ أن يأكلوا طيِّبَاتِهِم في حياتهم الدُّنيَا». أخرجه: أحمد، ومسدد، وغيرهما، وهو ضعيف جدَّاً، وله شواهد كلها ضعيفة. وجاء أنه قلَّما كان ﷺ يدخل المدينةَ إلا بدأَ بها. أخرجه: أحمد، وابنُ أبي شيبة، وأبو داوود، وغيرُهم. وهو مُستَنكر: كيف يُفضِّلُ فاطمةَ على أخواتها؟ وإن كان بعد وفاة أم كلثوم (ت شعبان ٩ هـ) فإنَّ النبيَّ ﷺ لم يغادر المدينة إلا إلى حجة الوداع، وكانت فاطمة ﵂ معه، فالأظهر عدم صحة شيء من هذه الأحاديث. أما ما يُروَى أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا قدِم من مَغازيه قبَّل فاطمة. فلا يَصِح. وعن ابن عمر ﵄ قال: أتى النبيُّ ﷺ بيتَ فاطمة، فلم يدخل عليها، وجاء عليٌّ، فذكرَتْ له ذلك، فذكرَهُ للنبيِّ ﷺ قال: «إني رأيتُ على بابِها سترَاً مُوشياً» (١)، فقال: «ما لي وللدنيا». (٢)

стр. 95

فأتاها عليٌّ، فذكر ذلك لها، فقالت: ليأمرني فيه بما شاء، قال: «تُرسِلْ به إلى فلان، أهلِ بيت بهم حاجة». أخرجه: البخاري. ومسألة محبَّة النبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لابنته فاطمة لا تحتاج إلى دليلٍ، ولا تأمُّلٍ، وإنما ورد إشكال في كونها أحب الناس إلى أبيها، أم غيرها مما ورد فيه نص. فقد ورد أنَّ أسامةَ بنَ زيد ﵄ أحبُّ الناسِ إلى النبيِّ ﷺ ، وورَدَ أنَّ أبا بكر أحبُّ الناسِ إلى النبي ﷺ ، وورد كذلك في علي بن أبي طالب ﵁، والظاهر ــ واللَّهُ أعلم ــ أنَّ الاختلاف باختلاف جِهة المحبة، فكون علي بن أبي طالب أحبَّ الرجال إليه أي من آل بيته، وعائشة من زوجاته، وفاطمة من النساء مطلقاً، ومحبَّتُها جواباً لمن سأل بعد وفاة بنات النبي ﷺ فيما يظهر ــ كما سيأتي بعد قليل ــ. ومن الأدلة على محبتها مطلقاً: حديث عمر ﵁: يا فاطمة، واللَّهِ ما رأيتُ أحداً أحبَّ إلى رسُولِ اللَّه منكِ. الحديث. ومَحبةُ أسامة بن زيد من بين المَوالي، ويُحمَل قولُه: أحبُّ الناس على التبعيض أي: مِن أحبِّ الناس، كما في الرواية الأخرى، ولا شَكَّ أنَّ النبيَّ ﷺ يُحبُّ ابنته فاطمة أكثرَ من أي رجُل آخَر، أسامةَ وغيرَه.

стр. 96

ومحبتُه للأنصار من بين القبائل، ومحبته لأبي بكر من بين الرجال مطلقاً. ولكلٍّ محبةٌ تناسب مكانته، وتناسب العلاقة بينه وبين النبي ﷺ . أما ما ورد من حديث عائشة في قصة مجيء زيد بن حارثة بزينب بنت رسولِ اللَّه ﷺ من مكة، وفي آخره: قال النبيُّ ﷺ : «هيَ أفضلُ بنَاتي أُصيبَتْ فِيَّ». أخرجه: البخاري في «التاريخ الأوسط»، والبزَّار، والطحاوي، والطبراني، والحاكم، وغيرهم، وقد حسَّنَه بعضُ أهل العلم. فقد حمله العلماء كابن خزيمة والحاكم على تقدير: مِن أفضل بناتي. وقيل: كان هذا التفضيل متقدماً، ثم وهبَ اللَّهُ لفاطمة من الأحوال السَّنِيَّة والكمالِ ما لم يشاركها أحدٌ من نساء هذه الأمة مطلقاً، ذكره ابن حجر في «الفتح». أما بعد فلا يَشكُّ عَاقلٌ بمحبَّةِ المرءِ لأولادِه وشفقتِه عليهم، والبناتُ لهن درجةٌ على البنين مِن جهةِ الرحمة بهن، والصغيرُ من الأولاد لَهُ درجةٌ أخرى، فإن كان الولد ذكرَاً أو أنثى يتيم الأم، كان له درجات في الرحمة والحنو، والمحبة والعطف.

стр. 97

إنَّ محبةَ المرءِ لأولادِه أمرٌ فِطرِيٌّ لا يُمكن دفعُه، وقد اجتمعَ لبناتِ النبيِّ ﷺ أبوةٌ ونُبوَّةٌ، فلهُنَّ الرحمةُ الخاصةُ وهُو ﷺ الرؤوف الرحيم بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة، ١٢٨) فلبناتِه المحبةُ والاحتفاءُ الخاصَّين، وتزدادُ المحبة والرحمةُ بأسباب شرعية وقدرية، فبنات النبي ﷺ خاصةً أم كلثوم وفاطمة، نشأوا أيتاماً أو شبه أيتامٍ من قبل الأم، وأصغرهن: فاطمة، ولم يكن لهما من قبل عماتهما وخالاتهما مَن يعطف عليهما، وتنشآن في حنانها، فلم يكن لهما ــ بعدَ اللَّهِ ــ إلا والدُهما ﷺ ، ثم إنَّ المحبة تزداد لفاطمة بعد فقدها أخواتها كلها واحدة تلو الأخرى، فبقيت وحيدة مع والدِها ﷺ وزوجِها من شهر شعبان سنة (٩ هـ) إلى وفاته ﷺ في شهر ربيع الأول (١١ هـ). قبل تلك الفترة، لم يكن النبي ﷺ يفرِّق بين بناته في المحبة والاحتفاء، فهو ﷺ أتقى الناس لربِّه، وأعدَلُهم، وقد أمرَ بالعدل بين الأولاد ــ وسبق بيان ذلك ــ. فالأحاديثُ الدالَّةُ على اختصاصِ فاطمةَ بشَيءٍ مِن المحبَّةِ والاحتفاءِ والفضلِ إنما وردَتْ بعدَ وفاةِ أخواتِها، وتفرُّدِها عنهم، وذلك بعد (شعبان ٩ هـ).

стр. 98

فقد تُوفيت: ١. رقية ﵂، زوج عثمان بن عفان ﵁، سنة (٢ هـ)، والمسلمون في بدر. ٢. زينب ﵂ زوج ابن خالتها: أبي العاص بن الربيع ﵁، أول سنة (٨ هـ). ٣. أم كلثوم ﵂، زوج عثمان بن عفان ﵁ بعد موت رقية، في شعبان سنة (٩ هـ). فقولُ النبيِّ ﷺ لفاطمةَ: سيِّدةُ نساء أهل الجنة، وفاطمةُ بَضعة منِّي يُريبني ما يُريبُها، (١) وحديثُ رجوعه من غزوة تبوك ـ على فرض صحته ـ وأنه ابتدأ بفاطمة، إنما كان ذلك كله بعد (شهر شعبان، من السنة التاسعة)، بعد ما انفردت فاطمة بوفاة أخواتها كلهن. هذا في إظهار المحبة الخاصة بفاطمة، والاحتفاء الخاص بها عن بقية أخواتها ﵅، أما الإشارة إليها، فقد ورَدَتْ في حديثين:

стр. 99

١. قوله: «لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». (١) ٢. وحديث النبي ﷺ في مكة أول الإسلام حين نادى على الصفا: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أُغني عنكم من اللَّهِ شيئاً. يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي لا أُغني عنكِ من اللَّهِ شيئاً». خصَّها هنا ربما لأنها أصغر بناته، والأصغرُ لها عَطفٌ خاص، والرحمة بها أشد، وذكرها لتأثير البيان عن مسؤولية الإنسان عن نفسه، (وأن النيابة لا تدخل في أعمال البر؛ إذْ لو جاز ذلك لكان يتحمل عنها ﷺ بما يخلِّصها، فإذا كان عملُه لا يقع نيابة عن ابنته فغيره أولى بالمنع). كما في «الفتح» وكانت فاطمة ﵂ مِن أعزِّ الناس عنده، وفي حديث إرسال حِزبِ أم سلمة فاطمةَ للنبيِّ ﷺ يسألنه العدلَ في ابنةِ أبي قُحافة الحديث. ذكر ابن حجر من فوائده: (ما كان عليه أزواج النبي ﷺ من مهابته والحياء منه، حتَّى راسلْنَهُ بأعَزِّ الناسِ عندَه: فاطمة).

стр. 100

وقد ذكرت د. عائشة بنت الشاطئ - رحمها الله - تساؤلاً يَرِدُ كثيراً: لِمَ استأثَرَتْ فاطمةُ بهذه المكانة الخاصةِ عند أبيها ﷺ -؟ وذكرَتْ أنَّ جواب المستشرقين بأن هذه من اختراعات الشيعة بأخَرَة، ثم ذهبَتْ تردُّ عليهم، ومِن قولها: (المكانةُ الخاصة لفاطمة عند أبيها لم تُنقِصْ حُبَّهُ لأخواتها الثلاث، وأنَّ حظَّ فاطمةَ مِنْ حُبِّ أبيها ﷺ قد ازداد بعد موتِ هؤلاء الأخوات، ثم تضاعف بمَولِدِ الحسنين (١)، وانحصار ذريته ﷺ في نسل هذه الابنة الوحيدة التي بَقيَتْ له). وذكر الأديب العقَّاد ﵀ أنَّ: (الحنَان على الصُّغْرى من الذرية بعد فراق الأمِّ، والذُّرِّيةِ كلِّها بالموتِ أو بالرِّحْلَةِ، وفِراق البلَدِ الذي نشَأَتْ فيه؛ حَنَانٌ ــ لَعَمْرُ الحقِّ ــ صَابِرٌ حَزِينٌ. ولقَدْ نَعِمَتْ فاطمةُ بهذا الحنَانِ مِن قَلْبَينِ كَبيرَيْنِ: حَنَانٌ أحرَى به أنْ يُعلِّمَ الوَقَارَ، ولا يُعلِّم الخِفَّة والمرَحَ والانطِلَاقَ). ا. هـ. بتصرُّف.

стр. 101

الاحتفاء: حديث عائشة في قوله ﷺ لفاطمة: مَرحباً، وأجلَسها بجواره، وفي «السنن»: إذا دخلَتْ عليه قامَ إليها وقبَّلها وأجلَسَها في مجلسِه، وهي تفعلُ مثلَه إذا قَدِم عليها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. أما البدءُ بها أوَّل ما يقدم المدينة، فالأرجح ضعف الأحاديث الواردة في ذلك. ولا يُستبعَد بدؤه ﷺ بالمسجد، ثم بناته فاطمة، وزينب، وأم كلثوم، ثم أزواجه، لكن تخصيص فاطمة بالذكر دون أخواتها مع ما يتضمن من التفضيل، هذا مرجح من مرجحات ضعف الأحاديث الواردة، زيادةً على ضعف أسانيدها. خامساً: الزيارة بين فاطمة وأبيها - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. * زيارتها ﵂ له ﷺ متكررة، خاصة وأنها بجوار بيت عائشة ﵄، من ذلك: زيارتها له في مرضه ﷺ ، كما في حديث عائشة ﵂ حينما أسرَّ لها بقرب أجله .. وزيارتها إياه مع إطعامه كما في حديث الكساء من رواية أم سلمة ﵄.

стр. 102

وثَمَّةَ أحاديثُ كثيرةٌ في الزيارة، منها الصحيح ومنها دون ذلك، وكثرة الزيارة بينهما مع الإطعام، لا تحتاج إلى مرويات؛ لليقين بها. رُوي من حديث أنس بن مالك ﵁ أنَّ فاطمة ﵍ جاءت بكِسرة خُبْزٍ إلى النبي ﷺ ، فقال: «ما هذه الكسرة يا فاطمة»؟ قالت: قُرصٌ خبَزتُه، فَلَمْ تَطِبْ نفْسِي حتَّى أتيتُكَ بهذهِ الكِسْرَةِ، فقال: «أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام». رواه: ابنُ سعد ـ واللفظ له ـ، وأحمد، وغيرهم، وهو حديث ضعيف. * زيارته ﷺ لابنته فاطمة ﵂ -. عن أبي هريرة ﵁ قال: خَرجتُ مع رسُولِ اللَّهِ ﷺ في طائفةٍ من النهار، لا يُكلِّمُني ولا أكلِّمُه، حتى جاء سُوقَ بني قَينُقَاع، ثم انصرفَ، حتى أتى خِبَاء (١) فاطمة فقال: «أثَمَّ لُكَعُ؟ أثَمَّ لُكَعُ»؟ (٢) يعني حسَناً فظنَنَّا أنه إنما تحْبِسُهُ أمُّه لأن تغسِلَه وتُلبِسَه سِخَاباً (٣)، فلم يلبَث أنْ جاء يَسعى، حتى اعتنقَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، فقال رسُولُ اللهِ ﷺ : «اللهمَّ إني أُحِبُّه، فأَحِبَّه، وأحبِبْ مَنْ يُحِبُّه». متفق عليه ــ واللفظ لمسلم ــ.

стр. 103

في لفظ للبخاري: كنتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ في سُوق من أسواق المدينة، فانصرفَ فانصرفتُ، فقال: «أينَ لُكَعُ؟ ـ ثلاثاً ـ ادْع الحسنَ بنَ علي». فقام الحسن بنُ علي يمشي وفي عنقه السخاب، فقال النبي ﷺ بيده هكذا، فقال الحسن بيده هكذا، فالتزمه فقال: «اللهم إني أحبُّه فأحبَّه، وأحبَّ من يحبُّه». وقال أبو هريرة: فما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من الحسنِ بنِ علي، بعدما قال رسولُ اللهِ ﷺ ما قال. وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ طَرَقَه وفاطمةَ ﵍ بنتَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال لهم: «ألا تُصلُّون»؟ فقال علي: فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، إنما أنفسنا بيد اللهِ، فإذا شاءَ أن يبعثَنا بعَثَنا، فانصرفَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حين قال له ذلك، ولم يرجع إليه شيئاً، ثم سمِعَهُ وهو مُدبِر، يضربُ فخذَه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (سورة الكهف، آية ٥٤). أخرجه: البخاري ومسلم. وعند أحمد، والنسائي، وأبي يعلى ـ بإسناد حَسَنٍ ـ: دخل عليَّ رسولُ اللهِ ﷺ وعلَى فاطمةَ من الليل، فأيقظَنا للصلاة، قال: ثم رجَعَ إلى بيتِه، فَصلَّى هوياً (١) من الليل، قال: فلم يسمعْ لنا حِسَّاً، قال:

стр. 104

فرجع إلينا، فأيقظنا وقال: «قُومَا فصَلِّيا». قال: فجلستُ وأنا أعركُ عيني، وأقول: إنَّا واللهِ ما نُصلِّي إلا ما كُتِبَ لنا، إنما أنفسنا بيدِ اللَّهِ، فإذا شاء أنْ يبعثَنا بعثَنَا. قال: فولَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو يقول، ويَضرِب بيده على فخذه: «ما نصلي إلا ما كُتِبَ لنا، مَا نُصَلِّي إلا ما كُتِبَ لنا! ! وكان الإنسان أكثر شيءٍ جدَلاً». كان النبيُّ ﷺ معتنياً بأولاده، مع محبته لهم، ومن مظاهر العناية: زيارتهم، وتفقد أحوالهم، وهذا يدل أيضاً على بشرية النَّبيِّ ﷺ ، لمحبته ورعايته أولاده، ويدل على كمال خُلُقه، فلم تكن النبوةُ ومهمامُّها، وما يواجهُه من الأذى والمصائب حائلةً دون رعايته لأولاده، وزيارتهم، وتفقدهم، وفي هذا الموضع ما يخص فاطمة ﵂، وكما قلتُ من قبل: لم يكن يخصها بشَيءٍ من الزيارة والاحتفاء في حياة أخواتها، فهو إمام العادلين - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -. إن تفرد فاطمة في آخر حياة النبي ﷺ بموت أخواتها كلها، يدعو والدَها النبيَّ ﷺ إلى تكرار الزيارة والإيناس، خاصةً مع قُرْب بيتها، فهو مجاور لبيت عائشة ﵂ من جهة الشمال ــ كما سبق بيانه ــ. ومما يدلُّ على عِنايته ﷺ وزيارتِه ابنتَه فاطمةَ في بيتها ـ زيادةً على ماسبق ـ أحاديثُ كثيرة، دالَّةٌ على ذلك، منها: حديثُ

стр. 105

سهل بن سعد ﵁ قال: جاء رسولُ اللَّهِ ﷺ بيتَ فاطمة فلمْ يجِدْ عليَّاً في البيت، فقال: «أينَ ابنُ عمِّك»؟ قالت فاطمة: كان بيني وبينه شيءٌ، فغاضَبَنِي، فخرج، وقوله: «قُمْ أبا تُراب، قُمْ أبا تُراب». متفق عليه. وحديثُ طلبِها الخادم، ثم مجيئ النبي ﷺ إليها في بيتها. متفق عليه. وحديثُ فاطمة ﵁ أنه ﷺ دخل عليها مرةً فأكل عندها مما مسَّتْهُ النارُ، ولم يتوضأ. أخرجه: أحمد، وابن أبي أسامة، وأبو يعلى، وغيرهم. وهو ضعيف. وحديث سهل بن سعدٍ: أن عليَّ بن أبي طالب دَخَلَ على فاطمةَ، وحسنٌ وحسينٌ ﵃ يبكيان، فقال: ما يُبْكيهما؟ قالت: الجوعُ، فخرج عليٌّ، فوجد دينارَاً بالسُّوق، . وفيه زيارة النبي ﷺ لهما. أخرجه: أبو داوود، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم، وهو حديث حسن لغيره. فالأحاديث كثيرةٌ جداً، والزيارة لأغراض شتَّى معلومة، منها: الإيناس وتفقد الحال، وما يصحبه من مداعبة الأولاد. ومنها: إجابة لها بعد أن جاءت تبحث عنه ولم تجده ــ كما في حديث طلب الخادم ــ.

стр. 106

ومنها: أحاديث للتعليم والتربية ــ كما في حثه ﷺ فاطمةَ وعلياً ﵄ على صلاة الليل ــ. ومنها: مجيئه لعيادتها ـ وهي مريضة ـ، لكن الأحاديث المروية التي أمكن الوقوف عليها: أنه ﷺ عادها ومعه أصحابه ـ ضعيفة ـ. سادساً: غيرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - عليها . كان النبيُّ ﷺ يغارُ على بناتِه كلِّهم، وإنما ورد النصُّ على فاطمة في الحديث؛ لأنَّ عليَّاً خَطب عليها، فتكلَّم النبيُّ ﷺ ، ووَقْتُ كلامِه لم يَكُن بَقِي من بناته إلا فاطمة ﵂، فإنَّ الخِطبَةَ والخُطبةَ كانت بعد شعبان، سنة (٩ هـ). عن المِسْوَر بنِ مَخرمَةَ، قال: إنَّ علياً خطبَ بنتَ أبي جَهْل فسَمِعَتْ بذلك فاطمةُ ﵃ فأتَتْ رسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فقالت: يَزعُم قومُكَ أنَّك لا تَغْضَبُ لِبنَاتِكَ، وهذا عليٌّ ناكح بنتَ أبي جهل، فقام رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فسمعتُه حين تَشهَّد، يقول: «أما بعد، أنكحتُ أبا العاص بنَ الربيع، فحَدَّثَنِي وصدَقَنِي، وإنَّ فاطمةَ بَضْعةٌ مِنِّي (١)، وإني أكرَهُ

стр. 107

أن يسُوءَها، واللَّهِ لا تَجتَمِعُ بنتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وبنتُ عدوِّ اللَّهِ عندَ رجُلٍ واحِد». فتَركَ عليٌّ الخِطْبَة. وزاد محمد بنُ عَمْرِو بن حَلْحَلَة، عن ابن شِهاب، عن علي بن الحسين، عن مِسْور سمعتُ النبيَّ ﷺ وذكر صهراً له من بني عبدِ شَمْس، فأثنَى عليه في مُصَاهَرَتِه إيَّاه فأحسن، قال: «حدَّثَنِي فصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوفَى لي». متفق عليه ــ واللفظ للبخاري ــ. وفي لفظ للبخاري: «فاطمةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فمَن أغضبَها أغضبَني». وفي لفظ لمسلم: «إنما فاطمةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، يُؤذيني ما آذاها». ولهما: «إنَّ بني هشام بن المغيرة (١) استأذنوني أن ينكحوا ابنتَهم عليَّ بنَ أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، إلا أن يُحبَّ ابنُ أبي طالب أن يطلِّق ابنتي وينكح ابنتَهم، فإنما ابنتي بَضْعَةٌ مني، يَريبني ما رابها، ويُؤذيني ما آذاها». لفظُ مسلم، والبخاري بمثله إلا أنه قال: إلا أن يريد أن يُطلِّق وقال: أرَابَها. ولهما ـ أيضاً ـ: قال: «إنَّ فاطمة منِّي، وإني أتخوَّف أن تُفتَنَ في دينها». (٢)

стр. 108

ثمَّ ذكرَ صهراً له من بني عبد شمس، فأثنى عليه في مصاهرته إيَّاه فأحسن، قال: «حدَّثني فصدَقَني، ووعدَني فأوْفَى لي، وإني لستُ أحرِّم حلالاً، ولا أُحِلُّ حرَامَاً، ولكِنْ واللَّهِ لا تجتمعُ بنتُ رسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وبنتُ عدوِّ اللَّهِ مَكاناً واحِدَاً أبداً». والمرأة التي خطبَها عليٌّ ﵁: هي جُويريةُ بنتُ أبي جهل ﵂ ويقال: العوراءُ بنتُ أبي جهل ـ والعورَاءُ لقبُها ـ، فترك الخِطبة. (١) بوَّب البخاري في «صحيحه» على الحديث في كتاب النكاح: باب ذبِّ الرجل عن ابنته في الغَيرَة والإنصاف. وقد روي أنه ﷺ يغار لبناته غيرة شديدة، قال ابن إسحاق: (حدثني مَن لا أتَّهِم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يغارُ لبناتِه غَيْرَةً شَدِيدة، وكان لا يُنكِح بناتِه على ضَرَّة). وما دام أنَّ الضرَّةَ على بناته تؤذي ابنتَه، فإنه يَتأذَّى مما تتَأذَّى منه بناتُه، لذلك يَخشى عليهن، ويكرَه مَسَاءَتَهُنَّ، مع تَصريحِهِ ﷺ بأنه لا يُحرِّمُ حَلَالاً. قال النووي ﵀: (قال العلماءُ في هذا الحديث: تحريم إيذاء النبي ﷺ بكلِّ حالٍ، وعلى كلِّ وجْهٍ، وإن تولَّد ذلك الإيذاءُ مما كان أصلُه مباحاً وهو حيٌّ، وهذا بخلاف غيره.

стр. 109

قالوا: وقد أعلمَ ﷺ بإباحة نكاحِ بنتِ أبي جهل لعليٍّ بقولِه ﷺ : «لَسْتُ أُحرِّم حلالاً». ولكن نهى عن الجمع بينهما لعلَّتَين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤدِّي إلى أذى فاطمة؛ فيتأذَّى حينئذ النبيُّ ﷺ ؛ فيهلَك مَن آذاه، فنهى عن ذلك، لِكمال شفَقتِه على عَلِيٍّ، وعلَى فاطمة. والثانية: خوف الفتنة عليها؛ بسبب الغَيرة. (١) وقيل: ليس المراد به النهي عن جمعهما، بل معناه: أعلمُ مِن فَضْلِ اللَّهِ أنهما لا تجتمعان، كما قال أنس بن النَّضْر: «واللَّهِ لا تُكسَرُ ثَنِيَّة الرُّبَيِّع». ويُحتَمَلُ أن المراد تحريم جمعهما، ويكون معنى: «لا أحرِّمُ حلالاً» أي: لا أقولُ شيئاً يخالِفُ حُكمَ اللَّهِ، فإذا أحلَّ شيئاً، لمْ أحرِّمْهُ، وإذا حرَّمَهُ، لم أحَلِّلْهُ، ولم أسكُتْ عن تحريمه؛ لأن سكوتي تحليلٌ له؛ ويكون من جملة محرمات النكاح: الجمعُ بين بنتِ نبيِّ اللَّهِ، وبنتِ عَدوِّ اللَّهِ). وقال ابن حجر ﵀: (قال ابن التين: أصحُّ ما تُحمَلُ عليه هذه القصة أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم علَى علِيٍّ أن يجمعَ بين ابنتِه، وبين ابنة

стр. 110

أبي جهل؛ لأنه علَّل بأن ذلك يؤذيه، وأذيتُه حرامٌ بالاتفاق. ومعنى قوله: «لا أُحرِّم حلالاً»: أي هي له حلال، لو لم تكن عنده فاطمة. وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذي النبي ﷺ لتأذي فاطمة به؛ فلا. وزعم غيرُه أنَّ السياق يُشعر بأن ذلك مُباحٌ لعلي، لكنه منعَه النبيُّ ﷺ رِعايةً لخاطرِ فاطمة، وقَبِلَ هو ذلك؛ امتثالاً لأمرِ النبيِّ ﷺ . والذي يظهر لي أنه لا يبْعُد أنْ يُعَدَّ في خصائصِ النبيِّ ﷺ أن لا يُتزوَّج على بناتِه، ويُحتمَل أن يكون ذلك خاصَّاً بفاطمة ﵍). قلت: هل يُمكِنُ القولُ بأنَّ المسألةَ خَرَجَتْ من الحُكْم الشرعي واحتماليةِ التحريم، لقول النبي ﷺ : «لا أُحرِّم حلالاً»، وخَرجَتْ من دعوى الخصوصيةِ، لِذكِرهِ ﷺ عَهْدَ ـ شَرْط ـ أبي العاص والتزامِه، مما يدل على وجودِ اشتراطٍ مُسبَقٍ معَ عَلِيٍّ، فيكونُ عزمُ عليٍّ مخالِفاً الشرْطَ والاتفاق؛ زيادةً على ذلك خَشِي ﷺ الضررَ على ابنته الوحيدة ـ آنذاك ـ «فاطمة»، وأنها لن تجد من تبوح إليه، لا أمُّ، ولا أخوات، . فالموضوعُ: التزامٌ بالشرط، مع الخوف على ابنته، ولا خصوصية فيه.
следующие страницы →