← История

История · id 49

قصة الحياة

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (447 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قصة الحياة جمع وإعداد عبدالإله بن عبدالله السعيدي الحقوق متاحة لكل مسلم (نسخة مزيدة مصححة) ٢٩ شعبان ١٤٤٢ هـ

стр. 2

المقدمة بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد: فهذه الرواية الصادقة ليست من نسج الخيال، وإنما غالب فصولها وأحداثها من أخبار الوحي، ورواية ثقات المؤرخين في خلاصة غنية جداً من الأحداث والأحاديث الصحيحة والحسنة -إن شاء الله- التي هي نواة العلم الحقيقي وتاريخ الكون والبشر. بعيداً عن خرافات العصر الحجري وما يسمى بعصر ما قبل التاريخ، ونظريات تحول الإنسان من قرد، ونظرية الانفجار العظيم وغيرها من الفلسفات والتخيلات الباطلة المليئة بالمتناقضات والظنون التي لا تغني من الحق شيئاً. بعيداً عن ذلك كله؛ هناك مصدر للحق الذي يوافقه العقل السليم والفطرة السوية فتخبت له القلوب وتطمئن إليه النفوس. إنه نور الوحي السماوي الذي أوحاه رب الكون وجعله نوراً وهدىً للناس، فيه ذكر أصل الكون وتاريخه السابق واللاحق، وما كان وما سيكون، وفيه (قصة الحياة). من خلق هذا الكون؟ وكيف بدأ؟ وما قصة أول إنسان؟ وهل كان عالماً أم جاهلاً؟ وما علاقته بالسماء وبالأرض وبتلك المخلوقات التي تغيب عن الأعين؟ ولماذا نحن على الأرض؟ وما قصة الأجيال التي عاشت قبلنا؟ والتي ستأتي بعدنا؟ وما الدين الحق؟ وما قصة الرسائل السماوية التي بُعث بها الأنبياء من رب العالمين؟ وكيف ستكون نهاية الحياة؟ وما مصير الكون؟. ما أجمل أن تجد من الوحي إجابات صادقة وإرشاداً وهدياً ربّانياً لكل تلك التساؤلات! وقد قال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله ﷺ : "مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ، إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، ومَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي".

стр. 3

ولا عجب أن يقول أبو ذر ﵁: "تَرَكَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ، إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا". حتى قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ لسَلْمَانَ الفارسي ﵁ وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ؟! فَقَالَ: "أَجَلْ، لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ". وقال عمرو بن أخطب ﵁: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا". وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ". ولما تفرقت تلك الروايات التي تحكي قصة الوجود والغاية من الخلق ونظام الحياة ونهاية الدنيا وتشعبت في الكتب؛ حرصت أن أجمع منها خلاصة غنية موجزة في سياق قصة تجمع أصول العلم الثابت وجوامع الحديث الصحيح وأهم أحداث التاريخ، لتحكي بنسق مترابط أبرز وأهم أحداث قصة الوجود والخلق والطريق في هذه الحياة وما فيه من تدافع الحق والباطل وأبرز أخبار الأمم وما سيكون إلى حياة الخلود.

стр. 4

وكان البدء بجمع خلاصة مختصرة من أهم جوامع الأحاديث النبوية لمطالعتها وفهمها وربط أطرافها وتسهيل مذاكرتها، فكان الأصل فيها أحاديث الأربعين النووية وما اتصل بشرحها من الروايات الصحيحة الواردة في كتاب جامع العلوم والحكم لابن رجب، ثم ما ارتبط بها من زيادات صحيحة وحسنة من مختلف كتب السنة وشروحها التي أمكن الاطلاع عليها، وفق تصحيح المحققين من أهل الحديث المتأخرين كالشيخ الألباني وغيره، مع الاستفادة الكبرى من خدمات برامج المكتبات الإلكترونية لكتب السنة. ثم كان ترتيب هذه الروايات لتحكي قصة الحياة من بدء الخلق وصفة الخالق جل وعلا، وذكر خلق السموات والأرض وخلق أول البشر وما كان من عداوة الشيطان له، وهبوط آدم وإبليس إلى الأرض، وإرسال الرسل وقصصهم مع أقوامهم، وجمع ما صح من أحاديث قصص الأنبياء وما صح عن الصحابة في ذلك، ثم انتقاء الأظهر من روايات حفاظ المؤرخين وترجيحاتهم في الأحداث التاريخية المشتهرة التي لم ترد بأسانيد متصلة، وشمل ذلك ملخصاً لأهم أحداث السيرة النبوية الشريفة مع جمع أطراف بعض أهم أحداثها؛ كقصة الهجرة وصلح الحديبية، ثم ملخصاً موضوعياً من جوامع الكلم النبوي، وذكر أشراط الساعة، وأحداث يوم القيامة، وبها تكتمل قصة الحياة من الوجود إلى الخلود. وقد ازدانت القصة بحواشٍ مليئة بالتوضيحات والفوائد والفرائد والملخصات من مهمات ما بينه أهل العلم ﵏ في جملة من الموضوعات؛ كذكر النجوم والأبراج والغاية من وجودها، وهيئة السموات والأرض والأفلاك، وحساب الزمان والسنين والفصول والمواسم والتأريخ الصحيح، ووقوع التحريف في دين اليهود والنصارى وكتبهم، وحال الناس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وإعجاز القرآن الكريم وجمعه، وتفرق الأمة، ونشوء علم الرجال وحفظ السُّنة بالإسناد، وتوضيحات مهمة في مسائل الرق في الإسلام، والحجاب والعفة وحفظ العرض والنسل، وفوائد في حفظ الصحة والتداوي والاسترقاء، وحال الصحابة في معالجة الفتنة التي وقعت بين المسلمين في آخر زمن الخلفاء الراشدين، وذكر تداعي الأمم الكافرة على المسلمين، وفضل مجتمعات المسلمين على غيرهم، ومسائل في أشراط الساعة وذكر الدجال وابن صياد، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من الإثراءات.

стр. 5

فتكونت خلاصة متناسقة مفيدة، كانت الغاية أن يسهل فهمها والربط بينها ومذاكرتها ومعاودة قراءتها والاستئناس بها بصورة خاصة، ليس للتأليف العلمي؛ وإنما لأنتفع بها وأنفع بها أولادي وأحببها لهم، بعيداً عن الإطالة والإحالة والإسناد والعزو والتخريج وذكر الخلافات؛ حيث كان القصد جمع الصحيح واختصار المهم من المطولات وتسهيل الربط بينها ومراجعتها في صورة محببة ميسرة. ثم رغب إلي بعض الأحبة -ممن اطلع على هذا الكناش- بنشره لما فيه من مراعاة الانتقاء والتسلسل والربط والتسهيل والخلاصات، وإن كاد يخلو من الإحالات والتوثيقات؛ فلعل الله أن يفتح لقارئه باباً للتزود من العلم النافع ويسهل لقارئه فهم كثير مما جاء في القرآن والسنة والسيرة والتاريخ وواقعه المعاصر، ويكون بقراءته الممتعة في سياق قصة مترابطة قد مرَّ بفوائد جمة من كثير من الأحاديث وجوامع الكلم والأخبار الصحيحة والحسنة الجامعة والمجتمعة الأطراف في ترابط وترتيب مختصر مفيد، ولا شك أنه عمل يعتريه النقص والخطأ والزلل، فما كان فيه من الصواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي، وأستغفر الله وأتوب إليه، ولعل الله أن يسخّر له من يفيد منه، مع وافر الشكر والدعاء لمن نقلت من كتبهم أو مواقعهم أو أبحاثهم أو مقالاتهم وترجيحاتهم فهذا العلم والجهد من جهدهم، وإنما جمعت واخترت ولخصت مما أفادوا، فجزاهم الله عني وعن المسلمين خيراً، وبارك فيما كتبوه وعلّموه رحم اللهُ الأحياءَ منهم والأموات وغفر لهم ورفع دجاتهم. وأسأله سبحانه المغفرة والقبول وأن ينفع بما جُمع وكُتب، وأن يوفقنا جميعاً لكل خير ويعفو عن الخطأ والزلل ويرحمنا برحتمه الواسعة، إنه غفور رحيم. وحرره: عبدالإله بن عبدالله السعيدي -عفا الله عنه- ٢٩ شعبان ١٤٤٢ هـ

стр. 6

الله جل وعلا كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَلا قَبْلُهُ، هُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، والْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ، وَالْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ، وِتْرٌ يحب الوِتْرَ (١)، هُوَ الْأَحَدُ الصَّمَدُ (٢)، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، هُوَ الإله الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، لا إله إلا هو وحده (٣)، هو الرَّبُّ (٤) ، والسَّيِّدُ ﵎، الْعَلِيُّ الأَعْلَى الْمُتَعَالِ، العَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، عَلَاّمُ الْغُيُوبِ، هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ (٥)، مَالِكُ الْمُلْكِ، بِيَدِهِ المُلكُ، ولم يكن له شريك في الْمُلْكِ، وله المُلْكُ والملكوت (٦)، مَلِيكٌ مُقْتَدِرٌ، وجهُهُ كريمٌ، وسُلطانُهُ قديمٌ (٧)، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، هُوَ مُحْيِي الْمَوْتَى، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وهو الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، والْوَارِثُ (٨) الّذِي يَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ. هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ (٩) الْمُصَوِّرُ (١٠) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ونُورُ (١١) السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ، وفَاطِرُ (١٢) السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ، الّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، صَنَع كُلَّ صَانِعٍ وصَنْعَتَهُ (١٣)، صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، لَهُ الخَلقُ وَالأمْرُ، يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (١٤)، هو الْمَجِيدُ (١٥)، الْكَرِيمِ الأَكْرَمُ، الْعَزِيزُ الأَعَزُّ، لَهُ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، يعِزُّ مَنْ يشَاءُ ويذِلُّ مَنْ يشَاءُ، والعِزُّ إِزَارُهُ والكِبْرِياءُ رِدَاؤُهُ، فَهُوَ الْمُتَكَبِّرُ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ (١٦) فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وهُوَ الْقَيُّوم، قَيِّم وقيَّام السماوات والأرض ومن فيهن، قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ (١٧). هو الْقادِرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْقَهَّارُ والْقَاهِرُ (١٨) فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْكَبِيرُ (١٩)، الجَبَّارُ (٢٠) ذُو الْجَبَرُوتِ وَالْعَظَمَةِ، وَهُوَ الْقَوِيُّ شَدِيدُ الْمِحَالِ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٢١)، غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ (٢٢)،

стр. 7

كَتَبَ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي (١)، وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ، نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحزابَ وَحْدَه. شَهِيدٌ (٢) لا يغيب عنه شيء، شَهِدَ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ، ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ، الذي يُجِلُّهُ كُلُّ مخلوقٍ، ويُكَرَّمُ بِعِبَادَتِهِ كُلُّ مخلوق، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، حييٌ كريمٌ، قَرِيبٌ مُجِيبٌ، هُوَ الْمُهَيْمِنُ (٣)، وهُوَ خَيْرٌ حافِظاً، وهو عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وحَسِيبٌ (٤). هو الحَكَم، وإليه الحُكم، يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وهُوَ الْحَقُّ (٥) وقَوْلُهُ الْحَقُّ، وهو الحكيم (٦) الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ، القَابِضُ البَاسِطُ، المُعْطِي الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، هو الْوَهَّابُ (٧)، يهب ما يشاء لمن يشاء كيف شاء، جوادٌ يحب الجُود، يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ، وهو المُسَعِّرُ الرَّزَّاقُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨)، وَهُوَ اللَّطِيفُ (٩) الخَبِيرُ (١٠)، الْفَتَّاحُ، مَا يَفْتَحْ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا، وهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، أرْحَمُ الرَّاحِمينَ، هو الْحَنَّانُ يتحنَّنُ برحمته، كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وَسِعَتْ رحمته كُلَّ شَيْءٍ، وهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد، ووسع رزقه الخلق أجمعين، فهو واسِعُ (١١) العظمة والسلطان والملك، وواسِعُ الفضل والإحسان، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ (١٢) ربُّ الملائكةِ والروحِ، جميلٌ يحبُّ الجَمَال، هُوَ السَّلامُ الذي سَلِم مِن كل عَيْبٍ ونَقْصٍ، ومنه السَّلامُ يُرْجَى وَيُطْلَب، رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، سِتِّير، لا يستر على عبد في الدنيا إلا ستره يوم القيامة، وإِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ، هو الطبيب (١٣) الشَّافي، لا شفاء إلا شفاؤه، وهُوَ البَرُّ (١٤) الْغَفُورُ الْغَفَّارُ الوَدُوُد، الْوَلِيُّ وَالْمَوْلَى، وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وَمَوْلَاهُم (١٥)، حَفِيٌّ بِعِبَادِهِ (١٦)، كافٍ عباده ما يحتاجون إليه (١٧)، هُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيل، يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا، وكَفَى بِهِ كَفِيلًا (١٨)، هُوَ المنَّانُ (١٩) يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ الذي يستعين به عباده فيعينهم، كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَنَاداهُ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ، وَكَتَبَ لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً، وَعَتَبَ عَلَيْهِ، يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ، وما أحدٌ أصبر (٢٠) على أذى سمعه من الله؛ يدَّعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم،

стр. 8

وهُوَ التَوَّابٌ (١) يفرح بتوبة عبده، وهو شَاكِرٌ شَكُورٌ (٢)، لا يَمَلُّ حتى تملوا (٣)، وإن الله تعالى يغار (٤)، وغيرة الله تعالى أن يأتي المرء ما حرَّم الله عليه، وَلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللهُ الْمُرْسَلِينَ، مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، وَلَا شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللهُ الْجَنَّةَ، وَهُوَ عَفُوٌّ (٥) غَفُورٌ، رَقِيبٌ على خلقه، وهُوَ الدَيَّان الذي يجازي عباده بعملهم، وإِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ. عَاتَبَ أَوْلِياءَهُ، وعَجِبَ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ، ويَنْزِلُ اللهُ ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَسْتَجِيبُ لِمَن سَأَلَهُ، وفي يَوْمِ عَرَفَةَ يَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِعِبَادِهِ الْمَلَائِكَةَ، ويَضْحَكُ اللهُ مِنْ رَجُلٍ وَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ. وأَحَلَّ مَقْتَهُ وغَضَبَهُ على الطُغاةِ المُجْرِمِينَ الذين لا يَتُوبُونَ، وكَرِهَ انْبِعَاثَ المُنَافِقين فَثَبَّطَهُم، الّذِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ، واللهُ يَسْتَهْزِئُ بالمُسْتَهْزِئِينَ بآيَاتِهِ وعِبَادِهِ، وَيَمْكُرْ لِعِبَادهِ على مَنْ يَمْكُرْ عَلَيْهم، وَيَسْتَدْرِجُ الكَافِرِينَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وإِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ؛ فَإِنَّمَا هو اسْتِدْرَاجٌ ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون﴾. وَاللهُ هُوَ الْمُؤْمِنُ الذي يؤمِّن عبادَه المؤمنين من بأسهِ وعذابهِ، ويصدِّقُهم على إيمانِهم، وَيَصْدُقُهُم ما وَعَدَهُم (٦)، وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٧) والْعِقَابِ، مُنْتَقِمٌ مِنَ المُجْرِمِينَ، ذُو بَطْشٍ شَدِيدٌ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. ولله تسعة وتسعون اسماً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، فله الأسماء الحسنى والصفات العلى. وإنّه تعالى لَا يَنَامُ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ (٨)، إِنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى المِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ (٩)، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ (١٠) مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ، وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا، ولَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ، ولَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.

стр. 9

بدء الخلق وكان عرش الله على الماء (١)، وأوّلَ ما خلق الله القلم؛ قال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة (إلى الأبد)، كتب مقادير الخلائق (القدر)، وكتب في الذِّكْر (اللوح المحفوظ) كل شيء قبل أن يخلق الله السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

стр. 10

السموات والأرض وإِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (١)، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ (٢)، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ التِّقْن (٣) يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ (٤) يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ. وَخَلَقَ آدَمَ ﵇ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ، فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ (٥). وجعل اللهُ خلقه وإبداعه وإنعامه على المخلوقين وتربيتهم بنعمه آيات ودلائل على ربوبيته، فهو رب العالمين، تسبِّح له وتقدسه السماوات السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وتنزهه وتعظمه وتبجله وَتَكَبِّرُهُ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ (٦).

стр. 11

النجوم والبروج وجَعَلَ اللهُ النُّجُومَ زِينَةً لِلسَّمَاءِ الدنيا، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، وجعل في السَّمَاءِ بُرُوجاً (١). والنُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ (٢)، إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يُرَاعُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَالْأَظِلَّةَ لِذِكْرِ اللَّهِ. واللهُ (جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) (٣).

стр. 12

حساب الزمان والسنين وإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ -الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ-. (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (١).

стр. 13

خلق الملائكة والجن والإنس وخُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، فهم سَفَرَةٌ، كِرَامٌ بَرَرَةٌ، حَافِظونَ، كَاتِبونَ، مُطَهَّرُونَ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، جعل الله منهم رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ. وقد أَطَّتْ (١) السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ (٢). وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ (٣) مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٤)، ثم خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ طِينٍ. وخَلَقَ اللهُ الجن والإنس لعبادته وليختبرهم في طاعته، ولم يجعلهم مجبولين على الطاعة كالملائكة، بل منحهم إرادة وعقلاً وأسبغ عليهم نِعَمَهُ ظاهرة وباطنة، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وابتلاهم بالشهوات والملذات وبالشدائد، ووعد المطيع بالثواب والعاصي بالعقاب، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ.

стр. 14

رحمة الله ولَمَّا خَلَقَ اللهُ الْخَلْقَ؛ كَتَبَ كِتَابًا عَلَى نَفْسِهِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: "إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي"، وإِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ (مِائَةَ جُزْءٍ)، كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ (١) مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالْبَهَائِمِ، وَالْهَوَامِّ، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ. وَادَّخَرَ عِنْدَهُ لِأَوْلِيَائِهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ضَمَّهَا إِلَيْهَا فَأَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ وَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ (٢)، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَ اللهِ مِنْ الْعَذَابِ؛ مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ. ولَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ؛ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ.

стр. 15

قصة آدم ﵇ (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) يعني: إذا سويَّتُ خلقه، وعدلت صورته، ونفخت فيه من روحي، فاسجدوا له. وإن الله تعالى خلق آدم ﵇ في خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وهو يَوْمُ الْجُمُعَةِ (١)، بَعْدَ الْعَصْرِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ، فَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، فَلِلَّهِ مَا أَمْسَى ذَلِكَ الْيَوْمُ حَتَّى عَصَاهُ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا. وخلق اللهُ آدمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، طوله سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ، فِي سَبْعَةِ أَذْرُعٍ عَرْضًا (٢)، فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الْآنَ. وخلق اللهُ آدمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَحْمَرِهَا وَأَسْوَدِهَا وَطَيِّبِهَا وَخَبِيثِهَا، فَسُمِّيَ: آدَمَ. فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ؛ فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَرُ وَالْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ (٣). وخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ فَجَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ حَمَأً مَسْنُونًا (٤) خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، ولما صوّر الله آدم في الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه، حَتَّى إِذَا كَانَ صَلْصَالًا كَالْفَخَّارِ (٥) كَانَ إِبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ: لَقَدْ خُلِقْتَ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ. فجعل إبليس يُطيف به (٦)، وينظر ما هو، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ قَالَ: ظَفِرْتُ بِهِ، خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ (٧). فلما نفخ الله فيه الروحَ (٨) كَانَ أَوَّلُ مَا جَرَى فِيهِ الرُّوحُ بَصَرُهُ وَخَيَاشِيمُهُ؛ فَعَطَسَ، فقال: الحمد لله. فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: يرحمك ربك يا آدم،

стр. 16

ثم قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر - وهم نفر من الملائكة جلوس - فاستمع ما يجيبونك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال له: إن هذه تحيتك وتحية ذريتك بينهم. وَقَالَ اللَّهُ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ (١)، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ. فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً (٢) من نور، فرأى فيهم رجلاً من أضوئهم، فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: يا رب من هذا؟، فقال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود. فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: قد كتبت له عمر أربعين سنة. قال: يا رب زده في عمره. قال: ذاك الذي كتبت له. قال: أي رب فإني قد جعلت له من عمري ستين سنة. قال: أنت وذاك، إِذًا يُكْتَبُ وَيُخْتَمُ وَلَا يُبَدَّلُ. ثُمَّ أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ.

стр. 17

إخبار الله الملائكة بخلق البشر وأخبر الله ملائكته أنه سيجعل في الأرض بشرًا يخلُف بعضهم بعضًا، للقيام بعمارتها على طاعة الله، فسأل الملائكةُ ربَّهم -سؤال استرشاد واستفهام- عن الحكمة من جعل بني آدم خلفاء في الأرض، وهم سيفسدون فيها، ويريقون الدماء ظلمًا (١)، قائلين: ونحن أهل طاعتك، نُنَزّهُك حامدين لك، ومعظّمين جلالك وكمالك، لا نفتُرُ عن ذلك. وَقَدْ كَانَ فِي الأرض -قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ آدم بِأَلْفَيْ عَامٍ-الْجِنُّ بَنُو الْجَانِّ، فَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءِ، فبَعَثَ الله عَلَيْهِمْ جُنُودًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَضَرَبُوهُمْ حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ، ولذلك سأل الْمَلَائِكَةُ ربهم: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا"؟ أي: كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ الْجِنُّ بَنُو الْجَانِّ؟، فأجابهم الله عن سؤالهم: "إني أعلم ما لا تعلمون" (٢) أي: من الحِكَم الباهرة في خلقهم، والمقاصد العظيمة من استخلافهم. ولبيان منزلة آدم ﵇ علَّمه الله تعالى أسماء الأشياء كلها من الحيوان والجماد؛ ألفاظها ومعانيها، ثم عرض تلك المسمَّيات على الملائكة قائلًا: أخبروني بأسمائها إن كنتم صادقين فيما تظنون أنكم أكرم من هذا المخلوق وأفضل منه. فقالوا -مُعْترِفين بنقصهم مُرْجِعين الفضل إلى الله-: نُنَزّهُك ونعظِّمك يا ربَّنا عن الاعتراض عليك في حُكمك وشرعك، فنحن لا نعلم شيئًا إلا ما رزقتنا علمه، إنك أنت العليم الَّذي لا يخفى عليك شيء، الحكيم الَّذي تضع الأمور في مواضعها من قدرك وشرعك. وعندئذ أمر الله تعالى آدمَ أن يخبرهم بأسماء تلك المسمَّيات، فلما أخبرهم كما علَّمه ربه؛ قال الله للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما خفي في السماوات وفي الأرض؟ وأعلم ما تُظْهرون من أحوالكم وما تحدِّثُون به أنفسكم.

стр. 18

سجود الملائكة لآدم واستكبار إبليس وأُمِر الملائكةُ بالسجود لآدم سجود تقدير واحترام، فسجدوا مسارعين لامتثال أمر الله، إلا إبليس الَّذي كان من الجن، فامتنع اعتراضًا على أمر الله له بالسجود وتكَبُّرًا على آدم، فصار بذلك من الكافرين بالله تعالى. والله -وهو عالِم بكل شيء- قال توبيخًا لإبليس: أي شيء منعك من امتثال أمري لك بالسجود لآدم؟؛ أمنعك من السجود التكبر؟، فقال إبليس مجيبًا ربه: منعني أني أفضل منه، فقد خلقتني من نار، وخلقته هو من طين، والنار أشرف من الطين. فأخرج اللهُ إبليسَ من الجنة مذمومًا مطرودًا من رحمة الله؛ لأن الجنة دار الطيِّبين الطاهرين، وليست للمستكبرين. فقال إبليس: يا رب، أمهلني إلى يوم البعث حتى أغوي من أستطيع إغواءه من الناس. قال له الله: إنك -يا إبليس- من المُمْهَلين الذين كتبت عليهم الموت يوم النفخة الأولى في الصور حين يموت الخلق كلهم، ويبقى خالقهم وحده. فقال إبليس: بسبب إضلالك إياي حتى تركتُ امتثال أمرك بالسجود لآدم لأُقْعُدَنَّ لبني آدم لأصرفهم وأضلهم عن صراطك المستقيم كما ضَلَلْتُ أنا عن السجود لأبيهم آدم، ثم لآتِينَّهم من جميع الجهات بالتزهيد في الآخرة، والترغيب في الدنيا، وإلقاء الشبهات، وتحسين الشهوات، ولا تجد -يا رب- أكثرهم شاكرين لك؛ لما أمليه عليهم من الكفر.

стр. 19

قال الله له: إِنَّ عِبَادِي الَّذِينَ قَدَّرْتُ لَهُمُ الْهِدَايَةَ، فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا وُصُولَ لَكَ إِلَيْهِمْ، ولأملأن جهنم يوم القيامة منك ومن كل من اتبعك في كفرك وأطاعك وعصى أمر ربه. (١)

стр. 20

خلق حواء وإسكانها الجنة مع آدم وخلق الله حواء من ضلع آدم ليأنس إليها، ويطمئن بها، وجعل بينهما مودة ورحمة، وأسكنها الله الجنة مع زوجها آدم. وقال الله لآدم: يا آدم، اسكن أنت وزوجتك حواء الجنة، فكُلا مما فيها من الطيبات ما شئتما، ونهاهما أن يأكلا من شجرة عَيَّنها الله لهما، وأنهما إن أكلا منها بعد نهيه لهما كانا من المتجاوزين لحدود الله. (١)

стр. 21

إغواء الشيطان لآدم وزوجه واستمر حسد إبليس لآدم وزوجته، فوسوس لهما (١) ليُظْهِر لهما ما سُتِر عنهما من عوراتهما، وقال لهما: ما نهاكما الله عن الأكل من هذه الشجرة إلا كراهة أن تكونا مَلَكَين، وإلا كراهة أن تكونا من الخالدين في الجنة، وحلف لهما بالله: إني لكما -يا آدم وحواء- لمن الناصحين فيما أشرت عليكما به. وبدأ إبليس بحواء فأغواها وزين لها، حتى جعلها تأكل من الشجرة التي نهيت هي وآدم عن قربها، فقبلت بغواية إبليس فأغوت زوجها ودعته إِلَى الْأكل من تِلْكَ الشَّجَرَة، فلما أكلا من الشجرة التي نُهِيا عن الأكل منها ظهرت لهما عوراتهما مكشوفة، فأخذا يُلْزِقان عليهما من ورق الجنة؛ ليسترا عوراتهما، وحَطَّهما إبليس من المنزلة التي كانا فيها بخداع منه وغرور. وناداهما ربهما قائلًا: ألم أنهكما عن الأكل من هذه الشجرة، وأقل لكما محذرًا لكما: إن الشيطان عدو لكما بيِّنُ العداوة؟!

стр. 22

توبة آدم وحواء ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾. وألهم الله آدم التوبة والندم ودعا هو وزوجه بكلمات هي: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ فقبل الله توبتهما، وغفر لهما، فهو سبحانه غفور رحيم. وقَالَ آدَمُ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟، قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟، قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟، قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ، أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟، قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ، أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟، قَالَ: بَلَى.

стр. 23

هبوط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض وقال الله لآدم وزوجه وللشيطان: انزلوا إلى الأرض، بعضكم أعداء بعض، ولكم في تلك الأرض حياة واستقرار وبقاء وتَمَتُّعٌ بما فيها من خيرات إلى أن تنتهي آجالكم فتموتون، حتى تقوم الساعة يوم القيامة فتخرجون من الأرض وتبعثون. وأُهبط آدم وزوجه حواء وأُهبط إبليس كذلك إلى الأرض، ومَا سَكَنَ آدَمُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْرَجَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَغَيَّرُ. وقال الله جل وعلا: (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وجعل الله آدم نبياً مرسلاً يدل بنيه على الهدى الذي علمه اللهُ. وأَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا فَقَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟، قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا، أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا: إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ، أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾. (١)

стр. 24

وجود إبليس وذنوب البشر لحكمة ولَو أَرَادَ اللهُ أَنْ لَا يُعْصَى؛ مَا خَلَقَ إِبْلِيسَ، ولَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ. نُسِّيَ آدَمُ فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ (١)، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ. وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ (٢)، وكُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ. وآدمُ لما عصى ندم وتاب وطلب المغفرة والرحمة، وإبليس لما عصى طلب أن يُمَدَّ في عمره إلى يوم القيامة، فأعطى الله كلاً منهما ما طلب. وإِنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبِّ، أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، فَأَرَاهُ اللهُ آدَمَ، فَقَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ؟، أَنْتَ أَبُونَا آدَمُ؟، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ؟، أَنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ، بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ خَيَّبْتَنَا، وَأَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنْ الْجَنَّةِ؟، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: وَمَنْ أَنْتَ؟، قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَأَعْطَاكَ اللهُ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ؟، وَكَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟، قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى؟﴾ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟؟، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. (٣)

стр. 25

إكرام الله بني آدم وإنعامه عليهم وأكرم الله بني آدم بأن خلق أباهم آدمَ بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وأسكنه في جنته، وكلمه وعلمه واجتباه وتاب عليه وهداه، وقدّر له ذرية تخلفه في الأرض، وأسبغ على البشر نعمه ظاهرة وباطنة (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا). والله يري ملائكته من علمه وحكمته وتدبيره لأمور البشر وغيرهم كثيراً مما لا يعلمون، وهم يعظمونه ويسبحونه (سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم).

стр. 26

تحذير البشر من عدوهم الشيطان وحذّر الله البشر من شر الشياطين فقال جل وعلا: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ). وإن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك، لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله: فبعزتي وجلالي، لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني. ولما كان الشيطان يعلم حدود عقول المخلوقين وأنها لا تحيط بالله علماً؛ فإنه لا يزال يوسوس للناس ويقول: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟. فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا؛ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَلْيَنْتَهِ، ولْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ (١). إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أمة محمد مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ. (٢) ويضع إبليس عرشه على البحر وإذا أصبح بث جنوده وسراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده منزلة؛ أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا، فيقول: ما صنعتَ شيئاً. ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقتُ بينه وبين امرأته. فيدنيه منه ويلتزمه ويقول: نعم أنت، فيقول: من أضل اليوم مسلماً ألبسته التاج، فيجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى عق والده، فقال: يوشك أن يبره، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته فيقول: يوشك أن يتزوج، ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت. ويجيء أحدهم فيقول: لم أزل به حتى قتل (٣)، فيقول: أنت أنت، ويلبسه التاج.

стр. 27

وفاة آدم ﵇ وقد كتب الله على آدم قبل أن يخلقه أنه سيسكن الجنة ثم يخرج منها ويهبط إلى الأرض التي منها خلق ويمكث فيها ما شاء الله من الأجل حتى يموت ويبعث بعد موته، فتكون الجنة مأواه هو ومن تاب وأصلح من ذريته. وليس أول الخلق (١) بأهون على الله من إعادته (٢). ولما أُهْبِطَ آدم من الجنة إلى الأرض جعل يَعُدُّ لنفسه أجله وعمره، فلما قُضي عُمْرُ آدمَ جاءه ملَكُ الموت، فقال له آدم: قد عجلتَ!! قد كُتب لي ألف سنة!! أولم يبق من عمري ستين سنة؟!، قال: بلى، ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة، قال: ما فعلتُ. فجَحَدَ آدمُ؛ فجحدتْ ذريتُه، فمن يومئذ أمر بالكِتاب والشهود (٣)، ونسي آدمُ فنسيت ذريتُه وسمّي (الإنسان)، وخَطِئ آدمُ، فخطئت ذريتُه. ولَمَّا نَزَلَ بِآَدَمَ الْمَوْتُ قَالَ: أي بَنِي، إني أَشْتَهِي مِنْ ثَمَرَةِ الْجَنَّةِ. انطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة. فَانْطَلَقَ بَنُوهُ يلتمسون، فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون يا بني آدم؟ فَقَالُوا: يَشْتَهِي أَبُونَا مِنْ ثَمَرِ الجنة. فقالوا: ارجعوا قد كفيتم، فَقَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ أَبِيكُمْ. فرجعوا معهم فَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى آدَمَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ حَوَّاءُ عَرَفَتْهُمْ وذعرت منهم وجعلت تدنو إلى آدم فَلَصَقَتْ بِآدَمَ، فَقَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي فَمِنْ قِبَلِكِ أُتِيتُ (٤)، دَعِينِي وَمَلَائِكَةُ رَبِّي. فَقَبَضُوهُ وَهُمْ ينظرون، وغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالْمَاءِ وِتْرًا وهم ينظرون، وكفنوه وهم ينظرون وحنطوه وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ، ثم حفروا له وَأَلْحَدُوا لَهُ ثم دفنوه، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ، هَذِهِ سُنَّتُكُمْ فِي مَوْتَاكُمْ، هَذِهِ سُنَّةُ آدَمَ فِي وَلَدِهِ، وَهَذا سَبِيلُكُمْ فكذاكم فافعلوا.

стр. 28

ذرية آدم وتربص الشيطان بهم وكان آدم نبياً معلَّماً مكلَّماً، وأوتيَ النبوةَ بعد آدم ابنُه شيث (١) ﵉، ثم إدريس ﵇، ثم كان إرسال نوح ﵇ إلى قومه لما ظهر فيهم الشرك (٢)، وكان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، وكان ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر رجالاً صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد. حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت واختلفوا في دينهم، فلما اختلفوا في دينهم بعث الله النبيين برسالة التوحيد والإسلام لله مبشرين ومنذرين. الأنبياء والمرسلون والْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ (٣)، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، والْأَنْبِيَاءُ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، والرُّسُلُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ)، بعثوا إلى أمم كثيرة لا يعلمهم إلا الله (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ)، وممن ذكرهم الله في القرآن: أبو البشر آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وشعيب، وأيوب، وذو الكفل، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى، ومحمد خاتم الأنبياء والرسل؛ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ويوشع بن نون ﵉، والخَضِرُ ﵇ (٤). ومَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ.

стр. 29

نوح ﵇ وكَانَ نُوحٌ إِذَا طَعِمَ طَعَامًا أَوْ لَبِسَ ثَوْبًا حَمِدَ اللَّهَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا. وكان نُوحٌ أَوَّلُ نَبِيٍّ أُرْسِلَ إلى قومه يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وكانوا هم أهل الأرض، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً، فأعرضوا عنه واستنكروا أن يرسل إليهم بشر وليس ملَك من الملائكة، وأن الذين اتبعوا نوحاً ليسوا من ذوي المكانة والمال وهم قليل، وطلبوا منه أن يطرد أولئك المؤمنين، وطالت به السنين والقرون وهو يحذّرهم من عقاب الله فكذبوه وأصروا على كفرهم واستكبارهم، وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا فاحْتَالُوا فِي إِضْلَالِ النَّاسِ بِكُلِّ حِيلَةٍ وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكِهِمْ بِكُلِّ وَسِيلَة. وطلبوا العذاب، وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، فدعا على قومه الكافرين، وصنع السفينة بأمر الله، وأُمِرَ إذا فار التنور- أي: خرج الماء وارتفع من التنور وهو مكان طبخ الخبز- أن يحمل في السفينة مَن آمن معه، ومِن كل الدواب زوجين ذكرًا وأنثى. ثم أمطرت السماء وجاء الطوفان فأغرق أهل الأرض إلا من كان مع نوح في السفينة، وهلكت امرأته وكَانَتْ تَقُولُ لِلنَّاسِ إِنَّهُ مَجْنُونٌ، وهلك ابن له مع الكافرين ولم يركب معه في السفينة. ثم أذهب الله الطوفان، فتوقف المطر وابتلعت الأرض ماءها، ووقفت السفينة على جبل الجودي بالعراق، وجعلها الله آية للناس. ونصر الله نوحاً وباركه ومن معه وجعل نسله هو الباقي، فكل أهل الأرض اليوم من نسله، و وَلَدُ نُوحٍ ثَلَاثَةٌ: سَامُ وَحَامُ وَيَافِثُ أَبُو الرُّومِ. وكل الأنبياء الذين أتوا بعد نوح هم من ذريته. وإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ، آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ، لَوْ وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ لَرَجَحَتْ بِهِنَّ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً لَقَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ.

стр. 30

إرسال هود ﵇ إلى عاد ثم بعث الله هوداً ﵇ إلى عاد وهي قبيلة إِرَم بالأحقاف جنوب الجزيرة العربية، يدعوهم إلى التوحيد، وكانوا أشد الناس قوة، فذكرهم بالله ونعمه عليهم وأنه جعلهم خلفاء من بعد قوم نوح وخصَّهم بعظم الأجسام والقوة وشدة البطش وما أعطاهم الله من أنعام وأولاد وبساتين وعيونٍ جارية. ودعاهم إلى توحيد الله وشكره والإخلاص له. وأنكر عليهم أنهم كانوا يبنون بكل مكان مشرف مرتفع بنيانًا عَلَمًا عبثًا دون فائدة تعود عليهم. وأنهم يتخذون حصونًا وقصورًا كأنهم سيخلدون في الدنيا، وأنهم يسطون على غيرهم بالقتل أو الضرب سطوة جبارين من غير رأفة ولا رحمة. فكذبوه واتهموه بالجنون، فحذرهم من سخط الله وعقابه، وتحداهم جميعاً بآية معجزة وهي أن يكيدوه أو يلحقوا به الضر مع كل قوتهم لأن الله سيحفظه وهو أشد منهم قوة. فلما أصروا على تكذيبهم نجّى الله هوداً والذين آمنوا معه، وحل العذاب بقومه المكذبين فرأوا سحابًا معترضًا في جهة من السماء متجهًا لأوديتهم فظنوه سحاباً ممطرهم، وإنما كان العذاب الذي استعجلوه، ريحاً شديدة البرد قاسية ذات صوت مزعج، بلغت الغاية في القسوة عليهم. أرسلها الله عليهم مدة سبع ليالٍ وثمانية أيام تفنيهم عن بكرة أبيهم وتدمر كل شيء مرت عليه مما أمرها الله بإهلاكه، فأصبحوا هلكى مصروعين في الأرض كأنهم أصول نخل ساقطة بالية. لا يُرَى إلا بيوتهم التي كانوا يسكنونها. ونجى الله هوداً والذين آمنوا معه برحمته (١).

стр. 31

إرسال صالح ﵇ إلى ثمود ثم بعث الله إلى ثمود نبيه صالحاً فدعاهم إلى التوحيد وطاعة الله وذكرهم بنعم الله عليهم من الخيرات والنعم والأمن وعدم الخوف، ومن الرخاء والعيش في بساتين وعيون جارية وزروع ونخل ثمرها لين نضيج. وأن الله جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد، ومكنهم أن ينحتوا الجبال فيصنعوا منها بيوتًا، وأن يبنوا في سهول الأرض قصوراً. فكذبوه واتهموه أنه مسحور، واستهزؤوا به وبالمؤمنين المستضعفين معه. وطلبوا منه آيةً معجزةً تدل على صدق نبوته، فأخرج لهم بإذن الله من الصخرة ناقةً لتكون لهم آية على صدق نبوته واختبارًا لهم، وأخبرهم صالحُ بأمر الله لهم أن يكون ماء بئرهم مقسوم بينهم وبين الناقة؛ يوم لها ويوم لهم، وأن يتركوها ترعى في أرض الله، ولا يتعرضوا لها بأي أذى؛ وإلا فسينالهم عذاب قريب من وقت عَقْرِهم لها. فاتفقوا وحرضوا أشقاهم على قتل الناقة؛ فقتلها (١). وقالوا مستهزئين مُسْتبعِدين لما توعدهم به نبيهم: يا صالح، جئنا بما توعدتنا به من العذاب الأليم إن كنت من رسل الله. فقال لهم: استمتعوا بالحياة في أرضكم مدة ثلاثة أيام من عَقْرِكم الناقة، ثم يأتيكم عذاب الله. وكان في مدينة الحِجْر تسعة رجال يفسدون في الأرض بالكفر والمعاصي، ولا يصلحون فيها بالإيمان والعمل الصالح. قال بعضهم لبعض: ليحلف كل واحد منكم بالله لنأتين صالحاً وأهله في بيته ليلًا، فلنقتلنهم، ثم لنقولن لولي دمه: ما حضرنا قتل صالح وأهله، وإنا لصادقون فيما قلنا. ودبَّروا مكيدة خفية لإهلاك صالح وأهله. لكن الله أبطل مكرهم وحفظ صالحاً ومن معه. فلما انقضت الأيام الثلاثة؛ أخذتهم الزلزلة الشديدة، وأرسلت عليهم صيحة واحدة -وهي صوت شديد مهلك- فماتوا من شِدَّتِه، وأصبحوا ساقطين على وجوههم، قد لصقت وجوههم بالتراب فأهلكتهم، فكانوا كالشجر اليابس الذي يتخذ منه المُحْتَظِر حظيرة لغنمه. ونجّى الله صالحاً ومن آمن معه برحمته وفضله.

стр. 32

بعثة إبراهيم ﵇ في العراق و وُلِدَ إبراهيم ﵇ بِبَابِلَ في العراق، ثم بعثه الله إلى الملك نمرود بن كنعان وقومه بالعراق، وكانوا يعبدون الأصنام والكواكب، فدعاهم وجادلهم بالبينات. وابتدأ إبراهيم بدعوة أبيه آزر إلى توحيد الله متلطفاً معه حريصاً عليه، لكن أباه رفض تركه دينه الباطل (١)، وأراد إبراهيم أن يثبت لقومه أن الكواكب والأصنام لا تضر ولا تنفع ولا تصلح للعبادة، فاتخذ طريقة الاستدراج والتنزّل في مناظرتهم، فحِين أظلَمَ عليه اللَّيل رأى كوكبًا، فقال لقومه على وجه التنزُّلِ معهم لاستدراجهم: سأختار أن يكون هذا الكوكب ربِّي. فلَمَّا غاب ذلك الكوكَبُ قال إبراهيمُ ﵇: لا أحِبُّ المعبودَ المُتَغَيِّر المُسَخَّر، الذي يغيبُ وينصرِفُ عمَّن عَبَده، لأنَّه لا يُمكِن أنْ يكونَ مَن هذا حالُه هو القائِمَ بمصالح عبادِه، المدبِّرَ لشؤون العالَم، الذي بيده النَّفْعُ والضُّرُّ، وعليه فلا يَصْلُح أن يكون هذا الكوكب الذي اخترته إلهًا يستحِقُّ أن يُعبَدَ. فلَمَّا رأى القَمَر في أوَّلِ طلوعه قال تنزُّلًا معهم لاستدراجهم: هذا ربِّي، فلمَّا غاب القمر قال إبراهيمُ: إن القمر أيضاً يغيب ولا يصلح للعبادة، ولَئِنْ لم يُوفِّقْني ربِّي لِلحَقِّ لأكونَنَّ من القومِ الضَّالِّينَ. فلَمَّا رأى الشَّمْس في أوَّلِ طُلُوعها قال تنزُّلًا مع قومه: هذا الطَّالِعُ ربِّي، وهو أكبرُ من الكوكَبِ ومن القمرِ، فلَمَّا غابت الشَّمْس قال إبراهيم: يا قومِ إنِّي أبْرَأُ من كلِّ ما تعبدونَه مع اللهِ، إنِّي أخلَصْتُ العبادةَ لله الذي أبدَعَ خلق السَّمواتِ والأرضَ وما فيها من شمس وقمر وكواكب على غيرِ مثالٍ سابقٍ، مائلًا عن الشِّرْك، مستقيمًا على التَّوحيدِ، وما أنا مِن المشْركينَ مع الله تعالى غَيرَه. وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، فلما حان يوم عيدهم أرادوه أن يخرج معهم، فقال لهم: إني مريض. وأراد في نفسه أن يختلي بالأصنام حين يخرجون ليحطمها.

стр. 33

ثم قام بتحطيم الأصنام في يوم عيد قومه وترك كبير الأصنام، فلما رجعوا ووجدوا أصنامهم محطمة أخذوا يبحثون عن الفاعل، فذكر بعضهم أن إبراهيم هو الذي كان يعيب الأصنام ولم يخرج معهم إلى العيد. فلما أحضروه وسألوه عما يتهم به من تحطيم الأصنام؛ جادلهم مُتَهَكِّمَاً أن كبير الأصنام هو الذي حطم بقية الأصنام، وطلب منهم سؤال الأصنام عن ذلك. فأدركوا ضعف أصنامهم وأنها لا تنطق، ولكنهم لما غلبتهم الحُجَّة؛ استكبروا وقالوا إنك تعلم أنها لا تنطق. فعاب عليهم عبادة ما لا ينطق ولا ينفع ولا يضر ولا يستطيع الدفاع حتى عن نفسه، وأنه لا يخاف من أصنامهم شيئاً ولا يخشى إلا الله. فأرادوا الانتقام لأصنامهم وتحريقه بالنار وشَرَعُوا يَجْمَعُونَ حَطَبًا مِنْ جَمِيعِ مَا يُمْكِنُهُمْ مِنَ الْأَمَاكِنِ، فَمَكَثُوا مُدَّةً يَجْمَعُونَ لَهُ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُمْ كَانَتْ إِذَا مَرِضَتْ تَنْذِرُ لَئِنْ عُوفِيَتْ لَتَحْمِلَنَّ حَطَبًا لِحَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى جَوْبَةٍ (١) عَظِيمَةٍ فَوَضَعُوا فِيهَا ذَلِكَ الْحَطَبَ، وَأَطْلَقُوا فِيهِ النَّارَ فَاضْطَرَمَتْ وَتَأَجَّجَتْ وَالْتَهَبَتْ، وَعَلَاهَا شَرَرٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ، ثُمَّ وَضَعُوا إِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي كِفَّةِ مَنْجَنِيقٍ صَنَعَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَكْرَادِ يُقَالُ لَهُ هِيزَنُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَعَ الْمَجَانِيقَ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَخَذُوا يُقَيِّدُونَهُ وَيُكَتِّفُونَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الْمُلْكُ لَا شَرِيكَ لَكَ. ووُضِعَ الْخَلِيلُ ﵇ فِي كِفَّةِ الْمَنْجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَكْتُوفًا، ثُمَّ أَلْقَوْهُ مِنْهُ إِلَى النَّارِ، وكَانَ الْوَزَغُ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّارَ. وكَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: ﴿حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فجعلها الله برداً وسلاماً عليه، وَصَارَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي مِثْلِ الْجُونَةِ (٢) حَوْلَهُ النَّارُ، وَهُوَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وكانت آية من آيات الله، فخرج منها سالماً. ثم حصلت الْمُنَاظَرَةُ التي كَانَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ النُّمْرُودِ -وهُوَ مَلِكُ بَابِلَ- يَوْمَ خَرَجَ مِنَ النَّارِ، وَلَمْ يَكُنِ اجْتَمَعَ بِهِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ. وناظَرَ إبراهيمَ في وجود الله ورُبوبيَّته وأُلوهيَّته، وما حمَله على ذلك وجرَّأه عليه إلَّا المُلْكُ الذي أعطاه اللهُ له، فاستَكبَر وطغى، وأَنكَر وجودَ الله جلَّ وعلا،

стр. 34

فأخبره إبراهيمُ ﵇ أنَّ الله يُحيي ويُميت، مُستدِلًّا بذلك على وجود الربِّ تعالى وربوبيَّته وأحقِّيَّته وحده بالعبادة، فردَّ عليه المَلِك- عنادًا- أنَّه أيضًا يَملِك أن يَفعَل هذا الفِعلَ؛ فالإحياء باستبقاء مَن أراد قتْله، أو الإماتة بقتْل مَن أراد إماتته. فردَّ إبراهيم ﵇ عليه أنَّ الله يأتي بالشَّمس كلَّ يوم من جِهة المشرِق، فإنْ كان إلهًا حقًّا، يُحيي ويُميت، فليَجْعلها تَطلُع من جِهة المغرِب، فحينها عَلِمَ ذلك المُحاجِجُ أنه عجَز وانقَطَع عن الإدلاء بحُجَّة، فتحيَّر واندهَش. وأُرْسِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَسَدَانِ مُجَوَّعَانِ، فَلَحَسَاهُ وَسَجَدَا لَهُ. وآمن لإبراهيم من قومه لوط وهو ابن أخيه، ثم هاجر إبراهيم بزوجته سارة ابنة عمه هاران، وهاجر معهم لوط إلى أرض الشام. وحل العذاب بقوم إبراهيم (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ) فهلك ملكهم النمرود وسُلبوا النعم التي كانوا فيها (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ).

стр. 35

هجرة إبراهيم إلى الشام وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانُوا كُفَّارًا سِوَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَامْرَأَتِهِ، وَابْنِ أَخِيهِ لُوطٍ ﵈. ولَمَّا هَجَرَ قَوْمَهُ فِي اللَّهِ، وَهَاجَرَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، -وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا لَا يُولَدُ لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَحَدٌ، بَلْ مَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ آزَرَ-؛ وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوْلَادَ الصَّالِحِينَ، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ فَعَلَى أَحَدِ نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ خِلْعَةً مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَةً لَهُ حِينَ تَرَكَ بِلَادَهُ وَأَهْلَهُ وَأَقْرِبَاءَهُ، وَهَاجَرَ إِلَى بَلَدٍ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي قَصَدَهَا بِالْهِجْرَةِ أَرْضُ الشَّامِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ : ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾.

стр. 36

قصة إبراهيم وسارة مع ملك مصر ولَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ (١) فِي ذَاتِ اللهِ (٢) وهي قَوْلَهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٣) وَقَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وَقَوْلُهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٤)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأنِ سَارَةَ. فَإِنَّهُ هَاجَرَ بِسَارَةَ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً (٥) فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ، رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟، فَقَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ (٦)، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فلَا تُكَذِّبِينِي، فَإِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي، يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ (٧)، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَلَاةِ، وَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ يَدُهُ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، فَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ (٨)، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي؛ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا (٩).

стр. 37

رجوع الخليل من مصر إلى الشام ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيلَ إِبْراهِيمَ ﵇ رَجَعَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ التَّيَمُّنِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَمَعَهُ أَنْعَامٌ وَعَبِيدٌ وَمَالٌ جَزِيلٌ، وَصَحِبَتْهُمْ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ.

стр. 38

انتقال لوط إلى قرية سدوم ثُمَّ إِنَّ لُوطًا ﵇ نَزَحَ بِمَا لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ بِأَمْرِ الْخَلِيلِ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَرْضِ الْغَوْرِ، الْمَعْرُوفِ بِغَوْرِ زُغَرَ، فَنَزَلَ بِمَدِينَةَ سَدُومَ، وَهِيَ أُمُّ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَ أَهْلُهَا أَشْرَارًا كُفَّارًا فُجَّارًا.

стр. 39

ولادة إسماعيل بمكة وقصة زمزم ولمّا وهب جبار القرية (ملك مصر) هاجرَ إلى ِسَارَّةَ بِنْتِ عَمِّ الْخَلِيلِ وكانت سارّة يَئِسَتْ مِنَ الْوَلَدِ؛ وهبت سارةُ هاجرَ الْقِبْطِيَّةَ الْمِصْرِيَّةَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَوَلَدَتْ له هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ، فَغَارَتْ سَارَّةُ مِنْهَا و اشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سَارَةَ مِنْ هاجر، وَطَلَبَتْ مِنَ الْخَلِيلِ أَنْ يُغَيِّبَ وَجْهَهَا عَنْهَا. وإنَّ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ (١)، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا فِي وِهَادِ جِبَالِ فَارَانَ، وَهِيَ الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ (٢) فَوْقَ زَمْزَمَ، فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ (٣) وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: اللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَلَاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٤)، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ، هَلْ تَرَى أَحَدًا؟، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا،

стр. 40

فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ، سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ (١). فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتُ اللهِ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا، فَقَالُوا: أَتَأذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ. فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ، فَنَزَلُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ، وأَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسَانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبِينَةِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ؛ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.
следующие страницы →