← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 4924

من أحكام الفقه الإسلامي وما جاء في المعاملات الربوية وأحكام المداينة

عبد الله آل جار الله

Полный текст (66 стр.). Показаны 36–66 · переход к 41.

стр. 36

نصيحة في النهي غن الربا للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ ... نصيحة في النهي عن الربا للشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀ من محمد بن إبراهيم، إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواننا المسلمين، وفّقنا الله وإيّاهم لقَبول النصائح، وجنّبنا وإيّاهم أسباب الندم والفضائح. آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فالباعث لهذا الكتاب هو نصيحتكم والشفقة عليكم، وتحذيركم مما وقع فيه الكثير من الناس، وهو تعاطي المعاملات الربويّة والتعامل بها، وقد حرّم الله ﵎ على عباده ذلك، وأخبر النبي ﷺ أنه من السبع الموبِقات، قال الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ

стр. 37

وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ١، قال ابن عبّاس ﵄ في معنى الآية: "آكل الربا يبعث يوم القيامة يخنق"، رواه ابن أبي حاتم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على التحريم والوعيد الشديد على مَنْ فعله. وقد جاءت السنة الصحيحة بالزَّجْر عنه والتحذير، وإيضاح ما أجمل منه بالبيان والتفسير: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول

стр. 38

الله: وما هُنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. وعن جابر ﵁ قال: لعن رسول الله آكِل الربا وموكِله وكاتبه وشاهديْه، وقال: "هم سواء" رواه مسلم. وعن سمُرة بن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدّسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان، فجعل كما أراد أن يخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا" رواه البخاري في "صحيحه". وعن ابن عبّاس ﵄ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن نشتري التمر حتى يطعم " وقال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله" رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد. وفي حديث الإسراء أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 39

مرّ ليلة أُسريَ به، وإذا بقوم لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي. وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإنّ أربى الربا عرض الرجل المسلم" رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه. وروى أيضا عن أبي هريرة قال: "ليأتينّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلال أو حرام" رواه البخاري ولفظه: "لا يبالي المرء بما أخذ منه أمن الحلال أمن من الحرام". وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" رواه مالك والبخاري. وله: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أرْبى، الآخِذ والمعطي فيه سواء". وقال محمد بن نصر المروزي: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا روْح بن عبادة قال: حدثنا حبّان بن

стр. 40

عبد الله العدوي وكان ثقة قال: سألت أبي مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأسا زمانا ما كان منه يدًا، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى!، ألا تتّقي الله حتى تؤكِّل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال وهو عند زوجته أم سلمة: "إني لأشتهي تمرة عجوة" فبعث بصاعين فأُتي بصاع عجوة فقال: "من أين لكم هذا؟ " فأخبروه، فقال: "ردُّوه؛ التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينا بعين، مِثْلاً بمثل، من زاد فهو رباً" ثم قال: "وكذلك ما يُكال أو يوزن أيضا" فقال ابن عبّاس: جزاك الله خيرًا يا أبا سعيد، ذكّرتني أمرًا كنت نسيته، فأستغفرُ الله وأتوب إليه، قال: فكان ينهى عنه بعد. فتضمّنت هذه النصوص تحريم الربا بجميع أنواعه، وأنه من الكبائر، وأن متعاطيه محارب لله ورسوله ﷺ . فمن أنواعه: بيع الجنس من هذه الأجناس الستّة المتقدِّمة في الأحاديث ونحوها بجنسه نسيئة، أو غير معلوم المساوات للآخر، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضُل، ويدخل في ذلك بيع الدارهم الفضيّة بجنسها متفاضلاً أو غائبا مطلقا، وبيع الأوراق السعودية بعضها ببعض، أو الريالات الفضّية متفاضلاً أو غائبا مطلقا. وذلك

стр. 41

أنّ النبي ﷺ فرّق بين الحلال والحرام بقوله: "مِثْلاً بمثل، يدًا بيد، سواءً بسواءٍ عينا بعين" وأكّد ذلك بقوله: "فمن زاد واستزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي سواء". ومن أنواعه المحرّمة بإجماع المسلمين: ما يفعله بعض الناس والعياذ بالله، وذلك أنه إذا كان له على آخر دَيْنٍ وحلّ الأجل قال للذي عليه الحق: إما أن تقضي وإلا يبقى عندك بزيادة كذا وكذا. فهذا هو ربا الجاهلية. وذلك أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجّل فإذا حلّ الأجل قال له: "إما أن تقضي وإما تربي"، فإن وفّاه وإلا زاد هذا في الأجل، وزاد هذا في المال. ومن ذلك: أن يعطي الرجل آخر ألفا على أن يأخذ منه بعد سنة ألفا ومائة. أو على أن يأخذ منه كل سنة مائة والألف في ذمّته بحاله كما يفعله كثير من الناس والعياذ بالله، وذلك لِمَا تقدّم من النصوص، ولِمَا روي عن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، ولا الدينار بالدينارين، إني أخاف عليكم الرما" رواه الإمام أحمد، والرما هو: الربا. ومنها: بيع العينة الوارد في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم"

стр. 42

رواه أحمد وأبو داود. وهي: أن يبيع سلعة بنسيئة أو بقيمة لم تُقْبض، ثم يشتريها بثمن أقلّ ممّا باعها، فإن فعل بطل البيع الثاني ولو كان بعد حلول أجله، قال الشيخ تقي الدين: "إن قصد بالعقد الأول الثاني بطل الأول والثاني جميعا". ومن ذلك: ما يقع في البنوك. مثل: أن يقترض الرجل من البنك مائة على أن يدفع له مع المائة زيادة ستّة ريالات أو أقل أو أكثر. ومثل: أن يأخذ صاحب البنك من الرجل الدراهم ويعطيه ربحا عن بقائها في ذمّته خمسة ريالات أو أقل أو أكثر. وهذا من أظهر أنواع الربا، وعين المحادّة لله ورسوله ﷺ . فالواجب على وُلاة الأمور والعلماء وأهل الحسبة وفّقهم الله: بيان غلظ تحريم ذلك وإنكاره، وحسم موادّه واجتثاثها من أصولها، وعقوبة كل من ثبت عنه شيء من ذلك، وتغليظ العقوبة في حق من يتكرّر منه ذلك. كما أنّ على المرابي أن يتوب إلى الله تعالى وله رأس ماله فقط ولا يظلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ . اللهم زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين، سِلما لأوليائك حربا لأعدائك، نحب بحبك من أحبك ونعادي بعدواتك من خالف أمرك. وصلى الله على نبيّنا محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 43

من أحكام الفقه الإسلامي المداينة لفضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين الأستاذ بكلية الشرعية وأصول الدين بالقصيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبِعهم بإحسان، وسلّم تسلميا. أما بعد: فلمّا كان الدين الإسلامي دينا كاملاً شاملاً لِمَا يقوم به العباد تجاه ربهم من العبادات، وما يفعلونه في أنفسهم من العادات، وما يتعاملون به بينهم من المعاملات. وقد جاء مبيّنا لأحكام ذلك تفصيلاً وإجمالاً، وكان ممّا شاع بين الناس التعامل بالمداينة، وهي بيع الغائب بالناجز أو بالعكس، أو بيع الغائب بالغائب. أحببت أن أبيِّن أحكام بعض ذلك فيما يتأتّى فأقول:

стр. 44

المداينة أقسام القسم الأول: أن يحتاج إلى شراء سلعة وليس عنده ثمن حاضر ينقده، فيشتريها إلى أجل معلوم بثمن زائد على ثمنها الحاضر. فهذا جائز. مثل: أن يشتري بيتا ليسكنه أو يؤجِّره بعشرة آلاف إلى سنة، ويكون قيمته لو بيع نقدًا تسعة آلاف. أو يشتري سيّارة يركبها أو يؤجِّرها بعشرة آلاف إلى سنة، وقيمتها لو بيعت نقدًا تسعة آلاف، وهو داخل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ١. القسم الثاني: أن يشتري السلعة إلى أجل لقصد الاتّجار بها. مثل: أن يشتري قمحا بثمن مؤجّل زائد على ثمنه الحاضر ليتّجر به إلى بلد آخر، أو لينتظر به زيادة السوق، أو نحو ذلك، فهذا جائز أيضا، لدخوله في الآية السابقة. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ عن هذين القسمين: "أنهما جائزان بالكتاب والسنة والإجماع".

стр. 45

ذكره ابن قاسم في "مجموع الفتاوى" "ص ٤٤٩ ج ٢٩" ١. القسم الثالث: أن يحتاج إلى دراهم فيأخذها من شخص بشيء في ذمّته. مثل: أن يقول لشخص أعطني خمسين ريالاً بخمسة وعشرين صاعا من البُرّ أسلِّمها لك بعد سنة. فهذا جائز أيضا. وهو السَّلم الذي ورد به الحديث الثابت في "الصحيحين" عن ابن عبّاس ﵄ قال: قدِم النبي ﷺ وهم يسلِّفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم". القسم الرابع: أن يكون محتاجا لدراهم فلا يجد من يقرضه فيشتري من شخص سلعة بثمن مؤجّل ثم يبيعها على صاحبها الذي اشتراها منه بثمن أقلّ منه نقدًا. فهذه هي مسألة العِينة، وهي حرام، لقوله ﷺ : " إذا ضنّ الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينة، واتّبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً لا يرفعه حتى

стр. 46

يرجعوا لدينهم" رواه أحمد وأبو داود. ولأنّ هذه حيلة ظاهرة على الربا، فإنه في الحقيقة بيع دراهم حاضرة بدراهم مؤجّلة أكثر منها دخلت بينهما سلعة، وقد نصّ الإمام أحمد وغيره على تحريمها. القسم الخامس: أن يحتاج إلى دراهم ولا يجد من يقرضه، فيشتري سلعة بثمن مؤجّل، ثم يبيع السلعة على شخص آخر غير الذي اشتراها منه. فهذه هي "مسألة التورُّق". وقد اختلف العلماء ﵏ في جوازها: فمنهم من قال: إنها جائزة. لأن الرجل يشتري السلعة ويكون غرضه إما عين السلعة وإما عوضها، وكلاهما غرض صحيح. ومن العلماء من قال: إنها لا تجوز. لأن الغرض منها هو أخذ دراهم بدراهم، ودخلت السلعة بينهما تحليلاً، وتحليل المحرّم بالوسائل التي لا يرتفع بها حصول المفسدة لا يغني شيئا. وقد قال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات، وإنما لكلّ امرئ ما نوى" ١. والقول بتحريم مسألة التورق هذه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو رواية عن الإمام أحمد. بل جعلها الإمام أحمد في رواية أبي داود من العينة كما نقله ابن القيِّم في "تهذيب السنن" "ص ١٠٨ ج ٥".

стр. 47

ولكن نظرًا لحاجة الناس اليوم وقلّة المقرضين ينبغي القول بالجواز بشروط: ١ أن يكون محتاجا إلى الدراهم، فإن لم يكن محتاجا فلا يجوز، كمن يلجأ إلى هذه الطريقة ليدين غيره. ٢ أن لا يتمكّن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض والسلم، فإن تمكّن من الحصول على المال بطريقة أخرى لم تجز هذه الطريقة، لأنه لا حاجة به إليها. ٣ أن لا يشتمل العقد على ما يشبه صورة الربا، مثل أن يقول: بعتك إيّاها العشرة أحد عشر أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك فهو إما مكروه أو محرّم، نقل عن الإمام أحمد أنه قال في مثل هذا: "كأنه دراهم بدراهم، لا يصح" هذا كلام الإمام أحمد. وعليه: فالطريق الصحيح أن يعرف الدائن قيمة السلعة ومقدار ربحه، ثم يقول للمستدين: بعتك إيّاها بكذا وكذا إلى سنة. ٤ أن لا يبيعها المستدين إلا بعد قبضها وحيازتها، لأنّ النبي ﷺ نهى عن بيع السلع قبل أن يحوزها التجّار إلى رحالهم.

стр. 48

فإذا تمّت هذه الشروط الأربعة فإنّ القول بجواز مسألة التورق متوجّه؛ كيلا يحصل تضييق على الناس. وليكن معلوما أنه لا يجوز أن يبيعها المستدين على الدائن بأقل ممّا اشتراها به بأيّ حال من الأحوال، لأنّ هذه مسألة العينة السابقة في القسم الرابع. القسم السادس: طريقة المداينة التي يستعملها كثير من الناس اليوم. وهي: أن يتّفق المستدين والدائن على أخذ دراهم العشرة أحد عشر أو أقل أو أكثر، ثم يذهبا إلى الدُكّان فيشتري الدائن منه مالاً بقدر الدراهم التي اتّفق والمستدين عليها، ثم يبيعه على المستدين، ثم يبيعه المستدين على صاحب الدُكّان بعد أن يخصم عليه شيئا من المال يسمّونه السعي. وهذا حرام بلا ريب. وقد نصّ شيخ الإسلام ابن تيمية في عدّة مواضع على تحريمه، ولم يحكِ فيه خلافا، مع أنه حكى الخلاف في مسألة التورق. والمواضع التي ذكر فيها شيخ الإسلام تحريم هذه المسألة هي:

стр. 49

بنقص دراهم يستفيد المحلّل. وهذه المعاملات منها ما هو حرام بإجماع المسلمين مثل التي يجري فيها شرط لذلك، أو التي يباع فيها المبيع قبل القبض الشرعي، أو بغير الشروط الشرعية، أو يقلب فيها الدين على المعسر. ومن هذه المعاملات ما تنازع فيها بعض العلماء لكن الثابت عن رسول الله ﷺ وصحابته الكرام أنها حرام". ٢ وفي "ص ٤٣٧ مجلّد ٢٩" قال: "وقول القائل لغيره: أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام" إلى أن قال: "وبكلّ حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل؛ هي معاملة فاسدة ربوبيّة". ٣ وفي "ص ٤٣٩ من المجلّد ٢٩" المذكور قال: "أما إذا كان قصد الطالب أخذ دراهم بأكثر منها إلى أجل، والمعطي يقصد إعطاء ذلك، فهذا ربا لا ريب في تحريمه، وإن تحايلا على ذلك بأيّ طريق كان، فإنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى". وذكر نحو هذا في "ص ٤٣٠" و"ص ٤٣٣" و "ص ٤٤١" من المجلّد المذكور، وذكر نحوه في كتاب "إبطال التحليل" في "ص ١٠٩".

стр. 50

وبعد: فإنّ تحريم هذه المداينة التي ذكرنا صورتها في أوّل هذا القسم لا يمتري فيه شخص تجرّد عن الهوى وعن الشحّ، وذلك من وجوه: الوجه الأول: أن مقصود كلٍّ من الدائن والمدين دراهم بدراهم، ولذلك يقدّران المبلغ بالدراهم والكسب بالدراهم قبل أن يعرفا السلعة التي يكون التحليل بها، لأنهما يتّفقان أولاً على دراهم: العشرة كذا وكذا، ثم يأتيان إلى صاحب الدُكّان، فيشتري الدائن أيّ جنس وجده من المال، فربما يكون عنده سكّر، أو خام، أو رز، أو هيل، أو غير ذلك، فيشتري الدائن ما وجد ويأخذه المستدين، وبهذا عُلم أن القصد الدراهم بالدراهم، وأن السلعة غير مقصودة للطرفين، وقال النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى" متّفق عليه. ويدلّ على ذلك: أن الدائن والمستدين كلاهما لا يقلبان السلعة ولا ينظران فيها نظر المشتري الراغب، وربما كانت معيبة أو تالفاً منها ما كان غائبا عن نظرهما مما يلي الأرض،

стр. 51

أو الجدار المركونة إليه، وهما لا يعلمان ذلك ولا يباليان به. إذن فالبيع بيعٌ صوري لا حقيقي، والصور لا تغيِّر الحقائق ولا ترتفع بها الأحكام. ولقد حدث أنه إذا لم يكف المال الموجود عند صاحب الدُكّان للدراهم التي يريدها المستدين فإنهم يعيدون هذا البيع الصوري على نفس المال، وفي نفس الوقت، فإذا أخذه صاحب الدُكّان من المستدين باعه مرّة أخرى على الدائن، ثم باعه الدائن على المستدين بالربح الذي اتّفقا عليه من قبل، ثم باعه المستدين على صاحب الدُكّان، فيرجع الدائن مرّة أخرى فيشتريه من صاحب الدُكّان، ثم يبيعه على المستدين بالربح الذي اتّفقا عليه. وهكذا أبدًا حتى تنتهي الدراهم، فربما يكون المال الذي عند صاحب الدُكّان لا يساوي عشر مبلغ الدراهم المطلوبة، ولكن بهذه الألعوبة يبلغون مرادهم، والله المستعان. الوجه الثاني: مما يدلّ على تحريم هذه المداينة: أنه إذا كان مقصود الدائن والمدين هي الدراهم، فإن ذلك حيلة على الربا بطريقة لا يرتفع بها مقصود الربا، والتحايُل على محارم الله تعالى جامع بين مفسدتين؛ مفسدة المحرم التي لم ترتفع بتلك الحيلة،

стр. 52

ومفسدة الخِداع والمكر في أحكام وآيات الله تعالى، الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُور﴾ . ولقد أخبر الله عن المخادعين له بأنهم يخادعون الله وهو خادعهم، وذلك بما زيّنه في قلوبهم من الاستمرار في خداعهم ومكرهم، فهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين. قال أيوب السِّخْتِياني: "يخادعون الله كما يخدعون الصبيان، ولو أتوا بالأمر على وجهه لكان أهون". ولقد حذّر النبي ﷺ أمّته من التحايُل على محارم الله فقال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم الله بأدنى الحِيَل"١. وقال ﷺ : " لعن الله اليهود، حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" ٢. الوجه الثالث: أن هذه المعاملة يربح فيها الدائن على المستدين قبل أن يشتري السلعة، بل يربح عليه في سلعة لم يعرفا نوعها وجنسها فيربح في شيء لم يدخل في ضمانه، وقد نهى

стр. 53

رسول الله ﷺ عن ربح ما لم يضمن١ وقال: "الخراج بالضمان" ٢، وقال: "لا تَبِعْ ما ليس عندك" ٣. وهذا كله بعد التسليم بأن البيع الذي يحصل في المداينة بيع صحيح، فإنّ الحقيقة أنه ليس بيعا حقيقيا، وإنما هو صوري، بدليل أن المشتري لا يقلبه ولا ينظر فيه ولا يماكِس في القيمة، بل لو بيع عليه بأكثر من قيمته لم يبال بذلك. الوجه الرابع: أنّ هذه المعاملة تتضمّن بيع السلعة المشتراة قبل حيازتها إلى محل المشتري ونقلها عن محل البائع. وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع السلع حيث تشترى حتى يحوزها التجّار إلى رحالهم. فعن زيد بن ثابت ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ أن تُباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التُجّار إلى رحالهم. رواه أبو داود. وعن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يتبايعون

стр. 54

الطعام جزافا بأعلى السوق، فنهاهم النبي ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه. رواه الجماعة إلاّ الترمذي وابن ماجه. القسم السابع: من طريقة المداينة: أن يكون في ذمّة شخص لآخر دراهم مؤجّلة، فيحلّ أجلها وليس عنده ما يوفِّيه، فيقول له صاحب الدين: أدينك فتوفِّيني، فيدينه فيوفِّيه، وهذا من الربا، بل هو ممّا قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١. وهذا القسم من المداينة من أعمال الجاهليّة، حيث كان أحدُهم يقول للمدين إذا حلّ الدين: "إما أن توفي وإما أن تُربي"، إلا أنهم في الجاهليّة يضيفون الربا إلى الدين صراحة من غير عمل حيلة، وهؤلاء يضيفون الربا إلى الدين بالحيلة. والواجب على صاحب الدين إذا حلّ دينه: إنظار المدين إذا كان معسرًا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ٢ أما إذا أبراه من الدين فذلك خيرٌ وأفضل. أما إنْ كان

стр. 55

المدين موسِرًا فإن للدائن إجباره على الأداء، لأنه يحرُم على المدين حينئذ أن يماطِل ويدافع صاحب الدين، لقول النبي ﷺ : "مَطْلُ الغني ظلم" ١. ومن المعلوم أن الظلم حرام يجب منع فاعله وإلزامه بما يزيل الظلم. القسم الثامن: من المداينة أن يكون لشخص على آخر دين، فإذا حلّ قال له: إما أن توفي دينك أو تذهب لفلان يدينك وتوفيني، ويكون الدائن الأوّل والثاني اتّفاق مسبقا في أنّ كل واحد منهما يدين غريم صاحبه ليوفيه، ثم يعيد الدين عليه مرّة أخرى ليوفي الدائن الجديد. أو يقول: اذهب إلى فلان لتستقرض منه وتوفيني، ويكون بين الدائن الأول والمقرض اتّفاق أو شبه اتّفاق على أن يقرض المدين، فإذا أوفى الدائن الأول قلب عليه الدين، ثم أوفى المقرض ما اقترض منه. وهذه حيلة لقلب الدين بطريق ثلاثيّة، وهي حرام لِمَا تقدّم من تحريم الحِيَل، وتحذير النبي ﷺ أمّته من ذلك ٢.

стр. 56

خلاصة ما تقدّم وبعد: فهذه ثمانية أقسام من أقسام المداينة؛ بعضها حلال جائز، فيه الخير والبركة، وبعضها حرام ممنوع، ليس فيه إلى الشر والخسارة ونزع البركة، ولو لم يكن فيه إلا أنه يزين لصاحبه سوء عمله فيستمرّ فيه ولا يرى أنه على باطل، فيكون داخلاً في قول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاء﴾ ١ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٢. فالحلال من هذه الأقسام: ١ أن يحتاج الشخص إلى سلعة أو عقار فيشتريه بثمن مؤجّل لقضاء حاجته. ٢ أن يشتري السلعة أو العقار بثمن مؤجّل للاتّجار به وانتظار زيادة السعر.

стр. 57

٣ أن يحتاج إلى دارهم فيأخذها من شخص بسلعة يكتبها الآخِذ في ذمّته. وهذه الأقسام الثلاثة جائزة بلا ريب وسبق تفصيلها. والحرام من الأقسام الأخرى: ١ أن يحتاج إلى دارهم فلا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من شخص بثمن مؤجّل زائد على قيمتها الحاضرة ثم يبيعها على غيره، وهذه مسألة التورّق في جوازها "خلاف بين العلماء" كما تقدّم. ٢ أن يحتاج إلى دارهم ولا يجد من يقرضه فيشتري من شخص سلعة بثمن مؤجّل، ثم يبيعها عليه بأقل مما اشتراها به، وهذه مسألة العِيْنَة. ٣ أن يتّفق الدائن والمدين على أخذ الدراهم العشرة أحد عشرة أو نحو ذلك، ثم يذهب إلى ثالث فيشتري الدائن منه سلعة هو في الحقيقة شراء صوري، ثم يبيعها على المدين، ثم يبيعها المدين بدوره على الذي أخذها الدائن منه. وهذه طريقة المداينة التي يستعملها الآن كثيرٌ من الناس وهي حرام كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية ولم يذكر خلافا في تحريمها كما ذكر في مسألة التورق.

стр. 58

٤ أن يكون لشخص على آخر دين مؤجّل فيحل أجله وليس عنه ما يوفِّيه، فيقول صاحب الدين: أدينك وتوفِّيني فيدينه فيوفِّيه. وهذه طريقة أهل الجاهلية التي تتضمّن أكل الربا أضعافا مضافة إلا أنها صريحة في الجاهلية خديعة في هذا الزمان ففيها مفسدتان. ٥ أن يكون لشخص على آخر دين مؤجّل فيحلّ أجله ويكون لصاحب الدين صاحب يتّفق معه على أن يقرض المدين أو يدينه ليوفّي الدائن ثم يقلِّب عليه الدين مرّة أخرى. وهذه طريقة الجاهلية مع إدخال الطرف الثالث المشارِك في الإثم والعدوان والمكر والخداع. فهذه الأقسام الخمسة محرّمة، وقد علمت ما في القسم الأول منها من الخلاف. واعلم: أنّ الدَّيْن في اصطلاح أهل الشرع: اسمٌ لِمَا ثبت في الذمّة، سواء كان ثمن مبيع أو قرضا أو أجرة أو صَداقا أو عِوَضا لخلع أو قيمة لمتلف أو غير ذلك، وليس كما يظنّه كثيرٌ من العوامّ من أنّ المداينة هي التي يستعملونها، ويستدلّون عليها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ١ فإنّ المراد به هو

стр. 59

الدين الحلال الذي بيّن الله ورسوله ﷺ حِلّه دون الدين الحرام، هذا كثيرٌ في نصوص الكتاب والسنة تأتي مطلَقة أو عامّة في بعض المواضع، ولكن يجب أن تخصّص أو تقيّد بما دلّ على التخصيص والتقييد.

стр. 60

خاتمة ولنختم هذا البحث بما ورد في الكتاب والسنة من تحريم الربا والتشديد فيه: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِه﴾ ١. ففي هذه الآية تهديد شديد، ووعيد أكيد لمن لم يترك الربا، وذلك بمحاربته لله ورسوله ﷺ ، فأي ذنب في المعاملة أعظم من ذنب يكون فيه فاعله محاربا لله ولرسوله ﷺ ، ولذلك قال بعض السلف: "من كان مقيما على الربا لا يتوب منه كان على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه". وفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إشارة إلى أنّ آكِل الربا لو كان مؤمنا بالله ورسوله ﷺ حقّ الإيمان، راجيا ثواب الله في الآخرة، خائفا من عقابه؛ لَمَا استمرّ على أكل الربا، والعياذ بالله تعالى. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا

стр. 61

يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١. ففي هذه الآية وصف آكِلي الربا بأنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة أمام العالم كلهم كما يقول الذي يتخبّطه الشيطان من المس؛ يعني: كالمصروعين الذين تصرعهم الشياطين وتخنقهم. قال ابن عبّاس ﵄: "آكِل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يُخْنَق"، ثم بيّن الله ما وقع لهم من الشبهة التي أعمت بصائرهم عن التمييز بين الحق والباطل فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ، وهذا يحتمل أنهم قالوه لشبهة وقعت لهم، وتأويل فاسد لجئوا إليه كما يحتجّ أهل الحيل على الربا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك عنادًا وجحودًا. وعلى كِلاَ الاحتمالين فإنّ هذا يدلّ على أنهم مستمرّون في باطلهم، منهمكون في أكلهم الربا، مجادِلون بالباطل ليدحضوا به الحق. نعوذ بالله من ذلك.

стр. 62

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ١. ففي هذه الآيات: نهى الله عباده المؤمنين بوصفهم مؤمنين عن أكل الربا، ثم حذّرهم من نفسه في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، ثم حذّرهم النار التي أُعدّت للكافرين، وبيّن أن تقواه وطاعته سببٌ للفلاح والرحمة: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٢. وهذا كله دليل على تعظيم شأن الربا، وأنه سبب لعذاب الله تعالى ودخول النار، والعياذ بالله تعالى من ذلك. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه﴾ ٣. ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ ٤.

стр. 63

فالربا لا يربو عند الله ولا يزداد صاحبه به قُربة عند ربه، فإنه مال مكتسب بطريق حرام، فلا خير فيه ولا بركة، ولو أن صاحبه تصدّق به لم يُقبل منه، إلا إذا كان تائبا إلى الله تعالى من ذلك الذنب الكبير، فيتصدّق به للخروج من تبِعته عند عدم معرفته لأصحابه، وبذلك يكون بارئا منه. أما إن تصدّق به لنفسه فإنه لا يُقبل منه، لأنه لا يربو عند الله، بينما الصدقات المقبولة تربو عند الله، وإن أنفقه لم يبارك الله له فيه لأن الله يمحقه أو يمحق بركته، فلا خير ولا بركة في الربا. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبِقات". وذكر منها الربا. متّفق عليه. وعن سمُرة بن جُندب قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدّسة، حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى شطّ النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فمه فردّه حيث كان، فجعل كلما أراد أن يخرج رمى في فمه بحجر فيرجع كما

стр. 64

كان. فقلت: ما هذا الذي رأيته في النهر؟، قال: آكِل الربا" "رواه البخاري". وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكِل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم سواء". رواه مسلم وغيره. وعن البراء بن عازب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الربا اثنان وسبعون بابا، أدناها مثل إتيان الرجل أمه". رواه الطبراني، وله شواهد. وقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من الربا وبيان تحريمه، وأنه من كبائر الذنوب وعظائمها، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من هذا الأمر العظيم، وليتب إلى الله تعالى قبل فوات الأوان وانتقاله عن المال، وانتقال المال إلى غيره، فيكون عليه إثمه وغُرمه، ولغيره كسبه وغُنمه. وليحذر من التحيّل عليه بأنواع الحيل، لأنه إذا تحيّل فإنما يتحيّل على من يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، ولن تفيده هذه الحيل لأن الصور لا تغيِّر الحقائق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "إبطال التحليل" "ص ١٠٨": ". فيا سبحان الله العظيم!، أيعود الربا الذي قد عظّم الله شأنه في

стр. 65

القرآن، وأوْجب محاربة مستحلّه، ولعن أهل الكتاب بأخذه، ولعن آكله وموكِله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلاً، إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها. أم يستحسن مؤمن أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرِّم هذه المحارم العظيمة، ثم يبيحها بنوع من العبث والهزل الذي لم يقصد، ولم يكن له حقيقة، وليس فيه مقصود للمتعاقدين قط". وقال في "ص ١٣٧": ". وكلما كان المرء أفقه في الدين وأبصر بمحاسنه كان فراره من الحِيَل أشد". قال: "وأظن كثيرًا من الحيل إنما استحلها من لم يفقه حكمة الشارع، ولم يكن له بُد من التزام ظاهر الحكم، فأقام رسم الدين دون حقيقته، ولو هدي إلى رشده لسلّم لله ورسوله ﷺ ، وأطاع الله ظاهرًا وباطنا في كلِّ أمره". أسأل الله تعالى أن يوقظ بمنّه وكرمه عباده المؤمنين من هذه الغفلة العظيمة، وأن يقيهم شُحّ أنفسهم، ويهديهم صراطه المستقيم، إنه جواد كريم.

стр. 66

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ١.