من أحكام الفقه الإسلامي وما جاء في المعاملات الربوية وأحكام المداينة
جمع الفقير إلى الله تعالى الشيخ: عبد الله بن جار الله بن إبراهيم الجار الله
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أحلّ ما ينفعنا، وحرّم علينا ما يضرّنا في ديننا ودنيانا وآخرتنا، رحمةً بنا وإحسانا إلينا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي ما ترك خيرًا إلا دلّنا عليه، ولا شرًّا إلاّ نهانا عنه وحذّرنا منه. صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.
وبعد:
فقد طلب مني بعض الإخوان أن أُفرد من كتابي "بهجة الناظرين فيما يصلح الدنيا والدين" ما يتعلّق بالمعاملات الربوبية التي وقع فيها كثيرٌ من الناس، وطرق الكسب الحرام، تحذيرًا منها ومن سوء عاقبتها، وما يتعلّق بالاقتصاد في النفقات وأحكام المدايَنة. فأجبتهم إلى ذلك.
سائلاً الله تعالى أن ينفع بها من قرأها أو سمعها، وأن يعظِّم الأجر والمثوبة لمن كتبها، أو طبعها، أو نشرها، أو عمل بها.
стр. 2
وهو حسبنا ونعم الوكيل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
المؤلف.
стр. 3
من أحكام الفه الإسلامي
...
من أحكام الفقه الإسلامي
الفقه: في اللغة: الفهم. ومعناه شرعا: معرفة الأحكام الشرعيّة بأدلّتها من القرآن الكريم، والسنة المطهّرة، والإجماع، والقياس الصحيح.
والأحكام الشرعيّة خمسة:
١ الواجب، يُثاب فاعله ويعاقب تاركه مثل: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبِرّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والصدق في الحديث، وأداء الأمانة، ونحو ذلك.
٢ الحرام ضدّه، يثاب تاركه ويعاقب فاعله مثل: الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، والمعاملة بالربا، وحلق اللحى، وشرب الدخان، وتصوير ذوات الأرواح من الأدميِّين والبهائم، ونحو ذلك كالأغاني.
٣ المسنون، ومثله المستحب والمندوب، يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه مثل: نوافل الصلاة، والصدقة، والصوم، والحج، والذكر، والدعاء، والاستغفار.
стр. 4
٤ المكروه ضده، يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله مثل: تقديم اليسار عند دخول المسجد، واليمين عند دخول الحمّام، وفرقعة الأصابع في الصلاة وتشبيكها
٥ المباح، فعله وتركه سواء مثل: فضول الأكل والشرب والنوم والمشي.
وينقسم الواجب إلى:
فرض عين: يطلب حصوله من كل مسلم بالغ عاقل. مثل: أصول الإيمان الستّة، وأركان الإسلام الخمسة.
وإلى فرض كفاية: يطلب حصوله من عموم المسلمين، إذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، كتعلُّم العلوم والصناعات النافعة، والجهاد، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكلّ ما فيه مصلحة خالصة أو راجحة أمر به الإسلام، وكلّ ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة نهى عنه.
وقد أباح الله لنا كلّ طيِّب نافع، وحرّم علينا كلّ خبيث أو ضار لأجسامنا وعقولنا وأموالنا؛ رحمةً بنا وإحسانا إلينا، قال الله تعالى في وصف نبينا محمد ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿هُوَ
стр. 5
الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ ١، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٢.
ويجب على كلِّ مسلم مكلّف: أن يتعلّم من الفقه كل ما يحتاج إليه في عباداته ومعاملاته، ليعبد الله على علم، وليكون على بصيرة من أمره، وليفهم كيف يصلِّي؟ وكيف يزكِّي؟، وكيف يصوم؟، وكيف يحج؟، وكيف يبيع؟، وكيف يشتري؟. فلا يُعذر أحدٌ بالجهل، لأن الله ركّب فينا العقول، وأرسل الرسول، وأنزل القرآن، وقامت حجة الله على عباده، ومن لا يستطيع أن يتعلّم فليسأل أهل العلم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ ٣.
ويجب على المسلم أن يتعلّم العلم والفقه في دين الله، ثم يعمل به ويدعو إليه، ويصبر على ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
وقال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
стр. 6
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ١.
فالعلم بما يجب لله على عباده فرض عين، أما بقيّة أنواع العلوم كعلوم الصناعة والزراعة والطب والهندسة، وعلم القضاء والإفتاء؛ فهذه فرض كفاية، وقال النبي ﷺ : "من يُرِدِ الله به خيرًا يفقِّهه في الدين" يعني: يوفِّقه للعلم والعمل به. والحديث متّفق عليه.
ومفهوم الحديث: أن من لم يُرِد الله به خيرًا أعرض عن طلب العلم النافع والعمل به، فأصبح من الخاسرين.
قال العلماء: "وطريقة التفقّه في الدّين: أن يحفظ الطالب في كل فنّ أصلاً يبني عليه، فأول ذلك: يفهم القرآن الكريم وما فيه من الأوامر فيمتثلها، والنواهي فيجتنبها، ثم السنة المطهّرة، يحفظ فيها مختصرًا ككتاب "عمدة الأحكام في أحاديث خير الأنام"، ثم يحفظ مختصرًا في الفقه، مثل: "عمدة الفقه" عند الحنابلة، و"قرة عيون الأبصار" عند الأحناف، و"مختصر خليل" عند المالكيّة، و "مختصر المزني" أو "منهاج الطالبين" للنووي عند الشافعية. ومورد هذه المذاهب وهذه
стр. 7
الكتب واحد وهو القرآن والسنة، وغالبها متّفق عليه والحمد لله، وإنما اختلفوا في فهم بعض النصوص أو في صحّتها وضعفها، وكلهم مجتهدون، رحمهم الله تعالى وغفر لنا ولهم.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالِمَ الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لِمَا اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 8
الاقتصاد في النفقات
التوسط والاعتدال في إنفاق النفقات خلق فاضل، بين خُلُقين مذمومين متطرِّفين، وهما: الإسراف والتبذير، والبخل، والشُّح، والتَّقْتير.
فإن الله تعالى امتنّ على العباد بالأموال ليشكروها باستعمالها في مرضاته، وليقوم بها أَوَدُهم١، ويُنفقوا منها في الواجبات والمستحبّات، وحرّم عليهم تبذيرها والإسراف في إنفاقها في غير الوجوه المشروعة، قال تعالى:
стр. 9
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١ وإذا كان لا يحبّهم فهو يبغضهم ويَمْقتهم.
والسرف: إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي، والسرف بالمأكولات التي تضرّ بالجسم. وإما أن يكون بزيادة الشَّرَه والتنوّع في المآكِل والمشارِب والملابس فوق الحاجة. وإما بتجاوز الحلال إلى الحرام.
فالسرف يبغضه الله، ويضر بدن الإنسان ومعيشته، حتى ربما أدّت به الحال إلى أن يعجز عن ما يجب عليه من النفقات.
وفي الحديث: " كلوا واشربوا والبسوا وتصدّقوا في غير إسراف ولا مخيلة " رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح.
وقد نعى الله على قوم تعجّلوا شهواتهم، وأذهبوا طيّباتهم في هذه الحياة، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ٣ أي: أشباههم في السَّفَه، والتبذير، وترك
стр. 10
طاعة الله، وارتكاب معصيته. فإن الشيطان يدعو إلى كل خصلة ذميمة؛ فيدعو الإنسان إلى الشح، والبخل، والإمساك، فإنْ عصاه دعاه إلى الإسراف والتبذير، وإنفاق الأموال بالباطل والمحرّمات؛ كاشتراء الاسطوانات والبكمات والأشرطة التي سُجِّلت فيها الأغاني المحرّمة، واشتراء الصور ذوات الأرواح، وكإنفاق المال في الدخّان الخبيث الضار بالصحّة والاقتصاد. فكلّ ذلك وما في معناه فالنفقة فيه نفقة بغير حق، وقد قال رسول الله ﷺ : "إنّ رجالاً يتخوّضون في مال الله بغير حقّ فلهم النار يوم القيامة" أخرجه البخاري.
وقد مدح الله المؤمنين بالعدل في إنفاقهم بقدر الحاجة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ ١ أي: لم تصل نفقتهم إلى حدِّ السَّرَف، ولم تنقص إلى حد البُخل، وكان إنفاقهم بين البخل والتبذير بقدر ما تقوم به حاجتهم، وتندفع به ضروراتهم.
وقد حدَث التوسُّع الزائد في هذه الأوقات في النفقات والولائم والحفلات، حتى وصلت إلى حدِّ الإسراف والتبذير.
стр. 11
وهذا ضررٌ عظيم مخالِفٌ للشرع، ومضارُّه شاملة للغني والفقير.
وقد جعل الله الأموال قياما للناس، تقوم بها المصالح والمنافع، فمن صرفها في غير وجهها الشرعي فقد ضيّع الأمانة المُلْقاة على عاتقه، وهذا النوع من النفقة لم يضمن الله للمنفق خلفها.
إنّ هذا التوسُّع يُرغم العاجزين ومن ليس لهم مقدرة بالتزام ذلك مجاراة للأغنياء والقادرين، فلو أن الرؤساء والأغنياء الذين هم قدوة لغيرهم التزموا الاقتصاد في النفقات، واتّفقوا عليه، لشكروا على ذلك، وكان فيه خير للمجتمع، قال تعالى في الحَثِّ على هذا السبيل: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ ١ فإنك إن قصّرت بالنفقات، وبخلت بالواجبات؛ لامك الناس على الإمساك، ولاموك على البخل، وإن أسرفت في الإنفاق فوق طاقتك، نفد ما عندك، فأصبحت حاسر اليد فارغها. فالاقتصاد من أسباب بقاء المعيشة ودوامها فإنه "ما عالَ من اقتصد".
والسخاء المحمود شرعا: هو بذل ما يُحتاج إليه، وأن يوصل ذلك إلى مستحقّه بقدر الإمكان. وليس كما قيل: "حدّ
стр. 12
الجود بذل الموجود"، ولو كان كذلك لانتفى اسم السرف والتبذير، اللذين ورد الكتاب بذمّهما، وجاءت السنة بالنهي عنهما، فمن كان سخيا سمّي كريما مستوجبا للحمد، ومن قصَّر عنه سمّي بخيلاً مستوجبا للذم.
والسخيّ قريب من الله، قريب من خلقه، قريب من الجنة، بعيد من النار.
والبخيل بعيد من الله، بعيد من خلقه، بعيد من الجنة، قريب من النار١.
فجود الرجل يقرِّبه إلى أعدائه، وبخله يُبغضه إلى أولاده.
فالكريم المتصدِّق يعطيه الله ما لا يُعطي البخيل الممسك، ويوسِّع عليه في ذاته وخُلُقِه ورزقِه ونفسِه وأسباب معيشته جزاءً له من جنس عمله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
وبالله التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
نصيحة
أيها المسلم: أنت أخ كريم، أنت مسلم عاقل، تؤمن
стр. 13
بالله واليوم الآخِر، وتحب ما ينفع، وتكره ما يضر، وتحب الحلال، وتكره الحرام.
أسأل الله تعالى أن يكون كسبك حلالاً، ليكون عملك مقبولاً، ودعاؤك مستجابا.
أخي المسلم: أذكِّرك أن المعاملة بالربا حرام، سواء عن طريق بيع الجنس بجنسه مع الزيادة في أحدهما، أو بغير جنسه مؤجَّلاً، أو غير مقبوض، أو بأن يقرضه قرضا مقابل منفعة، فكل قرض جرَّ نفعا فهو ربا، أو عن طريق البنوك بإيداعٍ فيها وأخذ فوائد ربويّة، أو بالاستقراض منها بفوائد ربوبيّة، أو عن طريق المدايَنة مثلاً: العشر اثنا عشر، أو أقل أو أكثر، أو بقلب الدين على المعسر الواجب إنظارُه، أو يقول: استدن مني وأوفِني، أو يبيع سلعة إلى أَجل ثم يشتريها بأقلّ منه نقدًا.
فكلُّ هذه المعاملات من الربا المحرّم، الملعون فاعله، المتوعَّد عليه بأشد وعيد، لأن الربا من كبائر الذنوب، وقد أحلّ الله البيع وحرّم الربا.
عن جابر ﵁ قال: "لعن رسول الله ﷺ آكِل الربا وموكِله وكاتبه وشاهديْه، وقال، "هم سواء" " رواه مسلم وغيره.
فاللعن معناه: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، فكلُّ من
стр. 14
يتعامل بالربا، وكل موظّف في بنك يتعامل بالربا، أو في متجر يتعامل بالربا؛ فإنه ملعون على لسان محمد ﷺ .
وآكِل الربا والمتعامِل به محارب لله ورسوله ﷺ ، ومن حارب الله فهو مهزوم، وهو مجرّب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك.
لذا يجب على المسلم أن يتّقيَ الله في نفسه، وأن يبتعد عن المعاملات الربويّة، وعن جميع أنواع الحرام ومكاسبه وطرقه، وأن يتوب إلى الله تعالى قبل أن يموت، فيندم حين لا ينفعه الندم.
اللهم تُب علينا إنك أنت التوّاب الرحيم، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمّن سواك.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فائدة
أما المعاملات المشروعة التي هي حلال ومباحه فهي البيع والشراء بصدق وأمانة، والقرض بدون فائدة، وبيع السلم بأن تدفع نقودًا بسلعة معلومة إلى أجل معلوم.
ومن الجائز عند الجمهور أن تبيع سلعة بأكثر من ثمنها الحالي إلى أجل معلوم، وفي الحلال بركة وكفاية عن الحرام وبالله التوفيق
стр. 15
طرق الكسب الحرام
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْأِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١ أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله، ولأنّ أكله لمال غيره يجرؤ غيره على أكل ماله عند القدرة.
ولَمّا كان أكلها نوعين: نوع بحق، ونوع بباطل، وكان المحرّم إنما هو أكلها بالباطل، قيّده تعالى بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب، والسرقة، والخيانة في وديعة، أو عارية، أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضا أخذها على وجه المعاوَضة بمعاوضة محرّمة كعقود الربا والقمار. كلها فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح. ويدخل في ذلك أخذها بسبب غِش في البيع والشراء ونحوها. ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أُجرة على عمل لم يقوموا بواجبه. ويدخل في ذلك أخذ
стр. 16
الأُجرة على العبادات والقُرُبات التي لا تصحّ حتى يقصد بها وجه الله تعالى. ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حقا منها أو فوق حقّه.
فكلّ هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع والارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة غلبت حجة المُحِقّ، وحكم له الحاكم بذلك، فإنّ حكم الحاكم لا يبيح محرَّما ولا يُحِلُّ حراما، وإنما يحكم على نحوٍ ممّا يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة ولا شبهة ولا استراحة، فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة وحُكِمَ له بذلك فإنه لا يحل له، ويكون آكِلاً لمال غيره بالباطل والإثم وهو عالم بذلك، فيكون أبلغ في عقوبته وأشدّ في نكاله. وعلى هذا فالوكيل إذا علِم أن موكِله مبطل في دعواه لم يحل له أن يخاصم عن الخائن، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾ ١ انتهى من تفسير ابن سِعدي٢.
لذا حرّم الله تناوُل الحرام من أي وجه كان، سواء كان رشوة، أو سرقة، أو ربا، أو غلولاً، أو من قمار،
стр. 17
أو غصب، أو اختلاس من وراء وظيفة، أو غش، أو قيمة شيء محرّم، أو أُجرته "كمهر البغيّ، وحُلوان الكاهن، وكثمن آلات اللهو، والصور المحرّمة، والكتب والمجلاّت والصحف المشتملة على الإلحاد أو الخلاعة، وكثمن الخمر والدخان، وكالأجرة على الرقص أو الغناء أو العزف، وعلى شهادة الزور، وما اقتطع بيمين كاذبة، أو أخذ بغير حق وإن كان حكم به القاضي، إلى غير ذلك من طرق الكسب الحرام.
روى البخاري من حديث خَوْلة الأنصاريّة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن رجالاً يتخوّضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة".
وروى الطبراني وأبو نُعيم، عن زيد بن أرقم عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كلُّ جسد نبت من سُحْت فالنار أولى به".
وفي الحديث: "لا يدخل الجنّة جسد غُذِّي بالحرام". رواه الترمذي.
وروى البيهقي بإسناده إلى رسول الله ﷺ قال: "إن الله قَسَمَ بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبّه، ولا يكسب عبد مالاً حراما فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق منه فيُقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده
стр. 18
إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن" ١.
وفي "صحيح مسلم" حين ذكر النبي ﷺ "الرجل يطيل السفر، أشعث أَغْبَر، يَمُدُّ يديه إلى السماء: يارب يارب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك".
ومن المحرّمات: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير والذهب للرجال، ومثل الاكتساب المحرم: كالربا، والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب، ونحو ذلك.
قال العلماء ﵏: "ويدخل في هذا الباب: المكّاس، والخائن، والسارق، وآكل الربا وموكِله، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، ومن استعار شيئا فجحده، وآكل الرشوة، ومنقص الكيل والوزن، ومن باع شيئا فيه عيب فغطّاه، والمقامِر، والساحر، والمنجِّم، والمصوِّر، والزانية، والنائحة، والدلاّل إذا أخذ أُجرته بغير إذن البائع" ٢.
وما سوى ذلك فهو حلال، مثل: أكل الطيِّبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيِّبة، ولباس ما يُحتاج إليه من القطن والصوف وغيرهما ممّا أحلّ الله
стр. 19
ورسوله ﷺ ، إذا إن اكتسابه بعقد صحيح، كالبيع، أو ميراث، أو هِبة، أو غنيمة.
فالحلال بيِّن، والحرام بيِّن، والحلال ما أحله الله ورسوله ﷺ ، والحرام ما حرّمه الله ورسوله ﷺ .
وقد أحل الله لنا الطيِّبات النافعة، وحرّم الخبائث الضارّة؛ رحمةً بنا، وإحسانا إلينا، وقد أنزل الله على نبيِّه الكتاب، وبيّن فيه للأمّة ما تحتاج إليه من حلال وحرام. كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، وما قُبض رسول الله ﷺ حتى أكمل الله له ولأمته الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ ٢، فما ترك الله ورسوله ﷺ حلالاً إلا مبيّنا، ولا حراما إلا مبيّنا. فلله الحمد على ذلك.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فائدة
الحقوق المالية الواجبة لله تعالى أربعة أقسام:
أحدها: حقوق المال، كالزكاة. فهذا يثبت في الذمة بعد
стр. 20
التمكّن من أدائه، فلو عجز عنه بعد ذلك لم يسقط، ولم يثبت في الذمة إذا عجز عنه وقت الوجوب، وألحق بهذا زكاة الفطر.
القسم الثاني: ما يجب بسبب الكفّارة، ككفارة الأيمان، والظِّهار، والوطء في نهار رمضان، وكفّارة القتل. فإذا عجز عنها وقت انعقاد أسبابها ففي ثبوتها في ذمّته إلى المَيْسَرة أو سقوطها قولان مشهوران في مذهب الشافعي وأحمد ١.
القسم الثالث: ما فيه معنى ضمان المتلف، كجزاء الصيد. وألحق به: فدية الحلق والطيب واللِّباس في الإحرام، فإذا عجز عنه وقت وجوبه ثبت في ذمّته تغليبا لمعنى الغرامة، وجزاء المتلف، وهذا في الصيد ظاهر. وأما في الطيب وبابه فليس كذلك، لأنه ترفّه لا إتلاف، إذ الشعر والظفر ليسا بمتلفين، ولم تجب الفدية في إزالتها في مقابل الإتلاف، لأنها لو وجبت لكونها إتلافا لتقيّدت بالقيمة، ولا قيمة لها، وإنما هي من باب الترفّه المَحْض، كتغطية الرأس واللبس،
стр. 21
فأي إتلاف ههنا؟.
وعلى هذا: فالراجح من الأقوال: أن الفدية في ذلك لا تجب مع النسيان والجهل.
القسم الرابع: دم النسك، كالمتعة والقِرَان. فهذه إذا عجز عنها وجب عنها بدلها من الصيام. فإن عجز عنه ترتّب في ذمّته أحدهما، فمتى قدر عليه لزمه. وهل الاعتبار بحال الوُجوب أو بأغلظ الأحوال؟، فيه خلاف.
وأما حقوق الآدميِّين فإنها لا تسقط بالعجز عنها، لكن إنْ كان عجزه بتفريط منه في أدائها طولِب بها في الآخرة، وأُخذ لأصحابها من حسناته، وإن كان عجزه من غير تفريط، كمن احترق ماله، أو غرق، أو كان الإتلاف خطأ، مع عجزه عن ضمانه. ففي إشغال ذمّته به وأخذ أصحابها من حسابه نظر. ولم أقف على كلام شافٍ للناس في ذلك.
والله تعالى أعلم ١.
فائدة
كفّارة اليمين: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام. كما في سورة المائدة، آية رقم: ٨٩.
стр. 22
وكفّارة الظِّهار: عتق رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فلم يستطع فإطعام ستِّين مسكينا. كما في سورة المجادلة، آية: ٣ ٤، وهي كفّارة الجماع في نهار رمضان.
وكفّارة قتل الخطأ: عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. كما في سورة النساء، آية: ٩٢. وبالله التوفيق.
стр. 23
التحذير من المعاملات الربوية
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز، إلى من يراه من إخواننا المسلمين، وفّقني الله وإياهم لكل خير. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فقد كثُرت الدعايات للمساهمة في البنوك الربوية في الصحف المحليّة والأجنبيّة، وإغراء الناس بإيداع أموالهم فيها، مقابل فوائد ربويّة صريحة معلَنة، كل بحسب الفترة الزمنيّة التي يبقى فيها ماله مودَعا في ذلك البنك.
ومن المعلوم من الدين بالضرورة: أن الفوائد التي يأخذها أرباب الأموال مقابل مساهمتهم، أو إيداعهم في تلك البنوك؛ حرامٌ سُحْت، وهي عين الربا الذي حرّمه الله ورسوله ﷺ ، ومن كبائر الذنوب، ومما يمحق البركة، ويُفسد المال على صاحبه إذا خالطه، ويسبِّب عدم قَبول عمله.
وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى طيِّب لا يقبل إلا طيِّبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
стр. 24
الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ ١ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ٢ "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطمعه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنّى يُستجاب له". رواه مسلم.
وليعلم كل مسلم أنه مسئول أمام ربّه عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟. ففي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن شبابه فيم أبلاه؟، وعن عمره فيم أفناه؟، وعن ماله من أين جمعه وفيم أنفقه؟، وعن علمه ماذا عمل به؟ " ٣.
واعلم: أيها المسلم وفّقك الله: أن الربا كبيرة من كبائر الذنوب التي جاء تحريمها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بجميع أشكاله وأنواعه ومسمّياته. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤ وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَ فِي
стр. 25
أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ ٣ وقال النبي ﷺ : "اجتنبوا السبع الموبِقات" قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٤.
ومعنى "الموبقات": المُهْلكات. وقد عدّ الربا منهنّ.
وقال ﷺ : " الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها مثل أن
стр. 26
ينكح الرجل أمه" ١ وصحّ: أنّ رسول الله ﷺ لعن آكِل الرّبا وموكِله وكاتبه وشاهديْه، وقال: "هم سواء" ٢، وقال ﷺ : "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مِثْلاً بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخِذ والمعطي فيه سواء" رواه مسلم.
فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ ، تبيِّن تحريم الربا، وخطره على الفرد والأمة، وأن من تعامَل به وتعاطاه فقد أصبح محاربا لله ورسوله ﷺ .
فنصيحتي لكل مسلم: أن يكتفي بما أباح الله ورسوله ﷺ ، وأن يكفّ عمّا حرّمه الله ورسوله ﷺ ، ففيما أباح الله كفاية وغنى عمّا حرّم، وألاّ يغترّ بكثرة بنوك الربا، وانتشار معاملاتها في كلِّ مكان، فإنّ كثيرًا من الناس لا يهتم بأحكام الإسلام، وإنما يهتمّ بما يدرّ عليه المال من أيّ طريق كان، وما ذلك إلا لضعف الإيمان، وقلّة الخوف من الله ، وغلبة حب الدنيا على القلوب. نسأل الله السلامة.
وهذا الواقع المؤلِم من الكثير من المسلمين يوجِب على المؤسّسات الخاصّة والجهات الرسمية وخواصّ التجّار بأن يتعاونوا جميعا على تعزيز
стр. 27
المصارف الإسلاميّة، التي بدأت تظهر في بلاد المسلمين، وثبت نجاحها ولله الحمد، وأن يعمل الجميع على تحويل البنوك القائمة اليوم إلى بنوك إسلاميّة، تكون معاملاتها متمشِّية مع الشريعة الإسلاميّة، وخالية من الربا بجميع أنواع أشكاله وصوره.
كما إني أوجِّه نصيحتي إلى المسئولين في الصحف المحليّة خاصّة وفي صحف البلاد الإسلاميّة عامّة: أن يطهِّروا صحافتهم من نشر كلِّ ما يخالف شرع الله في أيِّ مجال من مجالات الحياة، كما آمُل من الجهات المسئولة التأكيد على رؤساء الصحف بأن لا ينشروا شيئا فيه مخالفة لدين الله وشرعه.
والله المسئول أن يوفِّق المسلمين عامّة ووُلاة أمورهم خاصّة للتمسّك بشرعه وتحكيم شريعته، وأن يأخذ بنواصيهم إلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، وأن يجنِّبنا جميعا طريق المغضوب عليهم والضالين، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء
والدعوة والإرشاد
стр. 28
حكم البيع إلى أجل وبيع التورق والعينة والقرض بالفائدة ١
للشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وآله وصحبه.
أما بعد:
فقد سُئِلت عن حكم بين كيس السكّر ونحوه بمبلغ مائة وخمسين ريالاً إلى أجل، وهو يساوي مبلغ مائة ريال نقدًا.
والجواب عن ذلك:
أن هذه المعاملة لا بأس بها، لأنّ بيع النقد غير بيع التأجيل، ولم يزل المسلمون يستعملون مثل هذه المعاملة، وهو كالإجماع منهم على جوازها، وقد شذّ بعض أهل العلم فمنع الزيادة لأجل الأجل، وظنّ ذلك من الربا، وهو قولٌ لا وجه له، وليس من الربا في شيء، لأن التاجر حين باع السلعة إلى أجلٍ إنّما وافق على التأجيل من
стр. 29
أجل انتفاعه بالزيادة، والمشتري إنما رضيَ بالزيادة من أجل المُهْلَة وعجزه عن تسليم الثمن نقدًا، فكلاهما منتفع بهذه المعاملة.
وقد ثبت عن النبي ﷺ ما يدلّ على جواز ذلك، وذلك أنه ﷺ أمر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن يجهِّز جيشا، فكان يشتري البعير بالبعيرين إلى أجل.
ثم إنّ هذه المعاملة تدخل في عموم قول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ١، وهذه المعاملة من المدايَنات الجائزة الداخلة في الآية المذكورة، وهي من جنس معاملة بيع السَّلَم، فإن البائع في السلم يبيع من ذمّته حبوبا أو غيرها ممّا يصحّ السلم فيه بثمن حاضر، أقلّ من الثمن الذي يُباع به المسلم فيه وقت السلم، لكون المسلّم فيه مؤجّلاً والثمن معجّلاً، فهو عكس المسألة المسؤول عنها.
وهو جائز بالإجماع. وهو مثل البيع إلى أجلٍ في المعنى، والحاجة إليه ماسّة كالحاجة إلى السلم، والزيادة في السلم مثل الزيادة في البيع إلى أجل، سببها فيهما تأخير تسليم المبيع في مسألة السلم، وتأخير تسليم الثمن في مسألة البيع
стр. 30
إلى أجل. لكن إذا كان مقصود المشتري لكيس السكّر ونحوه بيعه والانتفاع بثمنه، وليس مقصوده الانتفاع بالسلعة نفسها فهذه المعاملة تسمى مسألة "التورق"، ويسمِّيها بعض العامّة "الوعدة".
وقد اختلف العلماء في جوازها على قولين:
أحدها: أنها ممنوعة أو مكروهة، لأنّ المقصود منها شراء دارهم بدارهم، وإنما السلعة المبيعة واسطة غير مقصودة.
والقول الثاني للعلماء: جواز هذه المعاملة لمسيس الحاجة إليها، لأنه ليس كل أحد اشتدّت حاجته إلى النقد يجد من يُقْرِضه بدون ربا، ولدخولها في عموم قوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ ، ولأنّ الأصل في الشرع حِلُّ جميع المعاملات إلا ما قام الدليل على منعه، ولا نعلم حجة شرعية تمنع هذه المعاملة.
وأما تعليل من منعها أو كرهها بكون المقصود منها هو النقد، فليس موجِبا لتحريمها ولا لكراهتها، لأن مقصود التُّجّار غالبا في المعاملات هو تحصيل نقود أكثر بنقود أقل، والسلع
стр. 31
المبيعة هي الواسطة في ذلك، وإنما يُمنع مثل العقد إذا كان البيع والشراء من شخص واحد كمسألة العينة، فإن ذلك يُتّخذ حيلةً على الربا.
وصورة ذلك: أن يشتري شخص سلعة من آخر بثمن في الذمة، ثم يبيعها عليه بثمن أقل ينقده إياه. فهذا ممنوع شرعا، لِمَا فيه من الحيلة على الربا، وتسمّى هذه المسألة: مسألة العينة، وقد ورد فيها من حديث عائشة وابن عمر ﵄ ما يدلّ على منعها ١.
أما مسألة التورق التي يسميها بعض الناس الوعدة: فهي معاملة أخرى ليست من جنس مسألة العينة، لأن المشتري فيها اشترى السلعة من شخص إلى أجلٍ، وباعها إلى آخر نقدًا من أجل حاجته للنقد، وليس في ذلك حيلة على الربا، لأن المشتري غير البائع.
ولكنّ كثيرًا من الناس في هذه المعاملة لا يعملون بما يقتضيه الشرع في هذه المعاملة؛ فبعضهم يبيع ما لا يملك، ثم يشتري السلعة بعد ذلك ويسلّمها للمشتري، وبعضهم إذا اشتراها يبيعها وهي في محل البائع قبل أن يقبضها القبض الشرعي. وكِلاَ الأمرين غير جائز، لِمَا ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لحكيم بن حِزام: "لا تبع ما ليس عندك" رواه الخمسة.
стр. 32
وقال ﵊: "لا يحل سلف وبيع، ولا بيع ما ليس عندك"١، وقال ﵊: "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيَه" ٢، قال ابن عمر ﵄: "كنا نشتري الطعام جزافا، فيبعث إلينا رسول الله ﷺ من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا"٣، وثبت عنه ﵊ أيضا: أنه نهى أن تُباع السلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رِحالهم. رواه أبو داود والدارقطني.
ومن هذه الأحاديث وما جاء في معناها يتّضح لطالب الحق: أنه لا يجوز للمسلم أن يبيع سلعة ليست في ملكه ثم يذهب فيشتريها، بل الواجب تأخير بيعها حتى يشتريها ويحوزها إلى ملكه.
ويتضّح أيضا: أنّ ما يفعله كثيرٌ من الناس من بيع السلع وهي في محل البائع قبل نقلها إلى ملك المشتري، أو إلى السوق أمر لا يجوز، لِمَا فيه من مخالفة سنة الرسول ﷺ ، ولِمَا فيه من التلاعُب بالمعاملات وعدم التقيّد فيها بالشرع المطهّر. وفي ذلك من الفساد والشرور
стр. 33
والعواقب الوخيمة ما لا يحصيه إلا الله.
نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق للتمسّك بشرعه، والحذر ممّا يخالفه.
أما الزيادة التي تكون بها المعاملة من المعاملات الربويّة فيه، فهي التي تُبذل لدائن بعد حلول الأجل ليمهل المدين ويُنظره، فهذه الزيادة هي التي كان يفعلها أهل الجاهلية، ويقولون للمدين قولهم المشهور: "إما أن تقضي، وإما أن تربي". وقد مَنَع الإسلام ذلك، وأنزل الله فيه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ١، وأجمع العلماء على تحريم هذه الزيادة، وعلى تحريم كل معاملة يُتوصّل بها إلى تحليل هذه الزيادة، مثل: أن يقول الدائن للمدين: اشتر مني سلعة من سُكّر أو غيره إلى أجل، ثم بِعْها بالنقد وأَوْفِني حقِّي الأول. فإن هذه المعاملة حيلة ظاهرة على استحلال الزيادة الربوية التي يتعاطاها أهل الجاهلية، لكن بطريق آخر غير طريقهم.
فالواجب: تركها، والحذر منها، وإنظار المدين المعسر حتى يسهِّل الله له القضاء.
كما أنّ الواجب على المدين المعسر: أن
стр. 34
يتّقي الله ويعمل الأسباب الممكنة المباحة لتحصيل ما يقضي به الدين، ويبرئ به ذمّته من حقّ الدائنين.
وإذا تساهل في ذلك ولم يجتهد في أسباب قضاء ما عليه من الحقوق فهو ظالم لأهل الحق، غير مؤدّ للأمانة، فهو في حكم الغني المماطل، وقد صحّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مَطْل الغني ظلم" ١، وقال ﵊: "لَيُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته" ٢. والله المستعان.
ومن المعاملات الربويّة أيضا: ما يفعله بعض البنوك وبعض التُجّار من الزيادة في القرض إما مطلقا، وإما في كلّ سنة شيئا معلوما.
فالأول: مثل أن يقرضه ألفا على أن يردّ إليه ألفا ومائة، أو يُسكنه داره، أو دُكّانه، أو يعيره سيّارته، أو دابّته مدّة معلومة، أو ما أشبه ذلك من الزيادات.
وأما الثاني: فهو أن يجعل له كل سنة أو كل شهر ربحا معلوما في مقابل استعماله المال الذي دفعه إليه المقرِض، سواء دفعه باسم القرض أم باسم الأمانة.
فإنه متى قبضه باسم الأمانة للتصرّف فيه كان قرضا
стр. 35
مضمونا، ولا يجوز أن يدفع إلى صاحبه شيئا من الربح إلا أن يتّفق هو والبنك أو التاجر على استعمال ذلك المال على وجه المضاربة بجزء مشاع معلوم من الربح لأحدهما، والباقي للآخر. وهذا العقد يسمى أيضا القِراض، وهو جائز بالإجماع، لأنهما قد اشتركا في الربح والخسران، والمال الأساسي في هذا العقد في حكم الأمانة في يد العامل، إذا تلِف من غير تعدّ ولا تفريط لم يضمنه، وليس له عن عمله إلا الجزء المشاع المعلوم من الربح المتّفق عليه في العقد.
وبهذا تتّضح المعاملة الشرعية والمعاملة الربويّة.
والله وليّ التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه١.
стр. 36
نصيحة في النهي غن الربا للشيخ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ
...
نصيحة في النهي عن الربا للشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ﵀
من محمد بن إبراهيم، إلى من يبلغه كتابي هذا من إخواننا المسلمين، وفّقنا الله وإيّاهم لقَبول النصائح، وجنّبنا وإيّاهم أسباب الندم والفضائح. آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فالباعث لهذا الكتاب هو نصيحتكم والشفقة عليكم، وتحذيركم مما وقع فيه الكثير من الناس، وهو تعاطي المعاملات الربويّة والتعامل بها، وقد حرّم الله ﵎ على عباده ذلك، وأخبر النبي ﷺ أنه من السبع الموبِقات، قال الله تعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ
стр. 37
وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ ١، قال ابن عبّاس ﵄ في معنى الآية: "آكل الربا يبعث يوم القيامة يخنق"، رواه ابن أبي حاتم، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ٣ إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على التحريم والوعيد الشديد على مَنْ فعله.
وقد جاءت السنة الصحيحة بالزَّجْر عنه والتحذير، وإيضاح ما أجمل منه بالبيان والتفسير: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: "اجتنبوا السبع الموبقات" قالوا: يا رسول
стр. 38
الله: وما هُنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن جابر ﵁ قال: لعن رسول الله آكِل الربا وموكِله وكاتبه وشاهديْه، وقال: "هم سواء" رواه مسلم.
وعن سمُرة بن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدّسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان، فجعل كما أراد أن يخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا" رواه البخاري في "صحيحه".
وعن ابن عبّاس ﵄ قال: " نهى رسول الله ﷺ أن نشتري التمر حتى يطعم " وقال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلّوا بأنفسهم عذاب الله" رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد.
وفي حديث الإسراء أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 39
مرّ ليلة أُسريَ به، وإذا بقوم لهم أجواف مثل البيوت فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي.
وعن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإنّ أربى الربا عرض الرجل المسلم" رواه الحاكم وقال على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه.
وروى أيضا عن أبي هريرة قال: "ليأتينّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ من المال بحلال أو حرام" رواه البخاري ولفظه: "لا يبالي المرء بما أخذ منه أمن الحلال أمن من الحرام".
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز" رواه مالك والبخاري.
وله: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، سواء بسواء، فمن زاد أو استزاد فقد أرْبى، الآخِذ والمعطي فيه سواء".
وقال محمد بن نصر المروزي: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا روْح بن عبادة قال: حدثنا حبّان بن
стр. 40
عبد الله العدوي وكان ثقة قال: سألت أبي مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عبّاس لا يرى به بأسا زمانا ما كان منه يدًا، فلقيه أبو سعيد الخدري فقال له: إلى متى!، ألا تتّقي الله حتى تؤكِّل الناس الربا، أما بلغك أن رسول الله ﷺ قال وهو عند زوجته أم سلمة: "إني لأشتهي تمرة عجوة" فبعث بصاعين فأُتي بصاع عجوة فقال: "من أين لكم هذا؟ " فأخبروه، فقال: "ردُّوه؛ التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينا بعين، مِثْلاً بمثل، من زاد فهو رباً" ثم قال: "وكذلك ما يُكال أو يوزن أيضا" فقال ابن عبّاس: جزاك الله خيرًا يا أبا سعيد، ذكّرتني أمرًا كنت نسيته، فأستغفرُ الله وأتوب إليه، قال: فكان ينهى عنه بعد.
فتضمّنت هذه النصوص تحريم الربا بجميع أنواعه، وأنه من الكبائر، وأن متعاطيه محارب لله ورسوله ﷺ .
فمن أنواعه: بيع الجنس من هذه الأجناس الستّة المتقدِّمة في الأحاديث ونحوها بجنسه نسيئة، أو غير معلوم المساوات للآخر، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضُل، ويدخل في ذلك بيع الدارهم الفضيّة بجنسها متفاضلاً أو غائبا مطلقا، وبيع الأوراق السعودية بعضها ببعض، أو الريالات الفضّية متفاضلاً أو غائبا مطلقا. وذلك