← Ансаб

Ансаб · id 498

عشائر العراق

عباس العزاوي

Полный текст (400 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

هذا وتعد من نوع اهانة الفرس وانتهاك حرمة رسنها أن يحرث عليها، أو يجعلها دابة حمل ونقل أثقال ... وعلى هذا يترتب (الحشم) عندهم، اعتزازاً بأصلها، وزيادة اهتمام به. ٣ - شياتها وأسنانها في البدو أرباب معرفة في أوصاف الخيل وبيان جمالها وحسن شكلها وتناسب أعضائها ومنها المقبولة، والمشئومة. فإذا كانت فيها سيالة (غرة في جبينها) ، ومثلها محجلة الرجلين، وتسمى (المرسولة) ، واذا كانت فيها غرة فهي مبروكة. وكذا يقال في محجلة اليسرى، وتسمى (المرجبة) ، وهناك (المخوضة) وهي التي كل ايديها وارجلها بيضاء، واذا كانت اليد اليسرى والرجل اليسرى مخوضة، أو محجلة قيل لها (الزنية) وصاحبها يركب على بياض، وينزل على بياض ... وهذه كلها مقبولة. ومما يتشائمون به من الخيول وتظهر المقدرة في تعيينها (الشعرة) تكون في الجبهة، أو في الصدر، أو في الرقبة، أو البطن ... ومن ثم يدركون بركتها أو شؤمها وعندهم تجارب عديدة، ومعارف موروثة.. وغالبها ملازمة لما يفسرون به فالذي يسقط من فرسه فيموت، أو يدخل الغزو فيصاب، أو يكون تكلع أو ما ماثل يقولون انه ما ناله ما ناله لشؤم في فرسه، ولا يرغبون ان ينفروا من حرب ... ولعل هذا هو السبب في توليد هذه الخرافة ... وعندهم محجلة الايدي رزقها محدود، والشؤم عندهم في محجلة اليد اليسرى ويقال لها (كفن) فكأنها بمثابة كفن لراكبها.. وهكذا الشقراء الخالصة مشؤمة ... والفرس اذا ذرعنا مؤخرها من الحافر الى القطاة وكان أطول مما بين حافر اليد الى الحارك تكون سريعة الجري، واذا كانت صدور الخيل عريضة، ومناخرها واسعة، وعيونها كبيرة، وجبهتها مربعة فهي مرغوب فيها ... وقد نعت بدوي فرسه فقال: فيها من صفات الأرنب: نومه، وسرع كومه. ومن صفات الظبي: فزه، وكبر وزه (١) . ومن الثور: كصر جين (٢) ، ووسع عين. ومن الجاموسة: وسع حجب (٣) ، وقوة عصب. ومن البعير: وسع جوف، وبعد شوف. وفي (كتاب الخيل) للأصمعي بيان عن أوصاف الخيل وتفصيل اعضائها، والاستشهاد بأبيات قديمة لشعراء كثيرين. وعندي نسخة مخطوطة منه، ورسالة مخطوطة في (فضائل الخيل) لم أقف على اسم مؤلفها تبين جياد الخيل، وترتيب سبقها ... ورسالة أخرى منسوبة لامرء القيس في الفراسة ومعرفة الخيل، والعلامات الحسنة وغيرها، و (اسبال الذيل في ذكر جياد الخيل) ، لنجم الدين بن خير الدين الرملي ... وأسنان الخيل أو أعمارها في الحاضر: الطريح. اذا كان قد سقط لمدة ستة أشهر الحولي. اذا ولد لمدة سنة واحدة الجذعة. التي تبلغ من العمر سنتين. وتشبى في هذا السن. الثنية. لها من العمر ثلاث سنوات. الرباع لها من العمر اربع سنوات الخماس. لها من العمر خمس سنوات وتسمى كرحة (قرحاء) . ٤ - التجفيل - التجبيش: (السباق) تعويد الفرس، وتنفيرها باجراء تمارين وممارسات عديدة لها يعرف ب (التجفيل) أو (التجبيش) ... وهذا من خير الطرق لنجاح الفرس في السباق أو في الغزو أو الحرب ... ولتربيتها أصول، وطرق اعتناء، ومراعاة الحالة التي يجب ان يجريها، والعناية ضرورية، ونعلم ان البدوي يهتم بفرسه، ويلاحظها اكثر من نفسه، ولكن السباق يحتاج الى وصايا صحية، وأوضاع خاصة في أكلها وشربها ... وركضها وتمرينها ولا يقوم بهذا عندهم سوى مالكها. والبدوي على حالة غير حالة الريفي فانه يجفل فرسه دائماً، ويطارد عليها فنكون في وضع تأهب على الغارة، وتابعة لأدنى اشارة.. بخلاف الريفي فانه لا يراعي هذه إلا في اوقات خاصة ولا مجال له ان يطارد في اراض محدودة، فالخيل لا ترى ميداناً فسيحاً، وتحتاج الى تمرين لتنال مكانة في الركض، وغالب الخيل القوة النشيطة هي التي تعيش في مكان عذي (هواؤه عذب ونشيط) ومن ثم يكون النجاح كفيلها ... والألعاب، والسباق على ظهور الخيل من ألذّ ما يجري بين العربان في أيام افراحهم، أو ابان التمرن على الحروب ... والتأهب للغزو.

стр. 107

وهنا يظهر المجلى من الخيول، وهذه تابعة لتقدير قوة الأعصاب للعدو ... ونفس الركض وميدانه حتى ان بعض الخيل قد لا تسبق اذا لم يطل ميدانها، وتنال السبق على الكل اذا طال المدى ... فاذا لم تقدر هذه النواحي وأمثالها فلا أمل في نجاح غيرها، ويضرب العرب الأمثال في المدى وطوله ... وعلى كل حال هناك أمور يجب الانتباه اليها وتحتاج الى خبرة وفكرة قويمة، وغالب من يقوم بهذه المهمة متمرن عارف ... وفي هذه الأيام راج سوق الخيل في السباق، وتولدت بينهم مصطلحات كثيرة لما رأينا من عناية الأجانب بها، واستفادتهم منها، وتعيين درجات السبق، والرهان عليه ... ومن ثم رجحت من نالت السبق لمرات، وصاروا يتغالون في أثمانهابالنظر لما تربحه، واشتهرت كثيرات قد لا تكون علاقة للرسن بهن، وانما انحصر ذلك في خيل معينة، وبهذا حصل انتقاء في السوابق، وطوي ذكر الخيل الأخرى، وان كن من الخيل العراب ... وفي المثل (عند الرهان تعرف السوابق) . وهذا من ضروب المقامرة بل من اعظم المقامرات، ومن أشد الاضرار على الخيل والاجحاف بحقوقها بل التجاوز عليها، ويجب ان لا يشيع بكثرة وانهماك في أمة حريصة على اوضاعها الحربية، والانتفاع من نشاط خيلها، وقيمتها الحربية ... وقد مر الكلام على السباق المرغوب فيه ... ومن المؤسف أن يروج سوق الخيل من طريق سباق المقامرة، وتزيد العناية بها من أجله ... ٥ - أسماء الخيل وأسماء الخيل المعروفة قديماً وحديثاً كثيرة عندنا، ولها في هذه الأيام اسماء جديدة، واشتهر من الخيل القسم الكبير لما كان لها من مواقف بارزة في الحروب كما اشتهر شجعانها فحافظت من جراء ذلك على أرسانها، واليوم يعوزنا احصاء اسماء الخيول المعروفة ... وتعداد كل ما عرف واشتهر في السباق وغيره يطول كثيراً. وهذه بعض المشهورات: عسيلة. تاج عطية. ردحة. حمية. فضيلة الهوى. هذا ويضيق المقام عن التعداد. وللأسف كل هذه الخيول العراقية لم تشتهر بوقائعها وانما عرفت بسباقها ... !! ٦ - سرقة الخيول من ابدع ما يجلب الاسماع، ويدعو للانتباه واللذة معاً ما يورده البدو عن سرقة الخيول من اناس تعودوا على ذلك وتمرنوا.. وكل ما يوردونه من حكايات وقصص يدل على عزة الخيل ومنزلتها عندهم؛ فهي من أعز ما عندهم، ولذا يبالغون في اطرائها، يذكرون شطارة السراق وحسن مهارتهم، وما يقدم لهم من فداء أملا في استعادة الفرس المسروقة، والتهالك وبذل الجهود في استعادتها، وما عاناه صاحبها، أو ذكر خيبته ... والسراق منهم (الحايف) وهو الذي يسرق ليلاً وخلسة، و (البطاح) هو الذي يركب الفرس ويفر بها على مرأى منهم ... و (ربيط البدو) في الغالب من كان متعوداً على سرقة الخيول وهو الذي يبطح على الفرس. وهذا يحبس ويحدد بحديد الفرس، ويبقى حتى يسلم المسروق أو يفك نفسه بمبلغ يتقاضونه منه أو من كفيله والربيط قد يكون مطلوباً سابقاً بأموال أخرى أو (وسكة) ، ويحتاج الى أن يفك نفسه. ٧ - شركة الخيل - بيوعاتها يعتز البدوي بفرسه كثيراً، ولا يهون عليه ان يعطيها، أو يملكها لغيره ببيع وسائر التمليكات الا لضرورة، او لحاجة تعرض له ... وقد يكتفي ببيع حصة شائعة كأن يبيع (عدالة) ، أو نصفاً شائعاً، أو رجلاً، أو نصف رجل. وهذه شاع البيع بها حتى عند غير البدو، وحافظوا على ارسانها، والبيع في مثل هذه الحالة لا تظهر غرابته في بيع الكل وقطع العلاقة كما هو المعتاد في سائر البيوعات والامتعة وتداولها.. وكل الخيل ليست كرائم، وانما هناك خيول تباع وتشترى على المعتاد كالضأن والبقر ... الا ان البدوي في الخيل خاصة لا يريد ان يقطع علاقته بفرسه. وهذه أشهر بيوعاتهم: بيع مثانى. وذلك بأن تكون أول بطن للبائع، وبعدها للمشتري والثالثة للبائع، ومن ثم تنقطع العلاقة بها ... واذا كان المولود (فلواً) فلا عبرة به، وتجري القسمة على ما عداه ... بيع النصف. وفي هذا تكون القسمة على البائع، والخيار للمشتري لأنه هو الجاني (المربي) للفرس. وقد تبقى الشركة لمدة طويلة.. بيع العدالة. وفي هذا يكون البطن الأول اذا كان انثى للبائع وتفك على ان يكون للمشتري منها البطن الأول أيضاً وتنقطع العلاقة. بيع الرجل. وهي الربع على الشيوع.

стр. 108

ومن هذه كلها اذا كانت الخيل مشتركة قسم الشريك وكان الخيار لصاحب الرسن وهو القائم بتربية الخيل، وينقطع الخيار لمرتين وفي الثالثة ليس له ان يرجع عن اختياره وذلك انه يختار فاذا وافق الطرف الآخر فله ان ينكل عن الخيار، ثم يقسم الشريك مرة أخرى وله أيضاً ان ينكل، وفي الاثلثة ليس له ان يرجع عما اختاره، ويكون هذا قطعياً ... ٢ - الابل اذا كانت الخيل وسائط نجاة مهمة لحياة البدوي فلا شك ان الأبل قوام هذه الحياة ووسيلة بقائها وطريقة سد حاجياتها.. فمنها لبنه، ومنها وبره ومنها لحمه، وجلدها نافع له ... وهي واسطة نقله من مكان الى آخر، وحمل اثقاله فهي في نظره (سفن البر) ... ولولاها لكانت حياته منغصة، وعيشته مرة، وآماله ضيقة ... وهذه فيها غناؤه وثراؤه بل من اعظم ثروة له، ومن أهم تجارته، وأكبر واسطة لنماء أمواله ... لا تعيش للبدوي أنعام وهو في حالة غزو، وتنقل سريع من مكان الى مكان الا اذا كانت كهذه الابل تتحمل المشاق، وتتكبد الصعوبات والاراضي الوعرة، والفيافي البعيدة عن العمران ... فهي بحق تعدّ أعظم نعمة ناسبت اوضاعه فكأنها خلقت لأجله، وقدرت له في أصل الخلقة ... وفي آية " أفلا ينظرون الى الأبل كيف خلقت " دليل الامتنان بهذه النعمة، ولولا الابل لما تمكن البدوي ان يبلغ المكان الذي يريده الا بشق الانفس وصعوبتها، وهكذا المشاهد والمنتفع به أكبر دليل وأعظم نعمة ... والعرب في آثارهم الكثيرة من كتب الأدب واللغة تعرضوا للكلام عليها، واوسعوا المباحث ومن اقدم من كتب، وخص الأبل بمباحث خاصة الأصمعي فقد نشرت له في الأيام الأخيرة رسالتان في الأبل وردتا في (الكنز اللغوي) للدكتور أوغست هفنر استاذ اللغات السامية في كلية فينا. طبعت هذه المجموعة في بيروت سنة ١٩٠٣ والرسالتان احداهما جاءت في صحيفة ٦٦ والأخرى في صحيفة ١٣٧. وعلى كل حال يهمنا ان ننظر الى ثروة البدوي، ونقدر قيمتها ومكانتها ونعين طريق معيشته من وراء هذه الثروات لنتخذ له التدابير الملائمة للانتاج، والطرق الصالحة للتكثير، ومخارج للبيع والصرف في المواطن الأخرى للاستفادة من نواح عديدة منها.، فنكون قد ساعدناه وجعلنا حالته في رفاه وربحنا منه في تجارتنا، وضرائبنا، وسهلنا له مهماته ... والابل في العراق كثيرة، وكانت لها فائدتها قبل شيوع السيارات؛ فهي من أرخص وسائط النقل، وإن كانت بطيئة ... اهمال هذه الثروة دون عناية في امرها غير صحيح، ومن اهم ما يعرض للبدوي قلة المراعي لها، ومن الوسائل الفعالة افساح المجال له للسرح في مواطن لا يستفيد منها سواه، وفي هذا تخيف لويلاته ومصائبه مما قد يؤدي الى ضياع كافة ابله ... والابل انواع كثيرة، وبينها ما هو معروف قديماً، ويعد من نجائب الابل لما فيه من المزايا المختارة من سرعة، وتحمل مشاق، أو ما ماثل ... أنواع الابل: وأشهر المعروف منها مما ينتفع به للحليب والحمل: ويسمى (البعير) ويقال له (الرحول) : ١ - الخواوير. وواحدها خوار، وهي اباعر عنزة وشمر وغالب البدو بصورة عامة، وهذه ابل بادية الشام، تصبر على العطش، وتستخدم للغزو، تعيش خارج المياه في البادية الجرداء. وهذه لا تعيش في العراق في الأرياف من جهة القارص (الزريجي) والمعروف منها (بنات وضيحان) ، و (بنات عبجلي) ، و (النجبانيات) ، و (الشراريات) . ٢ - الجوادة. واحدها الجودي وهذه في الغالب عند المنتفق وغزية والصمدة من الضفير وسائر القبائل الريفية كالزكاريط (الزقاريط) وغيرها. ولا تصبر هذه على الضمأ، ولا تتحمل المشاق التي تصيب البدو ... وابل شمر طوقه كلها (جواده) . وهناك قسم آخر يستفاد منه للركوب غالباً ويقال له (الذلول) ومن أنواعه: التيهية. وهذه صغيرة، ولها رسن، تفيد للسرعة وللمغازي، وتقطع مسافات بعيدة. وهي عند الشرارات من الصلبة، والحويطات منهم. وهذه تطرح النعام، والغزال، وهي للركوب خاصة، ويقال ان اضلاعها سبعة في كل جانب. الحُرّه. تعيش في البادية، وتصبر على الماء، وهي عند شمر وعنزة، وعند الشرارات. وبها يتمكون من اللحاق بالخيول ... العمانية. من نوع الجودي، وهي جميلة ووافية، وغالب ما تكون عند المنتفق ويحتفظون بها، وقليلة في سائر الأنحاء، ومواطنها على ساحل خليج فارس. الباطنية. وهذه قليلة في العراق.

стр. 109

قال صلبي يخاطب عشيقته: (للسيلان منهم) يا نديبي شد لي كور مهذالي ... من ضراب التيه وامه شرارية لشنطته بالرسل صابه حفالي ... مثل دانوك حدته الشماليه نحره يم الغضى طيب الغالي ... عين خشف مرتعه له بوسميه الوانها: الوضحة. بيضاء الصفرة. دبسة، غامقة. شعلة. أقل انكشافاً، والجواده القسم الأعظم منها هذا لونه. الملحة. سوداء. الزركه. عشمه. الشكحة. بين البيضاء والشعلة. وهذه كلها في الخواوير. حمرة. على احمرار وفيها غمق. والبيض منها كلها تدعى (المغاتير) ، وما كان فيه سواد، أو ملح يقال لها (السحمية) ، أو (السحمة) . ومن أوصافها: (الصجرية) ، و (ابكع ظهر) ... شواذيب وعذاريب من العيوب في الأبل ما يسمى الشاذب، أو الشاذوب والضبطه فيقال ليس فيه (ضبطه وشاذب) ، والعذوربه أو العذاريب وقد يطلق الواحد على الآخر كلفظ مترادف ويقال (سالم العذاريب) . وهذه أشهر ما هو معروف: الطير. سكتة دماغية الخراش. نوع جنون الضلع. الجرب. الجدري. وهذا يكون في صغره الورك. مرض في الابط. وأصل الشاذب عظم زائد في صفحة زور البعير. وهناك عيوب لا عن مرض وانما هي عيوب في الخلقة، أو نقص في الأعضاء: الجدعه. مقطوعة الاذن. العصلة. مقطوعة الذنب الحرده. تضرب بيدها على الأرض؛ وهو نوع فالج. الخطلة. مرتخية أعصاب الرجل عكس الحرده. جنفه. فيها لحمة كبيرة تحت أبطها النجبه. مخلوعة الزند (مفسوخته) . أسنان الأبل المخلول. عمره سنة١ المفرود. عمره سنة٢ اللجي. عمره سنة٣ الجذع. عمره سنة ٤ وهذه يبتدئ فيها اللقاح وهو الضراب. الثني. عمره سنة٥ الرباع. عمره سنة٦ الخماس. عمره سنة٧ الجالس. عمره سنة٨ ومدة الحمل ١٢ شهراً ومن النوادر أن يكون ١٣ أو ١٤ شهراً. الوسم والشاهد وللأبل عند كل قبيلة، أو فرع من فروعها علامة يسمونها بها لتعرف وهذه تختلف اشكالها بالنظر لما تتخذه القبائل ولا نجد تقارباً في الوسم الا قليلاً، وكذا يقال للشاهد وهو نوع الوسم الا انه لا يعول عليه في التفريق، وإنما هو أشبه بالاشارة الخاصة ... والوسم يكون على اليمين أو على اليسار، أو على الرقبة ... والشاهد يكون على يمين الوسم، أو يساره، وقد يكون الوسم على اليد اليمنى، أو اليسرى ... والشاهد على الرقبة، أو يكون قريب الخشم ويصير محاذياً للعين، أو نازلاً الى الفك وعلى كل لا يعول على الشاهد. وسم شمر طوقة كاشارة على يمين الناقة، والصلتة منهم يجعلون الشاهد قدامه، والغرير منهم في يساره، والزقاريط عندهم الوسم اشبه بحرف T اللاتينية ويكون في اليسرى وشاهدهم في الوجه على الجانب الأيسر في منحدر الرسن والنصر الله (فرقة منهم) على الفك ... ولا يكاد يحصى الوسم لكل قبيلة وشاهده، ولقبائل عنزة لكل منها وسم خاص، كما لقبائل شمر كذلك ... شركة الابل وشركة الابل للانتفاع منها تكون بأمور عديدة ولكن هذه لا تظهر إلا في القضايا الجزئية والمطالب الصغيرة مما يجرى بين الطبقة الضعيفة، أو بين ضعيف وغني ... ومن هذه: شركة عظم. وذلك أن يشتري الموسر الابل، ويشغلهن عند آخر حتى تفك اثمانهن من النماء والربح، وحينئذ يشترك معه مناصفة ... ولكن هذه الشركة يصح ان تفك عند الطلب، ولا تكون مقيدة بشرط، ومع هذا اذا وجد شرط لزم مراعاته ... وفي هذه الحالة اذا طلبها صاحبها قبل ان تفك فحينئذ تباع وما زاد عن قيمتها يقسم بينهما ... فالتعب الذي بذله العامل لا يهمل بوجه، ولا يضيع ... شركة العدالة وتكون في الغالب في الغنم، وتقل في الابل وذلك بأن تعطى الشياه او الابل الى آخر ويشارك في النماء، ولا يكون شريكا في العظم الأصلي بل في الصوف والدهن ... ان تودع الابل على ان تكون الاجرة مثالثة، ثلث للجاني وهو الذي قام باعارتها ... ويتسلمها المكاري كاملة الحدايج والثاية ... واذا كانت كثيرة فيصح ان يشترط على صاحب الابل اكثر، وان يستخدم معه آخر فيكون نصيبه النصف ... ويطول بنا تعداد كل ما هو معروف، وانما الغرض الفات الأنظار الى هذه النواحي، وعند الاختلاف يرجعون الى العارفة، والضعيف يلجأ وان كانت القضايا تافهة. بيوعات

стр. 110

في الابل قد يكون البيع صفقة واحدة وتنقطع العلاقة وقد لا يكون كذلك وتبقى العلاقة لمدة بأن يشتري المخلول والغركان، والمخلول منهما تراه، ويكون مولوداً، ويؤخذ وقت طلوع سهيل، أو أن يسلم صيفاً ... وإن المشتري في هذه الحالة يسمى (شراي حبل) والمفرود ويقال له الغرقان، كأن يشترى في بطن أمه ثم يأخذه المشتري بعد أن يفطم من أمه وذلك بأن يحول عليه الحول أو أزيد واذا مات المبيع في هذه الحالة فهو مضمون.. ويسمى (المجفوت) . هذا ما يعين البيوعات عندهم، وان الضمان يترتب لأنه لم يسلم الى المشتري في الوقت المضروب، وغالب هذه يجريها الضعفاء والفقراء فيما بينهم، وهي التي توضح بقايا بيوعهم.. والغرض من هذه البيوعات الشراء سلفاً، وان يكون تحت ادارة البائع لمدة ... الرعى اذا أراد أن يسرح في الابل يعطى مخلولا ومبلغاً معيناً يقدر بدينار أو أكثر، أو مفرده وحده، أو مبلغ وحده وذلك حسب قلة الابل وكثرتها ... الدخيل تعطى الابل الى آخر فيذهب بها الى نجد أو الى مكان آخر، وذلك الراعي أو آخذ الابل ضامن ويجعل الابل مرخوصاً من قبله يقال له (الدخيل) والوصي وهذا هو الذي وكله ... فاذا رفض وكالته فحينئذ يصرح بذلك ويشهد ثم يخلط الأموال (الابل) بما عنده، ولا يضمن المقدرات أي لا يتوجه عليه ضمان الدرك، فاذا مات بعير يثبت الشهود على موته وحينئذ لا يبقى حق. اما لو طالب المالك ببعيره فامتنع من اعطائه الى الوصي ضمن أي انقلبت يده الى يد ضمان. وداعة البدو للبدو وهذه امانة لا تفرق عن سائر الامانات الا انه يتصرف بها وينميها، أو يبقيها امانة على حالتها دون تصرف ... والبدوي في أحوال عديدة يريد أن يسير الى أهله، وليس في امكانه الا ان يكون مجرداً، وتكون هذه محترمة ومحتفظ بها للأمرين المذكورين، وللأمين الحق في اختيار احداهما، ولا يفترق المودع بين ان يكون بدوياً أو غير بدوي، ولكن يصرح غير البدوي بغرضه فيقول هذه (وداعة البدو للبدو) أي أنها الوديعة المصطلح عليها عندهم. وللامين الحق في حفظ عينها، او التصرف بها. فاذا كانت الوديعة شاة مثلاً تكاثرت عنده، أو حواراً، أو بعيراً كان الأمر كذلك، واذا باعها اشترى بثمنها ما ينمو، كأن كانت بعيراً فحلا كرى عليه ما عنده ونمّى الحاصل، أو باع البعير واشترى به ناقة، فاستولدها ... والحاصل لا يسوغ له بوجه ان يخون هذه الأمانة، وإنما يستثمرها لصالح المودع، واذا كانت مبالغ اشترى بها ما فيه فائدة الى آخر ما هنالك، وقد يعين المالك الذي ائتمنه ان يتقاضى أجراً عوض العناية، وهذا غير ما يعطى للراعي أجرة رعيه وسرحه ... ٣ - اموال اخرى لا تعتبر الأموال الأخرى في الحقيقة من أموال البدو المهمة، وإنما الأموال الحقيقية هي التي تلائم أوضاعهم الحياتية ... فاذا تقربوا من الأرياف صاروا يقتنون الغنم، ويلاحظون أمر رعيها وتكثيرها ... واذا وجدت أموال أخرى فهذه لا تعد من أموالهم الأساسية. والغرض بيان ما يعوّل عليه البدوي من الأموال في بداوته، ومن أشهر أموالهم الأخرى الغنم ... - ٦ - الشيم والأخلاق ضيق المعيشة، وضنك الرزق، وقلة الموارد قد تجعل المرء في لبس من تصديق ان البدوي لا يكذب، وانه صريح القول، ينفذ ما عزم على فعله وما قطع في امره ... وهو في هذه الحالة لا يشهد كذباً، ولا يحابي ... وفيه من الشمم والأباء والعفة بمعناها الصحيح، واكرام الضيف، وحمى الجار والنزيل ما لا يوصف. شاهدنا وقائع اعترف فيها البدوي انه قتل، أو أنكر القتل فلم يحلف، ولم يخن أمانة، ووفى بعهده وهكذا.. وكم أخذتنا الحيرة في وقت لا نراه يقدم على الكذب وهو في أشد المواطن خطراً، وأعظمها حرجاً ... نرى أوصافاً كثيرة عند البدو ولا نجدها عند غالب اخوانهم من الحضر فكأن البداوة ملازمة للصدق، والانفة من الخديعة والكذب، وكأن الحضر غير منفكين من الأوصاف الرديئة الا من عصم الله تعالى ... ذلك ما دعا ان يأمن الحضري معاملته مع البدو، ويتخوف البدوي من أهل المدن وحيلهم والطرق التي يتخذونها لسلب ما عنده، فهو في حذر وخوف حتى انه اذا اشترى بضاعة يشترط أن تكون (سالمة، مسلمة للمناخ) وهكذا ...

стр. 111

ونخشى في هذه الحالة أن تتطرق اليهم بعض صفات أهل المدن الرديئة، وتنتقل عدواها وان القائمين بأمر اصلاح المجتمع يحتم عليهم الواجب ان يلاحظوا هذه المهمة، وان يتذرعوا بوسائل مانعة من التسرب الى هؤلاء، وأن يسيروا بهم الى التربية الحقة ... ! مرت أمثلة كثيرة تبين صراحة البدوي وصدق لهجته، وصفاء سريرته ... ونحن في حاجة كبرى الى أن نتعلم منه المهم من الأخلاق الفاضلة، والسجايا النبيلة ... وان لا نتهاون في أمرها، لا أن نفسده وهو سهل الخديعة، فيتذرع بالوسائل الرذيلة ... ونتمنى ان لا يدخله الاصلاح قبل ان ننال قسطاً منه والا سقناه الى ما نحن فيه، وبهذا انتهكنا حرمة أخلاقه وعلوها وسمّو سجاياه وفضائلها ... وهل من الصلاح ان نتولى امر الاصلاح ونحن لم نتسلح بما عنده من سجايا، ونتطلب منه ما هو مفقود وقد قيل (فاقد الشيء لا يعطيه) .. جلّ آمالنا ان يحتفظ هذا البدوي بحسن سلوكه، وطيب اخلاقه، وصفاء نيته الى ان تتبدل حالة التربية العامة بخير منها، وتكون اولى مما هي فيه ... - نعم قد تكون في البدوي بعض الصفات التي اكتسبها من حاجته ومحيطه، ويهزأ بمن يذمها، أو يلومه من أجلها أمثال الغزو ... ولكن هذه بالنظر الى منع حوادث الغزو، والاتفاق والتكاتف بين الدول المجاورة على منعه تغيرت هذه الحالة، وماتت من نفسها، وصار يشعر بأن ماله ما اقتناه من طريق مشروع ... وستقوى هذه الخصيصة ويتعود مغزاها في حين انه قبل هذا اذا قيل له: - الله يحرمك من غارة الضحى! كان يجيب: - وهل (١) وجه، وهل وجه ... ! يريد بل أنت تحرم منها!! وكانوا يؤدون من غارة الضحى بعض الصدقات عن موتاهم..!! وغرضهم من غارة الضحى أنها على وجه نهار، ولم تكن خفية، أو خلسة ... ! ومهما كان الأمر فالبدوي يغزو وينهب، ويقتل ولكنه لا يكذب، ولا يخدع، ولا يخون الامانة، ولا يقبل بذل، ولا يرضخ لقوة..!! يعيش بعزّ، ولا يرضى ان يهان، حر الضمير، صريح القول، وعفيف الذيل في غالب أحواله.. وهو أيضاً كريم بطبيعته، شريف في نفسه، أبي، لا يتردد عن معونة، ولا يحجم عن مساعدة ... والقلم ليعجز ان يجري في بيان كل خصاله الحميدة المقبولة ... والمرء ينجذب بل يكون مغرماً بأوصافه هذه وأتمنى أن تكون هذه بصورة عامة عندنا ... وأن نمضي على كثير منها ... سجايا قوية، عالية، لا تفترق بوجه عن أوصاف العرب القدماء؛ ولا تقل عنها، ويعوزها ما أعوز تلك من اصلاح حقيقي، وتهذيب اجتماعي، لا يشبه ما نحن عليه اليوم، ولا يأتلف وما نحن فيه ... ولم أكن في قولي هذا ساخطاً على المجتمع أو غاضباً عليه الا أني أرغب أن يتحلى بأكمل صفات الرجولة، وأن ينال حظه من الحضارة مقرونة بتلك السجايا الفاضلة ... وهم كما نعتوا انفسهم: حنّا جما صافي الذهب ... وانظف من الخام الجديد ولا نريد أن يزيف هذا الذهب، أو تنال ذلك الخام نكتة تكدر لونه او تودي بصفائه وجميل رونقه ... فاذا كان: حسن الحضارة مجلوب بتطرية ... وفي البداوة حسن غير مجلوب فالأخلاق فاضلة، وعزيزة، لم تدخلها التطرية، حسنها طبيعي، وسالم من العذاريب الكثيرة كما يصطلحون عليها ... وهنا نذكر بعض أوصافهم العامة: ١ - النخوة وهذه من أكبر وسائل التكاتف، ويقال لها (العزوة) أيضاً، وفيها تتشارك القبائل التي تمت الى نجار واحد، وغالب القبائل تعرف القربى بينها بسبب هذه النخوة ... وقد مرّ بنا ما ينتخى به القوم، وهي دليل الأخوة، وشارة التكاتف والظاهر ان اصلها (انااخوة) ومنه اشتقت (النخوة) ومثلها العزوة ويراد بها الانتساب الى نجار واحد ... قال الشاعر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا وهذه هي النخوة، والندبة مثلها ... واذا صرفت النخوة الى ناحية التكاتف على اتباع الحق، ونصرة المظلوم، ومقاومة الشر فما أحلاها. والتلقين الى هذه الناحية قد يؤدي الى نتائج مرضية ... ٢ - الدخيل، الدخالة في القتل يدفع عن القاتل لمدة ثلاثة أيام على ان لا يسارى ولا يبارى ... وفي المطالب الأخرى غير قتل النفس يكون الوجه لمدة سنة، فلا يتعرض له أحد. الا أن (فورة الدم) لا يصد احد فيها، والوجه لا يمنع غالباً الا أن يكون قوياً ويتمكن من زبن الهاجمين ... ٣ - الوداعة

стр. 112

وهم أحفظ للأمانة، وأحرص على الوديعة، وقد مرّ بيان بعض حوادثها الخاصة، ويتفادى البدوي في صيانة الوديعة ... وعلى كل حال تظهر أوضاعهم العامة وأخلاقهم الاجتماعية، وكذا الفردية من طريق تثبيت الوقائع الاعتيادية، وفي مواطن الحروب واوقات الغزو وقد اشير الى ذلك فيما مرّ، وسيأتي من الأمثلة في خصوماتهم مما يعين أخلاقهم في بعض الأوصاف والأقوال التي يعابون من أجلها، ويحق لهم أن يطالبوا بالحشم، أو يعقروا من جراء ما نالهم من اهانة، أو يلتمس منهم العفو أو التعويض ... وليس لهم حكومة يلجأون إليها، وإنما يستعينون بقوتهم. ولا مجال لحصر المقبول من فضائلهم، والأخلاق المعتبرة فيهم ... وتتجلى اكثرها في حالاتهم الشاذة، وخصوماتهم، ومنازعاتهم.. ولو استثنينا الغزو والوسكة وما ماثل لقلنا هناك الانسانية الكاملة ... ولكن للضرورات، وللمحيط حكمهما، وطبعهما ... والتربية الصحيحة تعدل في الأوضاع المدخولة، وتؤدي الى الاصلاح الكبير وللتعديل القليل حكمه وأثره في الحياة الفردية والاجتماعية ... هذا ولا تفيد التعديلات المادية، وإنما الأثر النافع للمبادئ القومية، والتربية الفاضلة، والعوامل النفسية، فهي شديدة الأثر، وكبيرة الفائدة ... والأخلاق تحتاج الى حسن ادارة وخبرة تامة، وعلاقة قوية بالعقيدة..!! - ٧ - العقائد والعبادات العقيدة عند البدو قليلة الكلفة، بسيطة، وأساسها قبول ما كان قريباً من أذهانهم، وأحق بالأخذ ... ومن حين دخلهم الإسلام زالت منهم عبادة الأشخاص والأصنام، وحل التوحيد، فلا يميلون الى الرسوم، والأوضاع الزائدة ... ومما يحكى عن الشيخ صفوق انه كان في مجلس ببغداد، فرأى ان قد جاء شيخ، ونال احتراماً من أهل المجلس فقالوا له هذا الشيخ فلان! قال هو شيخ أي قبيلة فأجيب بأنه شيخ الطريقة النقشبندية، وهي طريقة دينية ... فكان جوابه ان الدين ليس له نقوش ... !! ومن المعلوم ان الإسلام أعلن عقائده بأوجز عبارة، وهي ايمان وعمل صالح، او استقامة ... مع قبول الارشاد لتعيين هذا المطلب، والبدوي لا يريد أن يعرف غير ذلك ولا يشغل ذهنه بأكثر ... وفي هذه الحالة يجب ان لا نخرج به في تهذيبه الديني عن هذا، وبعض الايضاح المتعلق به والا كان نصيبنا الخذلان في نهجنا ... ومن طبع البدوي ان لا يميل الى زيارة المراقد، ولا يهتمون بها، وهم أقرب الى التوحيد الخالص، وتراهم في نفرة من مراقد الصلحاء.. وغالبهم على مذهب السلف بسبب المجاورة لنجد، أو هم قريبون منهم ... رأيت فرحاناً ابن مشهور حين وروده العراق في ديوان المرحوم السيد محمود الكيلاني النقيب السابق، وكنت حاضر المباحثة معه في بعض اوضاعنا الدينية، وكان ابن مشهور ينقدها، ويورد الآيات وبعض الأحاديث تقوية لحجته، وان سماحة النقيب يوضح له، ويوجه أغراض اهل بغداد، ويعتذر له من أخرى ويقول: هؤلاء صلحاء لا أكثر، ولا نعتقد فيهم غير ذلك! اما ابن مشهور فانه استمر في بيان تلك الأوضاع حتى قال: ما هذه اذن؟ (واشار الى قبة الشيخ عبد القادرالكيلاني) ألم تكن طاغوتاً ألم يقدم لها الاحترام!! وهكذا نسمع الشمري يقول وكان قد رأى ما يخالف عقيدته: يا عون من طالعك برزان ... ونام بشناكك هني ويا عون من فاركك البرغوث ... وفراك عبادة علي وبرزان قصر ابن رشيد في نجد، واراد بعبادة علي الشيعة في حين انهم لا يعبدون الامام علياً (رض) وانما يعتقدون فيه الامامة، وهؤلاء البدو لا يفرقون، ويرون مجرد الانقياد الى الشخص عبادة ... ومن حاول اصلاح هؤلاء وجب عليه ان يلقنهم العقيدة من ناحية تفكيرهم دون أن يدخل فيها ما لا تقبله افهامهم ... بأن تلخص له أساسات العقيدة بلا توغل في تفرعات زائدة، وان لا يعرف بالمذاهب الا انهم علماء معروفون لا اكثر ... وأرى أن يكثر له من تدريس القرآن الكريم، وأن لا يعدل عنه، وان يسترشد بأحكامه ... وفي هذا اصلاح لأخلاقه وعقيدته معاً، وفيه أبعاد عن كل نعرة طائفية، واستهواآت حزبية ... فيكون مصروفاً الى ادلته الحقة، وأن نقربها لفهمه.. وهم في الغالب مالكية، أو حنابلة ويجب أن يلقنوا العبادات على مذاهبهم بما لا تصح بدونها، وان يلاحظ تقليل التكليفات قدر الامكان، والدين يسر ...

стр. 113

وعلى كل حال رغبة الاصلاح تستدعي التفكير الطويل، واستطلاع الآراء حتى تظهر الفكرة القوية الصالحة ... وأرى من الضروري تدريسهم مجمل التاريخ الإسلامي، وذكر الغزوات والملاحم الإسلامية بحيث يتجلى لهم النشاط، وصفاء الأخلاق، والتفادي في سبيل هذا المبدأ الجليل، وان لا تنسى العلاقة، وان يحتل هذا التاريخ محل القصص الخرافية، والحكايات التي لا يؤمل منها نفع تهذيبي ... - ٨ - الخصومات - الدعاوي يقولون: المرجله ما بين حيل وحيله ... والحك يبري للي سيوفه كواطع أو: ما ينفعك زاد كليته ليافات ... " ولا ينفع المفلوج عوج الطلايب " ١ - العرف القبائلي ان القدرة، والشجاعة من اكبر الوسائل لحفظ الحقوق، وأعظم الحواجز دون انتهاك الحرمات، ويردد البدو " الحك بالسيف والعاجز يريد شهود " وفي هذا لا يقصد غالباً الا حماية الحق؛ والبدو من خير مزاياهم ان لا يكذبوا، ولا يتخذوا الوسائل لابطال الحقوق وقد قالوا " ولا ينفع المفلوج عوج الطلايب "، ولا يخلو المرء من لدود وخصام، وهم اصحاب حجة، ومنطق عذب، وفكرة قويمة في الغالب والنزاع في الأكثر بين المتكافئين، والحكم بينهم يجب ان يكون ذا قدرة على حل القضايا والا فلا يتنافرون اليه، وإنما يميلون الى صاحب مواهب كافية لادراك ماهية هذه الخصومات والوقوف على جهات التلاعب في ادلاء الحجج ... وهؤلاء لم يكونوا ملائكة، وانما هناك بواعث مهمة تثير الخلاف وغالبها يقع على المنهوبات (الغنائم) ، أو على (حقوق النساء) ، أو على (البيوعات) و (الامانات) وهكذا مما لا حد له لتعيين قضاياهم وهذه لا تخرج عن مادة الفقه. وأصل مواضيعه ... وتسمى في مصطلح اليوم ب (العرف القبائلي) من دون سائر العوائد ... ولا نريد في عجالة كهذه ان نتوسع في حقوق القبائل البدوية (عرفها) ، وفصل خصوماتها، وطريق حلها ... وكفانا أن ندّون بعض القضايا الواقعية، ونشرح بعض الأمثلة، ونراعي صور الحسم من محادثات مع بعض العوارف، ومناقشات في خصوماتهم، ومباحثة معهم ومعارضة لأفكارهم بقصد أن نتبين حقيقتها، ونعلم ماهيتها ... واقتصرنا على ما يكفي للمعرفة والامام وإلاّ طال الأمر، وصعب كثيراً، وتشبعت أطرافه.. وعلى كل حال النظر يقتصر على ما يدعو للخصام ومراجعة العارفة ... هذا وأحكام عرفهم متقاربة، وليس فيها تفاوت كبير والتغلب والاثرة أبقيا أثراً محسوساً فيها من مخالفات وأوضاع تعاملية منها ما لا يأتلف والشريعة الغراء.. ٢ - العارفة والعوارف لا يقصد البدوي من الالتجاء الى العارفة سوى حلّ قضيته حلاً مرضياً يقطع النزاع، والا فالتحكم، والاجبار على صورة حل ترضي جانباً وتغضب الآخر وتضطره أن يقبل بقوة وقسر مما لا يميت الحقوق، وليس الغرض مجرد الحسم ... ويصدق على مثل هذا قول (حكمت ولا أبالي) ... ولعل التجارب العديدة بصرت بمراعاة (فصل الخصومات) من طريق (العوارف) ... والملحوظ أن الناس كانوا يلجأون الى الأقوى لحسم النزاع دون ان تلاحظ الصحة استناداً الى هذه القوة أو أن يميل القوم الى الطاعن في السن ويطلب حله ... ثم قطع البدو مراحل حتى وصلوا الى طريق القضاء بواسطة من أهّب نفسه، وأعدها لفصل الخصومات وكانت له بصيرة. وقديماً يقال له (الحكم) ... ويقول أمراء شمر نحن الذين نصبنا عوارفنا واخترناهم من جهة اننا نظراً لمشغولياتنا لا نقدر أن نرى الخصومات بأنفسنا، فأودعناها الى من اعتمدناه، وبمرور الأيام صارت موروثة فيهم، ولا يعتبر عارفة الا من كان ابوه عارفة ... وهذه الفكرة اقرب للصواب في تعليل موضوع العوارف، ولكنها قديمة جداً، وحكام العرب في الجاهلية لم ينالوا منصب القضاء، ولم يشتهروا الا لما فيهم من المواهب، وان كان هناك آخرون لم يلجأ اليهم أحد، والعارفة القدير يميل الناس اليه ولا يعدلون عنه كما انهم لا يجبرون على احد بعينه ... ٣ - محادثة مع عارفة قد جرت بيني وبين حسن ابن عامود من شمر المحادثة التالية: - هل تقرأ وتكتب؟ - لا! كيف تقضي بين الناس؟ كان آبائي وأجدادي عوارف ... وكنت أشاهد قضاياهم، وأسمع ما حكموا به، وتناقلوه ... وأنا أنظر في القضية، وعندي قلب واع ... فماذا تريد وراء هذا؟

стр. 114

وكأنه يقول عرفت تاريخ الخصومات والعرف ممن سبقني، وأدقق المسألة الموضوعة البحث، ولي بصيرة وادراك ... وهذه من وسائل معرفة المحق من المبطل، وهي من دواعي الحكم ... هذا مع العلم بأن هذا العارفة ليس هو من أكبر العوارف وأعظمهم. (لم يكن منهى) . ولا أظن الحقوقي يحتاج الى اكثر من معرفة تاريخ الحقوق، والنظر في الموضوع، واستعمال عقله فيه ... وبحق قال الزمخشري (العربان غربان) ... ولم يراع هؤلاء أصول مرافعات، ولا قانوناً يرجع اليه سوى المعهود من تعاملاتهم إلا أن القضايا السابقة التي كان قد حلها عارفة آخر قبلا تعتبر أساساً وليس للمتأخر أن يتعداها، أو يتجاوزها في حكمه.. وكأن هذه المعلومية تكسبها قوة ويمهل المتضرر أن يأتي بدليل على هذا الحكم السابق. وهي بمثابة رجوع الى فتاوى، أو الى مقررات محكمة التمييز ... والآن في حكومة ابن سعود يسمون العوارف ب (الطواغيت) . لأن حكمهم لم يبن على أحكام الشرع وإنما هو على تعامل قديم، ووقائع سابقة ولا يرجع فيها الى الأحكام الشرعية وهذه قد تكون موافقة، أو مخالفة، ولكن الشرع وموافقته غير مقصودين ... ٤ - المنهى (محكمة تمييز البدو) وهناك من لا يرضى بحكم العارفة ولا يقبل بطريقة حسمه، وحينئذ له أن يعارض حكمه ويطلب ان يرجع الى (المنهى) وهو آخر محكمة بل آخر حاكم يلجأ اليه في نظر البدوي فيأذن له. وهؤلاء المناهي قليلون، لا يختلفون عن العوارف إلا في القدرة المسلمة لهم لا بانتخاب رئيس ولكن بحكم الشيوع والشهرة ... وقد يعارض الحكم بما قضى به من سبقه، ويشترط أن يقدم شهادة من عارفة آخر كان قد حكم بما خالفه ... وعلى كل حال سواء العارفة، أو المنهن لا يجوز مخالفة أحكامهم، أو مراجعة غيرهم وإلا أدى أن يطالب العارفة بالحشم، ويعد تحقيراً له إذا راجع أحد غيره كما أن غيره إذا عرف لا يقضي ولكن يجري ذلك تحت تحوطات خاصة، فإذا أودعت قضية الى عارفة فليس لآخر التعرض لها، أو التدخل فيها فإن فعل أخذ منه الحشم. وعند قبيلة حرب إذا عرض قضية الى عارفة وكان قد عرضها لآخر قبله أخذ منه الحشم. ومن هذا يعرف ان حكم العرافة قطعي، وحسمه لا يقبل النظر مرة اخرى إلا بالتحوطات المارة أو ما ماثلها ولذا نجد العربي القديم يفتخر بقوله: أنا الذي لا يعاب لي قول، ولا يرد لي قضاء. أو كما قيل: ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي والمشهور ان القدماء من العرب وضعوا قاعدة (البينة على من ادعى واليمين على من انكر) ومثله قولهم في الخنثى (اتبعه مباله) وبعضهم حكم فقبل الإسلام قضاءه ... مما لا حد لاستقصاءه.. وللتحري عن حكم معارض كان قد سبق أن حكم به يمهل في ايام القيظ ثلاث ليال وفي الشتاء سبع ليال للتحري عن نص الحكم. ويقال له: " ردك الله للسوالف انها قبل ماضية ... " ٥ - امرأتان تتنازعان ابناً يحكى أن رجلاً تزوج امرأتين فولدتا في يوم واحد، وكانت القابلة أم أحدهما، أولدتها فاعطت بنتها ابن الأخرى وهذه اخذت بنتها دون ان تعلم ... مضت بضعة أيام، والأخرى تميل الى الابن ولا رغبة لها بالبنت، وأخيراً قالت ان الابن هو ولدي فحصل نزاع ادى أن تثور الفتنة بين القبيلة ... تحاكموا الى العارفة فكانت نتيجة تدقيقاته ان وزن حليب ام البنت، وحليب ام الولد كما أنه أخذ الحليب من حيوانات أخرى فوزن حليب الذكر وحليب الأنثى فوجد حليب الابن اثقل فحكم بان المدعية لها الحق في المطالبة بابنها ... ٦ - لو بطني فرّ فريت كانت الجموع من شمر متقابلة، والحرب مشتعلة بين الفريقين فكان أحد رجال شمر وهو مذود الزعيلي قد هوى على عدوه وهو من الفر من العامود بضربه سيف فسقط قتيلا، وذلك بمشاهدة هذه الجموع. أما القاتل فقد هرب الى عنزة وبقي مدة حتى مرض وأراد أن يموت بين أقاربه وقومه وأن لا تتوجه المطالبة عليهم مع أنه لم يكن القاتل في الحقيقة ... فعاد ودخل على رئيس شمر وطلب منه الحق فيما وجه اليه من قتل الرجل من ال (فر) ، فقام المجلس في وجهه وقالوا له قتلته بمرأى من الجموع والآن تطلب الحق فأجابهم:

стр. 115

- " لو ببطني فر فريت "! يريد أنه لم يقتل أحداً من فر ولو كان قتله لفر منهم وهرب فصارت مثلا!! فتحاكموا الى العارفة بأمر من الرئيس فكان العارفة قد سمع بينه مذود المذكور وهو المهتم بالقتل في انه كان قد هوى على الفري بالسيف الا أن قطعة الرمح من آخر هي التي أزالت أم رأسه وقتلته. ومن ثم توجهت الخصومة على من شهد عليه الشهود. ٧ - البدوي لا يورد عليه شاهد من أغرب ما اعتاده البدو انهم لا يبرهنون على دعاويهم الجزائية ببينة أو شاهد ... وإنما يطلبون اليمين رأسا وهذا عام فيهم وذلك فيما عدا توجيه المطالبة فانها تسمع فيها الشهود ... وقد رأيت بعضهم لم يحلف لأنه كان قاتلا واعترف وآخر طلب أن لا تسمع بينة عليه فلم يلتفت الحاكم وانتهره قائلا هل انتم أولياء ولا يقبل شاهد عليكم؟ فكان جوابه اننا كلنا خصوم، جمعان تقاتلنا فلا يصح أن يشهد بعض أعداءنا علينا. فلم يجد منه إذنا صاغية! فطلب ان يحيل القضية الى العارفة ومن ثم يرى رأيه فيما يطلب ... ! فوافق، وكان العرافة لم يطلب سوى اليمين. ومن الأدلة على ان البدوي لا يورد عليه شاهد قصة (لو ببطني فر فريت) المارة. ورأيت مبرد بن سوكي رئيس الربيعيين من شمر قد عين السبب في ان الدعاوي بأوضاعها تجعل كل واحد يتحرى عن الشهود، وتسوق الى الكذب، وأساساً لا يلزم القاتل وحده فلا يحلف كذباً قطعاً فلا محل للركون الى الشهادة ... ! ٨ - الفصل طريقة حسم النزاع كما في الأمثلة المارة يقال لها الفصل. وهذه الطريقة يجبر عليها البدوي من جانب الرئيس، أو يلجأ إليها أحياناً دون الاستعانة بقوته خشية الفتنة، والخوف من وقوع حوادث قد تجر الى ما لا تحمد عقباه بين القبائل أو بين القبيلة الواحدة ... على ما قيل: وجرم جره سفهاء قوم ... فحل بغير جارمه العقاب وهذا لا يسير على قاعدة معينة؛ وإنما يختلف بالنظر لعرف كل قبيلة والقبائل المجاورة لها ... والعارفة لا يمضي على قانون أو قاعدة مطردة، وإنما يجب أن يكون ملما بما هنالك من سنن ومن خلاف بين عرف كل ... إننا نرى وحده في ماهية الوقائع. وتقارباً في صور الحل، ولا يكون مشتركا من كل وجه، وإنما فيه خلاف، والملحوظ أن هذا الخلاف أما أن تكون ولدته القوة، والضعف وتحكم المجاورين، أو تباعد العرف بسبب أن كل قبيلة عاشت في موطن غير موطن الأخرى ... وهناك جهات مشتركة هي التي نتناول موضوعها ولكننا سوف لا نهمل خصوصيات بعض القبائل، وما يجري بينها من قواعد الحل ... إلا أننا هنا نشير الى معتاد القبائل بصورة عامة كما ذكرنا ذلك سابقاً ... وغالب ما يعد جريرة في قبيلة فهو جريرة في أخرى وإن تفاوتت العقوبة أو اختلف مقتدار الضمان ... ٩ - الحوادث التي تستدعي الفصل الجرائر أو الجرائم معتبرة نوعاً عند الكل، ولا يفرق بين قبيلة وأخرى إلا في بعض الأحوال وهذه أشهر الحوادث التي تستدعي الفصل: القتل. السرقة والنطل. الجروح والشجاج. الحشم. العقود. النهوة. الوسكة الى آخر ما هنالك. وهذه في غير الغزو، وفي الغزو يستحكم العداء وذلك أن الأرض وإن كانت مباحة إلا أن كل قبيلة لها مواطن رعي وكلأ، وحما ... وكل هذه لا يجتازها كل واحد ولا يمر منه بل دون ذلك خرط القتاد ... إلا أن يتدخل المصلحون، ويجري على يد الرؤساء والعوارف في صور الحل بعد الاتفاق على الاساس ... وفي المثل (هفا من وفى) . وأما قسمة الغنائم فقد اشير اليها فيما سبق وهذه تستدعي الرجوع الى العارفة ويحدث من جرائها اختلافات كبيرة. لأن الغانمين بعد أن يستولوا على المال تتعلق به حقوق هي في الحقيقة أشبه بالمحرزات من صيد وغيره وتتنازعها أيدي الغانمين في بعض الأحوال. وأما في الشريعة الغراء فالغزو المعروف غير مقبول بوجه بل هو نهب صريح وغارة ... على اموال الغير ... والحكم به مما ينافي الشرع الذي يحث على حفظ الحقوق وإيصالها الى اهلها ومراعاة العدل في حسم القضايا المتعلقة بها وامحاء الاجحاف والغصب وتعويض ما يصيبه التلف من الأموال ... ذلك ما دعا ان يندد الشارع بالعرف من هذا القبيل في آية " أفحكم الجاهلية يبغون ". والفصل يكون في المطالب الآتية: الدية، أو الودي. التعويضات والحقوق.

стр. 116

وقد يقال الفصل للحكم بالدية عن القتل تغليباً من جهة انه من أوضحها ... والقوي لا يعتدي أحد عليه، وإذا حصل اعتداء فمن الممكن أخذ الحيف، واستيفاء الحق ... ١٠ - القتل - الدية القاتل لا يقبل منه غير القتل وقاعدة (القتل انفى للقتل) جاهلية، والقاتل مهدد دائماً وكثيراً ما رأينا في شمر من لم يقبل الفصل وأبى أن يدخل في الصلح وإنما قال: أقتل ثم ادخل الفصل وامتنع بصورة باتة من قبول الدية وأن يأخذ بدلا عن قتيله ... ولكن القربى، والجوار وتوسط المصلحين قد يؤدي الى مراجعة العارفة وحل القضية صلحا. والدية معروفة قديماً، وأول من سن الدية مائة من الابل أبو سيارة العدواني، ويقال ان عبد المطلب اول من سنها فأخذ بها قريش والعرب وأقرها الإسلام ... وهو أو ل من قطع في السرقة في الجاهلية ... (١) والحالات الاجتماعية، والأوضاع الخاصة تستدعي لزوم الحل صلحا، وحسم النزاع خشية أن يتطاير شرره ... وحق التأثر للقبيلة كلها ويعد المقتول ابنها ولا تقتصر المطالبة على الأب أو على أقرب المقتول الأدنين ... وبعد تسليم الدية وقبول الصلح تدفن الضغائن، ويزول الحقد والحنق واذا اثيرت الغضاضة فهذا معيب جداً ... ولكن وقع أن أصرت الحكومة والرؤساء على بعض عشائر شمر في قبول الصلح ومراعاة الفصل فلم يوافقوا مدعين ان الحق في جانب واحد وهو الذي يحق له المطالبة واذا كان لا يرغب في الصلح فلا يجبر عليه، ولا يتدخل في فصل ... ! وهذا غير قبول الصلح ثم انتهاك حرمته ... ١١ - مقدار الدية وتوزيعها وهذا مختلف جداً بين القبائل، ويتفاوت مقداره بين افراد القبيلة والقبائل المجاورة ... وإذا كانت القتلى من كل جهة كثيرين تراعى قاعدة (هفا من وفى) أي يتساقط القتلى ويودى ما يبقى ... وهو المعروف عندنا بقولهم (دمدوم، وجرف مهدوم) ويريدون به دفن المطالبات ... ومقدار الدية يختلف بين ان يكون المتقاتلان من قبيلة واحدة، او من فخذ واحد، او من قبائل اجنبية ... وفي حالة كون القاتل من الأقارب لحد خمسة أظهر فانه يسقط من ديته مقدار ما يصيبه لو كان القاتل أجنبياً، والباقي يوديه ... والدية بين هؤلاء الذين هم من قبيلة واحدة ٥٠ بعيراً، وفرس واحدة، والاسلم بينهم خاصة ٢٥ بعيراً، وكذا عبدة واما الصبحي والاخرصة فيما بينهم ٥٠ بعيراً وهو الغالب في سائر البدو، والجار مثل القريب، وبينهم وبين الأجانب وهم الريفيون ٧ من الابل. وهنا يختلف التوزيع بين القبائل الريفية والبدوية وذلك ان الثلثين وفرس الكبل تعطى لأهل المقتول (ورثته) والباقي يوزع بين الأقارب الى الظهر الخامس، ولا يأخذ الظهر الخامس اكثر من بعير واحد ثم يتضاعف للتالين في الدرجة. وهكذا يقال في الأخذ منهم وان فرس الكبل تؤخذ من القاتل خاصة ... وهذا عند زوبع وعبده وسائر شمر ... وعلى كل حال المسؤولية القبائلية محدودة بدرجة القربى فلا تتجاوز الخمسة الا ان يكون المقتول لم يعرف قاتله فتسأل القبيلة حينئذ. وفي هذه الحالة يكون الوضع كالقسامة في الشريعة الغراء ... والدية في القبائل الأخرى لا تتفاوت كثيراً ... ففي صليب بينهم الدية ٧٥ ديناراً، وللمرأة نصف دية، ومثلها تعطيل عضو. وتسلم نصفها نقوداً والباقي سوام ... وبين الأقارب ١٥٠ دينار والمرأة نصفها وكذا تعطيل العضو. وعند القبائل في الغالب تعطى للوارثين، وعند بعضهم لا تعطى للزوجة ولا للبنات وعند حرب تعطى لأهل المقتول، وعندهم ان الابناء يشتركون فيها الا ان الابن الاكبر يعطى حصة يقال لها (الكبرة) وهي نصيب زائد يستحقه ... والملحوظ ان البدو ليس لهم حق عام الا ان هناك ما هو شبيه به وهو التكاتف والتضامن، والالصق هم المطالبون (بكسر اللام) والمطالبون (بفتح اللام) وفي هذه الحالة لو لم يطالب القريب، أو كان غير قادر على المطالبة فان أهل القبيلة يطالبون فالمقتول عندهم ابن القبيلة ... ومما يجب ملاحظته ان التفاوت في الدية غير صحيح، وكان حكم الرسول " ص " (القتلى بواء) ، وفي القرآن الكريم (النفس بالنفس) والدية عوض فيجب ان يكون متساوياً في الكل ليتجلى العدل ... ١٢ - السرقة والنطل

стр. 117

في هذه تظهر أحكام الوسكة، ويلاحظ فيها اعادة المسروق والتعويض المرتب على هذه السرقة اذا كان المسروق منه من الأقارب، أو من النزيل ... ويضاف المسروق في مراعاة أربعة أضعافه اذا كان من الحيوانات على عدد قوائمه، أو يراعى فيها ذلك بالقياس عليها.. ومن حكم العوارف في هذا الباب ما فيه غرابة ودقة وذلك أن رجلا أكل زاد مضيفه؛ ثم سرق منه فكان الواجب عليه أن يحكم بما شاء حتى يعفو عنه وإلا ترفع عليه الجناة (عصى معروفة) في العربان ويشهر حاله، وحينئذ يهدر ماله لكل أحد ... ولكنه قضى بخلاف ذلك من جراء أن الموجهة عليه التهمة بيّن أنه نهب الفرس من سارقها الذي كانت بيده ولم يعلم أنها تعود لمضيفه، وعلى هذا لم يحكم عليه ... هذا ما حكاه لي المرحوم السيد محيي الدين الكيلاني. والظاهر من مجرى الوقعة أنه لم يتبين دليل على السرقة، وغاية ما هنالك حيازة لا غير والمعاقبة عليها غير معروفة في وقعة مسموعة وذلك أن النهب والغارة مباحة لهم، ولم تتحقق السرقة في هذه الحادثة ... ١٣ - الوسكة (الوسقة) ويراد بها الطريقة للوصول الى المال المغصوب او المسروق، ولكن لا من الطريق القانوني، وليس البدوي كالحضري يراجع المحاكم، ويستعين بقوة الحكومة، خصوصاً إذا كان الناهب أو السارق من قبيلة أخرى في منعة وقوة لا يستطيع أن يصل إليها دون مخاطرة كبرى وهكذا ... فيتوصل صاحب الحق أن يغرم أقارب الناهب، أو ما يسمى ب (لزمته) ... وهذا لا يقبله الشرع بوجه، واعلن بأن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ، وإنما يراعى الأولى والأقرب لاستيفاء الحق، وإن العقل والشرع لا يقبلان أن يلزم غير المعتدي، وأن يؤاخذ غير الجارم. ولكن القبيلة أو الفخذ، أو الأقارب لم يكونوا بمعزل عن قربهم، وإنما هم بمنزلة اسرة واحدة بينهم تكاتف، وإذا لم يشتركوا في هذه الجريرة فهم متضامنون في السراء والضراء، يلبون عند الدعوة، ويجيبون النداء. يغضبون لغضب قريبهم دون أن يعلموا السبب.. وفي الأمور المالية يلاحظ هذا بدرجة محدودة عند البدو وإن قالوا (حلاهم دناهم) أي أحلى ما يتوصل به الى الحق هو الأقرب تناولا أو كما يقال (أقرب شاة للذبح) ويقال (الوسكة قربة للحق) ... وذلك أن الوسقة يطالب بها لحد خمسة أظهر ويعللون ذلك بأن السيف إنما يقبض عليه بالأصابع الخمسة فإذا سقطت سقط السيف، ولا يبقى محل آنئذ للمؤاخذة ولذا يقولون (احلال بخمسة) .... فلا يؤاخذ من هو أعلى من الخمسة أظهر.. وكأنه يقل التكاتف والتضامن الى هذا الحد ... وفي هذه الحالة اذا ظفر صاحب الحق بشيء ولم يتمكن من استخلاصه لضعف فيه، أو لبعد أهله وعدم قدرته على الطلب ... أو ما ماثل، فإنه يأخذ ما يصلح لاستيفاء الحق ممن تمكن سواء من السارق أو من غيره من أقاربه ويودعه حالاً عند أحد أفراد قبيلته ممن هو فوق الخامس، ويدعوه الى ايصاله اليه، وانه كفيل، وحينئذ يكون ملزما بإيصاله بأي واسطة وحسب قدرته، وأن لا يثلم وجهه بذلك ... ! وفيها كما يقول مثلهم قربى للحق، ودعوة للصلح، وتحريض من الأقارب على الفصل ... وهذه الحالة شاملة للمسؤليات الأخرى في القتل وفي غيره من سائر الضمانات القبائلية مما مرّ بيانه ... ١٤ - النهوة وهذه لا يرضاها الشرع بوجه وإنما يشترط الكفاءة، وإذن الولي عند بعض المذاهب والتحجير على حرية الشخص وتقييدها أمر غير مرضي، والتحوط ضروري، ومن كانت له علاقة تربية، وقربى قريبة يؤخذ رأيه، وتراعى رغبته ... وغير هذه تعدّ من الأمور الممقوتة شرعاً ... وامحاء الاجحاف بالحقوق، وصيانتها من الأمور الملتزمة ولكن هذه الاعتيادات قد يكون منشأوها ضعف الحالة، وقلة النساء، وما شابه ... ومع هذا نرى البدوية لا تزوج قسرا، كما أنها لا تتزوج بدون رضا أوليائها ... والحالة مبناها الرعاية لحقوقها، والعناية في الانتقاء والاختيار ... وملاحظة حقوق الأقارب في الترجيح ولكن تمكن هذا الحق وصار يسمى ب (التحجير) وإنذار الأقارب من طالب الزواج (نهوة) . ومن تزوج بعد أن نهي أو أنذر عرض نفسه للخطر، وفي هذه الحالة يرجع الى العارفة فيقضي بما هو الأصلح إماتة للفتنة، وقلعاً للفساد المتوقع ... ! ١٥ - الحشم - القعر

стр. 118

إن المرء قد يتعدى عليه بالكلام، أو تصيبه إهانة من قذف أو ما ماثل مما يدعو أن يكون ذليلا عند قومه، أو أن يحقر دخيله، أو نزيله، أو ينال جسرة أو يرمى بسرقة أو أن يسرقه جاره أو أن يكون قد نهى عن امرأة يريد التزوج بها من أقاربه فلم يلتفت الى نهيه ... وعلى هذا يطلب من خصمه حق هذا التعدي، وأن يصير معه الى العارفة ليتحاكم معه وهذا الحق هو الحشم المعروف، واذاترتب على المعتدي وجب فصله والا عرض نفسه لخطر (العقر) . وهذا هو المعروف عندنا بدعوى (الشرف) ... فإذا لم يرضه المعتدي فله حق التعويض بنفسه، وأن يركن الى قوته ... وهنالك العقر أو (التعجير) . أو التطبير وفي الغالب لا يجري إلا بقتل دواب لمعتدي، واتلاف أمواله وهكذا ... في تاج العروس " أصل العقر ضرب قوائم البعير، أو الشاة بالسيف وهو قائم والعقر بالضم دية الفرج المخصوب. أو ثواب تثابه المرأة من نكاحها، أو هو صداق المرأة. وقال الجرهري هو مهر المرأة إن وطئت على شبهة ... " ونرى اليوم معناه واضحاً في انه اذا اعتدى أحد على عفاف امرأة أو أهين بما يستدعي الحشم أو قتل منه أحد أقاربه وكان في حالة (فورة الدم) فمن حقه أن يعقر ... وأهم خصيصة فيه أن تقتل الحيوانات قتلا، أو تقطع قوائمها، كما تقطع قوائم البيت، وهو تعويض عن انتهاك حرمة عفاف أو ما يتعلق به وفي الأخريات تبعاً لا أصلاً ... والحشم لا ينتهي إلا بثلاث هويات أي ثلاث هجومات على أموال عدوه هذا على حين غرة أو يخرب بيته ... (وفي شمر طوقة له سبع هويات، ثم يفصل بامرأة ... ) فإذا تمت فليس له بعدها أن يتطاول على مال غيره وذلك إذا لم ينته الفصل بصورة الحل من طريق العارفة بصورة حاسمة، وفي فورة الدم فيها العقر، ويسوغ حتى القتل، فإن العقر يراعى في ذلك. والحشم ورد ذكره في أمالي القالي (١) . وجاء في القرآن الكريم (فلما آسفونا انتقمنا منهم) . ويراد به كل ما يغضب المرء ولكنه اختص في الأمور المذكورة أعلاه وهو انتقام عن اهانة ... وتبريد غلة من تجاوز واقع ... والتعويض عنها؛ وذلك يعدّ بمقام استعادة مكانته وحشمته، أو إزالة ما دعا أن يغضب له بترضيته ... وحل مطالب مثل هذه يلاحظ فيه قطع النزاع وأن لا يتطاير الشرر، ويزيد المكروه: قد يبعث الأمر العظيم صغيره ... حتى تظل له الدماء تصبب وفي الآية الكريمة (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) . والعارفة يأخذ أحياناً ستة من الابل قضوة له ... ١٦ - الجروح والشجاج وهذه عليها عتبة أي أنه إذا ظفر به يأخذ منه حقه، وأما إذا كانت الشجة مشوهة، أو معطلة لعضو فيؤخذ نصف الدية فما دون، وقد يؤخذ، لكل خطوة نعجة حتى يعود الشج لا يشخص ... وفي بعض السقط الحاصل يكون التعويض تقديرياً أو تابعاً لدرجة تدخل المصلحين والارضاء ... ١٧ - الدخالة والقاتل قد لا ينجو في هربه، وإنما يعقب من أقارب المقتول، ويتبع فلا يعطى له مجال للهزيمة في غالب الأحيان. وإذا علم بأن سوف يدرك ولا يتمكن من النجاة مال الى الرئيس أو من هو في قدرة على حمايته فيطلب منه المناصرة لدفع الطالبين فقط، وأن يمنعهم عنه فإذا قال أنا دخيلك نجا الى مدة ثلاثة أيام بلياليهن حتى يبلغ مأمنه وهذه يقال لها (استجارة) ووردت في القرآن الكريم وليس لأحد أن يتعرض بالمستجير الى ان يتمكن من وصول محل منعته ... وهكذا يتحول من قبيلة الى أخرى فاذا وصل الدغيرات من عبدة أمن وهذه تحميه وتقتل من يمسه بسوء ما دام نازلا عندها ... وللقبائل موطن حماية يقال له المجلى على ما سيجيء ... وعند حرب خاصة إن القاتل يستطيع أن يدخل على الرئيس ويأخذ منه وجها الى أن يصل الى المجلى أو المحل الذي يرغب أن يستوطنه؛ وإن إهانة الدخيل أو التجاوز عليه يخول حق الحشم والمطالبة به ولكن مدته عند حرب خاصة شهران وعشرة أيام، وفي هذه الحالة تسوغ حرب قتل من ينتهك حرمة الحشم ... ١٨ - المجلى والجلاء

стр. 119

فإذا وصل القاتل مأمنه عدّ ذلك المجلى، والدغيرات من شمر المجلى الوحيد، ثم صارت عبده كلها مجلى، ولا يكفي أن يركن وحده، وإنما أقربه الى ثلاثة أظهر مطالبون بالدم ويضطرون أن يلجأوا الى الدغيرات، وأما الظهر الرابع والخامس فإنهما بوسعهما أن يخلصا أنفسهما بما يقدمونه فالخامس يعطي ناقة والرابع أربعاً، والأكثر على اعتبار ان الخامس يقدم ويسلم من المطالبة. وولي المقتول وأقاربه الأدنون لا يتركون المطالبة، فإذا ظفروا بالقاتل قتلوه وحينئذ يحق للدغيرات أو لعبدة مطاردته وقتله من يوم قتل أو ليلته الى وقت الظهر، وفي هذه الحالة لو تمكنت منه وقبضت عليه قتلته وصار دمه هدراً. ولكنها ليس لها حق تعقيب أثره لأكثر من هذه المدة، ولا يحق لها المطالبة بالحشم عن انتهاك حرمة مجلاها، كما أن أقارب المجني عليه وأوليائه لو عقروا الابل، أو الخيل، أو الدواب الأخرى دون أن تتمكن القبيلة المجلى فيها من قتله أو الظفر به سقط حقها، ولا يتوجه الفصل عليه، ويهدر الدم من المطالبة به ... وقبل أن يتمكن المرء من الدخالة، أو الوصول الى المجلى يحق لأهل القاتل وأقاربه قتله، أو عقر دوابه وإهانة أقاربه بما لا يتسر ... وهذه تسمى (فورة الدم) ولا يختلف فيها البدوي عن غيره ... ويلاحظ هنا ان المرء قد يقتل جاره، أو قريبه ويتدخل القوم في الصلح لقطع دابر الفتنة وحرب البسوس مشهورة ويتشائم القوم منها ومن حدوث وقائع أمثالها ... فلا يكفي الصلح لإزالة الأحقاد وتحريك الضغائن لأدنى سبب، وتجارب عديدة برهنت على ان الغضاضة لا تنطفي ولا يزول أثرها الى مدة ... ومن ثم يختارون (الجلاء) على القاتل جزاء ما ارتكبه ليبعد عن النظر حتى تنسى الواقعة. وهذا تختلف مدته بالنظر لفظاعة الجريمة، او لوجود القريبة لمن ارتكبت ضده، ووجود من هم عصبة يخشى أن يبطشوا به وهكذا ... وكل هذا يلجأ اليه تسكيناً لثائرة الغضب وتأميناً لنسيان الجريمة وتقليل شأنها بتقادم عهدها ... ١٩ - التحالف - الوجه قد يحتاج بعض القبائل ان يركن الى أخرى ويعتز بها، وتكون هي أيضاً قوة وذلك لما يرون من غارات خارجية، أو تهديد، أو مجرد حذر ... ومن ثم يتحالفون على أمر. وهذا معتبر دائماً إلا أن ينقضه أحد الطرفين ... وقد يكون الحلف للهجوم على عدو ومفاجأته بقوة على حين غرة ... أو تطلب بعض القبائل الوجه للاجتياز، أو للمرعى، أو ما مثل ... وهذا يجري من القبائل الضعيفة تجاه القوية.. فتنال حقاً بهذه الموافقة ... وهناك أمر آخر وهو أن يكون البيت المنفرد قد جنى جناية، أو ناله ما يكره من أقاربه فرحل عنهم مغاضباً، ومال الى قبيلة قريبة اليه او بعيدة فيكون نزيلها ... وهذا له حقوق كثيرة، وليس عليه التكاليف التي تلتزمها القبيلة، بل هو محترم، مرعي الجانب، عزيز المكانة ... والحشم يترتب عند اهانته من آخر ... وقد تتقاتل القبيلة فيما بينها من جراء ما يصيبه من ضيم او تعد ... وهذه خصائص معروفة للعرب من قديم الزمان، ولا تزال الى اليوم، والإسلام زادها قوة وتمكينا بحثه على مراعاة العهود ... إلا أنه وجهها للصلاح ... ٢٠ - البينة يقال في المثل (البينات يطردن الذمايم) ، ويقولون (الشاهد ماله حتن) أي مدة، وتقبل الشهادة الخطية، ويقبل الشاهد واليمين وهذا في الغالب لا يكون إلا في المسائل المدنية أو الشخصية ... وأما القتل وما ماثل فهذا له أحكام خاصة وذلك في حالة النسف وهو دفع الخصومة وتوجيهها الى آخر وفي هذه الحالة لا يسمح الا شاهدان. وتقبل الشهادة من اثنين على شهادة الميت؛ والمرأة لا تقبل مفردة. ٢١ - النسف وهذا أغرب من سابقه. نرى البدوي لا يوجه عليه إلا اليمين، وإن المطالبة تتوجه عليه حتى يفصل النزاع بواسطة العارفة ... فإذا طلب القاتل الرجوع الى العارفة وقال لا اريد إلا الحق ووافق الطرف المخاصم حينئذ وقبل توجيه اليمين قد ينسف المطالب بالدية. وذلك أنه يقول ان الضارب فلان وشهودي فلان وفلان ... ! فإذا قدم الشهود صرفت المقابلة عنه وتوجهت الى من شهد الشهود عليه. وهذا لا يثبت عليه الحكم بمجرد هذه الشهادة فهي لا تفيد أكثر من توجيه المطالبة الى آخر ... ! والبدوي في الغالب يأنف من هذا التوجيه ويدفعه بما أمكنه، وقد يقدم على الحلف ولا يوجه المطالبة على غيره..

стр. 120

هذا. وعند عدم القدرة على تقديم الشهود يصار الى (البلعة) وهي المسماة (لقمة الزقوم) والآن في الغالب لا يصار اليها ... ومثلها (البشعة) . ٢٢ - اليمين وهذا يسمى الدين وعندهم الشاهد واليمين وهو من الأحكام الشرعية ... والعاجز ليس له سوى تحليف صاحبه في الأمور المدنية، وأما في القتل فلا يعتبر الشاهد إلا في النسف ... ومن توجهت عليه اليمين عين العارفة شكلها بالنظر للموضوع ومن الأيمان المعروفة غالباً: ١) . " الدين ورب العالمين، لا شكيت (١) جلد، ولا يتمت ولد، لا بخمسي ولا بخامس خمسي " اه. وفي هذه الحالة يحلف عنه وعن اقاربه بالواسطة. ٢) -. " العود، ورب المعبود، وسليمان بن داود. لا شكيت جلد الخ " ٣) . " ومن خضر العود ويبس العود، والرب المعبود لا شكيت جلد الخ " ٤) . أو يقول عوض لا بخمسي.. " لا بيدي، ولا بحديدي " وعند التحليف تختط له خطة بسيف أو بعصى فيدخلها والسيف بيده ويحلف ... وفي الغالب لا يحلف إذا كان قاتلا. وهذه الأيمان في دعاوي القتل. فإذا حلف لا تتوجه عليه مطالبة ويبرأ من الدية.... ٢٣ - القضوة: في المثل (عارفة الغزو أميرها) ، إلا إذا رخص الأمير. وإذا صار المتخاصمان الى العارفة أخذ منهم أجرة على القضاء يقال لها (قضوة) و (رزقه) وفي الغالب تكون: عن الفرس ٨ دنانير تقريباً. عن البعير ٤٠٠ فلس. عن الدية (الودي) ١٠ دنانير عن الحشم ستة من الابل. والمقياس أن يأخذ العشر في الأكثر. وباقي القضايا تافهة. والربح له في قضايا قسمة الغنائم عند الاختلاف عليها كما تقدم ... والغالب في العوارف أن لا يقبلوا القضوة، ولا يأخذوا أجرة على الفصل الذي يجري على يدهم فإنها تعدّ في نظرهم مكروهة ويتعففون من أخذها، أو يترفعون ... والسبب في أخذ هذا المقدار من الابل عن الحشم لأنه في هذه لا يراعى المقدار وكثرته، وإنما يعتبر فيه اماتة الشر وقطع الفتنة ... ٢٤ - خلاصة جل غرضنا تثبيت الجهات المشتركة بين القبائل في مخاصماتها، ودعاويها، ومن مجراها ظهر انها تتشابه في جميع احكام عرفا، ولا تختلف إلا من حيث الكم ومقدار التعويض ... فإذا وحدنا الكل في مقدار معين صار قانوناً عاماً وصلح أن يكون نظاماً ثابتاً للكل ... والتفاوت طفيف، يظهر من مقابلة عرف كل قبيلة بآخر ... وهذا لا يعني الغاءه، وإنما يراد به توحيده، ولا تتضرر منه قبيلة بل فيه قطع للتفاوت، وتأييد العرف المشترك اذا كان الرأي مصروفاً على الدوام عليه ... وفي هذا خطوة للتقدم الى القانون العام ومراعاة أحكامه ... وأهم اصلاح يجب أن يراعى فيه هو أن لا يسأل غير الجارم، ولا يعاقب إلا الفاعل فتلغى الوسكة والأخذ بالثار القبائلي الذي يسأل أفراد القبيلة ... فإذا كان قد ألغي الغزو بالقوة فيجب أن يكون المال محترماً، والنفس كذلك محترمة وفي ضمان الأمة وقوة الحكومة، وأن لا يسأل غير القاتل، وغير الناهب أو الغاصب وهكذا يجب أن يكون التضامن بين القبيلة مصروفاً الى المناصرة، ومساعدة الضعيف ... وقد اعتاد القوم احكام الشرع في المواطن الأخرى من جزيرة العرب فيجب أن يراعى القانون في الكل فلا يفرق بين مدني وبدوي أو ريفي ... وفي هذا خطوة كبيرة لتقدمهم، وقبولهم الحضارة ... وسلطة الحكومة تسوق الناس قسراً الى الحق والعدل ... والمهم من الاصلاح بصورة عاجلة في امر الخصومات أن توحد الدية، وتمنع النهوة، والوسكة، والحشم مما يؤثر على الغير منها، أو يؤدي الى اتلاف الأموال في التطبير (التعقير) وأن يكتفي في قضايا الحشم بمراعاة طريق التحكيم ومراجعة العوارف على يد المحكمة وأن لا يتجاوز الجاني، وأن تحدد القضايا في وقائع خاصة ...

стр. 121

هذا ولا يرى أثر للعقوبات الجزائية في العشائر كما هو معروف قديماً في الجاهلية مثل (الصفد) ، و (الغل) ، و (التجريد) ، و (المد) ، و (السمل) وغير ذلك مما أبطله الإسلام ... فمن الأولى أن يزال أثر ما خالف الشرع، وأن تحدد قضايا الفصل والتحكيم في الأمور العامة بين قبيلة وأخرى مما تستدعى الخوف من خطر، وأن تودع القضايا للمحاكم وعلى كل نرى الأحكام ذات مساس كبير بالشريعة الإسلامية الغراء، والمخالفات قليلة ويراعى في قسم منها العوائد ... وكلها تستدعي النظر وسنتعرض لما يرد الكلام عليه في القبائل الريفية وعلاقاتها بالأحكام الجاهلية وبالشرع الشريف ... والمهم أن نقول هنا لم تؤثر الأمم المجاورة على تقاليد العرب تأثيراً كبيراً ولا أثرت الإسلامية إلا بعض التأثير ولكنه أكثر من تأثير المجاورين خصوصاً في العبادات وبعض المعاملات وفي الأحوال الشخصيةفإن تأثيرها مشهود ... ولكن هؤلاء لم يتمكن المسلمون من اجتثاث بعض عوائدهم المدخولة تماماً ... وسبب ذلك أن الإسلام أجرى تأثيره على البدو فعادوا متحضرين، وأن هؤلاء لم يتأثروا به بعد بحيث يتركون ما عندهم وينالون وضعاً مدنياً ... فهؤلاء من بقايا البدو القدماء الذين لم ينالوا حظاً كبيراً من التربية الإسلامية ليعودوا متمدنين وإنما حافظوا على وضعهم الاجتماعي نوعاً، ولم تدخل الشريعة في قلوبهم أو لم تنفذ فيهم تنفيذاً صحيحاً ... وليس من السهل تبديل ما عندهم، وإنما يحتاج الى رسوخ في العقيدة، والى تدرج الى الحضارة كالانتقال من البداوة الى الريفية، ومنها الى المدن ... وعلى كل حال نرى الحالة البدوية الموجودة من ارقى الحالات البدوية وليست وحشية كما يتوهم وانما هي نتيجة تطورات وتكملات عديدة الى ان وصلت اليها الإسلامية بحيث قبلت الزواج، وراعت العقود، والتزمت العهود وقامت بفضائل أخلاقية كانت من طبعها؛ أو لاءمت غريزتها وحالاتها مدنية تقريباً بالنظر لوضعها الاجتماعي على قلة في المقياس ومراعاة مطالب لا ترضاها الشريعة ولا الحضارة ... هذا ونلاحظ في قضايا الفصل ان البدو اليوم ليس لديهم قود في القتل، وانما هناك ثأر، وفتك من جانب المتضرر، أو أقاربه عند الظفر بالقاتل والتمكن منه ... في حين اننا نعلم ان قد كان هناك قود. ومما قيل: خليلي هل ليلى مؤدية دمي اذا قتلتني أو أمير يقيدها وكيف تقاد النفس بالنفس لم تقل قتلت ولم يشهد عليها شهودها والمعروف ان الرؤساء يأمرون بمراجعة العارفة، ولا يتدخلون الا في الأمور العامة التي تهدد كيان القبيلة، وتجعلها في خطر ... وعلى كل حال لما كانت السلطة للحكومة، ولم يكن للرؤساء الا الإدارة في امور محدودة، فمن واجب الحكومة ان تحدد مطالب (قانون العشائر) ، وأن تجعل غالب القضايا المدنية، والقضايا الشخصية مما لا مساس له بالسياسة العشائرية في حسمها تابعة الى المحاكم، ومثلها القضايا الفردية بين افراد قبيلة مما لا يهدد السلامة العامة ... والا توالى الخطر، واشغلنا الدوائر الكثيرة، ووسعنا التشكيلات التي نحن في غنى عنها ... - ٩ - نظام دعاوي العشائر من حين ظهر الإسلام أزال العرف القبائلي في القضايا العامة، وعاد لا يعرف غير الشرع، وصرح ان لا حكم إلا لله. وإن الحكم وفق العرف الجاهلي مخالف بصراحة آية (أفحكم الجاهلية يبغون) ، وبقي الشرع الإسلامي معتبراً، مرعياً، ولكن في بعض الأوقات ضعفت سلطة الحكومة أو زالت فمال كل واحد الى ناحية التحكم أو الرضوخ، وأحيوا بعض العوائد الضارة، وتولد التكاتف على الحق والباطل معاً، وصار المجال واسعاً للتحزبات والعصبية القبائلية أمثال هذه فصارت القبائل في أوضاعها تضارع من نواح عديدة الجاهلية في نهجها، تذعن للشرع تارة؛ والى قدرتها أخرى، وتميل في الأكثر الى ما يكفل كيانها، ويؤدي الى وحدتها ... وفي العهد العثماني نرى الجرائم الشخصية تابعة للقانون العام اى أن القضايا الكبرى بين القبائل كانت تتدخل الحكومة في أمرها إما بالاعتماد الى قدرتها، أو من طريق الصلح واحالة القضايا الى محكمين، وتنظر الى ما هو الأولى في سياستها والأحق بالقبول وذلك بصورة ادارية دون ارتباط بقانون ...

стр. 122

وبعد احتلال البصرة، من سنة ١٩١٥م أخذ يطبق على العشائر (بيان العشائر) ، وألزم الحكام الانجليز بمراعاته، وبعد الاستيلاء على بغداد وزاد شموله وظهر بوضع أوسع وشكل واضح من سابقه، وذلك أنه صدر نظام دعاوي العشائر بتاريخ ٢٧ - ٧ - ١٩١٨م ثم نشر قانون في تعديل هذا النظام في ٢٨ - ٨ - ١٩٢٤، ولم يحصل فيه إلا تعديل طفيف في ١ - ٦ - ١٩٣٣ واستمر العمل بموجبه الى اليوم، فكان غير مرضي في وضعه، ومنفوراً في كثير من أحكامه ... وأكثر ما يؤخذ عليه النظر في احكام المواد الشخصية (الأحكام الشرعية المتعلقة بالأحوال الشخصية) ، والحال ان هذه لم يدخلها العرف، وليس فيها ما يخالف الشرع، وقد اعتادت القبائل البدوية جمعاء ان تسير في المواد الشخصية وفق احكام الشرع، ولم تخالف ذلك في زمن من الأزمان، واعطاء السلطة في هذه الى مجالس التحكيم يقصد منه تبعيد البدو عما اعتادوه من مراعاة النظام الشرعي، وايجاد عرف جديد يبعدهم عما ألفوه من الأحكام الشرعية مع ان القصد تقريبهم تدريجياً الى النظام والقانون والتدخل في أمرها ينافي المعتاد من زمن بعيد جداً هذا فيما سوى النهوة وما ماثلها كالتعدي على العفاف ... وفي الوقائع الفردية بين رجال القبيلة الواحدة ... أو ما يتعلق بأمور تافهة لا تشترك فيها القبيلة، ولا تهدد سلامتها، ولا يحتاج فيها الى نظام العشائر. هذا وكنت قد قلت كلمتي حول هذا النظام بما ملخصه: " لا تزال قضايا العشائر من كافة نواحيها معضلة كبرى، عويصة الحل، معقدة الموضوع ... تتعلق بأكثرية ساحقة من مجموع نفوس العراق، فلا يصح ان نتغافل عنها، أو نهمل الالتفات اليها دون ان نلاحظ شئونها، ونتبصر في سائر احوالها سواء في اجتماعياتها، او ادارتها وثقافتها، وتأمين تهذيبها، وملاحظة معايشها وراحتها، واقامة العدل بين مجموعاتها وافرادها في كافة ربوعها ... مما يجب الاهتمام به؛ واستطلاع آراء الخبراء من كل صوب في موضوعه حتى تستقر المعرفة، ويتبين وجه الاصلاح وطريق حسن الإدارة ... الا اننا للآن لم نظفر ببغية، ولا شاهدنا تقدماً في الحالة، فالقوم لا يزالون على ما كانوا عليه.. وقضية حسم النزاع بين افراد القبائل موضوع صغير من تلك الأمور ولكنه له مكانته، وأثره في النفوس، لأن النزاع ظاهرة تلك المجتمعات، وعنوان روحيتها ومطالب خلاف أفرادها وجماعاتها ... التفتنا الى حل الخلاف ولم نبال باجتثاث اصله، والتدابير المانعة من وقوعه.! والموضوع نظام دعاوي العشائر وهل قام بالحاجة فسد ثلمة؟ أبدى كثيرون منا آراءهم حوله، ولا تزال تتكرر غالب هذه الملاحظات في الأندية والمجتمعات ونسمع التذمرات من كل صوب ... الا ان جل ما نسمعه كلمات مختصرة، وانتقادات موجزة، أو تعرض لوقائع جزئية ... ولم نشاهد من دوّن ملاحظاته في رسالة لتتوالى المباحث، وتمحص الأقوال وينضح الموضوع فتظهر خوافيه ... ومن ثم تبرز آراء المتتبعين، ويبين الصحيح المقبول.... هذا النظام يحتاج الى جمع آراء مختلفة فيه وتنسيقها وبيان القول الأخير فيها ... فهو غريب في وضعه، جديد في موضوعه، وشكله، لا يأتلف وحالة الأمة التي تتطلب النظام وحسن الإدارة، والسيرة الفاضلة في هذه الحياة ... أحيا في أصل وضعه سنة جاهلية، وإدارة خاصة، وتعاملاً محلياً ... فهو عودة الى ما قبل حمورابي في العراق وقبل ظهور الإسلامية في جزيرة العرب ... كان العرب قبل إسلاميتهم قبائل مشتتة، وأصحاب عرف خاص، وعوائد موقعية بالنظر لكل قبيلة، أو إمارة ... ولما جاء الإسلام قضى على هذه التعاملات، ومحا من البين العوائد المرذولة وقرر أحكاماً عامة حازت قبولا شاملاً ... وهذه دعت قطعاً الى تحضر العرب المسلمين وسائر من انضم اليهم من الأمم، وانتزع الروح الجاهلي منهم، والسيطرة الشخصية، وساقهم الى نظام عام، واعلن " ولا تزر وازرة وزر أخرى " وآيات كثيرة، وفي الحديث " القتلى بواء " أي لا تفاضل بينهم ...

стр. 123

والآيات والأحاديث كثيرة مما ماثل هذه، وفيها امحاء للعرف الخاص الذي هو نتيجة اثرة، وتحكم، وقوة في جهة، وضعف، واستكانة، ورضوخ في اخرى ... وكانت الفكرة شديدة في التمسك بأحكام الكتاب، والكل مقتنع ان العادة محكمة فيما لم يرد به نص شرعي حاسم، ولا مجال لأحد في مخالفة النصوص القاطعة ... ومن حين قبلوا هذا المبدأ، وساروا بمقتضاه تحضروا، ونزعوا الفكرة الجاهلية، واستعاضوا عنها بالروحية الطيبة الصالحة ... إن القانون العام فيه ما فيه من المحافظة على الوحدة، ونزوع الى التشريع العالمي ... ووحدة الأمة في ان تفكر في قانون واحد لا قوانين متعددة، وحكم الأمة بقانون واحد مما أرشدت اليه التجارب بعد حين بمرارتها القاسية ذلك ما دعا الى تيقن قيمة الشريعة الغراء، راعت ذلك قبل ان تتنبه الأمم الكثيرة بل فاقتها بمراعاة إدارة الأمم بقانون واحد مما لا تزال الى اليوم الحوائل والعوائق تعاكسه.. وكل الأمم في هذه الأيام سائرة الى وحدة القوانين العالمية، ومن ظواهرها قوانين العقوبات، وبعض التشريع في قوانين التجارة وفي حقوق الدول الخاصة، وتفاهم الأمم في نواحي تطبيق القوانين ... ان تعدد قوانين الأمة، واضطرابها عادة تدل على سخف في تلك الأمة، ونقص كبير فيها لا يعوضه الا الرجوع الى تلك الوحدة ... ولم نجد اليوم في امة متحضرة قوانينى مقطعة الأوصال. زال التعصب نوعاً، وهو سائر الى الزوال في ناحية التشريع خاصة، والآراء مصروفة الى ما قام عليه البرهان الصحيح، والسهولة والبساطة في القوانين، وصرنا نتوقع ان يكون اساس التشريع قواعد عامة تمشي الأمم بمقتضاها. لا ما نراه من التوغل والتدخل حتى في حركات الأشخاص وسيرهم بحالة يكادون يكونون فيها تبعاً لإدارة غيرهم وارادتهم بل اوامرهم العسكرية وايعازاتهم اليومية.. مما نشعر به في كل آن ... والحاصل خزنوا ادمغتنا في مختلف الأيام بقوانين تافهة نحن اليوم في غنى عنها، أو في حاجة عظمى الى القضاء على الكثير منها ... وقد سمعنا التهديد الالهي، والتحذير الشرعي في آية " أفحكم الجاهلية يبغون " وكأننا في غفلة فلا نزال نحمي العرف الخاص بين القبائل، ونناصره ... ومهما كان السبب الحقيقي في وضع هذا النظام - قبل أن يكون نظاماً - وبواعث العمل به، فانه سبق ان طبق عيناً أو ما هو قريب منه وضعاً في انحاء مصر قبل العراق، وتألموا منه كما تألمنا ... وقد قبلنا أحكامه، ولا حظناها ظهراً لبطن فلم نتبين فوائده في حين انه تجلت لنا أضراره الكثيرة ... أما أنه لو حدث أمر عظيم بين قبيلتين او قبائل فحينئذ يكون الحسم بالتفاهم، أو بايقاف المتجاوز عند حده. وذلك مما يتعلق بالسياسة العشائرية وهي فوق هذا النظام الذي تتعلق قضاياه بأمور شخصية جزائية أو مدنية ... ولكن السياسة العشائرية المذكورة تتطلب المصلحة العامة اكثر مما تهمها قضية شخص ونزاعه على شاة او بعير ... وقد رأينا في وقائع تاريخية عديدة لزوم ادارة العشائر بحكمة في اوضاعها المختلفة سواء في العلاقات الداخلية وتقوية روابطها والخارجية وحسن تمشيتها مما يصلح ان يكون مثالاً يحتذى بحيث تتوقف هذه الإدارة على صحة العمل وتعقل القائمين به ... وكم من قبيلة كبرى او امارة تحكمت في مقدرات العراق، وفي الحكومات المجاورة حتى دعا ذلك الى عقد معاهدات للتكاتف ضد صولة هؤلاء، والقضاء على نفوذهم والاستقلال في إدارة المملكة، وقد أوضحنا هذه الناحية بأمثلة كثيرة في (تاريخ العراق) ... وكلمتي الأخيرة، ان بقاءه عودة بقبائلنا الى العصور الجاهلية الأولى ... وقد دلتنا التجارب الى ان التمسك به جرّ الى اختلاق عوائد، أو تقرير تقاليد اما انها لا اصل لها فاوجدت بتأثير، أو أنها مما لا يقرها عدل، ولا يقبلها قانون، أو أنها نتيجة اثرة وتحكم كما تقدم وبعضها فيها هدم للأحكام الشرعية فيما يتعلق بالمواد الشخصية المعتادة ... واذا كان لا بد من تطبيقه فيجب ان تحدد قضاياه من جهة، وان يكون قانون العقوبات اساساً له، وان تحسم قضايا العشائر على يد الحكام القضائيين لا بيد الإداريين.

стр. 124

ان وزارة المالية الجليلة رفعت عنها غائلة كبرى بوضع الاستهلاك فقلت علاقتها مع العشائر، فلو ادعت قضايا العشائر المدنية العادية، والأحوال الشخصية الى المحاكم، ووعي في حسم قضاياهم الجزائية مادة (٤١) من قانون العقوبات بايداعها الى المحاكم قلت تدخلات الإدارة وزالت عن الإدارة غائلة اكبر، وتكون الأمور قد اودعت الى اهلها، وانقذ العشائر من اذى المراجعات الطويلة أشهراً، وسنين ... وزالت الاعتراضات الموجهة ... وحينئذ تنصرف الإدارة الى الأمور الاصلاحية العامة وهي كثيرة وأولى بالتقدم على غيرها ... " اه. (١) نشرت هذا المقال في ٢١ ربيع الثاني سنة ١٣٥٤ و ٢٢ تموز سنة ١٩٣٥ كمقدمة لكتاب (تعليقات على نظام دعاوي العشائر) ... والملحوظ أن الادارة في دعاوى العشائر كانت ولا تزال تراعي أكثرياً وسائل الاثبات، والتقارير الطبية فيما يجب مراعاته، وفي هذا تقريب من القانون العام، ولكن تقدير الأدلة في المحاكم أقوى، وأكثر عناية نظراً للاختصاص الموجود ... ولا تخلو اوضاع من اعتبار تقرير مجالس التحكيم كأساس للأحكام التي تصدرها الإدارة وان انعدمت الأدلة، أو قررت الإدانة بلا دليل ... والأصل الذي يدور حوله الاصرار على قبول نظام العشائر ان المسؤلية الجزائية، أو التعويض المالي لم يكن شخصياً، وإنما ذلك عاماً شاملاً لجميع أفراد القبيلة، أو لقسم كبير منها ... وهذا أمر ظاهري، وإنما كان يقصد بمراعاته أيام الاحتلال ... ان يزيد الاتصال الدائم بالعشائر من جهة، واعتبارهم أصحاب وضع ممتاز من أخرى، او بالتعبير الأصح الفصل بينهم وبين أهل المدن ... ! لتسهل ادارة كل صنف على حدة، وينعزل الواحد عن الآخر لتبعيد بعضهم من بعض ... ومؤاخذة القبيلة، أو قسم منها بجريرة الجانى، واعتبارها مدانة بالدية او ما ماثل مما تاباه الأخلاق الفاضلة، وينفره السلوك الصحيح، وان تطبيق نظام أو قانون كهذا وصمة على الأمة ... في المسؤلية العامة لا على الجاني وحده ... ومن اهم الاصلاح المنشود ان يكون تشريعنا تابعاً للتقدم العلمي والأدبي، لا أن يكون رجوعاً الى الوراء وعودة الى الجاهلية الأولى ... !! هذا ولعل في هذا البيان ما يبصر نفس القوم في ادراك ضرره، ودرجة اجحافه بالحقوق فيطلبوا الغاءه، ويعجلوا في امر اهماله بل نبذه نبذاً تاماً ... !! - ١٠ - آخر القول في العوائد اذا كانت الأمم المتحضرة تقوي آدابها بطرق مختلفة، وتتخذ الوسائل الكثيرة لتمكينها سواء من ناحية التعليم، او الجرائد، والدواوين الشعرية، والمجامع العلمية؛ والمطبوعات المختلفة والنشريات المتوالية ... فالبدوي يلقن عوائده وآدابه، ويحببها بوسائل شبيهة بتلك أو قريبة منها، ومن أهمها، الأفراح، وأيام الأعياد، والدواوين وهي المجالس والمجتمعات وسائر الحفلات والاجتماعات ابان الحروب، وفي السباق نسمع حداءهم، وطواحهم، أو هجينهم، أو قصيدهم، وحكاياتهم، والهجاء والمدح ... تقدمت أمثلة بعض ذلك، ومن أهم ما يراعيه البدوي لهذا التثبيت التكرار، وأكثر أوقات البدوي فراغ وراحة، فلا يخلو من تذكر الوقائع، وتكرار مباحثها، وتخطر الحوادث أو قصصها ... وأحرص ما يكون عليه ان يقص حوادث نفسه، أو الوقائع الكبرى لاسلافه يفتخر بها، ويعد المآثر، وبيان ما أصابهم من مصيبة، ثم الانتصار على العدو أو شرح طريق النجاة ... وفي الآداب ما يعين صفحة مهمة لتقوية العوائد، فترسخ، ولا يرى البدوي خلافها، ولا يقبل المناقشة فيها ... وللتلقين أثره في القوم ... وكتب الأدب ودواوين الشعراء طافحة بما عند القبائل من عوائد قديمة، وفيها شرح نفسيات لا تختلف في الأكثر عن عوائد هذه الأيام ... وكلها تكاد تكون متماثلة في أوضاعها العامة، والمجتمع لا يرضى باهانة، ولا ينام على ضيم، ويكرم ضيفه، ويعزّ جاره، ويحتفظ بعهده. ولكنه لا يخلو في وقت من مراعاة بعض الحالات الداعية للتفاؤل أو التشاؤم كما مرّ في الخيل، وفي حالات أخرى كالتطير من (العرضة) وهي أن يعترضه آخر ويسأل عما هو ذاهب إليه أو ينهاه من الذهاب، أو يسمع صوت طاير، أو يمر به حيوان فيستاء أو يستبشر ... مما لا يستقصي تعداده ... وأهل المدن لا يخلون من أمثالها وللثقافة وتعميم التعليم أثرهما في ازالتها ... وعلى كل حال ضاق المجال فلا يسع أكثر من هذا ... !! - ١١

стр. 125

إصلاح العشائر البدوية مضت حكومات، وعاشت أمم، وزالت أخرى، والبدو لا يزالون على حالاتهم، محافظين على أوضاعهم، لم تغيرهم العصور، ولم تبدلهم الدهور إلا انه كل ما حدث خلل في الأرياف مال قسم منهم وحل مكانه ... وهم مادة نفوس الأرياف، ولا يميلون الى المدن إلا آحاداً ... ومن تجارب عديدة، ومناهج كثيرة ظهر جلياً أن إدارة العشائر البدوية ليست من الأمور السهلة، ولا نزال نرى الاهتمام بها كبيراً، والنتائج المرضية قليلة ... ولا يهمنا سرد كل ما جرى، والموضوع أعضل أمره، والتنديد بما ارتآه كثيرون، أو ذاقوا مرارته ... ليس من شأننا كما أن المطالب الخاصة لكل قبيلة مما لا نتعرض له، وبحثنا يدور حول القبائل البدوية بصورة عامة ... والموضوع لا يزال يقبل الأخذ والرد، ومراعاة التجارب العديدة ... والاصلاح المنشود لا يقف عند قطع المنازعات باصدار القرار الحاسم الذي مبناه التساهل في الحق مما يؤدي الى قطع الخصومة في الظاهر ولا ما ماثل ذلك وإنما نريد أن نوجه الأنظار الى بعض نقاط الاصلاح الأساسية، والمجموع القبائلي كبير يقدر بنحو ثلثمائة الف نفس من البدو خاصة فلا يهمل هؤلاء. ومن أهم ما نتناوله: ١ - المراعي. هنا ناحية مهمة ولدتها الأوضاع الجديدة، وهي (منع الغزو) ، وفي هذا من الصعوبة ما لا يوصف، يريد أن يعيش، فمنع من حياة اعتادها، فمن الضروري اتخاذ التسهيلات له في لوازم الحياة وما تقوم به من تربية مواشيه، والاحتفاظ بثروته وتكثيرها من طريق التعب الحلال ... فلا ندعه يترك بداوته رأساً، أو يهرب منها الى حياة قد لا يعيش فيها ولا تلائم طبعه ... وإنما نريد أن يكون آلة صالحة للانتاج وهو في بداوته فإذا علم أن قد استفاد من الانتاج، وربح الشيء الكثير، رغب فيما يولد فائدة أكبر، أو أنه يؤسس ريفاً في المواطن القاحلة ... وأعظم خطر يعرض له المحل بأن تجدب السنة، ولا يجد ما يكفي لقوام ابله ومواشيه ... وفي هذه الحالة إذا لاحظنا التدبير له رفعنا عنه خطراً عظيماً ... وللبدو مواطن خاصة يتجولون بها، وآبار معينة، وفي الغالب نرى " المورد العذب كثير الزحام "، فإذا حصلت أمطار في جهة، وأربعت الأرض في ناحية دون النواحي الأخرى ففي هذه الحالة يلاحظ الخطر من التقرب والاختلاط خصوصاً اذا كان الموطن غير واف بالحاجة ... وهذا من لوازمه وقوع منازعات، ومن ثم يجب تحديد المناطق، وحسن ادارة الوضع ليستفيد الكل، وان يراعى المقدار ودرجة الزحام عليه، وتدبير هذه الأوضاع بعقل وحكمة ... ولا تقف التدابير عند هذا، وإنما يجب أن يوزع البدو الى مواطن أخرى خصبة، ويعترضنا طريق سير القبيلة، وما تمر به من قبائل وتسهيل هذا التنقل أما بأخذ رأي الرؤساء، وأن تدفن الضغائن، ولا تولد وقائع جديدة، أو مراعاة المصلحة بصورة عامة لئلا تحدث عراقيل أكبر ووقائع مؤلمة ... ذلك كله نفعله الى أن تتوسع المشاريع الزراعية، أو تحفر الآبار الارتوازية وما ماثل ... وهذا لا يبنى على قاعدة وإنما تراعى فيه الحالة بكل دقة واهتمام وحكمة ... ولا يغب عن أذهاننا أن الحكومات في كافة عهودها كانت ولا تزال الى ما يقرب منا تماشي العشائر في سيرتها، وتقدر الحساب لها، وتسترضيها، وتراعي جانبها الى آخر ما هنالك ... ولكن هذه لم تولد نتائج صالحة ومفيدة، وغاية ما فيها تسكين الحالة مؤقتاً. فلو عرفت العشائر أن الحق سيف قاطع؛ وانه لا يصح أن يتهاون به وقفت عند حد معين ولا تطمع في نوايا أخرى ... وإدراك الضرورات التي لا محيص عن ركوبها من أعظم الوجائب في إدارة هذه المجموعات..

стр. 126

٢ - الإسكان. وهو ميل البدو الى الأرياف، وقد يعدّ غير ضروري ولكنه لازم لتقدمهم نحو الحضارة، وترفيه عيشتهم من الكسب الحلال وكد اليمين ... وتحول دون تحقيق هذا الغرض عقبات منها ما يتعلق بنفسية البدو وذلك أن القبائل البدوية لا تنتقل بسهولة بل ترجح ان تعيش بشظف على ان تسلب حريتها، وان تحرم هوائها الطلق كأن تحدد أوضاعها في مناطق خاصة، لا تخلو من عفونة، ومنها أن يكون الفلاح تابعاً في حياته الريفية لأوامر عديدة وأعمال ميكانيكية ولا يستطيع البدوي القيام بها كالفلاح الريفي فإنها من الصعوبة بمكانة، وليس له من الصبر ما يقدر به على الدوام، وهكذا يقال عن الحياة الريفية المطردة، والنظام فالبدوي يتقلب مع الزمن، ويراقب الأوضاع بكل دقة، وقد يثيرها ويوجد حالات غير مألوفة، ومن ثم لا يتقيد بهذه القيود التي يلتزمها الفلاح، وقد بينت طريقة انتقال قبائل زوبع من البداوة إلى الريفية، وتدرجها إليها؛ فهو مثال محسوس..! ومن الضروري في مثل هذه الحالة تحديد أراضي كل قبيلة من قبائل البدو، وتعيين مواطن رعيها، وان لا تتجاوزه، ثم تتقدم رويداً رويداً لأدنى خلل يقع في أهل الريف، أو ينالوا نصيباً من المشاريع ليكونوا بألفة تامة، واتصال مع بعضهم، وعدم نفرة مما هم فيه ... وفي مثل هذه الحالة قد يكون السابق ممن قبل الحياة الريفية كأساس لمن يحاول الدخول فيها.. ويهمنا في تقريب البدو الى الأرياف أن نخطو بأهل الأرياف إلى الحضارة، فإذا تم الكثير من هذا استفدنا من الإنتاج لتكثير النفوس في المدن ... وكم من صعوبة هناك، والباعث الأصلي الطبيعي فيه الظروف والأوضاع الخاصة، وتقوية المعارف في الأرياف ... هذا ويجب أن لا نكتفي بملاحظة البادية وأهليها، والتألم لأوضاعهم، وما هم فيه وإنما الملحوظ أن نخطو خطوة صالحة فيهم، ولا نتأخر عند التمكن من تقريبهم ولو شبراً واحداً، ثم نفكر في الآخر ... وتقديمهم للزراعة ربح كبير في جعلهم من أهل الأرياف باتخاذ مقاييس زراعية، أو مراعي خصبة ليكونوا بمأمن من العوادي، وينالوا ثمن أتعابهم ... وعلى كل حال رفاه حال الأرياف وتحسين أحوالهم وتقدمهم إلى المدن يؤدي الى الرغبة في ان نخطو من البداوة الى الريفية، وأن لا نهمل تحسين حالة البدو ... هذا وقد بينا رأينا فيما يجب في كل موضوع سلف من وسائل الإصلاح فلا نرى حاجة للتكرار وإعادة القول هنا ... ٣ - العدل. وهذا سهل على اللسان، وقد نلوكه وننطق به دائماً ولكننا نجد الصعوبة في التطبيق، ويحتاج إلى رفع الحوائل مما سبق الكلام عليه وعلى غيره، وطريقته واضحة إلا أننا أحجمنا في مواطن عديدة عن القيام بأمره وليس الموضوع هنا القضايا الجزئية. وإنما أريد طرق الحل الإدارية في السياسة القبائلية العامة كأن يحمل الحّل إلا أنه يراد به التفرقة، وتقوية الخصومة ... ونتمنى أن لا تعود هكذا ذكريات أساسها الخور في العزيمة، والخوف من توقع الأخطار، وملاحظة قوة القبيلة، وتحكم الرؤساء من جهة وضعف المقابل، أو لزوم مناصرة الرئيس ... ولا محل لتعداد كل ما هنالك، ويجب أن يكون الحق صارماً لا يقبل تساهلا، ولا أي أمر آخر يمنع من وصول الحق الى أهله ... هذا. وأما قضية التعليم فقد أفردنا لها المقال التالي. - ١٢ - تعليم البدو قضية من أمهات القضايا الاصلاحية، ومطلب من أعز المطالب ... عشائرنا أمية، وكدنا نقطع أن لا أمل في إصلاحها ... وللآن لم نتخذ تدبيراً فعلياً، بل لا نزال في دور المذاكرة، أو المباحثة، وفي حيز الافتكار وأمل تعيين وجهة ...

стр. 127

الآراء متضاربة سواء في الأندية والمجالس، أو المباحثات والمحاورات، نسمع أن العشائر ما زالوا على وضعهم، فلا أمل في تهذيبهم، والمحافظة على الحالة من أسباب بقائهم على الجهل والأمية، وكأن القوم في استقرار على وضع لا يستطيعون الخروج منه، أو أنهم قوم لا يقبلون التعليم وجماعة لا يفيد معها التهذيب، و (من التعذيب تعليم الذيب) ، فلا أمل من مزاولة تهذيبهم ... وآخرون يرون لزوم الانتقال بهم من حالة البداوة الى الحياة الريفية، وهؤلاء يريدون مطالب يرجون تحقيقها ... ثم مراعاة تثقيفهم ... ولعل هذا من نوع التعليق بالمحال، لأن الانتقال تابع لأحوال، وأوضاع طبيعية أو مشاريع قطعية ... ولم يكونوا في حالة يمكن إفراغها بالشكل الذي نبتغيه متى شئنا ... وإبقاء القوم في جهل يؤدي إلى قبول نتائجه الوخيمة والكثيرة طول هذه المدة ... وأرى أن هذا الرأي مدخول، لا يوزن بميزان صحيح ... ويكوّن عجزاً عن إيجاد طريقة لتعليم العشائر وهكذا يرى آخرون لزوم تعليق هذا الأمر الى ان يوجد مدرسون حائزون لأوصاف تلائم البادية، ورجال دينون مهذبون وان تتوازن القدرة بين المدرس والرجل الديني والا فأولى أن لا نعمل لإنجاز المشروع وحينئذ من السهل ان يحبط ويفرط التدبير ... وهل استعصى وجود مدرس حائز لهذه الأوصاف ... ! وهناك آراء كثيرة أمثال هذه ... وإذا قبلنا أساس تعليمهم ولم نلتفت الى الأقوال المارة أو أمثالها أو نجهد لتحقيق بعضها.... فماذا نلاحظ؟ هل يصل أهل البادية إلى درجة مهمة من التعليم نظراً للاهتمام الذي نراه بحيث يضارعون أهل المدن في علومهم، ويجارونهم في ثقافته فنجعل منهاجهم كسائر مناهج المعارف؟ وهل لهم قدرة وصبر على اجتياز العقبات في هذا السبيل حتى يتساوى الحضري والبدوي في التعليم.!؟ قبل كل شيء يجب أن نفكر في ادخال التعليم البسيط بين ربوعهم ونجرب بعض التجارب التي استقر عليها رأينا ... ثم نلاحظ تقويتها، وتوسيعها تدريجياً..! والتمنيات لا حدّ لها، ولكن على كل حال يتحتم علينا أن نزاول الموضوع من وجهته العملية الممكنة. وهنا يعترضنا عند الكلام على طريقة التعليم الوقوف على اثر التعليم في البدو الدرجة التي يستحقون ان تبلغ بهم ليكونوا أعضاء فعالة لخير الأمة، وينالوا النصيب التام منها كغيرهم من اهل المدن؟ - لا أتطلب أن تنقلب البادية الى مدار س راقية بحيث لا تفترق في تشكيلاتها عن المدن، ولا يخطر ذلك ببالي في وقت بل ينبغي ان لا نزاول هذه الأمور، وإنما نسعى أن نمكنهم من أن يكونوا متعلمين لدرجة وافية بحاجتهم على الأقل، ومؤدية ما يتطلبونه من اغراض أو بالتعبير الأولى أن يكونوا عارفين بما عندهم وزيادة قليلة ... هؤلاء لم يشبعوا الخبز، فكيف نريد ان نوجد فيهم (تخمة) من العلوم وليس لهم مأوى ونحاول أن نعلمهم الكماليات وأصول ادارة المسكن وخدمه، والزوجة وحقوقها ... أو آداب المعاشرة، وهكذا نسير معهم بطرق معوجة، وغير مثمرة ... والأنكى من هذا أن ننزع الى لزوم تعليمهم بهارج الحضارة وزينة الملاهي، أو نزين لهم هذه الأمور ... ! وبهذا نكون قد قمنا بخدمة تدريبهم الى الخلاعة ... وعلى كل حال يجب أن نراعي فيهم منهجاً خاصاً في الحياة البدوية، وطريقة مرضية في لوازمها من معرفة بسيطة وثقافة بقدر ما تقتضيه حاجتهم ... ليحافظوا على أوضاعهم ويقوموا بواجباتهم ... فيعلموا طريق الحياة، ووسائل الانتهاج، وأن يلقنوا عقائدهم، وأن يقتصر فيها على الفروض والواجبات، وأن يعلموا علاقتهم بالحكومة من ناحية الأمن والضرائب مما يتعلق بهم، ونعين أوضاعهم ... فلا نخرج عما يأتلف وهذه الأوضاع، وان يؤدي عملنا هذا الى ما يزيد في ثقافتهم العامة ويبين لهم فكرة عن الحضارة، ويكمل ما علموه من البداوة لحاجات رأوها ... !

стр. 128

نوضح هذا فنقول البدوي يفكر في طريق القنص، وفي اتخاذ التدابير للغزو، أو لمحافظة كيانه خشية أن يبتلعه الآخرون الكل قانص يطلب صيداً وكذا يقال في ارتياد المراعي ... فيجب أن تربى هذه فيه، وان يراعي نواحي اصلاحها والتبصير بطرق ادارتها، فلا تترك الرجولية ولوازمها، ولا يصرف فكره عن الالتفات الى حاجياته ومنافعه، ولا نترك ناحية تسير بهم نحو ما يعلمون ويحاولون تقويته، أو ماله مساس في حياتهم الاجتماعية، وسمرهم وما يخدم ثقافتهم العامة ... وجل ما يجب أن نراعيه فيهم أن نجعل كل واحد منهم في مستوى أرقى رجل منهم في عقيدته، أو في آدابه، وفي مهمات حياته، وفي سائر أحواله ... واذا تمكنا أن نزيده بحيث نجعله بدوياً متبصراً، ومتعلماً فعلنا ... وأن لا نميل به الى أكثر ... واذا حاولنا تعليمه وجب ان يكون منهاجنا: تعليم القراءة والكتابة: بأبسط شكل، ونبذل له القرطاس بوفرة، ولي سله من النقد ما يقوم بحاجته ... الحساب. الأعمال الأربعة فقط وقد لا يحتاج فيها الى أكثر من أعداد محدودة. القرآن الكريم. القراءة، وتفهيم بعض الألفاظ الغريبة وبيان المعنى اللفظي للآية بصورة بسيطة ... الفروض الدينية: لا نتجاوز بها الفروض ... والأمور الضرورية مجملا. الشعر البدوي وبعض الفصيح: يختار ما هو انقى واصفى، وأخلاقي أكثر، وما له مساس بحياة البداوة، ينوب عن المحفوظات ويتخللها بعض الأشعار الفصيحة مما يقربه اليها. الصيد. وتدريبه الى تربية المواشي، السباق. وبيان أمراضها، والوقاية منها ... الألعاب البدوية وتنظيمها بصورة لائقة ... حقوق البدوي وواجباته نحو الأمة والحكومة ... إن هؤلاء يجب أن نكون في اتصال نعهم، ونؤدي الواجب فيما نعلمه عنهم، وهكذا نمضي معهم حتى يتيسر لنا معرفة أوضاعهم في حياتهم معرفة صحيحة، ونعلمهم من طريقها.. وهكذا نمحص الأقوال، ونعيد التجارب مرة بعد أخرى وكل نقص نشعر به يجب أن نسارع لتلافيه واصلاحه ... وهذه المهمة واجهتنا وصرنا نراعي وضعهافمن الأولى أن نخرج منها بنجاح، ونسلك فيها خير الطرق ... ولكن من ناحية معرفتهم وسبيل نهجهم ... فإذا تكلمنا عن الابل جمعنا ما يعلمون وبصرناهم بجهات أخرى، واذا بحثنا عن الخيل جمعنا حكاياتهم ومعلوماتهم بصورة كاملة وزدنا اليها ما شئنا مما نعتقد في معرفته فائدة لهم ... وهكذا نمضي في الشعر والمجالس الأدبية، وفي الصيد والسباق وفي تربية المواشي وادارة المراعي وهكذا ... والأمل أن تتساوى المعرفة بصورة كاملة، وما يعلمه قسم يجب ان يعلمه الكل، وفي هذا تنبيه وإرشاد، بل توجيه لما فيه الصلاح، وتدريب للحياة العملية، ونقد للعوائد المرذولة بصورة خفيفة هذا ولا ننس أن نقدم بعض النابهين إلى المدن ليتعلموا، ويعلموا قومهم، أو أن نمضي بهم حتى يتمكنوا من التحصيل العالي ... - ١٢ - الإحصاء كان في النية تقديم أرقام في إحصاء البدو، وبيوتهم ومقدار خيولهم وابلهم وسائر أموالهم، ولكن الأتعاب في هذا السبيل، والمحاولات ذهبت سدى لما رأيت من خلل ونقص في التقدير، وقلة إتقان في المدونات، فقد شاهدت في بعض المواطن البيوت أكثر عدداً من مقدار النفوس، فلم يطمئن القلب في تقدير، ولا تقريب ... فالمعذرة حتى نتيقن الصحة ونتأكد من تدوين الأرقام بصورة لا تقبل ارتياباً ... هذا وقد سبق ان قلت: لا تقف النفوس عند عدد ثابت، أو مقدار محدود؛ والبدو لا يبعد عليهم موطن لا في نجد، ولا في سورية، فإذا رأوا محلا وجدبا مالوا الى اماكن الخصب مما يمنع قبول احصاء صحيح، واذا كانت في خصب تراجعت وتجمعت وزاد عددها بمن مال اليها من الأنحاء القاصية ... وهكذا يقال عن تكاثر النفوس، وقلتها من جهة الولادات والوفيات، ومثلها الخيول والمواشي، وكل هذا يفترق في حالة العداء واوان الراحة والطمأنينة ويتبدل بمقدار واسع في تكاثره وتناقصه ... كلمة ختام

стр. 129

لا أرى ضرورة كبرى لتلخيص ما مرّ من المباحث، وكل ما أقوله أن الكاتب ضاق، وتشعب كثيراً في مواضيعه، وكلما حاولت الاختصار والمشية السريعة زادت المطالب، و (أدب البادية) كان من جملتها فحال دون تدوينه السبب المذكور، والموضوع في حاجة إلى البسط، ذلك ما دعا أن أفرده في كتاب خاص ... والحاصل كان جل الغرض ألفات الأنظار وتوجيهها إلى نواح تكاد تكون مهملة ولكنها زادت، وحب الايضاح، أو الخوف من الإخلال دعا أن تتكاثر، ولعل فائدتها صارت أكبر ... وهذه التجربة الأولى من نوعها، وليعذر القارئ فيما خالف رغبته، ولينظر إلى الجهود المبذولة للتأليف بين جمع المادة، وتنسيق المشترك منها، والإشارة إلى الجهات المخالفة وذكر ما أمكن منها ... والله ولي الأمر. (١) العقد الفريد ج ٢ ص ٦٣ طبعة سنة ١٢٩٣ هـ ببولاق مصر. (٢) كتاب ابن سعود لابي النصر. (١) ابن بطوطة في طريق الحج. (٢) تاريخ العراق بين احتلالين. (١) راجع الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد رقم ٢٨٢٥ من مكتبة نعمان الآلوسي في دار كتب الأوقاف العامة ففي ظهر الكتاب بيان لوفاته. (١) صوابه أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله كما نبه على ذلك صاحب الضوء اللامع في ص٨ج٢ منه. وفي كشف الظنون ورد مرة بلفظ أحمد بن عبد الله ومرة أخرى بلفظ أحمد بن علي ذكرها في مادة (نهاية الارب، وصبح الأعشى) . (٢) صبح الأعشى ج١ص٣٠٧ وما يليها. (١) ترجمته في لغة العرب. (١) عندي نسخة منه منقولة من الأصل. (١) من علماء اللغة المشاهير وهو صاحب الجمهرة في اللغة. (١) - ص٤٦. (١) كشف الظنون. (٢) نهاية الارب في فنون الأدب ج٢ص٢٧٦ وما يليها. (١) تاريخ العرب قبل الاسلام ص٥. (١) اشتقاق الأنساب ص٣٠٧ و٣١٧. والطبري ج١ ص١٠٣. (١) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ص٦٦. (٢) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ص١١٣. (٣) شمس العلوم ص١٧. (١) الأخبار الطوال ص٦ - ٧. (٢) الأخبار الطوال ص٨. (١) الانباه على قبائل الرواه ص٥٥ وما يليها. (٢) الطبري ج١ص١٠٧. (١) هم المناذرة وآباءهم ممن ملك العرب في العراق. (٢) الطبري ج١ص١٦٢. (٣) الأخبار الطوال ص٦٥. (١) تاريخ اليعقوبي ص٢٣٩ وما يليها. (١) العرب المستعربة تمت الى إبراهيم (ع) والد اسماعيل. (٢) ص١١ من الأخبار الطوال. وص١٦١ ج١ من الطبري. (٣) ورد في اشتقاق الأنساب بلفظ أسد " بفتح الهمزة وسكون السين " والمشهور الأزد كما ذكر ... ص٢٧٦. (٤) اشتقاق الأنساب ص٢٧٦ وسيرة ابن هشام. (١) المسعودي والطبري. (٢) ابن عبد البر: الانباه على قبائل الرواه ص٤٦: ٥٠. (١) المراد بالاشتقاق اصل الكلمة او اللفظة التي سمي بها المرء الذي هو جد القبيلة او القبيلة رأساً ومعناها في اللغة وطريق اخذها. (٢) ص ٣١٢. (١) الانباه على قبائل الرواه ص٤٥. (١) راجع أنكحة العرب في كتاب (النفحة الملوكية في أحوال الأمة العربية الجاهلية) للسيد عمر نور الدين القلوسني الأزهري ص١٨٠ وكثير من المؤلفات تتعرض لهذه. (١) يريدون غصة قد تقابلها غصة مثلها ولكن معاوضة قصة أي ناصية " امرأة " بناصية اعظم بكثير ... ؟؟؟؟؟؟!! (٢) ستأتي هذه القصة عند الكلام على الزواج عند البدو. (٣) وفي كتاب انساب العرب القدماء مطالب مهمة في الرد على هؤلاء ومن اراد التفصيل فليرجع اليه ... والطوتمية يراد بها ان الام اصل البيت وان المرأة لا تتقيد بزوج وان اولادها ينتسبون اليها رأساً ... (٣) وفي كتاب انساب العرب القدماء مطالب مهمة في الرد على هؤلاء ومن اراد التفصيل فليرجع اليه ... والطوتمية يراد بها ان الام اصل البيت وان المرأة لا تتقيد بزوج وان اولادها ينتسبون اليها رأساً ... (١) تفصيل غزو بختنصر العرب ص٩٢ ج١ من ابن الأثير. (٢) طبري ج٤ ص٢٠ - ٢١. (١) ج١ ص٢٩٣. (١) ج٢ ص٣. (١) ابن هشام ص٢٦ ج١. (٢) تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٥٩. (٣) ص٤ و١٧ من سيرته ج١. الا انه في صحيفة ٢٩ منه اورد ان اياد بن نزار. هكذا قال اليعقوبي ج١ ص٢٣٧. (١) ص١٨٧ من التنبيه والاشراف. (٢) القصد والامم ص٢٧. (١) ج١ ص١٣٦ من ابن الاثير. (٢) ص٢٠٥ - ٢٠٦ من التنبيه والاشراف. (١) ج١ ص٢٣٧.

стр. 130

(٢) في ماده طحا ورد بلفظ (عمران) قال: " طاحية بن سود بن الحجر بن عمران ابو بطن من الاسد والنسبة اليه الطاحي والطحاوي. وطاحية محلة بالبصرة نزلها هذا البطن " اه. ج١ ص٢٢٣. (١) ج٢ ص٢٩٣ تاج العروس. (٢) ص٢٨٥ اشتقاق الانساب. (٣) الانساب للسمعاني ص٥٤ - ١. (٤) ص١٥٣ طبري ج٢. (١) تاريخ دول العرب والاسلام ص٥٦ وغيره. (٢) تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٥٨. (١) الاشتقاق ص ٢٨٥ وتفصيلها في عقد الفريد ج١ ص١٣٣. (٢) بلوغ الارب طبعة سنة ١٣٤٢هـ - ١٩٢٤م ج١ ص٨١ وص٣٣٩: ٣٤٢. (١) ص٥٨٦ ج٣. (٢) التنبيه والاشراف. (٣) قصته في بلوغ الارب ج٣ ص٢٧٨ وكذا سطيح في ص٢٨١. (٤) اشتقاق الانساب ص٣٠٢. والطبري ص٩٩ ج٢. (٥) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ص١٠٥. (١) ص٢٧ ج١ سيرة ابن هشام. (٢) الاشتقاق ص٣٠٢: ٣٠٦. (٣) تاريخ ابن خلدون ج٢ ص٤. (١) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ص٨٧. (٢) البلاذي ص٢٤٨. والأنساب للسمعاني. ونهاية الارب وخلاصة الكلام في تاريخ الجاهلية والإسلام ص٤٩٥. (١) البلاذي ص١١٨ - ٢٤٧. (٢) طبقات ابن سعد ج١ قسم٢ ص٦٦. (٣) ابن الاثير ج١ ص١٧٩ وما يليها. (١) اشتقاق الأنساب لابن دريد. (٢) الأنساب للسمعاني في مادة قضاعة ... (٣) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم ص١٠. (٤) ص٢٨٣ ج٢. (٥) القصد والأمم ص٣٠. (١) عريب بفتح العين كغريب. (١) ابن خلدون ج٢. (١) شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (المنتخبات منه طبع ليدن سنة ١٩١٦م) ص٦٦ - ٦٧. (١) في طبقات ابن سعد جاء بلفظ " مي ". (٢) عقد الفريد ج١. (٣) ص٤٥ قبائل مصر. (١) الاشتقاق ص٢٣٣. (١) شمس العلوم ص٥٧. (٣) راجع عن هذه القبيلة شمس العلوم ص٥٧، و٦٦ - ٦٧، ونسب عدنان وقحطان ص١٩، وانساب السمعاني ص٢٦٤ - ٢٦٥، وسبائك الذهب، وخلاصة الكلام في تاريخ الجاهلية والإسلام ص٥٤ - ٥٥، وابن خلدون، واليعقوبي ج١ ص٢٤٠. (١) وتفصيل الخبر في الاغاني ج٢ ص٩٧ وما يليها. (٢) اليعقوبي ج١ ص٢٤١. (١) البلاذري ص٢٤٧. (٢) ص٢٤٦ ج١. (١) ص١٥٦ ج٢ طبري. (٢) البلاذري ص٢٥٠. (١) ناحية شفاثة تحولت الى " عين التمر " وصارت تسمى باسمها القديم. " جريدة البلاد عدد: ٢٤٧ و٢٢ رمضان سنة ١٣٥٥هـ - ٧ كانون الأول ١٩٣٦م ". (٢) الأخبار الطوال ص١١٢. (٣) ص١١٤ ج٢ اغاني. (٤) ص٢٥٠ بلاذري. (١) تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٥٥ وما يليها. (٢) تاريخ العرب قبل الإسلام: ج١ ص٢٢٧ وما يليها. (٣) معجم المطبوعات. ومنه نسخة خطية في بغداد. (٤) ص١١٢ الأخبار الطوال. (٥) ص١١٤ الأخبار الطوال. (١) الانساب ص١١٥ - ١. (١) الطبري. (١) راجع ملحق الجلد الأول من تاريخ العراق بين احتلالين. (١) الطبري ج٢ ص٦٣. (٢) ابن هشام ج١ ص٢٥، والأغاني ج٢ ص١٤٤، والأخبار الطوال ص٤٩. (٣) بلوغ الارب ج٣ ص١١٩ وتتمة هذه الأبيات هناك وفي الأغاني. (١) لا يلفظ ملك كما جاء في بعض الكتب لان القدماء كانوا لا يذكرون الالف للاختصار والمعلومية ... (٢) واشتهر بالنسبة الى تنوخ كثيرون وابو العلاء المعري تنوخي - نهاية الارب في فنون الادب ج٢ ص٢٩٥. (١) وهذا الكتاب للامام نور الدين عبد الله بن حميد السالمي. طبع في القاهرة سنة ١٣٥٠هـ. (٢) صحيحها بالسين بمعنى قوي. (٣) خلاصة الكلام ص٨٦. (٤) ج٢ ص١٨١. (١) ج١ ص٢٠٧ تاريخ اليعقوبي. (٢) التنبيه والاشراف ص٨٧. (٣) ج١ ص٢٤١ اليعقوبي. (٤) التنبيه والاشراف ص١٨٧. (١) ص ٦٥ - ٦٧. (٢) ص١٨٧. (١) تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٤٦ وما يليها. (٢) ابن الأثير ج١ ص١٥٤. (١) اليعقوبي ج١ ص٢٤٦ والطبري وابن الأثير وغيرهما ... (١) الطبري ج٢ ص١٥٧. (٢) تاريخ اليعقوبي ج١ ص٢٣٦ وما يليها. (١) راجع كتاب (الملاحن) لابن دريد وفيه انذار قومه بما عزم عليه بنو بكر. ص٤ طبعة مصر القاهرة سنة ١٣٤٧هـ. (١) أهلي. (١) قبلك. (٢) عكدة عقدة، وكناها قناها (قناتها) . (١) ص١٥٨ من المطالع مخطوطتي. (٢) لم يكن متخلصاً للقبائل الا أنه أفرد لها بحثاً خاصاً وفيه من الأغلاط ما سيوضح الكلام عليه في حينه. راجع ص١٦٣ من قلب جزيرة العرب. (١) الزريقي ذبابة كبيرة تؤذي الابل بعضّها.

стр. 131

(١) كان ولا يزال يسميه أهل نجد بالامام. ووقائع هذه الأيام مبسوطة في تاريخ العراق بين احتلالين وهناك وسمعنا البحث فيها عن تكون هذه الأسرة المالكة ونطاق نفوذها وعلاقاتها بوقائع العراق. (١) هذا المؤرخ يتحامل على آل سعود ولا يهمنا إلا ما يوضح الوقائع العشائرية. فلا نشاركه في تحامله ونقل النص أمانة. وأشرنا بهذا هنا ليعلم القاريء ان ابن سند كتب ارضاء لولاة بغداد والحكومة العثمانية وكانوا اعداء ابن سعود إذ ذاك. (٢) ان محمداً هو الجد الأعلى ولكن البدو يسمون بأشهر أجدادهم المعروفين وإلا فان محمداً لم يكن جده القريب ... وهذا أساس تكون الفخذ أو البيت كما مر. (١) عنوان المجد في تاريخ نجد ص٨٧ ج١. (٢) خرفان جمع نقد. (٣) لم تكن خيانة وانما هناك قربى منعت من الحرب ... وسنوضح هذه القربى عند ذكر قبائل عنزة. (٤) مطالع السعود ص١٤٩. (١) من الجرباء مسلط آخر قتل سنة ١١٠٢هـ، أو ١١٠٣هـ. " عنوان المجد في تاريخ نجد ص١٠٧ ". (١) هو مطلق. (٢) المملة. (٣) الجواليب. (٤) نطعن، نفرح، نتنومس بها. (٥) تسايس في الحل، تبصر. (١) وذرية ابراهيم بك هذا لم تزل في الحلة ويقال لهم آل عبد الجليل ابن سلطان ويسمون الآن " آل محمد نوري باشا ". (٢) راجع ما كتبته عن آل الشاوي في لغة العرب. (١) هذه القبيلة قحطانية في نجد والزعم بأنها مضرية غير صحيح ... وتتفرع إلى فروع عديدة. وجاء عنها في كتاب عشائر العرب للبسام ما نصه: " طائفة طافت أخبارها، ورويت آثارها، ملكت مقاليد المجد، وأدركته بالهزل والجد، يحمدهم الطارق، ويحذرهم السارق، أعلوا منار الفضل وشادوه، وأنصفوا الضعيف على القوي حتى أسادوه، أخلاقهم حميدة، وآراءهم سديدة ... ". ص٣٧ وفروعها مذكورة في قلب جزيرة العرب. (٢) مطالع السعود ص١١٩. (١) المطالع ص١٥٧ وعلي باشا هو المعروف بالكتخدا. (٢) ص ١٢٢ من المطالع. (١) بنو ثعل من قبائل طييء. (١) مطالع السعود ص١٥٧ - ١٥٨، وعمر رمضان في حوادث سنة ١٢٣١هـ. (٢) مطالع السعود ص١٥٩. (٣) عنوان المجد ج١ ص١٥٩. (١) ضبطه ابن سند بفتح الصاد وهو في الأصل الممتنع من الجبال، واللينة من القسي، والصخرة الملساء المرتفعة ... فسمي به. (ص٢٦٤ مطالع السعود) . (٢) عشائر سورية. (١) ص٢١٢. (٢) المطالع ص٢٦٦. (١) التفصيل في تاريخ العراق. (٢) تاريخ لطفي ج٤ ص١١٢. (١) هذه الآثار والممتلكات والنفائس في قصر الملك وفي غيره قد نشرت الآن للعموم وصار يراها كل احد وفيها من العجائب والغرائب الشيء العظيم، شاهدتها سنة ١٣٥٣هـ - ١٩٣٤م في تموز وايلول منها وقد خلت الديار من مالكيها السابقين فلا نرى إلا آثارهم ... (٢) مختصر عثمان بن سند - مخطوطة الآلوسي على الهامش. (١) ورد في ص١٣٣ ان فارس بن محمد سهواً. هو ابن صفوق. (٢) وهذا من التواريخ المهمة كان قد قدمه تقريراً لحكومته عن سياحته وهو في الحقيقة من الآثار المهمة لمعرفة العراق في هذه الأيام التي كتب عنها. (٣) راجع ص٢٤. (٤) قال: قدمت لي القهوة فصبوا فنجاناً ثم آخر وهكذا فظننت اني سوف اضطر ان اشرب ما في الدلة فالتفت الى الشيخ فارس فامره ان قد اكتفي ... !! ولم يعلم ان العرب يصبون لضيفهم القهوة حتى يقول " كفي " ... (١) اخو شاهه هو الهادي. (١) العشائر السورية. (١) ص٥٢ - ٢. (١) السيافة بطن من بطونهم. (١) القربة، أو رواية الماء المعروفة. (٢) لياغداله، لو يغدو له. وهنا تختزل اللفظة ويحذف منها بعض الحروف وهذا يكاد يكون مطرداً عندهم ومثله (اليارجب) لو يركب ... (١) العفاريت بطن من شمر على ما سيذكر. (٢) الوادي. (١) عكاب وحيال الغواجي رؤساء ولد سليمان من الفدعان من عنزة. (١) ص ٤٠ - ١ (١) التفصيل في تاريخ العراق قسم حكومة المماليك (١) ابو نواف محمد العبد الكريم من رؤساء آل محمد. يقول: ان الناقة المسماة رمحه قد فتلنا عقالها، ويا ايها النذير خبر محمد العبد الكريم بان الدنيا دلوها دائب في عمله ولكن (فنه) اوامره القاسية لا تمضي علينا، ونحن خطونا على ما هو المطلوب، نمضي على الطريق الصعب ولا نبالي. (١) عشائر العرب ص ٣٩ - ١. (١) جمهرة اللغات: مخطوط له.

стр. 132

(١) جاء في قلب جزيرة العرب بلفظ " الجحيا " بدل " اليحيى " وليس بصواب، لظنه ان كل ياء اصلها جيم في لغتهم. (١) عنوان المجد في تاريخ نجد في سنين مختلفة. وحاضر العالم الاسلامي. وقلب الجزيرة. (١) عنوان المجد وحاضر العالم الاسلامي ج٤ ص١٧٢. (٢) قلب جزيرة العرب ص ٣٤٩. (١) عشائر العرب ص ٤٧ - ١ (١) راجع مادة شمر من دائرة المعارف ج١٠ ص٥٧٣ (١) ينطقون بالجيم ياء. وهذا غالب في اكثر شمر. (١) همينية مقاطعة معروفة في العزيزية. (١) انساب السمعاني ص٤٠١ - ١ (١) نهاية الارب ج د ص٢٢٠. (٢) ص٤١ غاية المراد في الخليل الجياد. (١) راجع تاريخ العراق بين احتلالين. (٢) عنوان المجد للحيدري. (١) عشائر العرب ص ٥٦٠٢ (١) عشائر العرب ص٥٧ - ١. (١) عشائر العرب ص٥٨ - ٢. (١) عشائر العرب ص٥٨ - ١٠. (٢) عشائر العرب ص٥٨ - ١. (٣) عشائر العرب ص ٥٨ - ١. (١) عشائر العرب ص٥٧ - ٢. (١) في تاريخ العراق بيان الوقائع، وتعيين الصلة، وسلسلة الأمراء والملوك وأوضاع هذه الحكومة في ظهورها ونمرها وهبوطها، ثم استعادتها مكانتها، وسعة نطاقها. ومن المراجع " مثير الوجد في تاريخ نجد "، و " عنوان المجد في تاريخ نجد " لابن بشر، وعنوان المجد للسيد ابراهيم فصيح الحيدري، وكتب أخرى كثيرة جداً مثل دوحة الوزراء وغيرها من مراجع تاريخ العراق. (١) عشائر العرب ص٥٨ - ١. (١) عشائر العرب ص٣٤ - ١. وضبط الايدي هكذا، (١) مطالع السعود ص١٣٦. (١) شرقي الأردن ص١٦٦ و ٢١٥ و ٢٦٨. (٢) عنوان المجد في تاريخ نجد ص٢٦١. (١) عنوان المجد في تاريخ نجد. (٢) عنوان المجد ص١٣٤ ج١. (١) تاريخ الكولات ص١٥. (١) بين في كتاب قلب الجزيرة أنهم (الظرعان) وهذا غير صحيح. (٢) وفي رواية جاء عوض الشطر الأخير: ننحي العدو عنكم بعيد (١) نهاية الارب في أنساب العرب ص١٩٤. (١) قدم الرجل. (٢) الابل. (٣) الشجعان. (٤) الأماكن العالية. (٥) البنات الحسان. (٦) تلول. (١) الأوطان. (٢) الشحم. (٣) الابل السمينة للركوب. (٤) آصل الجلال والمال. (٥) السبتة. (١) الحية. (٢) بنت جميلة مزيونة. (٣) قطيع ابل. (٤) الخدود. (٥) سمينة. (٦) ليس لها خصر. (٧) ضعنوا، وقطعوا حوله وهي مرحلة بعبده. (٨) شهرية هي الحمار الحساوي. (٩) الهروال ما يسمى بالرهوان وهذه اللفظة فارسية أصلها رهروان وتعني الهرولة. (١) شاعر بدوي مشهور. (١) القلايع ما يغنمه الغزاة من خيل العدو بعد قتل فارسها ومفرده قلاعة (كلاعه) ... (١) الخؤولة عند العرب - سمط اللئالي ج٢ ص ٧٩٤ - ٧٩٥. (١) بتسكين تاء التانيث في غالب الاسماء. (٢) كاعب حسناء. (١) نسوسي خائف، وأله الا.ان (٢) بلوسي صاحب نميمة. (٣) تكلع - ول، ارهج - اعيط، ينهكى - يؤمل. (٤) لما ان. (٥) احزب على نفسك، تأهب. (٦) اللي - الذي، اليا - اذا. (٧) دوا به - رمى به. (٨) ويا - مع، يم - عند. (١) الزبيدي الكماة. (٢) كرون هي القرون ويراد بها خصلة الشعر. (٣) الماص اقوى من الفولاذ. (٤) الخيل. (٥) رأسها. (٦) سيفه. (٧) الفراشه حديد الفرس. (١) أخو محروت. (٢) صجري. (٣) من الصكور. (٤) الزمل من الابل. (١) طبعا معاً في مطبعة بريل لندن سنة ١٩٢٨م. (١) اصلها. (١) الوز القطاة من الظهر. (٢) الجين الرسغ. (٣) الحجب وسعة ما بين الفخذين. (١) هل مخفف (هذا ال) يريد وهذا الوجه! (١) الاعلاق النفسية ص١٩١. (١) أمالي القالي ج١ ص٦٤. (١) شققت. (١) كلمة للمؤلف كمقدمة لكتاب - تعليقات على نظام دعاوي العشائر - للفاضل السيد مكي آل جميل طبع ببغداد سنة ١٣٥٤هـ - ١٩٣٥م. عشائر العراق ٢ الكردية يبحث في أصل العشائر الكردية وتفرعاتها ومواطن سكناها وما يتعلق بسائر أحوالها التاريخية والحاضرة بِسْمِ اللهِ الرَحمن الرَحيم الحمد لله رب العالمين، والصلوة والسلام على الرسول الكريم محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 133

أما بعد فأقدم للقراء الأفاضل كتاباً جديداً من نوعه في عشائر العراق، لم يسبق أن كتب أحد كتاباً في موضوعه في اللغة العربية، أو زاول مباحثه بسعة فيها ولما كان أول تجربة فلا شك أنه لا يخلو من نقص مهما بالغت في الإتقان، وليس الأمر مما يتيسر القيام به لواحد، ولا يكفي فيه التتبع الفردي، والأمر الاجتماعي يحتاج الى تكاتف لتثبيته ومراعاته. والمرء لا يستطيع البت في كافة المطالب الاجتماعية، ولا يحيط بها، وانما الالتفات يتأتى بضم الجهود والمراجعات العميقة، والتعاون في العمل وأرجو أن يتم ذلك على يد أفاضل كثيرين، فلم أتردد في نشر ما علمت، وما لا يدرك كله لا يترك جله. فلا شك ان هذه البضاعة المزجاة لا تعدم فائدة. وآمل أن تنال القبول وتكون فاتحة خير لمباحث أخرى من نوعها. والله ولي التوفيق وبه الاستعانة. المقَدّمَة منذ أمد بعيد جداً أحاول التدوين عن الشعوب العراقية، وما كان لها من أثر أو تأثير في العراق في مختلف أنحائه، وتاريخ هذه الشعوب واسع الأطراف، طويل الذيل، متشعب جداً، لم يعهد أن عرفنا شعوبه معرفة صحيحة، لما ينتابها من الغموض، وما يتولاها من عماء وقلة نصوص. وهذه الشعوب لم تلاحظ منفردة، ولا بحث فيها العلماء بصورة منتظمة ومضطردة. والنتف القليلة، أو بعض الأوصاف لا تغني الباحث، ولا تروي غلته.. خصوصاً بينها ما يعد نبزاً. والحالة العشائرية تبصر أكثر في الأسس الاجتماعية من جراء أنها تعد ابتدائية وبسيطة، فلا تدع مجالا للتشعب والانتشار، فهي أولى في البيان وأحق بالرعاية، ومنها يتعين أصل المباحث، ومهماتها.. لتكون الحالة أقرب الى بدء التكوين، ثم ما يتلوه يعين الأوضاع بصورة أكمل وهكذا حتى منتهى الثقافة. والعراق في الحقيقة يستمد نفوسه من ناحيتين مهمتين إحداهما العرب، والأخرى الكرد، فمنهما يستقى غالب نفوسه، وبهما قوام حضارته، فيسد الخلل الناجم في النفوس من الأمراض والأوبئة أو الحوادث الأخرى فالجبل منبع كبير، وكذا جزيرة العرب، فكانا عماد المجتمع وركنه الركين. فلا نستطيع أن نغفل أمر واحد منهما، والاكتفاء بالآخر، فكل تناقص أو خلل يعوض بما هنالك، ويزيد في النشاط ويجدد الحياة والدم. وتاريخ الكرد، وعشائرهم في العراق قديم كقدم العرب فيه، فهما صنوان متكاتفان، الواحد متمم للآخر، أو عونه ومدار عزه ونصرته. والعشائر الكردية موضوع بحثنا لها مزايا وأوصاف جليلة، تستحق كل إطراء، ولا تخلو أمة من معايب، في نظر غيرها وهذه لا تكون مدار الاقتداء ولا وسيلة المتابعة، وإنما يجب أن نحرص على المزايا الفاضلة عند الكل، واقتباس ما يصلح، وما يليق أن يكون قدوة.. والعرب والأقوام الآخرون بحثوا في سجايا الأقوام، ودونوا عنها، ولم يتركوا حتى الحيوان للانتفاع بخصاله وما الأمثال المضروبة، والحكايات المنقولة الا تدابير للاستسقاء من معينها وجعلها واسطة للانتباه. وهذه الأمة مجاورة للعرب، ومساكنة للعراق وهي من أعظم الشعوب العراقية فالإنصاف يدعونا أن لا نهمل أمرها، ولا نتركها ظهرياً بلا علم ولا كتاب مبين، فنقف على حياتها ومعيشتها في رحلة الشتاء والصيف، فتكون المعرفة بها في متناول كل أحد بدراسة غير منقطعة، يكمل بعضها الآخر حتى تكون عميقة، وقد قيل قديماً " العلم كله في العالم كله " فلا تستقر المعرفة، ولا تقتصر على عدد معدود. بل أقول أكثر ما علمته من أصل القوم، وحالاتهم الاجتماعية، وما شاهدته فتأثرت به من مشاهد ومطالب، كان أصل المادة، وأما ضم الجهود، ومراعاة الفكرات المختمرة بالرجوع الى التاريخ ونصوصه فهذه بذلت لها المستطاع، لتكون كاملة، أو بالتعبير الأولى أن تكون مقدمة التوسع والتكميل، والزيادة والتعديل والتصحيح. جربت هذا الموضوع ، وبحثت كثيراً، وحررت المشاهدات، وأوردت النصوص المنقولة، والأمل أن يجد المرء ما يطمئن بعض رغبته. الموضوع

стр. 134

في هذه المباحث لا يهمنا الا " عشائر العراق "، فلا نتجاوزها الى غيرها الا لعلاقة مشهودة، أو اتصال مكين. لا نهمل العلاقات بالمجاورين، لا سيما عشائر الحدود، ومكانتها من هذه الناحية. ولما كانت القبائل متفاوتة في المكانة، فالضرورة تدعونا أن نفصل بعض النواحي، ونجمل الأخرى.. وفي حالات التماثل لا نكرر الوصف ولا نعيده الا لسبب ولا نخرج عن ذلك الا لحاجة اقتضت.. وفي هذا سوف لا نفصل بين البدو، وأهل الأرياف كما في " العشائر العربية " لأن العشائر الكردية في الغالب من أهل الأرياف، وقد استقرت من زمن بعيد جداً، ولم يبق منها على البداوة الا القليل، وهؤلاء في الحقيقة أقرب الى الحضارة، وسكنى القرى والمدن ومن هذه الجهة نرى الفروق بارزة، والأوصاف واضحة بينهم وبين العرب لما سنتناوله في محله سواء عند الكلام على القبيلة، أو أثناء ذكر القبائل بصورة عامة مما يصلح للاشتراك ويعم الجميع.. ومن ثم سوف نعين القبائل العراقية، وبعد ذلك نراعي الحالة العامة، ولا يهمنا سرد المطالب بمفرداتها.. الا أننا نقدم بعضها للدخول في مثل هذا الأمر لنجعله كتمهيد، ولا نتجاوز الحد المألوف في البسط والتوضيح.. وإنما نراعي الضروري لمعرفة الشعب، فنجعله الوسيلة للغرض الذي توخيناه. وغالب القبائل متفرقة المواطن غير مجموعة فقد رأينا ان القبائل الكردية غير تابعة للواء بعينه أو مقصورة على مواطن بخصوصه، فذكرنا ما وصل إلينا خبره منها دون تقيد، وان عشائر كل لواء معروفة فلا يهمنا إلا أن نبسط القول في الواحدة تلو الأخرى مرجحين ترتيب الألوية بقدر الإمكان وان كان الاشتراك مشهود في بعضها. وكنا نعتقد إن مجلداً واحداً يكفي لجميع هذه القبائل، فوجدنا فيها كثرة ورجحنا إن نجعل هذا القسم بين أيدي القراء، ثم نقدم ما يتلوه من عشائر القبلية، كما أننا فصلنا القول في عشائر اليزيدية في كتاب اليزيدية المعد للطبع ... ولا أدل على هذه العشائر أكثر من الدخول في مباحثها.. المراجع إن الكتب التاريخية بوجه عام لا تهمل أمر الكرد عند بيان الحوادث أو عروض المطالب، ونرى في هذه توسعاً أحياناً، وضيقاً أحياناً أخرى، ولا مجال لذكر كل كتاب تعرض للمطالب التي هي موضوع بحثنا، بل من المهم أن نتناول أكثر المؤلفات فائدة، وأجلها عائدة في مطالبها وأغراضها بحيث يصح أن تعد مرجعاً أصلياً. وإلا طال البحث واستغرق صفحات كثيرة وموضوعنا لم يكن مقصوراً على بيان المراجع ومصادر المطالب.. ومن أجل هذه المراجع: ١ - مسالك الأبصار، وهذا الكتاب رأيناه في خزانة كتب أيا صوفيا باستانبول سنة ١٩٣٤، و ١٩٣٩م. وكان هذا التاريخ من أجل الآثار عول فيه على عراقيين أكابر، دونوا ما علموا عن الكرد في العراق وزادوا في الإيضاح لأيام المغول. والكتاب رأيت منه مجلدات كثيرة، وبعضها يختص بموضوع الكرد، ولم ينس أن يتناول مؤلفه مطالب عديدة عن العراق بل أن تدويناته عنه من أجل ما دون في ذلك العهد، وفي نظرنا من أعز ما هنالك أخذه عن عراقيين عديدين، ثم أنه قد اعتمده من جاء بعده مثل القلقشندي في صبح الأعشى، ومثل النويري في بلوغ الأدب، فهو أصل ومرجع من أعظم مراجع البحث ومن أجلها نفعاً.. ٢ - تقرير درويش باشا: وهذا تقرير قدمه رئيس لجنة الحدود عن المنازع فيه بين الدولة العثمانية، والدولة الإيرانية، وكان تقديمه سنة ١٢٦٩هـ - ١٨٥٣م أوضح فيه الوثائق والمشاهدات في الحدود، وممر خطوطها، وبيان وجهات نظر الدولتين والمواضع المختلف فيها ووجود الخلاف وما يستند إليه، وكانت قد طالت هذه التحديدات لمدة ٤ سنوات، فكان هذا التقرير من أجل ما يعين مواطن الخلاف لما بين العراق وإيران ويبين القبائل الساكنة في الحدود، وأوضاعها المعروفة. ومن بين القبائل التي تعرض لذكرها " عشائر الكرد " لما بين العراق وإيران. فلا شك أنه من المراجع النافعة جداً في التعرض لعشائر الحدود، ويستند الى وثائق لا يستهان بها بل يعد من أجلها لما قبل مائة سنة تقريباً. ولا يستطيع سياح أن يدون بتحقيق ما دون بالاستناد إلى أناس عارفين والى وثائق مقطوع بها تاريخية وغيرها. طبع سنة ١٢٨٣هـ، وسنة ١٣٢١هـ في مطبعة احسان باستانبول.

стр. 135

٣ - سياحتنامهء حدود: وهذا من أجل ما كتب في العشائر الكردية جاء متمماً لسابقه ولمسالك الأبصار، ومؤلفه خورشيد باشا كان مكتوبياً في نظارة الخارجية " وزارة الخارجية " فأوعز اليه الوزير أن يمضي مع " رئيس البعثة " أو " لجنة الحدود "، ويدون جميع ما يمر به من قرى وبلدان وعشائر، ومواقع، وأن يتوسع في مباحثه، فلا يترك صناعة أو صفة أو أثراً، وأن ذلك مطلوب السلطان ورغبته الأكيدة في ذلك وأن يهتم للأمر ويعني به عناية زائدة. وبعد أن أتم مهمته ووفاها حقها قدم هذا الكتاب الى السلطان فقام بالمهمة خير قيام، وجاء مكملاً، أوسع في المطالب، وأطنب في كثير من الأغراض، وأجل ما فيه مشاهداته الخاصة بالبلدان وبالعشائر. ووثوقه مما استند اليه من خبراء ووثائق وحالة حاضرة ويعد من خير الآثار في موضوعه، كتبه في الوقت الذي قدم درويش باشا تقريره وفي هذا ما يعين حالة العشائر أوضح للمدة السابقة لما قبل مائة سنة، ولا شك أنه جاء بما يستفاد منه كثيراً. ويعد من أعظم المؤلفات في موضوعه لاعتماده على أكابر رجال المعرفة، وأهل الخبرة، فلا يأخذ عن كل أحد وإنما كان يعول على من هو عمدة. ويظهر الخلاف والاختلاف أثناء المقابلة والفرق بينه وبين تقرير درويش باشا أن هذا رسمي، لا يتوسع فيما لا يهم الحدود وما لا يتعلق بها، فجاء هذا متمماً. عندي نسخة مخطوطة منه مذهبة، معتنى بها بالغة العناية في الاتقان، فهي من المقتنيات النفيسة لما فيها من صحة ودقة في النسخ وجودة في الخط، عدا التزويق، والتذهيب، وكل ما يقال في وصفها قليل. والمهم انها فوق كل سياحة، أو تدوين عابر، فلم يقع فيما وقع فيه كثير من أهل التتبع إلا أن معلوماته التاريخية ضيقة فلم يسعه المجال لأكثر مما كتب.. ٤ - الشرفنامة: وهذه من الآثار الخاصة بالكرد، وقبائلهم ولا نرى قبيلة في أغلب الأحيان إلا ونشاهد لها أصلاً في هذا الكتاب. تصل حوادثه الى سنة ١٠٠٥هـ، ولم يوصل أحد هذه المباحث الا أن الوثائق بعده ليست بالقليلة، فيصح أن تطرد الى اليوم.. ولكننا لم نر من أكمل حوادثه، أو أتمه إلا ما رأينا في تقرير درويش باشا وفي سياحتنامهء حدود، وفي ياقوت وابن فضل الله العمري والمطبوع من الشرفنامة لم يحو الوقائع على السنين. وقد رأيت مخطوطاً من الشرفنامة يشتمل على المطبوع وعلى الحوادث من أيام المغول من سنة ٦٨٩هـ الى عهده بعد أن يدون مقدمة في آل عثمان وسلسلة نسبهم والكتاب مطبوع في مصر ولم يعين تاريخ طبعه وله مقدمة مهمة بقلم الأستاذ " محمد علي عوني " تصلح أن تكون من المراجع المعتد بها إلا أنه جاء ناقصاً عن النسخة المخطوطة المحتوية على ذكر الوقائع من أيام المغول الى أيام المؤلف وبالتعبير الأولى إلى سنة ١٠٠٦هـ. ولا شك أن من يزاول أمر البحث في الكرد يضطر أن يرجع اليه وإن كان لا يصلح أن يعد مصدراً وحيداً. ٥ - تاريخ سليماني: لمعالي الأستاذ محمد أمين زكي، طبع باللغة الكردية في مطبعة النجاح سنة ١٣٥٨هـ - ١٩٣٩م. وقد استفدت منه بالاستعانة بمن يعرف الكردية، وعلاقته بموضوعنا مهمة جداً إلا أنه لم يتعرض للقبائل إلا قليلاً، ولم يفصل عنها. ومؤلفه عالم فاضل. ٦ - تاريخ الكرد وكردستان: له أيضاً. وهذا قد جاء فيه قائمة بعشائر الكرد، وإن الكتاب نقل الى اللغة العربية وطبع سنة ١٩٣٩م ولا شك أنه من الكتب الأصلية المهمة. ٧ - كرد: كتب باللغة الإيرانية. من مؤلفات الأستاذ رشيد ياسمي من أساتذة جامعة طهران ولم يعين تاريخ طبعه إلا أنه من المطبوعات الجديدة في مجلد ضخم تعرض فيه للكرد قبل الإسلام وبعده، ونقل الآراء العربية، وغيرها فهو من المراجع النافعة المعتبرة الا أنه عام في مباحثه، فلم يتصل بالعشائر، ولا بالمواطن الجغرافية. ٨ - الأكراد: من فجر التاريخ الى سنة ١٩٢٠م محاضرة ظهرت في رسالة طبعت سنة ١٣٥٣هـ - ١٩٣٤م، من تأليف الأستاذ رفيق حلمي. نقل من مؤلفات غربية في أصل الكرد.

стр. 136

٩ - من عمان الى العمادية أو جولة في كردستان الجنوبية: هذا الكتاب ينم عن دراسة في تاريخ الكرد مزجها بمشاهدة وغالبها تستند الى السرفنامة، أو بالتعبير الأولى لتقوية المعلومات والتثبت منها بهذه الجولة أو الجمع بين التاريخ وهذه الجولة وكأنه يكتب عن اطلاع واسع، ولا شك أن هذا الأثر غالب معلوماته صحيحة، ولكنه يحاول مؤلفه أن يظهر ككردي متعصب أو معاد للدولة العربية في العراق، وبالتعبير الأولى كتابه لإرضاء طائفة بما تهوى فلم يكن علمياً. ومعلوماته الحاضرة بسيطة من الإداريين ومن الشرفنامة، وكان الأولى به أن لا يعادي بين الشعوب العراقية، ويقرب للألفة، ويدعو للأخوة إلا أنه خاب في ما طلبه وخذل في مسعاه وكانت جولته قد بدأت في ١١ تموز سنة ١٩٣١ وأنهاها في نحو ٤ آب سنة ١٩٣١. ١٠ - كردلر: منقول من اللغة الألمانية الى التركية. وهذا الكتاب يعين فيه مؤلفه اتجاهات مهمة ولا يخلو من أغلاط كثيرة لم يتثبت منها المؤلف، ومباحثه مقتضبة، وآراؤه فيها الحق والباطل، والصواب والغلط.. وكان من اللازم أن يحقق الموضوع، ويعين المطلب عند نقله الى التركية، فلم يراع ذلك مما يعد نقصاً، ومثل هذا النقل قد يوقع في مجموعة أخطاء، فيضر علمياً، طبع سنة ١٣٣٤ باستانبول في المطبعة الاورخانية نقل الى التركية وأصله للدكتور فريخ كان قد نشره المجمع الشرقي في برلين، والطبعة التركية من نشريات مديرية العشائر والمهاجرين. أما تحامله على مؤرخي العرب، فهذا نتيجة فكرة خاصة للمؤلف في تبعيد العناصر وإلقاء بذور العداء بينها وهذه شنشنة متبعة عند كثيرين من الغربيين، فإذا كان قد عد الانفصال الإيراني عن العرب حادثاً مهماً بدت آثاره في التشيع واتخاذه طريقاً لتقوية الخلاف والانفصال، فلا ريب أنه لم تركن الى ما يبرر اعتبار القومية الكردية وتوسلها في هذا الانفصال في حين أن العرب لم يشأ واحد منهم أن يجعل " أمة " مندمجة في أخرى، أو قريبة منها بأمل هذا الاندغام أو الاندماج، وإنما رعوا أمراً أجل، وهو الأخوة الدينية، ولا تضرها اختلاف القوميات، واستقلال كل أمة بعوائدها، وآدابها ولغاتها. وآية " جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ... " مما قربت بين الأقوام وإيجاد العداء باعد بين الشعوب الغربية التي لم يستطع دين أن يقرب بينهم، أو أخلاق عامة تؤلف.!! الأمر الذي اضطرهم الى حروب طاحنة، ونزاع دائم لا يستطيعون أن يتوقعوا منه ضررهما ... وهناك تواريخ تركية وفارسية عامة تتعرض لبعض الحوادث، وهي كثيرة، وربما نتعرض للنقل منها. ولعل في هذه المراجع ما يعين مكانة البحث، والاهتمام به من مؤلفين عديدين. وهناك مؤلفات إيرانية عديدة، ومباحث علمية تركية في كتب ورسائل ومجلات لا تنكر الاستفادة منها ولا من المؤلفات العربية العديدة. وأكبر من كل ذلك تعيين الصلة بقدر الامكان بين العشائر الحاضرة، وبين ماضيها. وقد بذلت الوسع للحصول على هذه المعرفة سواء بالرجوع الى هذه الآثار وأمثالها أو الى أصل القبائل واستنطاقها. وقد قضى ما عليه من بلغ الجهد ... الاسرة هذه أصل القبيلة، أو القرية، أو المدينة. ومن اللازم التعرض لها، والاتصال بمباحثها مباشرة. وتفترق هذه عما عند العرب من وجوه عديدة. فيصح أن يقال إنها كانت سائرة على خلاف ما عند العرب. فلا يحتفظ بها لأكثر من تكون البيت، ومن ثم تزول كل علاقة، وتنقطع كل صلة نوعاً. وتوضيح هذا يستدعي تفصيلاً زائداً، فالرجل مرتبط بزوجه وولده حتى يكبر ويتزوج. ومن ثم تضعف صلته، ويقل اتصاله. ومن الجهة الأخرى ان أصل أسرته لا يرتبط به كثيراً، بل يحاول أن يقوم بنفسه فيجعل حبله على غاربه. ومعنى هذا ليس المقصود منه الانقطاع التام من كل وجه، وإنما يتعين في هذا تكاتف القبيلة أو القرية فيكون من أفرادها، فيراعى مقرراتها بصورة عامة، كأنه عاش في أسرته مدة ليكون ابن القرية أو القبيلة. وكثيراً ما سألت الكرد، وتحققت عن أنسابهم وأسماء أجدادهم فكان استغرابي عظيماً جداً لما أن أخفقت فرجعت بصفقة المغبون، فلا يتمكن الأكثر من الإجابة لأزيد من جدّ إلا القليل من الرؤساء، والعبرة للسواد الأعظم، لا يعرفون غير اسم الأب أو الجد، ثم القرية، واسم القبيلة، وما سوى ذلك لا يلتفتون اليه، ولا يبالون به مهما كان. والعرب في هذه الحالة يفترقون عنهم.

стр. 137

وكأن الرجل من هؤلاء ابن قريته، أو قبيلته التي عرفها باسمها العام الشامل. ولا نشاهد أسرة تعرف أكثر من أنها أسرة، ولا تعلم اتصالها بغيرها الا أن تكون من أسرة إمارة أو ما ماثل مما يدعو للاحتفاظ ... والرجل بعد أن يكبر، ويستطيع أن يعمل لنفسه لا يرون ضرورة للاحتفاظ به، أو الاتصال الأبدي ومن ثم ينفصل من أسرته، ولا يعرف غير نفسه وغير قريته أو قبيلته. لا نرى للأسرة فروعاً تمت اليها. وبين أيدينا قبائل عديدة، ليس لها ما يؤيد تفريعها. وأسرة الأمراء مستثناة، تحفظ لنفسها بذلك، ولا تتجاوز الحالة غيرها.. والأمثلة كثيرة في قبائل عديدة، ويعرف ذلك من تفرعاتها، أو من البحث في القبائل ومن مجموعها لا نرى ارتباطاً في الأسرة، أو صلة دائمة مستمرة اللهم إلا أن تكون في القرية، أو في المحلة. والألفة المحلية بل المجتمع مدار التعارف. وهو أصل لا يهمل شأنه في التفسير ... القبيلة أو العشيرة من أغرب ما نرى في الكرد أنهم ليس لهم قبيلة أو عشيرة بالوجه المعروف عند العرب، إلا أن نريد بها " المجتمع الصغير "، فيصلح أن يقال هنا عن العشيرة أو القبيلة انها المجتمع الصغير. والملحوظ أنها من جملة أسر متماثلة، ويصح أن يقال عن بعضها أنها من أصل واحد أو من أسرة واحدة. وهذا لا نرى له اطراداً في الكرد، ولا في إيران. تحققنا كثيراً، فلم نجد ما يعين أن القبيلة تنتسب الى جد واحد، بل في الغالب الى محل أو قرية وكأن هذه القرية هي جد وأصل. مما يدل على الارتباط المكين بين الكرد ومواطنهم على ما نرى في مباحث القبائل وتحقيق أسمائها. ولا مجال لقبول انها من جد واحد، بل كل من يساكنها يعد نفسه منها، وينسى أصل ما درج منه إلا أن تكون مجموعة عرفت قبل أن تتمكن وذلك من طريق الهجرة، أو النزوح أو الغوائل. وربما يكون من أصل أو جد إلا أن هذا غير مقصود، وإنما كان من مقتضيات طبيعتها. والأمثلة " بلباس "، و " دزه يى "، و " طالباني " فهذه منسوبة الى مواطن على ما سيأتي توضيحه في محله، والأفخاذ غالبها قرى، أو أسماء رؤساء اشتهروا، فعرفت بهم، أو الذين حلوا بعض المواطن، وبنوا فيها فسميت بأسمائهم. ولا دليل لنا أكبر من الأمثلة المشاهدة والقريبة العهد في التكون. فإنها بأسماء الأشخاص أو المواطن، أو التلول التي بجانبها، أو الأنهار. وهكذا مما لا يحصى عده.. والآثار التاريخية تشير الى هذا. وكل عشيرة أو قبيلة نوضح بقدر الإمكان منشأ تسميتها. فلا نتوسع هنا في أمر تأتي أمثلته العديدة، والغرض إلفات الأنظار الى تكون العشيرة أو القبيلة بصورة عامة. وعلى كل حال تتألف القبيلة من أسر مجموعة في موطن، ولا يشترط أن تمت كلها الى جد واحد، وقد تتصل بحيث تعد كلها متصلة بجد، ولكن هذا لم نتحققه في عشيرة بكل فروعها.. ولعل معنى العشيرة في العربية يصدق على هذه، فالألفة هي واسطة الاجتماع، والتكاتف للأسر أكبر دليل على أنها قبيلة لا غير.. وقد سألت بعضهم فبين أنه ساكن في هذه القرية، ولا يدري غير ذلك، وهكذا آخرون مما لا يدع ريباً في أن القوم لا يعرفون سوى قراهم، وسوى رؤسائهم وأكابرهم. فهم الكل في الكل (١) . وتارة تسمى القرى باسم رئيسها العام المتسلط عليها، ويستمر اسمه الى أولاده فمن بعدهم إن دام حكمه، وبقي أمره نافذاً عليهم. ومثل هذه لا تعين الغرض المطلوب في القبائل العربية، ومن ثم نجد الاختلاف في بنية الجماعة وتشكيلاتها وارتباط بعضها ببعض. هذا وللأمراء والرؤساء بحث خاص بهم، فلا نتوسع في سلطتهم وإدارتهم هنا حذر أن يتداخل موضوع في آخر مثله. وكل ما نقوله هنا أن الرؤساء والأمراء العامين ناظمو وحدتهم وعقد اتصالهم وواسطة توحيد مجتمعهم وكيانهم. وقد بسطنا في عشائر العراق الكلام على تكون الأسرة والقبيلة العربية ومنها يعرف الفرق (٢) . الرؤساء والأمراء كل قرية لها رئيس يقال له (كتخدا) ، أو (تشمال) ، أو (كوخه) بالنظر للمحال والمواطن ومصطلحاتها، وهؤلاء لهم كل السلطة على القبيلة، وحق إدارتها فلا يخرجون عليهم ولا يتجاوزون رغبتهم، ولا يخالفون أمرهم ...

стр. 138

وهؤلاء أشبه ب (السراكيل) عندنا، وتدخلاتهم محدودة، ويعدون رأس القرية وناظمها، وفي كل حالاتهم يقومون بالتفاهم مع الأمراء ومع الملاكين، فيتعهدون إشغال الزراعة أو الأمور الأخرى. فلا يصح التفاهم مع كل واحد، ولا يتيسر القيام بالأعمال المنفردة مع كل بحياله، وإنما الرؤساء يقومون بالمهمة، ويراعون أحكامها وهم (مختارو القرية) . وطريق استفادتهم من أهمها الحصة من المزروعات يأخذونها رأساً من الملاكين، أو يقومون بالزراعة باستيجار الأراضي منهم، وينالون حقوق الملاك والسركال.. ومثل ذلك التفاهم مع الأمراء، ومع الحكومة فهم واسطة التفاهم بين أهل القرية وبين الخارج ... ولا يشترط أن يكونوا من نفس القبيلة أي من سلسلة رؤسائها. بل أن ذلك تابع للمواهب ولا يبالون ما إذا كان الرئيس حديث العهد أو قديماً في القبيلة أو كما يقولون في القرية المسماة (دَي) (١) أو (ده) الفارسية.. والكلام على الرؤساء يتعلق بأحكام القرية وعلاقاتها بأمرائها وبحكومتها وبالمجاورين، وهي إدارة صغيرة بل أو ل إدارة بسيطة، وتشكيلاتها ابتدائية ثم تتوسع الإدارة وتتضخم.. والإمارة أقل تدخلاً، والعلاقة بها أقل، وهي عامة تشمل جملة قرى، وتتناول إدارة أكثر من قرية بإيجاد ناظم للقرى، ومدبر لها أو مدير يتعهد شؤونها وهذه تختلف في توسعها عن الإمارة العربية، فإن الإمارة العربية تنشأ من تضخم القبيلة بحيث يكون كل فرع قد نال شكل قبيلة. والرئيس العام لها يتولى إدارتها وهو بمنزلة رئيس القبيلة كما أنه منها، والقبائل التي تحت سلطته تكون بمنزلة الفروع بل هي الفروع. وفي القبائل الكردية هذه ليس بشرط (١) ولكن قد يتناول قبائله التي تضخمت بما تكاثر منها بمرور الأزمان، وما انضم اليها فصار يعد منها.. فالجاف إمارة لنفس القبيلة المتكاثرة مع ما انضم إليها من القبائل بحيث بقيت محافظة على وضعها الأصلي. وأما (إمارة بابان) فإنها تتناول قبائل مختلفة، وقرى متباينة فكانت هذه أشبه بالحكومة أو هي الإمارة بعينها. ويوضح صلة الأمير أو الرئيس العام ما جاء عن إمارة الجاف في النصوص التاريخية التي نقدمها، وكذا يقال في غيرها، وذلك أن الدولة تفرض ضريبة على قبائل الجاف، ويتولى أمرها (أمير الجاف) ، وله عائدات منها أو من غيرها بعد أن تكون بنجوة من الحكومة بما تدفعه إليها.. وفي كل الأحوال نرى القبائل أو القرى في طاعة تامة لرؤسائها وأمرائها لا تكاد تشبهها طاعة، ولا يوازيها إذعان في أكثر من عرفنا في أنحائنا.. بل لا يعرف هؤلاء إلا خالقهم وإلا رؤساءهم. تلك هي الإذعان التام.. ومن ملك إذعانهم وكان حسن التدبير، قويم الإدارة، نافذ النظر ملك بهم ما شاء، وسيرهم السيرة المرضية التي يبلغ بها حداً لائقاً، ومبلغاً فائقاً ... أصل الكرد لا نمض الى عشائر الكرد دون أن نبدي كلمتنا في أصل الكرد. وقد جرت تحقيقات عديدة في أصلهم قديماً وحديثاً، ومن المؤسف أن نرى معالي الأستاذ محمد أمين زكي يقول: " الآثار القديمة الخاصة بالشعب الكردي. المكتشفة حتى الآن لا تعطينا فكرة قاطعة عن أصل الكرد ومنشئهم. فلم يحن الوقت الذي يمكننا فيه أن نبدي رأياً حاسماً في مثل هذا الموضوع التاريخي. " اه (١) وفي هذا ما يشجع على البحث، وان الآراء يحتفظ بها، ولكل الحق في إيراد ما عنده. والمدونات العربية في الكرد وأصلهم بصورة عامة كثيرة جداً، تعرضوا لها أثناء المباحث، أو عرضوها. والعرب لم يدعوا ناحية تتعلق بهؤلاء القوم الذين عاشوا معهم، أو جاوروهم إلا طرقوها، وتكلموا على قبائلها وأصولها فكانت مباحثهم جليلة على أن الكرد كانوا معروفين قبل الإسلام بعصور لا يدري أولها إلا أننا لا نجد المدونات عنهم وافية وصحيحة. أما القومية الكردية فلا شك أنها كانت موجودة، وأيدها العرب في تواريخهم، سوى أن الأمم لم تكن آنئذ موضوع المتتبعين والمؤرخين فلا يلتفتون الى الأقوام ونشوئها، بل الأمر يتناول الدول والملوك وأعمالهم لا غير.

стр. 139

والكرد من العناصر الفعالة في العراق أيام العهد الإسلامي، ولهم الأثر الجميل في كافة أنحاء المعرفة والإدارة والعمل للحضارة. وهم قوم قائم بحياله على الأرجح ولم يكن من بادية إيران كما توهم البعض بل يصح أن تكون إيران قد تولدت منه، وبنت ثقافتها على أساس البداوة الكردية، واستقت نفوسها - بلا ريب - من الكرد أو من بعض أقسامه القريبة منها. والأدلة كثيرة على قدم هؤلاء، ورسوخهم في الحضارة، فقد نزحوا الى المدن، وسكناها ومالوا اليها بألفة وقبول تامين، فلم يستنكروا ذلك، ولا عارضوا كما يشاهد في العناصر البدوية فإنهم مالوا خطوة إثر خطوة حتى وصلوا الى الزرع، ثم الى الغرس وتعهد المغروسات ثم تأسيس القرية وهكذا تدرجوا حتى فقهوا الحياة المدنية، ولكنهم لا يزالون حتى في أرقى المدن محافظين على بعض العوائد، والتقاليد القومية الموروثة، فلم يروا وسيلة لاهمالها، أو نسيانها فالكثير من الأمور لا يزال على حالته. والكرد أقرب الى تمثيل الحضارة، لم يمض أمد قليل حتى أصبحوا من أعضاء الحضارة النافعة. والتاريخ في مجراه، وفي حوادثه العديدة برهن على أن هذا العنصر منذ دخل الإسلام صار من أهم أركانه، وأخلص لعقيدته، وتأثر بمبدئه السامي. ومن ثم نال نصيباً وافراً من الحضارة ومكانة مقبولة، مرضية. الأمر الذي دعا أن يكون من أهم أركان نهضته.. وعلماؤه، وأدباؤه ومؤرخوه، ورجال سياسته ومدنه وصناعاته. كل هذه أكبر دليل تاريخي، بل شاهد محسوس لما ناله من المنزلة السامية حتى أن زراعه في إنتاجهم، وعماله بأعمالهم لا يقلون عمن ذكر من خدام المدينة. وهنا أستعرض بعض النصوص التاريخية فأقول: إن العرب بعد فتح البلاد المجاورة لهم صاروا يقيسون الأقوام والأمم من حيث النسب بمقياس أنسابهم وحاولوا أن يرجعوا الكرد كغيرهم الى قبائل، بل زادوا أن عدد الكرد من أصل عربي، وأيدوا عوامل المجاورة والاختلاط بعامل آخر، وهو العامل النسبي مراعاة لما كان يقول به رجال الكرد. على أن بعضهم رأى اللغة أقرب للفارسية، فاعتبروهم إيرانيين، أو أنهم أهل البداوة منهم. ولكن هذا كله لم يمنع أن يحتفظوا بقوميتهم وأنهم " كرد " لا " فرس "، ولا " عرب ". والآراء الواجبة التدقيق مما أشير اليه: ١ - أنهم من ولد كرد بن اسفند ياذبن منوشهر " منوجهر " من ولد ايرج بن فريدون المعروف، وهو أول الطبقة الثانية من ملوك الفرس، قاله في التنبيه والإشراف. ولعل هذا القول مبتن على وجود التشابه في اللغة، ولكن هذا غير قطعي فبعض لغات الكرد بعيدة كل البعد عن اللغة الفارسية. ٢ - انهم ممن أبقاهم وزير الضحاك في حادثة مرضه المعلومة (١) . وفي هذا ما يؤيد أنهم من الفرس عادوا الى البداوة، أو كما عبر عنهم ابن الشحنة بقوله " أعراب العجم " (٢) . ٣ - الادعاء بأنهم قوم من الجن كشف عنهم الغطاء لا يستحق الكلام، ودعوى أنهم أولاد العفريت تفصيل لهذه الشائعة المعطوفة الى النبز، فلا تستحق البحث.

стр. 140

٤ - قال المسعودي في التنبيه والإشراف أنه " قد ذهب قوم من متأخري الأكراد وذوي الدراية منهم ممن شاهدناهم الى أنهم من ولد كرد بن مرد ابن صعصعة بن حرب بن هوازن، وفي المروج أنهم انفردوا في قديم الزمان لوقائع ودماء كانت بينهم وبين غسان. ومنهم من يرى أنهم من ولد سبيع ابن هوازن. وقد علق المسعودي في التنبيه والاشراف على هذه الأقوال بقوله: " وحرب وسبيع عند نساب مضر درجا فلا عقب لهما. " فطعن بهذه الآراء، ولم يشأ أن ينسبهم إلى إحدى قبائل العرب. وقال: ومن الأكراد من يذهب الى أنهم من ربيعة بن نزار ابن بكر بن وائل، وقعوا في قديم الزمان لحرب كانت بينهم الى أرض الأعاجم، وتفرقوا فيهم، وحالت لغتهم وصاروا شعوباً وقبائل. فكان سبب تبدل لسانهم وهكذا الأقوال من نوعها. وبعد الإسلام اختلط بهم العرب، ولا نزال نسمع من رؤسائهم خاصة أنهم يمتون الى نجار عربي. وكل ما أقوله هنا ان المسعودي وأمثاله كتبوا عنهم، وسجلوا ما سمعوه منهم، ولم تكن آنئذ فكرة قوميات وإنما يعتبرون الأخوة بين الأقوام معتبرة، وإن التعادي أوجده العصر الحاضر أو العصور المتأخرة فقام الناس بالدعوة المتطرفة وبما بثوه من نزعات. وعلى كل حال لم يقنع المسعودي بأقوالهم.. ولكن هذا لا يمنع أن يكون قد اختلط بالكرد عرب، وتولوا رياستهم قبل الإسلام كما حدث بعده. ولذا قال ابن الشحنة: " الكرد من العرب ثم تنبطوا " ٥ - إن الكرد قوم قائم بنفسه لا ينتسب الى الأقوام الموجودة، وهو منفرد عن سائر الأمم وقرباها. قال أولياجلبي، وعدهم ممن دخل السفينة من المؤمنين وخرج منها مع نوح (ع) وأولاده، عاشوا منفردين عن غيرهم، وإن لغتهم لا تشبه الأقوام المعروفة، وحكمهم ملك يقال له (كردم) وعمر عمارات مهمة في جودي وسنجار، ومن ثم عرفوا به (١) . ومثله ما جاء في مسالك الأبصار قال: " الأكراد جنس خاص، وهم ما قارب العراق وديار العرب دون من توغل في بلاد العجم. ومنهم طوائف بالشام واليمن، ومنهم فرق متفرقة في الأقطار. وحول العراق وديار العرب جمهرتهم فمنهم طوائف بجبال همذان وشهرزور وغيرها. " اه (٢) . وفي التعريف بالمصلح الشريف: " ويقال في المسلمين الكرد، وفي الكفار الكرج وحينئذ يكون الكرد والكرج نسباً واحداً. " اه " صبح الاعشى ج١ ص٣٦٩ " وفي النويري: " كرد بن مرد بن يافث " وفي رأي أكثر النسابين ان الأكراد أولاد إيران ابن ارم بن سام، أو من هوازن كما تقدم. وفي ذلك خلاف، قاله النويري. " نهاية الأرب ج٢ ص٢٩٠ " مما يدل على انه ليس هناك رأي مقطوع به أو يصح التعويل عليه، والتوثق من صحته. ونص المسالك يدل على انهم جنس خاص، فلم يعدّهم من الإيرانيين. ولا من باديتهم. ولا من العرب ونجارهم وهو الأقرب للصواب. ويهمنا أن لا نقف عند هذا مكتفين بالآراء القديمة المبينة أعلاه، والأخرى المتداولة في الوقت الحاضر التي لم نر حاجة في النقل منها، وجل ما توصل اليه الباحثون أنهم من العناصر الآرية، والكتب المدونة في الوقت الحاضر المؤيدة لهذا الرأي الشائع في أوربا كثيرة من أهمها: خلاصة تاريخ الكرد وكردستان لمعالي الأستاذ محمد أمين زكي، وكرد للأستاذ رشيد ياسمي، وكردلر باللغة التركية منقولاً من اللغة الألمانية، والأكراد من فجر التاريخ الى سنة ١٩٢٠م ومن عمان الى العمادية فكل هذه تعرضت لأصل الكرد، وبينت أنهم من الآريين، فمن أراد التوسع فليرجع اليها.. وهنا يسوقنا البحث الى معرفة الأقوال المتأخرة لعلمائنا، ولعل فيها ما يؤيد بعض الأقوال ويناصرها. أو على الأقل يعين اضطراب الآراء وتشتتها. لئلا يرمي العرب المحدثون في التعصب للعروبة بإدخالهم ضمن حضيرتهم من لم يكن منهم وإنما المنقول من الكرد أنفسهم قديماً، ولم يكن ذلك ابن اليوم أو أمس القريب. وفي كتاب شرح منظومة عمود النسب في أنساب العرب للأستاذ المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي (١) .

стр. 141

" الأكراد جيل معروف، وقبائل شتى، واختلف نسبهم " عدد الأقوال وقال: " وقد ألف في نسب الأكراد فاضل عصره محمد افندي الكلردي (٢) ، وذكر فيهم أقوالاً مختلفة، بعضها صادم البعض. ورجع فيه أنهم أولاد كرد بن كنعان بن كوش بن حام بن نوح " ع " " وسرد النقول عن مؤرخين منهم صاحب كتاب مناهج الفكر ومباهج العبر وابن الجواني في آخر المقدمة الفاضلة وكتاب الجوهر المكنون في القبائل والبطون، وتاج العروس. " وفي تفسير روح المعاني عند الكلام على قوله تعالى " ستدعون الى قوم أولي بأس شديد. " يعني الأكراد كما في الدر المنشور، ورجح أنهم " جيل من الناس "، ونقل عن كتاب القصد والأمم وغيره اختلاف العلماء في كونهم في الأصل عرباً أو غيرهم. وقال: والذي يغلب على ظني أن هؤلاء الجيل لا يبعد أن يكون فيهم من هو من أولاد عمرو مزيقياء إلا أن الكثير منهم ليسوا من العرب أصلاً. وقد انتظم في سلك هذا الجيل أناس يقال إنهم من ذرية خالد بن الوليد، وآخرون يقال انهم من ذرية معاذ بن جبل، وآخرون يقال انهم من ذرية العباس بن عبد المطلب. وآخرون يقال انهم من بني أمية، قال ولا يصح عندي من ذلك شيء وصحح نسب البرزنجة وأبدى أنهم سادة انتهى ما نقل عن التفسير باختصار. " اه هذا ما نقله الأستاذ الآلوسي المرحوم في كتابه " شرح المنظومة "، ولم يبد أي مطالعة حول أصلهم واكتفى بما أورد من النصوص وعلى كل انجلت ماهية الخلاف، وعرف تشعب الآراء والتعصب لبعضها. ومن المتأخرين إبراهيم فصيح الحيدري قد تعقب ما جاء في تفسير الآلوسي فقال: " والأكراد كلهم على ما في القاموس من أولاد كرد بن عمرو مزيقيا. وذكر في مادة مزق ان مزيقيا، لقب عمرو ملك اليمن كان يلبس كل يوم حلتين ويمزقها بالعشى. فلذا لقب بمزيقيا. أقول " القول للحيدري " فعلى هذا تكون الأكراد من أشراف العرب وأكابرهم، وكرمهم وشجاعتهم وغيرتهم أعدل شهود على كونهم من أشراف العرب. وأما ذكر بعضهم من أنهم ليسوا من العرب فهو من قبيل التعصب، وكفى صاحب القاموس تصحيحاً وشهادة، فهم على ما ذكره المجد صاحب القاموس من قحطان من العرب العاربة نسباً. لأن مزيقيا على ما ذكره علماء النسب من بني قحطان. وتبدل لسانهم لقرب منازلهم من العجم، فلسان الكرد ممزق لسان الفرس. " اه " عنوان المجد ص١٦٦ " وفي هذا رد ضمني لما أورده أو نقله الآلوسي في تفسيره. ونحن لا نقول أكثر من أنهم شعب مستقل عن الشعوب الأخرى، متأثر بالمجاورين من عرب وإيرانيين. ولا ينكر أنهم اختلط بهم بعض العرب، وعاشوا معهم، وصاروا لا يفترقون عنهم بوجه وأنهم لا يزالون يحفظون أنسابهم فلا طريق للطعن كما أن كثيرين من الكرد عاشوا مع العرب والآن لا يخرجون عنهم ويهمنا الكلام على " العشائر في التاريخ " بنظرة سريعة للتوصل الى قبائل العصر الحاضر. قبائل الكرد في العراق قديما لا ندرك التقلبات العديدة في العصور المختلفة. ولكن الكثير من الأمثلة وما تعرض له المؤرخون في مباحث عديدة عرضاً أو قصداً قد يكشف عن صفحة مهمة، تشير الى ما وراءها، وتستدعي النظر، ومنها نعلم قيمة العشائر في هذا القطر. ولا يهمنا في هذه العجالة التفصيل، بل نرجح أن يكون ذلك " بيان مجرى "، ويؤدي بنا حتماً الى حقيقة ما هنالك على قاعدة " وليقس ما لم يقل ". أما فروعهم الكبرى فهي: كرمانج لر كلهر كوران وهناك فروع أخرى تدخل ضمن هذه الفروع. والآن لا تزال هذه القسمة القديمة معروفة مصادقاً عليها. ونصيب العراق من هذه الأقسام كبير، وإن كان لا يدعي حيازتها بحذافيرها بل لا تزال أقسام كبرى في إيران قد تفوق ما في العراق، وكذا في الجمهورية التركية مقدار مهم كما أن سورية تحوي جزءاً لا يستهان به. وفي معجم البلدان (١) ذكر ممن في شهرزور من الطوائف: الجلالية. وهي الكلالية المعروفة. الباسيان. يريد ما نسميه بازيان. الحكمية. لا تعرف اليوم وتنسب الى مروان بن الحكم الأموي. السولية. لا يزال الموطن معروفاً. وكان من أقضية لواء السليمانية وينطق به " سيول " أيضاً واللفظ العربي صحيح والآن يحتوي على قرى كثيرة عد منها صاحب سياحتنامه حدور ٢٦ قرية. وجاء ذكر هذه القبيلة المعروفة بمكانها في مسالك الابصار بلفظ " السيولية " كما في السياحتنامه (١) . وتردد فيها معالي الأستاذ أمين زكي (٢) .

стр. 142

وعدد صاحب مسالك الأبصار من قبائلهم: الكورانية. الكلالية. اللورية. وهم اللرية ... بابيرية. الخونسة. السورانية. السيولية. الفرياوية. أو الفرناوية. الحسنانية. وكذلك جاءت في نسخ أخرى من مسالك الأبصار، أو خستانية. اليافية. " غير منقوطة ". المازنجانية. الحميدية. الزرارية. الجولمركية. الهكارية. بختية. الداسنية. الدنبلية. وفي المسعودي ما يقاربها نوعاً. وغالب نسبة هؤلاء الى المواطن والبقاع لا الى القبيلة، والأمر شائع جداً في هذه الأنحاء. وهذا يصح أن يعد الأصل في الانتساب. ويؤيد ما قررناه. وبين هذه القبائل ما هو غير معروف اليوم في الأنحاء العراقية، أو أنه يتعلق بمواطن مجاورة أو خارج العراق والبحث عن العشائر لا يقتصر على ما هو مألوف في عشائر العرب ... وإن صاحب مسالك الأبصار تكلم عليهم بالاستناد الى علماء عراقيين مثل الحكيم الفاضل شمس الدين أبي عبد الله محمد بن ساعد الأنصاري (١) فقد توضح " تاريخ العراق " في تلك الحقبة بأمثال هذا العالم الجليل المبرز في كل علم حتى التاريخ ونظام الدين الحكم وآخرين ... وإن القلقشندي والنويري اعتمدوه وأخذوه منه. ومن ثم نرى صاحب الشرفنامة وهو متأخر من رجال القرن العاشر وأوائل الحادي عشر يتوسع أكثر. فكانت الحقبة الأخيرة بعد الشرفنامة أكثر غموضاً لقلة المؤلفات الخاصة التي نستفيد منها التطور والتحول والانتقال ... ولا نتعرض لما قبل ذلك من القبائل والعشائر فالعصور القريبة منا هي هذه ونضيف اليها التحولات وما وقع من انتقال وهجرة أو جلاء، وللتعبير الأصح ندون ما له علاقة أكيدة بالعشائر الحاضرة، أو كانت له مكانة أكيدة في تاريخ العراق لا يصح التهاون بها بوجه. ولا ننس أن الداسنية والدنبلية، والهكارية يزيدية والبختية اليوم في العراق فانها كانت ولا تزال معروفة فيه وهي يزيدية أيضاً وأما الكلالية فإنها لا تزال موجودة في العراق. ومثلها الزرارية. وهكذا. والآن أبحث عن القبائل الحاضرة ، ومن ثم أراعي الصلة بين القبائل الموجودة والقبائل القديمة بقدر الامكان وبما تسمح به الوثائق التي تيسر العثور عليها، أو تمكنت من الوقوف عليها ... القبائل الحاضرة تكلمنا على القبائل القديمة من الكرد بصورة موجزة، ويراد بها المجموعة التي تجمعها أرض واحدة، أو قرية بعينها. وتراعى فيه المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة. ويصح أن يقال أنها واسطة عقد تكون القرية ووسيلة تشكيلها. فإذا بحثنا عن القبيلة هنا كان موضوعنا يتعلق بالقرية وعلاقة الأشخاص بها، وإدارتها. فلا يفرق البحث عن هذه إلا من ناحية اتصال القبيلة بها، أو تعرف أوضاعها وحالاتها أو قل ان جماعة كردية " القبيلة " حيثما حلت كونت قرية باسمها. وهذه قد تتوسع. أو تنضم إليها غيرها وتصير إمارة ... ولا يختلف هذا بين القبائل الرحالة، والقبائل المتوطنة. إلا أن الرحالة منها أقرب الى العشائر العربية في مجموعاتها، وفي القربى بين أفرادها، ولكن لا تخرج عن أنها في الأصل " قرية "، تتجول في مواطن صيفية، وأخرى شتائية تتنقل إليها لضرورة اقتضت أو لازمت حياتها، وسميت بها أثناء تكونها، ويلازمها هذا الاسم. وقد يطول بنا القول في ذلك، والأولى أن ندخل في مباحث القبائل الحاضرة مراعين عشائر كل لواء بقدر الامكان، ومن ثم نعين أوصافها، ولكننا نبدأ بمن اكتسبت صفة متنقلة " رحالة "، ثم نميل الى المتوطنة في قرى ولا نتحول منها إلا لأسباب اضطرارية، وأحوال قاهرة قاسرة. والقبائل الكردية كثيرة، وما وصل إلينا خبره يكون بلا ريب موضوع بحثنا. لواء السليمانية ١ - قبائل الجاف بصورة عامة

стр. 143

هذه القبيلة يبالغ في كثرتها، ولا يزال منها قسم على البداوة والتنقل، وقسم آخر أهل قرى يقطن في مكان واحد. وأول ما ورد ذكرها في معاهدة السلطان مراد الرابع المعقودة في ١١ المحرم سنة ١٠٤٩هـ، ولم يعرف عنها قبل ذلك، وكل ما ذكر عن فروعها ٤، ولعل هذه هي الفروع التي وقع عليها النزاع (١) ولم نجد تدوينات تشير الى ما كانت عليه. والآن أكثرها في " لواء السليمانية "، وقسم لا يستهان به في ناحية شيروانة التابعة لقضاء كفري من لواء كركوك، وفريق ثالث كبير جداً في أنحاء إيران في " زهاب " والمواطن الأخرى حتى أردلان ونواحيها من إيران. ولا نرى انتشاراً وكثرة في قبائل العراق الكردية مثل ما نراه في هذه القبيلة وفروعها إلا قليلا فقد زادت نفوسها، وتنقلت في مواطن عديدة بحيث صارت في كل موطن تعد بالألوف ولم يقع إحصاء يوثق به في بيان نفوسها أو يصح الاعتماد عليه لنرجع إليه. والنفوس متحولة في العشائر، غير مستقرة. وهذا لا يمنع أن تكون من العشائر ذات المكانة الكبيرة، والاهتمام الزائد من الحكومات المجاورة. لكثرتها وبداوتها وقوتها. ولوقوعها في الحدود، ولأنها تتردد بين إيران والعراق ففي رحلة الشتاء تميل الى السليمانية والأنحاء العراقية الأخرى وفي رحلة الصيف تذهب الى إيران. مما دعا أن يشار الى القبائل المنازع فيها في المعاهدة المذكورة. وأكثر ما جاء عن هذه القبيلة من التدوينات نراه في تقرير " تحديد الحدود الإيرانية " المقدم من الفريق درويش باشا في سنة ١٢٦٩هـ والمطبوع سنة ١٢٨٣هـ وسنة ١٣٢١هـ، وفي كتاب خورشيد باشا مكتوبي وزارة الخارجية المسمى " سياحتنامهء حدود " وكان قد رافق درويش باشا فكتب ما علمه بأمر من السلطان وإيعاز من وزير الخارجية بصورة خاصة وكذا جاء عن هذه القبيلة في دوحة الوزراء، وفي " عنوان المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد " للسيد إبراهيم فصيح الحيدري، وراجعت أيضاً نفس القبيلة وتحققت منها أشياء كثيرة لها قيمتها سواء من رؤسائها أو من أمرائها. لم نجد من تعرض لوجه تسمية هذه القبائل ب " الجاف " وقد سألنا الكثيرين منهم فلم نظفر ببغية. كانوا في جوانرود، فجاءوا العراق، ولا يزال قسم منهم في " جوانرود ". ولعل " الجاف " منحوت من " جوانرود " نطق به العرب، فعم وشاع ولعل في القراء من يدري سبب التسمية وتاريخه لما قبل المعاهدة الإيرانية - التركية أيام السلطان مراد الرابع فيفيدنا. والظاهر ان القبيلة لم يكن لها من الشأن ما يستدعي التدوين عنها، وإنما عظم شأنها أيام النزاع بين إيران والعراق. ومن ثم شعروا بوجودهم للعلاقات الحربية بين الدولتين الإيرانية والعثمانية، فكانوا كما يظهر أعانوا الدولة العثمانية، فأدرجوا في المعاهدة تأييداً لولائهم ولما قاموا به من خدمات، والفرق الأخرى جعلت لإيران من جراء عين السبب ... أو لتوطنها إيران وبعدها عن العلاقات السياسية. ولما كانت الحكومة في العراق عاجزة عن تعقب أثرهم في استحصال البيتية وتسمى " الكودة " " الرسوم المعلومة " فقد اتفقت مع أمرائهم على مقطوع يستوفى بقسطين يؤدى الى لواء السليمانية في الربيع وفي الخريف، وكانت الأقسام الأخرى من هذه القبيلة قبل نحو ٣٠ أو ٣٥ سنة تؤدي ضرائب للحكومة الإيرانية إلا أنها امتنعت من إعطائها خلال المدة المذكورة، كما أن العشائر الإيرانية من الجاف حينما كانت ترد الى أنحاء خانقين ومندلي " بندنيجين " تقوم ببعض الأوضاع غير اللائقة، تعتدي على بعض المواطن فلا تخلو من إثارة زعازع وهكذا أعمال هذه العشائر حينما تذهب الى أنحاء " سنة " من المملكة الإيرانية لا يراعون الحالة الاعتيادية، وإنما يقومون ببعض الأضرار وإثارة الأذى بالرعاية. وكذلك الأمر في عشائر الجاف القاطنين في لواء السليمانية يمضون الى " صغوق بولاق " المعروفة ب " صاوجبلاق " أيضاً كانت تأتي الى أنحاء إيران المذكورة وتؤدي رسوم المراعي " شاة مرتع " إلا أنها منذ ٣٥ سنة امتنعت عن التأدية، وأنها عدا ذلك لا تخلو من إيقاع اضطرابات، وإحداث غوائل بما يقومون به من حوادث (١) .

стр. 144

هذا. والملحوظ أن هؤلاء نظراً لمنازعات الحدود صارت الحكومتان تخطبان ودهم وتراعيان جانبهم، الأمر الذي أدى أن تغمض العين عن هؤلاء في أمر المطالبة بالتكاليف الأميرية. فتمكنوا أن يعيشوا بنجوة من الرسوم. أو قلة التدخلات بحيث صاروا لا يتفاهمون إلا مع أمرائهم رأساً. أمراء الجاف وهؤلاء إمارتهم عامة على كافة قبائل الجاف إلا أن الطوائف في إيران يحكمها أمراء آخرون من سلسلتهم وهم الآن منفصلون عنهم إلا أنهم يقطعون بالاشتقاق ويحفظون الصلة النسبية. ١ - سلسلة نسبهم: وهؤلاء سادة عرفوا بهذا النسب أباً عن جد. ولا يزالون يقطعون في أنهم سادة. راجعت شيوخهم، والعارفين منهم فتحصل لي أن سلسلتهم ترجع الى (بير خضر شاهو) وهو الجد الأعلى المحفوظ اسمه، و (شاهو) جبل في أنحاء إيران في جهات جوانرود ينتسب إليه جميع سادة الأكراد، ومنهم الجاف. ومن هذا نعلم أن إمارتهم دينية في الأصل، تمسك بهم القوم لأنهم سادة ومن ثم قوى تسلطهم ونفوذهم على القبائل فانقلبت السيادة والمشيخة الدينية الى إمارة عشائرية، فاستقرت إدارتهم، ودامت أمداً طويلاً، والى اليوم، ولا يحكم عليهم أمير بعينه، وإنما نرى في كل ناحية أميراً من أمرائهم مطاعاً، يسلمون له بالإمارة. ويغلب على الأمراء اليوم أنهم ملاكون يتعيشون من أموالهم، ولم تكن لهم تلك السلطة المباشرة على القبائل كما كانت قديماً ونراهم في هدوء وطمأنينة، لا يبتغون الفتنة والشر. ولهم الإحسان والإنعام في إعالة قبائلهم بأملاكهم، والحب بينهم حقيقي ومتبادل، ولم يكن نتيجة خوف وقوة إلا أن الإمارة ليس لها ما كان معروفاً من جباية، وعائدات وما أشبه.. بل الطاعة حقيقية. وهذه سلسلة أمرائهم (١) : ١ - ظاهر بك بن سيد احمد بن بير حمزة وظاهر ينطق به (زاير) جاء الى العراق وكان في جوانرود وهو أول من ورد العراق وكان مركز إمارتهم في إيران، ومن ظاهر هذا يمضي العمود الى بير خضر شاهو المذكور، ويقفون عند ذلك، ولا يستطيعون تعداد من بعده. ومن هذا يجري التفرع كما يلي: زاير بك (ظاهر بك) قادر بك محمد بك، سليمان بك ٢ - إن قادر بك المذكور ترك ولداً اسمه محمد بك، وهذا أعقب ولداً اسمه (بهرام بك) وإن فرع البهرامية ينتسب الى بهرام بك بن محمد بك ابن قادر بك وتسمى بهرام بيكية. وسلسلتها كما يلي: بهر أم بيكية: محمد بك بن قادر بك بن سليمان بك المذكور بهرام بك، عزيز بك، قادر بك، أحمد بك عبد الله باشا رستم بك، قادر بك محمد صالح بك محمد بك مصطفى بك، محمد بك، علي بك أحمد بك، عزت بك أحمد أحمد حسن برويز كيخسرو حسين، محمد محمد رشيد جميل أمجد، ماجد، كمال محمد بك، توفيق بك، حسن بك امين بك، فتاح بك، أحمد محمد بك، كمال، صبري، يوسف مصطفى، أحمد محمد ميران بك قادر بك الكيخسرو بيكية رأس هذه الأسرة كيخسرو بك بن سليمان بن قادر بك بن ظاهر بك (زاير بك) المذكور سابقاً. وأولاده: قادر بك عبد الله بك وهؤلاء لم يعقبوا. سليمان بك محمد باشا. وتفرعاته في المشجر رقم ١ عبد الرحمن بك. وتفرعاته في المشجر رقم ٢ المشجر رقم ١: محمد باشا بن كيخسرو حسن فتاح عثمان باشا محمود باشا سليمان محمد علي حسين عبد القادر، محمد كريم، رضا عبد الرحمن، محمد، أحمد داود محمد محمد، عبد الرحمن، علي جميل أحمد، عزة، محمد سعيد، طاهر، مجيد أنور، جمال حامد كيخسرو، علي، حسين، أحمد عبد الله (١) عثمان، محمود، عبد الله شوكة المشجر رقم ٢: عبد الرحمن بن كيخسرو محمد صالح، عزيز، احمد، نامق مصطفى، عبد الله، فائق، كريم فريق والملحوظ أن هؤلاء كل منهم ملقب ب (بك) ويقصد به (الأمير) . وهم بيت الإمارة، واللفظة تركية. وحباً بالاختصار ذكرنا الأسماء مجردة عن الصفة فاقتضى التنبيه الا أن يكون المرء ملقباً بلقب (باشا) فاننا ذكرناه كما في المشجر السابق. ولم نتعرض لذكر من انقرض ولم يعقب. الولد بيكية في الجاف العراقية ولد بيكي رستم، أحمد قادر محمد

стр. 145

حسن، كريم، محمد محمد سعيد، محمد عبد الرحمن احمد محمد علي، حسين الآن في حلبجه في سنة وهؤلاء الأمراء منهم في إيران ومنهم في العراق، ولا يتيسر الاطلاع على تفرعاتهم، وقد رأيت بعض رؤسائهم، وكتبت عن بعض ما يتعلق بقبائلهم، ولم يتيسر أن أعرف الباقين. والمعروف أن رئيس ولد بيكي اليوم في إيران هو يعقوب بك وأخوه صالح بك أولاد فتاح بك بن سعيد بك بن صوفي بك بن بهام بك بن سيد أحمد بك ابن ظاهر بك. كما علمت ذلك من رئيسهم صالح بك نفسه. ومن هذه المشجرات نعلم أنهم يتفرعون الى: بهرام بيكية كيخسرو بيكية ولد بيكية ومن هؤلاء يشتق أمراؤهم الموجودون. وجاء في سياحتنامهء حدود سنة ١٢٦٨هـ وفي تقرير درويش باشا أيضاً أن الجاف قد توزع سلطتهم محمد بك كيخسرو بك " هو محمد باشا "، ومحمد بك بن قادر بك، ومحمد بك بن أحمد بك " من الولد بيكية "، وبين أن محمد بك كيخسرو سلطته أوسع من غيره، ومحمد بك قادر بك يتلوه قليلا، والثالث ليس له حكم إلا على القليل من الطوائف المبعثرة ولا يتصرف بأكثر من ١٥٠ بيتاً من الجاف الأصليين. وفي الحقيقة قد توزعت قبائل الجاف بين آل كيخسرو بك، وآل قادر بك. كما أن هذه العشائر كانت تؤدي للحكومة مقطوعاً يؤخذ من العشيرة على عدد بيوتها سوية يصيب كل بيت ٨٧.٥ قرشاً، فانهم يتقاضون عوائد هذه الرسوم من العشيرة سواء من جراء ما يحدث من جرائم، أو من غيرها لأسباب مختلفة. فإذا عصت طائفة على أميرها استعان هذا الأمير بالقبائل الأخرى وتمكن منها، وحينئذ نهب أموالها، وفعل فيها ما شاء بلا سائل ولا معاتب (١) . وتظهر مكانة الإمارة عند وقوع النزاع بين " إيران والعراق "، أو بين الحكومة العثمانية، وبين إمارة بابان ولكن هذه العلاقات أدركتها الحكومة مؤخراً، أو أنها لم يكن في وسعها الالتفات اليها في أواسط القرن الثالث عشر الهجري أيام قضت على إمارة بابان. وكل ما نقوله الآن أن الحكومة أدركت أمر الجاف مما دعا الى القضاء على إمارة بابان قبل تحديد الحدود، فتوضح لها عند تدقيق الحدود وأثناء الاتصال بهم أن البابان كانوا ناظم هذه القبائل، وكانت إمارة فوق تلك الإمارات، فاتصلت بالجاف، وتفاهمت مع الأمراء منهم، وأعطت محمد بك لقب (باشا) ، ومن بعده منحت ابنه محمود بك (١) لقب باشا وهكذا ... فعلمت كيف تدبر الأمر ... أمراء الجاف والأوضاع السياسية بعد معاهدة السلطان مراد لم يعد للجاف ذكر في حوادث العراق إلا قليلاً. لأن أمراء " بابان " كانوا قد سيطروا بإمارة عامة على العشائر في لواء شهرزور ومن جملتهم الجاف وربما استعانوا بهم في القضاء على " إمارة بلباس "، وكانت لا تقل عن الجاف. فاستخدموها أثناء تنازع السلطة بينها وبين بلباس، كما أن البابانيين توسلوا بقوة الحكومة في أحيان عديدة لقهر بلباس بداعي أن هؤلاء البلباس مفسدون في الأرض بالنهب والسلب، وكذا كانوا يصاولونهم بالقبائل المجاورة، فمال البلباس الى إيران ولم يبق منهم في العراق إلا القليل بل تبعثر أمرهم، وتشتتوا. أما الدولة فإنها في كل أحوالها تريد التدخل، وتحاول التسلط بوسائل مختلفة لتقف على الحالة وتنظر إلى ما وراء ذلك مما عزمت على إجرائه بأمل السيطرة على الامارتين معاً وهكذا يختلف الوضع بالنظر لآمال كل، ولكنها أضاعت الرشد في القضاء على البلباس فانفرد البابانيون في السلطة فكانوا في يقظة، فاستخدموا الجاف من جراء أن قسماً منهم في إيران والآخر في العراق للمحاربة بهم والتشويش على الدولتين ليكونوا بنجوة من تسلط إحداهما. فإذا تضايق البابانيون من العراق، وشعروا بقوة الحكومة مالوا الى إيران، وهكذا إذا شعروا بقوة إيران مالوا عنها. واستخدموا الجاف على البلباس وعلى غيرها. وهكذا استخدموا قبائل أخرى لعين الغرض ولم يقصروا في تدبير. مضت إمارة بابان مدة على هذه الوتيرة حتى أخذت الحكومة وضعها قبل أيام درويش باشا الفريق بقليل واستولت على ما كان بيدها، وراقبت الحالة بنظرات صادقة، واطلعت على إمارة البابان وأنها لا قدرة لها إلا في النفوذ على أكبر القبائل في اللواء وهم الجاف ومن على شاكلتهم فاشتغلت لتقريبهم، ومنحتهم الألقاب الفخمة، وجلبتهم لجانبها..
следующие страницы →