← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

السَّادِسَةُ: ادَّعَى عِنْدَ الْقَاضِي أَنَّهُ وَكِيلُ زَيْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْخُصُومَةِ حَاضِرًا، وَصَدَّقَهُ، ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ، وَلَهُ مُخَاصَمَتُهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكَالَةِ. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ تَقَدُّمُ دَعْوَى حَقِّ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْخَصْمِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، وَأَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِالْوَكَالَةِ، سَمِعَهَا الْقَاضِي وَأَثْبَتَهَا. وَلَا يَعْتَبِرُ حُضُورَ الْخَصْمِ فِي إِثْبَاتِ الْوَكَالَةِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ حَيْثُ قَالَ: لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ إِلَّا فِي وَجْهِ الْخَصْمِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى مَذْهَبِهِ، فِي امْتِنَاعِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ. ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يُنَصِّبَ الْقَاضِي مُسَخَّرًا يَنُوبُ عَنِ الْغَائِبِ، لِيُقِيمَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا بَعِيدٌ لَا أَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْحَابِ. وَحَكَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْقُضَاةَ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَكَّلَ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ وَكِيلًا بِالْخُصُومَةِ، اخْتَصَّ التَّوْكِيلُ بِالْمُخَاصَمَةِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالَّذِي نَعْرِفُهُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُخَاصِمُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ، وَلَا نَعْرِفُ لِلْقُضَاةِ الْعُرْفَ الَّذِي ادَّعَاهُ. السَّابِعَةُ: وَكَّلَ رَجُلًا عِنْدَ الْقَاضِي بِالْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَطَلَبَ حُقُوقَهُ، فَلِلْوَكِيلِ أَنْ يُخَاصِمَ عَنْهُ مَا دَامَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ، اعْتِمَادًا عَلَى الْعِيَانِ. فَإِنْ غَابَ وَأَرَادَ الْوَكِيلُ الْخُصُومَةَ عَنْهُ اعْتِمَادًا عَلَى اسْمٍ وَنَسَبٍ يَذْكُرُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ بَيِّنَةٍ عَلَى أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَهُ، أَوْ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَكَّلَهُ هُوَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ. وَعِبَارَةُ الْعَبَّادِيِّ: إِنَّهُ لَا بُدَّ وَأَنْ يَعْرِفَ الْمُوَكِّلَ شَاهِدَانِ يَعْرِفُهُمَا الْقَاضِي وَيَثِقُ بِهِمَا. ثُمَّ إِنَّ الْإِمَامَ حَكَى عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ - أَنَّ عَادَةَ الْحُكَّامِ التَّسَاهُلُ فِي هَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَالِاكْتِفَاءُ بِالْعَدَالَةِ الظَّاهِرَةِ تَرْكُ الْبَحْثِ وَالِاسْتِزْكَاءِ تَسْهِيلًا عَلَى الْغُرَبَاءِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ

стр. 1717

فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْعَبَّادِيِّ: يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَفَى بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ مَوْثُوقًا بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنَّ تَعْرِيفَ الْمَرْأَةِ فِي تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا، يَحْصُلُ بِمُعَرِّفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ لَا شَهَادَةٌ. قُلْتُ: وَإِذَا ادَّعَى عَلَى وَكِيلٍ مَالًا، وَأَقَامَ بَيِّنَةً وَقَضَى بِهَا الْحَاكِمُ، ثُمَّ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ، أَوِ ادَّعَى عَزْلَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَثَرٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَإِذَا اعْتَرَفَ الْخَصْمُ عِنْدَ الْقَاضِي بِأَنَّهُ وَكِيلٌ، جَازَ لَهُ الْمُحَاكَمَةُ قَطْعًا. وَفِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ وَكِيلٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ، هَلْ يَلْزَمُهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، أَمْ لَا يَجِبُ حَتَّى يُقِيمَ بَيِّنَةً؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الصُّورَةُ السَّابِعَةُ: وَكَّلَهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ عَلَى خَمْرٍ، فَفَعَلَ، حَصَلَ الْعَفْوُ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ. فَلَوْ صَالَحَ عَلَى خِنْزِيرٍ، فَهُوَ لَغْوٌ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَبْقَى الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْعَفْوِ عَلَى خَمْرٍ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ صَالَحَ عَلَى الدِّيَةِ، أَوْ عَلَى مَا يَصْلُحُ عِوَضًا، جَازَ. وَلَوْ جَرَتْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَالْقَابِلِ فِي الصُّلْحِ، لَغَا قَطْعًا، لِعَدَمِ انْتِظَامِ الْخِطَابِ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي خَلْعِ زَوْجَتِهِ عَلَى خَمْرٍ، فَخَالَعَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ. فَرْعٌ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ فَاسِدٍ، لَمْ يَمْلِكْ فَاسِدًا وَلَا صَحِيحًا، لِعَدَمِ الْإِذْنِ. الصُّورَةُ الثَّامِنَةُ: فِي مُخَالَفَتِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ إِلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ: اشْتَرِ بِعَيْنِهِ ثُوبًا، فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لِيُنْقِذَ الْأَلْفَ، لَمْ يَصِحَّ لِلْمُوَكِّلِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ وَسَلِّمِ

стр. 1718

الْأَلْفَ فِي ثَمَنِهِ، فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: اشْتَرِ ثَوْبًا، وَلَمْ يَقُلْ: بِعَيْنِهِ، وَلَا فِي الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ التَّسْلِيمِ تُشْعِرُ بِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْوَكِيلَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِهِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُمَا. قُلْتُ: وَإِذَا قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّمَهُ فِيهِ، فَاشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ فِي الذِّمَّةِ، وَنَقَدَ الْوَكِيلُ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ، بَرِئَ الْمُوَكِّلُ مِنَ الثَّمَنِ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْوَكِيلُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الْأَلْفِ الْمُعَيَّنَةِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، صَرَّحَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي حُكْمِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الْمُخَالِفَيْنِ أَمْرَ الْمُوَكِّلِ أَمَّا الْبَيْعُ، فَإِذَا قَالَ: بِعْ هَذَا الْعَبْدَ، فَبَاعَ آخَرَ، فَبَاطِلٌ. وَأَمَّا الشِّرَاءُ، فَإِنْ وَقَعَ بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ، فَبَاطِلٌ. وَإِنْ وَقَعَ فِي الذِّمَّةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلُ، وَقَعَ عَنِ الْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَتَلْغُو التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْمُوَكِّلِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ فِي الشِّرَاءِ، فَإِذَا سَمَّاهُ، وَلَمْ يَكُنْ صَرَفَهُ إِلَيْهِ، صَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ. وَالثَّانِي: الْعَقْدُ بَاطِلٌ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَذَلِكَ إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ لِمُوَكِّلِي فُلَانٍ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُ فَلَانًا، فَقَالَ الْوَكِيلُ: اشْتَرَيْتُهُ لَهُ، فَالْمَذْهَبُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بَيْنَهُمَا مُخَاطَبَةٌ. وَيُخَالِفُ النِّكَاحَ حَيْثُ يَصِحُّ مِنَ الْوَلِيِّ وَوَكِيلِ الزَّوْجِ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ، بَلْ لَا يَصِحُّ إِلَّا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لِلْبَيْعِ أَحْكَامًا تَتَعَلَّقُ بِالْمَجْلِسِ كَالْخِيَارِ وَغَيْرِهِ، وَتِلْكَ الْأَحْكَامُ إِنَّمَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَاعْتُبِرَ جَرَيَانُ

стр. 1719

الْمُخَاطَبَةِ بَيْنَهُمَا، وَالنِّكَاحُ سِفَارَةٌ مَحْضَةٌ. ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَنْعُ وَقْفِ الْعُقُودِ، وَإِلْغَاءُ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ. وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ، فَالْوَكِيلُ كَأَجْنَبِيٍّ، فَيَقِفُ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ عَلَى إِجَازَتِهِ. فَإِنْ أَجَازَ، وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَعَنِ الْوَكِيلِ، وَكَذَا الشِّرَاءُ بِعَيْنِ مَالِهِ، وَبَيْعُ الْعَبْدِ الْآخَرِ، يَنْعَقِدَانِ مَوْقُوفَيْنِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي بَابِهِ. فَرْعٌ وَكِيلُ الْمُتَّهِبِ فِي الْقَبُولِ، يَجِبُ أَنْ يُسَمِّيَ مُوَكِّلَهُ، وَإِلَّا فَيَقَعُ عَنْهُ، لِجَرَيَانِ الْخِطَابِ مَعَهُ، وَلَا يَنْصَرِفُ بِالنِّيَّةِ إِلَى الْمُوَكَّلِ؛ لِأَنَّ الْوَاهِبَ قَدْ يَقْصِدُ بِتَبَرُّعِهِ الْمُخَاطَبَ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يَسْمَحُ بِالتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الشِّرَاءِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حُصُولُ الْعِوَضِ. قُلْتُ: قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يُزَوِّجَ بِنْتَهُ زَيْدًا، فَزَوَّجَهَا وَكِيلُ زَيْدٍ لِزَيْدٍ، صَحَّ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدِهِ لِزَيْدٍ، فَبَاعَهُ لِوَكِيلِ زَيْدٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَالْفَرْقُ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقْبَلُ نَقْلَ الْمِلْكِ، وَالْبَيْعُ يَقْبَلُهُ. وَلِهَذَا يَقُولُ وَكِيلُ النِّكَاحِ: زَوِّجْ مُوَكِّلِي، وَلَا يَقُولُ: زَوِّجْنِي لِمُوَكِّلِي. وَفِي الْبَيْعِ يَقُولُ: بِعْنِي لِمُوَكِّلِي وَلَا يَقُولُ: بِعْ مُوَكِّلِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحُكْمُ الثَّانِي: لِلْوَكَالَةِ حُكْمُ الْأَمَانَةِ. فَيَدُ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَلَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ فِي يَدِهِ بِلَا تَفْرِيطٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِجَعْلٍ، أَوْ مُتَبَرِّعًا، فَإِنْ تَعَدَّى، بِأَنْ رَكِبَ الدَّابَّةَ، أَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ، ضَمِنَ قَطْعًا، وَلَا يَنْعَزِلُ عَنِ الْمَذْهَبِ، بَلْ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ،

стр. 1720

وَإِذَا بَاعَ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ، زَالَ عَنْهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ مِنْ يَدِهِ بِإِذْنِ الْمَالِكِ. وَفِي زَوَالِ الضَّمَانِ بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِزَوَالِ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا الثَّمَنُ الَّذِي يَقْبِضُهُ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ. وَلَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ، عَادَ الضَّمَانُ. فَرْعٌ لَوْ دَفَعَ إِلَى وَكِيلِهِ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ بِهَا شَيْئًا، فَتَصَرَّفَ فِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ قَرْضًا عَلَيْهِ، صَارَ ضَامِنًا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْمُوَكِّلِ بِدَرَاهِمِ نَفْسِهِ، وَلَا فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ كَانَ مَا اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ دُونَ مُوَكِّلِهِ. وَلَوْ عَادَتِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي تَصَرَّفَ فِيهَا إِلَيْهِ، فَاشْتَرَى بِهَا لِلْمُوَكِّلِ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي انْعِزَالِهِ بِالتَّعَدِّي. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَا يَنْعَزِلُ، فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ، وَلَا يَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ. فَلَوْ رَدَّ مَا اشْتَرَاهُ بِعَيْبٍ، وَاسْتَرَدَّ الثَّمَنَ، عَادَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ. فَرْعٌ مَتَّى طَالَبَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ بِرَدِّ مَالِهِ، لَزِمَهُ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ، صَارَ ضَامِنًا كَالْمُودِعِ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ: فِي الْعُهْدَةِ، فِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إِذَا اشْتَرَى لِمُوَكِّلِهِ مَا وَكَّلَهُ فِي شِرَائِهِ فَلِمَنْ يَقَعُ الْمِلْكُ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلْوَكِيلِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ جَرَى مَعَهُ. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِهِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَقَعُ أَوَّلًا لِلْمُوَكِّلِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى الْأَبُ لِلطِّفْلِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ لِلطِّفْلِ ابْتِدَاءً، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، لَعَتَقَ عَلَيْهِ أَبُوهُ إِذَا اشْتَرَاهُ لِمُوَكِّلِهِ، فَلَا يَعْتِقُ قَطْعًا.

стр. 1721

الثَّانِيَةُ: أَحْكَامُ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، حَتَّى تُعْتَبَرَ رُؤْيَةُ الْوَكِيلِ لِلْمَبِيعِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَتَلْزَمُ بِمُفَارَقَةِ الْوَكِيلِ الْمَجْلِسَ دُونَ الْمُوَكِّلِ، وَكَذَا تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي السَّلَمِ وَالتَّقَابُضِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ، يُعْتَبَرَانِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْوَكِيلِ. وَالْفَسْخُ بِخِيَارِ الْمَجْلِسِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، إِنْ أَثْبَتْنَاهُ يَثْبُتُ لِلْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْمُوَكِّلُ الْإِجَازَةَ، كَانَ لِلْوَكِيلِ الْفَسْخُ، ذَكَرَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . الثَّالِثَةُ: إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، طَالَبَهُ بِهِ الْبَائِعُ، إِنْ كَانَ فِي يَدِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُوَكِّلُ قَدْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مَا يَصْرِفُهُ فِي الثَّمَنِ، طَالَبَهُ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَإِنْ أَنْكَرَ الْبَائِعُ كَوْنَهُ وَكِيلًا، أَوْ قَالَ: لَا أَدْرِي، هَلْ هُوَ وَكِيلٌ، أَمْ لَا؟ طَالَبَهُ بِهِ. وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ، فَهَلْ يُطَالِبُ بِهِ الْمُوَكِّلُ فَقَطْ؟ أَمِ الْوَكِيلُ فَقَطْ؟ أَمْ يُطَالِبُ أَيُّهُمَا شَاءَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ. فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَهَلْ لِلْوَكِيلِ مُطَالَبَةُ الْمُوَكِّلِ قَبْلَ أَنْ يَغْرَمَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ. وَإِذَا غَرِمَ الْوَكِيلُ لِلْبَائِعِ، رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِثُبُوتِ الرُّجُوعِ اشْتِرَاطُ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَالْوَكِيلُ كَالضَّامِنِ، وَالْمُوَكِّلِ كَالْمَضْمُونِ عَنْهُ، فَيَرْجِعُ الْوَكِيلُ إِذَا غَرِمَ. وَالْقَوْلُ فِي اعْتِبَارِ شَرْطِ الرُّجُوعِ، وَفِي أَنَّهُ هَلْ يُطَالِبُهُ بِتَخْلِيصِهِ قَبْلَ الْغُرْمِ، كَمَا سَبَقَ فِي الضَّمَانِ. وَفَرَّعَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى الْأَوْجُهِ فَقَالَ: لَوْ سَلَّمَ دَرَاهِمَ إِلَى الْوَكِيلِ لِيَصْرِفَهَا إِلَى الثَّمَنِ الْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ رَدَّهَا الْبَائِعُ بِعَيْبٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّالِثِ، لَزِمَ الْوَكِيلَ تِلْكَ الدَّرَاهِمُ بِأَعْيَانِهَا إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَيْسَ لَهُ إِمْسَاكُهَا وَدَفْعُ بَدَلِهَا. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا دَفَعَهُ الْمُوَكِّلُ إِلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ لِيُبَرِّئَ ذِمَّتَهُ. فَإِنَّ عَادَ، فَهُوَ مِلْكُهُ. وَلِلْمُسْتَقْرِضِ إِمْسَاكُ مَا اسْتَقْرَضَهُ وَرَدُّ مِثْلِهِ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: لَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَكِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ مَتَى يَرْجِعُ؟ وَبِأَيِّ

стр. 1722

شَيْءٍ يَرْجِعُ؟ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، اتَّجَهَ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمُ الدَّرَاهِمِ دَفْعًا لِمُؤْنَةِ التَّرَاجُعِ، لَا إِقْرَاضًا. الرَّابِعَةُ: الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ إِذَا قَبَضَ الثَّمَنَ، إِمَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، وَإِمَّا بِمُقْتَضَى الْبَيْعِ. إِذَا قُلْنَا بِهِ، فَتَلِفَ الْمَقْبُوضُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، وَالْمُشْتَرِي مُعْتَرِفٌ بِالْوَكَالَةِ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ لِحُصُولِ التَّلَفِ عِنْدَهُ؟ أَمْ عَلَى الْمُوَكِّلِ لِأَنَّهُ سَفِيرُهُ وَيَدُهُ يَدُهُ؟ أَمْ عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ. فَإِنْ قُلْنَا: عَلَى الْمُوَكِّلِ أَوِ الْوَكِيلِ، فَغَرِمَ، لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَغْرَمُ أَيُّهُمَا شَاءَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا: أَنَّهُ إِنْ غَرِمَ الْمُوَكِّلُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْوَكِيلِ، وَإِنْ غَرِمَ الْوَكِيلُ، رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَالثَّانِي: يَرْجِعُ الْمُوَكِّلُ دُونَ الْوَكِيلِ، لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَالَّذِي يُفْتَى بِهِ مِنْ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ: أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُغَرِّمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. وَلِذَلِكَ اقْتَصَرْنَا عَلَى هَذَا الْجَوَابِ فِي بَدَلِ الرَّهْنِ وَإِنْ كَانَ يُطْرَدُ فِيهِ الْخِلَافُ. الْخَامِسَةُ: الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ إِذَا قَبَضَ الْمَبِيعَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ بَانَ مُسْتَحِقًّا، فَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ أَوْ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ غَاصِبٌ. وَفِي مُطَالَبَتِهِ الْوَكِيلَ أَوِ الْمُوَكِّلَ، الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَقْيَسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا رُجُوعَ إِلَّا عَلَى الْوَكِيلِ، لِحُصُولِ التَّلَفِ فِي يَدِهِ، وَبِظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ بَانَ أَنْ لَا عَقْدَ، وَصَارَ الْوَكِيلُ قَابِضًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِلَا حَقٍّ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي الْقَرَارِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. السَّادِسَةُ: الْوَكِيلُ بِالْبَيْعِ، إِذَا بَاعَ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ، وَاسْتَوْفَاهُ وَدَفَعَهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ، وَخَرَجَ مُسْتَحِقًّا أَوْ مَعِيبًا، فَرَدَّهُ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَلَهُ أَنْ يُغَرِّمَ الْوَكِيلَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَلِّمًا لِلْمَبِيعِ قَبْلَ أَخْذِ عِوَضِهِ. وَفِيمَا يَغْرَمُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا:

стр. 1723

قِيمَةُ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَهَا. وَالثَّانِي: الثَّمَنُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ انْتَقَلَ إِلَيْهِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَأَخَذَ مِنْهُ الْقِيمَةَ، طَالَبَ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ. فَإِذَا أَخَذَهُ، دَفَعَهُ إِلَى الْمُوَكِّلِ وَاسْتَرَدَّ الْقِيمَةَ. السَّابِعَةُ: دَفَعَ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِيَشْتَرِيَ عَبْدًا بِعَيْنِهَا، فَفَعَلَ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْوَكِيلِ. وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ، ارْتَفَعَتِ الْوَكَالَةُ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ، وَاصْرِفْهَا إِلَى الثَّمَنِ، فَتَلِفَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ، لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ. وَلَكِنْ هَلْ يَنْقَلِبُ إِلَى الْوَكِيلِ وَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ؟ أَمْ يَبْقَى لِلْمُوَكِّلِ. وَعَلَيْهِ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ؟ أَمْ يُقَالُ لِلْمُوَكِّلِ: إِنْ أَرَدْتَهُ فَادْفَعْ مِثْلَ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ، وَإِلَّا فَيَقَعُ عَنِ الْوَكِيلِ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَلَوْ تَلِفَتْ قَبْلَ الشِّرَاءِ، لَمْ يَنْعَزِلْ. فَإِنِ اشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ، فَهَلْ يَقَعُ لَهُ، أَمْ لِلْوَكِيلِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ الْأَوَّلَانِ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ. قُلْتُ: هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : وَقَطَعَ فِي «الْحَاوِي» بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: اشْتَرِ فِي الذِّمَّةِ أَوْ بِعَيْنِهَا، فَتَلِفَتِ، انْفَسَخَتِ الْوَكَالَةُ، وَانْعَزَلَ، فَإِذَا اشْتَرَى بَعْدَهُ، وَقَعَ لِلْوَكِيلِ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ شِرَاءً فَاسِدًا، وَقَبَضَ، وَتَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِهِ، أَوْ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إِلَى الْمُوَكِّلِ، فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِالضَّمَانِ، ثُمَّ هُوَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. فَرْعٌ لَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَسْتَقْرِضَ لَهُ، فَاقْتَرَضَ، فَهُوَ كَوَكِيلِ الْمُشْتَرِي. وَفِي مُطَالَبَتِهِ

стр. 1724

مَا فِي مُطَالَبَةِ وَكِيلِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُطَالِبُ، وَأَنَّهُ إِذَا غَرِمَ، رَجَعَ عَلَى الْمُوَكِّلِ. الْحُكْمُ الرَّابِعُ: الْجَوَازُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْعَزْلُ. وَلِارْتِفَاعِهَا أَسْبَابٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَعْزِلَهُ الْمُوَكِّلُ بِقَوْلِهِ: عَزَلْتُهُ، أَوْ رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ، أَوْ فَسَخْتُهَا، أَوْ أَبْطَلْتُهَا، أَوْ أَخْرَجْتُهُ عَنْهَا، فَيَنْعَزِلُ سَوَاءٌ ابْتَدَأَ تَوْكِيلَهُ، أَوْ وَكَّلَهُ بِسُؤَالِ الْخَصْمِ، بِأَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا أَنْ يُوَكِّلَ فِي الطَّلَاقِ، أَوِ الْخُلْعِ، أَوِ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ أَنْ يُوَكِّلَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ سَأَلَهُ خَصْمُهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الْخُصُومَةِ. وَهَلْ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِ الْعَزْلِ إِلَيْهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يَنْعَزِلُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ، فَالْمُعْتَبَرُ خَبَرُ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، دُونَ الصَّبِيِّ وَالْفَاسِقِ. وَإِذَا قُلْنَا: يَنْعَزِلُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُوَكِّلِ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْعَزْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ: كُنْتَ عَزَلْتَهُ، لَا يُقْبَلُ. الثَّانِي: إِذَا قَالَ الْوَكِيلُ: عَزَلْتُ نَفْسِي، أَوْ أَخْرَجْتُهَا عَنِ الْوَكَالَةِ، أَوْ رَدَدْتُهَا، انْعَزَلَ قَطْعًا، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنْ كَانَتْ صِيغَةُ الْمُوَكِّلِ: بِعْ وَأَعْتِقْ وَنَحْوَهُمَا مِنْ صِيَغِ الْأَمْرِ، لَمْ يَنْعَزِلْ بِرَدِّ الْوَكَالَةِ، وَعَزْلِهِ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذْنٌ وَإِبَاحَةٌ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَبَاحَهُ الطَّعَامَ لَا يَرْتَدُّ بِرَدِّ الْمُبَاحِ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي انْعِزَالِهِ بِعَزْلِ نَفْسِهِ حُصُولُ عِلْمِ الْمُوَكِّلِ. الثَّالِثُ: يَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِخُرُوجِهِ، أَوْ خُرُوجِ الْمُوَكِّلِ عَنْ أَهْلِيَّةِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ بِالْمَوْتِ أَوِ الْجُنُونِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْعَزِلُ بِجُنُونٍ لَا يَمْتَدُّ، بِحَيْثُ تَتَعَطَّلُ الْمُهِمَّاتُ. وَيَخْرُجُ إِلَى نَصْبِ قَوَّامٍ. وَالْإِغْمَاءِ، كَالْجُنُونِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: لَا يَنْعَزِلُ بِهِ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» ؛ لِأَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ لَا يَلْتَحِقُ بِمَنْ تُوُلِّيَ عَلَيْهِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي الِانْعِزَالِ الْتِحَاقُ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ بِمَنْ تُوُلِّيَ عَلَيْهِ. وَفِي مَعْنَى الْجُنُونِ، الْحَجْرُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ فَلْسٍ فِي كُلِّ تَصَرُّفٍ لَا يَنْفُذُ مِنْهُمَا. وَكَذَا لَوْ طَرَأَ الرِّقُّ،

стр. 1725

بِأَنْ وَكَّلَ حَرْبِيًّا، ثُمَّ اسْتَرَقَّ. وَإِذَا جُنَّ الْمُوَكِّلُ، انْعَزَلَ الْوَكِيلُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخَبَرُ قَطْعًا، بِخِلَافِ الْعَزْلِ. الرَّابِعُ: خُرُوجُ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ، بِأَنْ بَاعَ الْمُوَكِّلُ مَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعِهِ أَوْ أَعْتَقَهُ. فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْعِهِ. ثُمَّ آجَرَهُ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : يَنْعَزِلُ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ إِنْ مَنَعَتِ الْبَيْعَ، لَمْ يُبْقِ مَالِكًا لِلتَّصَرُّفِ، وَإِلَّا فَهِيَ عَلَامَةُ النَّدَمِ؛ لِأَنَّ مَنْ يُرِيدُ الْبَيْعَ لَا يُؤَاجِرُ لِقِلَّةِ الرَّغَبَاتِ. وَتَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ عَزْلٌ. وَفِي طَحْنِ الْحِنْطَةِ وَجْهَانِ. وَجْهُ الِانْعِزَالِ، بُطْلَانُ اسْمِ الْحِنْطَةِ. وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ وَتَوْكِيلُ وَكِيلٍ آخَرَ، فَلَيْسَ بِعَزْلٍ قَطْعًا. الْخَامِسُ: لَوْ وَكَّلَ عَبْدَهُ فِي بَيْعٍ أَوْ تَصَرُّفٍ آخَرَ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ، فَفِي انْعِزَالِهِ أَوْجُهٌ. ثَالِثُهَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ: وَكَّلْتُكَ، بَقِيَ الْإِذْنُ. وَإِنْ كَانَتْ: بِعْ، أَوْ نَحْوَهُ، ارْتَفَعَ. وَالْكِتَابَةُ كَالْبَيْعِ. وَعَبْدُ غَيْرِهِ كَعَبْدِهِ. وَإِذَا حَكَمْنَا بِبَقَاءِ الْإِذْنِ فِي صُورَةِ الْبَيْعِ، لَزِمَهُ اسْتِئْذَانُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ لَهُ. فَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ، نَفَذَ تَصَرُّفُهُ لِبَقَاءِ الْإِذْنِ وَإِنْ عَصَى، قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ. قُلْتُ: لَمْ يُصَحِّحِ الرَّافِعِيُّ شَيْئًا مِنَ الْخِلَافُ فِي انْعِزَالِهِ، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ الْجُمْهُورُ. وَقَدْ صَحَّحَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ انْعِزَالَهُ. وَقَطَعَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّحْرِيرِ. وَأَمَّا عَبْدُ غَيْرِهِ، فَطَرَدَ الرَّافِعِيُّ فِيهِ الْوَجْهَيْنِ مُتَابَعَةً لِصَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» . وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ، وَالَّذِي جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ: الْقَطْعُ بِبَقَائِهِ. قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : وَالْخِلَافُ فِي عَبْدِ غَيْرِهِ، هُوَ فِيمَا إِذَا أَمَرَهُ السَّيِّدُ لِيَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إِنْ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَتَوَكَّلْ لِفُلَانٍ، وَإِلَّا فَلَا تَتَوَكَّلْ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ أَوْ بَاعَهُ، فَلَا يَنْعَزِلُ قَطْعًا كَالْأَجْنَبِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسُ: لَوْ جَحَدَ الْوَكِيلُ الْوَكَالَةَ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ عَزْلًا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ لِنِسْيَانٍ أَوْ غَرَضٍ فِي الْإِخْفَاءِ، لَمْ يَكُنْ عَزْلًا، وَإِنْ تَعَمَّدَ

стр. 1726

وَلَا عَرْضَ فِي الْإِخْفَاءِ، انْعَزَلَ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُوَكَّلُ التَّوْكِيلَ، فَفِي انْعِزَالِهِ الْأَوْجُهُ. قُلْتُ: وَمِنْ فُرُوعِ هَذِهِ، لَوْ وَكَّلَ رَجُلَيْنِ، فَعَزَلَ أَحَدَهُمَا لَا بِعَيْنَهِ، فَوَجْهَانِ فِي «الْحَاوِي» «وَالْمُسْتَظْهِرِيِّ» ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُمَيِّزَ، لِلشَّكِّ فِي أَهْلِيَّتِهِ. وَالثَّانِي: لِكُلٍّ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ تَصَرُّفِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ مَتَى قُلْنَا: الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ، أَرَدْنَا الْخَالِيَةَ عَنِ الْجَعْلِ. فَأَمَّا إِذَا شُرِطَ فِيهَا جَعْلٌ مَعْلُومٌ، وَاجْتَمَعَتْ شَرَائِطُ الْإِجَارَةِ، وَعُقِدَ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَهِيَ لَازِمَةٌ. وَإِنَّ عُقِدَ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ، أَمْكَنَ تَخْرِيجُهُ عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِصِيَغِ الْعُقُودِ، أَمْ بِمَعَانِيهَا؟ فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ إِحْدَاهَا: وَكَّلَهُ بِبَيْعٍ، فَبَاعَ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ بِعَيْبٍ، أَوْ أَمَرَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَشَرَطَهُ، فَفَسَخَ الْبَيْعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْعُهُ ثَانِيًا. الثَّانِيَةُ: قَالَ: بِعْ نَصِيبِي مِنْ كَذَا، أَوْ قَاسِمْ شُرَكَائِي، أَوْ خُذْ بِالشُّفْعَةِ، فَأَنْكَرَ الْخَصْمُ مِلْكَهُ، هَلْ لَهُ الْإِثْبَاتُ؟ يَخْرُجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْوَكِيلَ بِالِاسْتِيفَاءِ، هَلْ يَثْبُتُ؟ الثَّالِثَةُ: قَالَ: بِعْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَبَاعَ مُطْلَقًا، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ وَأَطْلَقَ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَكِيلِ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، وَكَذَا لَيْسَ لِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ شَرْطُ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ. وَفِي شَرْطِهِمَا الْخِيَارَ لِأَنْفُسِهِمَا أَوْ لِلْمُوَكِّلِ، وَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1727

الرَّابِعَةُ: أَمَرَهُ بِشِرَاءِ عَبْدٍ، أَوْ بَيْعِ عَبْدٍ، لَا يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى بَعْضِهِ، لِضَرَرِ التَّبْعِيضِ وَلَوْ فُرِضَتْ فِيهِ غِبْطَةٌ. وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِهِ بِهَذَا الثَّوْبِ، فَاشْتَرَاهُ بِنِصْفِ الثَّوْبِ، صَحَّ. الْخَامِسَةُ: قَالَ: بِعْ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدَ، أَوِ اشْتَرِ لِي خَمْسَةَ أَعْبُدٍ، وَوَصَفَهُمْ، فَلَهُ الْجَمْعُ وَالتَّفْرِيقُ، إِذْ لَا ضَرَرَ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِهِمْ صَفْقَةً، فَفَرْقٌ، لَمْ يَصِحَّ لِلْمُوَكِّلِ. فَلَوِ اشْتَرَى خَمْسَةً مِنْ مَالِكَيْنِ، لِأَحَدِهِمَا ثَلَاثَةٌ، وَلِلْآخَرِ اثْنَانِ دُفْعَةً، وَصَحَّحْنَا مِثْلَ هَذَا الْعَقْدِ، فَفِي وُقُوعِ شِرَائِهِمْ عَنِ الْمُوَكِّلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُمْ دُفْعَةً. وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ الْبَائِعُ، لَمْ تَكُنِ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً. السَّادِسَةُ: قَالَ: بِعْ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ الثَّلَاثَةَ بِأَلْفٍ، لَمْ يَبِعْ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِدُونِ أَلْفٍ. وَلَوْ بَاعَهُ بِأَلْفٍ، صَحَّ. ثُمَّ هَلْ يَبِيعُ الْآخَرِينَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَلَوْ قَالَ: بِعْ مِنْ عَبِيدِي مَنْ شِئْتَ، أَبْقَى بَعْضَهُمْ وَلَوْ وَاحِدًا. السَّابِعَةُ: وَكَّلَهُ بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ عَلَى زَيْدٍ، فَمَاتَ زَيْدٌ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِطَلَبِ حَقِّي مِنْ زَيْدٍ، لَمْ يُطَالِبِ الْوَرَثَةَ. وَإِنْ قَالَ: بِطَلَبِ حَقِّي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ، طَالَبَهُمْ. قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَمُتْ، جَازَ لَهُ الْقَبْضُ مِنْ وَكِيلِهِ قَطْعًا كَيْفَ كَانَ، قَالَهُ فِي «الشَّامِلِ» وَغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ: أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ مُؤَجَّلًا، لَا يَلْزَمُهُ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْأَجَلِ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ بَيَانُ الْغَرِيمِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: ادْفَعْ هَذَا الذَّهَبَ إِلَى صَائِغٍ، فَقَالَ: دَفَعْتُهُ، فَطَالَبَهُ الْمُوَكِّلُ بِبَيَانِهِ، فَقَالَ الْقَفَّالُ: يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ. فَلَوِ امْتَنَعَ، صَارَ مُتَعَدِّيًا، حَتَّى لَوْ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ تَلِفَ فِي يَدِ الصَّائِغِ، يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. قَالَ الْقَفَّالُ: وَالْأَصْحَابُ يَقُولُونَ: لَا يَلْزَمُهُ الْبَيَانُ.

стр. 1728

قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ عَنِ الْأَصْحَابِ، ضَعِيفٌ أَوْ خَطَأٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التَّاسِعَةُ: قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْ عَبْدَكَ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَأَنَا أَدْفَعُهُ إِلَيْكَ، فَبَاعَهُ لَهُ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ الْأَلْفَ عَلَى الْآمِرِ دُونَ الْمُشْتَرِي. فَإِذَا غَرِمَ الْآمِرُ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْتُ: هَذَا كُلُّهُ مُشْكِلٌ مُخَالِفٌ لِلْقَوَاعِدِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَهُمَا لُزُومُ الْأَلْفِ لِلْآمِرِ، وَرُجُوعُهُ بِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُشْتَرِي. وَمَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ، لَا يَرْجِعُ قَطْعًا كَمَا سَبَقَ فِي الضَّمَانِ. وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَالَ: بِعْ عَبْدَكَ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ عَلَيَّ، لَمْ يَصِحَّ الْتِزَامُهُ. فَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا يُلْزِمُ الْآمِرَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانٌ مَا لَمْ يَجِبْ، وَلَا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ. ثُمَّ رَأَيْتُ صَاحِبَ «الْحَاوِي» ﵀، أَوْضَحَ الْمَسْأَلَةَ فَقَالَ: لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْ عَبْدَكَ هَذَا عَلَى زَيْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ عَلَيَّ دُونَهُ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ هَذَا الْآمِرُ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِلْعَقْدِ، فَيَصِحُّ وَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لِغَيْرِهِ بِثَمَنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيُعْتَبَرُ حَالُ زَيْدٍ الْمُشْتَرِي لَهُ. فَإِنْ كَانَ مُوَلِّيًا عَلَيْهِ، أَوْ أُذِنَ فِيهِ، كَانَ الشِّرَاءُ لَهُ، وَالثَّمَنُ عَلَى الْعَاقِدِ الضَّامِنِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُوَلًّى عَلَيْهِ، وَلَا أُذِنَ، كَانَ الْمُشْتَرَى لِلْعَاقِدِ، يَعْنِي عَلَى الْأَصَحِّ فِيمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرِهِ لِزَيْدٍ، وَلَيْسَ وَكِيلًا لَهُ، وَعَلَى وَجْهٍ: بَيْعُهُ بَاطِلٌ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ زَيْدٌ هُوَ الْعَاقِدَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ وَيَكُونُ الْعَبْدُ لِزَيْدٍ بِلَا ثَمَنٍ، وَالثَّمَنُ عَلَى الضَّامِنَ الْآمِرِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ. وَالثَّانِي - قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ -: أَنَّ الْبَيْعَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ مَا أَوْجَبَ تَمْلِيكَ الْمَبِيعِ عِوَضًا عَلَى الْمَالِكِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ هُنَا، فَيَبْطُلُ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: بِعْ عَبْدَكَ عَلَى زَيْدٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ عَلَيَّ، فَفَعَلَ، فَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ: الْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي

стр. 1729

أَلْفٌ، وَعَلَى الْآمِرِ خَمْسُمِائَةٍ، وَعَلَى الصَّحِيحِ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ «الْحَاوِي» وَهُوَ وَاضِحٌ حَسَنٌ. وَعَجِبَ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ، اقْتِصَارُهُ عَلَى مَا حَكَاهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَإِهْمَالُهُ بَيَانَ الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ. ثُمَّ حِكَايَتُهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مُخَالِفَةٌ فِي الرُّجُوعِ مَا ذَكَرْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْعَاشِرَةُ: قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدَ فُلَانٍ بِثَوْبِكَ هَذَا، أَوْ بِدَرَاهِمِكَ، فَفَعَلَ، حَصَلَ الْمِلْكُ لِلْآمِرِ وَرَجَعَ عَلَيْهِ الْمَأْمُورُ بِالْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْلِ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَرْجِعُ إِلَّا أَنْ يَشْرُطَا الرُّجُوعَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَتَى قَبَضَ وَكِيلُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ، وَغَرِمَ الثَّمَنَ مِنْ مَالِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُ الْمَبِيعِ لِيَغْرَمَ الْمُوَكِّلَ لَهُ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَهُ ذَلِكَ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وَكَّلَهُ عَمْرٌو بِاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ مِنْ زَيْدٍ، فَقَالَ زَيْدٌ: خُذْ هَذِهِ الْعَشَرَةَ، وَاقْضِ بِهَا دَيْنَ عَمْرٍو، فَأَخَذَهَا، صَارَ وَكِيلًا لِزَيْدٍ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ، حَتَّى يَجُوزَ لِزَيْدٍ اسْتِرْدَادُهَا مَا دَامَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ. وَلَوْ تَلِفَتْ عِنْدَ الْوَكِيلِ، بَقِيَ الدَّيْنُ عَلَى زَيْدٍ. وَلَوْ قَالَ زَيْدٌ: خُذْهَا عَنِ الدَّيْنِ الَّذِي تُطَالِبُنِي بِهِ لِعَمْرٍو، فَأَخَذَهَا، كَانَ قَبْضًا لِعَمْرٍو، وَبَرِئَ زَيْدٌ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ. وَلَوْ قَالَ: خُذْهَا قَضَاءً لِدَيْنِ فُلَانٍ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ لِلْحَالَيْنِ. فَلَوْ تَنَازَعَ عَمْرٌو وَزَيْدٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ زَيْدٍ بِيَمِينِهِ. قُلْتُ: الْمُخْتَارُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إِقْبَاضٌ بِوَكَالَةِ عَمْرٍو. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: دَفَعَ إِلَيْهِ دَرَاهِمَ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا، فَتَصَدَّقَ وَنَوَى نَفْسَهُ، لَغَتْ نِيَّتُهُ وَوَقَعَتِ الصَّدَقَةُ لِلْآمِرِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَكَّلَ عَبْدًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ نَفْسَهُ، أَوْ مَوْلًى آخَرَ مِنْ مَوْلَاهُ،

стр. 1730

صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. فَعَلَى هَذَا، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : يَجِبُ أَنْ يُصَرِّحَ بِذِكْرِ الْمُوَكِّلِ فَيَقُولَ: اشْتُرِيَتُ نَفْسِي مِنْكَ لِمُوَكِّلِي فُلَانٍ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ: اشْتَرَيْتُ نَفْسِي، صَرِيحٌ فِي اقْتِضَاءِ الْعِتْقِ، فَلَا يَنْدَفِعُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِي نَفْسِي مِنْ سَيِّدِي، فَفَعَلَ، صَحَّ. قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : وَيُشْتَرَطُ التَّصْرِيحُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْعَبْدِ، فَلَوْ أَطْلَقَ، وَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يَرْضَى بِعَقْدٍ يَتَضَمَّنُ الْإِعْتَاقَ قَبْلَ تَوْفِيَةِ الثَّمَنِ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: قَالَ لِرَجُلٍ: أَسْلِمْ لِي فِي كَذَا، وَأَدِّ رَأْسَ الْمَالِ مِنْ مَالِكَ، ثُمَّ ارْجِعْ عَلَيَّ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَصِحُّ وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ قَرْضًا عَلَى الْآمِرِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْإِقْبَاضِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمُسْتَقْرِضِ قَبْضٌ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ الْعُدَّةِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، سَهْوٌ مِنْهُ. قَالَ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كِتَابِ الصَّرْفِ، أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أَبْرَأَ وَكِيلُ الْمُسَلِّمِ الْمُسَلَّمَ إِلَيْهِ، لَمْ يَلْزَمْ إِبْرَاؤُهُ الْمُوَكِّلَ. لَكِنَّ الْمُسْلَّمَ إِلَيْهِ لَوْ قَالَ: لَا أَعْلَمُكَ وَكِيلًا، وَإِنَّمَا الْتَزَمْتُ لَكَ شَيْئًا وَأَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، نَفَذَ فِي الظَّاهِرِ، وَيَتَعَطَّلُ بِفِعْلِهِ حَقُّ الْمُسَلِّمِ. وَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ قَوْلًا الْغُرْمُ بِالْحَيْلُولَةِ. وَالْأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، لَكِنْ لَا يَغْرَمُ مِثْلَ الْمُسَلَّمِ (فِيهِ) وَلَا قِيمَتَهُ، كَيْ لَا يَكُونَ اعْتِيَاضًا عَنِ السَّلَمِ، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ رَأْسَ الْمَالِ، كَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَاسْتَحْسَنَهُ. وَرَأَيْتُ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يَغْرَمُ لِلْمُوَكِّلِ مِثْلَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ: اشْتَرِ لِي طَعَامًا، نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁، عَلَى

стр. 1731

أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحِنْطَةِ اعْتِبَارًا بِعُرْفِهِمْ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ بِطَبَرِسْتَانَ، لَمْ يَصِحَّ التَّوْكِيلُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِيهِ لِهَذَا اللَّفْظِ عِنْدَهُمْ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِإِبْرَاءِ غُرَمَائِي، لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ إِبْرَاءَ نَفْسِهِ. فَإِنْ قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ فَأَبْرِئْ نَفْسَكَ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَوْكِيلِ الْمَدْيُونِ بِإِبْرَاءِ نَفْسِهِ. وَلَوْ قَالَ: فَرِّقْ ثُلُثَيَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَضَعَهُ فِي نَفْسِكَ فَافْعَلْ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ لِنَفْسِهِ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَالَ: بِعْ هَذَا ثُمَّ هَذَا، لَزِمَهُ رِعَايَةُ التَّرْتِيبِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ. الْعِشْرُونَ: جُعِلَ لِلْوَكِيلِ جَعْلًا، فَبَاعَ، اسْتَحَقَّهُ وَإِنْ تَلِفَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْعَمَلِ وَقَدْ عَمِلَ. قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْبَابِ فُرُوعٌ. أَحَدُهَا: قَالَ فِي «الْحَاوِي» : لَوْ شَهِدَ لِزَيْدٍ شَاهِدَانِ عِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّ عَمْرًا وَكَّلَهُ، فَإِنْ وَقَعَ فِي نَفْسِ زَيْدٍ صَدَّقَهُمَا، جَازَ الْعَمَلُ بِالْوَكَالَةِ. وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ شَهَادَتَهُمَا، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الْعَمَلِ بِهَا؛ لِأَنَّ قَبُولَهَا عِنْدَ زَيْدٍ خَبَرٌ، وَعِنْدَ الْحَاكِمِ شَهَادَةٌ. وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا، وَلَا يُغْنِي قَبُولُ الْحَاكِمِ شَهَادَتَهُمَا عَنْ تَصْدِيقِهِ. الثَّانِي: قَالَ فِي «الْحَاوِي» : إِذَا سَأَلَ الْوَكِيلُ مُوَكِّلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِتَوْكِيلِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْوَكَالَةُ فِيمَا لَوْ جَحَدَهُ الْمُوَكِّلُ ضَمِنَهُ الْوَكِيلُ، كَالْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ، وَقَبْضِ الْمَالِ، وَقَضَاءِ الدَّيْنِ، لَزِمَهُ. وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَا يَضْمَنُهُ الْوَكِيلُ، كَإِثْبَاتِ الْحَقِّ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ وَمُقَاسَمَةِ الشَّرِيكِ، لَمْ يَلْزَمْهُ. الثَّالِثُ: قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : لَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي جَارِيَةً أَطَؤُهَا، وَوَصَفَهَا، وَبَيَّنَ ثَمَنَهَا، فَاشْتَرَى مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ، أَوْ أُخْتَ مَنْ يَطَؤُهَا، لَمْ يَلْزَمِ الْمُوَكِّلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ فِيهِ.

стр. 1732

الرَّابِعُ: وَكَّلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَفِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ فِي الْبَيَانِ وَغَيْرِهِ، الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: الِاشْتِرَاطُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الِاخْتِلَافِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ. الْأَوَّلُ: فِي أَصْلِ الْعَقْدِ. فَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ، أَوْ كَيْفِيَّتِهَا، أَوْ قَدْرِ مَا يُشْتَرَى بِهِ، فَقَالَ: وَكَّلْتَنِي فِي بَيْعِ كُلِّهِ، أَوْ بَيْعِ نَسِيئَةٍ، أَوْ بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: بَلْ فِي بَيْعِ بَعْضِهِ، أَوْ بِحَالٍ، أَوْ بِخَمْسَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ. فَرْعٌ أُذِنَ فِي شِرَاءِ جَارِيَةٍ، فَاشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ بِعِشْرِينَ، وَقَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي الْعِشْرِينَ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَلْ فِي عَشْرَةٍ، وَحَلَّفْنَاهُ، فَحَلَفَ، فَيُنْظَرُ فِي الشِّرَاءِ، أَكَانَ بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ، أَمْ فِي الذِّمَّةِ؟ فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِهِ، فَإِنَّ ذِكْرَ فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْمَالَ لِفُلَانٍ، وَأَنَّ الشِّرَاءَ لَهُ، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْعَقْدِ، وَقَالَ بَعْدَ الشِّرَاءِ: إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ لَهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ، فَإِذَا بَطَلَ، فَالْجَارِيَةُ لِلْبَائِعِ وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ. وَإِنْ كَذَّبَهُ الْبَائِعُ، وَقَالَ: إِنَّمَا اشْتَرَيْتَ لِنَفْسِكَ وَالْمَالُ لَكَ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، وَحُكِمَ بِصِحَّةِ الشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ فِي الظَّاهِرِ، وَسُلِّمَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ إِلَى الْبَائِعِ، وَغَرِمَ الْوَكِيلُ مِثْلَهُ لِلْمُوَكِّلِ. وَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلُ بَلْ نَوَاهُ، كَانَتِ الْجَارِيَةُ لِلْوَكِيلِ بِالشِّرَاءِ لَهُ ظَاهِرًا، وَإِنْ سَمَّاهُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْبَائِعُ

стр. 1733

بَطَلَ الشِّرَاءُ، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لِلْغَيْرِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ، وَقَالَ: أَنْتَ مُبْطِلٌ فِي تَسْمِيَتِهِ، لَزِمَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ. وَهَلْ يَكُونُ كَمَا لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّيَّةِ، أَمْ يَبْطُلُ الشِّرَاءُ؟ وَجْهَانِ سَبَقَ نَظَائِرُهُمَا. أَصَحُّهُمَا: صِحَّتُهُ وَوُقُوعُهُ لِلْوَكِيلِ. وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشِّرَاءَ، وَجَعَلْنَا الْجَارِيَةَ لِلْوَكِيلِ ظَاهِرًا، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهَا لِلْمُوَكِّلِ، قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَالشَّافِعِيُّ ﵁: يَسْتَحِبُّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَرْفُقَ الْحَاكِمُ بِالْآمِرِ لِلْمَأْمُورِ، فَيَقُولَ: إِنْ كُنْتَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا بِعِشْرِينَ، فَقَدْ بِعْتَهُ إِيَّاهَا بِعِشْرِينَ. فَيَقُولُ الْآخَرُ: قَبِلْتُ لِيَحِلَّ لَهُ الْفَرَجُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ أَطْلَقَ الْمُوَكِّلُ وَقَالَ: بِعْتُكَهَا بِعِشْرِينَ. فَقَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، صَارَتِ الْجَارِيَةُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا. وَإِنْ عَلَّقَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِلتَّعْلِيقِ. قَالُوا: وَالتَّعْلِيقُ فِيمَا حَكَاهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ كَلَامِ الْحَاكِمِ، لَا مِنْ كَلَامِ الْمُوَكِّلِ. وَأَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْبَيْعِ إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَا يَضُرُّ التَّعَرُّضُ لَهُ. وَسَوَاءٌ أَطْلَقَ الْبَيْعَ، أَوْ عَلَّقَهُ، لَا نَجْعَلُ ذَلِكَ إِقْرَارًا بِمَا قَالَهُ الْوَكِيلُ. وَإِنِ امْتَنَعَ الْمُوَكِّلُ مِنَ الْإِجَابَةِ، أَوْ لَمْ يَرْفُقْ بِهِ الْحَاكِمُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْوَكِيلُ كَاذِبًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا بِبَيْعٍ وَلَا غَيْرِهِ إِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ لِلْبَائِعِ. وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، ثَبَتَ الْحِلُّ، لِوُقُوعِ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْمُوَكِّلِ. وَذَكَرَ فِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهُ إِذَا كَانَ كَاذِبًا وَالشِّرَاءُ بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ، فَلِلْوَكِيلِ بَيْعُهَا بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَكُونُ أَخَذَ مَالَ الْمُوَكِّلِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَقَدْ غَرِمَ الْوَكِيلُ لِلْمُوَكِّلِ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْبَائِعِ: رُدَّ مَالَ الْمُوَكِّلِ، لَكِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ بِالْيَمِينِ، فَلَهُ أَخْذُ حَقِّهِ مِنَ الْجَارِيَةِ الَّتِي هِيَ مِلْكُهُ.

стр. 1734

وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ صَادِقًا، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يَحِلُّ لِلْوَكِيلِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَيَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ وَكُلُّ تَصَرُّفٍ، حُكِيَ عَنِ الْإِصْطَخْرِيِّ، وَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَقَعُ لِلْوَكِيلِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُوَكِّلِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ نَقْلُهُ، بَقِيَ لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ هَذَا الْوَجْهَ بِمَا إِذَا اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَيْهِ مَالَ الْإِمَامُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ تَرَكَ الْوَكِيلُ مُخَاصَمَةَ الْمُوَكِّلِ، فَالْجَارِيَةُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَكَأَنَّهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا بَاطِنًا، بَلْ هِيَ لِلْمُوَكِّلِ، وَلِلْوَكِيلِ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، فَهُوَ كَمَنْ لَهُ عَلَى رَجُلِ دَيْنٍ لَا يُؤَدِّيهِ، فَظَفِرَ بِغَيْرِ جِنْسِ حَقِّهُ، فَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ وَأَخْذِ الْحَقِّ مِنْ ثَمَنِهِ، خِلَافٌ. الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ. ثُمَّ هَلْ يُبَاشِرُ الْبَيْعَ بِنَفْسِهِ، أَمْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَبِيعَ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالْأَصَحُّ هُنَا: لَهُ الْبَيْعُ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يُجِيبُهُ إِلَى الْبَيْعِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ أَخْذُ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا، فَهَلْ يُوقِفُ فِي يَدِهِ حَتَّى يَظْهَرَ مَالِكُهَا، وَيَأْخُذَهَا الْحَاكِمُ وَيَحْفَظَهَا؟ وَجْهَانِ. يَأْتِي نَظَائِرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ لَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: إِنَّمَا وَكَّلْتُكَ بِشِرَاءِ غَيْرِهَا، وَحَلَفَ عَلَيْهِ، بَقِيَتِ الْجَارِيَةُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ وَالْحَكَمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّورَةُ السَّابِقَةِ، فَيَتَلَطَّفُ الْحَاكِمُ وَيَرْفُقُ.

стр. 1735

فَرْعٌ بَاعَ الْوَكِيلُ مُؤَجَّلًا، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِيهِ، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ مَا أَذِنْتُ لَكَ إِلَّا فِي حَالٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ. ثُمَّ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يُنْكِرَ الْمُشْتَرِي الْوَكَالَةَ، أَوْ يَعْتَرِفَ بِهَا. الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُنْكِرَ، فَالْمُوَكِّلُ يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ، فَإِنْ حَلَفَ، قَرَّرَ الْمَبِيعَ فِي يَدِهِ، وَإِلَّا فَتُرَدُّ الْعَيْنُ عَلَى الْمُوَكِّلِ. فَإِنْ حَلَفَ، حُكِمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَإِلَّا فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي. وَنُكُولُ الْمُوَكِّلِ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ فِي خُصُومَةِ الْمُشْتَرِي، لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَلِفِ عَلَى الْوَكِيلِ. وَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلَهُ أَنْ يُغَرِّمَ الْوَكِيلَ قِيمَةَ الْمَبِيعِ، أَوْ مِثْلَهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَلَا يُطَالِبُ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِي حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، مُؤَاخَذَةً لَهُ بِمُقْتَضَى تَصَرُّفِهِ، فَإِذَا حَلَّ، نُظِرَ، إِنْ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَصَدَّقَ الْمُوَكِّلُ، لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَّا أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ. وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ، بَلْ أَصَرَّ عَلَى قَوْلِهِ، طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ بِتَمَامِهِ. فَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ، فَذَاكَ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ، فَالزِّيَادَةُ فِي يَدِهِ لِلْمُوَكِّلِ بِزَعْمِهِ، وَالْمُوَكِّلُ يُنْكِرُهَا، فَهَلْ يَحْفَظُهَا أَمْ يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إِلَى الْقَاضِي؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوَاضِعَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مَا أَخَذَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: يَقْطَعُ هُنَا بِأَخْذِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ فِي غَيْرِ الْجِنْسِ يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ، وَالْمُوَكِّلُ هُنَا لَا يَدَّعِي الثَّمَنَ، فَأَوْلَى مَصَارِفِهِ التَّسْلِيمُ إِلَى الْوَكِيلِ الْغَارِمِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَعْتَرِفَ الْمُشْتَرِي بِالْوَكَالَةِ، فَيَنْظُرَ، إِنْ صَدَّقَ الْمُوَكِّلُ، فَالْبَيْعُ

стр. 1736

بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْمَبِيعِ. فَإِنْ تَلِفَ، فَالْمُوَكِّلُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ غَرَّمَ الْوَكِيلَ، لِتَعَدِّيهِ، وَإِنْ شَاءَ غَرَّمَ الْمُشْتَرِي. وَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِحُصُولِ الْهَلَاكِ فِي يَدِهِ، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ عَلَى الْوَكِيلِ. وَإِنْ صَدَّقَ الْوَكِيلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ، أَخَذَ الْعَيْنَ. وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُشْتَرِي وَبَقِيَتْ لَهُ. الْمَوْضِعُ الثَّانِي: فِي الْمَأْذُونِ فِيهِ، إِذَا وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ صُلْحٍ، أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، أَوْ إِبْرَاءٍ، فَقَالَ: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذِنْتَ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَتَصَرَّفْ بَعْدُ، نُظِرَ، إِنْ جَرَى هَذَا الِاخْتِلَافُ بَعْدَ انْعِزَالِ الْوَكِيلِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لِلتَّصَرُّفِ حِينَئِذٍ. وَإِنْ جَرَى قَبْلَ الِانْعِزَالِ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، أَمِ الْوَكِيلِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي مَوَاضِعَ. وَقِيلَ: مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْوَكِيلُ، كَالطَّلَاقِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَالْإِبْرَاءِ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا لَا، كَالْبَيْعِ، فَلَا. وَلَوْ صَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْوَكِيلَ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، لَكِنْ قَالَ: عَزَلْتُكَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ، وَقَالَ الْوَكِيلُ: بَلْ بَعْدَ التَّصَرُّفِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: رَاجَعْتُكِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَقَالَتِ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ الرَّجْعَةِ. وَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: بَاعَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ: لَمْ أَبِعْ. فَإِنْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْمُوَّكِلَ، حُكِمَ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. فَرْعٌ دَعْوَى الْوَكِيلِ تَلَفَ الْمَالِ، مَقْبُولَةٌ بِيَمِينِهِ قَطْعًا، وَكَذَا دَعْوَاهُ الرَّدَّ إِنْ كَانَ بِلَا جَعْلٍ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِجَعْلٍ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ. وَكُلُّ مَا ذَكَّرْنَاهُ هُنَا وَهُنَاكَ، إِذَا ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ. فَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى غَيْرِهِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَسَيَأْتِي إِيضَاحُهُ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْ ذَلِكَ، أَنْ يَدَّعِيَ الْوَكِيلُ الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمَالِكِ، لِاسْتِرْدَادِ مَا عِنْدَهُ، وَيُنْكِرَ الرَّسُولُ، فَالْقَوْلُ

стр. 1737

قَوْلُ الرَّسُولِ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتَمِنْهُ. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالرِّسَالَةِ، وَيَدُ رَسُولِهِ يَدُهُ، فَكَأَنَّهُ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَيْهِ. الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ: فِي الْقَبْضِ، فَإِذَا وَكَّلَهُ بِقَبْضِ دَيْنٍ، فَقَالَ: قَبَضْتُهُ، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: قَبَضْتُهُ وَهُوَ بَاقٍ فِي يَدِي، فَخُذْهُ، لَزِمَهُ أَخْذُهُ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ. وَإِنْ قَالَ: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِقَبْضِ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَقِّهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، إِذَا حَلَفَ الْمُوَكِّلُ، أَخَذَ حَقَّهُ مِمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْوَكِيلِ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مَظْلُومٌ. وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا، وَجَوَّزْنَا لَهُ قَبْضَ الثَّمَنِ، فَاتَّفَقَا عَلَى الْبَيْعِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَبْضِ الثَّمَنِ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: قَبَضْتُهُ وَتَلِفَ فِي يَدِي، أَوْ دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَفِي الْمُصَدِّقِ مِنْهُمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُمَا إِنِ اخْتَلَفَا قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُ الْمُوَكِّلِ. وَأَصَحُّهُمَا: قَوْلُ الْوَكِيلِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ؛ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ يَدَّعِي تَقْصِيرَهُ وَخِيَانَتَهُ بِالتَّسْلِيمِ بِلَا قَبْضٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِيمَا إِذَا أَذِنَ فِي الْبَيْعِ مُطْلَقًا. فَإِذَا أَذِنَ فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي الْبَيْعِ بِمُؤَجَّلٍ وَفِي الْقَبْضِ بَعْدَ الْأَجَلِ، لَمْ يَكُنْ خَائِنًا بِالتَّسْلِيمِ بِلَا قَبْضٍ، كَالِاخْتِلَافِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَإِذَا صَدَّقْنَا الْوَكِيلَ فَحَلَفَ، فَفِي بَرَاءَةِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: يَبْرَأُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: لَا. فَعَلَى الْأَوَّلِ، إِذَا حَلَفَ وَبَرِئَ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا، فَإِنْ رَدَّهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَغَرَّمَهُ الثَّمَنَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْوَكِيلِ، لِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. وَإِنْ رَدَّهُ عَلَى الْوَكِيلِ وَغَرَّمَهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ

стр. 1738

تَصْدِيقِنَا لِلْوَكِيلِ فِي الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ بِيَمِينِهِ أَنْ نُثْبِتَ بِهَا حَقًّا عَلَى غَيْرِهِ. وَلَوْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُوكِّلِ لِمَا سَبَقَ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ الْوَكِيلِ الثَّمَنَ، وَقَالَ الْوَكِيلُ: دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، وَقَالَ الْمُوَكِّلُ: بَلْ هُوَ بَاقٍ عِنْدَكَ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْمَالِ الْمُسْلَّمِ إِلَيْهِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ. وَلَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: قَبَضْتَ الثَّمَنَ فَادْفَعْهُ إِلَيَّ، فَقَالَ الْوَكِيلُ: لَمْ أَقْبِضْهُ بَعْدُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُوَكِّلِ طَلَبُهُ مِنَ الْمُشْتَرِي، لِاعْتِرَافِهِ بِقَبْضِ وَكِيلِهِ، لَكِنْ لَوْ سَلَّمَ الْوَكِيلُ الْمَبِيعَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ، فَلِلْمُوَكِّلِ أَنْ يُغَرِّمَهُ قِيمَةَ الْمَبِيعِ. فَصْلٌ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا، وَوَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ بِهِ، ثُمَّ قَالَ الْوَكِيلُ: قَضَيْتُ بِهِ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الدَّيْنِ، صُدِّقَ رَبُّ الدَّيْنِ بِيَمِينِهِ، فَإِذَا حَلَفَ، طَالَبَ الْمُوَكِّلُ بِحَقِّهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْوَكِيلِ. وَهَلْ يَقْبَلُ قَوْلَ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُوَكِّلِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا. وَالثَّانِي: نَعَمْ بِيَمِينِهِ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَنْظُرُ، إِنْ تَرَكَ الْإِشْهَادَ عَلَى الدَّفْعِ، فَإِنْ دَفَعَ بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ، فَلَا رُجُوعَ لِلْمُوَكِّلِ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ دَفَعَ فِي غَيْبَتِهِ، رَجَعَ، وَسَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ فِي الدَّفْعِ، أَمْ لَا، عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَرْجِعُ إِذَا صَدَّقَهُ. فَلَوْ قَالَ: دَفَعْتُ بِحَضْرَتِكَ، صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ أَشْهَدُ، لَكِنْ مَاتَ الشُّهُودُ، أَوْ جُنُّوا، أَوْ غَابُوا، فَلَا رُجُوعَ. وَإِنْ أَشْهَدْ وَاحِدًا أَوْ مَسْتُورَيْنِ، فَبَانَا فَاسِقَيْنِ، فَوَجْهَانِ. وَكُلُّ ذَلِكَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي رُجُوعِ الضَّامِنِ عَلَى الْأَصِيلِ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْإِيدَاعِ، فَفِي لُزُومِ الْإِشْهَادِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْوَدِيعَةِ.

стр. 1739

فَصْلٌ إِذَا ادَّعَى قَيِّمُ الْيَتِيمِ أَوِ الْوَصِيِّ دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَصْلٌ إِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ بِالرَّدِّ، فَقَالَ: لَا أَرُدُّ حَتَّى تَشْهَدَ عَلَيْكَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُوَدِّعِ وَالْوَكِيلِ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: بَلَى. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ التَّوَقُّفُ إِلَى الْإِشْهَادِ يُؤَخِّرُ التَّسْلِيمَ، فَلَيْسَ لَهُ، وَإِلَّا فَلَهُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ كَالْغَاصِبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْأَخْذِ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. صَحَّحَ الْبَغَوِيُّ الِامْتِنَاعَ، وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِعَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، وَيَحْلِفُ، وَالْمَدْيُونُ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَمَنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي رَدِّ الْأَعْيَانِ. فَصْلٌ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِزَيْدٍ، أَوْ عَيْنٌ فِي يَدِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا وَكِيلُهُ بِالْقَبْضِ مِنْكَ فَأَقْبِضْنِيهِ، فَلَهُ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُصَدِّقَهُ فِي دَعْوَى الْوَكَالَةِ، فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ. فَإِنْ دَفَعَ فَحَضَرَ زَيْدٌ، وَأَنْكَرَ الْوَكَالَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. فَإِذَا حَلَفَ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ عَيْنًا، أَخَذَهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَهُ تَغْرِيمُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، وَلَا رُجُوعَ لِلْغَارِمِ عَلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ، فَلَا يُؤَاخِذُ غَيْرَ ظَالِمِهِ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : هَذَا إِذَا تَلِفَتَ بِلَا تَفْرِيطٍ وَإِنْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الْقَابِضِ، نُظِرَ، إِنْ غَرِمَ الْقَابِضُ، فَلَا رُجُوعَ. وَإِنْ غَرِمَ الدَّافِعُ، رَجَعَ؛ لِأَنَّ الْقَابِضَ وَكِيلٌ عِنْدَهُ، وَالْوَكِيلُ يَضْمَنُ بِالتَّفْرِيطِ، وَزَيْدٌ ظَالِمُهُ بِأَخْذِ الْقِيمَةِ

стр. 1740

مِنْهُ، وَمَالُهُ فِي ذِمَّةِ الْقَابِضِ، فَيَسْتَوْفِيهِ بِحَقِّهِ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ دَيْنًا، فَلَهُ مُطَالَبَةُ الدَّافِعِ بِحَقِّهِ. وَإِذَا غَرِمَهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ بَاقِيًا، فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِزَيْدٍ فِي زَعْمِهِ؛ لِأَنَّهُ ظَالِمُهُ بِتَغْرِيمِهِ، وَقَدْ ظَفِرَ بِمَالِهِ. وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَإِنْ فَرَّطَ فِيهِ، غَرِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَهَلْ لِزَيْدٍ مُطَالَبَةُ الْقَابِضِ؟ نُظِرَ، إِنْ تَلِفَ الْمَدْفُوعُ عِنْدَهُ، فَلَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ فُضُولِيٌّ بِزَعْمِهِ، وَالْمَأْخُوذَ لَيْسَ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَالُ الْمَدْيُونِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَهُ مُطَالَبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَكِيلِهِ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا، إِذَا أَخَذَهُ، بَرِئَ الدَّافِعُ، هَذَا كُلُّهُ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إِذَا صَدَّقَهُ فِي الْوَكَالَةِ، وَهَلْ يَلْزَمُ الدَّفْعُ، أَمْ لَهُ الِامْتِنَاعُ إِلَى قِيَامِ الْبَيِّنَةِ؟ نَصَّ هُنَا أَنَّ لَهُ الِامْتِنَاعَ. وَنَصَّ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ لِزَيْدٍ، وَأَنَّهُ مَاتَ وَهَذَا وَارِثُهُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ بِلَا بَيِّنَةٍ؟ فَقِيلَ قَوْلَانِ فِيهِمَا. وَالْمَذْهَبُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، فَلَا يُكَلَّفُ الدَّفْعَ إِلَيْهِ. فَإِنْ دَفَعَ ثُمَّ حَضَرَ زَيْدٌ وَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْوَكَالَةِ، غَرِمَ الدَّافِعُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يُرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ دَيْنًا كَانَ أَوْ عَيْنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِصِدْقِهِ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكَالَةَ أَوِ الْحَقَّ، وَكَانَ الْوَكِيلُ مَأْذُونًا لَهُ فِي إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ قُلْنَا: الْوَكِيلُ بِالْقَبْضِ مُطْلَقًا لَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، أَقَامَهَا وَأَخَذَ الْحَقَّ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَهَلْ لَهُ التَّحْلِيفُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ، هَلْ يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، حَلَّفَهُ، وَإِلَّا فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ النُّكُولَ مَعَ يَمِينِ الرَّدِّ كَالْبَيِّنَةِ، أَمْ كَالْإِقْرَارِ؟ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، حَلَّفَهُ، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ جَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ: أَحَالَنِي بِهِ مَالِكُهُ، فَصَدَّقَهُ. وَقُلْنَا: إِذَا صَدَّقَ

стр. 1741

مُدَّعِي الْوَكَالَةِ، لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ، فَهُنَا وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ كَالْوَارِثِ. وَلَوْ كَذَّبَهُ وَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، هَلْ لَهُ تَحْلِيفُهُ؟ إِنْ أَلْزَمْنَاهُ الدَّفْعَ، فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَكَمَا سَبَقَ. وَلَوْ قَالَ: مَاتَ فُلَانٌ وَلَهُ عِنْدِي كَذَا، وَهَذَا وَصِيُّهُ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: وَارِثُهُ. فَلَوْ قَالَ: مَاتَ، وَقَدْ أَوْصَى بِهِ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَكَإِقْرَارِهِ بِالْحَوَالَةِ. فَرْعٌ إِذَا أَوْجَبْنَا الدَّفْعَ إِلَى الْوَارِثِ وَالْوَصِيِّ، أَوْ لَمْ نُوجِبْ، فَدَفَعَ، ثُمَّ بَانَ حَيَاةُ الْمُسْتَحِقِّ وَغَرِمَ الدَّافِعُ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ. وَلَوْ جَحَدَ الْحَوَالَةَ، فَكَجَحْدِ الْوَكَالَةِ. فَصْلٌ إِذَا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَيْهِ مَتَاعًا لِيَبِيعَهُ وَيَقْبِضَ ثَمَنَهُ، وَطَالَبَهُ بِرَدِّهِ، أَوْ قَالَ: بِعْتَهُ وَقَبَضْتَ ثَمَنَهُ فَسَلِّمْهُ إِلَيَّ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَى، فَادَّعَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ تَلِفَ، أَوْ رَدَّ، نُظِرَ فِي صِيغَةِ جُحُودِهِ، فَإِنْ قَالَ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، أَوْ لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ. وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، سَمِعْتُ، إِذْ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ كَلَامَيْهِ. وَإِذَا كَانَتْ صِيغَتُهُ: مَا وَكَّلْتَنِي، أَوْ مَا دَفَعْتَ إِلَيَّ شَيْئًا، أَوْ مَا قَبَضْتُ، فَإِنِ ادَّعَى التَّلَفَ أَوِ الرَّدَّ قَبْلَ الْجُحُودِ، لَمْ يُقْبَلْ، لِمُنَاقَضَتِهِ، وَلَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَبَيِّنَتُهُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيِّ: لَا تُسْمَعُ. وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ رَدَّ بَعْدَ الْجُحُودِ، لَمْ يُصَدَّقْ، لِمَصِيرِهِ خَائِنًا. فَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً، سُمِعَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ كَالْغَاصِبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ بِالرَّدِّ. وَقَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ الْوَجْهَانِ، لِلتَّنَاقُضِ،

стр. 1742

وَهُوَ حَسَنٌ. وَلَوِ ادَّعَى التَّلَفَ بَعْدَ الْجُحُودِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ لِتَنْقَطِعَ عَنْهُ الْمُطَالَبَةُ بِرَدِّ الْعَيْنِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لِخِيَانَتِهِ، كَمَا إِذَا ادَّعَى الْغَاصِبُ التَّلَفَ. فَصْلٌ إِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ خِيَانَةً، لَمْ تُسْمَعْ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا خَانَ بِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُ بِعَشَرَةٍ، وَمَا دَفَعْتَ إِلَيَّ إِلَّا خَمْسَةً. فَصْلٌ وَكَّلَ بِقَبْضِ دَيْنٍ أَوِ اسْتِرْدَادِ وَدِيعَةٍ، فَقَالَ الْمَدْيُونُ وَالْمُودَعُ: دَفَعْتُ، وَصَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ، وَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ، هَلْ يَغْرَمُ الدَّافِعُ بِتَرْكِ الْإِشْهَادِ؟ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ تَرَكَ الْوَكِيلُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ الْإِشْهَادَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَغْرَمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ مَنْ قَالَ: أَنَا وَكِيلٌ فِي النِّكَاحِ أَوِ الْبَيْعِ، وَصَدَّقَهُ مَنْ يُعَامِلُهُ، صَحَّ الْعَقْدُ. فَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ بَعْدَ الْعَقْدِ: لَمْ أَكُنْ مَأْذُونًا فِيهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، وَكَذَا لَوْ صَدَّقَهُ الْمُشْتَرِي؛ لَأَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلْمُوَكِّلِ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا فِي ذَلِكَ التَّصَرُّفِ.

стр. 1743

كِتَابُ الْإِقْرَارِ هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ. الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. الْأَوَّلُ: الْمُقِرُّ، وَهُوَ مُطْلَقٌ، وَمَحْجُورٌ عَلَيْهِ. فَالْمُطْلَقُ، يَصِحُّ إِقْرَارُهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْشَائِهِ، وَهَذَا الضَّبْطُ تُسْتَثْنَى مِنْهُ صُوَرًا. مِنْهَا: لَوْ قَالَ الْوَكِيلُ: تَصَرَّفْتُ كَمَا أَذِنْتَ، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَتَصَرَّفْ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُ الْوَكِيلِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: اسْتَوْفَيْتُ مَا أَمَرْتَنِي بِاسْتِيفَائِهِ، وَنَازَعَهُ كَمَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: إِنْشَاءُ نِكَاحِ الثَّيِّبِ إِلَى وَلِيِّهَا، فَإِقْرَارُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُزَادَ فِي الضَّبْطِ فَيُقَالَ: يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِإِنْشَائِهَا. أَوْ يُقَالُ: مَا يَقْدِرُ عَلَى إِنْشَائِهِ، يُؤَاخَذُ الْمُقِرُّ بِمُوجَبِ إِقْرَارِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نُفُوذُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ، فَتَخْرُجُ عَنْهُ الْمَسَائِلُ. وَأَمَّا الْمَحْجُورُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَقْسَامَهُ فِي كِتَابِ الْحَجْرِ. فَمِنْهُ الصَّبِيُّ، وَإِقْرَارُهُ بَاطِلٌ، لَكِنْ يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ إِذَا صَحَّحْنَاهُمَا مِنْهُ. وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ بَلَغَ بِالِاحْتِلَامِ، أَوِ ادَّعَتْ أَنَّهَا بَلَغَتْ بِالْحَيْضِ فِي وَقْتِ إِمْكَانِهِمَا صُدِّقَا. فَإِنْ فُرِضَ ذَلِكَ فِي خُصُومَةٍ، لَمْ يَحْلِفَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمَا، فَأَشْبَهَ إِذَا عَلَّقَ الْعِتْقَ بِمَشِيئَةِ غَيْرِهِ فَقَالَ: شِئْتَ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، هَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ، وَالْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ. قَالَ الْإِمَامُ: فَلَوْ بَلَغَ مَبْلَغًا يَتَيَقَّنُ بُلُوغَهُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا، لِأَنَّا إِذَا حَكَمْنَا بِمُقْتَضَى قَوْلِهِ، فَقَدْ أَنْهَيْنَا الْخُصُومَةَ مُنْتَهَاهَا، فَلَا عَوْدَ إِلَى التَّحْلِيفِ. وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إِذَا جَاءَ وَاحِدٌ مِنَ الْغُزَاةِ يَطْلُبُ سَهْمَ الْمُقَاتِلَةِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ احْتَلَمَ، حَلَفَ وَأَخَذَ

стр. 1744

السَّهْمَ. فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ، فَفِي إِعْطَائِهِ، وَجْهَانِ. وَلَوِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالسِّنِّ، طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ، لِإِمْكَانِهَا. فَلَوْ كَانَ غَرِيبًا خَامِلَ الذِّكْرِ، فَهَلْ يُطَالِبُ بِالْبَيِّنَةِ لِإِمْكَانِهَا مِنْ جِنْسِ الْمُدَّعِي؟ أَمْ يَلْحَقُ بِالِاحْتِلَامِ؟ أَمْ يَنْظُرُ إِلَى الْإِنْبَاتِ لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ كَمَا فِي صِبْيَانِ الْكُفَّارِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ احْتِمَالَاتٍ لِلْإِمَامِ. أَصَحُّهَا: أَوَّلُهَا. قُلْتُ: وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ أَنَّهُ أَتْلَفَ فِي صِبَاهُ مَالًا، لَزِمَهُ الْآنَ قَطْعًا، كَمَا لَوْ قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ الْمَجْنُونُ، وَهُوَ مَسْلُوبُ الْعِبَارَةِ إِنْشَاءً وَإِقْرَارًا فِي كُلِّ شَيْءٍ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ. وَفِي السَّكْرَانِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ مَشْهُورٌ، نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قُلْتُ: وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فِيهِ، كَشُرْبِ الدَّوَاءِ وَنَحْوِهِ، أَوْ أُكْرِهَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ: حَجْرُ الْمُبَذِّرِ وَالْمُفْلِسِ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُمَا فِي بَابَيْهِمَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِلْفَلَسِ بِالنِّكَاحِ، دُونَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، اعْتِبَارًا لِلْإِقْرَارِ بِالْإِنْشَاءِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِقْرَارُ السَّفِيهَةِ بِأَنَّهَا مَنْكُوحَةُ فُلَانٍ، كَإِقْرَارِ الرَّشِيدَةِ، إِذْ لَا أَثَرَ لِلسَّفَهِ فِي النِّكَاحِ مِنْ جَانِبِهَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ بِسَبَبِ ضَعْفِ قَوْلِهَا وَعَقْلِهَا. فَصْلٌ وَمِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ: الرَّقِيقُ. وَالَّذِي يُقِرُّ بِهِ، ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ كَالزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي النَّفْسِ، أَوِ الطَّرَفِ، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ بِهِ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ عُقُوبَتُهُ

стр. 1745

خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ. وَإِذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، قُبِلَ فِي الْقَطْعِ. وَأَمَّا الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ. وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يُقْبَلُ وَيَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ السَّيِّدُ فَيُقْبَلُ. وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي يَدِ السَّيِّدِ، لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهُ إِلَّا بِتَصْدِيقِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي انْتِزَاعِهِ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّالِفِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُنْتَزَعُ، ثَبَتَ بَدَلُهُ فِي ذِمَّتِهِ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يُنْتَزَعُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَيَدِ سَيِّدِهِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ الْعَبْدِ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَإِذَا اخْتَصَرْتُ قُلْتُ: فِي قَوْلِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا: لَا يُقْبَلُ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ. وَالثَّالِثُ: يُقْبَلُ إِنْ كَانَ الْمَالُ بَاقِيًا. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ. وَإِذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، ثُمَّ رَجَعَ، كَانَ كَإِقْرَارِهِ بِسَرِقَةٍ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ، وَسَنَذْكُرُ فِي الضَّرْبِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْقِصَاصِ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَلَى مَالٍ، أَوْ عَفَا مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: إِنَّهُ يُوجِبُ الْمَالَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَقَرَّ بِالْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ الْمَالُ بِالْعَفْوِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ إِنْ قُلْنَا: مُوجِبُ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ قُلْنَا: مُوجِبُهُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ، فَفِي ثُبُوتِ الْمَالِ قَوْلَانِ، كَالْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يُوجِبُ عُقُوبَةً، فَإِذَا أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ، كَغَصْبٍ، أَوْ سَرِقَةٍ لَا تُوجِبُ قَطْعًا، أَوْ إِتْلَافٍ، وَصَدَّقَهُ السَّيِّدُ، تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ، فَيُبَاعُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَفْدِيَهُ السَّيِّدُ، وَإِذَا بِيعَ فَبَقِيَ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ، فَهَلْ يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عَتَقَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: لَا يُتْبَعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1746

وَإِنْ كَذَّبَهُ السَّيِّدُ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِرَقَبَتِهِ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، يُتْبَعُ بِهِ إِذَا عَتَقَ، وَلَا يَخْرُجُ عَنِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا بِيعَ فِي الدَّيْنِ وَبَقِيَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ التَّعَلُّقُ بِالرَّقَبَةِ فَكَانَ الْحَقَّ انْحَصَرَ فِيهَا. وَقِيلَ بِطَرَدِهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْقِيمَةِ لَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْحَقِّ هُنَا غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِهَا. وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَى السَّيِّدِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ الْمُقَرُّ بِهِ بِذِمَّتِهِ، يُطَالَبُ بِهِ إِذَا عَتَقَ، سَوَاءٌ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، أَمْ لَا. وَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا فِيهَا، قُبِلَ وَأَدَّى مِنْ كَسْبِهِ وَمَا فِي يَدِهِ، إِلَّا إِذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِالتِّجَارَةِ كَالْقَرْضِ. وَلَوْ أَطْلَقَ الْمَأْذُونُ الْإِقْرَارَ بِالدَّيْنِ، وَلَمْ يُعَيِّنْ جِهَتَهُ، لَمْ يَنْزِلْ عَلَى دَيْنِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ بِإِتْلَافٍ، وَلَا فَرْقَ فِي دَيْنِ الْإِتْلَافِ بَيْنَ الْمَأْذُونِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ حَجَرَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بَعْدَ الْحَجْرِ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ، إِضَافَةً إِلَى حَالِ الْإِذْنِ، لَمْ تُقْبَلْ إِضَافَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ، لَمْ يُقْبَلْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِسَيِّدِهِ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ، وَيُقْبَلُ فِي نِصْفِهِ. وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ مِمَّا فِي يَدِهِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ، فَمَتَى صَحَّحْنَا تَصَرُّفَهُ، قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ عَلَيْهِ، وَقَضَيْنَاهُ مِمَّا فِي يَدِهِ. وَمَتَى لَمْ نُصَحِّحْهُ، فَإِقْرَارُهُ كَإِقْرَارِ الْعَبْدِ. فَرْعٌ إِقْرَارُ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ بِمَا يُوجِبُ عُقُوبَةً مَرْدُودٌ، وَبِدَيْنِ الْجِنَايَةِ مَقْبُولٌ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا بِيعَ فِيهِ وَبَقِيَ شَيْءٌ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ. وَكَذَا إِقْرَارُهُ بِدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ، لَا يُقْبَلُ عَلَى الْعَبْدِ.

стр. 1747

قُلْتُ: قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ عَتَقَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا لِرَجُلٍ قَبْلَ الْعِتْقِ لَمْ يَلْزَمِ السَّيِّدَ، وَيُطَالَبُ بِهِ الْعَبْدُ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّهُ كَانَ جَنَى، لَزِمَ السَّيِّدَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ وَقِيمَتِهِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: كُلُّ مَا قُبِلَ إِقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ كَالْعُقُوبَاتِ، فَالدَّعْوَى فِيهِ تَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ. وَمَا لَا يَقْبَلُ الْمَالَ الْمُتَعَلِّقَ بِرَقَبَتِهِ، إِذَا صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، فَالدَّعْوَى عَلَى السَّيِّدِ. فَإِنِ ادَّعَى فِي هَذَا عَلَى الْعَبْدِ، إِنْ كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ سُمِعَتْ، وَإِلَّا فَإِنْ قُلْنَا: الْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ كَالْبَيِّنَةِ، سُمِعَتْ رَجَاءَ نُكُولِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى عَلَى الْعَبْدِ دَيْنَ مُعَامَلَةٍ مُتَعَلِّقٍ بِالذِّمَّةِ، وَلَهُ بَيِّنَةٌ، فَفِي سَمَاعِهَا وَجْهَانِ، كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَمِنَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمُ، الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِالنِّكَاحِ بِمُوجِبَاتِ الْعُقُوبَاتِ، وَبِالدَّيْنِ وَالْعَيْنِ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَفِي إِقْرَارِهِ لِلْوَارِثِ بِالْمَالِ، طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَطْعًا. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ. وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵁، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ، وَإِلَّا فَيُقْبَلُ، وَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ، فَهَلِ الِاعْتِبَارُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِحَالِ الْمَوْتِ، أَمْ بِحَالِ الْإِقْرَارِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: بِحَالِ الْمَوْتِ، كَالْوَصِيَّةِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ وَهَبَ وَارِثَهُ، وَأَقْبَضَهُ فِي الصِّحَّةِ، أَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى طَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إِنْشَائِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ: الْمَنْعَ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْقَبُولَ.

стр. 1748

قُلْتُ: الْقَبُولُ أَرْجَحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَقَرَّ لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ مَعًا، وَقُلْنَا: لَا يُقْبَلُ لِلْوَارِثِ، قُبِلَ فِي نِصْفِهِ لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَظْهَرِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ لِرَجُلٍ، وَفِي مَرَضِهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ، فَهُمَا سَوَاءٌ، كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِهِمَا فِي الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ. قُلْتُ: وَحَكَى فِي «الْبَيَانِ» قَوْلًا شَاذًّا: أَنَّ دَيْنَ الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِدَيْنٍ، ثُمَّ مَاتَ فَأَقَرَّ وَرَثَتُهُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ لِآخَرَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَتَسَاوَيَانِ فَيَتَضَارَبَانِ فِي التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَصَارَ كَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنَيْنِ. وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُورَثُ؛ لِأَنَّهُ بِالْمَوْتِ تَعَلَّقَ بِالتَّرِكَةِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ ثَبَتَ الْأَوَّلُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَرَّ وَارِثُهُ، وَفِيمَا لَوْ أَقَرَّ الْوَارِثُ بِدَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ آخَرَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ الْأَوَّلُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ، أَمْ لَا. وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مَوْتِهِ، ثُمَّ تَرَدَّتْ بَهِيمَةٌ فِي بِئْرٍ كَانَ حَفَرَهَا بِمَحَلِّ عُدْوَانٍ، فَفِي مُزَاحَمَةِ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ رَبَّ الدَّيْنِ الْقَدِيمِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا جَنَى الْمُفْلِسُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . الثَّالِثَةُ: مَاتَ وَخَلَّفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ دَيْنًا، فَصَدَّقَهُ الْوَارِثُ، قِيلَ: يَصْرِفُ الثُّلُثَ إِلَى الْوَصِيَّةِ، لِتَقَدُّمِهَا. وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِيهِمَا. وَلَوْ صَدَّقَ مُدَّعِيَ دَيْنٍ أَوَّلًا، قُدِّمَ قَطْعًا. وَلَوْ صَدَّقَ الْمُدَّعِيَيْنِ مَعًا، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُقَسَّمُ الْأَلْفُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا، لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى الْأَلْفِ لِلدَّيْنِ، وَإِلَى ثُلُثِ الْمَالِ لِلْوَصِيَّةِ، فَيَخُصُّ الْوَصِيَّةَ ثُلُثُ عَائِلٍ، وَهُوَ الرُّبُعُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: تَسْقُطُ الْوَصِيَّةُ، وَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ

стр. 1749

كَمَا لَوْ ثَبَتَا بِالْبَيِّنَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، سَوَاءٌ قَدَّمْنَا عِنْدَ تَرَتُّبِ الْإِقْرَارَيْنِ الْأَوَّلَ مِنْهُمَا، أَوْ سَوَّيْنَا. الرَّابِعَةُ: أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِعَيْنِ مَالٍ لِإِنْسَانٍ، ثُمَّ أَقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ، سُلِّمَتِ الْعَيْنُ لِلْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُقِرَّ مَاتَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ مَالٌ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالْعَيْنِ أَوَّلًا؛ لَأَنَّ الْإِقْرَارَ فِي الدَّيْنِ، لَا يَتَضَمَّنُ حَجْرًا فِي الْعَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهَا. وَالثَّانِي: يَتَزَاحَمَانِ، لِتَعَارُضِ الْقُوَّةِ فِيهِمَا. قُلْتُ: لَوْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي صِحَّتِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَهُ، نَفَذَ عِتْقُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ تَبَرُّعًا، بَلْ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ. وَلَوْ مَلِكَ أَخَاهُ، فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَهُوَ أَقْرَبُ عُصْبَتِهِ، نَفَذَ عِتْقُهُ. وَهَلْ يَرِثُ؟ يُبْنَى عَلَى الْإِقْرَارِ لِلْوَارِثِ. إِنْ صَحَّحْنَاهُ وَرِثَ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ تَوْرِيثَهُ يَقْتَضِي إِبْطَالَ حُرِّيَّتِهِ، فَيَذْهَبُ الْإِرْثُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْإِقْرَارِ الِاخْتِيَارُ، فَإِقْرَارُ الْمُكْرَهِ بَاطِلٌ كَسَائِرِ تَصَرُّفِهِ. قُلْتُ: وَلَوْ ضُرِبَ لِيُقِرَّ، فَأَقَرَّ فِي حَالِ الضَّرْبِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ ضُرِبَ لِيَصْدُقَ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إِنْ أَقَرَّ فِي حَالِ الضَّرْبِ، تُرِكَ ضَرْبُهُ وَاسْتُعِيدَ إِقْرَارُهُ، فَإِنْ أَقَرَّ بَعْدَ الضَّرْبِ، عُمِلَ بِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَعِدْهُ وَعُمِلَ

стр. 1750

بِالْإِقْرَارِ حَالَ الضَّرْبِ، جَازَ مَعَ الْكَرَاهَةِ، هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيِّ. وَقَبُولُ إِقْرَارِهِ حَالَ الضَّرْبِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُكْرَهِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُكْرَهًا، فَإِنَّ الْمُكْرَهَ هُوَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُنَا إِنَّمَا ضُرِبَ لِيَصْدُقَ، وَلَا يَنْحَصِرُ الصِّدْقُ فِي الْإِقْرَارِ. وَقَبُولُ إِقْرَارِهِ بَعْدَ الضَّرْبِ فِيهِ نَظَرٌ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعَادَةُ الضَّرْبِ إِنْ لَمْ يُقِرَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُقَرُّ لَهُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْحَقِّ الْمُقَرِّ بِهِ. فَلَوْ قَالَ: لِهَذَا الْحِمَارِ أَوْ لِدَابَّةِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ بِسَبَبِهَا، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَزِمَهُ حِمْلًا عَلَى أَنَّهُ جَنَى عَلَيْهَا أَوِ اكْتَرَاهَا. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ لُزُومُ الْمَالِ بِالْمُعَامَلَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: لِعَبْدِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ، صَحَّ وَكَانَ إِقْرَارًا لِسَيِّدِهِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ كَالْإِضَافَةِ فِي الْهِبَةِ وَسَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ. فَرْعٌ قَالَ: لِحَمْلِ فُلَانَةٍ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي أَلْفٌ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. أَحُدُهَا: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، كَقَوْلِهِ: وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، أَوْ وَصَّى بِهِ لَهُ فُلَانٌ، فَيُعْتَبَرُ إِقْرَارُهُ. ثُمَّ إِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا حَقَّ لَهُ، وَيَكُونُ لِوَرَثَةِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ وَرِثَهُ مِنْهُ، أَوْ لِلْمُوصِي، أَوْ وَرَثَتِهِ فِي صُورَةِ الْوَصِيَّةِ. وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْإِقْرَارِ ; اسْتَحَقَّهُ. وَإِنِ انْفَصَلَ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ فَلَا، لِتَيَقُّنِ عَدَمِهِ، وَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ، وَلِدُونِ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَفْرَشَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الِاسْتِحْقَاقُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1751

وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا، فَهُوَ لَهُ. أَوْ ذَكَرَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، فَهُوَ لَهَا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى إِرْثٍ مِنْ أَبِيهَا، فَلَهَا نِصْفُهُ. وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ، وَأَثْلَاثًا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى الْإِرْثِ. هَذَا إِذَا اقْتَضَتْ جِهَةُ الْوِرَاثَةِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اقْتَضَتِ التَّسْوِيَةَ، كَوَلَدَيْ أُمٍّ، سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الثُّلُثِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِرْثَ، سَأَلْنَاهُ عَنِ الْجِهَةِ وَحَكَمْنَا بِمُقْتَضَاهَا. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنِ الْإِمَامِ قَالَهُ أَيْضًا ابْنُ الصَّبَّاغِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ الْمُقِرِّ، فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُطْلَقَ الْإِقْرَارُ، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُمْكِنَةِ فِي حَقِّهِ. الثَّالِثُ: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، كَقَوْلِهِ: أَقْرَضَنِيهِ أَوْ بَاعَنِي بِهِ شَيْئًا، فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْمُطْلَقَ، فَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي هَذَا الْحَالِ: الْبُطْلَانُ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ فِي الْحَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ، فَانْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ جِهَةِ إِقْرَارِهِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِهَذَا السُّؤَالِ وَالْبَحْثِ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَكَانَ الْقَاضِي يَسْأَلُ حِسْبَةً لِيَصِلَ الْحَقُّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَكَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ فَرَدَّهُ. وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يُطَالِبُ وَرَثَتَهُ كَنَفْسِهِ. وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا لِلْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَالْكُلُّ لَهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ

стр. 1752

أُنْثَى. وَإِنِ انْفَصَلَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَهُوَ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَمَتَى انْفَصَلَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ، فَالْمَيِّتُ كَالْمَعْدُومِ، وَيُنْظَرُ فِي الْحَيِّ كَمَا ذَكَرْنَا. فَرْعٌ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْحَمْلِ. فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ صَحَّ، وَيُنْظَرُ، كَمْ بَيْنَ انْفِصَالِهِ وَبَيْنَ يَوْمِ الْإِقْرَارِ مِنَ الْمُدَّةِ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَفِي حَمْلِ الْبَهِيمَةِ، يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَإِنْ أُطْلِقَ أَوْ أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ لِرَجُلٍ، وَبِالْأُمِّ لِآخَرَ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ، صَحَّ الْإِقْرَارَانِ، وَإِلَّا فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: هُمَا جَمِيعًا لِلْآخَرِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَامِلِ إِقْرَارٌ بِالْحَمْلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا بِمَالٍ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، كَغَلَّةِ وَقْفٍ عَلَيْهِ صَحَّ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَوَجْهَانِ، تَخْرِيجًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَمْلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا إِذَا أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ. الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَكْذِيبِهِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ عَدَمُ تَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشْتَرِطُ قَبُولَهُ لَفْظًا. فَإِنْ كَذَّبَهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ مَالًا، فَفِيمَا يُفْعَلُ بِهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يُتْرَكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ. وَالثَّانِي: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَتَوَلَّى حِفْظَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ رَأَى اسْتِحْفَاظَ صَاحِبِ الْيَدِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اسْتَحْفَظَ

стр. 1753

عَدْلًا آخَرَ. وَالثَّالِثُ: يُجْبَرُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْمُقِرُّ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ فَكَذَّبَهُ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِلْقَاضِي: إِنَّ فِي يَدِي مَالًا لَا أَعْرِفُ مَالِكَهُ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ. وَأَبْعَدَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يَجُوِّزِ انْتِزَاعَهُ هُنَا أَيْضًا. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ الْقَطْعَ بِقَبُولِهِ وَتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ. وَالْأَصَحُّ، مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ. وَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ، لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ أَيْضًا. بَلْ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَكَهُ، لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ الْبَعِيدِ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ إِنْكَارِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَقَالَ: غَلِطْتُ، أَوْ تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِهِ فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُقْبَلُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: لَا يُقْبَلُ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ. فَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدِهِ، فَأَنْكَرَهُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدَّعِيَانِهِ، كَاللَّقِيطِ إِذَا قَالَ بَعْدَ بُلُوغِهِ: أَنَا عَبْدٌ لِزَيْدٍ، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ، فَلَا يُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِالدَّارِ، فَعَلَى هَذَا، حُكْمُهُ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَضَى. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ قِصَاصًا، أَوْ حَدَّ قَذْفٍ، فَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَسْقُطُ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ السَّرِقَةَ فَلَا قَطْعَ. وَفِي الْمَالِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ، وَأَنْكَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّهِ. فَرْعٌ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ، ثُمَّ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّمَا عَبْدِي الْآخَرُ، فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلْمُقِرِّ فِي الْمَعَيَّنِ، وَمُدَّعٍ فِي الْآخَرِ.

стр. 1754

فَرْعٌ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَقَالَ: قَدْ أَقْبَضْتُكَ الْأَلْفَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ يَوْمَ كَذَا، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بَيِّنَتِهِ بِأَنَّهُ مَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ سُمِعَتْ، وَأُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ، فَقَدْ قَامَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ كَذَّبَهُ، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا نَوْعَ تَعْيِينٍ، بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبُ. فَلَوْ قَالَ: لِإِنْسَانٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَقَرَّ بِمُعَيَّنٍ فَكَذَّبَهُ، هَلْ يَنْتَزِعُ مِنْ يَدِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ، فَكَذَا هُنَا، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلَوْ جَاءَ وَاحِدٌ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرَدْتَنِي وَلِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ الْإِرَادَةِ وَنَفْيِ الْأَلْفِ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُقَرُّ بِهِ. وَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُقِرُّ بِهِ عَيْنًا، فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُقِرِّ حِينَ يُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ إِزَالَةَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ، أَوْ ثَوْبِي الَّذِي أَمْلِكُهُ لِزَيْدٍ، فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَعْدِ بِالْهِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَسْكَنِي هَذَا لِزَيْدٍ، كَانَ إِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْكُنُ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ أَقَرَّ زَيْدٌ بِأَنَّهَا مِلْكُ عَمْرٍو، وَكَانَتْ مِلْكَ زَيْدٍ إِلَى أَنْ أَقَرَّ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةً، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: هِيَ لِزَيْدٍ وَكَانَتْ مِلْكِي إِلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ، فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مُنَاقِضٌ لِأَوَّلِهِ، فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ لَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ، وَهَذَا فِي الْأَعْيَانِ، وَكَذَا فِي الدُّيُونِ إِذَا كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ دَيْنٌ، مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ، أَوْ

стр. 1755

ثَمَنٍ، فَقَالَ: دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَلَوْ قَالَ: الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ هُوَ لِعَمْرٍو، وَاسْمِي فِي الْكِتَابِ عَارِيَّةٌ، فَهُوَ إِقْرَارٌ صَحِيحٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْإِقْرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ. ثُمَّ عَمْرٌو يَدَّعِي الْمَالَ عَلَى زَيْدٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنِ الْمُقِرِّ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى إِقْرَارِهِ لَهُ بِمَا عَلَى زَيْدٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْإِقْرَارِ، ثُمَّ عَلَى الدَّيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ. فَرْعٌ اسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ثَلَاثَةَ دُيُونٍ، وَمَنَعَ الْإِقْرَارَ بِهَا، أَحَدُهَا: الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، لَا تُقِرُّ بِهِ الْمَرْأَةُ. وَالثَّانِي: بَدَلُ الْخُلْعِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الزَّوْجُ. وَالثَّالِثُ: أَرْشُ الْجِنَايَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ مَالِ آخَرَ، جَازَ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِلْغَيْرِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لَهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: هَذِهِ الدُّيُونُ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا الثُّبُوتُ لِلْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَتَقْدِيرًا لِلْوَكَالَةِ، فَيَجُوزُ انْتِقَالُهَا بِالْحَوَالَةِ، وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ عَلَى قَوْلٍ، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهَا عِنْدَ احْتِمَالِ جَرَيَانِ نَاقِلٍ. وَحَمَلُوا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى مَا إِذَا أَقَرَّ بِهَا عَقِيبَ ثُبُوتِهَا، بِحَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ جَرَيَانُ نَاقِلٍ، لَكِنَّ سَائِرَ الدُّيُونِ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، بَلِ الْأَعْيَانُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ عَقِيبَ الْإِعْتَاقِ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ إِلَّا فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ الْمَالَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الدُّيُونِ الثَّلَاثَةِ: إِنْ أَسْنَدَ الْإِقْرَارَ بِهَا إِلَى جِهَةِ حَوَالَةٍ أَوْ بَيْعٍ، إِنْ جَوَّزْنَاهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِلْحَمْلِ وَأَطْلَقَ.
следующие страницы →