Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
وَإِذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا، فَهُوَ لَهُ. أَوْ ذَكَرَيْنِ فَأَكْثَرَ، فَلَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى، فَهُوَ لَهَا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ. وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى إِرْثٍ مِنْ أَبِيهَا، فَلَهَا نِصْفُهُ. وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى، فَهُوَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى وَصِيَّةٍ، وَأَثْلَاثًا إِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى الْإِرْثِ. هَذَا إِذَا اقْتَضَتْ جِهَةُ الْوِرَاثَةِ مَا ذَكَرْنَا، فَإِنِ اقْتَضَتِ التَّسْوِيَةَ، كَوَلَدَيْ أُمٍّ، سُوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي الثُّلُثِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أَطْلَقَ الْإِرْثَ، سَأَلْنَاهُ عَنِ الْجِهَةِ وَحَكَمْنَا بِمُقْتَضَاهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا الْمَحْكِيُّ عَنِ الْإِمَامِ قَالَهُ أَيْضًا ابْنُ الصَّبَّاغِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَكُونُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَإِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ الْمُقِرِّ، فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُطْلَقَ الْإِقْرَارُ، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجِهَةِ الْمُمْكِنَةِ فِي حَقِّهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُسْنَدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، كَقَوْلِهِ: أَقْرَضَنِيهِ أَوْ بَاعَنِي بِهِ شَيْئًا، فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْمُطْلَقَ، فَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ.
وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يَرْفَعُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي هَذَا الْحَالِ: الْبُطْلَانُ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا صَحَّحْنَا الْإِقْرَارَ فِي الْحَالَيْنِ الْآخَرَيْنِ، فَانْفَصَلَ مَيِّتًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَيُسْأَلُ الْمُقِرُّ عَنْ جِهَةِ إِقْرَارِهِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا.
قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِهَذَا السُّؤَالِ وَالْبَحْثِ طَالِبٌ مُعَيَّنٌ، وَكَانَ الْقَاضِي يَسْأَلُ حِسْبَةً لِيَصِلَ الْحَقُّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَكَمَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ فَرَدَّهُ. وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّهُ يُطَالِبُ وَرَثَتَهُ كَنَفْسِهِ. وَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا لِلْمُدَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَالْكُلُّ لَهُ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ
стр. 1752
أُنْثَى. وَإِنِ انْفَصَلَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، فَهُوَ لَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَمَتَى انْفَصَلَ حَيٌّ وَمَيِّتٌ، فَالْمَيِّتُ كَالْمَعْدُومِ، وَيُنْظَرُ فِي الْحَيِّ كَمَا ذَكَرْنَا.
فَرْعٌ
أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِحَمْلِ جَارِيَةٍ، أَوْ بَهِيمَةٍ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارِ لِلْحَمْلِ. فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِهِ صَحَّ، وَيُنْظَرُ، كَمْ بَيْنَ انْفِصَالِهِ وَبَيْنَ يَوْمِ الْإِقْرَارِ مِنَ الْمُدَّةِ، عَلَى مَا سَبَقَ. وَفِي حَمْلِ الْبَهِيمَةِ، يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ. وَإِنْ أُطْلِقَ أَوْ أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ. وَلَوْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ لِرَجُلٍ، وَبِالْأُمِّ لِآخَرَ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الْإِقْرَارَ بِالْحَمْلِ، صَحَّ الْإِقْرَارَانِ، وَإِلَّا فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: هُمَا جَمِيعًا لِلْآخَرِ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْحَامِلِ إِقْرَارٌ بِالْحَمْلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
أَقَرَّ لِمَسْجِدٍ أَوْ مَقْبَرَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا بِمَالٍ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ صَحِيحَةٍ، كَغَلَّةِ وَقْفٍ عَلَيْهِ صَحَّ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَوَجْهَانِ، تَخْرِيجًا مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَمْلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ مَا إِذَا أُسْنِدَ إِلَى جِهَةٍ بَاطِلَةٍ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: عَدَمُ تَكْذِيبِهِ، فَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ عَدَمُ تَكْذِيبِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَشْتَرِطُ قَبُولَهُ لَفْظًا. فَإِنْ كَذَّبَهُ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ مَالًا، فَفِيمَا يُفْعَلُ بِهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يُتْرَكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ.
وَالثَّانِي: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَتَوَلَّى حِفْظَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ. فَإِنْ رَأَى اسْتِحْفَاظَ صَاحِبِ الْيَدِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اسْتَحْفَظَ
стр. 1753
عَدْلًا آخَرَ.
وَالثَّالِثُ: يُجْبَرُ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ الْمُقِرُّ: هَذَا الْمَالُ لِفُلَانٍ فَكَذَّبَهُ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ لِلْقَاضِي: إِنَّ فِي يَدِي مَالًا لَا أَعْرِفُ مَالِكَهُ، فَالْوَجْهُ: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ. وَأَبْعَدَ بَعْضُهُمْ، فَلَمْ يَجُوِّزِ انْتِزَاعَهُ هُنَا أَيْضًا. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقَرُّ لَهُ عَنِ الْإِنْكَارِ، وَصَدَّقَ الْمُقِرَّ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ الْقَطْعَ بِقَبُولِهِ وَتَسْلِيمِ الْمَالِ إِلَيْهِ.
وَالْأَصَحُّ، مَا ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْخِلَافِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، فَقَدْ حَكَمْنَا بِبُطْلَانِ الْإِقْرَارِ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْمُقَرِّ لَهُ بِإِقْرَارٍ جَدِيدٍ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ وَيَحْفَظُهُ، لَمْ يُسَلَّمْ إِلَيْهِ أَيْضًا. بَلْ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ مَلَكَهُ، لَمْ تُسْمَعْ، وَإِنَّمَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ إِذَا قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ الْبَعِيدِ، فَحَصَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ تَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ. وَلَوْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ إِنْكَارِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَقَالَ: غَلِطْتُ، أَوْ تَعَمَّدْتُ الْكَذِبَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قُلْنَا: يُتْرَكُ فِي يَدِهِ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُقْبَلُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: لَا يُقْبَلُ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِقْرَارِ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ. فَلَوْ أَقَرَّ لَهُ بِعَبْدِهِ، فَأَنْكَرَهُ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْكُمُ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَدَّعِيَانِهِ، كَاللَّقِيطِ إِذَا قَالَ بَعْدَ بُلُوغِهِ: أَنَا عَبْدٌ لِزَيْدٍ، فَأَنْكَرَ زَيْدٌ، يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِرِقِّهِ، فَلَا يُرْفَعُ إِلَّا بِيَقِينٍ، بِخِلَافِ اللَّقِيطِ، فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِالدَّارِ، فَعَلَى هَذَا، حُكْمُهُ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ عَلَى مَا مَضَى. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقَرُّ بِهِ قِصَاصًا، أَوْ حَدَّ قَذْفٍ، فَكَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَيَسْقُطُ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْمَالِ السَّرِقَةَ فَلَا قَطْعَ. وَفِي الْمَالِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ أَقَرَّتْ بِالنِّكَاحِ، وَأَنْكَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ فِي حَقِّهِ.
فَرْعٌ
فِي يَدِهِ عَبْدَانِ، فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِزَيْدٍ، ثُمَّ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ زَيْدٌ: إِنَّمَا عَبْدِي الْآخَرُ، فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلْمُقِرِّ فِي الْمَعَيَّنِ، وَمُدَّعٍ فِي الْآخَرِ.
стр. 1754
فَرْعٌ
ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَلْفًا مِنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ، فَقَالَ: قَدْ أَقْبَضْتُكَ الْأَلْفَ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ يَوْمَ كَذَا، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ بَيِّنَتِهِ بِأَنَّهُ مَا أَقْبَضَهُ الثَّمَنَ سُمِعَتْ، وَأُلْزِمَ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِ الْبَائِعِ بِالْقَبْضِ، فَقَدْ قَامَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ صَاحِبَهُ كَذَّبَهُ، فَيَبْطُلُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَبَقِيَ الثَّمَنُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا نَوْعَ تَعْيِينٍ، بِحَيْثُ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الدَّعْوَى وَالطَّلَبُ. فَلَوْ قَالَ: لِإِنْسَانٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَقَرَّ بِمُعَيَّنٍ فَكَذَّبَهُ، هَلْ يَنْتَزِعُ مِنْ يَدِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ، فَكَذَا هُنَا، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلَوْ جَاءَ وَاحِدٌ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَرَدْتَنِي وَلِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ الْإِرَادَةِ وَنَفْيِ الْأَلْفِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُقَرُّ بِهِ. وَيَجُوزُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ، فَإِنْ كَانَ مَا يُقِرُّ بِهِ عَيْنًا، فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُقِرِّ حِينَ يُقِرُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ إِزَالَةَ مِلْكٍ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِهِ مَمْلُوكًا لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ قَالَ: دَارِي هَذِهِ، أَوْ ثَوْبِي الَّذِي أَمْلِكُهُ لِزَيْدٍ، فَهُوَ مُتَنَاقِضٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَعْدِ بِالْهِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: مَسْكَنِي هَذَا لِزَيْدٍ، كَانَ إِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَسْكُنُ مِلْكَ غَيْرِهِ. وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ أَقَرَّ زَيْدٌ بِأَنَّهَا مِلْكُ عَمْرٍو، وَكَانَتْ مِلْكَ زَيْدٍ إِلَى أَنْ أَقَرَّ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ بَاطِلَةً، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: هِيَ لِزَيْدٍ وَكَانَتْ مِلْكِي إِلَى وَقْتِ الْإِقْرَارِ، فَإِقْرَارُهُ نَافِذٌ.
وَالَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَهُ مُنَاقِضٌ لِأَوَّلِهِ، فَيَلْغُو كَمَا لَوْ قَالَ: هِيَ لَهُ، وَلَيْسَتْ لَهُ، وَهَذَا فِي الْأَعْيَانِ، وَكَذَا فِي الدُّيُونِ إِذَا كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي الظَّاهِرِ دَيْنٌ، مِنْ قَرْضٍ، أَوْ أُجْرَةٍ، أَوْ
стр. 1755
ثَمَنٍ، فَقَالَ: دَيْنِي الَّذِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو، فَهُوَ بَاطِلٌ. وَلَوْ قَالَ: الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى زَيْدٍ هُوَ لِعَمْرٍو، وَاسْمِي فِي الْكِتَابِ عَارِيَّةٌ، فَهُوَ إِقْرَارٌ صَحِيحٌ، فَلَعَلَّهُ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْإِقْرَاضِ وَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ. ثُمَّ عَمْرٌو يَدَّعِي الْمَالَ عَلَى زَيْدٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَيْنِ الْمُقِرِّ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى إِقْرَارِهِ لَهُ بِمَا عَلَى زَيْدٍ، وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَوَّلًا عَلَى الْإِقْرَارِ، ثُمَّ عَلَى الدَّيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ.
فَرْعٌ
اسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ ثَلَاثَةَ دُيُونٍ، وَمَنَعَ الْإِقْرَارَ بِهَا، أَحَدُهَا: الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، لَا تُقِرُّ بِهِ الْمَرْأَةُ.
وَالثَّانِي: بَدَلُ الْخُلْعِ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الزَّوْجُ.
وَالثَّالِثُ: أَرْشُ الْجِنَايَةِ، لَا يُقِرُّ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى عَبْدٍ أَوْ مَالِ آخَرَ، جَازَ لَهُ أَنْ يُقِرَّ بِهِ لِلْغَيْرِ؛ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ لَهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: هَذِهِ الدُّيُونُ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهَا الثُّبُوتُ لِلْغَيْرِ ابْتِدَاءً وَتَقْدِيرًا لِلْوَكَالَةِ، فَيَجُوزُ انْتِقَالُهَا بِالْحَوَالَةِ، وَكَذَلِكَ بِالْبَيْعِ عَلَى قَوْلٍ، فَيَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِهَا عِنْدَ احْتِمَالِ جَرَيَانِ نَاقِلٍ. وَحَمَلُوا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَلَى مَا إِذَا أَقَرَّ بِهَا عَقِيبَ ثُبُوتِهَا، بِحَيْثُ لَا يُحْتَمَلُ جَرَيَانُ نَاقِلٍ، لَكِنَّ سَائِرَ الدُّيُونِ أَيْضًا كَذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، بَلِ الْأَعْيَانُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ السَّيِّدُ أَوْ غَيْرُهُ عَقِيبَ الْإِعْتَاقِ بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْمِلْكِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ إِلَّا فِي الْحَالِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ الْمَالَ. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ فِي الدُّيُونِ الثَّلَاثَةِ: إِنْ أَسْنَدَ الْإِقْرَارَ بِهَا إِلَى جِهَةِ حَوَالَةٍ أَوْ بَيْعٍ، إِنْ جَوَّزْنَاهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَعَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لِلْحَمْلِ وَأَطْلَقَ.
стр. 1756
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمُ بِثُبُوتِ مِلْكِ الْمُقَرِّ لَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ بِهِ تَحْتَ يَدِ الْمُقِرِّ وَتَصَرُّفِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، لَمْ يُحْكَمْ بِهِ فِي الْحَالِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ دَعْوَى أَوْ شَهَادَةً، وَلَا تَلْغِيَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ بَلْ لَوْ حَصَلَ الْمُقَرُّ بِهِ يَوْمًا فِي يَدِ الْمُقِرِّ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: الْعَبْدُ الَّذِي فِي يَدِ زَيْدٍ مَرْهُونٌ عِنْدَ عَمْرٍو بِكَذَا، ثُمَّ حَصَلَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، يُؤْمَرُ بِبَيْعِهِ فِي دَيْنِ عَمْرٍو. وَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، أَوْ شَهِدَ بِحُرِّيَّتِهِ، فَلَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ صَحَّ، تَنْزِيلًا لِلْعَقْدِ عَلَى قَوْلِ مَنْ صَدَّقَهُ الشَّرْعُ، وَهُوَ الْبَائِعُ، وَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ، وَتُرْفَعُ يَدُهُ عَنْهُ ثُمَّ لِإِقْرَارِهِ صِيغَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَقُولَ: إِنَّكَ أَعْتَقْتَهُ وَتَسْتَرِقُّهُ ظُلْمًا، قَالَ الْأَصْحَابُ: فَيَكُونُ هَذَا الْعَقْدُ مِنْ جَانِبِ الْبَائِعِ بَيْعًا قَطْعًا، وَفِي جَانِبِ الْمُشْتَرِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: شِرَاءٌ. وَأَصَحُّهُمَا: افْتِدَاءٌ؛ لِاعْتِرَافِهِ بِحُرِّيَّتِهِ. وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: بَيْعٌ مِنَ الْبَائِعِ، وَافْتِدَاءٌ مِنَ الْمُقِرِّ.
وَالثَّانِي: بَيْعٌ مِنْهُمَا.
وَالثَّالِثُ: فِدَاءٌ مِنْهُمَا. وَهَذَا الثَّالِثُ فَاسِدٌ فِي جِهَةِ الْبَائِعِ. وَكَيْفَ يَصِحُّ أَخْذُهُ الْمَالَ لِيَفْدِيَ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ؟ ! وَلَوْ قِيلَ: فِيهِ الْمَعْنَيَانِ، وَأَيُّهُمَا أَغْلَبُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، لَكَانَ قَرِيبًا، وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرْنَا عَنِ الْأَصْحَابِ. وَيَثْبُتُ لِلْبَائِعِ فِي هَذَا الْعَقْدِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ وَالشَّرْطِ، بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ بَيْعٌ مِنْ جَانِبِهِ. وَلَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، فَخَرَجَ مَعِيبًا وَرَدَّهُ كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ خَرَجَ الثَّمَنُ الْمُعَيَّنُ مَعِيبًا وَرَدَّهُ، حَيْثُ لَا يَسْتَرِدُّ الْعَبْدَ، بَلْ يَعْدِلُ إِلَى الْقِيمَةِ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْعِتْقِ هُنَاكَ. وَأَمَّا الْمُقِرُّ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ شِرَاءً فِي حَقِّهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ. وَإِنْ قُلْنَا: فِدَاءٌ فَلَا. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَا رَدَّ لَهُ لَوْ خَرَجَ الْعَبْدُ مَعِيبًا، لَكِنْ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ عَلَى قَوْلِنَا: شِرَاءٌ، وَلَيْسَ لَهُ عَلَى الِافْتِدَاءِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي، فَفِي ثُبُوتِهِ لِلْبَائِعِ
стр. 1757
وَجْهَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخِيَارَ لَا يَكَادُ يَتَبَعَّضُ.
وَالْمَذْهَبُ عَلَى الْجُمْلَةِ: ثُبُوتُهُ لِلْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي. وَأَمَّا وَلَاؤُهُ، فَمَوْقُوفٌ. فَإِنْ مَاتَ وَخَلَفَ مَالًا، وَلَا وَارِثَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَلَاءِ، نُظِرَ، إِنْ صَدَّقَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ أَخَذَهُ وَرَدَّ الثَّمَنَ. وَإِنْ كَذَّبَهُ وَأَصَرَّ عَلَى كَلَامِهِ الْأَوَّلِ، فَظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّ الْمِيرَاثَ يُوقَفُ كَمَا وُقِفَ الْوَلَاءُ. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ قَدْرِ الثَّمَنِ مِمَّا تَرَكَهُ. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، كَانَ الْفَاضِلُ مَوْقُوفًا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إِمَّا كَاذِبٌ فَالْمَيِّتُ رَقِيقٌ لَهُ وَجَمِيعُ أَكْسَابِهِ لَهُ، وَإِمَّا صَادِقٌ، فَالْإِكْسَابُ لِلْبَائِعِ إِرْثًا بِالْوَلَاءِ، وَقَدْ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ الثَّمَنِ، وَتَعَذُّرِ اسْتِرْدَادِهِ، فَإِذَا ظَفِرَ بِمَالِهِ، كَانَ لَهُ أَخْذُ قَدْرِ الثَّمَنِ. وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَتَخْطِئَةِ الْمُزَنِيِّ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ لِأَنَّهُ كَسْبُ مَمْلُوكِهِ، فَقَدْ نَفَاهُ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِجِهَةِ الظَّفَرِ بِمَالِ ظَالِمِهِ، فَقَدْ بَذَلَهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاسْتِنْقَاذِ حُرٍّ، فَلَا يَرْجِعُ فِيهِ كَالصَّدَقَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَدْرِي بِأَيِّ جِهَةٍ يَأْخُذُهُ، فَيُوقِفُ إِلَى ظُهُورِ جِهَتِهِ. وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورُ: إِلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَحَمَلُوا مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَلَى أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ بِجِهَةِ الْوَلَاءِ يَكُونُ مَوْقُوفًا وَقْفَ الْوَلَاءِ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الثَّمَنِ. فَأَمَّا الْمُسْتَحَقُّ بِكُلِّ حَالٍ، فَلَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ فِيهِ. قَالُوا: وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْمَبْذُولِ فِدْيَةً وَقُرْبَةً، كَمَنْ فَدَى أَسِيرًا ثُمَّ اسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْكُفَّارِ وَوَجَدَ الْفَادِي عَيْنَ مَالِهِ أَخَذَهُ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْجِهَةِ فَلَا يَمْنَعُ الْأَخْذَ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ.
الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ: يَقُولُ هُوَ حُرُّ الْأَصْلِ، أَوْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَشْتَرِيَهُ، فَإِذَا اشْتَرَاهُ، فَهُوَ افْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا إِذَا مَاتَ وَخَلَّفَ مَالًا، وَلَا وَارِثَ لَهُ بِغَيْرِ الْوَلَاءِ، فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ بِزَعْمِهِ لَيْسَ لِلْبَائِعِ حَتَّى يَأْخُذَهُ عِوَضًا عَنِ الثَّمَنِ. وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي
стр. 1758
لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرِّيَّةَ فِي زَعْمِهِ، وَقَدْ تَلِفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ، وَلِلْمُكْرِي مُطَالَبَتُهُ بِالْأُجْرَةِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ جَارِيَةٍ لِزَيْدٍ، ثُمَّ قَبِلَ نِكَاحَهَا مِنْهُ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا، وَلِزَيْدٍ مُطَالَبَتُهُ بِمَهْرِهَا.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَقَرَّ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عُصْبَةٌ، صَحَّ تَزْوِيجُهُ؛ لِأَنَّهُ إِمَّا مَالِكٌ، وَإِمَّا مَوْلَى حُرَّةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
قَالَ: هَذَا الْعَبْدُ الَّذِي فِي يَدِكَ غَصَبْتُهُ مِنْ زَيْدٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ التَّصْحِيحَ هُنَاكَ لِلِافْتِدَاءِ وَالْإِنْقَاذِ مِنَ الرِّقِّ، وَلَا يَتَّجِهُ مِثْلُهُ فِي تَخْلِيصِ عَبْدِ الْغَيْرِ.
فَرْعٌ
أَقَرَّ بِعَبْدٍ فِي يَدِهِ لِزَيْدٍ، فَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ أَنَا مِلْكُ عَمْرٍو، يُسَلَّمُ إِلَى زَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ فِي يَدِ مَنْ يَسْتَرِقُّهُ، لَا فِي نَفْسِهِ. فَلَوْ أَعْتَقَهُ زَيْدٌ، لَمْ يَكُنْ لِعَمْرٍو تَسَلُّمُ رَقَبَتِهِ، وَلَا التَّصَرُّفُ فِيهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ وَلَاءِ زَيْدٍ. وَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَكْسَابِهِ؟ وَجْهَانِ.
وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّ الْإِكْسَابَ فَرْعُ الرِّقِّ، وَلَمْ يَثْبُتْ.
стр. 1759
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: قَوْلُ الْقَائِلِ: لِفُلَانٍ كَذَا، صِيغَةُ إِقْرَارٍ. وَقَوْلُهُ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ، أَوْ فِي ذِمَّتِي، إِقْرَارٌ بِالدَّيْنِ ظَاهِرًا. وَقَوْلُهُ: عِنْدِي أَوْ مَعِي، إِقْرَارٌ بِالْعَيْنِ. وَقَوْلُهُ: لَهُ قِبَلِي كَذَا، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : هُوَ دَيْنٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلدَّيْنِ وَالْعَيْنِ جَمِيعًا.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: إِقْرَارٌ بِالْعَيْنِ، مَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَحْمِلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ عَيْنٌ مُودَعَةٌ لَهُ عِنْدَهُ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ. قَالَ: حَتَّى لَوِ ادَّعَى بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَنَّهَا كَانَتْ وَدِيعَةً تَلِفَتْ، أَوْ رَدَدْتُهَا، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ دَيْنٌ، فَإِنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِالْوَدِيعَةِ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِذَا ادَّعَى التَّلَفَ، لَمْ يَنْفَعْهُ، بَلْ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ رَجُلٌ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَقَالَ فِي جَوَابِهِ: زِنْ، أَوْ خُذْ، أَوِ اسْتَوْفِ، أَوِ اتَّزِنْ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالْتِزَامٍ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ لِلِاسْتِهْزَاءِ. وَفِي وَجْهٍ: اتَّزِنْ، إِقْرَارٌ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَلَوْ قَالَ: خُذْهُ، أَوْ زِنْهُ، أَوِ اخْتِمْ عَلَيْهِ، أَوْ شُدَّهُ فِي هَمَيَانِكَ، أَوِ اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ، أَوِ اخْتِمْ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الزُّبَيْرِيُّ: إِقْرَارٌ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: وَهِيَ صِحَاحٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: زِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: بَلَى، أَوْ نَعَمْ، أَوْ أَجَلْ، أَوْ صَدَقْتَ، فَهُوَ إِقْرَارٌ. قَالُوا: وَلَوْ قَالَ: لَعَمْرِي فَإِقْرَارٌ. وَلَعَلَّ الْعُرْفَ يَخْتَلِفُ فِيهِ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ بِهِ، أَوْ
стр. 1760
بِمَا تَدَّعِيهِ، أَوْ لَسْتُ مُنْكِرًا لَهُ فَهُوَ إِقْرَارٌ لَهُ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُقِرٌّ، وَلَمْ يَقُلْ: بِهِ، أَوْ لَسْتُ مُنْكِرًا، أَوْ أَنَا أُقِرُّ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا أُقِرُّ لَكَ بِهِ، فَوَجْهَانِ.
نَسَبَ الْإِمَامُ كَوْنَهُ إِقْرَارًا إِلَى الْأَكْثَرِينَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْقَاضِيَ حُسَيْنًا وَالرُّويَانِيَّ قَطَعُوا بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَلَا يُحْكَى الْوَجْهُ الْآخَرُ إِلَّا نَادِرًا. وَيَتَأَيَّدُ كَوْنُهُ إِقْرَارًا بِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ مَا تَدَّعِيهِ، كَانَ إِقْرَارًا، وَلَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَى الْوَعْدِ بِالْإِقْرَارِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مُحِقًّا، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ فِي شَيْءٍ آخَرَ. فَلَوْ قَالَ: فِيمَا يَدَّعِيهِ، فَهُوَ إِقْرَارٌ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُقِرُّ بِهِ وَلَا أُنْكِرُهُ، فَهُوَ كَسُكُوتِهِ، فَيُجْعَلُ مُنْكِرًا، وَتُعْرَضُ عَلَيهِ الْيَمِينُ. وَلَوْ قَالَ: أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، أَوْ قَضَيْتُهُ، فَإِقْرَارٌ، وَعَلَيهِ بَيِّنَةُ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ. وَفِي وَجْهٍ: أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ، لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ قَالَ: أَقْرَرْتُ بِأَنَّكَ أَبْرَأْتَنِي وَاسْتَوْفَيْتَ مِنِّي فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
وَلَوْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: لَعَلَّ، أَوْ عَسَى، أَوْ أَظُنُّ، أَوْ أَحْسَبُ، أَوْ أُقَدِّرُ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ.
فَرْعٌ
اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي التَّصْدِيقِ، فَقَدْ تَنْضَمُّ إِلَيهِ قَرَائِنُ تَصْرِفُهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ إِلَى الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ. وَمِنْ جُمْلَتِهَا: الْأَدَاءُ، وَالْإِبْرَاءُ، وَتَحْرِيكُ الرَّأْسِ الدَّالُّ عَلَى شِدَّةِ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ: إِنْ صَدَقْتَ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا، إِقْرَارٌ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ. فَأَمَّا إِذَا اجْتَمَعَتِ الْقَرَائِنُ، فَلَا تُجْعَلُ إِقْرَارًا. وَيُقَالُ: فِيهِ خِلَافٌ، لِتَعَارُضِ اللَّفْظِ وَالْقَرِينَةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ،
стр. 1761
فَقَالَ فَالْجَوَابُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ: لَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَإِنَّ الْمُتَوَلِّيَ حَكَى فِيهِ وَجْهَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ: أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ؟ فَقَالَ: بَلَى، كَانَ إِقْرَارًا. وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَوَجْهَانِ.
وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، بِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ كَمَا هُوَ مُقْتَضَاهُ فِي اللُّغَةِ. وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ إِقْرَارٌ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يُحْمَلُ عَلَى مَفْهُومِ أَهْلِ الْعُرْفِ، لَا عَلَى دَقَائِقِ الْعَرَبِيَّةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: هَلْ لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِقْرَارٌ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ: اشْتَرِ مِنِّي عَبْدِي هَذَا، فَقَالَ: نَعَمْ، فَهُوَ إِقْرَارٌ مِنْهُ لِلْقَائِلِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدِي هَذَا، فَقَالَ: نَعَمْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ مِمَّا سَبَقَ فِي الصُّلْحِ، كَقَوْلِهِ: بِعْنِيهِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ مِنِّي هَذَا الْعَبْدَ، وَلَمْ يَقُلْ: عَبْدِي، فَالتَّصْدِيقُ بِـ «نَعَمْ» يَقْتَضِي الِاعْتِرَافَ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ بَيْعَهُ، لَا أَنَّهُ يَمْلِكُ الْعَبْدَ. وَلَوِ ادَّعَى عَلَيهِ عَبْدًا، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ وَكِيلِكَ فُلَانٍ، فَهُوَ إِقْرَارٌ لَهُ، وَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مَا وَكَّلَ فُلَانًا فِي بَيْعٍ.
الْخَامِسَةُ: لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي عِلْمِي، أَوْ فِيمَا أَعْلَمُ، أَوْ أَشْهَدُ، فَهِيَ إِقْرَارٌ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: كَانَ عَلَيَّ أَلْفٌ، أَوْ كَانَتْ هَذِهِ الدَّارُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ لَهُ، فَهَلْ هُوَ إِقْرَارٌ فِي الْحَالِ عَمَلًا بِالِاسْتِصْحَابِ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ فِي الْحَالِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهُمَا الثَّانِيَ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى تَصْحِيحِهِ الْجُرْجَانِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْخِلَافُ، فِيمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ دَارِي أَسْكَنْتُ فِيهَا فُلَانًا، ثُمَّ أَخْرَجْتُهُ
стр. 1762
مِنْهَا، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالْيَدِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ اعْتَرَفَ بِثُبُوتِهَا وَادَّعَى زَوَالَهَا. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الزَّجَّاجِيُّ: لَيْسَ بِإِقْرَارٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِيَدِ فُلَانٍ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ. وَلَوْ قَالَ: مَلَكْتُهَا مِنْ زِيدٍ، فَهُوَ إِقْرَارٌ، بِمِلْكِهَا لِزَيْدٍ، وَدَعْوَى انْتِقَالِهَا مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ زَيْدٌ، لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَيهِ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: مَلَكْتُهَا عَلَى يَدِ زَيْدٍ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا لَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: كَانَ زَيْدٌ وَكِيلًا، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: قَالَ: اقْضِ الْأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِقْرَارٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. وَإِنْ قَالَ: أَعْطِي غَدًا، أَوِ ابْعَثْ مَنْ يَأْخُذُهُ، أَوْ أَمْهِلْنِي يَوْمًا، أَوْ أَمْهِلْنِي حَتَّى أَصْرِفَ الدَّرَاهِمَ أَوْ أَفْتَحَ الصُّنْدُوقَ، أَوِ اقْعُدْ حَتَّى تَأْخُذَ، أَوْ لَا أَجِدُ الْيَوْمَ، أَوْ لَا تُدِمِ الْمُطَالَبَةَ، أَوْ مَا أَكْثَرَ مَا تَتَقَاضَى، أَوْ وَاللَّهِ لَأَقْضِيَنَّكَ، فَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ إِقْرَارٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁. وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَمُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَالْمَيْلُ إِلَى مُوَافَقَتِهِ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ أَكْثَرُ. وَمِثْلُهُ: أَسْرِجْ دَابَّةَ فُلَانٍ هَذِهِ، فَقَالَ: نَعَمْ. أَوْ أَخْبَرَنِي زَيْدٌ أَنَّ لِي عَلَيْكَ أَلْفًا فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ مَتَى تَقْضِي حَقِّي؟ فَقَالَ: غَدًا.
الثَّامِنَةُ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: غَصَبْتَ ثَوْبِي. فَقَالَ: مَا غَصَبْتُ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكَ وَلَا بَعْدَكَ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَلَوْ قَالَ: مَا لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: تَلْزَمُ الْمِائَةُ. وَلَوْ قَالَ مُعْسِرٌ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى مَالًا، فَقِيلَ: لَيْسَ بِإِقْرَارٍ لِلتَّعْلِيقِ، وَقِيلَ: إِقْرَارٌ، وَذَلِكَ بَيَانٌ لِوَقْتِ الْأَدَاءِ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُسْتَفْسَرُ، فَإِنْ فَسَّرَ بِالتَّأْجِيلِ، صَحَّ، وَإِنْ فَسَّرَ بِالتَّعْلِيقِ لَغَا.
стр. 1763
قُلْتُ: وَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِفْسَارُهُ قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» : الْأَصَحُّ أَنَّهُ إِقْرَارٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعَةُ: شَهِدَ عَلَيهِ شَاهِدٌ، فَقَالَ: هُوَ صَادِقٌ، أَوْ عَدْلٌ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَإِنْ قَالَ: صَادِقٌ فِيمَا شَهِدَ بِهِ، أَوْ عَدْلٌ فِيهِ، كَانَ إِقْرَارًا، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» .
قُلْتُ: فِي لُزُومِهِ بِقَوْلِهِ: عَدْلٌ، نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَهِدَ عَلَيَّ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، أَوْ شَاهِدَانِ بِكَذَا، فَهُمَا صَادِقَانِ، فَهُوَ إِقْرَارٌ عَلَى الْأَظْهَرِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا. وَإِنْ قَالَ: إِنْ شَهِدَا صَدَّقْتُهُمَا، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ قَطْعًا.
قُلْتُ: فِي «الْبَيَانِ» : أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا لَكَ، لَا شَيْءَ عَلَيهِ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَوْ قَالَ: لِي مَخْرَجٌ مِنْ دَعْوَاكَ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. قَالَ: وَلَوْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ أَقْرَضْتُكَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا اقْتَرَضْتُ مِنْكَ غَيْرَهُ، أَوْ كَمْ تَمُنُّ بِهِ، قَالَ الصُّمَيْرِيُّ: هُوَ إِقْرَارٌ. وَإِنْ قَالَ: مَا أَعْجَبَ هَذَا، أَوْ نَتَحَاسَبُ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَإِنْ كُتِبَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَالَ لِلشُّهُودِ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، كَمَا لَوْ كَتَبَ عَلَيهِ غَيْرُهُ، فَقَالَ: اشْهَدُوا بِمَا كَتَبَ. وَقَدْ وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. وَوَافَقَ أَيْضًا عَلَى مَا لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِنْ مُتُّ، فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ. وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» ، وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ: أَنَّهُ إِقْرَارٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1764
الْعَاشِرَةُ: إِقْرَارُ أَهْلِ كُلِّ لُغَةٍ بِلُغَتِهِمْ وَغَيْرِ لُغَتِهِمْ إِذَا عَرَفُوهَا صَحِيحٌ. وَلَوْ أَقَرَّ عَجَمِيٌّ بِالْعَرَبِيَّةِ وَقَالَ: لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهُ، بَلْ لُقِّنْتُ فَتَلَقَّنْتُ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْرِفَهُ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ أَقَرَّ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ يَوْمَ الْإِقْرَارِ صَغِيرًا، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: كُنْتُ مَجْنُونًا وَقَدْ عُهِدَ لَهُ جُنُونٌ. وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مُكْرَهًا، وَهُنَاكَ أَمَارَةُ الْإِكْرَاهِ مِنْ حَبْسٍ، أَوْ مُوَكَّلٍ عَلَيهِ فَكَذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَمَارَةٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَالْأَمَارَةُ إِنَّمَا تَثْبُتُ بِاعْتِرَافِ الْمُقَرِّ لَهُ، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ إِذَا كَانَ الْإِقْرَارُ لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الْحَبْسُ وَالتَّوْكِيلُ. أَمَّا إِذَا كَانَ فِي حَبْسِ زَيْدٍ، فَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ لِعَمْرٍو.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ، وَتَعَرَّضُوا لِبُلُوغِهِ، وَصِحَّةِ عَقْلِهِ، وَاخْتِيَارِهِ، فَادَّعَى الْمُقِرُّ خِلَافَهُ لَمْ يُقْبَلْ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْذِيبِ الشُّهُودِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّهَادَةِ التَّعَرُّضُ لِلْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ، وَالطَّوَاعِيَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالرُّشْدِ. وَيُكْتَفَى بِأَنَّ الظَّاهِرَ وُقُوعُ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِقْرَارِ الصَّحِيحِ. وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِحُرِّيَّةِ مَجْهُولِ الْحُرِّيَّةِ. وَخَرَجَ مِنْهُ اشْتِرَاطُ التَّعَرُّضِ لِسَائِرِ الشُّرُوطِ، وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَا يُكْتَبُ فِي الْوَثَائِقِ أَنَّهُ أَقَرَّ طَائِعًا فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ وَبُلُوغِهِ احْتِيَاطٌ. وَلَوْ تَقَيَّدَتْ شَهَادَةُ الْإِقْرَارِ بِكَوْنِهِ طَائِعًا، وَأَقَامَ الشُّهُودُ عَلَيهِ بَيِّنَةً بِكَوْنِهِ كَانَ مُكْرَهًا، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْإِكْرَاهِ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِكْرَاهِ مُطْلَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ.
стр. 1765
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْإِقْرَارِ بِالْمُجْمَلِ
يَصِحُّ الْإِقْرَارُ بِالْمُجْمَلِ، وَهُوَ الْمَجْهُولُ لِلْحَاجَةِ. وَسَوَاءٌ أَقَرَّ بِهِ ابْتِدَاءً، أَوْ جَوَابًا عَنْ دَعْوَى مَعْلُومَةٍ، بِأَنْ قَالَ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ. وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي تَقَعُ فِيهَا الْجَهَالَةُ لَا تَنْحَصِرُ. وَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵃ مَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ، لِيُعْرَفَ وَيُقَاسَ عَلَيهِ غَيْرُهُ، وَأَلْفَاظُ الْبَابِ سَبْعَةُ أَضْرُبٍ.
الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: شَيْءٌ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، طَلَبْنَا تَفْسِيرَهُ. فَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يُتَمَوَّلُ، قُبِلَ، كَثُرَ أَمْ قَلَّ، كَرَغِيفٍ، وَفِلْسٍ، وَتَمْرَةٍ حَيْثُ يَكُونُ لَهَا قِيمَةٌ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِمَا لَا يُتَمَوَّلُ، لَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّلُ، كَحَبَّةِ حِنْطَةٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ قُمْعِ بَاذِنْجَانَةٍ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ، كَمَا لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ يَحْرُمُ أَخْذُهُ، وَيَجِبُ عَلَى آخِذِهِ رَدُّهُ، وَقَوْلُهُمْ: لَا تَصِحُّ الدَّعْوَى بِهِ، مَمْنُوعٌ. وَالتَّمْرَةُ أَوِ الزَّبِيبَةُ حَيْثُ لَا قِيمَةَ لَهَا، عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَطْعًا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ مَا يُتَمَوَّلُ، فَإِمَّا أَنْ يَجُوزَ اقْتِنَاؤُهُ لِمَنْفَعَتِهِ، وَإِمَّا لَا. فَالْأَوَّلُ: كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ، وَالسَّرْجَيْنِ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ الْقَابِلِ لِلدِّبَاغِ، وَالْكَلْبِ الْقَابِلِ لِلتَّعْلِيمِ، وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، فَيُقْبَلُ التَّفْسِيرُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَكَالْخِنْزِيرِ، وَجِلْدِ الْكَلْبِ، وَالْكَلْبِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ، وَالْخَمْرِ غَيْرِ الْمُحْتَرَمَةِ، فَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ فَسَّرَهُ بِوَدِيعَةٍ، قُبِلَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ عَلَيهِ رَدَّهَا عِنْدَ الطَّلَبِ، وَقَدْ يَتَعَدَّى فَتَصِيرُ مَضْمُونَةً، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا فِي يَدِهِ،
стр. 1766
لَا عَلَيهِ. وَلَوْ فَسَّرَ بِحَقِّ الشُّفْعَةِ، قُبِلَ. وَلَوْ فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ وَالْعِيَادَةِ، لَمْ يُقْبَلْ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لَهُ حَقٌّ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِهِمَا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قُلْتُ: وَلَوْ فَسَّرَ الشَّيْءَ بِحَدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: غَصَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ مَا يُقْبَلُ فِي الصُّوَرِ السَّابِقَةِ إِذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ، احْتِرَازًا مِنَ الْوَدِيعَةِ وَحَقِّ الشُّفْعَةِ، وَيُقْبَلُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، نَصَّ عَلَيهِ فِي «الْأُمِّ» ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُشْعِرُ بِالْتِزَامٍ وَثُبُوتِ مَالٍ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْأَخْذَ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: عَلَيَّ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي شَيْءٌ، وَفَسَّرَ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، قُبِلَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ قَالَ: غَصَبْتُكَ، أَوْ غَصَبْتُكَ مَا تَعْلَمُ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَغْصِبُهُ نَفْسَهُ، فَيَحْبِسُهُ. وَلَوْ قَالَ: غَصَبْتُكَ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ نَفْسَكَ، لَمْ يُقْبَلْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا أَقَرَّ بِمُجْمَلٍ، إِمَّا شَيْءٌ، وَإِمَّا غَيْرُهُ، مِمَّا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطَالَبْنَاهُ بِالتَّفْسِيرِ، فَامْتَنَعَ، فَأَرْبَعَةُ أوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: نَحْبِسُهُ كَحَبْسِنَا مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ وَاجِبٌ عَلَيهِ.
وَالثَّانِي: لَا يُحْبَسُ، بَلْ يُنْظَرُ، إِنْ وَقَعَ الْإِقْرَارُ الْمُبْهَمُ فِي جَوَابِ دَعْوَى، وَامْتَنَعَ مِنَ التَّفْسِيرِ، جُعِلَ مُنْكِرًا، وَتُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَيهِ. فَإِنْ أَصَرَّ، جُعِلَ نَاكِلًا، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي. وَإِنْ أَقَرَّ ابْتِدَاءً، قُلْنَا لِلْمُقَرِّ لَهُ: ادَّعِ عَلَيهِ حَقَّكَ، فَإِذَا ادَّعَى، وَأَقَرَّ بِمَا ادَّعَاهُ، أَوْ أَنْكَرَ، أَجْرَيْنَا عَلَيهِ حُكْمَهُ. وَإِنْ قَالَ: لَا أَدْرِي،
стр. 1767
جَعَلْنَاهُ مُنْكِرًا، فَإِنْ أَصَرَّ، جَعَلْنَاهُ نَاكِلًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ حُصُولُ الْغَرَضِ بِلَا حَبْسٍ، لَا يُحْبَسُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ أَقَرَّ بِغَصْبٍ، وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِ الْمَغْصُوبِ، حُبِسَ. وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُبْهَمٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.
وَالرَّابِعُ: إِنْ قَالَ: عَلَيَّ شَيْءٌ، وَامْتَنَعَ مِنَ التَّفْسِيرِ، لَمْ يُحْبَسْ. وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ ثَوْبٌ، أَوْ فِضَّةٌ، وَلَمْ يُبَيِّنْ، حُبِسَ، قَالَهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ، وَأَشَارَ فِي شَرْحِ كَلَامِهِ إِلَى أَنَّ الْفَرْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَبُولِ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِالْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُتَوَجَّهُ بِذَلِكَ مُطَالَبَةٌ وَحَبْسٌ.
فَرْعٌ
إِذَا فُسِّرَ الْمُبْهَمُ بِتَفْسِيرٍ صَحِيحٍ، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيُبَيِّنْ جِنْسَ الْحَقِّ وَقَدْرَهُ، وَلْيَدْعُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ فِي نَفْيهِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، بِأَنْ فَسَّرَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: لِي عَلَيْكَ مِائَتَانِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى إِرَادَةِ الْمِائَةِ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَيَحْلِفُ لِيُقِرَّ عَلَى نَفْيِ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَادَ بِهِ الْمِائَتَيْنِ، حَلَفَ الْمُقِرُّ أَنَّهُ مَا أَرَادَ الْمِائَتَيْنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيهِ إِلَّا مِائَةٌ، وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ: لَا بُدَّ مِنْ يَمِينَيْنِ. فَلَوْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمِائَتَيْنِ، وَلَا يَحْلِفُ عَلَى الْإِرَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ الْمُقِرُّ، وَفَسَّرَ الْوَارِثُ، فَادَّعَى الْمُقَرُّ لَهُ زِيَادَةً، فَيَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ إِرَادَةِ الْمُورَثِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَطَّلِعُ مِنْ حَالِ مُورِثِهِ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ غَيْرُهُ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَمِثْلُهُ: لَوْ أَوْصَى بِمُجْمَلٍ وَمَاتَ، فَفَسَّرَهُ الْوَارِثُ، وَزَعَمَ الْمُوصَى لَهُ أَنَّهُ أَكْثَرُ، يَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الزِّيَادَةِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْإِرَادَةِ.
وَالْفَرْقُ، أَنَّ الْإِقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، وَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيهِ، وَالْوَصِيَّةُ إِنْشَاءُ أَمْرٍ عَلَى الْجَهَالَةِ، وَبَيَانُهُ: إِذَا مَاتَ (الْمُوصِي) إِلَى الْوَارِثِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا فَسَّرَ بِهِ الْمُقِرُّ، فَيُنْظَرُ، إِنْ صَدَّقَهُ فِي الْإِرَادَةِ، فَقَالَ: هُوَ ثَابِتٌ لِي عَلَيهِ، وَلِي عَلَيهِ مَعَ ذَلِكَ كَذَا، ثَبَتَ الْمُتَّفَقُ
стр. 1768
عَلَيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ فِي نَفْيِ غَيْرِهِ. وَإِنْ صَدَّقَهُ فِي الْإِرَادَةِ، وَقَالَ: لَيْسَ لِي عَلَيهِ مَا فَسَّرَ بِهِ، إِنَّمَا لِي عَلَيهِ كَذَا، بَطَلَ حُكْمُ الْإِقْرَارِ بِرَدِّهِ، وَكَانَ مُدَّعِيًا عَلَيهِ فِي غَيْرِهِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي دَعْوَى الْإِرَادَةِ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَ مَا ادَّعَيْتُهُ، حَلَفَ الْمُقِرُّ عَلَى نَفْيِ الْإِرَادَةِ، وَبَقِيَ مَا يَدَّعِيهِ. ثُمَّ إِنْ كَذَّبَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ، بَطَلَ الْإِقْرَارُ فِيهِ، وَإِلَّا فَيَثْبُتُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ الْمُقَرُّ لَهُ عَلَى دَعْوَى الْإِرَادَةِ، وَقَالَ: مَا أَرَدْتُ بِكَلَامِكَ مَا فَسَّرْتُهُ بِهِ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ كَذَا، إِمَّا مِنْ جِنْسِ الْمُقَرِّ بِهِ، وَإِمَّا مِنْ غَيْرِهِ، لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ وَالْإِرَادَةَ لَا يَثْبُتَانِ حَقًّا لَهُ، بَلِ الْإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنْ سَابِقٍ، فَعَلَيهِ أَنْ يَدَّعِيَ الْحَقَّ نَفْسَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ تُقْبَلُ دَعْوَى الْإِرَادَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِي أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَى خَصْمِهِ أَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، هَلْ تُسْمَعُ؟ أَمْ عَلَيهِ أَنْ يَدَّعِيَ نَفْسَ الْأَلْفِ؟ أَمَّا إِذَا ضُمَّ إِلَى الْإِرَادَةِ دَعْوَى الِاسْتِحْقَاقِ، فَيَحْلِفُ الْمُقِرُّ عَلَى نَفْيِهِمَا عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ. وَاتَّفَقَتِ الطُّرُقُ عَلَيهِ.
فَرْعٌ
مَاتَ الْمُبْهِمُ قَبْلَ التَّفْسِيرِ، طُولِبَ بِهِ الْوَارِثُ. فَإِنِ امْتَنَعَ، فَقَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ مِمَّا تُرِكَ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ. وَأَظْهَرُهُمَا: يُوقَفُ الْجَمِيعُ؛ لِأَنَّهُ مُرْتَهِنٌ بِالدَّيْنِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَالٌ. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ، قُبِلَ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَلَا يُقْبَلُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَالْكَلْبِ وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ: الْقَبُولُ بِالتَّمْرَةِ الْوَاحِدَةِ حَيْثُ يَكْثُرُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَقَالُوا: كُلُّ مُتَمَوَّلٍ مَالٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ. وَتَلْتَحِقُ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ بِالتَّمْرَةِ. وَفِي قَبُولِ التَّفْسِيرِ بِالْمُسْتَوْلَدَةِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ. وَإِنْ فَسَّرَهُ بِوَقْفٍ عَلَيهِ،
стр. 1769
فَيُشْبِهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمِلْكِ فِي رَقَبَةِ الْوَقْفِ، هَلْ هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيهِ؟
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مَالٌ عَظِيمٌ، أَوْ كَثِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ، أَوْ جَلِيلٌ، أَوْ نَفِيسٌ، أَوْ خَطِيرٌ، أَوْ غَيْرُ تَافِهٍ، أَوْ مَالٌ، وَأَيُّ مَالٍ، قُبِلَ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَقَلِّ مَا يُتَمَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ عَظِيمَ خَطَرِهِ بِكُفْرِ مُسْتَحِلِّهِ، وَإِثْمِ غَاصِبِهِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: أَصْلُ مَا أَبْنِي عَلَيهِ الْإِقْرَارَ، أَنْ لَا أَلْزَمَ إِلَّا الْيَقِينَ، وَأَطْرَحَ الشَّكَ، وَلَا أَسْتَعْمِلَ الْغَلَبَةَ. وَحُكِيَ وَجْهٌ غَرِيبٌ: أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَزِيدَ تَفْسِيرُ مَالٍ عَظِيمٍ عَلَى تَفْسِيرِ مُطْلَقِ الْمَالِ، لِيُكُونَ لِوَصْفِهِ بِالْعِظَمِ فَائِدَةٌ. وَلَوْ قَالَ: مَالٌ حَقِيرٌ، أَوْ قَلِيلٌ، أَوْ خَسِيسٌ، أَوْ طَفِيفٌ، أَوْ تَافِهٌ، أَوْ نَزْرٌ، أَوْ يَسِيرٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: مَالٌ. وَتُحْمَلُ هَذِهِ الصِّفَاتُ عَلَى احْتِقَارِ النَّاسِ إِيَّاهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ فَانٍ.
فَرْعٌ
قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ مَالٌ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ، يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ وَإِنْ كَثُرَ مَالُ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَكْثَرُ لِكَوْنِهِ حَلَالًا، وَذَلِكَ حَرَامٌ أَوْ نَحْوُهُ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ عُلِمَ مَالُ فُلَانٍ، أَمْ لَمْ يُعْلَمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَكَمَا أَنَّ الْقَدْرَ مُبْهَمٌ، فَكَذَلِكَ الْجِنْسُ وَالنَّوْعُ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ عَدَدًا، فَالْإِبْهَامُ فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ أَكْثَرُ مِنْ مَالِ فُلَانٍ، فَالْإِبْهَامُ فِي الْقَدْرِ وَالنَّوْعِ. وَلَوْ قَالَ: مِنْ صِحَاحِ الذَّهَبِ، فَالْإِبْهَامُ فِي الْقَدْرِ وَحْدَهُ. وَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ مَالٌ أَكْثَرُ مِمَّا شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ عَلَى فُلَانٍ،
стр. 1770
قُبِلَ فِي تَفْسِيرِهِ بِأَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَعْتَقِدَهُمْ شُهُودَ زُورٍ، وَيَقْصِدُ أَنَّ الْقَلِيلَ الْحَلَالَ أَكْثَرُ بَرَكَةً مِنْ كَثِيرٍ يُؤْخَذُ بِالْبَاطِلِ. وَلَوْ قَالَ: أَكْثَرُ مِمَّا قَضَى بِهِ الْقَاضِي عَلَى فُلَانٍ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ الْقَدْرُ الْمَقْضِيُّ بِهِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِّ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَالشَّهَادَةِ، فَيُقْبَلُ أَقَلُّ مُتَمَوِّلٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقْضِي بِشَهَادَةِ كَاذِبَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدِ فُلَانٍ، قُبِلَ أَقَلُّ مُتَمَوِّلٍ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدِ فُلَانٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، لَمْ يَلْزَمْهُ التَّفْسِيرُ بِجِنْسِ الدَّرَاهِمِ، لَكِنْ يَلْزَمُ بِذَلِكَ الْعَدَدُ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ فُسِّرَ، وَزِيَادَةُ أَقَلِّ مُتَمَوِّلٍ، كَذَا قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» ، وَهُوَ مُخَالِفٌ مَا سَبَقَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: إِلْزَامُ ذَلِكَ الْعَدَدِ.
وَالثَّانِي: إِلْزَامُ زِيَادَةٍ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لِلْأَكْثَرِيَّةِ، بِنَفْيِهِمَا جَمِيعًا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّرَاهِمِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدِ فُلَانٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ، وَكَانَ فِي يَدِ فُلَانٍ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَزِيَادَةُ أَقَلِّ مَا يُتَمَوَّلُ.
وَالْأَصَحُّ: مَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ زِيَادَةٌ، حَمْلًا لِلْأَكْثَرِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ: أَنَّهُ لَوْ فَسَّرَهُ بِمَا دَونَ الثَّلَاثَةِ، قُبِلَ أَيْضًا. وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَقَالَ الْمُقِرُّ: لَمْ أَعْلَمْ، وَظَنَنْتُهَا ثَلَاثَةً، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: كَذَا. فَإِذَا قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ كَذَا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَهُ شَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: كَذَا، وَالتَّكْرَارُ لِلتَّأْكِيدِ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، لَزِمَهُ التَّفْسِيرُ بِشَيْئَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، بِحَيْثُ يُقْبَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ كَذَا. وَهَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ شَيْءٌ شَيْءٌ، أَوْ شَيْءٌ وَشَيْءٌ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ، يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ، وَكَانَ الدِّرْهَمُ تَفْسِيرُ مَا أَبْهَمَهُ. وَفِي وَجْهٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ: يَلْزَمُهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ اسْمٍ مُفْرَدٍ يَنْتَصِبُ الدِّرْهَمُ الْمُفَسِّرُ بَعْدَهُ.
وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: هُوَ الْأَوَّلُ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ، بِأَنَّ فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمِ لَا يُنْظَرُ إِلَى الْإِعْرَابِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ كَذَا دِرْهَمٍ
стр. 1771
صَحِيحٍ، لَا يَلْزَمُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُقْتَضَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِ صِفَةِ الصِّحَّةِ، لَزِمَهُ أَيْضًا دِرْهَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: بَعْضُ دِرْهَمٍ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٌ، بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمٍ، وَوَقَفَ عَلَيهِ سَاكِنًا، فَكَالْمَخْفُوضِ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمًا، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَلْزَمُهُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا إِنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمٍ، أَوْ دِرْهَمٌ لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ. وَيَجِيءُ فِي الْمَخْفُوضِ الْوَجْهُ السَّابِقُ بِبَعْضِ دِرْهَمٍ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَفِي قَوْلٍ: دِرْهَمٌ. وَفِي قَوْلٍ: دِرْهَمٌ وَشَيْءٌ. وَفِي وَجْهٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ: وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا إِنْ عَرَفَ الْعَرَبِيَّةَ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٌ، بِالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهُمَا: دِرْهَمَانِ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمٍ، بِالْخَفْضِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَبَعْضُ دِرْهَمٍ، أَوْ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بَعْضُ دِرْهَمٍ. وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا كَرَّرَ مَرَّتَيْنِ يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ، لَزِمَهُ هُنَا ثَلَاثَةٌ. وَإِنْ قُلْنَا: دِرْهَمٌ، فَكَذَا هُنَا.
فَصْلٌ
قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ وَدَرَاهِمُ، أَوْ أَلْفٌ وَثَوْبٌ، أَوْ أَلْفٌ وَعَبْدٌ، فَلَهُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ جِنْسِ مَا عُطِفَ عَلَيهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَكُلُّهَا دَرَاهِمُ. وَلَوْ قَالَ: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، فَكُلُّهَا دَرَاهِمُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ: الْعِشْرُونَ دَرَاهِمَ وَالْخَمْسَةُ مُجْمَلَةٌ تُفَسِّرُهَا. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ قَوْلُهُ: مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَقَوْلُهُ: أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَكَذَا قَوْلُهُ: أَلْفٌ وَثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ، وَقَوْلُهُ: مِائَةٌ وَأَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَقَوْلُهُ: مِائَةٌ وَنِصْفُ دِرْهَمٍ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَنِصْفٌ، أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ
стр. 1772
وَنِصْفٌ، فَالْكُلُّ دَرَاهِمُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي الِاسْتِعْمَالِ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ: النِّصْفُ مُجْمَلَةٌ. وَلَوْ قَالَ: نَصِفٌ وَدِرْهَمٌ، فَالنِّصْفُ مُجْمَلٌ. وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ، فَالْمِائَةُ مُجْمَلَةٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ تَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْكُلِّ، وَالْحِنْطَةُ لَا تَصْلُحُ تَفْسِيرًا لِلْمِائَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مِائَةُ حِنْطَةٍ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، بِرَفْعِهِمَا وَتَنْوِينِهِمَا، فَسَّرَ الْأَلْفَ بِمَا لَا يَنْقُصُ قِيمَتُهُ عَنْ دِرْهَمٍ، كَأَنَّهُ قَالَ: الْأَلْفُ مِمَّا قِيمَةُ الْأَلْفِ مِنْهُ دِرْهَمٌ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: دِرْهَمٌ. قَدْ ذَكَرْنَا فِي الزَّكَاةِ أَنَّ دَرَاهِمَ الْإِسْلَامِ الْمُعْتَبَرَ بِهَا نُصُبُ الزَّكَاةِ وَالدِّيَاتِ وَغَيْرِهَا، كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْهَا سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَكُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ. وَنَزِيدُ الْآنَ، أَنَّ الدَّانِقَ: ثَمَانِي حَبَّاتٍ وَخُمُسَا حَبَّةٍ، فَيَكُونُ الدِّرْهَمُ خَمْسِينَ حَبَّةً وَخُمُسَيْ حَبَّةٍ، وَالْمُرَادُ: حَبَّةُ الشَّعِيرِ الْمُتَوَسِّطَةُ الَّتِي لَمْ تُقَشَّرْ، لَكِنْ قُطِعَ مِنْ طَرَفَيْهَا مَا دَقَّ وَطَالَ، وَالدِّينَارُ: اثْنَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةً مِنْهَا، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ رِوَايَةِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَفِي الْحِلْيَةِ لِلْرُّويَانِيِّ، أَنَّ الدَّانِقَ ثَمَانِي حَبَّاتٍ، فَيَكُونُ الدِّرْهَمُ ثَمَانِيَ وَأَرْبَعِينَ حَبَّةً. فَإِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، أَوْ أَلْفُ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ: هِيَ نَاقِصَةٌ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُ تَامَّةٌ، وَذَكَرَهُ مُتَّصِلًا، قُبِلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوِ اسْتَثْنَى. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: فِي قَبُولِهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى تَبْعِيضِ الْإِقْرَارِ. وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُ مُنْفَصِلًا، لَمْ يُقْبَلْ، وَلَزِمَهُ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الدِّرْهَمِ صَرِيحٌ فِيهِ وَضْعًا وَعُرْفًا. وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ، وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمُهُ نَاقِصَةٌ، قُبِلَ إِنْ ذَكَرَهُ مُتَّصِلًا قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ ذَكَرَهُ مُنْفَصِلًا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ، فِيمَنْ أَقَرَّ
стр. 1773
فِي بَلَدٍ وَزْنَ دَرَاهِمِهِ أَكْثَرَ مِنْ دَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ، مِثْلَ غَزْنَةَ، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى دَرَاهِمِ الْبَلَدِ، أَوِ الْإِسْلَامِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَقَالَ: عَنَيْتُ دَرَاهِمَ الْإِسْلَامِ، مُنْفَصِلًا، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا، فَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ.
وَالْمَذْهَبُ: الْقَبُولُ.
فَرْعٌ
الدِّرْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي النَّقْرَةِ. فَلَوْ أَقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وَفَسَّرَهَا بِفُلُوسٍ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ فَسَّرَهَا بِمَغْشُوشَةٍ، فَكَالتَّفْسِيرِ بِالنَّاقِصَةِ؛ لِأَنَّ نَقْرَتَهَا تَنْقُصُ عَنِ التَّامَّةِ، فَيَعُودُ فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي النَّاقِصَةِ. وَلَوْ فَسَّرَ بِجِنْسٍ رَدِيءٍ مِنَ الْفِضَّةِ، أَوْ قَالَ: أَرَدْتُ مِنْ سَكَّةِ كَذَا، وَهِيَ جَارِيَةٌ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، قُبِلَ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ ثَوْبٌ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِرَدِيءٍ، أَوْ بِمَا لَا يَعْتَادُ أَهْلُ الْبَلَدِ لَبْسَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَسَّرَ بِنَاقِصَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ شَيْئًا مِمَّا أَقَرَّ بِهِ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ، فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى سَكَّةِ الْبَلَدِ؛ لِأَنَّهُ إِنْشَاءُ مُعَامَلَةٍ.
وَالْغَالِبُ أَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي كُلِّ بَلَدٍ بِمَا يَرُوجُ فِيهِ. وَالْإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، وَرُبَّمَا ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ بِبَلَدٍ آخَرَ، فَوَجَبَ قَبُولُ تَفْسِيرِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِغَيْرِ سَكَّةِ الْبَلَدِ، وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دُرَيْهِمَاتٌ، أَوْ دِرْهَمٌ صَغِيرٌ، أَوْ دَرَاهِمُ صِغَارٌ، فَفِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ.
وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: دِرْهَمٌ أَوْ دَرَاهِمُ، فَيَعُودُ فِي تَفْسِيرِهِ بِالنَّقْصِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ، وَلَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالصَّغِيرِ كَالتَّقْيِيدِ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الدَّرَاهِمِ صَرِيحٌ
стр. 1774
فِي الْوَزْنِ، وَالْوَصْفِ بِالصَّغِيرِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي الشَّكْلِ، وَيَجُوزُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى غَيْرِهَا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ الطَّبَرِيَّةِ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ بَلَدٍ وَبَلَدٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُتَيَقَّنُ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ كَبِيرٌ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: دِرْهَمٌ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ أَوْزَانُهُمْ نَاقِصَةٌ أَوْ تَامَّةٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمُ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ كَانَتْ أَوْزَانُهُمْ زَائِدَةً، لَزِمَهُ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ. وَفِي إِلْزَامِهِ نَقْدَ الْبَلَدِ إِشْكَالٌ.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: عَلَيَّ دَرَاهِمُ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ، وَلَا يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلَّ مِنْهَا. وَلَوْ قَالَ: دَرَاهِمُ عَظِيمَةٌ، أَوْ كَثِيرَةٌ، فَثَلَاثَةٌ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي «مَالٍ عَظِيمٍ» . وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَقَلُّ أَعْدَادِ الدَّرَاهِمِ، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ. وَلَوْ قَالَ: مِائَةُ دِرْهَمٍ عَدَدٌ، لَزِمَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ بِوَزْنِ الْإِسْلَامِ صِحَاحٌ. قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ سِتَّةَ دَوَانِيقَ، وَكَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ. وَلَا يُقْبَلُ مِائَةٌ بِالْعَدَدِ نَاقِصَةُ الْوَزْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْدُ الْبَلَدِ عَدَدِيَّةً نَاقِصَةً، فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْقَبُولُ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ مِائَةٌ عَدَدٌ مِنَ الدَّرَاهِمِ، اعْتُبِرَ الْعَدَدُ دُونَ الْوَزْنِ.
فَصْلٌ
قَالَ: عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالْغَزَالِيِّ. وَقِيلَ: عَشَرَةٌ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إِلَى هَذَا الْجِدَارِ، لَا يَدْخُلُ الْجِدَارَانِ فِي الْبَيْعِ. وَاحْتَجَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لِلْأَوَّلِ، بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ إِلَى هَذِهِ النَّخْلَةِ، تَدْخُلُ الْأُولَى فِي الْإِقْرَارِ دُونَ
стр. 1775
الْأَخِيرَةِ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَدْخُلَ الْأُولَى أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ مِنْ هَذَا الْجِدَارِ إِلَى هَذَا الْجِدَارِ. وَلَوْ قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ، وَهُوَ نَصُّهُ. وَقِيلَ: تِسْعَةٌ، وَنَقَلَهُ فِي الْمِفْتَاحِ عَنْ نَصِّهِ. وَقِيلَ: عَشَرَةٌ، حَكَاهُ أَبُو خَلَفٍ السُّلَمِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَوْلِهِ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَقَوْلُهُ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ. وَرُبَّمَا سَوَّوْا بَيْنَهُمَا. وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ، فَيَقْطَعَ بِالثَّمَانِيَةِ فِي الصِّيغَةِ الْأَخِيرَةِ.
قُلْتُ: الْقَطْعُ بِالثَّمَانِيَةِ، هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ ﵀: لَمْ يُفَرِّقُوا - غَيْرُ مَقْبُولٍ، فَقَدْ فَرَّقَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ، فَقَطَعَ بِالثَّمَانِيَةِ فِي قَوْلِهِ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ وَعَشَرَةٍ. وَذَكَرَ الْأَوْجُهَ فِيمَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي عَشَرَةٍ، إِنْ أَرَادَ الظَّرْفَ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ. وَإِنْ أَرَادَ الْحِسَابَ، فَعَشَرَةٌ. وَإِنْ أَرَادَ بِـ «فِي» : «مَعَ» ; لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَدِرْهَمٌ. وَحُكِيَ قَوْلٌ فِي مِثْلِهِ فِي الطَّلَاقِ: أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْحِسَابِ، وَهُوَ جَارٍ هُنَا.
الضَّرْبُ الْخَامِسُ: الظَّرْفُ.
الْأَصْلُ فِي هَذَا، أَنَّ الْإِقْرَارَ بِالظُّرُوفِ لَيْسَ إِقْرَارًا بِالْمَظْرُوفِ. وَكَذَا عَكْسُهُ، وَدَلِيلُهُ، الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ. أَمَّا إِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي زَيْتٌ فِي جَرَّةٍ، أَوْ سَيْفٌ فِي غِمْدٍ، أَوْ ثَوْبٌ فِي مَنْدِيلٍ، أَوْ تَمْرٌ فِي جِرَابٍ، أَوْ لَبَنٌ فِي كُوزٍ، أَوْ طَعَامٌ فِي سَفِينَةٍ، أَوْ غَصَبْتُهُ زَيْتًا فِي جَرَّةٍ، فَهُوَ مُقِرٌّ بِالْمَظْرُوفِ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي غِمْدٌ فِيهِ سَيْفٌ، وَجَرَّةٌ فِيهَا زَيْتٌ، وَجِرَابٌ فِيهِ تَمْرٌ، وَسَفِينَةٌ فِيهَا طَعَامٌ، فَإِقْرَارٌ بِالظَّرْفِ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: فَرَسٌ فِي إِصْطَبْلٍ، أَوْ حِمَارٌ
стр. 1776
عَلَى ظَهْرِهِ إِكَافٌ، أَوْ دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرْجٌ أَوْ زِمَامٌ، وَعَبْدٌ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، أَوْ فِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةٌ، أَوْ فِي رِجْلِهِ خُفٌّ، أَوْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، فَإِقْرَارٌ بِالدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: عِمَامَةٌ عَلَى رَأْسِ عَبْدٍ، أَوْ سَرْجٌ عَلَى ظَهْرِ دَابَّةٍ، فَإِقْرَارٌ بِالْعِمَامَةِ وَالسَّرْجِ فَقَطْ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ: إِذَا قَالَ: عَبْدٌ عَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ، أَوْ فِي رِجْلِهِ خُفٌّ، فَإِقْرَارٌ بِهِمَا مَعَ الْعَبْدِ. وَجُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَى مَا سَبَقَ. وَلَوْ قَالَ: دَابَّةٌ مَسْرُوجَةٌ، أَوْ دَارٌ مَفْرُوشَةٌ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالسَّرْجِ وَالْفَرْشِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: بِسَرْجِهَا وَبِفَرْشِهَا، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ؛ لِأَنَّ الطِّرَازَ جُزْءٌ مِنَ الثَّوْبِ. وَقِيلَ: إِنْ رُكِّبَ فِيهِ بَعْدَ النَّسْجِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ مَذْكُورَيْنِ فِي أَخَوَاتِ الْمَسْأَلَةِ. وَلَوْ قَالَ: فَصٌّ فِي خَاتَمٍ، فَإِقْرَارٌ بِالْفَصِّ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ: خَاتَمٌ فِيهِ فَصٌّ فَفِي كَوْنِهِ مُقِرًّا أَيْضًا بِالْفَصِّ وَجْهَانِ.
قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا الْمَنْعُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: عِنْدِي لَهُ خَاتَمٌ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: مَا أَرَدْتُ الْفَصَّ، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْخَاتَمُ بِفَصِّهِ؛ لِأَنَّ الْخَاتَمَ تَنَاوُلَهُمَا، فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ الْإِقْرَارُ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: حَمْلٌ فِي بَطْنِ جَارِيَةٍ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْجَارِيَةِ. وَكَذَا: نَعْلٌ فِي حَافِرِ دَابَّةٍ، وَعُرْوَةٌ عَلَى قُمْقُمَةٍ. وَلَوْ قَالَ: جَارِيَةٌ فِي بَطْنِهَا حَمْلٌ، وَدَابَّةٌ فِي حَافِرِهَا نَعْلٌ، وَقُمْقُمَةٌ عَلَيْهَا عُرْوَةٌ، فَوَجْهَانِ، كَقَوْلِهِ: خَاتَمٌ فِي فَصٍّ. وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ الْجَارِيَةُ لِفُلَانٍ، وَكَانَتْ حَامِلًا، لَمْ يُدْخُلِ الْحَمْلُ فِي الْإِقْرَارِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ، فَكَانَ عَلَى حَسَبِ إِرَادَةِ الْمُخْبِرِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْحَمْلَ يَدْخُلُ فِيهِ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ هَذِهِ الْجَارِيَةُ إِلَّا حِمْلَهَا، لَمْ يَدْخُلِ الْحِمْلُ قَطْعًا. وَلَوْ قَالَ: ثَمَرَةٌ عَلَى شَجَرٍ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالشَّجَرَةِ. وَلَوْ قَالَ: شَجَرَةٌ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ هَلْ تَدْخُلُ فِي مُطْلَقِ الْإِقْرَارِ بِالشَّجَرَةِ؟ وَهِيَ لَا تَدْخُلُ بَعْدَ التَّأْبِيرِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا قَبْلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهَا لُغَةً، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى الْمُعْتَادِ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ فِي ضَبْطِ الْبَابِ: أَنَّ مَا دَخَلَ تَحْتَ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، دَخَلَ تَحْتَ الْإِقْرَارِ،
стр. 1777
وَمَا لَا، فَلَا، وَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسَائِلِ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ فِي الضَّبْطِ: مَا لَا يَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، لَمْ يَدْخُلْ، وَمَا يُتْبَعُ وَيَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ، دَخَلَ، وَمَا يُتْبَعُ وَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الِاسْمُ، فَوَجْهَانِ.
فَصْلٌ
إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي هَذَا الْكَيْسِ، لَزِمَهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ أَلْفٌ، أَمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَيَّ، يَقْتَضِي اللُّزُومَ، وَلَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْكَيْسِ كَمَا سَبَقَ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ دُونَ الْأَلْفِ، فَوَجْهَانِ.
قَالَ أَبُو زَيْدٍ: لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْأَلْفُ الَّذِي فِي هَذَا الْكَيْسِ، وَكَانَ فِيهِ دُونَ الْأَلْفِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ، فَوَجْهَانِ.
وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ حَلَفَ: لَيَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، هَلْ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ وَيَحْنَثُ، أَمْ لَا؟
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِشَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَهَذَا لَفْظٌ مُجْمَلٌ، فَيَسْأَلُ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ جُنِيَ عَلَيهِ، أَوْ عَلَى مَالِهِ جِنَايَةً أَرْشُهَا أَلْفٌ، قُبِلَ وَيُعَلَّقُ الْأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ رُهِنَ عِنْدَهُ بِأَلْفٍ عَلَيَّ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْعَبْدِ مَحِلًّا لِلْأَلْفِ، وَمَحِلُّ الدَّيْنِ الذِّمَّةُ، لَا الْمَرْهُونُ. فَعَلَى هَذَا، إِذَا نَازَعَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، أَخَذْنَاهُ بِالْأَلْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّفْسِيرِ، وَطَالَبْنَاهُ لِلْإِقْرَارِ الْمُجْمَلِ
стр. 1778
بِتَفْسِيرٍ صَالِحٍ. وَأَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَلَهُ تَعَلُّقٌ ظَاهِرٌ بِالْمَرْهُونِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ وَزَنَ فِي ثَمَنِهِ أَلْفًا، قِيلَ لَهُ: هَلْ وَزَنْتَ فِي ثَمَنِهِ شَيْئًا؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ لِلْمُقَرِّ لَهُ. وَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الشِّرَاءِ، أَكَانَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَمْ لَا؟ فَإِنْ قَالَ: دُفْعَةً، سُئِلَ مَا قَدْرُ مَا وَزْنُ؟ فَإِنْ قَالَ: وَزَنْتُ أَلْفًا أَيْضًا، فَالْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَإِنْ قَالَ: أَلْفَيْنِ، فَلَهُ ثُلُثَا الْعَبْدِ، وَلِلْمُقَرِّ لَهُ ثَلَاثَةٌ. وَعَلَى هَذَا، الْقِيَاسِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ. وَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْنَاهُ دُفْعَتَيْنِ وَوَزَنَ هُوَ فِي ثَمَنِ عُشْرِهِ مِثْلًا أَلْفًا، وَاشْتَرَيْتُ أَنَا تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِأَلْفٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَمَلٌ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ أُوصِيَ لَهُ مِنْ ثَمَنِهِ بِأَلْفٍ، قُبِلَ وَبِيعَ وَدُفِعَ إِلَيهِ مِنْ ثَمَنِهِ أَلْفٌ، وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ الْأَلْفِ مِنْ مَالِهِ. وَلَوْ قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ الْأَلْفَ لِأَشْتَرِيَ لَهُ الْعَبْدَ، فَفَعَلْتُ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَالْعَبْدُ لَهُ. وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَقَدْ رَدَّ إِقْرَارَهُ بِالْعَبْدِ، وَعَلَيهِ رَدُّ الْأَلْفِ الَّذِي أَخَذَ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ أَقْرَضَنِي أَلْفًا، فَصَرَفْتُهُ إِلَى ثَمَنِهِ، قُبِلَ وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ. وَتَوْجِيهُ الْخِلَافِ إِذَا أَقَرَّ بِرَهْنِهِ يَقْتَضِي عَوْدَهُ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: فِي هَذَا الْعَبْدِ. وَلَوْ قَالَ: مِنْ ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ، فَكَذَلِكَ، قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، هُوَ فِيمَا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيَّ، فَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ، كَانَ الْتِزَامًا بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا.
فَرْعٌ
قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ فِي دِينَارٍ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَهُ أَلْفٌ فِي هَذَا الْعَبْدِ. فَإِنْ نَوَى نَفْيَ «مَعَ» لَزِمَاهُ.
стр. 1779
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لَوْ قَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ مُقِرًّا عَلَى أَبِيهِ بِدَيْنٍ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ هِبَةً، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ إِقْرَارًا. قَالَ الْأَصْحَابُ: النَّصَّانِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا.
وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» إِشَارَةٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ، كَأَنَّهُ نَقَلَ وَخَرَجَ.
وَالْمَذْهَبُ: الْفَرْقُ. وَمِثْلُهُ، لَوْ قَالَ: لَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ نَصِفُهَا، فَهُوَ إِقْرَارٌ. وَلَوْ قَالَ: فِي دَارِي نَصِفُهَا، فَهُوَ وَعْدُ هِبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ فِي مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ إِقْرَارًا. وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ مَالِي أَلْفُ دِرْهَمٍ، كَانَ وَعْدَ هِبَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِمَا. وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي قَوْلِهِ: لَهُ فِي مَالِي أَلْفٌ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: هُوَ وَعْدُ هِبَةٍ.
وَالثَّانِي: إِقْرَارٌ. وَقِيلَ: هِبَةٌ قَطْعًا. وَحَمَلُوا النَّصَّ عَلَى خَطَأِ النَّاسِخِ، وَرُبَّمَا أَوَّلُوهُ عَلَى مَا لَوْ أَتَى بِصِيغَةِ الْتِزَامٍ فَقَالَ: عَلَيَّ فِي مَالِي، فَإِنَّهُ إِقْرَارٌ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْخِلَافَ، فَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ، طَرْدُهُ فِيمَا إِذَا قَالَ: فِي دَارِي نَصِفُهَا. وَامْتَنَعَ مِنْ طَرْدِهِ فِيمَا إِذَا قَالَ: فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَغَيْرِهِ، طَرْدُهُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي، أَوْلَى بِأَنْ يَجْعَلَ إِقْرَارًا مِنْ قَوْلِهِ: فِي مَالِي أَوْ فِي دَارِي؛ لِأَنَّ التَّرِكَةَ مَمْلُوكَةٌ لِلْوَرَثَةِ مَعَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا، فَيَحْسُنُ إِضَافَةُ الْمِيرَاثِ إِلَى نَفْسِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ، بِخِلَافِ الْمَالِ وَالدَّارِ. وَأَمَّا فَرْقُهُ فِي النَّصِّ الْأَخِيرِ، بَيْنَ «فِي» وَ «مِنْ» ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: لَا فَرْقَ، وَلَمْ يُثْبِتْ هَذَا النَّصَّ، أَوْ أَوَّلُوهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ، بِأَنَّ «فِي» يَقْتَضِي كَوْنَ مَالِ الْمُقِرِّ ظَرْفًا لِمَالِ الْمُقَرِّ لَهُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ مَالِي، يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْوَعْدِ بِأَنَّهُ
стр. 1780
يَقْطَعُ لَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ. وَإِذَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمَا، لَزِمَهُ مِثْلُهُ فِي الْمِيرَاثِ قَطْعًا.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ الْحُكْمَ فِي قَوْلِهِ: فِي مَالِي كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا فِي مِيرَاثِي. وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ تَخْرِيجَ الْخِلَافِ فِي قَوْلِهِ: لَهُ فِي دَارِي نَصِفُهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَضَافَ الْكُلَّ إِلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ الْإِقْرَارُ بِبَعْضِهِ، كَمَا لَا يَنْتَظِمُ الْإِقْرَارُ بِكُلِّهُ فِي قَوْلِهِ: دَارِي لِفُلَانٍ، وَخَصَّصَ طَرِيقَةَ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُقَرُّ بِهِ جُزْءًا مِنْ مُسَمَّى مَا أَضَافَهُ إِلَى نَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ: فِي مَالِي أَلْفٌ، أَوْ فِي دَارِي أَلْفٌ. وَحَيْثُ قُلْنَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ: إِنَّهُ وَعْدُ هِبَةٍ، لَا إِقْرَارَ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ الِالْتِزَامِ فَأَمَّا إِذَا ذَكَرَهَا بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِي هَذَا الْمَالِ، أَوْ فِي مَالِي، أَوْ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي، أَوْ فِي مِيرَاثِ أَبِي، أَوْ فِي دَارِي، أَوْ فِي عَبْدِي، أَوْ هَذَا الْعَبْدِ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ فِي مِيرَاثِي مِنْ أَبِي، أَوْ فِي مَالِي بِحَقٍّ لَزِمَنِي. أَوْ بِحَقٍّ ثَابِتٍ، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِكُلِّ حَالٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاصِّ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِنَا فِي قَوْلِهِ: عَلَيَّ فِي هَذَا الْمَالِ، أَوْ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، هُوَ إِقْرَارٌ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَلْفُ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ الْمَالُ أَلْفًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ فِي هَذَا الْكَيْسِ، وَكَانَ فِيهِ دُونَ الْأَلْفِ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا سَبَقَ، فَإِنَّ ظَرْفِيَّةَ الْعَبْدِ لِلدَرَاهِمَ، لَيْسَتْ كَظَرْفِيَّةِ الْكَيْسِ لَهَا، لَكِنْ لَوْ قَالَ: لَهُ فِي هَذَا الْعَبْدِ أَلْفٌ، مِنْ غَيْرِ كَلِمَةِ عَلَيَّ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ثَمَنُهُ أَلْفًا، لَمْ يَجِبْ عَلَيهِ تَتْمِيمُ الْأَلْفِ بِحَالٍ.
قُلْتُ:
الضَّرْبُ السَّادِسُ: التَّأْكِيدُ وَالْعَطْفُ وَنَحْوُهُمَا. وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ، وَكَذَا لَوْ كَرَّرَهُ هَكَذَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَأَكْثَرَ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ، أَوْ دِرْهَمٌ ثُمَّ دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ
стр. 1781
دِرْهَمَانِ لِلْمُغَايَرَةِ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ، لَزِمَهُ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي دِرْهَمَانِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ دِرْهَمًا آخَرَ، لَزِمَهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ تَأْكِيدَ الثَّانِي، قُبِلَ، وَلَزِمَهُ دِرْهَمَانِ فَقَطْ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِهِ تَأْكِيدَ الْأَوَّلَ، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ. وَإِنْ أَطْلَقَ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: فِيهِ قَوْلَانِ كَالطَّلَاقِ، ثَانِيهُمَا دِرْهَمَانِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ كَرَّرَهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ فَأَكْثَرَ، لَزِمَهُ بِعَدَدِ مَا كَرَّرَ. وَلَوْ قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ، ثُمَّ دِرْهَمٌ، ثُمَّ دِرْهَمٌ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ، ثُمَّ دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ مَعَ دِرْهَمٍ، أَوْ مَعَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أَوْ فَوْقَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ تَحْتَ دِرْهَمٍ، أَوْ تَحْتَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ عَلَيَّ دِرْهَمٌ، أَوْ عَلَيهِ دِرْهَمٌ، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهُمَا: دِرْهَمٌ. وَقَالَ الدَّارِكِيُّ: مَعَ الْهَاءِ، دِرْهَمَانِ، وَبِحَذْفِهَا، دِرْهَمٌ. وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ، أَوْ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهُمَا: دِرْهَمٌ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَغَيْرُهُ: مَعَ الْهَاءِ دِرْهَمَانِ. وَبِحَذْفِهَا دِرْهَمٌ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَوْ عِنْدِي دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ، إِنْ أَرَادَ الْعَطْفَ، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ، وَإِلَّا فَالنَّصُّ لُزُومُ دِرْهَمٍ فَقَطْ. وَنَصَّ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ، فَطَالِقٌ، أَنَّهُ طَلْقَتَانِ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: دِرْهَمَانِ وَطَلْقَتَانِ.
وَالثَّانِي: دِرْهَمٌ وَطَلْقَةٌ.
وَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ فَقَفِيزُ حِنْطَةٍ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ، أَمْ يَلْزَمَانِهِ جَمِيعًا؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ
стр. 1782
أَنَّ قِيَاسَ مَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ بِدِرْهَمٍ فَدِرْهَمٍ، يَكُونُ بَائِعًا بِدِرْهَمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إِنْشَاءٌ، لَا إِخْبَارٌ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ: عَلَيَّ دِرْهَمٌ، بَلْ دِرْهَمٌ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ فَقَطْ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ، لَا بَلْ دِرْهَمٌ، وَلَكِنْ دِرْهَمٌ، فَكَذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ، لَا بَلْ دِرْهَمَانِ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، لَا بَلْ قَفِيزَانِ، لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ، أَوْ قَفِيزَانِ فَقَطْ. هَذَا إِذَا لَمْ يُعَيِّنْ. فَأَمَّا إِنْ قَالَ: لَهُ عِنْدِي هَذَا الْقَفِيزُ، بَلْ هَذَانِ الْقَفِيزَانِ، فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْمُعَيَّنَ لَا يَدْخُلُ فِي الْمُعَيَّنِ. وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَ جِنْسُ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَعَ عَدَمَ التَّعْيِينِ، بِأَنْ قَالَ: دِرْهَمٌ بَلْ دِينَارَانِ، أَوْ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بَلْ قَفِيزَا شَعِيرٍ، لَزِمَهُ الدِّرْهَمُ وَالدِّينَارَانِ، وَقَفِيزُ الْحِنْطَةِ وَقَفِيزَا الشَّعِيرِ. وَلَوْ قَالَ: دِرْهَمَانِ بَلْ دِرْهَمٌ، أَوْ عَشَرَةٌ، بَلْ تِسْعَةٌ، لَزِمَهُ الدِّرْهَمَانِ وَالْعَشَرَةُ؛ لِأَنَّ الرُّجُوعَ عَنِ الْأَكْثَرِ لَا يُقْبَلُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَقَلُّ. وَلَوْ قَالَ: دِينَارٌ، بَلْ دِينَارَانِ، بَلْ ثَلَاثَةٌ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. وَلَوْ قَالَ: دِينَارٌ، بَلْ دِينَارَانِ، بَلْ قَفِيزٌ، بَلْ قَفِيزَانِ، لَزِمَهُ دِينَارَانِ وَقَفِيزَانِ. وَلَوْ قَالَ: دِينَارٌ وَدِينَارَانِ، بَلْ قَفِيزٌ وَقَفِيزَانِ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ وَثَلَاثَةُ أَقْفِزَةٍ، وَقِسْ عَلَيهِ مَا شِئْتَ.
الضَّرْبُ السَّابِعُ: التَّكْرَارُ.
الْقَوْلُ الْجُمَلِيُّ فِيهِ أَنَّ تَكَرُّرَ الْإِقْرَارِ لَا يَقْتَضِي تَكَرُّرَ الْمُقَرِّ بِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إِخْبَارٌ، وَتَعَدُّدُ الْخَبَرِ لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَنْزِلُ عَلَى وَاحِدٍ، إِلَّا إِذَا عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَحْكُمُ بِالْمُغَايَرَةِ. فَإِذَا أَقَرَّ لِزَيْدٍ يَوْمَ السَّبْتَ بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ بِأَلْفٍ، لَزِمَهُ أَلْفٌ فَقَطْ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْإِقْرَارَانِ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ، وَسَوَاءٌ كَتَبَ بِهِ صَكًّا وَأَشْهَدَ عَلَيهِ شُهُودًا عَلَى التَّعَاقُبِ، أَوْ كَتَبَ صَكًّا بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ عَلَيهِ، ثُمَّ كَتَبَ صَكًّا بِأَلْفٍ وَأَشْهَدَ عَلَيهِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي يَوْمٍ بِأَلْفٍ، وَفِي آخَرَ بِخَمْسِمِائَةٍ، دَخَلَ الْأَقَلُّ فِي الْأَكْثَرِ. وَلَوْ أَقَرَّ يَوْمَ السَّبْتَ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ، وَيَوْمَ الْأَحَدِ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنِ جَارِيَةٍ، أَوْ قَالَ مَرَّةً: صِحَاحٍ، وَمُرَّةً: مُكَسَّرَةٍ، لَزِمَهُ أَلْفَانِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: قَبَضْتُ مِنْهُ يَوْمَ السَّبْتِ عَشَرَةً، ثُمَّ قَالَ:
стр. 1783
قَبَضْتُ مِنْهُ يَوْمَ الْأَحَدِ عَشَرَةً، أَوْ طَلَّقَهَا يَوْمَ السَّبْتِ طَلْقَةً، ثُمَّ قَالَ: طَلَّقْتُهَا يَوْمَ الْأَحَدِ طَلْقَتَيْنِ، تَعَدَّدَ. وَلَوْ قَالَ يَوْمَ السَّبْتِ: طَلَّقْتُهَا طَلْقَةً، ثُمَّ أَقَرَّ يَوْمَ الْأَحَدِ بِطَلْقَتَيْنِ، لَمْ يَلْزَمْ إِلَّا طَلْقَتَانِ. وَلَوْ أَضَافَ أَحَدَ الْإِقْرَارَيْنِ إِلَى سَبَبٍ، أَوْ وَصَفَ الدَّرَاهِمَ بِصِفَةٍ، وَأَطْلَقَ الْإِقْرَارَ الْآخَرَ، نَزَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُضَافِ، لِإِمْكَانِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ السَّبْتِ بِأَلْفٍ، أَوْ بِغَصْبِ دَارٍ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ يَوْمَ الْأَحَدِ بِأَلْفٍ، أَوْ بِغَصْبِ تِلْكَ الدَّارِ، لَفَّقْنَا الشَّهَادَتَيْنِ وَاعْتَبَرْنَا الْأَلْفَ وَالْغَصْبَ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يُوجِبُ حَقًّا بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ ثَابِتٍ، فَيُنْظَرُ إِلَى الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَإِلَى اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْهُ. وَكَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفٍ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِأَلْفٍ بِالْعَجَمِيَّةِ. وَلَوْ شَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَّفِقَانِ عَلَى شَيْءٍ، وَلَيْسَ هُوَ إِخْبَارًا حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى الْمَقْصُودِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ. وَقِيلَ: فِي الْإِقْرَارَيْنِ وَالطَّلَاقَيْنِ، قَوْلَانِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الْإِمَامُ: أَمَّا التَّخْرِيجُ مِنَ الطَّلَاقِ إِلَى الْإِقْرَارِ، فَقَرِيبٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ بَعُدَ فِي النَّقْلِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَشْهَدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، بَلْ شَهِدَ هَذَا عَلَى إِقْرَارٍ، وَذَاكَ عَلَى إِقْرَارٍ آخَرَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الشَّهَادَةِ، زِيَادَةُ التَّوَثُّقِ، وَأَمَّا التَّخْرِيجُ مِنَ الْإِقْرَارِ إِلَى الطَّلَاقِ، فَبَعِيدٌ نَقْلًا وَمَعْنًى؛ لِأَنَّ مَنْ طَلَّقَ الْيَوْمَ، ثُمَّ طَلَّقَ غَدًا، وَالْمَرْأَةُ رَجْعِيَّةٌ، وَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ طَلْقَةً وَاحِدَةً، لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَجْمَعُ بَيْنَ شَهَادَةِ شَاهِدٍ عَلَى طَلَاقِ الْيَوْمِ، وَشَاهِدٍ عَلَى طَلَاقِ الْغَدِ؟ ! وَيَجْرِي التَّخْرِيجُ عَلَى ضَعْفِهِ فِي سَائِرِ الْإِنْشَاءَاتِ وَفِي الْأَفْعَالِ، كَالْقَتْلِ، وَالْقَبْضِ، وَغَيْرِهِمَا.
وَالْمَذْهَبُ
стр. 1784
الْأَوَّلُ، حَتَّى لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَ يَوْمَ السَّبْتِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَ يَوْمَ الْأَحَدِ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ أَنَّهُ يَوْمَ السَّبْتِ قَذَفَهُ، أَوْ قَذَفَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ أَنَّهُ يَوْمَ الْأَحَدِ قَذَفَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ، لَمْ يُلَفِّقْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ بِهِ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ. وَلَوْ شَهِدَ عَدْلٌ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ اقْتَرَضَهُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ اقْتَرَضَهُ يَوْمَ الْأَحَدِ، لَمْ يَثْبُتْ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ، لَكِنْ لِلْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدَهُمَا وَيَسْتَأْنِفَ الدَّعْوَى بِهِ، وَيَحْلِفَ مَعَ الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ، وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُمَا، وَيَحْلِفَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ. وَلَوْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ ثَمَنٍ مَبِيعٍ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مِنْ قَرْضٍ، لَمْ يَثْبُتِ الْأَلْفُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوِ ادَّعَى أَلْفًا، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَمِنَ الْأَلْفَ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ ضَمِنَ خَمْسَمِائَةٍ، فَفِي ثُبُوتِ خَمْسِمِائَةٍ قَوْلَانِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنَ التَّخْرِيجِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ، أَوْ هُوَ هُوَ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ شَاهِدَيِ الْمُدَّعَى عَلَيهِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ اسْتَوْفَى الدَّيْنَ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَبْرَأَهُ، لَمْ يُلَفَّقْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ شَهِدَ الثَّانِي أَنَّهُ بَرِئَ إِلَيهِ مِنْهُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ: يُلَفَّقُ. وَقِيلَ: بِخِلَافِهِ.
فَرْعٌ
ادَّعَى أَلْفَيْنِ، وَشَهِدَ لَهُ عَدْلٌ بِأَلْفَيْنِ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ، ثَبَتَ الْأَلْفُ، وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الشَّاهِدِ بِأَلْفَيْنِ، وَيَأْخُذَ أَلْفَيْنِ. وَكَذَا الْحُكْمُ، لَوْ كَانَتِ الشَّهَادَتَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِثَلَاثِينَ، وَالْآخَرُ بِعِشْرِينَ، ثَبَتَتِ الْعِشْرُونَ كَالْأَلْفِ مَعَ الْأَلْفَيْنِ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا تَثْبُتُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الثَّلَاثِينَ لَا يَشْمَلُ الْعِشْرِينَ،
стр. 1785
وَلَفْظُ الْأَلْفَيْنِ، يَشْمَلُ الْأَلْفَ، فَرُبَّمَا سَمِعَ أَحَدُهُمَا الْأَلْفَ، وَغَفَلَ عَنْ آخِرِهِ. وَلَوِ ادَّعَى أَلْفًا، فَشَهِدَ لَهُ عَدْلٌ بِأَلْفٍ، وَآخَرُ بِأَلْفَيْنِ، فَالثَّانِي شَهِدَ بِالزِّيَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ. وَفِي مَصِيرِهِ بِذَلِكَ مَجْرُوحًا، وَجْهَانِ.
إِنْ لَمْ يَصِرْ مَجْرُوحًا، فَشَهَادَتُهُ بِالزِّيَادَةِ مَرْدُودَةٌ. وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَبْعِيضِ الشَّهَادَةِ، وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِثُبُوتِ الْأَلْفِ، وَخَصَّ الْخِلَافَ فِي التَّبْعِيضِ بِمَا إِذَا اشْتَمَلَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى مَا يَقْتَضِي الرَّدَّ، كَمَا إِذَا شَهِدَ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ. فَأَمَّا إِذَا زَادَ عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ، فَقَوْلُهُ فِي الزِّيَادَةِ لَيْسَ شَهَادَةً، بَلْ هُوَ كَمَا لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكْمُ. وَإِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ مَجْرُوحًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الْأَلْفِ وَيَأْخُذُهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنَّهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِنَّمَا يَصِيرُ مَجْرُوحًا فِي الزِّيَادَةِ، فَأَمَّا الْأَلْفُ الْمُدَّعَى بِهِ، فَلَا حَرَجَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيهِ، لَكِنْ إِذَا رُدَّتِ الشَّهَادَةُ فِي الزَّائِدِ، كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِي الْمُدَّعَى بِهِ عَلَى قَوْلَيِ التَّبْعِيضِ. فَإِنْ لَمْ نُبَعِّضْهَا، فَأَعَادَ الشَّهَادَةَ بِالْأَلْفِ، قُبِلَتْ، لِمُوَافَقَتِهَا الدَّعْوَى، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ الدَّعْوَى عَلَى الْأَصَحِّ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
إِحْدَاهَا: أَقَرَّ بِجَمِيعِ مَا فِي يَدِهِ وَيُنْسَبُ إِلَيهِ، صَحَّ. فَلَوْ تَنَازَعَا فِي شَيْءٍ، هَلْ كَانَ فِي يَدِهِ حِينَئِذٍ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُقِرِّ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ. وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لِي مِمَّا فِي يَدِي إِلَّا أَلْفٌ، صَحَّ وَعُمِلَ بِمُقْتَضَاهُ. وَلَوْ قَالَ: لَا حَقَّ لِي فِي شَيْءٍ مِمَّا فِي يَدِ فُلَانٍ، ثُمَّ ادَّعَى شَيْئًا وَقَالَ: لَمْ أَعْلَمْ كَوْنَهُ فِي يَدِهِ يَوْمَ الْإِقْرَارِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.
стр. 1786
الثَّانِيَةُ: قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِرْهَمٌ أَوْ دِينَارٌ، لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا، وَطُولِبَ بِتَعْيِينِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ أَوْ عَلَى عَمْرٍو، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَكَذَا لَوْ قَالَ عَلَى سَبِيلِ الْإِقْرَارِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَا، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْإِنْشَاءِ، طُلِّقَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا لَا يَقَعُ عَلَيْكَ.
الرَّابِعَةُ: قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَإِلَّا فَلِعَمْرٍو عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ، لَزِمَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ لِزَيْدٍ، وَكَلَامُهُ الْآخَرُ لِلتَّأْكِيدِ.
الْخَامِسَةُ: الْإِقْرَارُ الْمُطْلَقُ، مُلْزِمٌ، وَيُؤَاخَذُ بِهِ الْمُقِرُّ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَخَرَجَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ حَتَّى يُسْأَلَ الْمُقِرُّ عَنْ سَبَبِ اللُّزُومِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالْإِقْرَارُ لَيْسَ مُوجِبًا فِي نَفْسِهِ، وَأَسْبَابُ الْوُجُوبِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا. وَرُبَّمَا ظَنَّ مَا لَيْسَ بِمُوجَبٍ مُوجَبًا، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْجَرْحَ الْمُطْلَقَ لَا يُقْبَلُ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّ فَلَانًا وَارِثُهُ، لَا يُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَ جِهَةَ الْإِرْثِ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: وَهَبْتُ لَكَ كَذَا وَخَرَجْتُ مِنْهُ إِلَيْكَ، فَالْأَصَحُّ أَنْ لَا يَكُونَ مُقِرًّا بِالْإِقْبَاضِ، لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ الْخُرُوجَ مِنْهُ بِالْهِبَةِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَالشَّاشِيُّ: هُوَ إِقْرَارٌ بِالْإِقْبَاضِ؛ لِأَنَّهُ نَسَبَ إِلَى نَفْسِهِ مَا يُشْعِرُ بِالْإِقْبَاضِ بَعْدَ الْعَقْدِ الْمَفْرُوغِ مِنْهُ.
السَّابِعَةُ: أَقَرَّ الْأَبُ بِعَيْنِ مَالٍ لِابْنِهِ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُ إِقْرَارِهِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ مَا لَا يَمْنَعُ وَهُوَ الْهِبَةُ، فَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ؟ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ أَفْتَى الْقَاضِيَانِ: أَبُو الطَّيِّبِ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، تَنْزِيلًا لِلْإِقْرَارِ عَلَى أَضْعَفِ الْمِلْكَيْنِ، وَأَدْنَى السَّبَبَيْنِ، كَمَا يَنْزِلُ عَلَى أَقَلِّ الْمِقْدَارَيْنِ.
وَالثَّانِي: لَا، قَالَهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْمِلْكِ لِلْمُقَرِّ لَهُ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَوَسَّطَ فَيُقَالَ: إِنْ أَقَرَّ بِانْتِقَالِ الْمِلْكِ مِنْهُ إِلَى الِابْنِ، فَالْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ الْقَاضِيَانِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ، فَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْعَبَّادِيُّ.
стр. 1787
الثَّامِنَةُ: أَقَرَّ فِي صَكٍّ بِأَنَّهُ لَا دَعْوَى لَهُ عَلَى زَيْدٍ، وَلَا طَلِبَةَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَلَا بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ بِهِ: فِي عِمَامَتِهِ وَقَمِيصِهِ، لَا فِي دَارِهِ وَبُسْتَانِهِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي يُوسُفَ: هَذَا مَوْضِعُ تَرَدُّدٍ، وَالْقِيَاسُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ تَخْصِيصُ عُمُومٍ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ.
قُلْتُ: هَذَا ضَعِيفٌ وَفَاسِدٌ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ، لَكِنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّ لَهُ تَحْلِيفَ الْمُقَرِّ لَهُ: أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ الْقَاضِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
الْمُقَرُّ بِهِ الْمَجْهُولُ، قَدْ يُعْرَفُ بِغَيْرِ تَفْسِيرِ الْمُقِرِّ، بِأَنْ يُحِيلَهُ عَلَى مُعَرَّفٍ، وَهُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ: لَهُ عَلَيَّ مِنَ الدَّرَاهِمِ بِوَزْنِ هَذِهِ الصَّنْجَةِ، أَوْ بِعَدَدِ الْمَكْتُوبِ فِي كِتَابِ كَذَا، أَوْ بِقَدْرِ مَا بَاعَ بِهِ زَيْدٌ عَبْدَهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَيُرْجَعُ إِلَى مَا أَحَالَ عَلَيهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَذْكُرَ مَا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُهُ بِالْحِسَابِ، فَمِنْ أَمْثِلَتِهِ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا نِصْفَ مَا لِابْنَيْهِ عَلَيَّ، وَلِابْنَيهِ عَلَيَّ أَلْفٌ إِلَّا ثُلُثَ مَا لِزَيْدٍ عَلَيَّ. وَلِمَعْرِفَتِهِ طُرُقٌ. أَحُدُهَا: أَنْ تَجْعَلَ لِزَيْدٍ شَيْئًا، وَتَقُولَ: لِلِابْنَيْنِ أَلْفٌ إِلَّا ثُلُثَ شَيْءٍ، فَيَأْخُذُ نِصْفَهُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ إِلَّا سُدُسَ شَيْءٍ، وَتُسْقِطُهُ مِنَ الْأَلْفِ، يَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ، وَسُدُسُ
стр. 1788
شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ الشَّيْءَ الْمَفْرُوضَ لِزَيْدٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَلْفًا إِلَّا نِصْفَ مَا لِابْنَيْهِ، فَيَسْقُطُ سُدُسُ شَيْءٍ بِسُدُسِ شَيْءٍ، تَبَقَّى خَمْسَةُ أَسْدَاسِ شَيْءٍ فِي مُقَابَلَةِ خَمْسِمِائَةٍ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ التَّامُّ سِتَّمِائَةٍ، وَهِيَ مَا لِزَيْدٍ. فَإِذَا أَخَذْتَ ثُلُثَهَا وَهُوَ مِائَتَانِ، وَأَسْقَطْتَهُ مِنَ الْأَلْفِ، بَقِيَ ثَمَانِمِائَةٍ، وَهِيَ مَا أَقَرَّ بِهِ لِلِابْنَيْنِ.
الثَّانِي: أَنْ تَجْعَلَ لِزَيْدٍ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ لِاسْتِثْنَاءِ الثُّلُثِ مِنْهُ، وَتُسْقِطَ ثُلُثَهَا مِنَ الْأَلْفِ الْمُضَافِ إِلَى الِابْنَيْنِ، فَيَكُونُ لَهُمَا أَلْفٌ يَنْقُصُ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْخُذُ نِصْفَهُ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ تَنْقُصُ نِصْفَ شَيْءٍ، وَتَزِيدُهُ عَلَى مَا فَرَضْنَاهُ لِزَيْدٍ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، يَكُونُ خَمْسَمِائَةٍ وَشَيْئَيْنِ وَنِصْفَ شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، يُسْقِطُ خَمْسَمِائَةٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، تَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ فِي مُقَابَلَةِ شَيْئَيْنِ وَنِصْفِ شَيْءٍ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ مِائَتَيْنِ، وَقَدْ كَانَ لِزَيْدٍ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، فَهُوَ إِذًا سِتُّمِائَةٍ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَقُولَ: أَسْتَثْنِي مِنْ أَحَدِ الْإِقْرَارَيْنِ النِّصْفَ، وَمِنَ الْآخَرِ الثُّلُثَ، فَتَضْرِبُ مُخْرَجَ أَحَدِهِمَا فِي مُخْرَجِ الْآخَرِ فَيَكُونُ سِتَّةً، ثُمَّ تَضْرِبُ فِي الْجُزْءِ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْإِقْرَارَيْنِ، وَكِلَاهُمَا وَاحِدٌ، فَتَضْرِبُ وَاحِدًا فِي وَاحِدٍ، يَكُونُ وَاحِدًا، يَنْقُصُهُ مِنَ السِّتَّةِ، تَبْقَى خَمْسَةٌ تَحْفَظُهَا وَتُسَمِّيهَا الْمَقْسُومَ عَلَيهِ، ثُمَّ تَضْرِبُ مَا تَبَقَّى مِنْ مُخْرَجِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجُزْأَيْنِ بَعْدَ إِسْقَاطِهِ فِي مُخْرَجِ الثَّانِي، وَذَلِكَ بِأَنْ تَضْرِبَ مَا بَقِيَ مِنْ مُخْرَجِ النِّصْفِ بَعْدَ النِّصْفِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، فِي مُخْرَجِ الثُّلُثِ، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ، تَحْصُلُ ثَلَاثَةٌ، تَضْرِبُهَا فِي الْأَلْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْإِقْرَارِ، يَكُونُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ تُقَسِّمُهَا عَلَى الْعَدَدِ الْمَقْسُومِ عَلَيهِ، وَهُوَ خَمْسَةٌ يَخْرُجُ نَصِيبُ الْوَاحِدِ سِتَّمِائَةٍ، فَهِيَ مَا لِزَيْدٍ، وَتَضْرِبُ مَا تَبَقَّى مِنْ مُخْرَجِ الثُّلُثِ بَعْدَ الثُّلُثِ وَهُوَ اثْنَانِ، فِي مُخْرَجِ النِّصْفِ، وَهُوَ اثْنَانِ، يَكُونُ أَرْبَعَةً، تَضْرِبُهَا فِي الْأَلْفِ، يَكُونُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ تُقَسِّمُهَا عَلَى الْخَمْسَةِ، تَخْرُجُ ثَمَانِمِائَةٍ فَهِيَ مَا لِلِابْنَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثُلُثَيْ مَا لِعَمْرٍو، وَلِعَمْرٍو عَشَرَةٌ إِلَّا
стр. 1789
ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ مَا لِزَيْدٍ، تَضْرِبُ الْمُخْرَجَ فِي الْمُخْرَجِ، تَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ، ثُمَّ تَضْرِبُ أَحَدَ الْجُزْأَيْنِ فِي الْآخَرِ، وَهُوَ اثْنَانِ، فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُونُ سِتَّةً، تُسْقِطُهَا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ، تَبَقَّى سِتَّةٌ، ثُمَّ تَضْرِبُ الْبَاقِيَ مِنْ مُخْرَجِ الثُّلُثِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الثُّلُثَيْنِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، فِي أَرْبَعَةٍ، ثُمَّ تَضْرِبُهَا فِي الْعَشَرَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِقْرَارِ، تَكُونُ أَرْبَعِينَ تُقَسِّمُهَا عَلَى السِّتَّةِ، فَتَكُونُ سِتَّةً وَثُلُثَيْنِ، وَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ تَضْرِبُ وَاحِدًا وَهُوَ الْبَاقِي مِنْ مُخْرَجِ الرُّبُعِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْأَرْبَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي ثَلَاثَةٍ، تَكُونُ ثَلَاثَةً تَضْرِبُهَا فِي الْعَشَرَةِ يَكُونُ ثُلُثَيْنِ تُقَسِّمُهَا عَلَى السِّتَّةِ، تَكُونُ خَمْسَةً، وَهُوَ مَا أَقَرَّ بِهِ لِعَمْرٍو. وَلِعِلْمِ أَنَّ الطَّرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، ضَرْبَانِ مُجَرَّبَانِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الصُّوَرِ بِأَسْرِهَا. وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثُ، فَإِنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمَبْلَغُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِقْرَارَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَشَرَةٌ إِلَّا نِصْفَ مَا لِعَمْرٍو، وَلِعَمْرٍو سِتَّةٌ إِلَّا رُبْعَ مَا لِزَيْدٍ، كَانَ مُقِرًّا لِزَيْدٍ بِثَمَانِيَةٍ، وَلِعَمْرٍو بِأَرْبَعَةٍ. وَلَوْ قَالَ: لِزَيْدٍ عَشَرَةٌ إِلَّا نِصْفَ مَا لِعَمْرٍو، وَلِعَمْرٍو عَشَرَةٌ إِلَّا رُبْعَ مَا لِزَيْدٍ، كَانَ مُقِرًّا لِزَيْدٍ بِخَمْسَةٍ وَخَمْسَةِ أَسْبَاعٍ، وَلِعَمْرٍو بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعَةِ أَسْبَاعٍ. وَيَتَصَوَّرُ صُدُورَ كُلِّ إِقْرَارٍ مِنْ شَخْصٍ، بِأَنْ يَدَّعِيَ عَلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو مَالًا، فَيَقُولُ زَيْدٌ: لَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّا نِصْفَ مَا لَكَ عَلَى عَمْرٍو، وَيَقُولُ عَمْرٌو: لَكَ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إِلَّاثُلُثَ مَا لَكَ عَلَى زَيْدٍ، وَطَرِيقُ الْحِسَابِ لَا يَخْتَلِفُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَعْقِيبِ الْإِقْرَارِ بِمَا يُغَيِّرُهُ
هُوَ اسْتِثْنَاءٌ وَغَيْرُهُ. فَالثَّانِي يَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَرْفَعُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِلَى غَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا يَنْتَظِمُ لَفْظًا، فَيَلْغُو، وَإِلَى مَا يَنْتَظِمُ، فَإِنْ كَانَ مَفْصُولًا، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا، فَفِيهِ خِلَافٌ.
وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ مَفْصُولًا، لَا يُقْبَلُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا، فَفِيهِ خِلَافٌ بِالتَّرْتِيبِ، هَذَا حَاصِلُ الْبَابِ. وَإِذَا مَرَّتْ بِكَ مَسَائِلُهُ عَرَفْتَ مِنْ أَيِّ قَبِيلٍ هِيَ. وَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ، فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
стр. 1790
إِحْدَاهَا: قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَإِنْ وَقَعَ قَوْلُهُ: مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، مَفْصُولًا عَنْ قَوْلِهِ: لَهُ أَلْفٌ، لَمْ يُقْبَلْ، وَلَزِمَهُ الْأَلْفُ. وَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا، فَقَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ كَلَامٌ وَاحِدٌ، فَيَعْتَبِرُ جُمْلَةً وَلَا يُبَعَّضُ، فَعَلَى هَذَا لِلْمُقَرِّ لَهُ تَحْلِيفُهُ إِنْ كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ. وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُقْبَلُ، وَيَلْزَمُهُ الْأَلْفُ، وَيُبَعَّضُ إِقْرَارُهُ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَيُلْغَى آخِرُهُ؛ لِأَنَّهُ وَصَلَ بِهِ مَا يَرْفَعُهُ، فَأَشْبَهَ قَوْلُهُ: أَلْفٌ لَا يَلْزَمُنِي. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمُقِرُّ: كَانَ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ، وَظَنَنْتُهُ يَلْزَمُنِي، فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُقَرِّ لَهُ عَلَى نَفْيِهِ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا وَصَلَ بِإِقْرَارِهِ مَا يَنْتَظِمُ لَفْظُهُ فِي الْعَادَةِ، وَلَكِنَّهُ يَبْطُلُ حُكْمُهُ شَرْعًا، بِأَنْ أَضَافَ الْمُقَرُّ بِهِ إِلَى بَيْعٍ فَاسِدٍ، كَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَخِيَارٍ مَجْهُولٍ. أَوْ قَالَ: تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِ فُلَانٍ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ ضَمِنْتُ لِفُلَانٍ كَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَكُنْتُ أَوَدُّ لَوْ فَصَلَ فَاصِلٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُقِرُّ جَاهِلًا بِأَنَّ ثَمَنَ الْخَمْرِ لَا يَلْزَمُ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا، فَيُعْذَرَ الْجَاهِلُ دُونَ الْعَالِمِ، لَكِنْ لَمْ يَصِرْ إِلَيهِ أَحَدٌ مِنَ الْأَصْحَابِ. أَمَّا إِذَا قَدَّمَ الْخَمْرَ فَقَالَ: لَهُ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ عَلَيَّ الْأَلْفُ، لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، إِذَا سَلَّمَهُ سَلَّمْتُ الْأَلْفَ، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ. فَفِي قَوْلٍ: يُقْبَلُ وَلَا يُطَالَبُ بِالْأَلْفِ إِلَّا بَعْدَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ. وَفِي قَوْلٍ: يُؤَاخَذُ بِأَوَّلِ الْإِقْرَارِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ آخِرًا هُنَا لَا يَرْفَعُ الْأَوَّلَ، بِخِلَافِ ثَمَنِ الْخَمْرِ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ فَقَطْ، ثُمَّ قَالَ مَفْصُولًا عَنْهُ: لَمْ أَقْبِضْ ذَلِكَ الْعَبْدَ، قُبِلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِقْرَارَ بِالْعَبْدِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ قَبْضِهِ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفٌ، ثُمَّ قَالَ مَفْصُولًا: هُوَ ثَمَنُ عَبْدٍ لَمْ أَقْبِضْهُ، لَمْ يُقْبَلْ. وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا، بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ هَذَا الْعَبْدِ، أَوْ مِنْ ثَمَنِ عَبْدٍ.
следующие страницы →