Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
فَيُبَاعُ الْمَخْلُوطُ وَيُقَسَّمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، فَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ عَيْنِ الزَّيْتِ عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَةِ، فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفِي قَوْلٍ رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ: يَجُوزُ، وَفِي وَجْهٍ: يُكَلَّفُ الْغَاصِبُ تَسْلِيمَ صَاعٍ مِنَ الْمَخْلُوطِ، لِأَنَّ اكْتِسَابَ الْمَغْصُوبِ صِفَةَ الْجَوْدَةِ بِالْخَلْطِ، كَزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ. وَإِنْ خَلَطَ بِالْأَرْدَأِ بِأَنْ خَلَطَ صَاعًا [قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ بِصَاعٍ] قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ، أَخَذَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ صَاعًا مِنَ الْمَخْلُوطِ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ، لِأَنَّ الْغَاصِبَ مُتَعَدٍّ بِالْخَلْطِ، بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ إِذَا خَلَطَ بِالْأَرْدَإِ، فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا رَجَعَ بِصَاعٍ مِنَ الْمَخْلُوطِ لَا أَرْشَ لَهُ، لِعَدَمِ التَّعَدِّي، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى بَيْعِ الْمَخْلُوطِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ أَثْلَاثًا جَازَ، وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ الزَّيْتِ عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَتَيْنِ، فَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي طُرُقِ الْأَجْوَدِ، وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ قَطْعًا.
فَرْعٌ
خَلْطُ الْخَلِّ بِالْخَلِّ وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ، كَخَلْطِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتِ. وَإِنْ خَلَطَ الدَّقِيقَ بِالدَّقِيقِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مِثْلِيٌّ، فَكَالزَّيْتِ بِالزَّيْتِ. وَإِنْ قُلْنَا: مُتَقَوَّمٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُخْتَلِطُ هَالِكٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْغَاصِبِ الْقِيمَةُ. وَإِنْ قُلْنَا: بِالشَّرِكَةِ، بِيعَ وَقُسِّمَ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ. فَإِنْ أَرَادَ قِسْمَةَ عَيْنِ الدَّقِيقِ عَلَى نِسْبَةِ الْقِيمَتَيْنِ، وَكَانَ الْخَلْطُ بِالْأَجْوَدِ أَوِ الْأَرْدَأِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي خَلْطِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتِ. وَإِنْ كَانَ الْخَلْطُ بِالْمِثْلِ، جَازَتِ الْقِسْمَةُ إِنْ جَعَلْنَاهَا إِفْرَازًا. وَإِنْ جَعَلْنَاهَا بَيْعًا لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ بَيْعَ الدَّقِيقِ بِالدَّقِيقِ لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ
خَلْطُ [الْمَغْصُوبِ] بِغَيْرِ الْجِنْسِ كَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ أَوْ دُهْنِ جَوْزٍ، أَوْ دَقِيقِ حِنْطَةٍ بِدَقِيقِ شَعِيرٍ، فَالْمَغْصُوبُ هَالِكٌ لِبُطْلَانِ فَائِدَةِ خَاصِّيَّتِهِ، بِخِلَافِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ
стр. 1892
السَّابِقِ، وَاخْتَارَ الْمُتَوَلِّي الشَّرِكَةَ هُنَاكَ وَهُنَا، وَقَالَ: إِنْ تَرَاضَيَا عَلَى بَيْعِ الْمَخْلُوطِ وَقِسْمَةِ الثَّمَنِ جَازَ، وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَتَهُ جَازَ، وَكَأَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ بَاعَ مَا يَصِيرُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ مِنَ الزَّيْتِ بِمَا يَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنَ الشَّيْرَجِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَأَلْحَقَ الْأَصْحَابُ بِخَلْطِ الزَّيْتِ بِالشَّيْرَجِ لَتَّ السَّوِيقِ بِالزَّيْتِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَصَبْغِ الثَّوْبِ.
فَرْعٌ
إِذَا لَمْ يَتَعَذَّرِ التَّمْيِيزُ، لَزِمَ الْغَاصِبَ التَّمْيِيزُ وَ فَصْلُ هُ بِالِالْتِقَاطِ وَإِنْ شَقَّ، سَوَاءٌ خَلَطَ الْجِنْسَ كَالْحِنْطَةِ الْبَيْضَاءِ بِالْحَمْرَاءِ، أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ.
فَرْعٌ
إِذَا خَلَطَ الزَّيْتَ بِالْمَاءِ، وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ، لَزِمَهُ التَّمْيِيزُ وَأَرْشُ النَّقْصِ إِنْ نَقَصَ، وَإِلَّا فَهُوَ كَخَلْطِهِ بِالشَّيْرَجِ، إِلَّا أَنْ لَا تَبْقَى لَهُ قِيمَةٌ، فَيَكُونُ هَالِكًا قَطْعًا. فَإِنْ حَصَلَ فِيهِ مُمَيَّزًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ نَقْصٌ سَارَ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ.
فَصْلٌ
إِذَا غَصَبَ خَشَبَةً وَأَدْخَلَهَا فِي بِنَاءٍ، أَوْ بَنَى عَلَيْهَا، أَوْ عَلَى آجُرٍّ مَغْصُوبٍ لَمْ يَمْلِكْهَا، بَلْ عَلَيْهِ إِخْرَاجُهَا وَرَدُّهَا إِلَى الْمَالِكِ مَا لَمْ تَعْفَنْ. فَإِنْ عَفِنَتْ بِحَيْثُ لَوْ أُخْرِجَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ، فَهِيَ هَالِكَةٌ. فَإِذَا أَخْرَجَهَا قَبْلَ الْعَفَنِ وَرَدَّهَا لَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْصِ وَإِنْ نَقَصَتْ. وَفِي الْأُجْرَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي إِبْلَاءِ الثَّوْبِ بِالِاسْتِعْمَالِ. وَلَوْ أَدْخَلَ لَوْحًا مَغْصُوبًا فِي سَفِينَةٍ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُخَفْ مِنَ النَّزْعِ هَلَاكُ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ، بِأَنْ كَانَتْ
стр. 1893
عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ مُرْسَاةً عَلَى الشَّطِّ، أَوْ أَدْخَلَهُ فِي أَعْلَاهَا وَلَمْ يُخَفْ مِنْ نَزْعِهِ غَرَقًا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَفْسٌ وَلَا مَالٌ، وَلَا خِيفَ هَلَاكُ السَّفِينَةِ نَفْسِهَا لَزِمَهُ نَزْعُهُ وَرَدُّهُ، فَإِنْ كَانَ فِي لُجَّةِ [الْبَحْرِ] وَخِيفَ مِنَ النَّزْعِ هَلَاكُ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، سَوَاءٌ كَانَ آدَمِيًّا - الْغَاصِبُ أَوْ غَيْرُهُ - أَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ، لَمْ يَنْزِعْ حَتَّى تَصِلَ الشَّطَّ. وَإِنْ خِيفَ مِنَ النَّزْعِ هَلَاكُ مَالٍ، إِمَّا فِي السَّفِينَةِ، وَإِمَّا [فِي] غَيْرِهَا [فَهُوَ، إِمَّا] لِلْغَاصِبِ، أَوْ لِمَنْ وَضَعَ مَالَهُ فِيهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ فِيهَا لَوْحًا مَغْصُوبًا، [فَإِنْ كَانَ لَهُمَا] فَفِي نَزْعِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: النَّزْعُ، كَمَا يُهْدَمُ الْبِنَاءُ لِرَدِّ الْخَشَبَةِ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ: لَا يُنْزَعُ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ لَا تَدُومُ فِي الْبَحْرِ، فَيَسْهُلُ الصَّبْرُ إِلَى الشَّطِّ. وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِمَا، لَمْ يُنْزَعْ قَطْعًا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَيْثُ لَا يُنْزَعُ إِلَى الشَّطِّ، فَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ إِلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ النَّزْعُ، فَحِينَئِذٍ يَرُدُّ اللَّوْحَ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ وَيَسْتَرِدُّ الْقِيمَةَ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُبَالَى فِي النَّزْعِ بِهَلَاكِ مَالِ الْغَاصِبِ فَاخْتَلَطَتِ الَّتِي فِيهَا اللَّوْحُ بِسُفُنٍ لِلْغَاصِبِ، وَلَا يُوقَفُ عَلَى اللَّوْحِ إِلَّا بِنَزْعِ الْجَمِيعِ، فَهَلْ يُنْزَعُ الْجَمِيعُ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: كَذَا أَطْلَقُوا الْوَجْهَيْنِ بِلَا تَرْجِيحٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَرْجَحُهُمَا عَدَمُ النَّزْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْخَيْطُ الْمَغْصُوبُ إِنْ خِيطَ بِهِ ثَوْبٌ وَنَحْوُهُ، فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْخَشَبَةِ. وَإِنْ خِيطَ بِهِ جُرْحُ حَيَوَانٍ، فَهُوَ قِسْمَانِ. مُحْتَرَمٌ، وَغَيْرُهُ. وَالْمُحْتَرَمُ نَوْعَانِ. آدَمِيٌّ وَغَيْرُهُ.
стр. 1894
أَمَّا الْآدَمِيُّ: فَإِنْ خِيفَ مِنْ نَزْعِهِ هَلَاكُهُ لَمْ يُنْزَعْ، وَعَلَى الْغَاصِبِ قِيمَتُهُ. ثُمَّ إِنْ خَاطَ جُرْحَ نَفْسِهِ، فَالضَّمَانُ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ. وَإِنْ خَاطَ جُرْحَ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْغَصْبِ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْمَجْرُوحِ. وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا أَطْعَمَ الْمَغْصُوبَ رَجُلًا. وَفِي مَعْنَى خَوْفِ الْهَلَاكِ خَوْفُ كُلِّ مَحْذُورٍ يُجَوِّزُ الْعُدُولَ إِلَى التَّيَمُّمِ مِنَ الْوُضُوءِ وِفَاقًا وَخِلَافًا.
وَأَمَّا غَيْرُ الْآدَمِيِّ، فَضَرْبَانِ. مَأْكُولٌ، وَغَيْرُهُ فَغَيْرُهُ، لَهُ حُكْمُ الْآدَمِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ بِبَقَاءِ الشَّيْن [فِيهِ] . وَأَمَّا الْمَأْكُولُ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ لَمْ يُنْزَعْ، وَإِنْ كَانَ لِلْغَاصِبِ فَقَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يُذْبَحُ كَغَيْرِ الْمَأْكُولِ. وَإِذَا مَاتَ الْحَيَوَانُ وَفِيهِ الْخَيْطُ. فَإِنْ كَانَ غَيْرَ آدَمِيٍّ نُزِعَ، وَكَذَا إِنْ كَانَ آدَمِيًّا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُحْتَرَمِ فَلَا يُبَالَى بِهَلَاكِهِ، فَيُنْزَعُ مِنْهُ الْخَيْطُ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ: الْخِنْزِيرُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَكَذَا الْكَلْبُ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ، قَالَهُ الْإِمَامُ. وَكَذَا الْمُرْتَدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَادَّعَى أَنَّ الْأَوْجَهَ: مَنْعُ النَّزْعِ، لِأَنَّ الْمُثْلَةَ بِالْمُرْتَدِّ مُحَرَّمَةٌ، بِخِلَافِ الْمُثْلَةِ بِالْمَيِّتِ، لِأَنَّا نَتَوَقَّعُ عَوْدَ الْمُرْتَدِّ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الْحَرْبِيُّ. وَأَمَّا الزَّانِي الْمُحْصَنُ، وَالْمُحَارِبُ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا مَاتَ وَفِيهِ الْخَيْطُ، لِأَنَّ تَفْوِيتَ رُوحِهِ مُسْتَحَقٌّ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُنْزَعُ، يَجُوزُ غَصْبُ الْخَيْطِ ابْتِدَاءً لِيُخَاطَ بِهِ الْجُرْحُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ خَيْطٌ حَلَالٌ. وَحَيْثُ قُلْنَا: يُنْزَعُ، لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: وَحَيْثُ بَلِيَ الْخَيْطُ، فَلَا نَزْعَ مُطْلَقًا، بَلْ تَجِبُ الْقِيمَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1895
فَرْعٌ
حَصَلَ فَصِيلُ رَجُلٍ فِي بَيْتِ رَجُلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ إِخْرَاجُهُ إِلَّا بِنَقْضِ الْبِنَاءِ، فَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْبَيْتِ، بِأَنْ غَصَبَهُ وَأَدْخَلَهُ، نُقِضَ وَلَمْ يَغْرَمْ صَاحِبُ الْفَصِيلِ شَيْئًا. وَإِنْ كَانَ بِتَفْرِيطِ صَاحِبِ الْفَصِيلِ، نُقِضَ الْبِنَاءُ، وَلَزِمَهُ أَرْشُ النَّقْضِ. وَإِنْ دَخَلَ بِنَفْسِهِ نُقِضَ أَيْضًا، وَلَزِمَ صَاحِبَ الْفَصِيلِ أَرْشُ النَّقْصِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. ثَانِيهِمَا: لَا أَرْشَ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
وَقَعَ دِينَارٌ فِي مَحْبَرَةٍ، وَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِكَسْرِهَا، فَإِنْ وَقَعَ بِفِعْلِ صَاحِبِ الْمَحْبَرَةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا كُسِرَتْ، وَلَا غُرْمَ عَلَى صَاحِبِ الدِّينَارِ، وَإِنْ وَقَعَ بِفِعْلِ صَاحِبِهِ، أَوْ بِلَا تَفْرِيطٍ مِنْ أَحَدٍ كُسِرَتْ، وَعَلَى صَاحِبِهِ الْأَرْشُ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: إِذَا لَمْ يُفَرِّطُ أَحَدٌ، وَالْتَزَمَ صَاحِبُ الْمَحْبَرَةِ ضَمَانَ الدِّينَارِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُكْسَرَ، لِزَوَالِ الضَّرَرِ بِذَلِكَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ عَائِدٌ فِي صُورَةِ الْبَيْتِ وَالْفَصِيلِ.
فَرْعٌ
أَدْخَلَتْ بَهِيمَةٌ رَأْسَهَا فِي قِدْرٍ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِكَسْرِهَا، فَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَهُوَ مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الْحِفْظِ. فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَتِ الْقِدْرُ، وَعَلَيْهِ أَرْشُ النَّقْصِ. وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، فَفِي ذَبْحِهَا وَجْهَانِ، كَمَسْأَلَةِ الْخَيْطِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، فَإِنْ فَرَّطَ صَاحِبُ الْقِدْرِ، بِأَنْ وَضَعَ الْقِدْرَ فِي مَوْضِعٍ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ كُسِرَتْ، وَلَا أَرْشَ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ كُسِرَتْ، وَغَرِمَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ الْأَرْشَ، وَلَمْ
стр. 1896
يَذْكُرُوا هَذَا التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْفَصِيلِ، وَالْوَجْهُ: التَّسْوِيَةُ.
فَرْعٌ
سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَوْلُ فِي أَنَّ مَا تُتْلِفُهُ الْبَهِيمَةُ، مَتَى يَضْمَنُهُ مَالِكُهَا فِي بَابِهِ. فَإِذَا ابْتَلَعَتْ شَيْئًا وَاقْتَضَى الْحَالُ الضَّمَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مِمَّا يَفْسَدُ بِالِابْتِلَاعِ، ضَمِنَهُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَفْسَدُ كَاللُّؤْلُؤِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ، لَمْ تُذْبَحْ، وَغَرِمَ قِيمَةَ الْمُبْتَلَعِ لِلْحَيْلُولَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، فَفِي ذَبْحِهَا الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ بَهِيمَةً بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ فَابْتَلَعَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَقْبُوضًا انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَهَذِهِ بَهِيمَةٌ لِبَائِعِهَا ابْتَلَعَتْ مَالَ الْمُشْتَرِي، إِلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ الْحَالُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ، فَيَسْتَقِرُّ الْعَقْدُ، وَيَكُونُ مَا جَرَى قَبْضًا لِلثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِتْلَافَ الْمُشْتَرِي قَبْضٌ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مَقْبُوضًا، لَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ، وَهَذِهِ بَهِيمَةٌ لِلْمُشْتَرِي ابْتَلَعَتْ مَالَ الْبَائِعِ.
فَصْلٌ
غَصَبَ زَوْجَيْ خُفٍّ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةٌ، فَرَدَّ أَحَدَهُمَا وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَةٌ، وَتَلِفَ الْآخَرُ، لَزِمَهُ سَبْعَةٌ قَطْعًا، لِأَنَّ بَعْضَ الْمَغْصُوبِ تَلِفَ، وَبَعْضُهُ نَقَصَ. وَلَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمَا، أَوْ غَصَبَهُ وَحْدَهُ وَتَلِفَ، وَعَادَتْ قِيمَةُ الْبَاقِي إِلَى ثَلَاثَةٍ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: يَلْزَمُهُ سَبْعَةٌ. وَأَصَحُّهَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْبَغَوِيِّ: خَمْسَةٌ، كَمَا
стр. 1897
لَوْ أَتْلَفَ رَجُلٌ أَحَدَهُمَا وَآخَرُ الْآخَرَ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَضْمَنُ خَمْسَةً. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، لِأَنَّهَا قِيمَةُ مَا أَتْلَفَهُ. وَلَوْ أَخَذَ أَحَدَهُمَا بِالسَّرِقَةِ، وَقِيمَتُهُ مَعَ نَقْصِ الْبَاقِي نِصَابٌ لَمْ يُقْطَعْ بِلَا خِلَافٍ.
قُلْتُ: الْأَقْوَى، مَا صَحَّحَهُ الْإِمَامُ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَيُخَالِفُ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَالِكِ هُنَاكَ. وَصُورَتُهُ: أَنَّهُمَا أَتْلَفَاهُمَا دُفْعَةً وَاحِدَةً. فَإِنْ تَعَاقَبَا، لَزِمَ الثَّانِيَ ثَلَاثَةٌ. وَفِي الْأَوَّلِ الْخِلَافُ. وَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى إِذَا غَصَبَهُمَا مَعًا وَجْهٌ فِي التَّنْبِيهِ وَالتَّتِمَّةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِ الْغَاصِبِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: إِذَا اتَّجَرَ الْغَاصِبُ فِي الْمَالِ الْمَغْصُوبِ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَهُ أَوِ اشْتَرَى بِعَيْنِهِ، فَالتَّصَرُّفُ بَاطِلٌ. وَإِنْ بَاعَ سَلَمًا أَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّمَ الْمَغْصُوبَ فِيهِ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَالتَّسْلِيمُ فَاسِدٌ، فَلَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِمَّا الْتَزَمَ، وَيَمْلِكُ الْغَاصِبُ مَا أَخَذَ، وَأَرْبَاحُهُ لَهُ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّ بَيْعَهُ وَالشِّرَاءَ بِعَيْنِهِ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ. فَإِنْ أَجَازَ، فَالرِّبْحُ لَهُ. وَكَذَا إِذَا الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّمَ الْمَغْصُوبَ، تَكُونُ الْأَرْبَاحُ لِلْمَالِكِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي الْبَيْعِ، وَيَتِمُّ شَرْحُهَا فِي الْقِرَاضِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْغَرَضُ هُنَا، أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ بَعْدَهَا مُفَرَّعٌ عَلَى الْجَدِيدِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.
الثَّانِيَةُ: وَطِئَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَةَ، فَإِنْ كَانَا جَاهِلَيْنِ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِلسَّيِّدِ، وَكَذَا أَرْشُ الْبَكَارَةِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا. ثُمَّ هَلْ يُفْرَدُ الْأَرْشُ فَنَقُولُ: عَلَيْهِ مَهْرُ ثَيِّبٍ وَالْأَرْشُ؟ أَمْ لَا يُفْرَدُ، فَنَقُولُ: مَهْرُ بِكْرٍ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: إِنِ اخْتَلَفَ الْمِقْدَارُ بِالِاعْتِبَارَيْنِ وَجَبَ الزَّائِدُ، وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِالتَّحْرِيمِ،
стр. 1898
نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ مُكْرَهَةً، فَعَلَى الْغَاصِبِ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ، وَيَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا. وَإِنْ كَانَتْ طَائِعَةً، فَعَلَيْهِمَا الْحَدُّ، وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَشْهُورِ. وَيَجِبُ أَرْشُ الْبَكَارَةِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا إِذَا قُلْنَا: يُفْرَدُ عَنِ الْمَهْرِ، وَإِلَّا فَفِي وُجُوبِ الزَّائِدِ عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ كَمَا لَوْ زَنَتِ الْحُرَّةُ وَهِيَ طَائِعَةٌ وَهِيَ بِكْرٌ. وَالثَّانِي: يَجِبُ، كَمَا لَوْ أَذِنَتْ فِي قَطْعِ طَرَفٍ مِنْهَا. وَإِنْ كَانَ الْغَاصِبُ عَالِمًا دُونَهَا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا وَالْمَهْرُ. وَإِنْ كَانَتْ عَالِمَةً دُونَهُ، فَعَلَيْهَا الْحَدُّ دُونَهُ إِنْ طَاوَعَتْهُ، وَيَجِبُ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ. ثُمَّ الْجَهْلُ بِتَحْرِيمِ الْوَطْءِ، قَدْ يَكُونُ لِلْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الزِّنَا مُطْلَقًا، وَقَدْ يَكُونُ لِتَوَهُّمِ حَلِّهَا خَاصَّةً لِدُخُولِهَا بِالْغَصْبِ فِي ضَمَانِهِ، وَلَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُمَا إِلَّا مِنْ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، أَوْ مِمَّنْ نَشَأَ فِي مَوْضِعٍ بَعِيدٍ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ يَكُونُ لِاشْتِبَاهِهِمَا عَلَيْهِ وَظَنِّهِ أَنَّهَا جَارِيَتُهُ فَلَا يُشْتَرَطُ لِقَبُولِ دَعْوَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وَطِئَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ، فَالْقَوْلُ فِي وَطْئِهِ فِي حَالَتَيِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْغَاصِبِ، إِلَّا أَنَّ جَهْلَ الْمُشْتَرِي قَدْ يَنْشَأُ مِنَ الْجَهْلِ بِكَوْنِهَا مَغْصُوبَةً أَيْضًا، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي دَعْوَاهُ الشَّرْطُ السَّابِقُ، وَإِذَا غَرِمَ الْمُشْتَرِي الْمَهْرَ، فَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي رُجُوعِهِ [بِهِ] عَلَى الْغَاصِبِ.
وَهَلْ لِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْغَاصِبِ بِهِ ابْتِدَاءً؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ. وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ سَوَاءٌ قُلْنَا: يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالْمَهْرِ عَلَى الْغَاصِبِ أَمْ لَا. وَقَالَ: إِذَا قُلْنَا: لَا رُجُوعَ، فَظَاهِرُ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ. وَإِذَا قُلْنَا بِالرُّجُوعِ، فَالظَّاهِرُ الْمُطَالَبَةُ، لِاسْتِقْرَارِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، وَطَرْدُ الْخِلَافِ فِي مُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِالْمَهْرِ إِذَا وُطِئَتْ بِالشُّبْهَةِ.
стр. 1899
فَرْعٌ
إِذَا تَكَرَّرَ وَطْءُ الْغَاصِبِ أَوِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْجَهْلِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا مَهْرٌ، لِأَنَّ الْجَهْلَ شُبْهَةٌ وَاحِدَةٌ مُطَّرِدَةٌ، فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ مِرَارًا. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا وَجَبَ الْمَهْرُ، لِكَوْنِهَا مُكْرَهَةً. أَوْ قُلْنَا بِالْوُجُوبِ مَعَ طَاعَتِهَا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: الِاكْتِفَاءُ بِمَهْرٍ. وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَهْرٌ. وَإِنْ وَطِئَهَا مَرَّةً عَالِمًا، وَمَرَّةً جَاهِلًا وَجَبَ مَهْرَانِ.
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا، فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْوَطْءُ مُحْبِلًا.
[أَمَّا] إِذَا أَحْبَلَ الْغَاصِبُ أَوِ الْمُشْتَرِي مِنْهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ لِلْمَالِكِ غَيْرُ نَسِيبٍ، لِكَوْنِهِ زَانِيًا. فَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا، فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْغَاصِبِ، أَوْ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ، فَبَدَلُهُ لِسَيِّدِهِ، أَوْ بِلَا جِنَايَةٍ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ عَلَى الْغَاصِبِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ: الْوُجُوبُ، لِثُبُوتِ الْيَدِ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْأُمِّ، وَبِهِ قَالَ الْأَنْمَاطِيُّ وَابْنُ سَلَمَةَ وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ. وَبِالْمَنْعِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامُ، وَالْبَغَوِيُّ، لِأَنَّ جِنَايَتَهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ، وَسَبَبُ الضَّمَانِ هَلَاكُ رَقِيقٍ تَحْتَ يَدِهِ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي حَمْلِ الْبَهِيمَةِ الْمَغْصُوبَةِ إِذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَهُوَ قِيمَتُهُ يَوْمَ الِانْفِصَالِ لَوْ كَانَ حَيًّا فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَالْبَهِيمَةِ جَمِيعًا، وَخَرَّجَ الْإِمَامُ وَجْهًا فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِعُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، تَنْزِيلًا لِلْغَاصِبِ مَنْزِلَةَ الْجَانِي. أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَاطِئُ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَالْوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ لِمَالِكِ الْجَارِيَةِ يَوْمَ الِانْفِصَالِ إِنِ انْفَصَلَ حَيًّا.
стр. 1900
فَإِنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِنَفْسِهِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِجِنَايَةٍ، فَعَلَى الْجَانِي ضَمَانُهُ، وَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ الْغَاصِبِ، لِأَنَّ لَهُ بَدَلَهُ فَقُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي الْغُرَّةُ، وَلِلْمَالِكِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ. فَإِنِ اسْتَوَيَا، ضَمِنَ الْغَاصِبُ لِلْمَالِكِ عُشْرَ قِيمَةِ الْأُمِّ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْغُرَّةِ أَكْثَرَ، فَكَذَلِكَ، وَالزِّيَادَةُ تَسْتَقِرُّ لَهُ بِحَقِّ الْإِرْثِ. وَإِنْ نَقَصَتِ الْغُرَّةُ عَنِ الْعُشْرِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمَالِكِ تَمَامَ الْعُشْرِ. وَالثَّانِي: لَا يَضْمَنُ إِلَّا قَدْرَ الْغُرَّةِ. وَلَوِ انْفَصَلَ مَيِّتًا بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَلَوْ أَحْبَلَ الْغَاصِبُ وَمَاتَ وَتَرَكَ أَبَاهُ، ثُمَّ انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا بِجِنَايَةٍ، فَالْغُرَّةُ لِجَدِّ الطِّفْلِ.
ثُمَّ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ يَضْمَنُ لِلْمَالِكِ مَا كَانَ يَضْمَنُهُ الْغَاصِبُ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَ الْغَاصِبِ أُمُّ أُمِّ الْجَنِينِ، فَوَرِثَتْ سُدُسَ الْغُرَّةِ، قُطِعَ النَّظَرُ عَنْهُ، وَنُظِرَ إِلَى عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ وَخَمْسَةِ أَسْدَاسِ الْغُرَّةِ، وَكَأَنَّهَا كُلُّ الْغُرَّةِ، وَالْجَوَابَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَرَأَى الْإِمَامُ إِثْبَاتَ احْتِمَالَيْنِ فِي الصُّورَتَيْنِ يُنْظَرُ فِي أَحَدِهِمَا، إِلَى أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْغُرَّةَ، يَنْبَغِي أَنْ يَضْمَنَ لِلْمَالِكِ. وَيُسْتَبْعَدُ فِي الْآخَرِ تَضْمِينُ مَنْ لَمْ يَغْصِبْ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْغُرَّةُ تَجِبُ مُؤَجَّلَةً، وَإِنَّمَا يَغْرَمُ الْغَاصِبُ عُشْرَ قِيمَةِ الْأُمِّ إِذَا أَخَذَ الْغُرَّةَ. وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِيهِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي الْوَلَدِ الْمَحْكُومِ بِحُرِّيَّتِهِ.
وَفِي وَجْهٍ: لَا يُنْظَرُ إِلَى عُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ، بَلْ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ لَوِ انْفَصَلَ حَيًّا. وَفِي وَجْهٍ: يَغْرَمُ الْغَاصِبُ لِلْمَالِكِ أَكْثَرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ وَالْغُرَّةِ. وَدَعْوَى الْجَهْلِ فِي هَذَا كَدَعْوَاهُ إِذَا لَمْ تَحْبَلْ عَلَى مَا سَبَقَ. وَحَكَى الْمَسْعُودِيُّ خِلَافًا فِي قَبُولِهَا لِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَإِنْ قَبِلَتْ لِدَفْعِ الْحَدِّ. وَيَجِبُ فِي حَالَتَيِ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ أَرْشُ نَقْصِ الْجَارِيَةِ إِنْ نَقَصَتْ بِالْوِلَادَةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ وَجَبَ أَقْصَى الْقِيَمِ، وَدَخَلَ فِيهِ نَقْصُ الْوِلَادَةِ وَأَرْشُ الْبَكَارَةِ. وَلَوْ رَدَّهَا وَهِيَ حُبْلَى، فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمَالِكِ بِالْوِلَادَةِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَطَّانُ فِي «الْمُطَارَحَاتِ» : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَتْ بِوِلَادَةِ وَلَدِهِ. وَنَقَلَ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ قَوْلَيْنِ، وَأَطْلَقَ الْمُتَوَلِّي الْقَوْلَيْنِ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ.
стр. 1901
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: قَوْلُ الْمُتَوَلِّي: وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ لَوْ وَطِئَ الْغَاصِبُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، فَحَيْثُ قُلْنَا: لَا مَهْرَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَةِ الْبُضْعِ. وَفِي قِيمَةِ الْوَلَدِ طَرِيقَانِ. قِيلَ: كَالْمَهْرِ، وَقِيلَ: تَجِبُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِالْإِذْنِ فِي الْإِحْبَالِ.
فَصْلٌ
فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ إِذَا غَرَّمَهُ الْمَالِكُ
وَفِيهِ فُرُوعٌ:
الْأَوَّلُ: إِذَا تَلِفَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، ضَمِنَ قِيمَتَهَا أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ قَبْضِهَا إِلَى التَّلَفِ، وَلَا يَضْمَنُ زِيَادَةً كَانَتْ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» : أَنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الْمَغْرُومِ بِمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الثَّمَنِ، سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ رَخِيصًا أَمْ زَادَتْ قِيمَتُهُ، وَهُوَ شَاذٌّ.
الثَّانِي: إِذَا تَعَيَّبَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِعَمًى أَوْ شَلَلٍ أَوْ نَحْوِهِمَا، فَإِنْ كَانَ بِفِعْلِ الْمُشْتَرِي، اسْتَقَرَّ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَ الْجَمِيعَ. وَإِنْ كَانَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْأَكْثَرُونَ.
الثَّالِثُ: مَنَافِعُ الْمَغْصُوبِ، يَضْمَنُهَا الْمُشْتَرِي لِلْمَالِكِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهَا، سَوَاءٌ اسْتَوْفَاهَا بِالسُّكُونِ وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا، أَمْ فَاتَتْ تَحْتَ يَدِهِ، وَلَا يَرْجِعُ بِمَا اسْتَوْفَاهُ،
стр. 1902
وَلَا بِالْمَهْرِ وَأَرْشِ الْبَكَارَةِ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ، وَيَرْجِعُ بِمَا تَلِفَ تَحْتَ يَدِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعُ: لَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ الْمُنْعَقِدِ حُرًّا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. وَيَرْجِعُ بِأَرْشِ نَقْصِ الْوِلَادَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَلَوْ وَهَبَ الْجَارِيَةَ الْمَغْصُوبَةَ، فَاسْتَوْلَدَهَا الْمُتَّهَبُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَغَرِمَ قِيمَةَ الْوَلَدِ، فَفِي رُجُوعِهِ بِهَا وَجْهَانِ.
الْخَامِسُ: إِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي أَوْ غَرَسَ فِي الْمَغْصُوبَةِ، فَجَاءَ الْمَالِكُ وَنَقَضَ، رَجَعَ بِأَرْشِ النُّقْصَانِ عَلَى الْغَاصِبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الْعَبْدِ وَمَا أَدَّى مِنْ خَرَاجِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الشِّرَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَضْمَنُهُمَا.
السَّادِسُ: لَوْ زَوَّجَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَةَ، فَوَطِئَهَا الزَّوْجُ جَاهِلًا، غَرِمَ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلْمَالِكِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، لِأَنَّهُ شَرَعَ فِيهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ الْمَهْرَ. فَلَوِ اسْتَخْدَمَهَا الزَّوْجُ، وَغَرِمَ الْأُجْرَةَ، لَمْ يَرْجِعْ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّطْهُ بِالتَّزْوِيجِ عَلَى الِاسْتِخْدَامِ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ، وَيَرْجِعُ بِغُرْمِ الْمَنَافِعِ التَّالِفَةِ تَحْتَ يَدِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِهَا، وَلَمْ يَشْرَعْ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ. وَالْقَوْلُ فِي قِيمَتِهَا لَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ سَبَقَ، فَإِنْ غَرِمَهَا رَجَعَ بِهَا. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَضَابِطُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنْ يُنْظَرَ فِيمَا غَرِمَهُ مَنْ أَثْبَتَ يَدَهُ عَلَى [يَدِ] الْغَاصِبِ جَاهِلًا. فَإِنْ دَخَلَ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ، لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ شَرَعَ عَلَى أَنْ لَا يَضْمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ مَا يُقَابِلُهُ رَجَعَ بِهِ. وَإِنِ اسْتَوْفَاهُ، فَقَوْلَانِ: فَلَوْ غَصَبَ شَاةً فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَوْ شَجَرَةً فَأَثْمَرَتْ، فَأَكَلَ فَائِدَتَهُمَا، وَغَرِمَهُمَا لِلْمَالِكِ فَفِي رُجُوعِهِ بِمَا غَرِمَ عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلَانِ: كَالْمَهْرِ. وَإِنْ هَلَكَتْ تَحْتَ يَدِهِ، فَهِيَ كَالْمَنَافِعِ الَّتِي لَمْ
стр. 1903
يَسْتَوْفِهَا، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الْأَكْسَابِ.
وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيِّتًا، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَكَذَا إِذَا انْفَصَلَ مَيِّتًا فِي يَدِ الْغَاصِبِ. وَلَوِ اسْتَرْضَعَ الْمُشْتَرِي الْجَارِيَةَ فِي وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ غَيْرِهِ، وَغَرِمَ أُجْرَةَ مِثْلِهَا، فَفِي رُجُوعِهِ بِهَا قَوْلَانِ، كَالْمَهْرِ، وَيَغْرَمُ الْمُشْتَرِي اللَّبَنَ وَإِنِ انْصَرَفَ إِلَى سَخْلَتِهَا وَعَادَ نَفْعُهُ إِلَى الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ غَصَبَ عَلَفًا وَعَلَفَ بِهِ بَهِيمَةَ مَالِكِهِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ عَلَى أَنْ يَضْمَنَهُ، وَلَا عَادَ نَفْعُهُ إِلَيْهِ. وَلَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ، غَرِمَ الْمُسْتَأْجِرُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِلْمَالِكِ، وَلَمْ يَرْجِعْ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ، وَيَسْتَرِدُّ الْمُسَمَّى. وَلَوْ أَعَارَهَا، رَجَعَ الْمُسْتَعِيرُ بِمَا غَرِمَ لِلْمَنَافِعِ الْفَائِتَةِ تَحْتَ يَدِهِ. وَفِي الرُّجُوعِ بِمَا غَرِمَهُ لِلْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ الْقَوْلَانِ. وَكَذَا مَا غَرِمَ لِلْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِاسْتِعْمَالِ.
فَرْعٌ
كُلُّ مَا لَوْ غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ. فَإِذَا طُولِبَ بِهِ الْغَاصِبُ وَغَرِمَهُ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكُلُّ مَا [لَوْ] غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ، فَإِذَا غَرِمَهُ الْغَاصِبُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْمُشْتَرِي مِمَّنْ أُثْبِتَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ.
فَرْعٌ
لَوْ نَقَصَتِ الْجَارِيَةُ بِالْوِلَادَةِ، وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ تَفِي قِيمَتُهُ بِنَقْصِهَا، لَمْ يَنْجَبِرْ بِهِ النَّقْصُ، بَلْ يَأْخُذُ الْوَلَدَ وَالْأَرْشَ.
стр. 1904
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ
إِحْدَاهَا: حَمَّالٌ تَعِبَ بِخَشَبَةٍ، فَأَسْنَدَهَا إِلَى جِدَارِ رَجُلٍ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ مَالِكُهُ ضَمِنَ الْجِدَارَ إِنْ وَقَعَ بِإِسْنَادِهِ، وَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِوُقُوعِهِ عَلَيْهِ. وَإِنْ وَقَعَتِ الْخَشَبَةُ وَأَتْلَفَتْ شَيْئًا، ضَمِنَ إِنْ وَقَعَتْ فِي الْحَالِ. وَإِنْ وَقَعَتْ بَعْدَ سَاعَةٍ، لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ كَانَ الْجِدَارُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَقَدْ أَذِنَ فِي إِسْنَادِهَا إِلَيْهِ، فَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَقَعَ الْخَشَبَةُ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ سَاعَةٍ، كَفَتْحِ رَأْسِ الزِّقِّ.
الثَّانِيَةُ: غَصَبَ دَارًا فَنَقَضَهَا وَأَتْلَفَ النَّقْضَ، ضَمِنَ النَّقْضَ وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَرْصَةِ. وَهَلْ يَغْرَمُ أُجْرَةَ مِثْلِهَا دَارًا إِلَى وَقْتِ النَّقْضِ، أَمْ إِلَى وَقْتِ الرَّدِّ؟ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: غَصَبَ شَاةً وَأَنْزَى عَلَيْهَا فَحْلًا، فَالْوَلَدُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ. وَلَوْ غَصَبَ فَحْلًا وَأَنْزَاهُ عَلَى شَاتِهِ، فَالْوَلَدُ لِلْغَاصِبِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْإِنْزَاءِ. فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ، غَرِمَ الْأَرْشَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ وُجُوبُ شَيْءٍ لِلْإِنْزَاءِ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الِاسْتِئْجَارِ لَهُ.
قُلْتُ: هَذَا التَّفْرِيعُ، لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنَّمَا فَرَّعُوهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: غَصَبَ جَارِيَةً نَاهِدًا فَتَدَلَّى ثَدْيُهَا، أَوْ عَبْدًا شَابًّا فَشَاخَ، أَوْ أَمْرَدَ فَالْتَحَى، ضَمِنَ النُّقْصَانَ.
الْخَامِسُ: غَصَبَ خَشَبَةً فَاتَّخَذَ مِنْهَا أَبْوَابًا وَسَمَّرَهَا بِمَسَامِيرِهِ. نَزَعَ الْمَسَامِيرَ، فَإِنْ
стр. 1905
نَقَصَتِ الْأَبْوَابُ بِهِ ضَمِنَ الْأَرْشَ. وَلَوْ بَدَّلَهَا فَفِي إِجْبَارِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ عَلَى قَبُولِهَا وَجْهَانِ سَبَقَ نَظَائِرُهُمَا.
السَّادِسَةُ: غَصَبَ ثَوْبًا وَنَجَّسَهُ، أَوْ تَنَجَّسَ عِنْدَهُ، لَا يَجُوزُ لَهُ تَطْهِيرُهُ، وَلَا لِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ تَطْهِيرَهُ. فَإِنْ غَسَلَهُ فَنَقَصَ ضَمِنَ النَّقْصَ. وَلَوْ رَدَّهُ نَجِسًا، فَمُؤْنَةُ التَّطْهِيرِ عَلَى الْغَاصِبِ. وَكَذَا أَرْشُ النَّقْصِ اللَّازِمِ مِنْهُ، وَتَنْجِيسُ الْمَائِعِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ إِهْلَاكٌ. وَتَنْجِيسُ الدُّهْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى إِمْكَانِ تَطْهِيرِهِ. إِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَهُوَ كَالثَّوْبِ.
السَّابِعَةُ: غَصَبَ مِنَ الْغَاصِبِ، فَأَبْرَأَ الْمَالِكُ الْأَوَّلَ عَنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ صَحَّ الْإِبْرَاءُ، لِأَنَّهُ مُطَالَبٌ بِقِيمَتِهِ فَهُوَ كَدَيْنٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ مَلَّكَهُ الْعَيْنَ الْمَغْصُوبَةَ بَرِئَ، وَانْقَلَبَ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي حَقًّا لَهُ. وَإِنْ بَاعَهُ لِغَاصِبِ الْغَاصِبِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَأَذِنَ فِي الْقَبْضِ بَرِئَ الْأَوَّلُ. وَإِنْ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الثَّانِي وَقُلْنَا: يَصِيرُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ بَرِئَ الْأَوَّلُ أَيْضًا. وَإِنْ رَهَنَهُ عِنْدَ الثَّانِي، لَمْ يَبْرَأْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا.
الثَّامِنَةُ: إِذَا رَدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، أَوْ وَلِيِّهِ، بَرِئَ. وَلَوْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: بَرِئَ أَيْضًا إِذَا عَلِمَ الْمَالِكُ بِهِ أَوْ أَخْبَرَهُ مَنْ يَعْتَمِدُ خَبَرَهُ، وَلَا يَبْرَأُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْإِخْبَارِ. وَلَوِ امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنَ الِاسْتِرْدَادِ رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ.
التَّاسِعَةُ: لَوْ أَبْرَأَ الْمَالِكُ غَاصِبَ الْغَاصِبِ عَنِ الضَّمَانِ، بَرِئَ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْقَرَارَ عَلَى الثَّانِي، وَالْأَوَّلُ كَالضَّامِنِ، كَذَا قَالَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ بَعْدَ تَلَفِ الْمَالِ فَبَيِّنٌ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ فَيَخْرُجُ عَلَى صِحَّةِ إِبْرَاءِ الْغَاصِبِ مَعَ بَقَاءِ الْمَالِ فِي يَدِهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 1906
قُلْتُ: لَوْ غَصَبَ مِسْكًا أَوْ عَنْبَرًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّا يُقْصَدُ شَمُّهُ، وَمَكَثَ عِنْدَهُ، لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ كَالثَّوْبِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا.
[وَلَوْ طَرَحَ فِي الْمَسْجِدِ غَلَّةً أَوْ غَيْرَهَا وَأَغْلَقَهُ لَزِمَهُ أُجْرَةُ جَمِيعِهِ. وَإِنْ لَمْ يُغْلِقْهُ، لَكِنْ شَغَلَ زَاوِيَةً مِنْهُ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مَا شَغَلَهُ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْمَسْأَلَةِ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى، قَالَ: وَكَمَا يَضْمَنُ أَجْزَاءَ الْمَسْجِدِ بِالْإِتْلَافِ، يَضْمَنُ مَنْفَعَتَهُ بِإِتْلَافِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1907
كِتَابُ الشُّفْعَةِ
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا تَثْبُتُ بِهِ الشُّفْعَةُ. وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ.
الْأَوَّلُ: الْمَأْخُوذُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ عَقَارًا قَالَ الْأَصْحَابُ: الْأَعْيَانُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: الْمَنْقُولَاتُ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا سَوَاءٌ بِيعَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الْأَرْضِ. الثَّانِي: الْأَرْضُ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا سَوَاءٌ بِيعَ الشِّقْصُ مِنْهَا وَحْدَهُ أَمْ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ.
الثَّالِثُ: مَا كَانَ مَنْقُولًا ثُمَّ أُثْبِتَ فِي الْأَرْضِ لِلدَّوَامِ كَالْأَبْنِيَةِ وَالْأَشْجَارِ، فَإِنْ بِيعَتْ مُنْفَرِدَةً فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ بِيعَتِ الْأَرْضُ وَحْدَهَا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا وَصَارَ الشَّفِيعُ مَعَهُ كَالْمُشْتَرِي. وَإِنْ بِيعَتِ الْأَبْنِيَةُ وَالْأَشْجَارُ مَعَ الْأَرْضِ، إِمَّا صَرِيحًا وَإِمَّا عَلَى قَوْلِنَا: تَسْتَتْبِعُهَا. ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا تَبَعًا لِلْأَرْضِ.
فَلَوْ كَانَ عَلَى الشَّجَرَةِ ثَمَرَةٌ مُؤَبَّرَةٌ، وَأُدْخِلَتْ فِي الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهَا الشُّفْعَةُ، لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ فِي الْأَرْضِ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْأَرْضَ وَالنَّخِيلَ بِحِصَّتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ، دَخَلَتْ فِي الْبَيْعِ شَرْعًا، وَهَلْ لِلشَّفِيعِ أَخْذُهَا؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ لَمْ يَتَّفِقِ الْأَخْذُ حَتَّى تَأَبَّرَتْ أَخَذَهَا أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: لَا يَأْخُذُهَا. فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ كَالْمُؤَبَّرَةِ. وَالثَّانِي: بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ عَيْبٍ يَحْدَثُ. وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلُ حَائِلَةً عِنْدَ الْبَيْعِ، ثُمَّ حَدَثَتِ الثَّمَرَةُ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ كَانَتْ مُؤَبَّرَةً، لَمْ يَأْخُذْهَا، وَإِلَّا أَخَذَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِذَا بَقِيَتِ الثِّمَارُ لِلْمُشْتَرِي لَزِمَ الشَّفِيعَ إِبْقَاؤُهَا إِلَى الْإِدْرَاكِ. وَهَذَا إِذَا بِيعَتِ الْأَشْجَارُ مَعَ الْبَيَاضِ الْمُتَخَلِّلِ لَهَا،
стр. 1908
أَوْ بِيعَ الْبُسْتَانُ كُلُّهُ. أَمَّا إِذَا بِيعَتِ الْأَشْجَارُ وَمَغَارِسُهَا فَقَطْ، أَوْ بِيعَ الْجِدَارُ مَعَ الْأُسِّ فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْأَرْضَ تَابِعَةٌ هُنَا، وَالْمَتْبُوعُ مَنْقُولٌ.
فَرْعٌ
إِذَا بَاعَ شِقْصًا فِيهِ زَرْعٌ لَا يُجَزُّ مِرَارًا [وَأَدْخَلَهُ فِي الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَلَا يَأْخُذُ الزَّرْعَ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُجَزُّ مِرَارًا] ، فَالْجَزَّةُ الظَّاهِرَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ كَالثَّمَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ، وَالْأُصُولُ كَالْأَشْجَارِ.
فَرْعٌ
[مَا] دَخَلَ فِي مُطْلَقِ بَيْعِ الدَّارِ مِنَ الْأَبْوَابِ وَالرُّفُوفِ، وَالْمَسَامِيرِ، تُؤْخَذُ بِالشُّفْعَةِ تَبَعًا، كَالْأَبْنِيَةِ، وَكَذَا الدُّولَابُ الثَّابِتُ فِي الْأَرْضِ، سَوَاءٌ أَدَارَهُ الْمَاءُ أَمْ غَيْرُهُ، بِخِلَافِ الدَّلْوِ وَالْمَنْقُولَاتِ. وَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ طَاحُونَةٍ، وَقُلْنَا: يَدْخُلُ الْحَجَرُ الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى فِي الْبَيْعِ، أَخَذَ الْأَسْفَلَ بِالشُّفْعَةِ، وَفِي الْأَعْلَى وَجْهَانِ كَالثِّمَارِ الَّتِي لَمْ تُؤَبَّرْ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْعَقَارِ ثَابِتًا. فَلَوْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ غُرْفَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى سَقْفٍ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا، فَلَا شُفْعَةَ، إِذْ لَا قَرَارَ لَهَا. فَلَوْ كَانَ السَّقْفُ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ مُشْتَرَكًا أَيْضًا، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ لَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَوْ كَانَ السُّفْلُ مُشْتَرَكًا وَالْعُلُوُّ لِأَحَدِهِمَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلُوِّ نَصِيبَهُ مِنَ السُّفْلِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّرِيكَ يَأْخُذُ السُّفْلَ وَنِصْفَ الْعُلُوِّ بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْأَرْضَ مُشْتَرَكَةٌ وَعُلُوَّهَا تَابِعُهَا. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَأْخُذُ إِلَّا السُّفْلَ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ مُشْتَرَكَةٌ فِيهَا شَجَرٌ لِأَحَدِهِمَا، فَبَاعَ صَاحِبُ الشَّجَرِ الشَّجَرَ وَنَصِيبَهُ مِنَ الْأَرْضِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: كَوْنُهُ مُنْقَسِمًا، فَالْعَقَارُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، لَا شُفْعَةَ فِيهِ
стр. 1909
عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْجَدِيدُ. وَقِيلَ: تَثْبُتُ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَاهُ، قَوْلًا قَدِيمًا. وَالْمُرَادُ بِالْمُنْقَسِمِ: مَا يُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى قِسْمَتِهِ إِذَا طَلَبَ شَرِيكُهُ الْقِسْمَةَ. وَفِي ضَبْطِهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ الَّذِي لَا تُنْقِصُ الْقِسْمَةُ قِيمَتَهُ نَقْصًا فَاحِشًا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الدَّارِ مِائَةً، وَلَوْ قُسِمَتْ عَادَتْ قِيمَةُ كُلِّ نِصْفٍ ثَلَاثِينَ، لَمْ تُقْسَمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ بِوَجْهٍ مَا. أَمَّا مَا لَا يَبْقَى فِيهِ نَفْعٌ بِحَالٍ، فَلَا يُقْسَمُ. وَأَصَحُّهُمَا الثَّالِثُ: أَنَّهُ الَّذِي إِذَا قُسِمَ أَمْكَنَ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِإِمْكَانِ نَفْعٍ آخَرَ. إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَاحُونَةٌ أَوْ حَمَّامٌ، أَوْ بِئْرٌ أَوْ نَهَرٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَبِيعُ كَبِيرًا بِحَيْثُ يُمْكِنُ جَعْلُ الطَّاحُونَةِ ثِنْتَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَجَرَانِ، وَالْحَمَّامِ حَمَّامَيْنِ، أَوْ كُلِّ بَيْتٍ مِنْهُ بَيْتَيْنِ، وَالْبِئْرُ وَاسِعَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى فِيهَا فَيُجْعَلَ بِئْرَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ بَيَاضٌ يَقِفُ فِيهِ الْمُسْتَقِي وَيُلْقِي فِيهِ مَا يُخْرِجُ مِنْهَا، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِيهَا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْغَالِبُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَلَا شُفْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ، لَا يَخْفَى الْحُكْمُ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ، لِأَحَدِهِمَا عُشْرُهَا وَلِلْآخَرِ بَاقِيهَا، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الشُّفْعَةَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ، فَأَيُّهُمَا بَاعَ فَلِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةُ، وَإِنْ مَنَعْنَاهَا فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُشْرِ فَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِهِ. وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الْكَبِيرِ فَلِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ: أَنَّ صَاحِبَ الْأَكْثَرِ يُجَابُ إِلَى الْقِسْمَةِ. وَلَوْ كَانَ حَوْلَ الْبِئْرِ بَيَاضٌ وَأَمْكَنَتِ الْقِسْمَةُ بِجَعْلِ الْبِئْرِ لِوَاحِدٍ وَالْبَيَاضِ لِآخَرَ لِيَزْرَعَهُ أَوْ يَسْكُنَ فِيهِ، أَوْ كَانَ مَوْضِعُ الْحَجَرِ فِي الرَّحَى وَاحِدًا، وَلَكِنْ فِيهَا بَيْتٌ يَصْلُحُ لِغَرَضٍ، وَأَمْكَنَتِ الْقِسْمَةُ بِجَعْلِ مَوْضِعِ الرَّحَى لِوَاحِدٍ وَذَلِكَ الْبَيْتِ لِآخَرَ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ وَأَنَّ هَذِهِ الْبِئْرَ مِنَ الْمُنْقَسِمَاتِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْإِجْبَارِ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْقِسْمَةِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ إِمْكَانُ الِانْتِفَاعِ [بِهِ] مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ.
стр. 1910
فَرْعٌ
شَرِيكَانِ فِي مَزَارِعَ وَبِئْرٍ يُسْتَقَى مِنْهَا، بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهُمَا، ثَبَتَ لِلْآخَرِ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا إِنِ انْقَسَمَتِ الْبِئْرُ أَوْ أَثْبَتْنَا الشُّفْعَةَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ، وَإِلَّا فَتَثْبُتُ فِي الْمَزْرَعَةِ قَطْعًا، وَلَا تَثْبُتُ فِي الْبِئْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْآخِذُ، وَهُوَ كُلُّ شَرِيكٍ فِي رَقَبَةِ الْعَقَارِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرُّ، وَالْمُكَاتَبُ. حَتَّى لَوْ كَانَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا الشُّفْعَةُ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ، مُلَاصِقًا كَانَ أَوْ مُقَابِلًا. وَفِي وَجْهٍ: لِلْمُلَاصِقِ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا لِلْمُقَابِلِ إِذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: الْأَوَّلُ. وَإِذَا قَضَى الْحَنَفِيُّ لِشَافِعِيٍّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ، لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، وَفِي الْحِلِّ بَاطِنًا خِلَافٌ، مَوْضِعُهُ كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ.
قُلْتُ: وَلَا يَقْتَضِي قَضَاءُ الْحَنَفِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الدَّارُ إِنْ كَانَ بَابُهَا مَفْتُوحًا إِلَى دَرْبٍ نَافِذٍ، وَلَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا وَلَا فِي مَمَرِّهَا، لِأَنَّ هَذَا الدَّرْبَ غَيْرُ مَمْلُوكٍ. وَإِنْ كَانَ بَابُهَا إِلَى دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ، فَالدَّرْبُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ سُكَّانِهِ. فَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمَمَرِّ فَقَطْ، فَلِلشُّرَكَاءِ الشُّفْعَةُ فِيهِ إِنْ كَانَ مُنْقَسِمًا كَمَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَإِنْ بَاعَ الدَّارَ بِمَمَرِّهَا، فَلَا شُفْعَةَ لِشُرَكَاءِ الْمَمَرِّ فِي الدَّارِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ أَرَادُوا أَخْذَ الْمَمَرِّ بِالشُّفْعَةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ لِلْمُشْتَرِي طَرِيقٌ آخَرُ إِلَى الدَّارِ، أَوْ أَمْكَنَهُ فَتْحُ بَابٍ آخَرَ إِلَى شَارِعٍ، فَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ إِنْ كَانَ مُنْقَسِمًا، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي غَيْرِ
стр. 1911
الْمُنْقَسِمِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِنْ كَانَ فِي اتِّخَاذِ الْمَمَرِّ الْآخَرِ عُسْرٌ، أَوْ مُؤْنَةٌ لَهَا وَقْعٌ، وَكَانَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ آخَرُ، وَلَا أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا شُفْعَةَ لَهُمْ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِضْرَارِ بِالْمُشْتَرِي. وَالثَّانِي: لَهُمْ [الْأَخْذُ] وَالْمُشْتَرِي هُوَ الْمُضِرُّ بِنَفْسِهِ بِشِرَائِهِ هَذِهِ الدَّارَ. وَالثَّالِثُ: إِنْ مَكَّنُوا الْمُشْتَرِيَ مِنَ الْمُرُورِ فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا، جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ. وَشَرِكَةُ مَالِكِي سُورِ الْخَانِ فِي صَحْنِهِ، كَشَرِكَةِ مَالِكِي الدُّورِ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ، وَكَذَا الشَّرِكَةُ فِي مَسِيلِ الْمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ دُونَ الْأَرْضِ، وَفِي بِئْرِ الْمَزْرَعَةِ دُونَ الْمَزْرَعَةِ، كَالشَّرِكَةِ فِي الْمَمَرِّ.
فَرْعٌ
تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ لِلذِّمِّيِّ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَعَلَى الذِّمِّيِّ كَثُبُوتِهَا لِلْمُسْلِمِ، فَلَوْ بَاعَ ذَمِّيٌّ شِقْصًا لِذِمِّيٍّ بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا بَعْدَ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ نَرُدُّهُ. وَلَوْ تَرَافَعُوا قَبْلَهُ، لَمْ نَحْكُمْ بِالشُّفْعَةِ. وَلَوْ بِيعَ الشِّقْصُ، فَارْتَدَّ الشَّرِيكُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إِنْ قُلْنَا: الرِّدَّةُ لَا تُزِيلُ الْمَالِكَ. وَإِنْ قُلْنَا: تُزِيلُهُ، فَلَا شُفْعَةَ. فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَادَ مِلْكُهُ، لَمْ تَعُدِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ، فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، فَلِلْإِمَامِ أَخْذُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ. كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا، أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، وَارْتَدَّ وَمَاتَ، فَلِلْإِمَامِ رَدُّهُ. وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُشْتَرِي فَالشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ.
فَرْعٌ
دَارٌ نِصْفُهَا لِرَجُلٍ، وَنِصْفُهَا لِمَسْجِدٍ، اشْتَرَاهُ قَيِّمُ الْمَسْجِدِ لَهُ، أَوْ وُهِبَ [لَهُ] لِيُصْرَفَ فِي عِمَارَتِهِ، فَبَاعَ الرَّجُلُ نَصِيبَهُ، كَانَ لِلْقَيِّمِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ إِنْ رَأَى فِيهِ
стр. 1912
مَصْلَحَةً، كَمَا لَوْ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ شَرِكَةٌ فِي دَارٍ، فَبَاعَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَلِلْإِمَامِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الدَّارِ وَقْفًا، وَنِصْفُهَا طِلْقًا، فَبَاعَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ، فَلَا شُفْعَةَ لِمُسْتَحِقِّ الْوَقْفِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا شُفْعَةَ لِمَالِكِ الْمَنْفَعَةِ فَقَطْ بِوَصِيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
فَرْعٌ
الْمَأْذُونُ لَهُ بِالتِّجَارَةِ، إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا، ثُمَّ بَاعَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ، فَلَهُ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ، إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ السَّيِّدُ أَوْ يُسْقِطَ الشُّفْعَةَ. وَلَهُ الْإِسْقَاطُ وَإِنْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُونُ وَكَانَ فِي الْأَخْذِ غِبْطَةٌ، كَمَا لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الِاعْتِيَاضِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَلَوْ أَرَادَ السَّيِّدُ أَخْذَهُ بِنَفْسِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ
لَا يَخْفَى أَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي مُبَاشَرَةِ الْأَخْذِ، وَإِنَّمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِيمَنْ يَقَعُ الْأَخْذُ لَهُ، بِدَلِيلِ الْوَكِيلِ وَالْوَلِيِّ، وَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ، فَإِنَّ لَهُمُ الْأَخْذَ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَأْخُوذُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُشْتَرِي وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ. وَفِي ضَبْطِهِ قُيُودٌ.
الْأَوَّلُ: كَوْنُ مِلْكِهِ طَارِئًا عَلَى مِلْكِ الْأَخْذِ. فَإِذَا اشْتَرَى رَجُلَانِ دَارًا مَعًا، أَوْ شِقْصًا مِنْ دَارٍ، فَلَا شُفْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وَقْتِ حُصُولِ الْمِلْكِ.
الثَّانِي: كَوْنُهُ لَازِمًا. فَإِنْ بَاعَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُمَا، أَوْ لِلْبَائِعِ، فَلَا شُفْعَةَ مَا دَامَ الْخِيَارُ بَاقِيًا. وَإِنْ شَرَطَ الْخِيَارَ لِلْمُشْتَرِي فَقَطْ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَظْهَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، أَوْ مَوْقُوفٌ، لَمْ يَأْخُذْ فِي الْحَالِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِنْ قُلْنَا يَأْخُذُ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَهُ قَبْلَ أَخْذِهِ، وَانْقَطَعَ الْخِيَارُ.
стр. 1913
فَرْعٌ
بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، ثُمَّ بَاعَ الثَّانِي نَصِيبَهُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ بَيْعَ بَتَاتٍ، فَلَا شُفْعَةَ فِي الْمَبِيعِ أَوَّلًا لِلْبَائِعِ الثَّانِي إِذْ زَالَ مِلْكُهُ، وَلَا لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ مِلْكُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ إِذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، لِأَنَّ سَبَبَ الشُّفْعَةِ الْبَيْعُ، وَهُوَ سَابِقٌ عَلَى مِلْكِهِ. وَأَمَّا الشُّفْعَةُ فِي الْمَبِيعِ ثَانِيًا، فَمَوْقُوفَةٌ إِنْ تَوَقَّفْنَا فِي الْمِلْكِ، وَلِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ إِنْ أَبْقَيْنَا الْمِلْكَ لَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي مِنْهُ إِنْ أَثْبَتْنَا الْمَلِكَ لَهُ. وَعَلَى هَذَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ فُسِخَ الْبَيْعُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالشُّفْعَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، إِنْ قُلْنَا: الْفَسْخُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ يَرْفَعُ الْعَقْدَ مِنْ أَصْلِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَرْفَعُهُ مِنْ حِينِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ مِلْكَهُ قَبْلَ الْعِلْمِ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ فُسِخَ الْبَيْعُ، فَالْحُكْمُ فِي الشُّفْعَةِ كَالْحُكْمِ فِي الزَّوَائِدِ الْحَادِثَةِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ.
فَصْلٌ
إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالشِّقْصِ عَيْبًا قَدِيمًا، وَأَرَادَ رَدَّهُ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ يُرِيدُ أَخْذَهُ، وَيَرْضَى بِكَوْنِهِ مَعِيبًا، فَقَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ: أَنَّ الشَّفِيعَ أَوْلَى بِالْإِجَابَةِ، لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ غَرَضَ الْمُشْتَرِي اسْتِدْرَاكُ الظُّلَامَةِ وَتَحْصِيلُ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِأَخْذِ الشَّفِيعِ. وَلِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا الْمُشْتَرِيَ بَطَلَ حَقُّ الشَّفِيعِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَإِذَا قَدَّمْنَا الشَّفِيعَ، حَصَلَ لِلْمُشْتَرِي مِثْلُ الثَّمَنِ أَوْ قِيمَتُهُ.
وَالثَّانِي: الْمُشْتَرِي أَوْلَى، لِأَنَّ الشَّفِيعَ إِنَّمَا يَأْخُذُ إِذَا اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ. وَلَوْ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ قَبْلَ مُطَالَبَةِ الشَّفِيعِ ثُمَّ طَلَبَ الشَّفِيعُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمُشْتَرِي أَوْلَى عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، فَلَا يُجَابُ، وَإِلَّا فَيُجَابُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُفْسَخُ
стр. 1914
الرَّدُّ. أَوْ نَقُولُ: تَبَيَّنَّا أَنَّ الرَّدَّ كَانَ بَاطِلًا، وَالْخِلَافُ - فِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَوْلَى أَوِ الشَّفِيعَ - جَارٍ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ وَاسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ. وَحَكَى الْبَغَوِيُّ جَرَيَانَهُ فِيمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ وَقَبَضَ الشِّقْصَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ، فَتَلِفَ الْعَبْدُ فِي يَدِهِ، فَفِي وَجْهٍ: تَبْطُلُ شُفْعَةُ الشَّفِيعِ. وَفِي وَجْهٍ: يُتَمَكَّنُ مِنَ الْأَخْذِ. وَقَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ عَيْنًا فَتَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ.
فَصْلٌ
أَصْدَقَهَا شِقْصًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ ارْتَدَّ، وَجَاءَ الشَّفِيعُ يُرِيدُ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَلَهُ أَخْذُ نِصْفِهِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ، فَهَلِ الزَّوْجُ أَوْلَى بِهِ أَمِ الشَّفِيعُ؟ وَجْهَانِ. وَكَذَا إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَأَفْلَسَ بِالثَّمَنِ، فَأَرَادَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ وَالشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فِيهِ الْوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: فِيهِمَا الشَّفِيعُ أَوْلَى، لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ.
وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: الشَّفِيعُ فِي الْأُولَى أَوْلَى، وَالْبَائِعُ فِي الثَّانِيَةِ أَوْلَى. فَإِذَا قَدَّمْنَا الشَّفِيعَ فِي صُورَةِ الْإِفْلَاسِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّ الثَّمَنَ الْمَأْخُوذَ مِنَ الشَّفِيعِ مَقْسُومٌ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ إِذَا انْتَقَلَ إِلَى الذِّمَّةِ صَارَ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ رِعَايَةً لِلْجَانِبَيْنِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ سَلَّمَ الشِّقْصَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِالثَّمَنِ، لِرِضَاهُ بِذِمَّتِهِ. وَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ، فَهُوَ أَوْلَى بِالثَّمَنِ. وَالْخِلَافُ فِي نِصْفِ الصَّدَاقِ جَارٍ فِيمَا إِذَا أَعَادَ كُلَّهُ إِلَى الزَّوْجِ بِرِدَّتِهَا أَوْ فَسْخٍ قَبْلَ الدُّخُولِ. هَذَا إِذَا اجْتَمَعَ الشَّفِيعُ وَالزَّوْجُ أَوِ الْبَائِعُ، أَمَّا إِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الزَّوْجَةِ ثُمَّ طَلَّقَ الزَّوْجُ، أَوْ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ، فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ وَالْبَائِعِ إِلَى الشِّقْصِ بِحَالٍ،
стр. 1915
لَكِنْ يَنْتَقِلُ حَقُّ الْبَائِعِ إِلَى الثَّمَنِ وَحَقُّ الزَّوْجِ إِلَى الْقِيمَةِ فِي مَالِهَا، كَمَا لَوْ زَالَ الْمِلْكُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ وَأَخَذَ النِّصْفَ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ، فَفِي اسْتِرْدَادِهِ مَا أَخَذَهُ الزَّوْجُ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ جَاءَ بَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
وَقِيلَ: لَا يَسْتَرِدُّ قَطْعًا، لِأَنَّ الْمَهْرَ يَتَشَطَّرُ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ، فَيَبْعُدُ نَقْضُهُ. فَإِنْ قُلْنَا: يَسْتَرِدُّهُ أَخَذَهُ وَمَا بَقِيَ فِي يَدِهَا، وَإِلَّا فَيَأْخُذُ مَا فِي يَدِهَا وَيَدْفَعُ إِلَيْهَا نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ الْمَمْهُورِ شَفِيعَانِ، فَطَلَبَا، وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الْآخَرُ، فَلَا يَأْخُذُ الزَّوْجُ النِّصْفَ الْحَاصِلَ فِي يَدِ الشَّفِيعِ. وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ فَهَلْ هُوَ أَوْلَى أَمِ الشَّفِيعُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَيَجْرِي فِيمَا إِذَا أَخَذَ أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَفْلَسَ. فَإِنْ قُلْنَا: الشَّفِيعُ أَوْلَى، ضَارَبَ الْبَائِعُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِالثَّمَنِ. وَإِنْ قُلْنَا: الْبَائِعُ أَوْلَى، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَضَارَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَيَتْرُكُهُ وَيُضَارِبُ بِكُلِّ الثَّمَنِ.
الْقَيْدُ الثَّالِثُ: أَنْ يَمْلِكَهُ بِمُعَاوَضَةٍ. فَإِنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ فَلَا شُفْعَةَ. فَإِنْ وَهَبَ بِشَرْطِ الثَّوَابِ أَوْ مُطْلَقًا، وَقُلْنَا: تَقْتَضِي الثَّوَابَ، تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ لِلْمُعَاوَضَةِ. وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَةً. فَعَلَى الْأَصَحِّ، هَلْ يَأْخُذُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لِأَنَّهُ صَارَ بَيْعًا أَمْ لَا، لِأَنَّ الْهِبَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى شِقْصًا ثُمَّ تَقَايَلَا، فَإِنْ عَفَا الشَّفِيعُ، وَقُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، تَجَدَّدَتِ الشُّفْعَةُ، وَأَخَذَهُ مِنَ الْبَائِعِ. وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ، لَمْ تَتَجَدَّدْ كَمَا لَا تَتَجَدَّدُ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَإِنْ قَالَهُ قَبْلَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ
стр. 1916
يَأْخُذَ بِهَا وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهَا حَتَّى يَعُودَ الشِّقْصُ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَأْخُذَ مِنْهُ. وَإِنْ قُلْنَا: فَسْخٌ، فَهُوَ كَطَلَبِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
فَرْعٌ
إِذَا جَعَلَ الشِّقْصَ أُجْرَةً أَوْ جَعْلًا أَوْ رَأْسَ مَالٍ. [فِي] سَلَمٍ صَدَاقًا أَوْ مُتْعَةً، أَوْ عَوِضَ خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ عَنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ جَعَلَهُ الْمُكَاتَبُ عِوَضًا عَنِ النُّجُومِ ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَلَوْ أَقْرَضَهُ شِقْصًا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: الْقَرْضُ صَحِيحٌ، وَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ إِذَا مَلَكَهُ الْمُسْتَقْرِضُ. وَإِنَّمَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ فِي الْجَعْلِ بَعْدَ الْعَمَلِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا [كَانَ] مَا يُقَابِلُ الشِّقْصَ مِمَّا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ بِالسَّلَمِ وَلَا بِالْقَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
بَذَلَ شِقْصًا عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ، ثُمَّ عَجَزَ وَرَقَّ، فَهَلْ تَبْقَى الشُّفْعَةُ لِأَنَّهُ كَانَ عِوَضًا أَمْ تَبْطُلُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْعِوَضِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
فَرْعٌ
قَالَ الْمَوْلَى لِمُسْتَوْلِدَتِهِ: إِنْ خَدَمْتِ أَوْلَادِي شَهْرًا، فَلَكِ هَذَا الشِّقْصُ، فَخَدَمَتْهُمْ، اسْتَحَقَّتْهُ. وَهَلْ تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْأُجْرَةِ أَمْ لَا، لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ مِنَ الثُّلُثِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
стр. 1917
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ الْوَصِيُّ أَوِ الْقَيِّمُ شِقْصَ الصَّبِيِّ وَهُوَ شَرِيكُهُ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَمْ يُؤْمَنْ أَنْ يُسَامِحَ فِي الثَّمَنِ، وَلِهَذَا لَا يَبِيعُهُ مَالَ نَفْسِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى شِقْصًا لِلطِّفْلِ وَهُوَ شَرِيكٌ فِي الْعَقَارِ فَلَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، إِذْ لَا تُهْمَةَ. وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ فِي الشِّرَاءِ وَالْأَخْذِ تَعْلِيقَ عُهْدَةِ الصَّبِيِّ مِنْ غَيْرِ نَفْعٍ لَهُ، وَلِلْأَبِ وَالْجَدِّ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ إِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ، سَوَاءٌ بَاعَا أَوِ اشْتَرَيَا لِقُوَّةِ وِلَايَتِهِمَا وَشُفْعَتِهِمَا، كَمَا [لَهُ] بَيْعُ مَالِهِ لِنَفْسِهِ. وَلَوْ كَانَ فِي حِجْرِ الْوَصِيِّ يَتِيمَانِ بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَبَاعَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا لِرَجُلٍ، فَلَهُ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ لِلْآخَرِ.
فَرْعٌ
وَكَّلَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ، فَبَاعَهُ، فَلِلْوَكِيلِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ نَاظِرٌ لِنَفْسِهِ يَعْتَرِضُ عَلَى الْوَكِيلِ إِنْ قَصَّرَ، بِخِلَافِ الصَّبِيِّ. وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلٌ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ فِي شِرَاءِ الشِّقْصِ، فَلِلْوَكِيلِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ وَكَّلَ الشَّرِيكُ الشَّرِيكَ فِي بَيْعِ نِصْفِ نَصِيبِهِ [وَأَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ، أَوْ بَعْضِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ إِنْ شَاءَ، فَبَاعَ نِصْفَ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ مَعَ نَصِيبِهِ] صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلْمُوَكِّلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْوَكِيلِ بِالشُّفْعَةِ. وَهَلْ لِلْوَكِيلِ أَخْذُ نَصِيبِ الْمُوَكِّلِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ لِلْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ شَرِكَةٌ قَدِيمَةٌ، بِأَنْ كَانَتْ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ أَثْلَاثًا، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ لِأَحَدِ صَاحِبَيْهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَالشَّرِيكَ الْآخَرَ يَشْتَرِكَانِ فِي أَخْذِ الشِّقْصِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الشَّرِكَةِ. وَقِيلَ: الشَّرِيكُ الثَّالِثُ يَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ، فَعَلَى هَذَا
стр. 1918
إِنْ شَاءَ أَخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ. وَعَلَى الْأَصَحِّ: إِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ أَوْ تَرَكَهُ. فَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذِ الْكُلَّ، أَوِ اتْرُكِ الْكُلَّ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَنَا حَقِّي، لَمْ تَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، وَلَمْ يَصِحَّ إِسْقَاطُ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ مِنَ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَقَرَّ عَلَى النِّصْفِ بِالشِّرَاءِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ شَفِيعَانِ: حَاضِرٌ، وَغَائِبٌ، فَأَخَذَ الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ، فَحَضَرَ الْغَائِبُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَقُولَ: اتْرُكِ الْجَمِيعَ أَوْ خُذِ الْجَمِيعَ فَقَدْ تَرَكْتُ حَقِّي، وَلَا نَظَرَ إِلَى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَزِمَ مِنْ دُخُولِهِ فِي هَذَا الْعَقْدِ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْمُشْتَرِي حَقَّهُ، لَزِمَ الْآخَرَ أَخْذُ الْكُلِّ أَوْ تَرْكُهُ، كَمَا لَوْ عَفَا أَحَدُ الشَّفِيعَيْنِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ لِثَالِثٍ، ثُمَّ بَاعَ النِّصْفَ الثَّانِيَ لِذَلِكَ الثَّالِثِ، فَعَلَى الْأَصَحِّ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ النِّصْفَ الثَّانِيَ لِأَجْنَبِيٍّ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: لَا شُفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي، وَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الْكُلَّ أَوْ يَأْخُذَ أَحَدَ النِّصْفَيْنِ فَقَطْ.
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ شِقْصًا، وَحَابَى، فَقَدْ يَكُونُ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي أَجْنَبِيَّيْنِ، أَوْ وَارِثَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الْمُشْتَرِي وَارِثًا فَقَطْ، أَوْ عَكْسُهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَضْرُبٍ.
الْأَوَّلُ: إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ، فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَأَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْهُ، بِأَنْ بَاعَ شِقْصًا يُسَاوِي أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ، نُظِرَ، إِنْ رَدَّهُ الْوَارِثُ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الْمُحَابَاةِ. وَفِي صِحَّتِهِ فِي الْبَاقِي طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: فِيهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، فَفِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْبَيْعُ؟ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ فِي قَدْرِ الثُّلُثِ، وَالْقَدْرُ الَّذِي يُوَازِي الثَّمَنَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنَ الْمَبِيعِ إِلَّا وَيَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ مِنَ
стр. 1919
الثَّمَنِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْأَظْهَرِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي بَابِ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، دَارَتِ الْمَسْأَلَةُ. وَحِسَابُهَا أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الشِّقْصِ بِنِصْفِ شَيْءٍ، يَبْقَى مَعَ الْوَرَثَةِ أَلْفَانِ إِلَّا نِصْفَ شَيْءٍ، وَذَلِكَ يَعْدِلُ مِثْلَيِ الْمُحَابَاةِ، وَهِيَ نِصْفُ شَيْءٍ، فَمِثْلَاهَا شَيْءٌ، فَنَجْبِرُ وَنُقَابِلُ، فَيَكُونُ أَلْفَانِ مُعَادِلَيْنِ لِشَيْءٍ وَنِصْفٍ، وَالشَّيْءُ مِنْ شَيْءٍ وَنِصْفٍ ثُلُثَاهُ، فَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَيْعَ صَحَّ فِي ثُلُثَيِ الشِّقْصِ، وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ، وَهُوَ نِصْفُ هَذَا الْمَبْلَغِ، فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ، يَبْقَى لِلْوَرَثَةِ ثُلُثُ الشِّقْصِ وَثُلُثَا الثَّمَنِ، وَهُمَا أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ، وَذَلِكَ ضِعْفٌ وَثَلَاثَةُ الْمُحَابَاةِ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا، لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَبِيعِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ. فَإِنْ أَجَازَ أَخَذَ الشَّفِيعُ خَمْسَةَ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَثُلُثَيْهِ بِثُلُثِ الثَّمَنِ عَلَى الثَّانِي. وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَفْسَخَ، وَطَلَبَ الشَّفِيعُ، فَأَيُّهُمَا يُجَابُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَكَذَا لَوْ فَسَخَ قَبْلَ طَلَبِ الشَّفِيعِ، هَلْ تَبْطُلُ الشُّفْعَةُ، أَمْ لِلشَّفِيعِ رَدُّ الْفَسْخِ؟ فِيهِ مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ. وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ. ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ إِجَازَتَهُمْ تَنْفِيذٌ لِمَا فَعَلَ الْمَيِّتُ أَخَذَ الشَّفِيعُ الْكُلَّ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا ابْتِدَاءُ عَطِيَّةٍ مِنْهُمْ، لَمْ يَأْخُذِ الْقَدْرَ الْمُنْفَذَ بِإِجَازَتِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُسْتَغْنِيَ عَنْ إِجَازَتِهِمْ، وَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَذْكُورَانِ عِنْدَ الرَّدِّ.
الضَّرْبُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ:: أَنْ يَكُونَا وَارِثَيْنِ، أَوِ الْمُشْتَرِي وَارِثًا، فَيَكُونُ هَذَا الْبَيْعُ مُحَابَاةً مَعَ الْوَارِثِ، وَهِيَ مَرْدُودَةٌ. فَإِنْ لَمْ نُفَرِّقِ الصَّفْقَةَ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ فَرَّقْنَاهَا، فَإِنْ قُلْنَا فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ - وَالتَّصْوِيرُ كَمَا سَبَقَ -: إِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ فِي
стр. 1920
خَمْسَةِ أَسْدَاسِ الشِّقْصِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَهُنَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الصُّورَةِ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ: يَصِحُّ فِي ثُلُثَيْهِ بِثُلُثَيِ الثَّمَنِ، فَهُنَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْإِجَازَةِ وَالرَّدِّ، كَالضَّرْبِ الْأَوَّلِ.
الضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ وَارِثًا دُونَ الْمُشْتَرِي. فَإِنِ احْتَمَلَ الثُّلُثُ الْمُحَابَاةَ، أَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ، وَصَحَّحْنَا الْبَيْعَ فِي بَعْضِ الْمُحَابَاةِ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَمَكَّنَّا الشَّفِيعَ مِنْ أَخْذِهِ، فَهُنَا أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَأْخُذُهُ الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ مَعَ الْمُشْتَرِي لَا مَعَ الْوَارِثِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَلَا يَأْخُذُهُ الْوَارِثُ بِالشُّفْعَةِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ أَصْلًا لِتَنَاقُضِ الْأَحْكَامِ. وَالرَّابِعُ: يَصِحُّ فِي الْجَمِيعِ وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ مَا يُقَابِلُ الثَّمَنَ، وَيَبْقَى الْبَاقِي لِلْمُشْتَرِي مَجَّانًا. وَالْخَامِسُ: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا فِي الْقَدْرِ الْمُقَابِلِ لِلثَّمَنِ.
فَصْلٌ
وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ تَقَدُّمَ مِلْكِ الْآخِذِ عَلَى مِلْكِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ شَرْطٌ. فَلَوْ كَانَ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ دَارٌ اشْتَرَيَاهَا بِعَقْدَيْنِ، وَادَّعَى كُلٌّ أَنَّ شِرَاءَهُ سَبَقَ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَى صَاحِبِهِ الشُّفْعَةَ، نُظِرَ، إِنِ ابْتَدَأَ أَحَدُهُمَا بِالدَّعْوَى، أَوْ جَاءَا مَعًا وَتَنَازَعَا فِي الْبَدَاءَةِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ فَادَّعَى، فَعَلَى الْآخَرِ الْجَوَابُ، وَلَا يَكْفِيهِ قَوْلُهُ: شِرَائِي قَبْلُ، لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ دَعْوَى، بَلْ إِمَّا أَنْ يَنْفِيَ سَبْقَ شِرَاءِ الْمُدَّعِي، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، وَحِينَئِذٍ يَحْلِفُ، فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ ثُمَّ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ حَلَفَ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ أَيْضًا. وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوَّلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ حَلَفَ، أَخَذَ مَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ
стр. 1921
النَّاكِلِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِلْكٌ يَأْخُذُ بِهِ. وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودِ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ. أَمَّا إِذَا أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِالسَّبْقِ، فَيُقْضَى لَهُ. وَإِنْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً عَلَى سَبْقِ شِرَائِهِ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى يَوْمَ السَّبْتِ وَصَاحِبُهُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَمُتَعَارِضَتَانِ، وَفِي تَعَارُضِهِمَا قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: سُقُوطُهُمَا، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ. وَالثَّانِي: تُسْتَعْمَلَانِ. وَفِي كَيْفِيَّتِهِ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: بِالْقُرْعَةِ. فَمَنْ قَرَعَ، أَخَذَ نَصِيبَ الْآخَرِ بِالشُّفْعَةِ. وَالثَّانِي: بِالْقِسْمَةِ، وَلَا فَائِدَةَ فِيهَا هُنَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّفَاوُتِ، فَيَكُونُ التَّصْنِيفُ مُقَيَّدًا. وَالثَّالِثُ الْوَقْفُ. وَعَلَى هَذَا يُوقَفُ حَقُّ التَّمَلُّكِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْحَالُ. وَقِيلَ: لَا مَعْنَى لِلْوَقْفِ هُنَا. وَلَوْ عَيَّنَتِ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا وَاحِدًا فَلَا مُنَافَاةَ، لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، وَلَا شُفْعَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِوُقُوعِ الْعَقْدَيْنِ مَعًا. وَفِي وَجْهٍ: تَسْقُطَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ
فِيهِ أَطْرَافٌ.
الْأَوَّلُ: فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ، لَا يُشْتَرَطُ فِي التَّمَلُّكِ بِالشُّفْعَةِ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَلَا إِحْضَارُ الثَّمَنِ، وَلَا حُضُورُ الْمُشْتَرِي، وَلَا رِضَاهُ. وَقَالَ الصُّعْلُوكِيُّ: حُضُورُ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَوْ وَكِيلِهِ شَرْطٌ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ جِهَةِ الشَّفِيعِ مِنْ لَفْظٍ، كَقَوْلِهِ: تَمَلَّكْتُ، أَوِ اخْتَرْتُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، أَوْ أَخَذْتُهُ بِالشُّفْعَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُ. وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَاطَاةِ. وَلَوْ قَالَ: أَنَا مُطَالِبٌ بِالشُّفْعَةِ، لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّمَلُّكُ
стр. 1922
عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي. وَلِذَلِكَ قَالُوا: يُعْتَبَرُ فِي التَّمَلُّكِ بِهَا، أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا لِلشَّفِيعِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي الطَّلَبِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي صِحَّةِ التَّمَلُّكِ مَعَ جَهَالَةِ الثَّمَنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ. وَفِي " التَّتِمَّةِ " إِشَارَةٌ إِلَى نَحْوِهِ، ثُمَّ لَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ أَحَدُ أُمُورٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ يُسَلِّمَ الْعِوَضَ إِلَى الْمُشْتَرِي فَيَمْلِكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ وَإِلَّا فَيُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، أَوْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى يُلْزِمَهُ التَّسْلِيمَ.
قُلْتُ: أَوْ يَقْبِضَ عَنْهُ الْقَاضِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: أَنْ يُسَلِّمَ الْمُشْتَرِيَ الشِّقْصَ وَيَرْضَى بِكَوْنِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ، إِلَّا أَنْ يَبِيعَ شِقْصًا مَنْ دَارٍ عَلَيْهَا صَفَائِحُ ذَهَبٍ بِالْفِضَّةِ، أَوْ عَكْسُهُ، فَيَجِبُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ. وَلَوْ رَضِيَ بِكَوْنِ الثَّمَنِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمِ الشِّقْصَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ، لِأَنَّ قَوْلَ الْمُشْتَرِي وَعْدٌ. وَأَصَحُّهُمَا: الْحُصُولُ، لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ، وَالْمِلْكُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ لَا يَقِفُ عَلَى الْقَبْضِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ مَجْلِسَ الْقَاضِي وَيُثْبِتَ حَقَّهُ بِالشُّفْعَةِ، وَيَخْتَارَ التَّمَلُّكَ فَيَقْضِيَ الْقَاضِي لَهُ بِالشُّفْعَةِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ حَتَّى يَقْبِضَ عِوَضَهُ، أَوْ يَرْضَى بِتَأَخُّرِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْحُصُولُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ عَلَى الطَّلَبِ وَاخْتِيَارِ الشُّفْعَةِ. فَإِنْ لَمْ نُثْبِتِ الْمِلْكَ بِحُكْمِ الْقَاضِي، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ قَضَاءِ الْقَاضِي. وَإِذَا مَلَكَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ حَتَّى يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ، وَأَنْ يُسَلِّمَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُؤَخِّرَ حَقَّهُ بِتَأْخِيرِ الْبَائِعِ حَقَّهُ. وَإِذَا لَمْ
стр. 1923
يَكُنِ الثَّمَنُ حَاضِرًا وَقْتَ التَّمَلُّكِ، أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنِ انْقَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ، فَسَخَ الْحَاكِمُ تَمَلُّكَهُ، هَكَذَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: إِذَا قَصَّرَ فِي الْأَدَاءِ، بَطَلَ حَقُّهُ. وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ وَفُسِخَ مِنْهُ.
فَرْعٌ
يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ لِلشَّفِيعِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَعَلَى هَذَا فَيَمْتَدُّ إِلَى مُفَارَقَتِهِ الْمَجْلِسَ. وَهَلْ يَنْقَطِعُ بِأَنْ يُفَارِقَهُ الْمُشْتَرِي؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الَّذِي صَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لِلشَّفِيعِ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ صَاحِبُ " التَّنْبِيهِ "، وَالْفَارِقِيُّ، وَالرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِ " التَّهْذِيبِ " وَشَرْحِ " مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ الرَّاجِحُ أَيْضًا فِي الدَّلِيلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا مَلَكَ الشَّفِيعُ، امْتَنَعَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي، فَلَوْ طَلَبَهُ وَلَمْ يُثْبِتِ الْمِلْكَ بَعْدُ، لَمْ يَمْتَنِعْ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّهِ بَالِطَّلَبِ. وَفِي نُفُوذِ تَصَرُّفِ الشَّفِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا كَانَ قَدْ سَلَّمَ الثَّمَنَ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ كَالْمُشْتَرِي. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ قَهْرِيٌّ كَالْإِرْثِ. وَلَوْ مَلَكَ بِالْإِشْهَادِ أَوْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ بِرِضَى الْمُشْتَرِي بِكَوْنِ الثَّمَنِ عِنْدَهُ.
فَرْعٌ
فِي تَمَلُّكِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ، طَرِيقَانِ.
стр. 1924
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الْغَائِبِ، إِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَتَمَلَّكْهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَلَهُ التَّمَلُّكُ. ثُمَّ قِيلَ: خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ قَطْعًا، لِأَنَّ خِيَارَ الْمَجْلِسِ يَبْعُدُ ثُبُوتُهُ لِأَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، بِخِلَافِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ وَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ جَرَى بِالتَّرَاضِي، فَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ فِيهِ، وَهَاهُنَا الشَّفِيعُ أَخَذَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي، فَلَا يُمْكِنُ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ فِيهِ. فَلَوْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ الشَّفِيعُ وَيَكُونُ بِالْخِيَارِ، فَعَلَى قَوْلِ الْغَائِبِ. وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ التَّمَلُّكَ وَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ، فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ قَبْضِ الثَّمَنِ وَإِقْبَاضِ الْمَبِيعِ حَتَّى يَرَاهُ، لِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهُ.
فَرْعٌ
لِلشَّفِيعِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ. وَلَوْ أَفْلَسَ وَكَانَ الْمُشْتَرِي سَلَّمَ إِلَيْهِ الشِّقْصَ رَاضِيًا بِذِمَّتِهِ، فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِيمَا يَأْخُذُ بِهِ الشَّفِيعُ، الْمَأْخُوذُ أَنْوَاعٌ.
أَحَدُهَا: الْمَبِيعُ. فَإِنْ بِيعَ بِمِثْلِيٍّ أَخَذَهُ بِمِثْلِهِ. ثُمَّ إِنْ قُدِّرَ بِمِيعَادِ الشَّرْعِ أَخَذَهُ بِهِ، وَإِنْ قُدِّرَ بِغَيْرِهِ، بِأَنْ بَاعَ بِمِائَةِ رِطْلِ حِنْطَةٍ، فَهَلْ يَأْخُذُهُ بِمِثْلِهِ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْقَرْضِ. فَلَوْ كَانَ الْمِثْلُ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْأَخْذِ، عُدِلَ
стр. 1925
إِلَى الْقِيمَةِ كَالْغَصْبِ. وَإِنْ بِيعَ بِمُتَقَوَّمٍ مِنْ عَبْدٍ وَثَوْبٍ وَنَحْوِهِمَا أَخَذَهُ بِقِيمَةِ ذَلِكَ الْمُتَقَوَّمِ. وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَوْمِ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ يَوْمُ إِثْبَاتِ الْعِوَضِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يُعْتَبَرُ يَوْمَ اسْتِقْرَارِ الْعَقْدِ وَانْقِطَاعِ الْخِيَارِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشِّقْصُ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ أَخَذَهُ بِمِثْلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا.
الثَّالِثُ: إِذَا صَالَحَ مِنْ دَيْنٍ عَلَى شِقْصٍ، أَخَذَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الدَّيْنِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ كَانَ مُتَقَوَّمًا. وَسَوَاءٌ دَيْنُ الْمُعَامَلَةِ وَدَيْنُ الْإِتْلَافِ.
الرَّابِعُ: الشِّقْصُ الْمَمْهُورُ، يُؤْخَذُ بِمَهْرِ مِثْلِ الْمَرْأَةِ. وَكَذَا إِذَا خَالَعَهَا عَلَى شِقْصٍ. وَالِاعْتِبَارُ بِمَهْرِ مِثْلِهَا يَوْمَ النِّكَاحِ وَيَوْمَ الْخُلْعِ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. وَفِي التَّتِمَّةِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ. وَلَوْ مَتَّعَ الْمُطَلَّقَةَ بِشِقْصٍ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمُتْعَةِ مِثْلِهَا، لَا بِالْمَهْرِ.
الْخَامِسُ: إِذَا أَخَذَ مِنَ الْمُكَاتَبِ شِقْصًا عِوَضًا عَنِ النُّجُومِ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمِثْلِ النُّجُومِ أَوْ بِقِيمَتِهَا.
السَّادِسُ: الشِّقْصُ الَّذِي جُعِلَ أُجْرَةً يُؤْخَذُ بِأُجْرَةِ مِثْلِ الدَّارِ.
السَّابِعُ: إِذَا صَالَحَ عَلَيْهِ عَنِ الدَّمِ، أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الدِّيَةِ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَيَعُودُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْبَغَوِيِّ.
الثَّامِنُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا اقْتَرَضَ شِقْصًا أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِقِيمَتِهِ وَإِنْ قُلْنَا: الْمُقْتَرِضُ يَرُدُّ الْمِثْلِيَّ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ الثَّمَنُ حَالًا، بَذَلَهُ الشَّفِيعُ فِي الْحَالِ. فَإِنْ كَانَ بِأَلْفٍ إِلَى سَنَةٍ مَثَلًا،
стр. 1926
فَفِيهِ أَقْوَالٌ. أَظْهَرُهَا: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ الثَّمَنَ وَأَخَذَ الشِّقْصَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَحِينَئِذٍ يَبْذُلُ الْأَلْفَ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ.
وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ.
وَالثَّالِثُ: يَأْخُذُ بِعَرَضٍ يُسَاوِي الْأَلْفَ إِلَى سَنَةٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالتَّأْخِيرِ، لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ. وَهَلْ يَجِبُ إِعْلَامُ الْمُشْتَرِي بِالطَّلَبِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَحَلَّ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَعَجَّلِ الْأَخْذَ عَلَى الشَّفِيعِ، بَلْ هُوَ عَلَى خِيرَتِهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ. وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ، فَالْخِيرَةُ لِوَارِثِهِ. وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ فِي الْمُدَّةِ صَحَّ، وَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَهُ فِي الْحَالِ أَوْ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَيَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ.
هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّ الشَّفِيعَ يَنْقُضُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي، فَفِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِذَا كَانَ مَلِيئًا مَوْثُوقًا بِهِ وَأَعْطَى كَفِيلًا مَلِيئًا، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ. وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا. وَإِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ حَلَّ عَلَيْهِ الْأَجَلُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَتَعْيِينُ الْعَرَضِ إِلَى الشَّفِيعِ، وَتَعْدِيلُ الْقِيمَةِ إِلَى مَنْ يَعْرِفُهَا. قَالَ الْإِمَامُ: فَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ طَلَبُ الشُّفْعَةِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ وَجَبَ أَنْ لَا يُطَالِبَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا بِالْعَرَضِ الْمُعَدَّلِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ عِوَضِ الْمَبِيعِ بِحَالِ الْبَيْعِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إِذَا أَخَّرَ الشَّفِيعُ بَطَلَ حَقُّهُ.
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى مَعَ الشِّقْصِ مَنْقُولًا، كَسَيْفٍ وَثَوْبٍ، صَفْقَةً وَاحِدَةً، وُزِّعَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا عَلَى اعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ تَفَرَّقَتْ صَفْقَتُهُ لِدُخُولِهِ فِيهَا عَالِمًا بِالْحَالِ.
стр. 1927
فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ ثُمَّ نُقِضَتْ، فَلَهَا أَحْوَالٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ تَتَعَيَّبَ مِنْ غَيْرِ تَلَفِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا انْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِأَنْ يَنْشَقَّ جِدَارٌ، أَوْ مَالَتِ أُسْطُوَانَةٌ، أَوِ انْكَسَرَ جِذْعٌ، أَوِ اضْطَرَبَ سَقْفٌ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَبَيْنَ التَّرْكِ، كَتَعَيُّبِهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بَعْضُهَا، فَيُنْظَرُ إِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنَ الْعَرْصَةِ بِأَنْ غَشِيَهَا سَيْلٌ فَغَرَّقَهَا، أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. وَإِنْ بَقِيَتِ الْعَرْصَةُ وَتَلِفَتِ السُّقُوفُ وَالْجُدْرَانُ بِاحْتِرَاقٍ وَغَيْرِهِ، فَيُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ [السَّابِقِ] فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: أَنَّ سَقْفَ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَجِدَارَهَا كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ، أَمْ كَطَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ. وَإِنْ قُلْنَا: كَطَرَفِ الْعَبْدِ، أَخَذَهَا بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَقِيلَ: إِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَخَذَ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَإِنْ تَلِفَ بِإِتْلَافِ مُتْلِفٍ أَخَذَ بِالْحِصَّةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْصُلُ لَهُ بَدَلُ التَّالِفِ، فَلَا يَتَضَرَّرُ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَتْلَفَ شَيْءٌ مِنْهَا، لَكِنْ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِالِانْهِدَامِ، فَهَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ النَّقْضَ. فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ. فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُهُ مَعَ الْعَرْصَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُهُمَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَأْخُذُهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ السَّقْفَ وَالْجِدَارَ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ كَطَرَفِ الْعَبْدِ. إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ الْعَرْصَةَ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبِنَاءِ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُ بِالْحِصَّةِ. وَالثَّانِي وَهُوَ قِيَاسُ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ: يَأْخُذُ بِتَمَامِ الثَّمَنِ كَالْحَالَةِ الْأُولَى. وَعَلَى هَذَا يُشَبَّهُ النَّقْضُ بِالثِّمَارِ وَالزَّوَائِدِ الَّتِي يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ.
стр. 1928
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى حَطٍّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَبْلَهُ، وَفِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَمَكَانِهِ. وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ الْحَطُّ وَلَا الزِّيَادَةُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ لُزُومِهِ، لَا حَطُّ الْكُلِّ، وَلَا حَطُّ الْبَعْضِ. وَفِيمَا قَبْلَ لُزُومِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: اللُّحُوقُ. فَإِنْ قُلْنَا بِهِ، وَحَطَّ الثَّمَنَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ، فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ هِبَةً عَلَى رَأْيٍ، وَيَبْطُلُ عَلَى رَأْيٍ.
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مَثَلًا وَتَقَابَضَا، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، وَأَرَادَ رَدَّهُ وَاسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ، وَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَفِي الْمُقَدَّمِ مِنْهُمَا خِلَافٌ سَبَقَ قَرِيبًا. وَحَكَى الْإِمَامُ طَرِيقًا جَازِمًا بِتَقْدِيمِ الْبَائِعِ. وَلَوْ عَلِمَ عَيْبَ الْعَبْدِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ لَمْ يُنْقَضْ مِلْكُ الشَّفِيعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ. وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِنَ الشَّفِيعِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ، وَيُسَلِّمُ الشِّقْصَ إِلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي، فَرَدُّ الْبَائِعِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِهِ كَمَا يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ. فَإِذَا قُلْنَا بِهِ، أَخَذَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الشِّقْصِ مِنَ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَفِي رُجُوعِ مَنْ بَذَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا رُجُوعَ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ بِالْمَبْذُولِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ. وَلَوْ عَادَ الشِّقْصُ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الْبَائِعُ مِنْ إِجْبَارِهِ عَلَى رَدِّ الشِّقْصِ، وَلَا الْمُشْتَرِي مِنْ إِجْبَارِ الْبَائِعِ عَلَى الْقَبُولِ وَرَدِّ الْقِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا
стр. 1929
غَرِمَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ لِإِبَاقِهِ، فَرَجَعَ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزَلْ وَمِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ زَالَ.
وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ، أَمْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ؟ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ وَجَدَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، فَأَخَذَ الْأَرْشَ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ، نُظِرَ، إِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ سَلِيمًا، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ مَعِيبًا، فَفِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي التَّرَاجُعِ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: الرُّجُوعُ، وَمَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إِلَى الْقَطْعِ بِهِ، لِأَنَّ الشِّقْصَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْعَبْدِ وَالْأَرْشِ، وَوُجُوبُ الْأَرْشِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لِاقْتِضَائِهِ السَّلَامَةَ. وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَرُدُّهُ، فَفِيمَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: قِيمَةُ الْعَبْدِ سَلِيمًا. وَالثَّانِي: قِيمَتُهُ مَعِيبًا. حَتَّى لَوْ بَذَلَ قِيمَةَ السَّلِيمِ، اسْتَرَدَّ قِسْطَ السَّلَامَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَغَلَّطَ الْإِمَامُ قَائِلَهُ.
فَرْعٌ
لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الشِّقْصِ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعُيُوبِ السَّابِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى الْأَخْذِ. ثُمَّ لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَلَا رَدَّ فِي الْحَالِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا بَاعَهُ. فَلَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ، رَدَّهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْبَائِعِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبَ الشِّقْصِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، وَمَنَعَهُ عَيْبٌ حَادِثٌ مِنَ الرَّدِّ، فَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، حُطَّ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرَّدِّ، لَكِنْ تَوَافُقًا عَلَى الْأَرْشِ، فَفِي صِحَّةِ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ وَجْهَانِ سَبَقَا. فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، فَفِي حَطِّهِ عَنِ الشَّفِيعِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْحَطُّ. وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنَ الْبَائِعِ.
стр. 1930
فَصْلٌ
اشْتَرَى بِكَفٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهَا أَوْ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ لَا يَعْلَمُ كَيْلَهَا، فَيُوزَنُ وَيُكَالُ لِيَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِبًا، فَتَبَرَّعَ الْبَائِعُ بِإِحْضَارِهِ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ، وَاعْتَمَدَ قَوْلَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْإِحْضَارَ، وَلَا الْإِخْبَارَ عَنْهُ. وَإِنْ هَلَكَ الثَّمَنُ وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، تَعَذَّرَ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. فَإِنْ أَنْكَرَ الشَّفِيعُ كَوْنَ الشِّرَاءِ بِمَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، نُظِرَ، إِنْ عَيَّنَ قَدْرًا وَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا يُقْنَعُ مِنْهُ وَلَا يَحْلِفُ، بَلْ إِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، جُعِلَ نَاكِلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَ: نَسِيتُ، فَهُوَ كَالنُّكُولِ. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا، لَكِنِ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَعْلَمُهُ، وَطَالَبَهُ بِالْبَيَانِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ [أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ. وَالثَّانِي: تُسْمَعُ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي] عَلَى مَا يَقُولُهُ. فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الشَّفِيعُ عَلَى عِلْمِ الْمُشْتَرِي، وَحُبِسَ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ طَرِيقُ الشَّفِيعِ أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَإِنْ وَافَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِلَّا حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، اسْتَدَلَّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَحَلَفَ عَلَى مَا عَيَّنَهُ، وَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي، زَادَ وَادَّعَى ثَانِيًا. وَهَكَذَا يَفْعَلُ إِلَى أَنْ يَنْكَلَ الْمُشْتَرِي، فَيَسْتَدِلُّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَيَحْلِفُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ تَسْتَنِدُ إِلَى التَّخْمِينِ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ إِذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ.
следующие страницы →