← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

فَفِيهِ أَقْوَالٌ. أَظْهَرُهَا: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ الثَّمَنَ وَأَخَذَ الشِّقْصَ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَحِينَئِذٍ يَبْذُلُ الْأَلْفَ، وَيَأْخُذُ الشِّقْصَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ. وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ. وَالثَّالِثُ: يَأْخُذُ بِعَرَضٍ يُسَاوِي الْأَلْفَ إِلَى سَنَةٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالتَّأْخِيرِ، لِأَنَّهُ بِعُذْرٍ. وَهَلْ يَجِبُ إِعْلَامُ الْمُشْتَرِي بِالطَّلَبِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي وَحَلَّ عَلَيْهِ، لَمْ يَتَعَجَّلِ الْأَخْذَ عَلَى الشَّفِيعِ، بَلْ هُوَ عَلَى خِيرَتِهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ إِلَى انْقِضَاءِ السَّنَةِ. وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ، فَالْخِيرَةُ لِوَارِثِهِ. وَلَوْ بَاعَ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ فِي الْمُدَّةِ صَحَّ، وَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الثَّانِي وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَهُ فِي الْحَالِ أَوْ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَيَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ. هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: إِنَّ الشَّفِيعَ يَنْقُضُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي، فَفِي مَوْضِعِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْخُذُ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ إِذَا كَانَ مَلِيئًا مَوْثُوقًا بِهِ وَأَعْطَى كَفِيلًا مَلِيئًا، وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُ. وَالثَّانِي: لَهُ الْأَخْذُ مُطْلَقًا. وَإِذَا أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ حَلَّ عَلَيْهِ الْأَجَلُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَتَعْيِينُ الْعَرَضِ إِلَى الشَّفِيعِ، وَتَعْدِيلُ الْقِيمَةِ إِلَى مَنْ يَعْرِفُهَا. قَالَ الْإِمَامُ: فَلَوْ لَمْ يَتَّفِقْ طَلَبُ الشُّفْعَةِ حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ وَجَبَ أَنْ لَا يُطَالِبَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِلَّا بِالْعَرَضِ الْمُعَدَّلِ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ عِوَضِ الْمَبِيعِ بِحَالِ الْبَيْعِ، ثُمَّ عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ إِذَا أَخَّرَ الشَّفِيعُ بَطَلَ حَقُّهُ. فَصْلٌ إِذَا اشْتَرَى مَعَ الشِّقْصِ مَنْقُولًا، كَسَيْفٍ وَثَوْبٍ، صَفْقَةً وَاحِدَةً، وُزِّعَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا عَلَى اعْتِبَارِ قِيمَتِهِمَا، وَأَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُمَا يَوْمَ الْبَيْعِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي وَإِنْ تَفَرَّقَتْ صَفْقَتُهُ لِدُخُولِهِ فِيهَا عَالِمًا بِالْحَالِ.

стр. 1927

فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ ثُمَّ نُقِضَتْ، فَلَهَا أَحْوَالٌ. إِحْدَاهَا: أَنْ تَتَعَيَّبَ مِنْ غَيْرِ تَلَفِ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا انْفِصَالِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِأَنْ يَنْشَقَّ جِدَارٌ، أَوْ مَالَتِ أُسْطُوَانَةٌ، أَوِ انْكَسَرَ جِذْعٌ، أَوِ اضْطَرَبَ سَقْفٌ، فَالشَّفِيعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْأَخْذِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَبَيْنَ التَّرْكِ، كَتَعَيُّبِهَا فِي يَدِ الْبَائِعِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتْلَفَ بَعْضُهَا، فَيُنْظَرُ إِنْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنَ الْعَرْصَةِ بِأَنْ غَشِيَهَا سَيْلٌ فَغَرَّقَهَا، أَخَذَ الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. وَإِنْ بَقِيَتِ الْعَرْصَةُ وَتَلِفَتِ السُّقُوفُ وَالْجُدْرَانُ بِاحْتِرَاقٍ وَغَيْرِهِ، فَيُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ [السَّابِقِ] فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: أَنَّ سَقْفَ الدَّارِ الْمَبِيعَةِ وَجِدَارَهَا كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ الْمَبِيعَيْنِ، أَمْ كَطَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ الْعَبْدِ وَصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَخَذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ. وَإِنْ قُلْنَا: كَطَرَفِ الْعَبْدِ، أَخَذَهَا بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَقِيلَ: إِنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَخَذَ بِكُلِّ الثَّمَنِ. وَإِنْ تَلِفَ بِإِتْلَافِ مُتْلِفٍ أَخَذَ بِالْحِصَّةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْصُلُ لَهُ بَدَلُ التَّالِفِ، فَلَا يَتَضَرَّرُ. الثَّالِثَةُ: أَنْ لَا يَتْلَفَ شَيْءٌ مِنْهَا، لَكِنْ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِالِانْهِدَامِ، فَهَلْ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ النَّقْضَ. فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ. فَعَلَى هَذَا يَأْخُذُهُ مَعَ الْعَرْصَةِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَوْ يَتْرُكُهُمَا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَأْخُذُهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ السَّقْفَ وَالْجِدَارَ كَأَحَدِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ كَطَرَفِ الْعَبْدِ. إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَخَذَ الْعَرْصَةَ وَمَا بَقِيَ مِنَ الْبِنَاءِ بِحِصَّتِهَا مِنَ الثَّمَنِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُ بِالْحِصَّةِ. وَالثَّانِي وَهُوَ قِيَاسُ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ: يَأْخُذُ بِتَمَامِ الثَّمَنِ كَالْحَالَةِ الْأُولَى. وَعَلَى هَذَا يُشَبَّهُ النَّقْضُ بِالثِّمَارِ وَالزَّوَائِدِ الَّتِي يَفُوزُ بِهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ.

стр. 1928

فَصْلٌ إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتَبَايِعَانِ عَلَى حَطٍّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ وَقَبْلَهُ، وَفِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَمَكَانِهِ. وَسَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يُلْحَقُ الْحَطُّ وَلَا الزِّيَادَةُ بِالْعَقْدِ بَعْدَ لُزُومِهِ، لَا حَطُّ الْكُلِّ، وَلَا حَطُّ الْبَعْضِ. وَفِيمَا قَبْلَ لُزُومِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: اللُّحُوقُ. فَإِنْ قُلْنَا بِهِ، وَحَطَّ الثَّمَنَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِلَا ثَمَنٍ، فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ هِبَةً عَلَى رَأْيٍ، وَيَبْطُلُ عَلَى رَأْيٍ. فَصْلٌ إِذَا اشْتَرَى الشِّقْصَ بِعَبْدٍ مَثَلًا وَتَقَابَضَا، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا، وَأَرَادَ رَدَّهُ وَاسْتِرْدَادَ الشِّقْصِ، وَطَلَبَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، فَفِي الْمُقَدَّمِ مِنْهُمَا خِلَافٌ سَبَقَ قَرِيبًا. وَحَكَى الْإِمَامُ طَرِيقًا جَازِمًا بِتَقْدِيمِ الْبَائِعِ. وَلَوْ عَلِمَ عَيْبَ الْعَبْدِ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ الشِّقْصَ لَمْ يُنْقَضْ مِلْكُ الشَّفِيعِ، كَمَا لَوْ بَاعَ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ. وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَرِدُّ الْمُشْتَرِي الشِّقْصَ مِنَ الشَّفِيعِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا أَخَذَهُ، وَيُسَلِّمُ الشِّقْصَ إِلَى الْبَائِعِ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْمُشْتَرِي، فَرَدُّ الْبَائِعِ يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِهِ كَمَا يَتَضَمَّنُ نَقْضَ مِلْكِ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ. فَإِذَا قُلْنَا بِهِ، أَخَذَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الشِّقْصِ مِنَ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبْدِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَفِي رُجُوعِ مَنْ بَذَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى صَاحِبِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا رُجُوعَ، لِأَنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَهُ بِالْمَبْذُولِ، فَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ. وَلَوْ عَادَ الشِّقْصُ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَتَمَكَّنِ الْبَائِعُ مِنْ إِجْبَارِهِ عَلَى رَدِّ الشِّقْصِ، وَلَا الْمُشْتَرِي مِنْ إِجْبَارِ الْبَائِعِ عَلَى الْقَبُولِ وَرَدِّ الْقِيمَةِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا

стр. 1929

غَرِمَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ لِإِبَاقِهِ، فَرَجَعَ، لِأَنَّ مِلْكَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ لَمْ يَزَلْ وَمِلْكَ الْمُشْتَرِي قَدْ زَالَ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الزَّائِلَ الْعَائِدَ كَالَّذِي لَمْ يَزَلْ، أَمْ كَالَّذِي لَمْ يَعُدْ؟ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ وَجَدَ الْبَائِعُ الْعَيْبَ بِالْعَبْدِ، وَقَدْ حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، فَأَخَذَ الْأَرْشَ لِامْتِنَاعِ الرَّدِّ، نُظِرَ، إِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ سَلِيمًا، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ مَعِيبًا، فَفِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي التَّرَاجُعِ. لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: الرُّجُوعُ، وَمَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ إِلَى الْقَطْعِ بِهِ، لِأَنَّ الشِّقْصَ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِالْعَبْدِ وَالْأَرْشِ، وَوُجُوبُ الْأَرْشِ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، لِاقْتِضَائِهِ السَّلَامَةَ. وَلَوْ رَضِيَ الْبَائِعُ وَلَمْ يَرُدُّهُ، فَفِيمَا يَجِبُ عَلَى الشَّفِيعِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: قِيمَةُ الْعَبْدِ سَلِيمًا. وَالثَّانِي: قِيمَتُهُ مَعِيبًا. حَتَّى لَوْ بَذَلَ قِيمَةَ السَّلِيمِ، اسْتَرَدَّ قِسْطَ السَّلَامَةِ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَغَلَّطَ الْإِمَامُ قَائِلَهُ. فَرْعٌ لِلْمُشْتَرِي رَدُّ الشِّقْصِ بِالْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْعُيُوبِ السَّابِقَةِ عَلَى الْبَيْعِ وَعَلَى الْأَخْذِ. ثُمَّ لَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي الْعَيْبَ بَعْدَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، فَلَا رَدَّ فِي الْحَالِ، وَلَا أَرْشَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا إِذَا بَاعَهُ. فَلَوْ رَدَّ عَلَيْهِ الشَّفِيعُ بِالْعَيْبِ، رَدَّهُ حِينَئِذٍ عَلَى الْبَائِعِ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي عَيْبَ الشِّقْصِ قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ، وَمَنَعَهُ عَيْبٌ حَادِثٌ مِنَ الرَّدِّ، فَأَخَذَ أَرْشَ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ، حُطَّ ذَلِكَ عَنِ الشَّفِيعِ. وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرَّدِّ، لَكِنْ تَوَافُقًا عَلَى الْأَرْشِ، فَفِي صِحَّةِ هَذِهِ الْمُصَالَحَةِ وَجْهَانِ سَبَقَا. فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، فَفِي حَطِّهِ عَنِ الشَّفِيعِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْحَطُّ. وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مِنَ الْبَائِعِ.

стр. 1930

فَصْلٌ اشْتَرَى بِكَفٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ لَا يَعْلَمُ وَزْنَهَا أَوْ صُبْرَةَ حِنْطَةٍ لَا يَعْلَمُ كَيْلَهَا، فَيُوزَنُ وَيُكَالُ لِيَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَائِبًا، فَتَبَرَّعَ الْبَائِعُ بِإِحْضَارِهِ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْهُ، وَاعْتَمَدَ قَوْلَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يُكَلِّفَهُ الْإِحْضَارَ، وَلَا الْإِخْبَارَ عَنْهُ. وَإِنْ هَلَكَ الثَّمَنُ وَتَعَذَّرَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، تَعَذَّرَ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. فَإِنْ أَنْكَرَ الشَّفِيعُ كَوْنَ الشِّرَاءِ بِمَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَهُ، نُظِرَ، إِنْ عَيَّنَ قَدْرًا وَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِكَذَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَمْ يَكُنْ قَدْرُهُ مَعْلُومًا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُقْنَعُ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ لَا يُقْنَعُ مِنْهُ وَلَا يَحْلِفُ، بَلْ إِنْ أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ، جُعِلَ نَاكِلًا وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الشَّفِيعِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ لَوْ قَالَ: نَسِيتُ، فَهُوَ كَالنُّكُولِ. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ قَدْرًا، لَكِنِ ادَّعَى عَلَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ يَعْلَمُهُ، وَطَالَبَهُ بِالْبَيَانِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ حَتَّى يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي حِينَئِذٍ [أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ. وَالثَّانِي: تُسْمَعُ، وَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي] عَلَى مَا يَقُولُهُ. فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الشَّفِيعُ عَلَى عِلْمِ الْمُشْتَرِي، وَحُبِسَ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَهُ. فَعَلَى الْأَوَّلِ طَرِيقُ الشَّفِيعِ أَنْ يُعَيِّنَ قَدْرًا، فَإِنْ وَافَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِلَّا حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، اسْتَدَلَّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَحَلَفَ عَلَى مَا عَيَّنَهُ، وَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي، زَادَ وَادَّعَى ثَانِيًا. وَهَكَذَا يَفْعَلُ إِلَى أَنْ يَنْكَلَ الْمُشْتَرِي، فَيَسْتَدِلُّ الشَّفِيعُ بِنُكُولِهِ وَيَحْلِفُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ تَسْتَنِدُ إِلَى التَّخْمِينِ، وَلِهَذَا لَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى خَطِّ أَبِيهِ إِذَا سَكَنَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ.

стр. 1931

فَصْلٌ إِذَا ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي ثَمَنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، فَإِنْ ظَهَرَ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، بَانَ بُطْلَانُ الْبَيْعِ وَبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ، وَعَلَى الشَّفِيعِ رَدُّ الشِّقْصِ إِنْ كَانَ قَبَضَهُ. وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا [تَفْرِيقِ] الصَّفْقَةِ. فَإِنْ فَرَّقْنَاهَا وَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِجَازَةَ، فَلِلشَّفِيعِ الْأَخْذُ. وَإِنِ اخْتَارَ الْفَسْخَ وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهُ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَصْدَقَهَا شِقْصًا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ، وَخَرَجَ الْمَدْفُوعُ مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ إِبْدَالُهُ، وَالْبَيْعُ وَالشُّفْعَةُ بِحَالِهِمَا، وَلِلْبَائِعِ اسْتِرْدَادُ الشِّقْصِ لِيَحْبِسَهُ إِلَى أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَإِنْ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ فِي ثَمَنِ الشَّفِيعِ، فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ وَعَلَيْهِ الْإِبْدَالُ. وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَاخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْبُطْلَانِ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ: الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، بِأَنْ قَالَ: تَمَلَّكْتُ الشِّقْصَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ. أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، كَقَوْلِهِ: تَمَلَّكْتُهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، ثُمَّ نَقَدَ الْمُسْتَحَقَّةَ، فَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ قَطْعًا، وَقِيلَ: الْوَجْهَانِ فِي الْحَالَيْنِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: الْفَرْقُ بَيِّنٌ فِي الْحَالَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ فِي حَالَةِ الْجَهْلِ وَالْعِلْمِ، إِذَا قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ، هَلْ نَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ بِأَدَاءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى تَمَلُّكٍ جَدِيدٍ؟ أَمْ نَقُولُ: قَدْ مَلَكَهُ وَالثَّمَنُ دَيْنٌ عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، وَهُوَ خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ، لَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ الْعِلْمِ. وَخُرُوجُ الدَّنَانِيرِ نُحَاسًا كَخُرُوجِهَا مُسْتَحَقَّةً. وَلَوْ خَرَجَ ثَمَنُ

стр. 1932

الْمَبِيعِ رَدِيئًا، فَلِلْبَائِعِ الْخِيَارُ بَيْنَ الرِّضَا بِهِ وَالِاسْتِبْدَالِ. فَإِنْ رَضِيَ، لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ الرِّضَا بِمِثْلِهِ، بَلْ يَأْخُذُ مِنَ الشَّفِيعِ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا احْتِمَالٌ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ خَرَجَ مَا دَفَعَهُ الشَّفِيعُ رَدِيئًا، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا. وَقِيلَ: هُوَ كَخُرُوجِهِ مُسْتَحَقًّا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. فَصْلٌ إِذَا بَنَى الْمُشْتَرِي، أَوْ غَرَسَ، أَوْ زَرَعَ، فِي الْمَشْفُوعِ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَقَلْعُ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ وَزَرْعِهِ مَجَّانًا، لَا بِحَقِّ الشُّفْعَةِ، بَلْ لِأَنَّهُ شَرِيكٌ. وَأَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا انْفَرَدَ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ، كَانَ لِلْآخَرِ أَنْ يَقْلَعَ مَجَّانًا. وَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ الْمُشْتَرِي فِي نَصِيبِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَالتَّمْيِيزِ، ثُمَّ عَلِمَ الشَّفِيعُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْعُهُ مَجَّانًا، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵃. وَفِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالَانِ. أَحَدُهُمَا: قَالَ الْمُزَنِيُّ: الْمُقَاسَمَةُ تَتَضَمَّنُ الرِّضَا مِنَ الشَّفِيعِ، وَإِذَا رَضِيَ بِتَمَلُّكِ الْمُشْتَرِي بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ؟ الثَّانِي أَنَّ الْقِسْمَةَ تَقْطَعُ الشَّرِكَةَ، فَيَصِيرَانِ جَارَيْنِ، وَلَا شُفْعَةَ لِلْجَارِ. وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَصَوَّرُوا صِحَّةَ الْقِسْمَةِ مَعَ بَقَاءِ الشُّفْعَةِ فِي صُوَرٍ. مِنْهَا: أَنْ يُقَالَ لِلشَّفِيعِ: جَرَى الشِّرَاءُ بِأَلْفٍ، فَيَعْفُو وَيُقَاسِمُ، أَوْ أَنَّ الشِّقْصَ مَلَكَهُ بِالْهِبَةِ فَيُقَاسِمُ، ثُمَّ بِأَنَّ الشِّرَاءَ كَانَ بِدُونِ أَلْفٍ، وَأَنَّ الْمِلْكَ حَصَلَ بِالْبَيْعِ، فَتَصِحُّ الْقِسْمَةُ وَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ. وَمِنْهَا: أَنْ يُقَاسِمَ الشَّفِيعُ الْمُشْتَرِيَ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْبَائِعِ بِإِخْبَارِهِ، أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ.

стр. 1933

وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ وَكِيلٌ بِالْقِسْمَةِ مَعَ شُرَكَائِهِ وَمَعَ الْمُشْتَرِينَ مِنْهُمْ، فَيُقَاسِمُ الْوَكِيلُ الْمُشْتَرِيَ بِغَيْرِ عِلْمِ الشَّفِيعِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ فِي الْقِسْمَةِ وَفِي أَخْذِ الْأَشْقَاصِ بِالشُّفْعَةِ، فَرَأَى فِي شِقْصٍ الْحَظَّ فِي تَرْكِهِ، فَيَتْرُكُهُ وَيُقَاسِمُ، ثُمَّ يَقْدُمُ الشَّفِيعَ، وَيَظْهَرُ لَهُ أَنَّ لَهُ الْحَظَّ فِي الْأَخْذِ، وَكَذَلِكَ وَلِيُّ الْيَتِيمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الشَّفِيعُ غَائِبًا، فَيُطَالِبُ الْمُشْتَرِي الْحَاكِمَ بِالْقِسْمَةِ، فَيُجِيبُهُ وَإِنْ عَلِمَ بِثُبُوتِ الشُّفْعَةِ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي إِجَابَتِهِ إِذَا عَلِمَ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَأَجَابُوا عَنْهُ بِأَنَّ الْجَوَازَ إِنَّمَا لَا يَكْفِي فِي الِابْتِدَاءِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُشْتَرِي قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يُكَلَّفُ تَسْوِيَةَ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ كَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِهِ. فَإِنْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ نَقْصٌ، فَيَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ عَلَى صِفَتِهِ، أَوْ يَتْرُكُ. وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْمُشْتَرِي الْقَلْعَ، فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ بَيْنَ إِبْقَاءِ مِلْكِهِ فِي الْأَرْضِ بِأُجْرَةٍ، وَبَيْنَ تَمَلُّكِهِ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْأَخْذِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهُ وَيَغْرَمَ أَرْشَ النَّقْصِ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمُعِيرِ إِذَا رَجَعَ وَقَدْ بَنَى الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَرَسَ بِلَا فَرْقٍ. وَإِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ، بَقِيَ زَرْعُهُ إِلَى أَنْ يُدْرَكَ فَيَحْصُدَ. وَقِيَاسُ الْبَابِ: أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ فِي زَرْعِ الْأَرْضِ الْمُسْتَعَارَةِ. وَالْمَذْهَبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، تَبْقِيَةُ الزَّرْعِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: فِي مُطَالَبَةِ الشَّفِيعِ لِلْمُشْتَرِي بِالْأُجْرَةِ، الْخِلَافُ فِي الْمُعِيرِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا مُطَالَبَةَ هُنَا قَطْعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهُ زَرَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاعَ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، لَا مُطَالَبَةَ لِلْمُشْتَرِي بِأُجْرَةِ مُدَّةِ بَقَاءِ الزَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعَ.

стр. 1934

فَرْعٌ إِذَا زَرَعَ الْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ تَأْخِيرُ الشُّفْعَةِ إِلَى الْإِدْرَاكِ وَالْحَصَادِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ التَّأْخِيرُ وَإِنْ تَأَخَّرَتِ الْمَنْفَعَةُ، كَمَا لَوْ بِيعَتِ الْأَرْضُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ، لَا يُؤَخَّرُ الْأَخْذُ إِلَى وَقْتِهِ. وَلَوْ كَانَ فِي الشِّقْصِ شَجَرٌ عَلَيْهِ ثَمَرٌ لَا يُسْتَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ، فَفِي جَوَازِ تَأْخِيرِهِ إِلَى الْقِطَافِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الثَّمَرَ لَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِالْمَأْخُوذِ. فَصْلٌ تَصَرُّفَاتُ الْمُشْتَرِي فِي الشِّقْصِ مِنَ الْبَيْعِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِهِمَا صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا فِي مِلْكِهِ. وَقِيلَ: بَاطِلَةٌ، وَهُوَ شَاذٌّ. فَعَلَى الصَّحِيحِ: يُنْظَرُ إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مِمَّا لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْوَقْفِ، وَالْهِبَةِ، وَالْإِجَارَةِ، فَلِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ وَأَخْذُ الشِّقْصِ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ كَالْبَيْعِ وَالْأَصْدَاقِ، فَهُوَ كَالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَنْقُضَهُ وَيَأْخُذَ الشِّقْصَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَنْقُضَ وَيَأْخُذَ بِالْعَقْدِ الثَّانِي. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَنْقُضُ تَصَرُّفُهُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُنْقَضُ مَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، لَكِنْ يَتَجَدَّدُ حَقُّ الشُّفْعَةِ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: لَا يَتَجَدَّدُ أَيْضًا، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، فَلَا يُثْبِتُهَا. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُنْقَضُ الْوَقْفُ، وَيُنْقَضُ مَا سِوَاهُ. فَصْلٌ فِي الِاخْتِلَافِ وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: قَالَ الْمُشْتَرِي: عَفَوْتَ عَنْ شُفْعَتِكَ، أَوْ قَصَرْتَ، فَسَقَطَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ.

стр. 1935

الثَّانِيَةُ: قَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ. صُدِّقَ الْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِعَقْدِهِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ الثَّمَنُ عَرَضًا، وَتَلِفَ، وَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُشْتَرِي، حَلَفَ الشَّفِيعُ وَأَخَذَ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِحَقِّ نَفْسِهِ. وَقِيلَ: تُقْبَلُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُرُّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَالثَّمَنُ ثَابِتٌ لَهُ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ شَهِدَ لِلشَّفِيعِ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عَلَى فِعْلِهِ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَصَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ حَقَّهُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ شَهِدَ قَبْلَ قَبْضِهِ الثَّمَنَ، قُبِلَتْ، لِأَنَّهُ يَنْقُضُ حَقَّهُ، إِذْ لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا شَهِدَ بِهِ، وَإِنْ شَهِدَ بَعْدَهُ، فَلَا، لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، فَإِنَّهُ إِذَا قَلَّ الثَّمَنُ، قَلَّ مَا يَغْرَمُهُ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي، كَمَا أَنَّ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُمَا تَتَعَارَضَانِ، لِأَنَّ النِّزَاعَ هُنَا فِيمَا وَقَعَ الْعَقْدُ بِهِ، وَلَا دَلَالَةَ لِلْيَدِ عَلَيْهِ. فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا: تَسْقُطَانِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ قُلْنَا تُسْتَعْمَلَانِ، فَالِاسْتِعْمَالُ هُنَا بِالْقُرْعَةِ أَوِ الْوَقْفِ. الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، فَذَاكَ، وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلُ الْبَائِعِ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ [مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ وَأَخَذَ الشَّفِيعُ بِمَا ادَّعَاهُ الْمُشْتَرِي] . وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّفِيعِ لِلْبَائِعِ، وَلَا تُقْبَلُ لِلْمُشْتَرِي، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَقْلِيلِ الثَّمَنِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَتَحَالَفَا، وَفُسِخَ عَقْدُهُمَا أَوِ انْفَسَخَ، فَإِنْ جَرَى ذَلِكَ بَعْدَمَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، أُقِرَّ فِي يَدِهِ، وَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الشِّقْصِ لِلْبَائِعِ. وَإِنْ جَرَى قَبْلَ الْأَخْذِ، فَفِي سُقُوطِ حَقِّهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي

стр. 1936

خُرُوجِهِ مَعِيبًا. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ، أَخَذَهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، لِأَنَّ الْبَائِعَ اعْتَرَفَ بِاسْتِحْقَاقِ الشَّفِيعِ الْأَخْذَ بِذَلِكَ الثَّمَنِ، فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْبَائِعِ. الرَّابِعَةُ: أَنْكَرَ الْمُشْتَرِي كَوْنَ الطَّالِبِ شَرِيكًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِيَمِينِهِ، فَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِشَرِكَتِهِ، لَا عَلَى نَفْيِ شَرِكَتِهِ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الطَّالِبُ عَلَى الْبَتِّ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَنْكَرَ تَقَدُّمَ مِلْكِ الطَّالِبِ عَلَى مِلْكِهِ. الْخَامِسَةُ: إِذَا كَانَا شَرِيكَيْنِ فِي عَقَارٍ، فَغَابَ أَحَدُهُمَا، وَرَأَيْنَا نَصِيبَهُ فِي يَدِ ثَالِثٍ، فَادَّعَى الْحَاضِرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا وَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ. ثُمَّ إِنِ اعْتَرَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، سُلِّمَ الثَّمَنُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يُتْرَكُ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْمُدَّعِي إِلَى أَنْ يُقِرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ، أَمْ يُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ أَوِ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مَذْكُورَةٍ فِي بَابِ الْإِقْرَارِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً، وَجَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ وَرِثَهُ أَوِ اتَّهَبَهُ، تَعَارَضَتَا. وَإِنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّ الْغَائِبَ أَوْدَعَهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَعَارَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْبَيِّنَتَيْنِ تَارِيخٌ، أَوْ سَبَقَ تَارِيخُ الْإِيدَاعِ، فَلَا مُنَافَاةَ فَيُقْضَى بِالشُّفْعَةِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَوْدَعَهُ ثُمَّ بَاعَهُ، وَإِنْ سَبَقَ تَارِيخُ الْبَيْعِ، فَلَا مُنَافَاةَ أَيْضًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ بِلَفْظِ الْإِيدَاعِ، فَاعْتَمَدَهُ الشُّهُودُ. فَإِنِ انْقَطَعَ الِاحْتِمَالُ بِأَنْ كَانَ تَارِيخُ الْإِيدَاعِ مُتَأَخِّرًا، وَقَالَ الشُّهُودُ: أَوْدَعَهُ وَهِيَ مِلْكُهُ، فَهَا هُنَا يُرَاجَعُ الشَّرِيكُ الْقَدِيمُ. فَإِنْ قَالَ: وَدِيعَةٌ، سَقَطَ حُكْمُ الشِّرَاءِ. وَإِنْ قَالَ: لَا حَقَّ لِي فِيهِ، قُضِيَ بِالشُّفْعَةِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ، فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجَوَابِ أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يُقِرَّ بِأَنَّهُ كَانَ لِذَلِكَ الْغَائِبِ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي أَخْذُهُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، إِذْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى الْغَائِبِ، فَيُوقَفُ الْأَمْرُ حَتَّى يُكَاتَبَ، هَلْ هُوَ مُقِرٌّ بِالْبَيْعِ؟ وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى الْبَيْعِ، وَيَكْتُبُ الْقَاضِي فِي

стр. 1937

السِّجِلِّ أَنَّهُ أَثْبَتَ الشُّفْعَةَ بِتَصَادُقِهِمَا، فَإِذَا قَدِمَ الْغَائِبُ، فَهُوَ عَلَى حَقِّهِ. الثَّانِي: أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الشِّرَاءِ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ. ثُمَّ إِنِ اقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَخْذَهُ بِالشُّفْعَةِ أَوْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ حَلَفَ كَذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ التَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الشِّرَاءِ. وَإِنْ قَالَ فِي الْجَوَابِ: لَمْ أَشْتَرِهِ، بَلْ وَرَثْتُهُ، أَوِ اتَّهَبْتُهُ، فَيَحْلِفُ لِذَلِكَ، أَمْ يَكْفِي الْحَلِفُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ؟ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي دَعْوَى عَيْبِ الْمَبِيعِ. وَإِنْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، حَلَفَ الطَّالِبُ وَاسْتَحَقَّ الشِّقْصَ. وَفِي الثَّمَنِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ. هَذَا إِذَا أَنْكَرَ الشِّرَاءَ، وَالشَّرِيكُ الْقَدِيمُ غَيْرُ مُعْتَرِفٍ بِالْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَرِفًا وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِلَى مَنْ يُسَلِّمُ الثَّمَنَ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: إِلَى الْبَائِعِ، وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَتَلَقَّى الْمِلْكَ مِنْهُ. وَالثَّانِي: يُنَصِّبُ الْقَاضِي أَمِينًا يَقْبِضُ الثَّمَنَ مِنْهُ لِلْمُشْتَرِي وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْبَائِعِ، وَيَقْبِضُ الشِّقْصَ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ لِلْمُشْتَرِي وَيَدْفَعُهُ إِلَى الشَّفِيعِ. وَإِذَا أَخَذَ الْبَائِعُ ثَمَنَ الشِّقْصِ، فَهَلْ لَهُ مُخَاصَمَةُ الْمُشْتَرِي وَمُطَالَبَتُهُ بِالثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَالُهُ أَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ وَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِالدَّرَكِ أَسْهَلَ. فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، وَحَلَفَ الْمُشْتَرِي، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْبَائِعُ، وَأَخَذَ الثَّمَنَ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ مِنَ الشَّفِيعِ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُوقَفُ، أَمْ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ؟ وَجْهَانِ. كَذَا قَالَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي «الشَّامِلِ» أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُطَالِبُ الْمُشْتَرِيَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَرْضَ أَخْذَ الثَّمَنِ مِنَ الشَّفِيعِ؟ فَإِنْ رَضِيَ، فَلْيَقْنَعْ بِهِ، وَهَذَا أَصَحُّ. فَإِنِ اعْتَرَفَ مَعَ الْبَيْعِ بِقَبْضِ الثَّمَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا شُفْعَةَ إِذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِالْقَبْضِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. وَأَصَحُّهُمَا: ثُبُوتُهَا. ثُمَّ هَلْ يُتْرَكُ الثَّمَنُ فِي يَدِ الشَّفِيعِ، أَمْ يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَيَحْفَظُهُ، أَمْ يُجْبَرُ الْمُشْتَرِي عَلَى قَبُولِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ؟ فِيهِ الْأَوْجُهُ السَّابِقَةُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَلَا خُصُومَةَ لَكَ مَعِي، فَيُنْظَرُ فِي

стр. 1938

الْمُضَافِ إِلَيْهِ أَحَاضِرٌ، أَمْ غَائِبٌ، أَمْ صَبِيٌّ؟ وَحُكْمُهُ مَا يَأْتِي فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي تَزَاحُمِ الشُّفَعَاءِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَ الشُّرَكَاءُ عَلَى الطَّلَبِ. وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْمُسْتَحِقِّينَ قَدْ يَكُونُ ابْتِدَاءً، بِأَنْ كَانَتِ الدَّارُ] بَيْنَ [جَمَاعَةٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، وَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ، وَقَدْ يَكُونُ دَوَامًا، بِأَنْ يَمُوتَ الْمُسْتَحِقُّ وَيَتْرُكَ وَرَثَةً، فَلَهُمُ الشُّفْعَةُ. فَإِنْ تَسَاوَتْ حِصَصُ الْمُسْتَحِقِّينَ، تَسَاوْوَا فِي الشِّقْصِ. وَإِنْ تَفَاوَتَتْ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ، فَبَاعَ صَاحِبُ النِّصْفِ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا:] أَنَّ [الشُّفْعَةَ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، فَيُقَسَّمُ النِّصْفُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَالثَّانِي: عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ، فَيُقَسَّمُ نِصْفَيْنِ. فَرْعٌ مَاتَ مَالِكُ الدَّارِ عَنِ ابْنَيْنِ] ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنَيْنِ [ثُمَّ بَاعَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ نَصِيبَهُ، فَهَلْ يَشْتَرِكُ الْأَخُ وَالْعَمُّ فِي الشُّفْعَةِ، أَمْ يَخْتَصُّ بِهَا الْأَخُ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. فَعَلَى هَذَا، هَلْ يُوَزَّعُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِالْحِصَصِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ: الْقَطْعُ بِالْحِصَصِ. وَإِذَا قُلْنَا: يَخْتَصُّ الْأَخُ فَعَفَا، فَفِي ثُبُوتِهَا لِلْعَمِّ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ، وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ الْأَخُ، لِزِيَادَةِ قُرْبِهِ، كَمَا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ يُقَدَّمُ فِي الْمَرْهُونِ عَلَى الْغُرَمَاءِ. فَلَوْ سَقَطَ حَقُّهُ، تَمَسَّكَ بِهِ الْبَاقُونَ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الثَّانِي أَصَحَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَخِ وَالْعَمِّ فِي كُلِّ صُورَةٍ. مَلَكَ شَرِيكَانِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ،

стр. 1939

وَغَيْرُهُمَا مِنَ الشُّرَكَاءِ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَبَاعَ أَحَدُ الْمَالِكِينَ بِالسَّبَبِ الْوَاحِدِ، فَفِي قَوْلٍ: الشُّفْعَةُ لِصَاحِبِهِ خَاصَّةً، وَعَلَى الْأَظْهَرِ: لِلْجَمِيعِ. مِثَالُهُ: بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِرَجُلَيْنِ، أَوْ وَهَبَهُ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ. وَلَوْ مَاتَ مَنْ لَهُ دَارٌ عَنْ بِنْتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ، فَبَاعَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ نَصِيبَهَا، فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ. فَفِي قَوْلٍ: تَخْتَصُّ بِالشُّفْعَةِ الْبِنْتُ الْأُخْرَى، وَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَشْتَرِكْنَ كُلُّهُنَّ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالِاشْتِرَاكِ. فَرْعٌ مَاتَ الشَّفِيعُ عَنِ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ وَرِثَا حَقَّ الشُّفْعَةِ، فَفِي كَيْفِيَّةِ إِرْثِهِمَا طُرُقٌ. أَصَحُّهَا: يَأْخُذَانِ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ قَطْعًا. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ. فَرْعٌ دَارَ بَيْنَ اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ، بَاعَ أَحَدُهُمَا نِصْفَ نَصِيبِهِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ بَاعَ النِّصْفَ الْآخَرَ لِعَمْرٍو، فَالشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ تَخْتَصُّ بِالشَّرِيكِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ قَدْ يَعْفُو عَنْهُ، وَقَدْ يَأْخُذُهُ. وَفِي النِّصْفِ الثَّانِي أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يَخْتَصُّ بِهِ الْأَوَّلُ. وَالثَّانِي: يَشْتَرِكُ فِيهِ الْأَوَّلُ وَالْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ. وَأَصَحُّهُمَا: إِنْ عَفَا الشَّرِيكُ الْأَوَّلُ عَنِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ، اشْتَرَكَا، وَإِلَّا فَيَخْتَصُّ بِهِ الشَّرِيكُ الْأَوَّلُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَطْلُبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ وَيَعْفُوَ بَعْضُهُمْ. وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ مَا إِذَا كَانَتِ الشُّفْعَةُ لِوَاحِدٍ فَعَفَا عَنْ بَعْضِهَا، وَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يَسْقُطُ جَمِيعُهَا كَالْقِصَاصِ. وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ كَعَفْوِهِ عَنْ بَعْضِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ مَا عَفَا عَنْهُ

стр. 1940

وَيَبْقَى الْبَاقِي، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَمَوْضِعُ هَذَا الْوَجْهِ، مَا إِذَا رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ أَبَى وَقَالَ: خُذِ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذِهِ الْأَوْجُهُ، إِذَا لَمْ نَحْكُمْ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ. فَإِنْ حَكَمْنَا بِهِ، فَطَرِيقَانِ. مِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْبَعْضِ تَأْخِيرٌ لِطَلَبِ الْبَاقِي، وَمِنْهُمْ مَنِ احْتَمَلَ ذَلِكَ إِذَا بَادَرَ إِلَى طَلَبِ الْبَاقِي، وَطَرَدَ الْأَوْجُهَ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَنَّ صَاحِبَ «الشَّامِلِ» قَالَ: اسْتَحَقَّ شِقْصًا، فَجَاءَ وَقَالَ: آخُذُ نِصْفَهُ، سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ فِي الْكُلِّ، لِأَنَّهُ تَرَكَ طَلَبَ النِّصْفِ. إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاسْتَحَقَّ اثْنَانِ شُفْعَةً، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي، وَيَثْبُتُ الْجَمِيعُ لِلْآخَرِ. فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ، وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَالثَّانِي: يَسْقُطُ حَقُّهُمَا جَمِيعًا، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، كَالْقِصَاصِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَسْقُطُ حَقُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، تَغْلِيبًا لِلثُّبُوتِ كَمَا سَبَقَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَالرَّابِعُ: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا قِسْطَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُلْزِمَهُ أَخْذَ الْجَمِيعِ. هَذَا إِذَا ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِعَدَدٍ ابْتِدَاءً. فَلَوْ ثَبَتَتْ لِوَاحِدٍ فَمَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا، فَهَلْ هُوَ كَمَا لَوْ ثَبَتَتْ لِوَاحِدٍ فَعَفَا عَنْ بَعْضِهَا، أَمْ كَثُبُوتِهَا لِابْنَيْنِ عَفَا أَحَدُهُمَا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَوْ كَانَ لِلشِّقْصِ شَفِيعَانِ، فَمَاتَ كُلٌّ عَنِ ابْنَيْنِ، فَعَفَا أَحَدُهُمَا عَنْ حَقِّهِ، فَحَاصِلُ الْمَنْقُولِ تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يَسْقُطُ الْكُلُّ. وَالثَّانِي: يَبْقَى الْكُلُّ لِلْأَرْبَعَةِ. وَالثَّالِثُ: يَسْقُطُ حَقُّ الْعَافِي وَأَخِيهِ، وَيَأْخُذُ الْآخَرَانِ. وَالرَّابِعُ: يَنْتَقِلُ حَقُّ الْعَافِي إِلَى الثَّلَاثَةِ، فَيَأْخُذُونَ الشِّقْصَ أَثْلَاثًا. وَالْخَامِسُ: يَسْتَقِرُّ حَقُّ الْعَافِي لِلْمُشْتَرِي، وَيَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الشِّقْصِ. وَالسَّادِسُ: يَنْتَقِلُ حَقُّ الْعَافِي إِلَى أَخِيهِ فَقَطْ. قُلْتُ: أَصَحُّهَا: الرَّابِعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1941

فَرْعٌ مَاتَ الشَّفِيعُ عَنِ ابْنَيْنِ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَفْوَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ يَمِينِهِمَا عَلَى الْبَتِّ. فَلَوِ ادَّعَى عَفْوَ أَبِيهِمَا، حَلَفَا عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِنْ حَلَفَا أَخَذَا. وَإِنْ نَكَلَا حَلَفَ الْمُشْتَرِي، وَبَطَلَ حَقُّهُمَا. وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ إِذَا عَفَا أَحَدُهُمَا أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ، فَلَا يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ. وَإِنْ قُلْنَا: حَقُّ الْعَافِي يَسْتَقِرُّ لِلْمُشْتَرِي، حَلَفَ الْمُشْتَرِي لِيَسْتَقِرَّ لَهُ نَصِيبُ النَّاكِلِ. ثُمَّ الْوَارِثُ الْحَالِفُ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ بِنُكُولِ أَخِيهِ، وَلَكِنْ إِنْ صَدَّقَ أَخَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْفُ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا. وَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ الْعَفْوَ، وَأَنْكَرَ النَّاكِلُ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لِدَعْوَى أَخِيهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْحَلِفِ نُكُولُهُ فِي جَوَابِ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ حَلَفَ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ نَكَلَ أَيْضًا، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ عَفَا، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُ الْجَمِيعَ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَحْضُرَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ دُونَ بَعْضٍ. فَإِذَا كَانَتِ الدَّارُ لِأَرْبَعَةٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، وَثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِلْبَاقِينَ، فَلَمْ يَحْضُرْ إِلَّا وَاحِدٌ، فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ حِصَّتِهِ فَقَطْ، وَلَا يُكَلَّفُ الصَّبْرَ إِلَى حُضُورِهِمَا، بَلْ إِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ أَوْ تَرَكَهُ. وَهَلْ لَهُ تَأْخِيرُ الْأَخْذِ إِلَى حُضُورِهِمَا؟ إِذَا قُلْنَا: الشُّفْعَةُ عَلَى الْفَوْرِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِلْعُذْرِ، وَإِذَا أَخَذَ الْجَمِيعَ، ثُمَّ حَضَرَ أَحَدُ الْغَائِبِينَ، أَخَذَ مِنْهُ النِّصْفَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا شَفِيعَانِ. فَإِذَا حَضَرَ الثَّالِثُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فُرُوعٌ: أَحَدُهَا: خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا بَعْدَ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، فَفِي الْعُهْدَةِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عُهْدَةُ الثَّلَاثَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي لِاسْتِحْقَاقِهِمُ الشُّفْعَةَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ رُجُوعَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَيَسْتَرِدُّ مِنْهُ كُلَّ الثَّمَنِ، وَرُجُوعَ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَيَسْتَرِدُّ

стр. 1942

مِنْهُ النِّصْفَ، وَرُجُوعَ الثَّالِثِ عَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّانِي يَسْتَرِدُّ مِنْ كُلٍّ مَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ، وَرَجَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ الْأَوَّلَ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هَذَا الْخِلَافُ فِي الرُّجُوعِ بِالْمَغْرُومِ مِنْ أُجْرَةٍ وَنَقْصِ قِيمَةِ الشِّقْصِ. فَأَمَّا الثَّمَنُ فَكُلٌّ، فَيَسْتَرِدُّ مَا سَلَّمَهُ مِمَّنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ. الثَّانِي: أَخَذَ الْحَاضِرُ جَمِيعَ الشِّقْصِ، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا فَرَدَّهُ، فَحَضَرَ الثَّانِي وَهُوَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَلَهُ أَخْذُ الْجَمِيعِ. الثَّالِثُ: مَا يَسْتَوْفِيهِ الْأَوَّلُ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَيَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ وَالثَّمَرَةِ، يُسَلَّمُ لَهُ، فَلَا يُزَاحِمُهُ فِيهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا الثَّالِثُ لَا يُزَاحِمُ الثَّانِيَ فِيمَا يَحْصُلُ لَهُ بَعْدَ الْمُنَاصَفَةِ، كَمَا أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يُزَاحِمُ الْمُشْتَرِيَ فِيهَا. الرَّابِعُ: أَخَذَ الْأَوَّلُ كُلَّ الشِّقْصِ وَأَفْرَزَهُ، بِأَنْ أَتَى الْحَاكِمُ فَنَصَّبَ قَيِّمًا فِي مَالِ الْغَائِبَيْنِ، فَاقْتَسَمَا، وَبَنَى فِيهِ، أَوْ غَرَسَ ثُمَّ رَجَعَ الْغَائِبَانِ، هَلْ لَهُمَا الْقَلْعُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، كَمَا أَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَقْلَعُ بِنَاءَ الْمُشْتَرِي وَغِرَاسِهُ مَجَّانًا. وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَحِقَّانِ كَاسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ، فَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُهُمَا، بِخِلَافِ الشَّفِيعِ مَعَ الْمُشْتَرِي. الْخَامِسُ: إِذَا حَضَرَ اثْنَانِ فَأَخَذَا الشِّقْصَ، وَاقْتَسَمَا مَعَ الْقَيِّمِ فِي مَالِ الْغَائِبِ، ثُمَّ قَدِمَ [الْغَائِبُ] ، فَلَهُ الْأَخْذُ وَإِبْطَالُ الْقِسْمَةِ، فَإِنْ عَفَا اسْتَمَرَّتِ الْقِسْمَةُ. السَّادِسُ: أَخَذَ اثْنَانِ، فَحَضَرَ الثَّالِثُ، وَأَرَادَ أَخْذَ ثُلُثِ مَا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَلَا يَأْخُذُ مِنَ الثَّانِي] شَيْئًا [فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ دُونَ الْآخَرِ. السَّابِعُ: أَخَذَ الْأَوَّلُ الْجَمِيعَ، فَحَضَرَ الثَّانِي وَأَرَادَ أَخْذَ الثُّلُثِ فَقَطْ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ الْحَقُّ عَلَى الْأَوَّلِ. فَإِنْ أَخَذَ الثُّلُثَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، أَوْ بِالتَّرَاضِي، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ، نُظِرَ، إِنْ أَخَذَ مِنَ الْأَوَّلِ نِصْفَ مَا فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ

стр. 1943

لِلثَّانِي، فَلَا كَلَامَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الثَّانِي ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَقَّهُ ثَابِتٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ، ثُمَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْأَوَّلِ: ضُمَّ مَا مَعَكَ إِلَى [مَا] أَخَذْتُهُ لِنُقَسِّمَهُ نِصْفَيْنِ لِأَنَّا مُتَسَاوِيَانِ. وَإِنَّمَا تَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِأَنَّا نَحْتَاجُ إِلَى عَدَدٍ لِثُلُثِهِ ثُلُثٌ وَهُوَ تِسْعَةٌ، مَعَ الثَّانِي مِنْهَا ثَلَاثَةٌ، وَمَعَ الْأَوَّلِ سِتَّةٌ، فَيَنْتَزِعُ الثَّالِثُ مِنَ الثَّانِي وَاحِدًا يَضُمُّهُ إِلَى السِّتَّةِ [الَّتِي] مَعَ الْأَوَّلِ، فَلَا يَنْقَسِمُ بَيْنَهُمَا، فَتُضْرَبُ اثْنَيْنِ فِي تِسْعَةٍ تَبْلُغُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، لِلثَّانِي مِنْهَا اثْنَانِ فِي اثْنَيْنِ بِأَرْبَعَةٍ، تَبْقَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ لِلْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ نِصْفَيْنِ، وَهَذَا الْمُنْقَسِمُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، رُبُعُ الدَّارِ، فَتُقَسَّمُ جُمْلَتُهَا مِنِ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ وَنَقَلُوهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَمَّا تَرَكَ الثَّانِي سُدُسًا لِلْأَوَّلِ، صَارَ عَافِيًا عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ، فَيَبْطُلُ جَمِيعُ حَقِّهِ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْقَطَ حَقُّ الثَّانِي كُلُّهُ، وَيَكُونُ الشِّقْصُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنُ: قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: لَوْ حَضَرَ اثْنَانِ وَأَخَذَا الشِّقْصَ، ثُمَّ حَضَرَ الثَّالِثُ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ، فَإِنْ قَضَى لَهُ الْقَاضِي عَلَى الْغَائِبِ، أَخَذَ مِنْ كُلٍّ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ، وَإِلَّا فَهَلْ يَأْخُذُ ثُلُثَ مَا فِي يَدِ الْحَاضِرِ، أَمْ نِصْفَهُ؟ وَجْهَانِ. ثُمَّ إِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَغَابَ الْحَاضِرُ، فَإِنْ كَانَ الثَّالِثُ أَخَذَ مِنَ الْحَاضِرِ ثُلُثَ مَا مَعَهُ، أَخَذَ مِنَ الْقَادِمِ ثُلُثَ مَا فِي يَدِهِ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ أَخَذَ نِصْفَهُ، أَخَذَ مِنَ الْقَادِمِ سُدُسَ مَا فِي يَدِهِ وَيَتِمُّ بِذَلِكَ نَصِيبُهُ، وَيَنْقَسِمُ هَذَا الشِّقْصُ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ، وَجُمْلَةُ الدَّارِ مِنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ. التَّاسِعُ: ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لِحَاضِرٍ وَغَائِبٍ، فَعَفَا الْحَاضِرُ، ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ، فَوَرِثَهُ الْحَاضِرُ، فَلَهُ أَخْذُ الشِّقْصِ كُلِّهِ بِالشُّفْعَةِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ: أَنَّهُ إِذَا عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ، أَخَذَ الْآخَرُ الْجَمِيعَ. وَإِنْ قُلْنَا: عَفْوُ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ حَقَّ الْآخَرِ،

стр. 1944

لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. وَإِنْ قُلْنَا: يَسْتَقِرُّ نَصِيبُ الْعَافِي لِلْمُشْتَرِي، لَمْ يَأْخُذِ الْحَاضِرُ بِحَقِّ الْإِرْثِ إِلَّا النِّصْفَ. فَصْلٌ لَيْسَ لِلشَّفِيعِ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَلَوِ اشْتَرَى اثْنَانِ شِقْصًا مِنْ رَجُلٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، إِذْ لَا تَفْرِيقَ عَلَيْهِ. وَلَوْ بَاعَ اثْنَانِ مِنْ مُلَّاكِ الدَّارِ شِقْصًا لِوَاحِدٍ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِ الْبَائِعَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاعَ اثْنَانِ نَصِيبَهُمَا لِاثْنَيْنِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ كَأَرْبَعَةِ عُقُودٍ، تَفْرِيعًا عَلَى الْأَظْهَرِ أَنَّ تَعَدُّدَ الْبَائِعِ كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي، فَلِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْجَمِيعَ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ وَهُوَ نَصِيبُ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ وَنِصْفُ نَصِيبِ الْآخَرِ، أَوْ يَأْخُذُ نِصْفَ الْجُمْلَةِ بِأَخْذِ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا أَوْ نِصْفِ نَصِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ أَوْ يَأْخُذُ رُبُعَ الْجُمْلَةِ وَهُوَ نِصْفُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا. وَلَوْ وَكَّلَا وَكِيلًا فِي بَيْعِ شِقْصٍ أَوْ شِرَائِهِ، أَوْ وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي بَيْعِ شِقْصٍ أَوْ شِرَائِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ، أَمْ بِمَنْ لَهُ الْعَقْدُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ لِثَلَاثَةٍ، فَوَكَّلَ أَحَدَهُمْ بِبَيْعِ نَصِيبِهِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَ نَصِيبِ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَبَاعَ كَذَلِكَ، فَلَيْسَ لِلثَّالِثِ إِذَا قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالْعَاقِدِ إِلَّا أَخْذُ الْجَمِيعِ أَوْ تَرْكُ الْجَمِيعِ. وَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْقُودِ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا فَقَطْ. وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ لِرَجُلَيْنِ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِبَيْعِ نِصْفِ نَصِيبِهِ، وَجَوَّزَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مَعَ نَصِيبِ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَبَاعَ كَذَلِكَ، وَأَرَادَ الْمُوَكِّلُ أَخْذَ نَصِيبِ الْوَكِيلِ بِالشُّفْعَةِ بِحَقِّ النِّصْفِ الْبَاقِي لَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الصَّفْقَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا لَا شُفْعَةَ لِلْمُوَكِّلِ فِيهِ وَهُوَ مِلْكُهُ، وَعَلَى مَا فِيهِ شُفْعَةٌ وَهُوَ مَلِكُ الْوَكِيلِ، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاعَ شِقْصًا وَثَوْبًا بِمِائَةٍ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: أَنَّهَا كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ. وَلَوْ بَاعَ شِقْصَيْنِ

стр. 1945

مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَإِنْ كَانَ الشَّفِيعُ فِي أَحَدِهِمَا غَيْرَ الشَّفِيعِ فِي الْأُخْرَى، فَلِكُلٍّ أَنْ يَأْخُذَ مَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ، وَافَقَهُ الْآخَرُ فِي الْأَخْذِ، أَمْ لَا. وَإِنْ كَانَ شَفِيعَهُمَا وَاحِدًا، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَسْقُطُ بِهِ حَقُّ الشَّفِيعِ الْأَظْهَرُ الْمَنْصُوصُ فِي الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ: أَنَّ الشُّفْعَةَ عَلَى الْفَوْرِ. وَالثَّانِي: تَمْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَالثَّالِثُ: تَمْتَدُّ مُدَّةً تَتَّسِعُ لِتَأَمُّلِ الْمَصْلَحَةِ فِي الْأَخْذِ. وَالرَّابِعُ: تَمْتَدُّ إِلَى التَّصْرِيحِ بِإِسْقَاطِهَا. وَالْخَامِسُ: إِلَى التَّصْرِيحِ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: بِعْ لِمَنْ شِئْتَ، أَوْ هَبْهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ: بِعْنِيهِ، أَوْ هَبْهُ لِي، أَوْ قَاسِمْنِي. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ بِهَذَا، وَلِلْمُشْتَرِي إِذَا لَمْ يَأْخُذِ الشَّفِيعُ وَلَمْ يَعْفُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُلْزِمَهُ الْأَخْذَ أَوِ الْعَفْوَ. وَفِي قَوْلٍ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، تَنْزِيلًا لِلشَّفِيعِ مَنْزِلَةَ مُسْتَحِقِّ الْقِصَاصِ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ الْفَوْرِ. [وَإِنَّمَا نَحْكُمُ بِالْفَوْرِ] بَعْدَ عِلْمِ الشَّفِيعِ بِالْبَيْعِ. فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى مَضَى سُنُونَ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، ثُمَّ إِذَا عَلِمَ، لَا يُكَلَّفُ الْمُبَادَرَةَ، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ بِالْعَدْوِ وَنَحْوِهِ، بَلْ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَا عُدَّ تَقْصِيرًا وَتَوَانِيًا فِي الطَّلَبِ، يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، وَمَا لَا يُعَدُّ تَقْصِيرًا لِعُذْرٍ، لَا يُسْقِطُهَا. وَالْعُذْرُ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ كَالْمَرَضِ، فَيَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ أَنْ يُوَكِّلَ إِنْ قَدَرَ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَقْصِيرِهِ. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَلْحَقْهُ فِي التَّوْكِيلِ مِنَّةٌ وَلَا مُؤْنَةٌ ثَقِيلَةٌ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ. فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ أَوِ الْأَصَحِّ. وَالْخَوْفُ مِنَ الْعَدُوِّ، كَالْمَرَضِ،

стр. 1946

وَكَذَا الْحَبْسُ إِذَا كَانَ ظُلْمًا أَوْ بِدَيْنٍ هُوَ مُعْسِرٌ بِهِ عَاجِزٌ عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ. وَإِنْ حَبَسَ بِحَقٍّ، بِأَنْ كَانَ مَلِيئًا، فَغَيْرُ مَعْذُورٍ، وَمِثْلُهُ الْغَيْبَةُ. فَإِذَا كَانَ الشَّفِيعُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ طَالِبًا عِنْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ، أَوْ يَبْعَثُ وَكِيلًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُخَوِّفًا، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَى أَنْ يَجِدَ رُفْقَةً مُعْتَمَدِينَ يَصْحَبُهُمْ هُوَ أَوْ وَكِيلُهُ وَيَزُولَ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ الْمُفْرِطَانِ. وَإِذَا أَخَّرَ لِذَلِكَ، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ السَّيْرُ بِنَفْسِهِ، وَلَا [وَجَدَ] وَكِيلًا، فَلْيُشْهِدْ عَلَى الطَّلَبِ. فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، فَفِي بُطْلَانِ حَقِّهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَأُجْرِيَ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ إِذَا سَارَ طَالِبًا فِي الْحَالِ. وَالْأَظْهَرُ هُنَا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَلَا تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ بِتَرْكِهِ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ وَكِيلًا وَلَمْ يُشْهِدْ، فَإِنَّهُ يَكْفِي. وَلْيُطْرَدْ فِيمَا إِذَا كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُنْتَظَرُ زَوَالُهُ عَنْ قُرْبٍ، بِأَنْ كَانَ مَشْغُولًا بِصَلَاةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ فِي حَمَّامٍ، فَلَهُ الْإِتْمَامُ، وَلَا يُكَلَّفُ قَطْعَهَا، عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُكَلَّفُ قَطْعَهَا حَتَّى الصَّلَاةَ إِذَا كَانَتْ نَافِلَةً. وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْأَكْلِ أَوِ الصَّلَاةِ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، جَازَ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَهَا، فَإِذَا فَرَغَ طَلَبَ الشُّفْعَةَ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا يُجْزِئُ. فَرْعٌ لَوْ رَفَعَ الشَّفِيعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي، وَتَرَكَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي مَعَ حُضُورِهِ، جَازَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَلَوْ أَشْهَدَ عَلَى الطَّلَبِ، وَلَمْ يُرَاجِعِ الْمُشْتَرِيَ وَلَا الْقَاضِيَ لَمْ يَكْفِ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَائِبًا، فَالْقِيَاسُ: أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي وَيَأْخُذَ كَمَا ذَكَرْنَا هُنَاكَ. وَإِذَا أَلْزَمْنَاهُ الْإِشْهَادَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُؤْمَرُ أَنْ يَقُولَ:

стр. 1947

تَمَلَّكْتُ الشِّقْصَ؟ وَجْهَانِ سَبَقَ نَظِيرُهُمَا هُنَاكَ. وَلَوْ تَلَاقَيَا فِي غَيْرِ بَلَدِ الشِّقْصِ، فَأَخَّرَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ إِلَى الْعَوْدِ إِلَيْهِ بَطَلَ حَقُّهُ، لِاسْتِغْنَاءِ الْآخِذِ عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَ الشِّقْصِ. فَصْلٌ إِذَا أَخَّرَ الطَّلَبَ ثُمَّ قَالَ: أَخَّرْتُ لِأَنِّي لَمْ أُصَدِّقِ الْمُخْبِرَ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلَانِ، أَوْ عَدْلٌ وَامْرَأَتَانِ بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، كَكَافِرٍ، وَفَاسِقٍ، وَصَبِيٍّ، لَمْ يَبْطُلْ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ، حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، بَطَلَ حَقُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْمَرْأَةُ كَالْعَبْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: كَالْفَاسِقِ. وَعَلَى هَذَا، فِي النِّسْوَةِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هَلْ يُقْضَى لَهُ بِيَمِينِهِ مَعَ امْرَأَتَيْنِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ كَالْمَرْأَةِ، وَإِلَّا فَكَالْعَدْلِ الْوَاحِدِ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغْ عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ التَّوَاطُؤُ عَلَى الْكَذِبِ. فَإِنْ بَلَغَهُ، بَطَلَ حَقُّهُ، [وَ] إِنْ كَانُوا فُسَّاقًا. فَرْعٌ لَوْ كَذَبَهُ الْمُخْبِرُ فَزَادَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، بِأَنْ قَالَ: بَاعَ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ بِأَلْفٍ، فَعَفَا أَوْ تَوَانَى، ثُمَّ بَانَ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ. وَلَوْ كَذَبَ بِالنَّقْصِ، فَقَالَ: بَاعَ بِأَلْفٍ فَعَفَا، فَبَانَ بِأَلْفَيْنِ، بَطَلَ حَقُّهُ. وَلَوْ كَذَبَ فِي تَعْيِينِ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ بَاعَ زَيْدًا، فَعَفَا، فَبَانَ عَمْرًا، أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ لِنَفْسِي، فَبَانَ وَكِيلًا، أَوْ كَذَبَ فِي جِنْسِ الثَّمَنِ، فَقَالَ: بَاعَ بِدَرَاهِمَ، فَبَانَ دَنَانِيرَ، وَفِي نَوْعِهِ، فَقَالَ: بَاعَ بِنَيْسَابُورِيَّةَ، فَبَانَ بِـ «هَرَوِيَّةَ» ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ: بَاعَ كُلَّ نَصِيبِهِ، فَبَانَ بَعْضَهُ، أَوْ بِالْعَكْسِ،

стр. 1948

أَوْ بَاعَ حَالًا، فَبَانَ مُؤَجَّلًا، أَوْ إِلَى شَهْرٍ، فَبَانَ إِلَى شَهْرَيْنِ، أَوْ بَاعَ رَجُلَيْنِ، فَبَانَ رَجُلًا، أَوْ عَكْسُهُ، لَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِذَلِكَ. وَشَذَّ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ فَقَالَ: إِذَا أَخْبَرَ بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، فَعَفَا، فَبَانَ عَكْسُهُ وَلَمْ يَتَفَاوَتِ الْقَدْرُ عِنْدَ التَّقْوِيمِ، بَطَلَ حَقُّهُ. وَلَوْ قِيلَ: بَاعَ بِكَذَا مُؤَجَّلًا فَعَفَا، فَبَاعَ حَالًا، أَوْ بَاعَ كُلَّهُ بِأَلْفٍ [فَبَانَ بَعْضَهُ بِأَلْفٍ] ، بَطَلَ حَقُّهُ قَطْعًا. فَرْعٌ لَقِيَ الْمُشْتَرِيَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَمْ تَبْطُلْ شُفْعَتُهُ، لِأَنَّهُ سُنَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمَنْ غَلَا فِي اشْتِرَاطِ قَطْعِ مَا هُوَ مَشْغُولٌ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لَا يَبْعُدُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ تَرْكُ الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ. وَلَوْ قَالَ عِنْدَ لِقَائِهِ: بِكَمِ اشْتَرَيْتَ؟ فَوَجْهَانِ، قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِالْبُطْلَانِ، وَقَالُوا: حَقُّهُ أَنْ يُظْهِرَ الطَّلَبَ ثُمَّ يَبْحَثُ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِافْتِقَارِهِ إِلَى تَحْقِيقِ مَا يَأْخُذُهُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي صَفْقَتِكَ، لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتَ رَخِيصًا وَمَا أَشْبَهَهُ، بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، لِأَنَّهُ فُضُولٌ. فَرْعٌ أَخَّرَ الطَّلَبَ ثُمَّ اعْتَذَرَ بِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ غَيْبَةٍ، وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الشَّفِيعِ إِنْ عُلِمَ بِهِ الْعَارِضُ الَّذِي ادَّعَاهُ، وَإِلَّا فَالْمُصَدَّقُ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ ثُبُوتَ حَقِّ الشُّفْعَةِ، أَوْ كَوْنَهَا عَلَى الْفَوْرِ، فَهُوَ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.

стр. 1949

فَصْلٌ إِذَا بَاعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَهُ، أَوْ وَهَبَهُ عَالِمًا بِثُبُوتِ شُفْعَتِهِ، بَطَلَتْ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الشُّفْعَةُ عَلَى الْفَوْرِ أَوِ التَّرَاخِي لِزَوَالِ ضَرَرِ الْمُشَارِكَةِ. وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ جَاهِلًا بِالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِزَوَالِ الضَّرَرِ. وَلَوْ بَاعَ بَعْضَهُ جَاهِلًا، أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ. وَالْوَجْهُ: أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: إِنَّ بَيْعَ الْجَمِيعِ جَاهِلًا يُبْطِلُهَا. قُلْتُ: الْأَصَحُّ هُنَا عَلَى الْجُمْلَةِ: أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ لِعُذْرِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَاجَةِ لِلْمُشَارَكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ إِذَا صَالَحَ مِنْ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَلَى مَالٍ، فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّلْحِ عَنِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَاخْتَارَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ صِحَّتَهُ. وَلَوْ تَصَالَحَا عَلَى أَخْذِ بَعْضِ الشِّقْصِ، فَهَلْ يَصِحُّ لِرِضَا الْمُشْتَرِي بِالتَّبْعِيضِ، أَمْ تَبْطُلُ شُفْعَتُهُ، أَمْ يَبْطُلُ الصُّلْحُ وَيَبْقَى خِيَارُهُ بَيْنَ أَخْذِ الْجَمِيعِ وَتَرْكِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ إِحْدَاهَا: لِلْمُفْلِسِ الْعَفْوُ عَنِ الشُّفْعَةِ وَالْأَخْذُ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ لِلْغُرَمَاءِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ فِي أَخْذِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي شِرَائِهِ فِي الذِّمَّةِ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ مِنْ أَيْنَ يُؤَدِّي الثَّمَنَ؟ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْلِيسِ.

стр. 1950

الثَّانِيَةُ: وَهَبَ شِقْصًا لِعَبْدِهِ وَقُلْنَا: يَمْلِكُ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ، ثَبَتَ لِلْعَبْدِ الشُّفْعَةُ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، وَجْهَانِ: الثَّالِثَةُ: لِعَامِلِ الْقِرَاضِ الْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ فَلِلْمَالِكِ الْأَخْذُ وَلَوِ اشْتَرَى بِمَالِ الْقِرَاضِ شِقْصًا مِنْ شَرِيكِ رَبِّ الْمَالِ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ شَرِيكًا فِيهِ، فَلَهُ الْأَخْذُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَوْ كَانَ وَقُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَالِكِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ الشِّقْصُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا أَقْبِضُهُ إِلَّا مِنَ الْمُشْتَرِي، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَيُكَلِّفُ الْحَاكِمُ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَتَسَلَّمَهُ وَيُسَلَّمَ إِلَى الشَّفِيعِ. فَإِنْ كَانَ غَائِبًا نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الطَّرَفَيْنِ. وَالثَّانِي: لَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ، بَلْ يَأْخُذُهُ الشَّفِيعُ مِنَ الْبَائِعِ. وَسَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ فَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، لِأَنَّ الْمِلْكَ انْتَقَلَ إِلَيْهِ مِنْهُ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» وَآخَرُونَ، هَكَذَا ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَآخَرُونَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَآخَرُونَ فِي جَوَازِ أَخْذِ الشَّفِيعِ مِنَ الْبَائِعِ وَجْهَيْنِ، وَقَطَعَ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» بِالْمَنْعِ. وَصَحَّحَ الْمُتَوَلِّي الْجَوَازَ، ذَكَرَهُ فِي بَابِ حُكْمِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ: اشْتَرَى شِقْصًا بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ، فَذَاكَ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ وَأَبْطَلْنَا الشَّرْطَ، فَكَالشِّرَاءِ مُطْلَقًا. وَإِنْ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ، فَلِلشَّفِيعِ رَدُّهُ بِالْعَيْبِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي الرَّدُّ. السَّادِسَةُ: لَوْ عَلِمَ الشَّفِيعُ الْعَيْبَ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمُشْتَرِي، فَلَا رَدَّ لِلشَّفِيعِ، وَلَيْسَ

стр. 1951

لِلْمُشْتَرِي طَلَبُ الْأَرْشِ، لِأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ الظُّلَامَةَ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الرَّدِّ. فَلَوْ رَجَعَ إِلَيْهِ بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ، لَمْ يَرُدَّ عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَيَرُدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ. السَّابِعَةُ: قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْآخَرِ: بِعْ نَصِيبَكَ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنِ الشُّفْعَةِ، فَبَاعَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ، وَلَغَا الْعَفْوَ. قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرِ فَلَا أُطَالِبُكَ بِشُفْعَةٍ، لَغَا عَفْوَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ: بَاعَ شِقْصًا، فَضِمَنَ الشَّفِيعُ الْعُهْدَةَ لِلْمُشْتَرِي، لَمْ تَسْقُطْ شُفْعَتُهُ. وَكَذَا إِذَا شَرَطْنَا الْخِيَارَ لِلشَّفِيعِ، وَصَحَّحْنَا شَرْطَهُ لِلْأَجْنَبِيِّ. التَّاسِعَةُ: أَرْبَعَةٌ بَيْنَهُمْ دَارٌ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ وَاسْتَحَقَّ الشُّرَكَاءُ الشُّفْعَةَ، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ بِالْعَفْوِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا إِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَا قَبْلَهُ، لَمْ تُقْبَلْ. فَلَوْ عَفَوَا ثُمَّ أَعَادَا تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ تُقْبَلْ أَيْضًا لِلتُّهْمَةِ. وَإِنْ شَهِدَا بَعْدَ عَفْوِ أَحَدِهِمَا، قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْعَافِي دُونَ الْآخَرِ، فَيَحْلِفُ الْمُشْتَرِي مَعَ الْعَافِي، وَيَثْبُتُ الْعَفْوُ. وَلَوْ شَهِدَ الْبَائِعُ عَلَى عَفْوِ الشَّفِيعِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، لَمْ تُقْبَلْ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الرُّجُوعَ بِتَقْدِيرِ الْإِفْلَاسِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَبْضِ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَوَقَّعَ الْعَوْدَ بِسَبَبٍ مَا. الْعَاشِرَةُ: أَقَامَ الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً بِعَفْوِ الشَّفِيعِ، وَأَقَامَ الشَّفِيعُ بَيِّنَةً بِأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ، وَالشِّقْصُ فِي يَدِهِ، فَهَلْ بَيِّنَةُ الشَّفِيعِ أَوْلَى لِقُوَّتِهَا بِالْيَدِ، أَمْ بَيِّنَةُ الْمُشْتَرِي لِزِيَادَةِ عِلْمِهَا بِالْعَفْوِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: شَهِدَ السَّيِّدُ بِشِرَاءِ شِقْصٍ فِيهِ شُفْعَةٌ لِمُكَاتَبِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ:

стр. 1952

تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ لِلْمُشْتَرِي إِذَا ادَّعَى الشِّرَاءَ، ثُمَّ ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا. فَأَمَّا شَهَادَتُهُ لِلْمُكَاتَبِ، فَلَا تُقْبَلُ بِحَالٍ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّفِيعُ صَبِيٌّ، فَعَلَى وَلِيِّهِ الْأَخْذُ إِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَإِلَّا فَيَحْرُمُ الْأَخْذُ. وَإِذَا تَرَكَ بِالْمَصْلَحَةِ، ثُمَّ بَلَغَ، فَهَلْ لَهُ الْأَخْذُ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْحَجْرِ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيْنَهُمَا دَارٌ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا عَنْ حَمْلٍ، فَبَاعَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ، فَلَا شُفْعَةَ لِلْحَمْلِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُ الْحَمْلِ، فَلَهُ الشُّفْعَةُ. وَإِذَا انْفَصَلَ حَيًّا، فَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنَ الْوَارِثِ. وَلَوْ وَرِثَ الْحَمْلُ شُفْعَةً عَنْ مُوَرِّثِهِ، فَهَلْ لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ الْأَخْذُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ؟ وَجْهَانِ، وَبِالْمَنْعِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ، وَبَنَى فِيهِ، أَوْ غَرَسَ، فَخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، وَقَلَعَ الْمُسْتَحِقُّ بِنَاءَهُ وَغِرَاسَهُ، فَالْقَوْلُ فِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي مِنَ الثَّمَنِ وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَالْقَوْلِ فِي رُجُوعِ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَاتَ وَلَهُ شِقْصٌ مِنْ دَارٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، فَبَاعَ الشَّرِيكُ حِصَّتَهُ قَبْلَ بَيْعِ الشِّقْصِ فِي الدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لِلْوَرَثَةِ أَخْذُهُ بِالشُّفْعَةِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ: أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِي التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ. وَلَوْ خَلَّفَ دَارًا كَامِلَةً وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَسْتَغْرِقُهَا، فَبِيعَ بَعْضُهَا فِي الدَّيْنِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا شُفْعَةَ لِلْوَرَثَةِ فِيمَا بِيعَ بِمَا بَقِيَ لَهُمْ مِنَ الْمِلْكِ، وَهَذَا مُسْتَمِرٌّ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا الدَّارَ، كَانَ الْمَبِيعُ جُزْءًا مِنْ مِلْكِهِمْ. وَمَنْ يَبِعْ مِنْ مِلْكِهِ جُزْءًا بِحَقٍّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْتِرْجَاعُهُ بِالْبَاقِي. وَإِنْ قُلْنَا: يُمْنَعُ، فَهَلْ يُمْنَعُ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، أَمْ فِي الْجَمِيعِ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَإِنْ

стр. 1953

قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمْ أَيْضًا، وَإِلَّا فَلَهُمْ. وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَيِّتِ وَوَرَثَتِهِ، فَبِيعَ نَصِيبُهُ أَوْ بَعْضُهُ فِي دَيْنِهِ وَوَصِيَّتِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا شُفْعَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَهُمُ الشُّفْعَةُ، لِأَنَّ مَا بِيعَ فِي دَيْنِهِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَهُوَ خِلَافُ مُقْتَضَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا مَلَكُوا التَّرِكَةَ صَارَ جَمِيعُ الدَّارِ لَهُمْ، فَيَكُونُ الْمَبِيعُ جُزْءًا مِنْ مِلْكِهِمْ. فَصْلٌ فِي الْحِيَلِ الدَّافِعَةِ لِلشُّفْعَةِ مِنْهَا: أَنْ يَبِيعَ الشِّقْصَ بِأَضْعَافِ ثَمَنِهِ دَرَاهِمَ، وَيَأْخُذَ عَرَضًا قِيمَتُهُ مِثْلُ الثَّمَنِ الَّذِي تَرَاضَيَا عَلَيْهِ عِوَضًا عَنِ الدَّرَاهِمِ، أَوْ يَحُطَّ عَنِ الْمُشْتَرِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ. وَمِنْهَا: مَا قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَشْتَرِي أَوَّلًا بَائِعُ الشِّقْصِ عَرَضًا يُسَاوِي ثَمَنَ الشِّقْصِ بِأَضْعَافِ ذَلِكَ الثَّمَنِ، ثُمَّ يُجْعَلُ الشِّقْصُ عِوَضًا عَمَّا لَزِمَهُ. وَمِنْهَا أَنْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنَ الشِّقْصِ بِثَمَنِ كُلِّهِ، وَيَهَبَ لَهُ الْبَاقِيَ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ فِيهَا غَرَرٌ، فَقَدْ لَا يَفِي صَاحِبُهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يُجْعَلَ الثَّمَنُ حَاضِرًا مَجْهُولَ الْقَدْرِ، وَيَقْبِضَهُ الْبَائِعُ وَلَا يَزِنَهُ، بَلْ يُنْفِقُهُ أَوْ يَخْلِطُهُ فَتَنْدَفِعُ الشُّفْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِيهَا خِلَافُ ابْنِ سُرَيْجٍ السَّابِقُ. وَمِنْهَا: إِذَا وَقَفَ الشِّقْصُ، أَوْ وَهَبَهُ، بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ عَلَى رَأْيِ أَبِي إِسْحَاقَ. وَمِنْهَا: لَوْ بَاعَ بَعْضَ الشِّقْصِ، ثُمَّ بَاعَ الْبَاقِيَ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ ثَانِيًا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، فَيَنْدَفِعُ أَخْذُ جَمِيعِ الْمَبِيعِ. وَمِنْهَا: لَوْ وَكَّلَ الْبَائِعُ شَرِيكَهُ بِالْبَيْعِ، فَبَاعَ، لَمْ تَكُنْ لَهُ الشُّفْعَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ.

стр. 1954

قُلْتُ: وَمِنْهَا: أَنْ يَهَبَ لَهُ الشِّقْصَ بِلَا ثَوَابٍ، ثُمَّ يَهَبَ لَهُ صَاحِبُهُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا لَا غَرَرَ فِيهِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ أَنْ لَا يَفِيَ صَاحِبُهُ، بِأَنْ يَهَبَهُ وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيُقْبِضَهُ إِيَّاهُ، وَيَهَبَهُ صَاحِبُهُ قَدْرَ قِيمَتِهِ، وَيَجْعَلَهُ فِي يَدِ أَمِينٍ لِيُقْبِضَهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ يَتَقَابَضَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: لَا يُكْرَهُ دَفْعُ الشُّفْعَةِ بِالْحِيلَةِ، إِذْ لَيْسَ فِيهَا دَفْعُ حَقٍّ عَلَى الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْبَيْعِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: يُكْرَهُ دَفْعُ الشُّفْعَةِ بِالْحِيلَةِ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِبْقَاءِ الضَّرَرِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا فِي الْحِيلَةِ فِي مَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ. قُلْتُ: عَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ ﵀ كَيْفَ قَالَ مَا قَالَ، مَعَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَسْطُورَةٌ، وَفِيهَا وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: تُكْرَهُ هَذِهِ الْحِيلَةُ. وَالثَّانِي: لَا، قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ فِي كِتَابِ الْحِيَلِ. أَمَّا الْحِيَلُ فِي دَفْعِ شُفْعَةِ الْجَارِ، فَلَا كَرَاهَةَ فِيهَا قَطْعًا، وَفِيهَا مِنَ الْحِيَلِ غَيْرُ مَا سَبَقَ [مَا] ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَشْتَرِي عُشْرَ الدَّارِ مَثَلًا بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الثَّمَنِ، فَلَا يَرْغَبُ الشَّفِيعُ لِكَثْرَةِ الثَّمَنِ، ثُمَّ يَشْتَرِي تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ بِعُشْرِ الثَّمَنِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْجَارُ مِنَ الشُّفْعَةِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ حَالَةَ الشِّرَاءِ شَرِيكٌ فِي الدَّارِ، وَالشَّرِيكُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَارِ، أَوْ يَخُطُّ الْبَائِعُ عَلَى طَرَفِ مِلْكِهِ خَطًّا مِمَّا يَلِي دَارَ جَارِهِ، وَيَبِيعُ مَا وَرَاءَ الْخَطِّ فَتَمْتَنِعُ شُفْعَةُ الْجَارِ، لِأَنَّ بَيْنَ مِلْكِهِ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ فَاصِلًا، ثُمَّ يَهَبُهُ الْفَاصِلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1955

كِتَابُ الْقِرَاضِ الْقِرَاضُ وَالْمُقَارَضَةُ وَالْمُضَارَبَةُ بِمَعْنًى، وَهُوَ أَنْ يَدْفَعَ مَالًا إِلَى شَخْصٍ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا. وَدَلِيلُ صِحَّتِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِ صِحَّتِهِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ. [الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: رَأْسُ الْمَالِ، وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَقْدًا، وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ الْمَضْرُوبَةُ، وَدَلِيلُهُ الْإِجْمَاعُ. وَلَا يَجُوزُ عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا عَلَى الْفُلُوسِ عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الْفُورَانِيُّ فِي جَوَازِ الْقِرَاضِ عَلَى ذَوَاتِ الْمِثْلِ وَجْهَيْنِ، وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ، وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا وَقَالَ: بِعْهُ وَقَدْ قَارَضْتُكَ عَلَى ثَمَنِهِ، لَمْ يَجُزْ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا. فَلَوْ قَارَضَ عَلَى دَرَاهِمَ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ أُحْضِرَ فِي الْمَجْلِسِ وَعَيَّنَهَا، قَطَعَ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ بِجَوَازِهِ، كَالصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْمَنْعِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ لِغَيْرِهِ: قَارَضْتُكَ عَلَى دَيْنِي عَلَى فُلَانٍ، فَاقْبِضْهُ وَاتَّجِرْ فِيهِ، أَوْ قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ لِتَقْبِضَ وَتَتَصَرَّفَ، أَوِ اقْبِضْهُ فَإِذَا قَبَضْتَهُ فَقَدْ قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِذَا قَبَضَ الْعَامِلُ وَتَصَرَّفَ فِيهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الرِّبْحَ الْمَشْرُوطَ، بَلِ الْجَمِيعُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ التَّصَرُّفِ إِنْ كَانَ قَالَ: إِذَا قَبَضْتَ فَقَدْ

стр. 1956

قَارَضْتُكَ. وَإِنْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ لِتَقْبِضَ وَتَتَصَرَّفَ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ مِثْلِ التَّقَاضِي وَالْقَبْضِ أَيْضًا. وَلَوْ قَالَ لِلْمَدْيُونِ: قَارَضْتُكَ عَلَى الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْكَ، لَمْ يَصِحَّ الْقِرَاضُ، بَلْ لَوْ قَالَ: اعْزِلْ قَدْرَ حَقِّي مِنْ مَالِكَ، فَعَزَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ. فَإِذَا تَصَرَّفَ الْمَأْمُورُ فِيمَا عَزَلَهُ، نُظِرَ، إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِهِ لِلْقِرَاضِ، فَهُوَ كَالْفُضُولِيِّ يَشْتَرِي لِغَيْرِهِ بِعَيْنِ مَالِهِ. وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ لِلْمَالِكِ، لِأَنَّهُ اشْتَرَى لَهُ بِإِذْنِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: لِلْعَامِلِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ لَمْ يَمْلِكِ الْيَمِينَ. وَحَيْثُ كَانَ الْمَعْزُولُ لِلْمَالِكِ، فَالرِّبْحُ وَرَأْسُ الْمَالِ لَهُ لِفَسَادِ الْقِرَاضِ، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ لِلْعَامِلِ. وَلَوْ دَفَعَ كِيسَيْنِ فِي كُلِّ أَلْفٍ، وَقَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَحَدِهِمَا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ، لِتَسَاوِيهِمَا. وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. قُلْتُ: فَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَصَرَّفُ الْعَامِلُ فِي أَيِّهِمَا شَاءَ، فَيَتَعَيَّنُ لِلْقِرَاضِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ كَانَتْ دَرَاهِمُهُ فِي يَدِ غَيْرِهِ وَدِيعَةً، فَقَارَضَهُ عَلَيْهَا، صَحَّ، وَلَوْ كَانَتْ غَصْبًا، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ عِنْدَ الْغَاصِبِ. وَعَلَى هَذَا، لَا يَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ كَمَا فِي الرَّهْنِ. قُلْتُ: مَعْنَاهُ: لَا يَبْرَأُ بِمُجَرَّدِ الْقِرَاضِ. أَمَّا إِذَا تَصَرَّفَ الْعَامِلُ فَبَاعَ وَاشْتَرَى، فَيَبْرَأُ مِنْ ضَمَانِ الْغَصْبِ، لِأَنَّهُ سَلَّمَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَزَالَتْ عَنْهُ يَدُهُ، وَمَا يَقْبِضُهُ مِنَ الْأَعْوَاضِ، يَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ فِيهَا مُضَمِّنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مُسَلَّمًا إِلَى الْعَامِلِ، وَيَسْتَقِلُّ بِالْيَدِ عَلَيْهِ وَالتَّصَرُّفِ فِيهِ. فَلَوْ شَرَطَ الْمَالِكُ أَنْ يَكُونَ الْكِيسُ فِي يَدِهِ وَيُوَفِّيَ مِنْهُ الثَّمَنَ إِذَا اشْتَرَى الْعَامِلُ شَيْئًا، أَوْ شَرَطَ أَنَّهُ يُرَاجِعُهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ، أَوْ مُشْرِفًا نَصَبَّهُ،

стр. 1957

فَسَدَ الْقِرَاضُ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، فَسَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو يَحْيَى الْبَلْخِيُّ: يَجُوزُ عَلَى سَبِيلِ الْمُعَاوَنَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلَامُ الْمَالِكِ، فَوَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ. الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ: صِحَّتُهُ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ، وَلِمَالِكِهِ إِعَارَتُهُ وَإِجَارَتُهُ، فَيَكُونُ فِي مَعْنَى إِذْنِ الْمَالِكِ فِي اسْتِخْدَامِهِ. هَذَا إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْعَامِلِ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: عَلَى أَنْ يَعْمَلَ مَعَكَ غُلَامِي وَلَا تَتَصَرَّفَ دُونَهُ، أَوْ يَكُونَ بَعْضُ الْمَالِ فِي يَدِهِ، فَيَفْسُدُ قَطْعًا. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُعْطِيَهُ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عَلَيْهَا، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ لَمْ يَشْرُطْ عَمَلَ الْغُلَامِ مَعَهُ، وَلَكِنْ شَرَطَ ثُلُثَ الرِّبْحِ لَهُ وَالثُّلُثَ لِغُلَامِهِ، وَالثُّلُثَ لِلْعَامِلِ، جَازَ. وَحَاصِلُهُ: اشْتِرَاطُ ثُلُثَيِ الرِّبْحِ لِنَفْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . فَرْعٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ دَرَاهِمُ مُشْتَرَكَةٌ، فَقَالَ لِشَرِيكِهِ: قَارَضْتُكَ عَلَى نَصِيبِي مِنْهَا، صَحَّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْإِشَاعَةُ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ. قَالَ: وَلَوْ خَلَطَ أَلْفَيْنِ بِأَلْفٍ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ الْأَلْفَيْنِ لِلْآخَرِ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَشَارَكْتُكَ فِي الْآخَرِ، فَقَبِلَ، جَازَ، وَانْفَرَدَ الْعَامِلُ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَلْفِ الْقِرَاضِ، وَيَشْتَرِكَانِ فِي التَّصَرُّفِ فِي بَاقِي الْمَالِ، وَلَا يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ تَجَمُّعُ عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا يَرْجِعَانِ إِلَى التَّوْكِيلِ بِالتَّصَرُّفِ. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ جَعْلُ رَأْسِ الْمَالِ سُكْنَى دَارٍ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُجْعَلِ الْعَرَضُ رَأْسَ مَالٍ، فَالْمَنْفَعَةُ أَوْلَى.

стр. 1958

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْعَمَلُ، وَلَهُ شُرُوطٌ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ تِجَارَةً، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الشَّرْطِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: لَوْ قَارَضَهُ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ الْحِنْطَةَ فَيَطْحَنَهَا وَيَخْبِزَهَا، وَالطَّعَامَ لِيَطْبُخَهُ وَيَبِيعَهُ، وَالْغَزْلَ لِيَنْسِجَهُ، وَالثَّوْبَ لِيُقَصِّرَهُ، أَوْ يَصْبِغَهُ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ. وَلَوِ اشْتَرَى الْعَامِلُ الْحِنْطَةَ، وَطَحَنَهَا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَآخَرِينَ: يَخْرُجُ الدَّقِيقُ عَنْ كَوْنِهِ رَأْسَ مَالِ قِرَاضٍ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ غَيْرُهُ، انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، لِأَنَّ الرِّبْحَ حِينَئِذٍ لَا يُحَالُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَقَطْ. وَعَلَى هَذَا لَوْ أَمَرَ الْمَالِكُ الْعَامِلَ بِطَحْنِ حِنْطَةِ الْقِرَاضِ، كَانَ فَسْخًا لِلْقِرَاضِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْقِرَاضَ بِحَالِهِ، كَمَا لَوْ زَادَ عَبْدُ الْقِرَاضِ بِكِبَرٍ، أَوْ سِمَنٍ، أَوْ تَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَالَ قِرَاضٍ، لَكِنْ إِنِ اسْتَقَلَّ الْعَامِلُ بِالطَّحْنِ، صَارَ ضَامِنًا، وَلَزِمَهُ الْغُرْمُ إِنْ نَقَصَ الدَّقِيقُ. فَإِنْ بَاعَهُ، لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْعَامِلُ بِهَذِهِ الصِّنَاعَاتِ أُجْرَةً وَلَوِ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهَا، وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ، وَالرِّبْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَالِكِ كَمَا شَرَطَا. الثَّانِيَةُ: قَارَضَهُ عَلَى دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ نَخِيلًا، أَوْ دَوَابَّ، أَوْ مُسْتَغَلَّاتٍ وَيُمْسِكَ رِقَابَهَا لِثِمَارِهَا وَنِتَاجِهَا وَغَلَّاتِهَا، وَتَكُونُ الْفَوَائِدُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ رِبْحًا بِالتِّجَارَةِ، بَلْ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ. الثَّالِثَةُ: شَرَطَ أَنْ يَشْتَرِيَ شَبَكَةً وَيَصْطَادَ بِهَا وَالصَّيْدُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَيَكُونُ الصَّيْدُ لِلصَّائِدِ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الشَّبَكَةِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مُضَيِّقًا عَلَيْهِ بِالتَّعْيِينِ. فَلَوْ عَيَّنَ نَوْعًا يَنْدُرُ كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ وَالْخَزِّ الْأَدْكَنِ وَالْخَيْلِ الْعُتْقِ، وَالصَّيْدُ حَيْثُ يَنْدُرُ، فَسَدَ الْقِرَاضُ، لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ. وَإِنْ لَمْ يَنْدُرْ، وَدَامَ شِتَاءً وَصَيْفًا كَالْحُبُوبِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْخَزِّ،

стр. 1959

وَالْبَزِّ، صَحَّ الْقِرَاضُ. وَإِنْ لَمْ يَدُمْ، كَالثِّمَارِ الرَّطْبَةِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، إِلَّا إِذَا قَالَ: تَصَرَّفْ فِيهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ، فَتَصَرَّفْ فِي كَذَا، فَيَجُوزُ. وَلَوْ قَالَ: لَا تَشْتَرِ إِلَّا هَذِهِ السِّلْعَةَ، أَوْ إِلَّا هَذَا الْعَبْدَ، فَسَدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا تَشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ شِرَاءُ غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: لَا تَبِعْ إِلَّا لِزَيْدٍ، أَوْ لَا تَشْتَرِ إِلَّا مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ: إِنْ كَانَ الْمُعَيَّنُ بَيَّاعًا لَا يَنْقَطِعُ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ الَّذِي يَتَّجِرُ فِي نَوْعِهِ غَالِبًا، جَازَ تَعْيِينُهُ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ قَالَ: لَا تَبِعْ لِزَيْدٍ وَلَا تَشْتَرِ مِنْهُ. جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ. فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعٍ يُتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ، بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ. فَرْعٌ إِذَا جَرَى تَعْيِينٌ صَحِيحٌ، لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ مُجَاوَزَتُهُ كَمَا فِي سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْمُسْتَفَادَةِ بِالْإِذْنِ. ثُمَّ الْإِذْنُ فِي الْبَزِّ يَتَنَاوَلُ مَا يُلْبَسُ مِنَ الْمَنْسُوجِ، مِنَ الْإِبْرِيسِمِ وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ، دُونَ الْبُسُطِ، وَالْفُرُشِ. وَفِي الْأَكْسِيَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهَا مَلْبُوسَةٌ، لَكِنْ لَا يُسَمَّى بَائِعُهَا بَزَّازًا. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُضَيِّقَ بِالتَّوْقِيتِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْقِرَاضِ بَيَانُ الْمُدَّةِ، بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهَا وَهُوَ الثَّمَرَةُ، يَنْضَبِطُ بِالْمُدَّةِ. فَلَوْ وَقَّتَ فَقَالَ: قَارَضْتُكَ

стр. 1960

سَنَةً، فَإِنْ مَنَعَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ بَعْدَهَا مُطْلَقًا، أَوْ مِنَ الْبَيْعِ، فَسَدَ، لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنْ لَا تَشْتَرِيَ بَعْدَ السَّنَةِ، وَلَكَ الْبَيْعُ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْمَالِكَ يَتَمَكَّنُ مِنْ مَنْعِهِ مِنَ الشِّرَاءِ مَتَى شَاءَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: قَارَضْتُكَ سَنَةً، فَسَدَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: يَجُوزُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ الشِّرَاءِ، اسْتِدَامَةً لِلْعَقْدِ. وَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ سَنَةً عَلَى أَنْ لَا أَمْلِكَ الْفَسْخَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَسَدَ. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّقَ الْقِرَاضَ، فَيَقُولُ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ قَارَضْتُكَ، كَمَا لَا يُعَلِّقُ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ. وَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ الْآنَ وَلَا تَتَصَرَّفْ حَتَّى يَنْقَضِيَ الشَّهْرُ، فَقِيلَ: يَجُوزُ كَالْوَكَالَةِ. وَالْأَصَحُّ: لَا يَجُوزُ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ وَلَا تَمْلِكُ إِلَّا بَعْدَ شَهْرٍ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الرِّبْحُ، وَلَهُ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالْمُتَعَاقِدَيْنِ. فَلَوْ شَرَطَ بَعْضَهُ لِثَالِثٍ فَقَالَ: عَلَى أَنْ يَكُونَ ثُلُثُهُ لَكَ، وَثُلُثُهُ لِي، وَثُلُثُهُ لِزَوْجَتِي، أَوْ لِابْنِي، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ، لَمْ يَصِحَّ، إِلَّا أَنْ يَشْرُطَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ مَعَهُ، فَيَكُونُ قِرَاضًا مَعَ رَجُلَيْنِ. وَلَوْ كَانَ الْمَشْرُوطُ لَهُ عَبْدًا لِمَالِكٍ، أَوْ عَبْدًا لِعَامِلٍ، كَانَ ذَلِكَ مَضْمُومًا إِلَى مَا [شُرِطَ] لِلْمَالِكِ أَوْ لِلْعَامِلِ. وَلَوْ قَالَ: نِصْفُ الرِّبْحِ لَكَ وَنِصْفُهُ لِي، وَمِنْ نَصِيبِي نِصْفُهُ لِزَوْجَتِي، صَحَّ الْقِرَاضُ، وَهَذَا وَعْدُ هِبَةٍ لِزَوْجَتِهِ. وَلَوْ قَالَ لِلْعَامِلِ: لَكَ كَذَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَ ابْنَكَ أَوِ امْرَأَتَكَ نِصْفَهُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ: إِنْ ذَكَرَهُ شَرْطًا، فَسَدَ الْقِرَاضُ، وَإِلَّا فَلَا. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا. فَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الرِّبْحِ لَكَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ قِرَاضٌ فَاسِدٌ رِعَايَةً لِلَّفْظِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قِرَاضٌ صَحِيحٌ رِعَايَةً لِلْمَعْنَى. وَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ كُلَّهُ لِي، فَهَلْ هُوَ

стр. 1961

قِرَاضٌ فَاسِدٌ، أَمْ إِبْضَاعٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: أَبْضَعْتُكَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، فَهُوَ إِبْضَاعٌ، أَمْ قِرَاضٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَتَصَرَّفْ فِيهَا وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، فَهُوَ قَرْضٌ صَحِيحٌ عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْأَكْثَرِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي عَقْدٍ آخَرَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ لِلْمَالِكِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَلَا يَكُونُ قَرْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ. وَلَوْ قَالَ: تَصَرَّفْ فِيهَا وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي، فَهُوَ إِبْضَاعٌ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. فَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ فِي الرِّبْحِ شِرْكًا، أَوْ شِرْكَةً، أَوْ نَصِيبًا، فَسَدَ. وَإِنْ قَالَ: لَكَ مِثْلُ مَا شَرَطَهُ فُلَانٌ لِفُلَانٍ، فَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِهِ، صَحَّ. وَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا، فَسَدَ. وَلَوْ قَالَ: الرِّبْحُ بَيْنَنَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْفَسَادُ. وَأَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، وَيُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَ زَيْدٍ، يَكُونُ مُقِرًّا بِالنِّصْفِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ لَكَ، وَمَا بَقِيَ فَثُلُثُهُ لِي وَثُلُثَاهُ لَكَ، صَحَّ. وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ سَبْعَةِ أَتْسَاعِ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ، هَذَا إِذَا عَلِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْعَامِلِ بِهَذَا اللَّفْظِ كَمْ هُوَ، فَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، صَحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الشَّامِلِ» ، لِسُهُولَةِ مَعْرِفَتِهِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ، فِيمَا إِذَا قَالَ: [لَكَ] مِنَ الرِّبْحِ سُدُسُ رُبُعِ الْعُشْرِ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ أَحَدُهُمَا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُزْئِيَّةُ، لَا مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ. فَلَوْ قَالَ: لَكَ مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ لِي مِنْهُ دِرْهَمٌ أَوْ مِائَةٌ، وَالْبَاقِي بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، فَسَدَ الْقِرَاضُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: نِصْفُ الرِّبْحِ إِلَّا دِرْهَمًا، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَطَ أَنْ يُوَلِّيَهُ سِلْعَةَ كَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا بِرَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْبَحُ إِلَّا فِيهَا، أَوْ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ

стр. 1962

الْمُشْتَرَى، أَوْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، أَوِ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ صِنْفٍ مِنَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: رِبْحُ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ لِي، وَرِبْحُ الْآخَرِ لَكَ، وَشَرَطَ تَمْيِيزَ الْأَلْفَيْنِ. فَلَوْ دَفَعَهُمَا إِلَيْهِ وَلَا تَمْيِيزَ، وَقَالَ: رِبْحُ أَحَدِهِمَا لِي، وَرِبْحُ الْآخَرِ لَكَ، فَسَدَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: نِصْفُ رِبْحِ الْأَلْفَيْنِ لَكَ. الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ. الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُعَامَلَةُ أَلْفَاظٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ. فَإِذَا قَالَ: قَارَضْتُكَ، أَوْ ضَارَبْتُكَ، أَوْ عَامَلْتُكَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، كَانَ إِيجَابًا صَحِيحًا. وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ مُتَّصِلًا الِاتِّصَالَ الْمُعْتَبَرَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْأَلْفَ وَاتَّجِرْ فِيهِ، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، فَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ، بِأَنَّهُ قِرَاضٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: قَطَعَ شَيْخِي وَالطَّبَقَةُ الْعُظْمَى مِنْ نَقَلَةِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ وَالْوَكَالَةِ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ. وَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِي، وَسَكَتَ عَنْ جَانِبِ الْعَامِلِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، وَسَكَتَ عَنْ جَانِبِ نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ وَلِي السُّدُسَ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْعَاقِدَانِ. فَالْقِرَاضُ تَوْكِيلٌ وَتَوَكُّلٌ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكِيلِ وَالْمُوكِّلُ، وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِمَا، سَوَاءٌ فِيهِ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ. فَصْلٌ إِذَا قَارَضَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ صَحَّ، وَيُسَلِّمُ لِلْعَامِلِ الرِّبْحَ الْمَشْرُوطَ وَإِنْ زَادَ

стр. 1963

عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ وَلَوْ سَاقَاهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَزَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، حُسِبَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ: أَنَّ النَّمَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ. فَصْلٌ يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ وَعَكْسُهُ. فَإِذَا قَارَضَ اثْنَيْنِ، وَشَرَطَ لَهُمَا نِصْفَ الرِّبْحِ بِالسَّوِيَّةِ، جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ، وَلِلْآخَرِ رُبُعَهُ، فَإِنْ أَبْهَمَ لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ عَيَّنَ صَاحِبَ الثُّلُثِ وَصَاحِبَ الرُّبُعِ، جَازَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ اثْنَيْنِ إِذَا أَثْبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالَ. فَإِنْ شَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مُرَاجَعَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ، وَمَا أَظُنُّ الْأَصْحَابَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَارَضَ اثْنَانِ وَاحِدًا، فَلْيُبَيِّنَا نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَالَيْهِمَا. وَلَوْ قَالَا: لَكَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِنَا مِنَ الرِّبْحِ الثُّلُثُ، وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ الرُّبُعُ، فَإِنْ أَبْهَمَا لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ عَيَّنَا وَهُوَ عَالِمٌ بِقَدْرِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ جَازَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا كَوْنَ الْبَاقِي بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ عَلَى غَيْرِ مَا تَقْتَضِيهِ نِسْبَةُ الْمَالَيْنِ. فَصْلٌ إِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ بِتَخَلُّفِ بَعْضِ الشُّرُوطِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ. أَحَدُهَا: تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ كَنُفُوذِهَا فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ كَالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ. الثَّانِي: سَلَامَةُ الرِّبْحِ بِكَمَالِهِ لِلْمَالِكِ. الثَّالِثُ: اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَمْ لَا، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُطَّرِدَةٌ فِي صُوَرِ الْفَسَادِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي، وَقُلْنَا: هُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ، لَا إِبْضَاعَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَجَّانًا.

стр. 1964

فَرْعٌ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا بِالنِّصْفِ، فَهُوَ فَاسِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ فَسَادِهِ، فَالْأَصَحُّ، وَفِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِيهِ: أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، وَهَذَا تَقْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلشِّرَاءِ لَا يُغْنِي عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَيْعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا لِتَنَاوُلِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ [مِنْ] لَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ جَمِيعًا. وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشِّرَاءِ، فَلِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ الشِّرَاءُ دُونَ الْبَيْعِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ، وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَكْفِي التَّعَرُّضُ لِلشِّرَاءِ، وَيَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى بِلَفْظِ الْمُضَارَبَةِ أَوِ الْقِرَاضِ كَانَ كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْبَيْعِ. وَالصَّحِيحُ: الصِّحَّةُ. وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ النِّصْفُ. وَاعْتَرَضَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى هَذَا، بِأَنَّ الشَّرْطَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْعَامِلِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ بِالْمَالِ، لَا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَبَبُ الْفَسَادِ، أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ، وَلَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي أَنْوَاعِ الْأَمْتِعَةِ. وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ لَوْ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ، فَإِذَا ذَكَرَهُمَا عَلَى التَّرْدِيدِ، زَادَ الْعَامِلُ بَسْطَةً وَتَخْيِيرًا، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ. قُلْتُ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ حَمَلَ لَفْظَةَ «أَوْ» عَلَى التَّخْيِيرِ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَشَكَّ فِي الْمُرَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّ الْقِرَاضَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْأَمْتِعَةِ، أَوْ عَيَّنَ جِنْسًا يَعُمُّ وُجُودُهُ، وَالْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يُقْرِضُهُ

стр. 1965

فِي بَلَدٍ لَا يَعُمَّانِ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ ذِكْرَ النِّصْفِ وَلَمْ يَقُلْ: نِصْفُ الرِّبْحِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ هِيَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. الْأَوَّلُ: تَقَيُّدُ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ بِالْمَصْلَحَةِ كَتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ قَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقْتَضِي الْفَرْقَ، فَبَيْعُ الْعَامِلِ وَشِرَاؤُهُ بِالْغَبْنِ كَالْوَكِيلِ، وَلَا يَبِيعُ أَيْضًا نَسِيئَةً، وَلَا يَشْتَرِي بِهَا. فَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، فَفَعَلَ، وَجَبَ الْإِشْهَادُ، فَإِنْ تَرْكَهُ ضَمِنَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْبَيْعِ حَالًا لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ إِلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَلَوْ سَلَّمَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ضَمِنَ، كَالْوَكِيلِ. فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَلَّمَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِشْهَادُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ الْحَالِّ. وَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقِرَاضِ، وَكَذَا لَهُ شِرَاءُ الْمَعِيبِ إِذَا رَأَى فِيهِ رِبْحًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَقِلُّ فِي الْمَعِيبِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ، فَبَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ غِبْطَةٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ [مِنْهُ] رِضَا الْمَالِكِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ صَاحِبُ حَقٍّ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي إِمْسَاكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِإِخْلَالِهِ بِالْمَقْصُودِ. وَحَيْثُ ثَبَتَ الرَّدُّ لِلْعَامِلِ، فَلِلْمَالِكِ أَوْلَى. قَالَ الْإِمَامُ: ثُمَّ الْعَامِلُ
следующие страницы →