Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى؟ وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ بِكَذَا لِيَكُونَ أُجْرَةً لَكَ، فَلَا بَأْسَ، لَسَبْقِ لَفْظِ الْمُسَاقَاةِ.
هَذَا إِذَا قَصَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ الْمُسَاقَاةَ، أَمَّا إِذَا قَصَدَا الْإِجَارَةَ نَفْسَهَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ خَرَجَتِ الثَّمَرَةُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ شَرْطَ الْأُجْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مَوْجُودَةً مَعْلُومَةً. وَإِنْ كَانَتْ خَرَجَتْ، وَبَدَا فِيهَا الصَّلَاحُ، جَازَ، سَوَاءٌ شَرَطَ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ جُزْءًا شَائِعًا، كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِيءُ فِيهِ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَأَخَوَاتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَبْدُ فِيهَا الصَّلَاحُ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، جَازَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ كُلَّ الثِّمَارِ لِلْعَامِلِ. وَإِنْ شَرَطَ جُزْءًا شَائِعًا، لَمْ يَجُزْ وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ، لِمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَإِذَا عَقَدَا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ، بَلْ يُحْمَلُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى عُرْفِهَا الْغَالِبِ. وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْصِيلُهَا. وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا عَلِمَ الْمُتَعَاقِدَانِ الْعُرْفَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهِ. فَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا وَجَبَ التَّفْصِيلُ قَطْعًا.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْمُسَاقَاةِ
وَيَجْمَعُهَا حُكْمَانِ. أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَالْمَالِكَ. وَالثَّانِي: فِي لُزُومِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكُلُّ عَمَلٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الثِّمَارُ لِزِيَادَتِهَا، أَوْ صَلَاحٍ، وَيَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ، لِأَنَّ مَا يَتَكَرَّرُ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسَاقَاةِ، وَتَكْلِيفُ الْعَامِلِ مِثْلَ هَذَا، إِجْحَافٌ بِهِ. فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّقْيُ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ إِصْلَاحِ طَرِيقِ الْمَاءِ وَالْأَجَاجِينِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ، وَتَنْقِيَةِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ مِنَ الْحَمْأَةِ وَنَحْوِهَا. وَإِدَارَةِ الدُّولَابِ وَفَتْحِ رَأْسِ السَّاقِيَةِ، وَسَدِّهَا عِنْدَ السَّقْيِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ.
стр. 1997
وَفِي تَنْقِيَةِ النَّهْرِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَوَجْهٌ: أَنَّهَا عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهَا، فَسَدَ الْعَقْدُ.
وَمِنْهُ: تَقْلِيبُ الْأَرْضِ بِالْمَسَاحِي وَكِرَابُهَا فِي الْمُزَارَعَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا تَقْوِيَتُهَا بِالزِّبْلِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.
وَمِنْهُ: التَّلْقِيحُ، ثُمَّ الطَّلْعُ الَّذِي يُلَقَّحُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ الْعَامِلُ الْعَمَلَ.
وَمِنْهَا: تَنْحِيَةُ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ وَالْقُضْبَانِ الْمُضِرَّةِ بِالشَّجَرِ.
وَمِنْهُ: تَصْرِيفُ الْجَرِيدِ. - وَالْجَرِيدُ: سَعَفُ النَّخْلِ -. وَحَاصِلُ مَا قَالُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: قَطْعُ مَا يَضُرُّ تَرْكُهُ يَابِسًا وَغَيْرَ يَابِسٍ. وَالثَّانِي: رَدُّهَا عَنْ وُجُوهِ الْعَنَاقِيدِ بَيْنَهَا لِتُصِيبَهَا الشَّمْسُ، وَلِيَتَيَسَّرَ قَطْعُهَا عِنْدَ الْإِدْرَاكِ.
وَمِنْهُ: تَعْرِيشُ شَجَرِ الْعِنَبِ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَوَضْعُ الْحَشِيشِ فَوْقَ الْعَنَاقِيدِ صَوْنًا عَنِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَفِي حِفْظِ الثِّمَارِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى الْعَامِلِ كَحِفْظِ مَالِ الْقِرَاضِ. فَإِنْ لَمْ يُحْفَظْ بِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَنْ يَحْفَظُهُ. وَالثَّانِي: عَلَى الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ جَمِيعًا بِحَسَبِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثِّمَارِ، لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةِ الثَّمَرِ وَتَنْمِيَتِهِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي حِفْظِ الثَّمَرِ عَنِ الطُّيُورِ وَالزَّنَابِيرِ، بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ عُنْقُودٍ فِي قَوْصَرَّةٍ، فَيَلْزَمُ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ [بِهِ] وَهَذِهِ الْقَوْصَرَّةُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ جِدَادُ الثَّمَرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّهُ مِنَ الصَّلَاحِ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ. وَيَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ الثِّمَارِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذَا طُرِدَتِ الْعَادَةُ، أَوْ شَرْطَاهُ. وَإِذَا وَجَبَ التَّجْفِيفُ، وَجَبَ تَهْيِئَةُ مَوْضِعِهِ وَتَسْوِيَتُهُ، وَيُسَمَّى: الْبَيْدَرَ وَالْجَرِينَ، وَنَقْلُ الثِّمَارِ إِلَيْهِ، وَتَقْلِيبُهَا فِي الشَّمْسِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ وَيُقْصَدُ بِهِ حِفْظُ الْأُصُولِ، فَهُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ كَحَفْرِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ الْجَدِيدَةِ، وَالَّتِي انْهَارَتْ، وَبِنَاءِ الْحِيطَانِ، وَنَصْبِ
стр. 1998
الْأَبْوَابِ وَالدُّولَابِ وَنَحْوِهَا. وَفِي رَدْمِ الثُّلَمِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الْجُدْرَانِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِ الْجِدَارِ، وَجْهَانِ كَتَنْقِيَةِ الْأَنْهَارِ. وَالْأَصَحُّ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. وَأَمَّا الْآلَاتُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا الْعَمَلُ، كَالْفَأْسِ، وَالْمِعْوَلِ، وَالْمِسْحَاةِ، وَالثِّيرَانِ، وَالْفَدَّانِ فِي الْمَزْرَعَةِ، وَالثَّوْرِ الَّذِي يُدِيرُ الدُّولَابَ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
وَخَرَاجُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا، وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ تَتْلَفُ فِي الْعَمَلِ، فَعَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا. ثُمَّ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ، فَلَهُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَقْدِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَكَذَا مَا عَلَى الْمَالِكِ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ فَعَلَهُ الْعَامِلُ بِلَا إِذْنٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فِي أَنَّ تَفْصِيلَ الْأَعْمَالِ لَا يَجِبُ فِي الْعَقْدِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَالْمُتَّبَعُ الشَّرْطُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِالظُّهُورِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْقِرَاضِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّبْحَ فِي الْقِرَاضِ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الثَّمَرِ.
فَرْعٌ
إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، نُظِرَ، إِنْ تَبَرَّعَ الْمَالِكُ بِالْعَمَلِ، أَوْ بِمُؤْنَةِ مَنْ يَعْمَلُ، بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ بِحَالِهِ، وَإِلَّا رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ الْمُسَاقَاةَ لِيَطْلُبَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ وَجَدَهُ، أَجْبَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِلَّا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ. وَمِنْ أَيْنَ يَسْتَأْجِرُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ مَالٌ، فَمِنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ،
стр. 1999
بَاعَ نَصِيبَ الْعَامِلِ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاسْتَأْجَرَ بِثَمَنِهِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، إِمَّا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ أَوْ بَعْدَهُ، اسْتَقْرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاسْتَأْجَرَ بِهِ، ثُمَّ يَقْضِيهِ الْعَامِلُ إِذَا رَجَعَ، أَوْ يُقْضَى مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوِ الْإِدْرَاكِ.
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، اسْتَغْنَى عَنِ الِاقْتِرَاضِ. وَإِنْ فَعَلَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ، يُنْظَرُ، إِنْ قَدَرَ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَقَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَرْجِعْ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِشْهَادُ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَرْجِعُ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْإِشْهَادِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَإِنْ أَشْهَدْ، رَجَعَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِلضَّرُورَةِ. وَقِيلَ: لَا، لِئَلَّا يَصِيرَ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ الْإِشْهَادُ الْمُعْتَبَرُ، أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ، وَأَنَّهُ بَذَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ. فَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلرُّجُوعِ، فَهُوَ كَتَرْكِ الْإِشْهَادِ، قَالَهُ فِي «الشَّامِلِ» . وَإِذَا أَنْفَقَ الْمَالِكُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ، فَوَجْهَانِ. وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. فَطَرِيقُهُ: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِبَاقِي الْعَمَلِ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَجَّرَ دَارَهُ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ. وَمَتَى تَعَذَّرَ إِتْمَامُ الْعَمَلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الثَّمَرَةُ خَرَجَتْ، فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِلتَّعَذُّرِ وَالضَّرُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَفْسَخُ، لَكِنْ يَطْلُبُ الْحَاكِمُ مَنْ يُسَاقِي عَنِ الْعَامِلِ، فَرُبَّمَا فَضَلَ لَهُ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَدْ خَرَجَتْ، فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ بَدَا صَلَاحُهَا، بِيعَ نَصِيبُ الْعَامِلِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يُسْتَأْجَرُ بِهِ عَامِلٌ. وَإِنْ لَمْ يَبْدُ، تَعَذَّرَ [بِيعَ] نَصِيبُهُ وَحْدَهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ فِي الْمَشَاعِ لَا يَكْفِي. فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ مَعَهُ لِيَشْرُطَ الْقَطْعَ فِي الْجَمِيعِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ، فَيَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ
стр. 2000
فِي أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ يَكْفِي عَنِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا. وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : يُفْسَخُ، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكَادُ يُفْرَضُ لِلْفَسْخِ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَائِدَةٌ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ثُبُوتِ الْفَسْخِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَرْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: إِذَا فُسِخَ، غَرِمَ الْمَالِكُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا عَمِلَ، وَلَا يُقَالُ بِتَوْزِيعِ الثِّمَارِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ جَمِيعِ الْعَمَلِ، إِذِ الثِّمَارُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْعَقْدُ التَّوْزِيعَ فِيهَا.
الثَّانِي: جَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَقَالَ: لَا تَفْسَخْ لِأَعْمَلَ نِيَابَةً عَنِ الْعَامِلِ، لَمْ يَلْزَمِ الْإِجَابَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتَمِنُهُ وَلَا يَرْضَى بِدُخُولِهِ مِلْكَهُ. لَكِنْ لَوْ عَمِلَ نِيَابَةً بِغَيْرِ عِلْمِ الْمَالِكِ، وَحَصَلَتِ الثِّمَارُ، سَلَّمَ لِلْعَامِلِ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَكَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُتَبَرِّعًا [عَلَيْهِ] ، هَكَذَا قَالُوهُ.
وَلَوْ قِيلَ: وُجُودُ الْمُتَبَرِّعِ كَوُجُودِ مُقْرِضٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْفَسْخُ، لَكَانَ قَرِيبًا. وَالْعَجْزُ عَنِ الْعَمَلِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَالْهَرَبِ.
فَصْلٌ
وَلَوْ مَاتَ مَالِكُ الشَّجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ الْعَامِلُ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ، انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ كَالْأَجِيرِ [الْمُعَيَّنِ] . وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا تَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِيَدِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ: لَا تَنْفَسِخُ كَالْإِجَارَةِ، بَلْ يُنْظَرُ إِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، تَمَّمَ وَارِثُهُ الْعَمَلَ، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ، وَإِلَّا، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتِمُّ، فَعَلَى الْمَالِكِ تَمْكِينُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا مُهْتَدِيًا إِلَى أَعْمَالِ الْمُسَاقَاةِ، وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَشْرُوطَ. وَإِنْ أَبَى، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُجْبَرُ، لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَى الْمُورِثِ مِنْ تَرِكَتِهِ.
لَكِنْ لَوْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنَ الِاسْتِئْجَارِ مِنْهَا،
стр. 2001
اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ. وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ تَرِكَةً، لَمْ يَسْتَقْرِضْ عَلَى الْمَيِّتِ، بِخِلَافِ الْحَيِّ إِذَا هَرَبَ. وَمَهْمَا لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ، فَالْقَوْلُ فِي ثُبُوتِ الْفَسْخِ وَفِي الشَّرِكَةِ وَ فَصْلِ الْأَمْرِ إِذَا خَرَجَتِ الثِّمَارُ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْهَرَبِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسَاقَاةَ تَكُونُ عَلَى الْعَيْنِ وَفِي الذِّمَّةِ، هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِهَا عَلَى الْعَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَتَرَدَّدَ فِيهَا بَعْضُهُمْ، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّضْيِيقِ.
فَرْعٌ
نَقَلَ الْمُتَوَلِّي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ تُثْمِرِ الْأَشْجَارُ أَصْلًا، أَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِجَائِحَةٍ، أَوْ غَصْبٍ، فَعَلَى الْعَامِلِ إِتْمَامُ الْعَمَلِ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِ. كَمَا أَنَّ عَامِلَ الْقِرَاضِ يُكَلَّفُ التَّنْضِيضَ وَإِنْ ظَهَرَ خُسْرَانٌ وَلَمْ يَنَلْ إِلَّا التَّعَبَ.
وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِذَا تَلِفَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا بِالْجَائِحَةِ، يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ: بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ وَتَكَامُلِ الثِّمَارِ. قَالَ: وَإِنْ هَلَكَ بَعْضُهَا، فَلِلْعَامِلِ الْخِيَارُ، بَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَلَا شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يُجِيزَ وَيُتِمَّ الْعَمَلَ وَيَأْخُذَ نَصِيبَهُ.
فَصْلٌ
دَعْوَى الْمَالِكِ عَلَى الْعَامِلِ السَّرِقَةَ وَالْخِيَانَةَ فِي الثَّمَرِ أَوِ السَّعَفِ، لَا تُقْبَلُ حَتَّى يُبَيِّنَ قَدْرَ مَا خَانَ فِيهِ وَيُحَرِّرَ الدَّعْوَى. فَإِذَا حَرَّرَهَا، وَأَنْكَرَ الْعَامِلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِيَمِينِ الْمَالِكِ بَعْدَ نُكُولِهِ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ عَنْهُ. وَالثَّانِي: يُضَمُّ إِلَيْهِ أَمِينٌ يُشْرِفُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عَلَى حَالَيْنِ: إِنْ أَمْكَنَ حِفْظُهُ بِضَمِّ مُشْرِفٍ، قَنِعَ بِهِ، وَإِلَّا، أُزِيلَتْ يَدُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ. ثُمَّ إِذَا اسْتُؤْجِرَ عَلَيْهِ، فَالْأُجْرَةُ
стр. 2002
فِي مَالِهِ. وَأَمَّا أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، فَعَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: تُبْنَى عَلَى مُؤْنَةِ الْحِفْظِ، إِنْ جَعَلْنَاهَا عَلَى الْعَامِلِ، فَكَذَا أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهَا عَلَيْهِمَا، فَكَذَا هُنَا. وَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : أُجْرَةُ الْمُشْرِفِ عَلَى الْعَامِلِ إِنْ ثَبَتَتْ خِيَانَتُهُ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِلَّا، فَعَلَى الْمَالِكِ.
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مُشْكِلٌ، وَيَنْبَغِي إِذَا لَمْ تَثْبُتْ خِيَانَتُهُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ مِنْ ضَمِّ مُشْرِفٍ إِلَيْهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ اسْتِقْلَالِهِ بِالْيَدِ.
فَصْلٌ
إِذَا خَرَجَتِ الْأَشْجَارُ الْمُسَاقَى عَلَيْهَا مُسْتَحَقَّةً، أَخَذَهَا الْمَالِكُ مَعَ الثِّمَارِ إِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً. وَإِنْ جَفَّفَاهَا وَنَقُصَتْ قِيمَتُهَا بِالتَّجْفِيفِ، اسْتَحَقَّ الْأَرْشَ أَيْضًا، وَيَرْجِعُ [الْعَامِلُ عَلَى] الْغَاصِبِ الَّذِي سَاقَاهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ الْغَاصِبُ مَنْ عَمِلَ فِي الْمَغْصُوبِ عَمَلًا، وَقِيلَ: لَا أُجْرَةَ، تَخْرِيجًا عَلَى قَوْلَيِ الْغُرُورِ، [وَ] كَمَا لَوْ تَلِفَتْ بِجَائِحَةٍ.
وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَإِنْ أَتْلَفَهَا، فَلِلْمَالِكِ الْخِيَارُ فِي نَصِيبِ الْعَامِلِ، بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِضَمَانِهِ الْعَامِلَ أَوِ الْغَاصِبَ. وَالْقَرَارُ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: عَلَى الْغَاصِبِ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ الطَّعَامَ الْمَغْصُوبَ عَلَى قَوْلٍ. وَأَمَّا نَصِيبُ الْغَاصِبِ، فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ. وَفِي مُطَالَبَتِهِ الْعَامِلَ بِهِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يُطَالِبُهُ، لِثُبُوتِ يَدِهِ، كَمَا يُطَالَبُ عَامِلُ الْقِرَاضِ وَالْمُودَعُ إِذَا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا.
وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ يَدَهُ تَثْبُتُ عَلَيْهِ مَقْصُودَةً. وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ يَخْرُجُ مَا إِذَا تَلِفَ جَمِيعُ الثِّمَارِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ بِجَائِحَةٍ أَوْ غَصْبٍ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا يَدَ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، فَهُوَ مُطَالَبٌ، وَإِلَّا، فَلَا. وَلَوْ تَلِفَ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْجَارِ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. وَإِذَا قُلْنَا: يُطَالَبُ الْعَامِلُ بِنَصِيبِ
стр. 2003
الْغَاصِبِ، فَفِي رُجُوعِهِ عَلَى الْغَاصِبِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي رُجُوعِ الْمُودَعِ. وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالرُّجُوعِ.
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ لِلْعَامِلِ، وَلَا بَيِّنَةَ، تَحَالَفَا كَمَا فِي الْقِرَاضِ. وَإِذَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا قَبْلَ الْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ. وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا. وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَسَاقَطَانِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَيَتَحَالَفَانِ. وَإِنْ قُلْنَا: تُسْتَعْمَلَانِ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. وَلَا يَجِيءُ قَوْلَا الْوَقْفِ وَالْقِسْمَةِ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ لَا يُقَسَّمُ وَلَا يُوقَفُ. وَقِيلَ: تَجِيءُ الْقِسْمَةُ فِي الْقَدْرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَلَوْ سَاقَاهُ شَرِيكَانِ فِي الْحَدِيقَةِ، فَقَالَ الْعَامِلُ: شَرَطْتُمَا لِي نِصْفَ الثَّمَرِ، وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، قَالَ الْآخَرُ: بَلْ شَرَطْنَا الثُّلُثَ، فَنَصِيبُ الْمُصَدِّقِ مَقْسُومٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَامِلِ. وَأَمَّا نَصِيبُ الْمُكَذِّبِ، فَيَتَحَالَفَانِ فِيهِ. وَلَوْ شَهِدَ الْمُصَدِّقُ لِلْعَامِلِ أَوِ الْمُكَذِّبُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأَشْجَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا، أَوْ فِي رَدِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ هَلَاكِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْقِرَاضِ.
فَصْلٌ
إِذَا بَدَا صَلَاحُ الثِّمَارِ، فَإِنْ وَثِقَ الْمَالِكُ بِالْعَامِلِ، تَرَكَهَا فِي يَدِهِ إِلَى الْإِدْرَاكِ، فَيَقْتَسِمَانِ حِينَئِذٍ إِنْ جَوَّزْنَاهَا، أَوْ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِلثَّانِي، أَوْ يَبِيعَانِ لِثَالِثٍ. وَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِهِ وَأَرَادَ تَضْمِينَهُ التَّمْرَ أَوِ الزَّبِيبَ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْخَرْصَ عِبْرَةٌ أَوْ تَضْمِينٌ؟
стр. 2004
فَإِنْ قُلْنَا: عِبْرَةٌ، لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ قُلْنَا: تَضْمِينٌ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا فِي الزَّكَاةِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَضْمِينَ الْمَالِكِ بِالْخَرْصِ.
فَصْلٌ
إِذَا انْقَطَعَ مَاءُ الْبُسْتَانِ، وَأَمْكَنَ رَدُّهُ، فَفِي تَكْلِيفِ الْمَالِكِ السَّعْيَ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَا يُكَلَّفُ الشَّرِيكُ الْعِمَارَةَ وَلَا الْمَكْرِيُ. وَالثَّانِي: يُكَلَّفُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا بِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِقِصَارَةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ يُكَلَّفُ تَسْلِيمَهُ. فَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَسْعَ فِي رَدِّهِ، لَزِمَهُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ. وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ رَدُّ الْمَاءِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ تَلِفَتِ الثِّمَارُ بِجَائِحَةٍ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُكَلَّفُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
السَّوَاقِطُ، وَهِيَ السَّعَفُ الَّتِي تَسْقُطُ مِنَ النَّخْلِ، يَخْتَصُّ بِهَا الْمَالِكُ، وَمَا يَتْبَعُ الثَّمَنَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَمِنْهُ الشَّمَارِيخُ.
فَصْلٌ
دَفَعَ بَهِيمَةً إِلَيْهِ لِيَعْمَلَ عَلَيْهَا، وَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ بَيْنَهُمَا، فَالْعَقْدُ فَاسِدٌ. وَلَوْ قَالَ: تَعَهَّدْ هَذِهِ الْغَنَمَ بِشَرْطِ أَنَّ دَرَّهَا وَنَسْلَهَا بَيْنَنَا، فَبَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّ النَّمَاءَ لَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِ. وَلَوْ قَالَ: اعْلِفْ هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ وَلَكَ نِصْفُ دَرِّهَا، فَفَعَلَ، وَجَبَ بَدَلُ
стр. 2005
النِّصْفِ عَلَى صَاحِبِ الشَّاةِ، وَالْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ مِنَ الدَّرِّ لِصَاحِبِ الْعَلَفِ مَضْمُونٌ فِي يَدِهِ، لِحُصُولِهِ بِحُكْمِ بَيْعٍ فَاسِدٍ، وَالشَّاةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُقَابَلَةٍ بِالْعِوَضِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ وَاعْلِفْهَا لِتَسْمَنَ وَلَكَ نِصْفُهَا، فَفَعَلَ، فَالْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ مِنْهَا لِصَاحِبِ الْعَلَفِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، دُونَ الْبَاقِي.
فَصْلٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ فِي الذِّمَّةِ، فَلِلْعَامِلِ أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ لِيَنُوبَ عَنْهُ. ثُمَّ إِنْ شَرَطَ لَهُ مِنَ الثِّمَارِ مِثْلَ مَا شَرَطَ الْمَالِكُ لَهُ أَوْ دُونَهُ، فَذَاكَ، وَإِنْ شَرَطَ لَهُ أَكْثَرَ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، وَجَبَ لِلزِّيَادَةِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَالْأُجْرَةُ لِلْجَمِيعِ. وَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ وَيُعَامِلَ غَيْرَهُ، فَلَوْ فَعَلَ، انْفَسَخَتِ الْمُسَاقَاةُ بِتَرْكِهِ الْعَمَلَ، وَكَانَتِ الثِّمَارُ كُلُّهَا لِلْمَالِكِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَإِنْ عَلِمَ فَسَادَ الْعَقْدِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ الْخِلَافُ فِي خُرُوجِ الثِّمَارِ مُسْتَحَقَّةً.
فَصْلٌ
بَيْعُ الْحَدِيقَةِ الَّتِي سَاقَى عَلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ، يُشْبِهُ بَيْعَ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَمْ أَرَ لَهُ ذِكْرًا، لَكِنْ فِي «فَتَاوَى» الْبَغَوِيِّ: أَنَّ الْمَالِكَ إِنْ بَاعَهَا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ لِلْعَامِلِ حَقًّا فِي ثِمَارِهَا، فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى بَعْضَ الثَّمَرَةِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، صَحَّ الْبَيْعُ فِي الْأَشْجَارِ وَنَصِيبُ الْمَالِكِ مِنَ الثِّمَارِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، لِأَنَّهَا مَبِيعَةٌ مَعَ الْأُصُولِ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ مَعَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ مَعَ الْبَائِعِ. وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَحْدَهَا، لَمْ يَصِحَّ، لِلْحَاجَةِ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ وَتَعَذُّرِهِ فِي الشَّائِعِ.
قُلْتُ؟ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، حَسَنٌ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، لَمْ يَذْكُرْهَا الرَّافِعِيُّ هُنَا، بَلْ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2006
بَابُ
الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالصَّحِيحُ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ. فَالْمُخَابَرَةُ: هِيَ الْمُعَامَلَةُ عَلَى الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَالْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ. وَالْمُزَارَعَةُ مِثْلُهَا، إِلَّا أَنَّ الْبَذْرَ مِنَ الْمَالِكِ. وَقَدْ يُقَالُ: الْمُخَابَرَةُ: اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ [بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا] . وَالْمُزَارَعَةُ: اكْتِرَاءُ الْعَامِلِ لِزَرْعِ الْأَرْضِ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا: هُمَا بِمَعْنًى، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ، فَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارَعَةُ بَاطِلَتَانِ، وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ بِجَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا، ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْخَطَّابِيُّ وَصَنَّفَ فِيهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ جُزْءًا، وَبَيَّنَ فِيهِ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَجَمَعَ بَيْنَ أَحَادِيثِ الْبَابِ، ثُمَّ تَابَعَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ: ضَعَّفَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثَ النَّهْيِ، وَقَالَ: هُوَ مُضْطَرِبٌ كَثِيرُ الْأَلْوَانِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَأَبْطَلَهَا مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، ﵃، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلَّتِهِ، قَالَ: فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَهِيَ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، لَا يُبْطِلُ الْعَمَلَ بِهَا أَحَدٌ. هَذَا كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ. وَالْمُخْتَارُ جَوَازُ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَتَأْوِيلُ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا إِذَا شَرَطَ
стр. 2007
أَحَدُهُمَا زَرْعَ قِطْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْآخَرُ أُخْرَى، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ، إِبْطَالُهُمَا، وَعَلَيْهِ تَفْرِيعُ مَسَائِلِ الْبَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَمَتَى أُفْرِدَتِ الْأَرْضُ لِمُخَابَرَةٍ أَوْ مُزَارَعَةٍ، بَطَلَ الْعَقْدُ. فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْمَالِكِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَأُجْرَةُ الْبَقَرِ وَالْآلَاتِ إِنْ كَانَتْ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْعَامِلِ، فَالْغَلَّةُ لَهُ، وَلِمَالِكِ الْأَرْضِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِهَا. وَإِنْ كَانَ لَهُمَا، فَالْغَلَّةُ لَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْآخَرِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا انْصَرَفَ مِنْ مَنَافِعِهِ إِلَى حِصَّةِ صَاحِبِهِ. وَإِذَا أَرَادَا أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ مَشْرُوعٍ، بِحَيْثُ لَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْبَذْرُ بَيْنَهُمَا، وَالْأَرْضُ لِأَحَدِهِمَا، وَالْعَمَلُ وَالْآلَاتُ لِلْآخَرِ، فَلَهُمَا ثَلَاثُ طُرُقٍ.
أَحَدُهَا: قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُعِيرُ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ نِصْفَهَا، وَيَتَبَرَّعُ الْعَامِلُ بِمَنْفَعَةِ بَدَنِهِ وَآلَاتِهِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ صَاحِبَ الْأَرْضِ. الثَّانِي: قَالَهُ الْمُزَنِيُّ: يَكْرِي صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ نِصْفَهَا بِدِينَارٍ مَثَلًا، وَيَكْتَرِي الْعَامِلَ لِيَعْمَلَ عَلَى نَصِيبِهِ بِنَفْسِهِ وَآلَاتِهِ بِدِينَارٍ، وَيَتَقَاصَّانِ.
الثَّالِثُ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ: يَكْرِيهِ نِصْفَ أَرْضِهِ بِنِصْفِ مَنَافِعِ الْعَامِلِ وَآلَاتِهِ، وَهَذَا أَحْوَطُهَا. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، أَقْرَضَ نِصْفَهُ لِلْعَامِلِ وَأَكَرَاهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ عَمَلِهِ وَنِصْفِ مَنَافِعِ آلَاتِهِ، وَلَا شَيْءَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِلَّا رَدُّ الْعِوَضِ. وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِنِصْفِ الْبَذْرِ، لِيَزْرَعَ لَهُ
стр. 2008
النِّصْفَ الْآخَرَ وَأَعَارَهُ نِصْفَ الْأَرْضِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَأْجَرَهُ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ مَنْفَعَةِ تِلْكَ الْأَرْضِ لِيَزْرَعَ بَاقِيَ الْبَذْرِ فِي بَاقِي الْأَرْضِ. وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ لِلْعَامِلِ، فَإِنْ شَاءَ أَقْرَضَ نِصْفَهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَاكْتَرَى مِنْهُ نِصْفَهَا بِنِصْفِ عَمَلِهِ وَعَمَلِ آلَاتِهِ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَرَى نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَتَبَرَّعَ بِعَمَلِهِ وَمَنَافِعِ آلَاتِهِ، وَإِنْ شَاءَ اكْتَرَى مِنْهُ نِصْفَ الْأَرْضِ بِنِصْفِ الْبَذْرِ وَنِصْفِ عَمَلِهِ وَمَنَافِعِ آلَاتِهِ.
وَلَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْإِجَارَاتِ مِنْ رِعَايَةِ الشَّرَائِطِ، كَرُؤْيَةِ الْأَرْضِ وَالْآلَاتِ، وَتَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهَا. هَذَا كُلُّهُ إِذَا أُفْرِدَتِ الْأَرْضُ بِالْعَقْدِ. أَمَّا إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، فَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ مَعَ الْمُسَاقَاةِ عَلَى النَّخِيلِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ اتِّحَادُ الْعَامِلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسَاقِيَ وَاحِدًا، وَيُزَارِعَ آخَرَ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَعَذُّرُ إِفْرَادِ النَّخِيلِ بِالسَّقْيِ، وَالْأَرْضِ بِالْعِمَارَةِ، لِانْتِفَاعِ النَّخْلِ بِسَقْيِ الْأَرْضِ وَتَقْلِيبِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ الْإِفْرَادُ، لَمْ تَجُزِ الْمُزَارَعَةُ. وَاخْتَلَفُوا فِي اعْتِبَارِ أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: اتِّحَادُ الصَّفْقَةِ، فَلَفْظُ الْمُعَامَلَةِ، يَشْمَلُ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ. فَلَوْ قَالَ: عَامَلْتُكَ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ وَالْبَيَاضِ بِالنِّصْفِ، كَفَى. وَأَمَّا لَفْظُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، بَلْ يُسَاقِي عَلَى النَّخِيلِ، وَيُزَارِعُ عَلَى الْبَيَاضِ، وَحِينَئِذٍ إِنْ قَدَّمَ الْمُسَاقَاةَ، نُظِرَ، إِنْ أَتَى بِهِمَا عَلَى الِاتِّصَالِ، فَقَدِ اتَّحَدَتِ الصَّفْقَةُ وَوُجِدَ الشَّرْطُ، وَإِنْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا، فَقِيلَ: تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ، لِحُصُولِهِمَا لِشَخْصٍ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا تَبَعٌ، فَلَا تُفْرَدُ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَإِنْ قَدَّمَ الْمُزَارَعَةَ، فَسَدَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ. وَقِيلَ: تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً. فَإِنْ سَاقَاهُ بَعْدَهَا، بَانَتْ صِحَّتُهَا، وَإِلَّا، فَلَا.
الثَّانِي: لَوْ شُرِطَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرِ، وَرُبْعُ الزَّرْعِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ التَّسَاوِي، لِأَنَّ التَّفْضِيلَ يُزِيلُ التَّبَعِيَّةَ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَثُرَ الْبَيَاضُ الْمُتَخَلِّلُ مَعَ عُسْرِ الْإِفْرَادِ، فَقِيلَ: يَبْطُلُ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ
стр. 2009
مَتْبُوعٌ لَا تَابِعٌ. وَالْأَصَحُّ: الْجَوَازُ، لِلْحَاجَةِ. ثُمَّ النَّظَرُ فِي الْكَثْرَةِ إِلَى زِيَادَةِ النَّمَاءِ، أَمْ إِلَى مِسَاحَةِ الْبَيَاضِ وَمَغَارِسِ الشَّجَرِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعُ: لَوْ شَرَطَا كَوْنَ الْبَذْرِ مِنَ الْعَامِلِ فَهِيَ مُخَابَرَةٌ، فَقِيلَ: تَجُوزُ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَالْمُزَارَعَةِ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا فِي قِصَّةِ خَيْبَرَ، دُونَ الْمُخَابَرَةِ، وَلِأَنَّ الْمُزَارَعَةَ أَشْبَهُ بِالْمُسَاقَاةِ، لِأَنَّهُ لَا يَتَوَظَّفُ عَلَى الْعَامِلِ فِيهِمَا إِلَّا الْعَمَلُ. فَلَوْ شُرِطَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ وَالْبَقَرُ مِنَ الْعَامِلِ، أَوْ عَكْسَهُ، قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ إِذَا شُرِطَ الْبَذْرُ عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، فَكَأَنَّهُ اكْتَرَى الْعَامِلَ وَبَقَرَهُ، قَالَ: فَإِنْ جَوَّزْنَا فِيمَا إِذَا شُرِطَ الْبَقَرُ عَلَى [الْمَالِكِ وَالْبَذْرُ عَلَى] الْعَامِلِ، نُظِرَ، فَإِنْ شُرِطَ التِّبْنُ وَالْحَبُّ بَيْنَهُمَا، جَازَ، وَكَذَا لَوْ شُرِطَ الْحَبُّ بَيْنَهُمَا وَالتِّبْنُ لِأَحَدِهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَقْصُودِ. فَإِنْ شُرِطَ التِّبْنُ لِصَاحِبِ الثَّوْرِ وَهُوَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَشُرِطَ الْحَبُّ لِلْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْأَصْلُ، فَلَا يُمْنَعُ الْمَقْصُودَ. وَإِنْ شَرَطَا التِّبْنَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَهُوَ الْعَامِلُ، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْحَبِّ لِأَحَدِهِمَا وَالتِّبْنِ لِلْآخَرِ أَصْلًا. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ فِي الْمُخَابَرَةِ بِوُجُوبِ أُجْرَةِ مِثْلِ الْأَرْضِ، لَكِنْ فِي فَتَاوَى «الْقَفَّالِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِمَا: أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ أَرْضًا إِلَى رَجُلٍ لِيَغْرِسَ أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَزْرَعَ فِيهَا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً، فَالْحَاصِلُ لِلْعَامِلِ وَفِيمَا يَلْزَمُهُ مِنْ أُجْرَةِ الْأَرْضِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ غَرَسَ نِصْفَ الْغَرْسِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ بِإِذْنِهِ، فَقَدْ رَضِيَ بِبُطْلَانِ مَنْفَعَةِ النِّصْفِ. وَأَصَحُّهُمَا: جَمِيعُهَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا رَضِيَ لِيَحْصُلَ لَهُ نِصْفُ
стр. 2010
الْغِرَاسِ، فَإِذًا إِطْلَاقُهُمْ فِي الْمُخَابَرَةِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ. ثُمَّ الْعَامِلُ يُكَلَّفُ نَقْلَ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ إِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُمَا. وَإِنْ نَقَصَتْ، لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، لِلْإِذْنِ، بَلْ يَتَخَيَّرُ مَالِكُ الْأَرْضِ فِيهِمَا تَخَيُّرَ الْمُعِيرِ، وَالزَّرْعُ يَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ. وَلَوْ زَرَعَ الْعَامِلُ الْبَيَاضَ بَيْنَ النَّخِيلِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، قَلَعَ زَرْعَهُ مَجَّانًا. وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْمُسَاقَاةَ عَلَى مَا سِوَى النَّخِيلِ وَالْعِنَبِ مِنَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ مُنْفَرِدًا، فَفِي جَوَازِهَا تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ كَالْمُزَارَعَةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2011
كِتَابُ الْإِجَارَةِ
فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ وَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الصِّيغَةُ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: أَكْرَيْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ آجَرْتُكَهَا مُدَّةَ كَذَا بِكَذَا، فَيَقُولُ: عَلَى الِاتِّصَالِ: [قَبِلْتُ، أَوِ] اسْتَأْجَرْتُ، أَوِ اكْتَرَيْتُ. وَلَوْ أَضَافَ إِلَى الْمَنْفَعَةِ فَقَالَ: أَجَّرْتُكَ أَوْ أَكْرَيْتُكَ مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الشَّامِلِ» وَذِكْرُ الْمَنْفَعَةِ تَأْكِيدٌ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ عَيْنَ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ رُقْبَتَهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، لِأَنَّ لَفْظَ الْإِجَارَةِ وُضِعَ مُضَافًا إِلَى الْعَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ فِي الذِّمَّةِ، فَقَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ كَذَا، فَقِيلَ: جَازَ، وَأَغْنَى عَنْ لَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْإِكْرَاءِ. وَإِنْ تَعَاقَدَ بِصِيغَةِ التَّمْلِيكِ، نُظِرَ، إِنْ أَضَافَ إِلَى الْمَنْفَعَةِ فَقَالَ: مَلَّكْتُكَ مَنْفَعَتَهَا شَهْرًا، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ [الْمَعْرُوفِ] ، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ بِعِوَضٍ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، فَوَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَجُوزُ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ صِنْفٌ مِنَ الْبَيْعِ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الْأَعْيَانِ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنَافِعِ، كَمَا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ. وَقِيلَ وَبِالْمَنْعِ قَطْعًا.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْأُجْرَةُ. فَالْإِجَارَةُ قِسْمَانِ. وَارِدَةٌ عَلَى الْعَيْنِ كَمَنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً [بِعَيْنِهَا لِيَرْكَبَهَا] أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ شَخْصًا بِعَيْنِهِ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ. وَوَارِدَةٌ عَلَى الذِّمَّةِ، كَمَنْ أَسْتَأْجَرَ دَابَّةً مَوْصُوفَةً لِلرُّكُوبِ أَوِ الْحَمْلِ، أَوْ قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ
стр. 2012
خِيَاطَةَ هَذَا الثَّوْبِ، أَوْ بِنَاءَ الْحَائِطِ، فَقَبِلَ. وَفِي قَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِكَذَا، أَوْ لِتَفْعَلَ كَذَا، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْحَاصِلَ بِهِ إِجَارَةُ عَيْنٍ، لِلْإِضَافَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِ، كَمَا لَوْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ. وَالثَّانِي: إِجَارَةُ ذِمَّةٍ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا تَكُونُ إِجَارَةَ عَيْنٍ إِذَا زَادَ فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُ عَيْنَكَ أَوْ نَفْسَكَ لِكَذَا، أَوْ لِتَعْمَلَ بِنَفْسِكَ كَذَا. وَإِجَارَةُ الْعَقَارِ لَا تَكُونُ إِلَّا إِجَارَةَ عَيْنٍ، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِي أَرْضٍ وَلَا دَارٍ.
فَرْعٌ
إِذَا وَرَدَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، لَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُ الْأُجْرَةِ فِي الْمَجْلِسِ، كَمَا لَا يُشْتَرَطُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ. ثُمَّ إِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، فَهِيَ كَالثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ فِي جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ، وَفِي أَنَّهُ إِذَا شُرِطَ فِيهَا التَّأْجِيلُ أَوِ التَّنْجِيمُ، كَانَتْ مُؤَجَّلَةً أَوْ مُنَجَّمَةً. وَإِنْ شُرِطَ التَّعْجِيلُ، كَانَتْ مُعَجَّلَةً، وَإِنْ أُطْلِقَ، فَمُعَجَّلَةٌ، وَمَلَكَهَا الْمُكْرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، اسْتَحَقَّ اسْتِيفَاءَهَا إِذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ. وَاسْتَدَلَّ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمَنَافِعَ مَوْجُودَةٌ أَوْ مُلْحَقَةٌ بِالْمَوْجُودِ، وَلِهَذَا صَحَّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ دَيْنًا، وَإِلَّا، لَكَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِ الْأُجْرَةِ وَوَصْفِهَا إِذَا كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ كَذَا لِأُرْضِيَكَ أَوْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، وَمَا أَشْبَهَهُ، فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِذَا عَمِلَ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ بِنَفَقَتِهِ أَوْ كُسْوَتِهِ، فَسَدَ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ بِقَدْرٍ مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ، وَضَبْطُهُ ضَبْطُ السَّلَمِ، جَازَ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ بِأَرْطَالِ خُبْزٍ، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ
стр. 2013
السَّلَمِ فِي الْخُبْزِ. وَلَوْ آجَرَ الدَّارَ بِعِمَارَتِهَا، أَوِ الدَّابَّةَ بِعَلَفِهَا، أَوِ الْأَرْضَ بِخَرَاجِهَا وَمُؤْنَتِهَا أَوْ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ عَلَى أَنْ يُعَمِّرَهَا، وَلَا يَحْسُبَ مَا أَنْفَقَ مِنَ الْأُجْرَةِ، لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ أَجَّرَهَا بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ عَلَى أَنْ يَصْرِفَهَا إِلَى الْعِمَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْأُجْرَةَ، الدَّرَاهِمُ مَعَ الصَّرْفِ إِلَى الْعِمَارَةِ، وَذَلِكَ عَمَلٌ مَجْهُولٌ. ثُمَّ إِذَا صَرَفَهَا فِي الْعِمَارَةِ، رَجَعَ بِهَا. وَلَوْ أُطْلِقَ الْعَقْدُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي الصَّرْفِ إِلَى الْعِمَارَةِ، وَتَبَرَّعَ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ، جَازَ. فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا أُنْفِقَ، فَقَوْلَانِ فِي أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ؟ وَلَوْ أَعْطَاهُ ثَوْبًا وَقَالَ: إِنْ خِطْتَهُ الْيَوْمَ فَلَكَ دِرْهَمٌ، أَوْ غَدًا فَنِصْفٌ، فَسَدَ الْعَقْدُ وَوَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ مَتَى خَاطَهُ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ خِطَّتَهُ رُومِيًّا فَلَكَ دِرْهَمٌ، أَوْ فَارِسِيًّا فَنِصْفٌ، فَسَدَ، وَالرُّومِيُّ بِغُرْزَتَيْنِ، وَالْفَارِسِيُّ بِغُرْزَةٍ.
فَرْعٌ
إِذَا أَجَّلَا الْأُجْرَةَ فَحَلَّتْ وَقَدْ تَغَيَّرَ النَّقْدُ، اعْتُبِرَ نَقْدُ يَوْمِ الْعَقْدِ. وَفِي الْجَعَالَةِ الِاعْتِبَارُ بِيَوْمِ اللَّفْظِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: بِوَقْتِ تَمَامِ الْعَمَلِ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ يَثْبُتُ بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي سَبَقَ، إِذَا كَانَتِ الْأُجْرَةُ فِي الذِّمَّةِ. فَلَوْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً، مُلِكَتْ فِي الْحَالِ كَالْمَبِيعِ، وَاعْتُبِرَتْ فِيهَا الشَّرَائِطُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْمَبِيعِ، حَتَّى لَوْ جَعَلَ الْأُجْرَةَ جِلْدَ شَاةٍ مَذْبُوحَةٍ قَبْلَ السَّلْخِ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ صِفَتُهُ فِي الرِّقَّةِ وَالثَّخَانَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَهَلْ تُغْنِي رُؤْيَةُ الْأُجْرَةِ، عَنْ مَعْرِفَةِ قَدْرِهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
стр. 2014
فَصْلٌ
أَمَّا الْإِجَارَةُ الْوَارِدَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ فِيهَا تَأْجِيلُ الْأُجْرَةِ، وَلَا الِاسْتِبْدَالُ عَنْهَا، وَلَا الْحَوَالَةُ بِهَا وَلَا عَلَيْهَا، وَلَا الْإِبْرَاءُ، بَلْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ فِي الْمَجْلِسِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، لِأَنَّهُ سَلَمٌ فِي الْمَنَافِعِ، فَإِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ مُشَاهَدَةً غَيْرَ مَعْلُومَةِ الْقَدْرِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ. هَذَا إِذَا تَعَاقَدَا بِلَفْظِ السَّلَمِ، بِأَنْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الدِّينَارَ فِي دَابَّةٍ تَحْمِلُنِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَإِنْ عَقَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، بِأَنْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُ مِنْكَ دَابَّةً صِفَتُهَا كَذَا لِتَحْمِلَنِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَوَجْهَانِ بَنَوْهُمَا عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ، أَمْ بِالْمَعْنَى؟ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَأَبِي عَلِيٍّ، وَالْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ كَمَا لَوْ عَقَدَا بِلَفْظِ السَّلَمِ، وَرَجَّحَ بَعْضُهُمُ الْآخَرَ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَنْفَعَةً، سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْجِنْسُ، كَمَا إِذَا أَجَّرَ دَارًا بِمَنْفَعَةِ دَارٍ، أَوِ اخْتَلَفَ، بِأَنْ أَجَّرَهَا بِمَنْفَعَةِ عَبْدٍ. وَلَا رِبًا فِي الْمَنَافِعِ أَصْلًا، حَتَّى لَوْ أَجَّرَ دَارًا بِمَنْفَعَةِ دَارَيْنِ، أَوْ أَجَّرَ حُلِيَّ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ، جَازَ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي الْمَجْلِسِ.
فَصْلٌ
لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْأُجْرَةَ شَيْئًا يَحْصُلُ بِعَمَلِ الْأَجْنَبِيِّ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ السَّلَّاخَ لِيَسْلَخَ الشَّاةَ بِجِلْدِهَا، أَوِ الطَّحَّانَ لِيَطْحَنَ الْحِنْطَةَ بِثُلْثِ دَقِيقِهَا، أَوْ بِصَاعٍ مِنْهُ، أَوْ بِالنُّخَالَةِ، أَوِ الْمُرْضِعَةَ بِجُزْءٍ مِنَ الرَّقِيقِ الْمُرْتَضِعِ بَعْدَ الْفِطَامِ، أَوْ قَاطِفَ الثِّمَارِ بِجُزْءٍ
стр. 2015
مِنْهَا بَعْدَ الْقِطَافِ، أَوْ لِيَنْسِجَ الثَّوْبَ بِنِصْفِهِ، فَكُلُّ هَذَا فَاسِدٌ، وَلِلْأَجِيرِ أُجْرَةُ مِثْلِهِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ الْمُرْضِعَ بِجُزْءٍ مِنَ الرَّقِيقِ فِي الْحَالِ، أَوْ قَاطِفَ الثِّمَارِ بِجُزْءٍ مِنْهَا عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، أَوْ كَانَ الرَّقِيقُ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، فَاسْتَأْجَرَهَا لِتُرْضِعَهُ بِجُزْءٍ مِنْهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ سَاقَى شَرِيكَهُ وَشَرَطَ لَهُ زِيَادَةً مِنَ الثَّمَرِ، يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ عَمَلُهُ فِي مُشْتَرَكٍ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ عَمَلَ الْأَجِيرِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِي خَاصِّ مُلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَوِ اسْتَأْجَرَ شَرِيكَهُ فِي الْحِنْطَةِ لِيَطْحَنَهَا أَوِ الدَّابَّةَ لِيَتَعَهَّدَهَا بِدَرَاهِمَ، جَازَ. وَلَوْ قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ بِرُبْعِ هَذِهِ الْحِنْطَةِ أَوْ بِصَاعٍ مِنْهَا لِتَطْحَنَ الْبَاقِيَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ: يَجُوزُ، ثُمَّ يَتَقَاسَمَانِ قَبْلَ الطَّحْنِ، فَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ، وَيَطْحَنُ الْبَاقِي. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِنْ شَاءَ طَحَنَ الْكُلَّ وَالدَّقِيقُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا. وَمِثَالُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، مَا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ الشَّاةِ الْمُذَكَّاةِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا بِجِلْدِهَا، فَفَاسِدٌ أَيْضًا. أَمَّا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ الْمَيِّتَةِ بِجِلْدِهَا، فَبَاطِلٌ، لِأَنَّهُ نَجِسٌ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَنْفَعَةُ، وَلَهَا خَمْسَةُ شُرُوطٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مُتَقَوَّمَةً وَفِيهِ مَسَائِلُ. أَحَدُهَا: اسْتِئْجَارُ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ بَاطِلٌ، لِأَنَّهَا لَا تُقْصَدُ لَهُ، فَلَمْ يَصِحَّ كَشِرَاءِ حَبَّةِ حِنْطَةٍ. فَإِنْ كَثُرَ التُّفَّاحُ، فَالْوَجْهُ: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الْمِسْكِ وَالرَّيَاحِينِ لِلشَّمِّ، وَمِنَ التُّفَّاحِ مَا هُوَ أَطْيَبُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الرَّيَاحِينِ. الثَّانِيَةُ: اسْتِئْجَارُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، إِنْ أَطْلَقَهُ، فَبَاطِلٌ، وَإِنْ صَرَّحَ بِالِاسْتِئْجَارِ لِلتَّزْيِينِ، فَبَاطِلٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَاسْتِئْجَارُ الْأَطْعِمَةِ لِتَزْيِينِ الْحَوَانِيتِ، بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَفِي اسْتِئْجَارِ الْأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ عَلَيْهَا،
стр. 2016
وَالْوُقُوفِ فِي ظِلِّهَا، وَرَبْطِ الدَّوَابِّ فِيهَا، الْوَجْهَانِ. قَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَصَحُّ هُنَا: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهَا مَنَافِعُ مُهِمَّةٌ، بِخِلَافِ التَّزْيِينِ. وَاسْتِئْجَارُ الْبَبَّغَاءِ لِلِاسْتِئْنَاسِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِالْجَوَازِ، وَكَذَا فِي كُلِّ مَا يُسْتَأْنَسُ بِلَوْنِهِ، كَالطَّاوُوسِ، أَوْ صَوْتِهِ، كَالْعَنْدَلِيبِ.
الثَّالِثَةُ: اسْتِئْجَارُ الْبَيَّاعِ عَلَى كَلِمَةِ الْبَيْعِ، أَوْ كَلِمَةٍ يُرَوِّجُ بِهَا السِّلْعَةَ وَلَا تَعَبَ فِيهَا، بَاطِلٌ، إِذْ لَا قِيمَةَ لَهَا. قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هَذَا فِي مَبِيعٍ مُسْتَقِرِّ الْقِيمَةِ فِي الْبَلَدِ، كَالْخُبْزِ وَاللَّحْمِ. أَمَّا الثِّيَابُ وَالْعَبِيدُ، وَمَا يَخْتَلِفُ قَدْرُ الثَّمَنِ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، فَيَخْتَصُّ بَيْعُهَا مِنَ الْبَيَّاعِ، لِمَزِيدِ مَنْفَعَةٍ وَفَائِدَةٍ، فَيَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِذَا لَمْ يَجُزِ الِاسْتِئْجَارُ، وَلَمْ يَتْعَبِ الْبَيَّاعُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ تَعِبَ بِكَثْرَةِ التَّرَدُّدِ، أَوْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ فِي أَمْرِ الْمُعَامَلَةِ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، لَا مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْبَيَّاعُونَ. الرَّابِعَةُ: اسْتِئْجَارُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ وَالْحِرَاسَةِ، بَاطِلٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَجُوزُ كَالْفَهْدِ وَالْبَازِي وَالشَّبَكَةِ لِلِاصْطِيَادِ وَالْهِرَّةِ لِدَفْعِ الْفَأْرِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْدًا، وَمَقْصُودُهُ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ تُرَادُ بِهِ الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تُسْتَحَقُّ بِهَا الْأَعْيَانُ تَابِعَةً لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ مَاسَّةٍ، فَتَلْحَقُ تِلْكَ الْأَعْيَانُ حِينَئِذٍ بِالْمَنَافِعِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: اسْتِئْجَارُ الْبُسْتَانِ لِثِمَارِهِ، وَالشَّاةِ لِنِتَاجِهَا أَوْ صُوفِهَا أَوْ لَبَنِهَا، بَاطِلٌ. الثَّانِيَةُ: الِاسْتِئْجَارُ لِإِرْضَاعِ الطِّفْلِ جَائِزٌ، وَيُسْتَحَقُّ بِهِ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ. فَالْمَنْفَعَةُ: أَنْ تَضَعَ الصَّبِيَّ فِي حِجْرِهَا وَتُلْقِمَهُ الثَّدْيَ وَتَعْصِرَهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَالْعَيْنُ: اللَّبَنُ الَّذِي يَمُصُّهُ الصَّبِيُّ. وَإِنَّمَا جُوِّزَ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ أَوِ الضَّرُورَةِ. وَفِي الْأَصْلِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْعَقْدُ، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: اللَّبَنُ. وَأَمَّا فِعْلُهَا، فَتَابِعٌ، لِأَنَّ اللَّبَنَ مَقْصُودٌ لِعَيْنِهِ، وَفِعْلُهَا طَرِيقٌ إِلَيْهِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ فِعْلُهَا، وَاللَّبَنُ مُسْتَحَقٌّ تَبَعًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [الطَّلَاقِ: ٦] ، عَلَّقَ الْأُجْرَةَ بِفِعْلِ الْإِرْضَاعِ،
стр. 2017
لَا بِاللَّبَنِ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْمَنَافِعِ وَإِنَّمَا الْأَعْيَانُ تُتْبَعُ لِلضَّرُورَةِ، كَالْبِئْرِ تُسْتَأْجَرُ لِيُسْتَقَى مَاؤُهَا، وَالدَّارِ تُسْتَأْجَرُ وَفِيهَا بِئْرٌ، يَجُوزُ الِاسْتِقَاءُ مِنْهَا. ثُمَّ إِنِ اسْتَأْجَرَهَا لِلْحِضَانَةِ مَعَ الْإِرْضَاعِ، جَازَ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ لِلْإِرْضَاعِ، وَنَفَى الْحِضَانَةَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَاسْتِئْجَارِ الشَّاةِ لِإِرْضَاعِ سَخْلَةٍ.
وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِمُجَرَّدِ الْحِضَانَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا قَصَرَ الْإِجَارَةَ عَلَى صَرْفِ اللَّبَنِ إِلَى الصَّبِيِّ، وَقَطَعَ عَنْهُ وَضْعَهُ فِي حِجْرِهَا وَنَحْوَهُ، فَأَمَّا الْحِضَانَةُ بِالتَّفْسِيرِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَيَجُوزُ قَطْعُهَا عَنِ الْإِرْضَاعِ بِلَا خِلَافٍ.
الثَّالِثَةُ: اسْتِئْجَارُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ، حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ فِي بَابِ الْمَنَاهِي. الرَّابِعَةُ: اسْتِئْجَارُ الْقَنَاةِ لِلزِّرَاعَةِ بِمَائِهَا، جَائِزٌ، لِأَنَّا إِنْ قُلْنَا: الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ، فَكَالشَّبَكَةِ لِلِاصْطِيَادِ - وَإِلَّا، فَالْمَنَافِعُ آبَارُ الْمَاءِ وَقَدْ جُوِّزَ وَاسْتِئْجَارُ بِئْرِ الْمَاءِ لِلِاسْتِقَاءِ وَالَّتِي بَعْدَهَا مُسْتَأْجَرَةٌ لِإِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهَا. وَقَالَ الرُّوْيَانِيُّ: إِذَا اكْتَرَى قَرَارَ الْقَنَاةِ لِيَكُونَ أَحَقَّ بِمَائِهَا، جَازَ فِي وَجْهٍ، وَهُوَ الِاخْتِيَارُ. وَالْمَعْرُوفُ: مَنْعُهُ. وَمُقْتَضَى لَفْظِهِ أَنْ يَكُونَ تَعْرِيفًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ لَا يُمْلَكُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهَا، فَاسْتِئْجَارُ الْآبِقِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَالْأَخْرَسِ لِلتَّعْلِيمِ، وَالْأَعْمَى لِحِفْظِ الْمَتَاعِ، إِجَارَةُ عَيْنٍ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُ
стр. 2018
الْقُرْآنَ لِتَعْلِيمِهِ، بَاطِلٌ. فَإِنْ وَسَّعَ عَلَيْهِ وَقْتًا يَقْدِرُ عَلَى التَّعَلُّمِ قَبْلَ التَّعْلِيمِ، فَبَاطِلٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ مِنْ عَيْنِهِ، وَالْعَيْنُ لَا تَقْبَلُ التَّأْخِيرَ. وَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ، اشْتَرَطَ كَوْنَ الزِّرَاعَةِ مُتَيَسِّرَةً. وَالْأَرْضُ أَنْوَاعٌ.
مِنْهَا: أَرْضٌ لَهَا مَاءٌ دَائِمٌ مِنْ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ وَنَحْوِهَا. وَمِنْهَا: أَرْضٌ لَا مَاءَ لَهَا، لَكِنْ يَكْفِيهَا الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ، وَالنَّدَاوَةُ الَّتِي تُصِيبُهَا مِنَ الثُّلُوجِ الْمُعْتَادَةِ، أَوْ لَا يَكْفِيهَا ذَلِكَ، لَكِنَّهَا تُسْقَى بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْمَطَرِ فِي الْجَبَلِ، وَالْغَالِبُ فِيهَا الْحُصُولُ.
وَمِنْهَا: أَرْضٌ لَا مَاءَ لَهَا، وَلَا تَكْفِيهَا الْأَمْطَارُ الْمُعْتَادَةُ، وَلَا تُسْقَى بِمَاءٍ غَالِبِ الْحُصُولِ مِنَ الْجَبَلِ، وَلَكِنْ إِنْ أَصَابَهَا مَطَرٌ عَظِيمٌ أَوْ سَيْلٌ، نَادِرًا، أَمْكَنَ زَرْعُهَا، فَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُهُ قَطْعًا. وَالثَّالِثُ لَا يَصِحُّ قَطْعًا. وَفِي الثَّانِي وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَابْنُ كَجٍّ وَصَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» ، بِالْمَنْعِ أَجَابَ الْقَفَّالُ. وَمِنْهَا: أَرْضٌ عَلَى شَطِّ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَغَيْرِهِمَا، يَعْلُو الْمَاءُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْحَسِرُ، وَيَكْفِي ذَلِكَ لِزِرَاعَتِهَا فِي السَّنَةِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّرَاعَةِ بَعْدَمَا عَلَاهَا الْمَاءُ وَانْحَسَرَ، صَحَّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْلُوَهَا الْمَاءُ، فَإِنْ كَانَ لَا يُوثَقُ بِهِ، كَالنِّيلِ لَا يَنْضَبِطُ أَمْرُهُ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ حُصُولَهُ، فَلْيَكُنْ عَلَى الْخِلَافِ فِي النَّوْعِ الثَّانِي. وَإِنْ كَانَ مَوْثُوقًا [بِهِ] كَالْمَدِّ بِالْبَصْرَةِ، صَحَّ كَمَاءِ النَّهْرِ. فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي وُصُولِ الْمَاءِ إِلَى تِلْكَ الْأَرْضِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ كَالنَّوْعِ الثَّالِثِ. وَإِنْ [كَانَ] عَلَاهَا وَلَمْ يَنْحَسِرْ، فَإِنْ كَانَ لَا يُرْجَى انْحِسَارُهُ، أَوْ يُشَكُّ فِيهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِئْجَارُهَا، لِأَنَّ الْعَجْزَ مَوْجُودٌ، وَالْقُدْرَةَ مَشْكُوكٌ فِيهَا. وَإِنْ رُجِيَ انْحِسَارُهُ وَقْتَ الزِّرَاعَةِ بِالْعَادَةِ، صَحَّتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الْإِجَارَةُ لِمَا يُمْكِنُ زِرَاعَتُهُ فِي الْمَاءِ كَالْأُرْزِ، أَمْ لِغَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ رَأَى الْأَرْضَ مَكْشُوفَةً أَمْ هِيَ مَرْئِيَّةٌ الْآنَ لِصَفَاءِ الْمَاءِ، أَمْ لَمْ يَكُنْ
стр. 2019
شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تُرَ، لَمْ يَصِحَّ فِي قَوْلٍ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِغَيْرِ الْأُرْزِ وَنَحْوِهِ. وَحُجَّةُ مَذْهَبِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ دَارًا مَشْحُونَةً بِأَمْتِعَةٍ يُمْكِنُ الِاشْتِغَالُ بِنَقْلِهَا فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤْنَةٌ، فَلِإِنَّ اسْتِتَارَهَا بِالْمَاءِ مِنْ مَصَالِحِهَا، فَإِنَّهُ يُقَوِّيهَا وَيَقْطَعُ الْعُرُوقَ الْمُنْتَشِرَةَ، فَأَشْبَهَ اسْتِتَارَ الْجَوْزِ بِقِشْرِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ عَلَى شَطِّ نَهْرٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَغْرَقُ وَتَنْهَارُ فِي الْمَاءِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُهَا. فَإِنِ احْتَمَلَ وَلَمْ يَظْهَرْ، جَازَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ السَّلَامَةُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ حَالَةُ الظُّهُورِ عَلَى تَقَابُلِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
إِذَا عَرَفْتَ حُكْمَ الْأَنْوَاعِ، فَكُلُّ أَرْضٍ لَهَا مَاءٌ مَعْلُومٌ، وَاسْتَأْجَرَهَا لِلزِّرَاعَةِ مَعَ شُرْبِهَا مِنْهُ، فَذَاكَ، وَإِنِ اسْتَأْجَرَهَا لِلزِّرَاعَةِ دُونَ شُرْبِهَا، جَازَ إِنْ تَيَسَّرَ سَقْيُهَا مِنْ مَاءٍ آخَرَ، وَإِنْ أَطَلَقَ، دَخَلَ فِيهِ الشُّرْبُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَهَا، لَا يَدْخُلُ الشُّرْبُ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ هُنَا لَا تَحْصُلُ دُونَ الشُّرْبِ. هَذَا إِذَا طُرِدَتِ الْعَادَةُ بِالْإِجَارَةِ مَعَ الشُّرْبِ، فَإِنِ اضْطَرَبَتْ، فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكُلُّ أَرْضٍ مَنَعْنَا اسْتِئْجَارَهَا لِلزِّرَاعَةِ، فَلَوِ اكْتَرَاهَا لِيَنْزِلَ فِيهَا، أَوْ يَسْكُنَهَا، أَوْ يَجْمَعَ الْحَطَبَ فِيهَا، أَوْ يَرْبُطَ الدَّوَابَّ، جَازَ. وَإِنِ اكْتَرَاهَا مُطْلَقًا، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ وَلَا مَاءَ لَهَا، جَازَ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِنَفْيِ الْمَاءِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لِغَيْرِ الزِّرَاعَةِ. ثُمَّ لَوْ حَمَلَ مَاءً مِنْ مَوْضِعٍ وَزَرَعَهَا، أَوْ زَرَعَهَا عَلَى تَوَقُّعِ حُصُولِ مَاءٍ، لَمْ يُمْنَعْ، وَلَيْسَ لَهُ الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ فِيهَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: لَا مَاءَ لَهَا، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يُطْمَعُ فِي سَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي مِثْلِهَا الِاسْتِئْجَارُ لِلزِّرَاعَةِ، فَكَأَنَّهُ ذَكَرَهَا، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى قُلَّةِ جَبَلٍ لَا يُطْمَعُ فِي سَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهَا، صُحِّحَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ، وَإِذَا اعْتَبَرْنَا نَفْيَ الْمَاءِ، فَفِي قِيَامِ عِلْمِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالنَّفْيِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهَا الِاسْتِئْجَارُ لِلزِّرَاعَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الصَّرْفِ بِاللَّفْظِ.
стр. 2020
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ تَصْرِيحًا بِجَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ بَيَانِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
قَدْ عَرَفْتَ انْقِسَامَ الْإِجَارَةِ إِلَى وَارِدَةٍ عَلَى الْعَيْنِ، وَعَلَى الذِّمَّةِ. أَمَّا إِجَارَةُ الْعَيْنِ، فَلَا يَصِحُّ إِيرَادُهَا عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ، كَإِجَارَةِ الدَّارِ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ، وَالشَّهْرَ الْآتِيَ. وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَجَّرْتُكَ سَنَةً أَوَّلُهَا مِنْ غَدٍ، أَوْ أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّابَّةَ لِلرُّكُوبِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا عَلَى أَنْ تَخْرُجَ غَدًا. وَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ سَنَةً، فَإِذَا انْقَضَتْ، فَقَدْ أَجَّرْتُكَ سَنَةً أُخْرَى، فَالْعَقْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ أَجَّرْتُكَ شَهْرًا.
أَمَّا الْوَارِدَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، فَيُحْتَمَلُ فِيهَا التَّأْجِيلُ وَالتَّأْخِيرُ، كَمَا إِذَا قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ حَمْلِي إِلَى مَوْضِعِ كَذَا فِي دَابَّةٍ صِفَتُهَا كَذَا غَدًا أَوْ غُرَّةَ شَهْرِ كَذَا، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ مُؤَجِّلًا، وَإِنْ أَطْلَقَ، كَانَتْ حَالَّةً. وَلَوْ أَجَّرَ دَارَهُ لِزَيْدٍ سَنَةً، ثُمَّ أَجَّرَهَا لِغَيْرِهِ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأُولَى، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ أَجَّرَهَا لِزَيْدٍ نَفْسِهِ، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، لِاتِّصَالِ الْمُدَّتَيْنِ. وَلَوْ أَجَّرَهَا أَوَّلًا لِزَيْدٍ سَنَةً، ثُمَّ أَجَّرَهَا زَيْدٌ لِعَمْرٍو، ثُمَّ أَجَّرَهَا الْمَالِكُ لِعَمْرٍو السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأُولَى، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، وَلَا يَجُوزُ إِجَارَتُهَا لِزَيْدٍ، كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِزَيْدٍ، وَلَا يَجُوزَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا لِعَمْرٍو، لِأَنَّ زَيْدًا هُوَ الَّذِي عَاقَدَهُ، فَيَضُمُّ إِلَى مَا اسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ. قَالَ: وَلَوْ أَجَّرَ دَارَهُ سَنَةً، ثُمَّ بَاعَهَا فِي الْمُدَّةِ، وَجَوَّزْنَاهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُؤَجِّرَهَا السَّنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُعَاقَدَةٌ، وَتَرَدَّدَ فِي أَنَّ الْوَارِثَ، هَلْ يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إِذَا مَاتَ الْمُكْرِي لِأَنَّ الْوَارِثَ نَائِبُهُ؟
стр. 2021
فَرْعٌ
إِيجَارُ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ شَهْرًا عَلَى أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِمَا الْأَيَّامَ دُونَ اللَّيَالِي، بَاطِلٌ، لِأَنَّ زَمَانَ الِانْتِفَاعِ لَا يَتَّصِلُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَيَكُونُ إِجَارَةُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، بِخِلَافِ مِثْلِهِ فِي الْعَبْدِ وَالْبَهِيمَةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ، لِأَنَّهُمَا لَا يُطِيقَانِ الْعَمَلَ دَائِمًا، وَيُرَفَّهَانِ فِي اللَّيْلِ عَلَى الْعَادَةِ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْإِجَارَةِ. وَلَوْ أَجَّرَ دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ لِيَرْكَبَهَا الْمُكْرِي زَمَانًا، ثُمَّ الْمُكْتَرِي زَمَانًا، لَمْ يَصِحَّ، لِتَأَخُّرِ حَقِّ الْمُكْتَرِي وَتَعَلُّقِ الْإِجَارَةِ بِمُسْتَقْبَلٍ. وَإِنْ أَجَّرَهُ لِيَرْكَبَ الْمُكْتَرِي بَعْضَ الطَّرِيقِ وَيَنْزِلَ فَيَمْشِيَ بَعْضَهَا، أَوْ أَجَّرَ اثْنَيْنِ لِيَرْكَبَ هَذَا زَمَانًا، وَهَذَا مِثْلَهُ، فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» : صَحَّتِ الْإِجَارَةُ فِي الصُّورَتَيْنِ، سَوَاءٌ وَرَدَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الذِّمَّةِ، أَوِ الْعَيْنِ، وَيَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ فِي الْحَالِ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ الْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي [أَوِ الْمُكْتَرِيَانِ] ، وَيَكُونُ التَّأَخُّرُ الْوَاقِعُ مِنْ ضَرُورَةِ الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ، فَلَا يَضُرُّ.
وَالثَّانِي: تَصِحُّ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، لِاتِّصَالِ زَمَنِ الْإِجَارَةِ فِي الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ: تَبْطُلُ فِيهِمَا، لِأَنَّهَا إِجَارَةُ أَزْمَانٍ مُتَقَطِّعَةٍ. وَالرَّابِعُ: تَصِحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ مَضْمُونَةً فِي الذِّمَّةِ، وَلَا تَصِحُّ عَلَى دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُعْرَفُ بِـ «كِرَاءِ الْعُقَبِ» وَهُوَ جَمْعُ عُقْبَةٍ وَهِيَ النَّوْبَةُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ، فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ عَادَةٌ مَضْبُوطَةٌ، إِمَّا بِالزَّمَانِ، بِأَنْ يَرْكَبَ يَوْمًا وَيَنْزِلَ يَوْمًا، وَإِمَّا بِالْمَسَافَةِ، بِأَنْ يَرْكَبَ فَرْسَخًا وَيَمْشِيَ فَرْسَخًا، حُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَطْلُبَ الرُّكُوبَ [ثَلَاثًا] وَالنُّزُولَ ثَلَاثًا، [لِمَا] فِي دَوَامِ الْمَشْيِ مِنَ التَّعَبِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةً مَضْبُوطَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ الْبَيَانِ فِي الِابْتِدَاءِ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالرُّكُوبِ، أُقْرِعَ. وَلَوْ أَكْرَى دَابَّةً لِاثْنَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعَاقُبِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنِ احْتَمَلَتِ الدَّابَّةُ رُكُوبَ شَخْصَيْنِ، اجْتَمَعَا عَلَى الرُّكُوبِ،
стр. 2022
وَإِلَّا، فَالرُّجُوعُ إِلَى الْمُهَايَأَةِ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ نِصْفَ الدَّابَّةِ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ أَجَّرْتُكَ الدَّابَّةَ لِتَرْكَبَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ، صَحَّ، وَيَقْتَسِمَانِ بِالزَّمَانِ أَوِ الْمَسَافَةِ، وَهَذِهِ إِجَارَةُ الْمَشَاعِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ كَبَيْعِ الْمَشَاعِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ إِجَارَةَ نِصْفِ الدَّابَّةِ لَا تَصِحُّ، لِلتَّقَطُّعِ، بِخِلَافِ إِجَارَةِ نِصْفِ الدَّارِ، وَبِخِلَافِ مَا إِذَا أَجَّرَهُمَا لِيَرْكَبَا فِي مَحْمَلٍ.
فَرْعٌ
لَا تَصِحُّ إِجَارَةُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فِي الْحَالِ، وَيَصِيرُ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي الْمُدَّةِ، كَالْجَحْشِ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى تَعْجِيلِ الِانْتِفَاعِ، بِخِلَافِ الْمُسَاقَاةِ.
فَصْلٌ
الْعَجْزُ الشَّرْعِيُّ كَالْحِسِّيِّ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ لِقَلْعِ سِنٍّ صَحِيحَةٍ، أَوْ [قَطْعِ] يَدٍ صَحِيحَةٍ، وَلَا اسْتِئْجَارُ الْحَائِضِ لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ وَخِدْمَتِهِ، وَلَا اسْتِئْجَارُ أَحَدٍ لِتَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، أَوِ السِّحْرِ، أَوِ الْفُحْشِ، أَوْ خِتَانِ صَغِيرٍ لَا يَحْتَمِلُ أَلَمَهُ.
فَرْعٌ
قَلْعُ السِّنِّ الْوَجِعَةِ، إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا صَعُبَ الْأَلَمُ وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ يُزِيلُ الْأَلَمَ. وَقَطْعُ الْيَدِ الْمُتَأَكِلَةِ، إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: إِنَّهُ نَافِعٌ، وَمَعَ ذَلِكَ، فَفِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ ضَمَانِ الْوُلَاةِ مِنْ كِتَابِ «الْجِنَايَاتِ» فَحَيْثُ لَا يَجُوزُ الْقَلْعُ أَوِ الْقَطْعُ، فَالِاسْتِئْجَارُ لَهُ بَاطِلٌ، وَحَيْثُ يَجُوزُ، يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ
стр. 2023
عَلَى الْأَصَحِّ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ لَا يُوثَقُ بِبَقَاءِ الْعِلَّةِ، فَرُبَّمَا زَالَتْ بِتَعَذُّرِ الْوَفَاءِ. وَسَبِيلُ مِثْلِ هَذَا، أَنْ يَحْصُلَ بِالْجَعَالَةِ، فَيَقُولُ: اقْلَعْ سِنِّي هَذِهِ وَلَكَ كَذَا. وَرَأَى الْإِمَامُ تَخْصِيصَ الْوَجْهَيْنِ بِالْقَلْعِ، لِأَنَّ زَوَالَ الْوَجَعِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ غَيْرُ بَعِيدٍ، بِخِلَافِ الْأَكَلَةِ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ فِي زَمَنِ الْقَطْعِ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ، فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَبَزْغِ الدَّابَّةِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْإِيلَامَاتِ إِنَّمَا تُبَاحُ بِالْحَاجَةِ، وَقَدْ تَزُولُ الْحَاجَةُ.
فَرْعٌ
اسْتَأْجَرَهَا لِكَنْسِ الْمَسْجِدِ، فَحَاضَتِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ إِنْ أَسْتَأْجَرَهَا عَيَّنَهَا وَعُيِّنَتِ الْمُدَّةُ. وَإِنِ اسْتَأْجَرَ [هَا] فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَنْفَسِخْ، لِإِمْكَانِ الْكَنْسِ بِغَيْرِهَا أَوْ بَعْدَ الْحَيْضِ. وَإِذَا جَوَّزْنَا الِاسْتِئْجَارَ لِقَلْعِ السِّنِّ، فَسَكَنَ الْوَجَعُ وَبَرِأَ، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، لِلتَّعَذُّرِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنَ الْبَابِ الثَّالِثِ. وَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ، لَكِنِ امْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنَ الْقَلْعِ، قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الْأَجِيرُ نَفْسَهُ، وَمَضَى مُدَّةُ إِمْكَانِ الْعَمَلِ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأُجْرَةُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ، حَتَّى لَوِ انْقَلَعَتْ تِلْكَ السِّنُّ، انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَوَجَبَ رَدُّ الْأُجْرَةِ، كَمَا لَوْ مَكَّنَتِ الزَّوْجَةُ فِي النِّكَاحِ، وَلَمْ يَطَأِ الزَّوْجُ. وَيُفَارِقُ مَا إِذَا حَبَسَ الدَّابَّةَ مُدَّةَ إِمْكَانِ السَّيْرِ، حَيْثُ تَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، لِتَلَفِ الْمَنَافِعِ تَحْتَ يَدِهِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» إِلَى آخِرِ كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، هَكَذَا هُوَ فِي «الشَّامِلِ» وَالْبَيَانِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ الشَّيْخُ نَصْرُ الْمَقْدِسِيُّ فِي «تَهْذِيبِهِ» : إِذَا امْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ، لَكِنْ يَدْفَعُ
стр. 2024
الْأُجْرَةَ، وَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ مُطَالَبَتِهِ بِقَلْعِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِهِ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَخِيطَ [لَهُ] ثَوْبًا. قُلْنَا: هَذَا الَّذِي قَالَهُ، لَا يُخَالِفُ قَوْلَ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
يَجُوزُ لِغَيْرِ الزَّوْجِ اسْتِئْجَارُ الزَّوْجَةِ لِلْإِرْضَاعِ وَغَيْرِهِ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ أَوْقَاتَهَا مُسْتَغْرِقَةٌ بِحَقِّهِ، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَلِلزَّوْجِ فَسْخُهُ، حِفْظًا لِحَقِّهِ. وَلَوْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا وَلَا زَوْجَ لَهَا، ثُمَّ نُكِحَتْ فِي الْمُدَّةِ، فَالْإِجَارَةُ بِحَالِهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْ تَوْفِيَةِ مَا الْتَزَمَتْهُ، كَمَا لَوْ أَجَّرَتْ نَفْسَهَا بِإِذْنِهِ، لَكِنْ يَسْتَمْتِعُ بِهَا فِي أَوْقَاتِ فَرَاغِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ لِلْإِرْضَاعِ، فَهَلْ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ الَّذِي اسْتَأْجَرَهَا لِإِرْضَاعِهِ مَنْعُ الزَّوْجِ مِنْ وَطْئِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَبِلَتْ فَيَنْقَطِعُ اللَّبَنُ أَوْ يَقِلُّ، وَإِلَّا، فَيَضُرُّ بِالطِّفْلِ. وَالثَّانِي: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، لِأَنَّ الْحَبَلَ مُتَوَهَّمٌ، فَلَا يُمْنَعُ بِهِ الْوَطْءُ الْمُسْتَحَقُّ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَجَّرَ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، جَازَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ، لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ السَّيِّدِ فِي الِانْتِفَاعِ. أَمَّا الزَّوْجُ، فَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُهُ امْرَأَتَهُ، إِلَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا. الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَكَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا لِلطَّبْخِ وَنَحْوِهِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ، اسْتِئْجَارُ الْوَالِدِ وَلَدَهُ لِلْخِدْمَةِ. وَفِي عَكْسِهِ وَجْهَانِ إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِهِ، كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا أَجَّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِكَافِرٍ.
стр. 2025
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: حُصُولُ الْمَنْفَعَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَأَكْثَرُ الْعِنَايَةِ فِي هَذَا الشَّرْطِ بِالْقُرَبِ، وَضَبَطَهَا الْإِمَامُ فَقَالَ: هِيَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: قُرَبٌ يَتَوَقَّفُ الِاعْتِدَادُ بِهَا عَلَى النِّيَّةِ. فَمَا لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ مِنْهَا، لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، وَمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ، جَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، كَالْحَجِّ، وَتَفْرِقَةِ الزَّكَاةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمِنْ هَذَا، غُسْلُ الْمَيِّتِ إِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ النِّيَّةَ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى النِّيَّةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ. فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَشِعَارُ غَيْرِ فَرْضٍ. وَالْأَوَّلُ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: يَخْتَصُّ افْتِرَاضُهُ فِي الْأَصْلِ بِشَخْصٍ وَمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ غَيْرُهُ إِنْ عَجَزَ، كَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى بِالتَّكْفِينِ وَالْغُسْلِ وَالْحَفْرِ وَحَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْمُؤَنَ تَخْتَصُّ بِالتَّرِكَةِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، فَعَلَى النَّاسِ الْقِيَامُ بِهَا. فَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَجِيرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِفِعْلِهِ حَتَّى يَقَعَ عَنْهُ. وَمِنْ هَذَا، تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ لَا يَخْتَصُّ بِوُجُوبِ التَّعْلِيمِ وَإِنْ كَانَ نَشْرُ الْقُرْآنِ وَإِشَاعَتُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاحِدٌ لِمُبَاشَرَةِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ وَاحِدٌ لِتَجْهِيزِ الْمَيِّتِ، أَوْ تَعْلِيمِ الْفَاتِحَةِ، جَازَ اسْتِئْجَارُهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، كَالْمُضْطَرِّ، يَجِبُ إِطْعَامُهُ بِبَدَلِهِ. وَقِيلَ: لَا، كَفَرْضِ الْعَيْنِ ابْتِدَاءً. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَثْبُتُ فَرْضُهُ فِي الْأَصْلِ شَائِعًا غَيْرَ مُخْتَصٍّ، كَالْجِهَادِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ عَلَى الصَّحِيحِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: شِعَارٌ غَيْرُ فَرْضٍ، كَالْأَذَانِ، تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَفِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَيْهِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ذَكَرْنَاهَا فِي بَابِهِ. فَإِنْ جَوَّزْنَا، فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: عَلَى جَمِيعِ الْأَذَانِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ، وَلَا يَبْعُدُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَإِنِ اشْتَمَلَ عَلَى قِرَاءَةِ الْمُعَلِّمِ. وَالثَّانِي:
стр. 2026
عَلَى رِعَايَةِ الْمَوَاقِيتِ. وَالثَّالِثُ: عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ. وَالرَّابِعُ: عَلَى الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا لَيْسَتَا ذِكْرًا.
فَرْعٌ
الِاسْتِئْجَارُ لِإِمَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ، بَاطِلٌ، وَكَذَا لِلتَّرَاوِيحِ وَسَائِرِ النَّوَافِلِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مُصَلٍّ لِنَفْسِهِ. وَمَتَى صَلَّى، اقْتَدَى بِهِ مَنْ أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ. وَإِنْ تَوَقَّفَ عَلَى نِيَّتِهِ شَيْءٌ، فَهُوَ إِحْرَازُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ تَخْتَصُّ بِهِ. وَمَنْ جَوَّزَهُ، شَبَّهَهُ بِالْأَذَانِ فِي الشِّعَارِ.
فَرْعٌ
الِاسْتِئْجَارُ لِلْقَضَاءِ بَاطِلٌ.
فَرْعٌ
أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ الِاسْتِئْجَارِ لِلتَّدْرِيسِ. وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الطُّوسِيِّ تَرْدِيدُ جَوَابٍ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِإِعَادَةِ الدَّرْسِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ عَيَّنَ شَخْصًا أَوْ جَمَاعَةً لِيُعَلِّمَهُمْ مَسْأَلَةً أَوْ مَسَائِلَ مَضْبُوطَةً، فَهُوَ جَائِزٌ، وَالَّذِي أَطْلَقُوهُ، مَحْمُولٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ مَنْ يَتَصَدَّى لِلتَّدْرِيسِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ مَنْ يُعَلِّمُهُ وَمَا يُعَلِّمُهُ، لِأَنَّهُ كَالْجِهَادِ فِي أَنَّهُ إِقَامَةُ مَفْرُوضٍ عَلَى الْكِفَايَةِ ثَابِتٍ عَلَى الشُّيُوعِ. وَكَذَلِكَ يَمْتَنِعُ اسْتِئْجَارُ مُقْرِئٍ يُقْرِئُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ.
الشَّرْطُ الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَنْفَعَةِ مَعْلُومَةَ الْعَيْنِ وَالْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ
стр. 2027
يَقُولَ: أَجَّرْتُكَ أَحَدَهُمَا. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَيْنِ الْمُعَيَّنَةِ إِلَّا مَنْفَعَةٌ، فَالْإِجَارَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَنَافِعُ، وَجَبَ الْبَيَانُ. وَأَمَّا الصِّفَةُ، فَإِجَارَةُ الْغَائِبَةِ، فِيهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَأَمَّا الْقَدْرُ، فَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ إِجَارَةُ الْعَيْنِ وَالذِّمَّةِ. ثُمَّ الْمَنَافِعُ تُقَدَّرُ بِطَرِيقَتَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: الزَّمَانُ، كَاسْتَأْجَرْتُ الدَّارَ لِلسُّكْنَى سَنَةً. وَالثَّانِي: الْعَمَلُ، كَاسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ. ثُمَّ قَدْ يَتَعَيَّنُ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ، كَاسْتِئْجَارِ الْعَقَارِ، فَإِنَّ مَنْفَعَتَهُ لَا تَنْضَبِطُ إِلَّا بِالزَّمَانِ، وَكَالْإِرْضَاعِ، فَإِنَّ تَقْدِيرَ اللَّبَنِ لَا يُمْكِنُ، وَلَا سَبِيلَ فِيهِ إِلَّا الضَّبْطُ بِالزَّمَانِ.
وَقَدْ يَسُوغُ الطَّرِيقَانِ، كَمَا إِذَا اسْتَأْجَرَ عَيْنَ شَخْصٍ أَوْ دَابَّةٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ فِي الشَّخْصِ: لِيَعْمَلَ لِي كَذَا شَهْرًا، وَأَنْ يَقُولَ: لِيَخِيطَ لِي هَذَا الثَّوْبَ. وَفِي الدَّابَّةِ يَقُولُ: لِأَتَرَدَّدَ عَلَيْهَا فِي حَوَائِجِي الْيَوْمَ، أَوْ يَقُولُ: لِأَرْكَبَهَا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، فَأَيُّهُمَا كَانَ، كَفَى، لِتَعْرِيفِ الْمِقْدَارِ. فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِي هَذَا الْقَمِيصَ الْيَوْمَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: بُطْلَانُ الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: صِحَّتُهُ، وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ بِأَسْرَعِهِمَا، فَإِنِ انْقَضَى الْيَوْمُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، اسْتَحَقَّهَا، فَإِنْ تَمَّ الْعَمَلُ قَبْلَ تَمَامِ الْيَوْمِ، اسْتَحَقَّهَا. وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ تَمَّ [الْعَمَلُ] أَوَّلًا، اسْتَحَقَّهَا. وَإِنْ تَمَّ الْيَوْمُ أَوَّلًا، وَجَبَ إِتْمَامُهُ. وَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّكَ إِنْ فَرَغْتَ قَبْلَ تَمَامِ الْيَوْمِ، لَمْ تَخِطْ غَيْرَهُ، بَطُلَتِ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّ زَمَنَ الْعَمَلِ يَصِيرُ مَجْهُولًا. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَالْمَنَافِعُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَعْيَانِ، تَابِعَةٌ لَهَا، وَعَدَدُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُسْتَأْجَرُ لَهَا كَالْمُتَعَذِّرِ، فَعُنِيَ الْأَصْحَابُ بِثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ تَكْثُرُ إِجَارَتُهَا لِيُعْرَفَ طَرِيقُ الضَّبْطِ بِهَا، ثُمَّ يُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْآدَمِيُّ يُسْتَأْجَرُ لِعَمَلٍ أَوْ صَنْعَةٍ، كَخِيَاطَةٍ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، قَالَ: أَلْزَمْتُ ذِمَّتَكَ
стр. 2028
عَمَلَ الْخِيَاطَةِ كَذَا يَوْمًا، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ خَيَّاطًا وَلَا ثَوْبًا. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ عَيْنَهُ، قَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ. وَلَوْ قَالَ: لِتَخِيطَ لِي يَوْمًا أَوْ شَهْرًا، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَجُوزُ أَيْضًا. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُبَيِّنَ الثَّوْبَ وَمَا يُرِيدُ مِنْهُ مِنْ قَمِيصٍ، أَوْ قَبَاءٍ، أَوْ سَرَاوِيلَ، وَالطُّولِ، وَالْعَرْضِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ نَوْعَ الْخِيَاطَةِ، أَهِيَ رُومِيَّةٌ، أَوْ فَارِسِيَّةٌ؟ إِلَّا أَنْ تَطَّرِدَ الْعَادَةُ بِنَوْعٍ، فَيُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
مِنْ هَذَا النَّوْعِ، الِاسْتِئْجَارُ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، فَلْيُعَيِّنِ السُّورَةَ وَالْآيَاتِ الَّتِي يُعَلِّمُهَا، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، بَلْ يَكْفِي ذِكْرُ عَشْرِ آيَاتٍ مَثَلًا. وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ السُّورَةُ دُونَ الْآيَاتِ. وَهَلْ يَكْفِي التَّقْدِيرُ بِالْمُدَّةِ فَيَقُولُ: لِتُعَلِّمَنِي شَهْرًا؟ وَجْهَانِ، قَطَعَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِالِاكْتِفَاءِ، وَإِيرَادُ غَيْرِهِمَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ.
قُلْتُ: الِاكْتِفَاءُ أَصَحُّ وَأَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي وُجُوبِ تَعْيِينِ قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أَوْ نَافِعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، إِذِ الْأَمْرُ فِيهَا قَرِيبٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَكُنْتُ أَوَدُّ أَنْ لَا يَصِحَّ الِاسْتِئْجَارُ لِلتَّعْلِيمِ حَتَّى يُخْتَبَرَ حِفْظُ الْمُتَعَلِّمِ، كَمَا لَا يَصِحُّ إِيجَارُ الدَّابَّةِ لِلرُّكُوبِ حَتَّى يُعْرَفَ حَالُ الرَّاكِبِ، لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِي الَّذِي تَزَوَّجَ عَلَى تَعْلِيمِ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ إِذَا كَانَ الْمُتَعَلِّمُ مُسْلِمًا، أَوْ كَافِرًا يُرْجَى إِسْلَامُهُ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ، لَمْ يُعَلَّمْ، كَمَا لَا يُبَاعُ الْمُصْحَفُ لِكَافِرٍ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ.
стр. 2029
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ يَتَعَلَّمُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ، ثُمَّ يَنْسَى، فَهَلْ عَلَى الْأَجِيرِ إِعَادَةُ تَعْلِيمِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: إِنْ تَعَلَّمَ آيَةً ثُمَّ نَسِيَهَا، لَمْ يَجِبْ تَعْلِيمُهَا ثَانِيًا، وَإِنْ كَانَ دُونَ آيَةٍ، وَجَبَ وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِالسُّورَةِ وَالثَّالِثُ: إِنْ نَسِيَ فِي مَجْلِسِ التَّعْلِيمِ، وَجَبَ إِعَادَتُهُ. وَإِنْ نَسِيَ بَعْدَهُ، فَلَا. وَالرَّابِعُ: يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ الْغَالِبِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ.
فَرْعٌ
عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي «الْفَتَاوَى» : أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى رَأْسِ الْقَبْرِ مُدَّةً، جَائِزٌ، كَالِاسْتِئْجَارِ لِلْأَذَانِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ عَوْدَ الْمَنْفَعَةِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ شَرْطٌ، فَيَجِبُ عَوْدُهَا فِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ مَيِّتِهِ، فَالْمُسْتَأْجِرُ لَا يَنْتَفِعُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَلْحَقُهُ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ الْمُجَرَّدَةِ، فَالْوَجْهُ: تَنْزِيلُ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى صُورَةِ انْتِفَاعِ الْمَيِّتِ بِالْقِرَاءَةِ. وَذَكَرُوا لَهُ طَرِيقَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُعْقِبَ الْقِرَاءَةَ بِالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَلْحَقُهُ، وَالدُّعَاءُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَقْرَبُ إِجَابَةً وَأَكْثَرُ بَرَكَةً. وَالثَّانِي: ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْكَرِيمِ السَّالُوسِيُّ، أَنَّهُ إِنْ نَوَى الْقَارِئُ بِقِرَاءَتِهِ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُهَا لِلْمَيِّتِ، لَمْ يَلْحَقْهُ. وَإِنْ قَرَأَ، ثُمَّ جَعَلَ مَا حَصَلَ مِنَ الْأَجْرِ لَهُ، فَهَذَا دُعَاءٌ بِحُصُولِ ذَلِكَ الْأَجْرِ لِلْمَيِّتِ، فَيَنْفَعُ الْمَيِّتَ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: صِحَّةُ الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، فَإِنَّ مَوْضِعَ الْقِرَاءَةِ مَوْضِعُ بَرَكَةٍ، وَبِهِ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ، وَهَذَا مَقْصُودٌ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2030
فَصْلٌ
وَمِنْهُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْإِرْضَاعِ، وَيَجِبُ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِالْمُدَّةِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ضَبْطِ مَرَّاتِ الْإِرْضَاعِ، وَلَا قَدْرِ مَا يَسْتَوْفِيهِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَقَدْ تَعْرِضُ لَهُ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْبَابُ الْمُلْهِيَةُ، وَيَجِبُ تَعْيِينُ الصَّبِيِّ، لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِهِ، وَتَعْيِينُ مَوْضِعِ الْإِرْضَاعِ، أَهْوَ بَيْتُهُ، أَمْ بَيْتُهَا.
فَصْلٌ
وَمِنْهُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْحَجِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي بَابِهِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ لِحَفْرِ نَهْرٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ، قُدِّرَ، إِمَّا بِالزَّمَانِ، فَيَقُولُ: تَحْفِرُ لِي شَهْرًا، وَإِمَّا بِالْعَمَلِ، فَيُقَدِّرُ الطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالْعُمْقَ، وَيَجِبُ مَعْرِفَةُ الْأَرْضِ بِالْمُشَاهَدَةِ، لِتُعْرَفَ صَلَابَتُهَا وَرَخَاوَتُهَا، وَيَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ التُّرَابِ الْمَحْفُورِ. فَإِنِ انْهَارَ شَيْءٌ مِنْ جَوَانِبِ الْبِئْرِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُهُ. وَإِذَا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ صُلْبٍ أَوْ حِجَارَةٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ يَعْمَلُ فِيهِ الْمِعْوَلُ، وَجَبَ حَفْرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا اقْتَضَتْهُ الْمُشَاهَدَةُ، فَعَلَى هَذَا لَهُ فَسْخُ الْعَقْدِ. وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ الْمِعْوَلُ، أَوْ نَبَعَ الْمَاءُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ وَتَعَذَّرَ الْحَقُّ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي، وَلَا يَنْفَسِخُ فِيمَا مَضَى عَلَى الْمَذْهَبِ، فَيُوَزَّعُ الْمُسَمَّى عَلَى مَا عَمِلَ وَمَا بَقِيَ.
стр. 2031
فَرْعٌ
إِذَا اسْتَأْجَرَ لِحَفْرِ قَبْرٍ، بَيَّنَ الْمَوْضِعَ وَالطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالْعُمْقَ، وَلَا يَكْفِي الْإِطْلَاقُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ التُّرَابِ بَعْدَ وَضْعِ الْمَيِّتِ فِيهِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ لِضَرْبِ اللَّبِنِ، قُدِّرَ بِالزَّمَانِ أَوِ الْعَمَلِ. وَإِذَا قُدِّرَ بِالْعَمَلِ، بَيَّنَ الْعَدَدَ وَالْقَالَبَ. فَإِنْ كَانَ الْقَالَبُ مَعْرُوفًا، فَذَاكَ، وَإِلَّا بَيَّنَ طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَسُمْكَهُ. وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، الِاكْتِفَاءُ بِمُشَاهَدَةِ الْقَالَبِ. وَيَجِبُ بَيَانُ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُضْرَبُ فِيهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِقَامَتُهَا لِلْجَفَافِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِطَبْخِ اللَّبَنِ فَطَبَخَ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْأَتُّونِ.
فَصْلٌ
إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلْبِنَاءِ، قُدِّرَ بِالزَّمَانِ أَوِ الْعَمَلِ، فَإِنْ قُدِّرَ بِالْعَمَلِ، بَيَّنَ مَوْضِعَهُ وَطُولَهُ وَعَرْضَهُ وَسُمْكَهُ وَمَا يُبْنَى بِهِ مِنَ اللَّبِنِ أَوِ الطِّينِ أَوِ الْآجُرِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِلتَّطْيِينِ أَوِ التَّجْصِيصِ، قُدِّرَ بِالزَّمَانِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالْعَمَلِ، لِأَنَّ سُمْكَهُ لَا يَنْضَبِطُ.
فَصْلٌ
وَمِنْهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ كَحَّالًا لِيُدَاوِيَ عَيْنَهُ، قَدَّرَهُ بِالْمُدَّةِ دُونَ الْبُرْءِ. فَإِنْ بَرِأَتْ
стр. 2032
عَيْنُهُ قَبْلَ تَمَامِهَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي، وَلَا يُقَدَّرُ بِالْعَمَلِ، لِأَنَّ قَدْرَ الدَّوَاءِ لَا يَنْضَبِطُ وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.
فَصْلٌ
وَمِنْهُ إِذَا اسْتَأْجَرَ لِلرَّعْيِ، وَجَبَ بَيَانُ الْمُدَّةِ وَحَبْسُ الْحَيَوَانِ، ثُمَّ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ، وَيَجُوزُ فِي الذِّمَّةِ، وَحِينَئِذٍ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» : يَجِبُ بَيَانُ الْعَدَدِ. وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالرُّوْيَانِيُّ: لَا يَجِبُ، وَيُحْمَلُ عَلَى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَرْعَاهُ الْوَاحِدُ. قَالَ الرُّوْيَانِيُّ: وَهُوَ مِائَةُ رَأْسٍ مِنَ الْغَنَمِ تَقْرِيبًا. فَإِنْ تَوَالَدَتْ، حَكَى ابْنُ الصَّبَّاغِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ رَعْيُ أَوْلَادِهَا إِنْ وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَى أَعْيَانِهَا. وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، لَزِمَهُ.
فَصْلٌ
اسْتَأْجَرَ نَاسِخًا لِلْكِتَابَةِ، بَيَّنَ عَدَدَ الْأَوْرَاقِ وَالْأَسْطُرِ فِي كُلِّ صَفْحَةٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِلتَّقْدِيرِ بِالْمُدَّةِ، وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ، وَأَنْ يَجِبَ عِنْدَ تَقْدِيرِ الْعَمَلِ بَيَانُ قَدْرِ الْحَوَاشِي، وَالْقِطَعِ الَّذِي يَكْتُبُ فِيهِ.
فَصْلٌ
يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، وَلِنَقْلِ الْمَيْتَةِ إِلَى الْمَزْبَلَةِ، وَالْخَمْرِ لِتُرَاقَ، وَلَا يَجُوزُ لِنَقْلِ الْخَمْرِ مِنْ بَيْتٍ إِلَى بَيْتٍ، وَلَا لِسَائِرِ الْمَنَافِعِ الْمُحَرَّمَةِ، كَالزَّمْرِ وَالنِّيَاحَةِ، وَكَمَا يَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ فِي هَذَا، يَحْرُمُ إِعْطَاؤُهَا. وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْإِعْطَاءُ
стр. 2033
دُونَ الْأَخْذِ فِي مَوْضِعِ ضَرُورَةٍ، كَفِكَاكِ الْأَسِيرِ، وَإِعْطَاءِ الشَّاعِرِ لِئَلَّا يَهْجُوَ، وَالظَّالِمِ لِيَدْفَعَ ظُلْمَهُ، وَالْجَائِرِ لِيَحْكُمَ بِالْحَقِّ.
وَهَذِهِ الْأَمْثِلَةُ، مَذْكُورَةٌ فِي بَابِ الْقَضَاءِ. النَّوْعُ الثَّانِي: الْعَقَارُ، وَيُسْتَأْجَرُ لِأَغْرَاضٍ.
مِنْهَا: السُّكْنَى، فَإِذَا اسْتَأْجَرَ دَارًا، وَجَبَ مَعْرِفَةُ مَوْضِعِهَا، وَكَيْفِيَّةِ أَبْنِيَتِهَا، وَفِي الْحَمَّامِ، يَعْرِفُ الْبُيُوتَ وَالْبِئْرَ الَّتِي يَسْتَقِي مِنْهَا مَاءَهُ، وَالْقِدْرَ الَّتِي يُسَخَّنُ فِيهَا، وَمَبْسَطَ الْقُمَاشِ، وَالْأَتُّونَ وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَقُودِ وَمَا يَجْمَعُ الْأَتُّونُ مِنَ السِّرْقِينِ وَنَحْوِهِ، وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الزِّبْلُ وَالْوَقُودُ، وَمَطْرَحَ الرَّمَادِ، وَالْمُسْتَنْقَعَ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ الْخَارِجُ مِنَ الْحَمَّامِ. وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ سَائِرِ الْمَسْكَنِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنِ اشْتِرَاطِ الرُّؤْيَةِ فِي الْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ، تَفْرِيعٌ عَلَى مَنْعِ إِجَارَةِ الْغَائِبِ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهَا، لَمْ تُعْتَبَرِ الرُّؤْيَةُ، بَلْ يَكْفِي الْوَصْفُ وَالْبَيَانُ، وَلَا يَدْخُلُ الْوَقُودُ فِي بَيْعِ الْحَمَّامِ وَإِجَارَتِهِ، كَمَا لَا تَدْخُلُ الْأُزُرُ وَالْأَسْطَالُ وَالْحَبْلُ وَالدَّلْوُ.
قَالَ فِي «الشَّامِلِ» : فِي رُؤْيَةِ قَدْرِ الْحَمَّامِ، يَكْفِي رُؤْيَةُ دَاخِلِهَا مِنَ الْحَمَّامِ، أَوْ ظَاهِرِهَا مِنَ الْأَتُّونِ. وَالْقِيَاسُ: عَلَى اعْتِبَارِ الرُّؤْيَةِ أَنْ يُشَاهِدَ الْوَجْهَيْنِ إِذَا أَمْكَنَ، كَمَا تُعْتَبَرُ مُشَاهَدَةُ وَجْهَيِ الثَّوْبِ.
فَرْعٌ
ذَكَرَ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي إِجَارَةِ الدَّارِ مِنْ ذِكْرِ عَدَدِ السُّكَّانِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، ثُمَّ لَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِ زَائِرٍ وَضَيْفٍ، وَإِنْ بَاتَ فِيهَا لَيَالِيَ.
قُلْتُ: هَذَا الِاشْتِرَاطُ لَا يُعْرَفُ لِغَيْرِهِ. وَالْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لَكِنْ يَسْكُنُ فِيهَا مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَهَذَا مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، فَلَا عُدُولَ عَنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2034
فَرْعٌ
لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ بِالْمُدَّةِ، وَفِي تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَجُوزُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، الْمَشْهُورُ وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجُوزُ سِنِينَ كَثِيرَةً، بِحَيْثُ يَبْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ الشَّيْءُ غَالِبًا، فَلَا يُؤَجَّرُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَالدَّابَّةُ تُؤَجَّرُ عَشْرَ سِنِينَ، وَالثَّوْبُ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، وَالْأَرْضُ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَكْثَرَ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُؤَجَّرُ الْعَبْدُ إِلَى تَمَامِ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا مُدَّةً لَا تَبْقَى فِيهَا الْعَيْنُ غَالِبًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ الدَّوَامُ، فَإِنْ هَلَكَتْ لِعَارِضٍ، فَكَانْهِدَامِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ. وَحُكْمُ الْوَقْفِ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ حُكْمُ الطِّلْقِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِلَّا أَنَّ الْحُكَّامَ اصْطَلَحُوا عَلَى مَنْعِ إِجَارَتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ لِئَلَّا يَنْدَرِسَ الْوَقْفُ، وَهَذَا الِاصْطِلَاحُ، غَيْرُ مُطَّرِدٍ. وَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ: أَنَّ الْمَذْهَبَ مَنْعُ إِجَارَةِ الْوَقْفِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِذَا لَمْ تَمَسَّ إِلَيْهِ حَاجَةٌ لِعِمَارَةٍ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَإِذَا جَوَّزْنَا إِجَارَةً أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَهَلْ يَجِبُ تَقْدِيرُ حِصَّةِ كُلِّ سَنَةٍ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا، وَتُوَزَّعُ الْأُجْرَةُ عَلَى قِيمَةِ مَنَافِعِ السِّنِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهَذَا.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: أَجَّرْتُكَ شَهْرًا، أَوْ قَالَ: سَنَةً، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى مَا يَتَّصِلُ بِالْعَقْدِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: مِنَ الْآنَ. وَلَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ شَهْرًا مِنَ السَّنَةِ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ قَطْعًا لِلْإِبْهَامِ.
وَلَوْ قَالَ: كُلُّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ مِنَ الْآنَ، فَبَاطِلٌ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ وَالصَّحِيحِ. وَقَالَ فِي «الْإِمْلَاءِ» : يَصِحُّ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِصْطَخْرِيُّ. وَلَوْ قَالَ
стр. 2035
: كُلُّ شَهْرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ فِي شَهْرٍ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُضِفْ إِلَى جَمِيعِ الصُّبْرَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، قَالَ: وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ فَيُقَالُ: إِنْ قَالَ: بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ، كَانَ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، بَطَلَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ: يَصِحُّ فِي صَاعٍ، وَكَذَلِكَ يُفَرَّقُ فِي الْإِجَارَةِ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَسَوَّى بَيْنَ قَوْلِهِ: بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ كُلَّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، فَصَحَّحَ الْبَيْعَ فِي جَمِيعِ الصُّبْرَةِ بِاللَّفْظَيْنِ.
فَرْعٌ
مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، كَأَجَلِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فِي أَنَّ مُطْلَقَ الشَّهْرِ وَالسَّنَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْعَرَبِيِّ، وَفِي أَنَّهُ إِذَا قُيِّدَ بِالْعَدَدِيَّةِ، أَوْ قَالَ: سَنَةٌ فَارِسِيَّةٌ أَوْ رُومِيَّةٌ أَوْ شَمْسِيَّةٌ، كَانَ الْأَجَلُ مَا ذَكَرَهُ، وَفِي أَنَّ الْعَقْدَ إِذَا انْطَبَقَ عَلَى أَوَّلِ الشَّهْرِ، كَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ وَمَا بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ. وَإِنْ لَمْ يَنْطَبِقْ، تُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ بِالْعَدَدِ مِنَ الْأَخِيرِ، وَيُحْسَبُ الْبَاقِي بِالْأَهِلَّةِ.
وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي السَّلَمِ، وَفِي التَّأْجِيلِ بِالشَّمْسِيَّةِ، وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَهُوَ شَاذٌّ.
فَرْعٌ
قَالَ: أَجَّرْتُكَ شَهْرًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا شَهْرٌ، صَحَّ، وَإِنْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، لَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ.
следующие страницы →