Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
قِرَاضٌ فَاسِدٌ، أَمْ إِبْضَاعٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: أَبْضَعْتُكَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، فَهُوَ إِبْضَاعٌ، أَمْ قِرَاضٌ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَتَصَرَّفْ فِيهَا وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، فَهُوَ قَرْضٌ صَحِيحٌ عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْأَكْثَرِينَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لَكَ، لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي عَقْدٍ آخَرَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ لِلْمَالِكِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَلَا يَكُونُ قَرْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ. وَلَوْ قَالَ: تَصَرَّفْ فِيهَا وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِي، فَهُوَ إِبْضَاعٌ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا. فَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ فِي الرِّبْحِ شِرْكًا، أَوْ شِرْكَةً، أَوْ نَصِيبًا، فَسَدَ. وَإِنْ قَالَ: لَكَ مِثْلُ مَا شَرَطَهُ فُلَانٌ لِفُلَانٍ، فَإِنْ كَانَا عَالِمَيْنِ بِهِ، صَحَّ. وَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا، فَسَدَ.
وَلَوْ قَالَ: الرِّبْحُ بَيْنَنَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْفَسَادُ. وَأَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، وَيُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ بَيْنِي وَبَيْنَ زَيْدٍ، يَكُونُ مُقِرًّا بِالنِّصْفِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ لَكَ، وَمَا بَقِيَ فَثُلُثُهُ لِي وَثُلُثَاهُ لَكَ، صَحَّ. وَحَاصِلُهُ اشْتِرَاطُ سَبْعَةِ أَتْسَاعِ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ، هَذَا إِذَا عَلِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْعَامِلِ بِهَذَا اللَّفْظِ كَمْ هُوَ، فَإِنْ جَهِلَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، صَحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الشَّامِلِ» ، لِسُهُولَةِ مَعْرِفَتِهِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ، فِيمَا إِذَا قَالَ: [لَكَ] مِنَ الرِّبْحِ سُدُسُ رُبُعِ الْعُشْرِ، وَهُمَا لَا يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ أَوْ أَحَدُهُمَا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُزْئِيَّةُ، لَا مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرُ. فَلَوْ قَالَ: لَكَ مِنَ الرِّبْحِ، أَوْ لِي مِنْهُ دِرْهَمٌ أَوْ مِائَةٌ، وَالْبَاقِي بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، فَسَدَ الْقِرَاضُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: نِصْفُ الرِّبْحِ إِلَّا دِرْهَمًا، وَكَذَا إِذَا اشْتَرَطَ أَنْ يُوَلِّيَهُ سِلْعَةَ كَذَا إِذَا اشْتَرَاهَا بِرَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَرْبَحُ إِلَّا فِيهَا، أَوْ أَنْ يَلْبَسَ الثَّوْبَ
стр. 1962
الْمُشْتَرَى، أَوْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، أَوِ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ صِنْفٍ مِنَ الْمَالِ، أَوْ قَالَ: رِبْحُ أَحَدِ الْأَلْفَيْنِ لِي، وَرِبْحُ الْآخَرِ لَكَ، وَشَرَطَ تَمْيِيزَ الْأَلْفَيْنِ. فَلَوْ دَفَعَهُمَا إِلَيْهِ وَلَا تَمْيِيزَ، وَقَالَ: رِبْحُ أَحَدِهِمَا لِي، وَرِبْحُ الْآخَرِ لَكَ، فَسَدَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: نِصْفُ رِبْحِ الْأَلْفَيْنِ لَكَ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ.
الْقِرَاضُ وَالْمُضَارَبَةُ وَالْمُعَامَلَةُ أَلْفَاظٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ. فَإِذَا قَالَ: قَارَضْتُكَ، أَوْ ضَارَبْتُكَ، أَوْ عَامَلْتُكَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، كَانَ إِيجَابًا صَحِيحًا. وَيُشْتَرَطُ الْقَبُولُ مُتَّصِلًا الِاتِّصَالَ الْمُعْتَبَرَ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْأَلْفَ وَاتَّجِرْ فِيهِ، عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ، فَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ، بِأَنَّهُ قِرَاضٌ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: قَطَعَ شَيْخِي وَالطَّبَقَةُ الْعُظْمَى مِنْ نَقَلَةِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْقَبُولِ، بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ وَالْوَكَالَةِ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ يَخْتَصُّ بِمُعَيَّنٍ. وَلَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لِي، وَسَكَتَ عَنْ جَانِبِ الْعَامِلِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَكَ، وَسَكَتَ عَنْ جَانِبِ نَفْسِهِ، أَوْ عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ وَلِي السُّدُسَ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الْعَاقِدَانِ.
فَالْقِرَاضُ تَوْكِيلٌ وَتَوَكُّلٌ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِمَا مَا يُعْتَبَرُ فِي الْوَكِيلِ وَالْمُوكِّلُ، وَيَجُوزُ لِوَلِيِّ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ أَنْ يُقَارِضَ بِمَالِهِمَا، سَوَاءٌ فِيهِ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَأَمِينُهُ.
فَصْلٌ
إِذَا قَارَضَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ صَحَّ، وَيُسَلِّمُ لِلْعَامِلِ الرِّبْحَ الْمَشْرُوطَ وَإِنْ زَادَ
стр. 1963
عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ وَلَوْ سَاقَاهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَزَادَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ، حُسِبَتِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْفَرْقُ: أَنَّ النَّمَاءَ فِي الْمُسَاقَاةِ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ.
فَصْلٌ
يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ الْوَاحِدُ اثْنَيْنِ وَعَكْسُهُ. فَإِذَا قَارَضَ اثْنَيْنِ، وَشَرَطَ لَهُمَا نِصْفَ الرِّبْحِ بِالسَّوِيَّةِ، جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ لِأَحَدِهِمَا ثُلُثَ الرِّبْحِ، وَلِلْآخَرِ رُبُعَهُ، فَإِنْ أَبْهَمَ لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ عَيَّنَ صَاحِبَ الثُّلُثِ وَصَاحِبَ الرُّبُعِ، جَازَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَارِضَ اثْنَيْنِ إِذَا أَثْبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الِاسْتِقْلَالَ. فَإِنْ شَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مُرَاجَعَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ، وَمَا أَظُنُّ الْأَصْحَابَ يُسَاعِدُونَهُ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَارَضَ اثْنَانِ وَاحِدًا، فَلْيُبَيِّنَا نَصِيبَ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مَالَيْهِمَا. وَلَوْ قَالَا: لَكَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِنَا مِنَ الرِّبْحِ الثُّلُثُ، وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ الرُّبُعُ، فَإِنْ أَبْهَمَا لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ عَيَّنَا وَهُوَ عَالِمٌ بِقَدْرِ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ جَازَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَا كَوْنَ الْبَاقِي بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ عَلَى غَيْرِ مَا تَقْتَضِيهِ نِسْبَةُ الْمَالَيْنِ.
فَصْلٌ
إِذَا فَسَدَ الْقِرَاضُ بِتَخَلُّفِ بَعْضِ الشُّرُوطِ، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ. أَحَدُهَا: تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ كَنُفُوذِهَا فِي الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ كَالْوَكَالَةِ الْفَاسِدَةِ. الثَّانِي: سَلَامَةُ الرِّبْحِ بِكَمَالِهِ لِلْمَالِكِ. الثَّالِثُ: اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ عَمَلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، أَمْ لَا، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ مُطَّرِدَةٌ فِي صُوَرِ الْفَسَادِ، لَكِنْ لَوْ قَالَ: قَارَضْتُكَ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ الرِّبْحِ لِي، وَقُلْنَا: هُوَ قِرَاضٌ فَاسِدٌ، لَا إِبْضَاعَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِ الْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ لِأَنَّهُ عَمِلَ مَجَّانًا.
стр. 1964
فَرْعٌ
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا هَرَوِيًّا أَوْ مَرْوِيًّا بِالنِّصْفِ، فَهُوَ فَاسِدٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ فَسَادِهِ، فَالْأَصَحُّ، وَفِي سِيَاقِ الْكَلَامِ مَا يَقْتَضِيهِ: أَنَّهُ تَعَرُّضٌ لِلشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، وَهَذَا تَقْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ التَّعَرُّضَ لِلشِّرَاءِ لَا يُغْنِي عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَيْعِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا لِتَنَاوُلِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ [مِنْ] لَفْظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ جَمِيعًا. وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى الشِّرَاءِ، فَلِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ الشِّرَاءُ دُونَ الْبَيْعِ، وَالرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْمَالِكِ، وَالْخُسْرَانُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يَكْفِي التَّعَرُّضُ لِلشِّرَاءِ، وَيَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: إِذَا أَتَى بِلَفْظِ الْمُضَارَبَةِ أَوِ الْقِرَاضِ كَانَ كَقَوْلِهِ: اشْتَرِ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْبَيْعِ. وَالصَّحِيحُ: الصِّحَّةُ. وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِمَنِ النِّصْفُ.
وَاعْتَرَضَ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى هَذَا، بِأَنَّ الشَّرْطَ يَنْصَرِفُ إِلَى الْعَامِلِ، لِأَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَحِقُّ بِالْمَالِ، لَا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَبَبُ الْفَسَادِ، أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ، وَلَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي أَنْوَاعِ الْأَمْتِعَةِ. وَاعْتَرَضَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَلَيْهِ، بِأَنَّهُ لَوْ عُيِّنَ أَحَدُهُمَا، حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ، فَإِذَا ذَكَرَهُمَا عَلَى التَّرْدِيدِ، زَادَ الْعَامِلُ بَسْطَةً وَتَخْيِيرًا، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
قُلْتُ: هَذَا الِاعْتِرَاضُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهُ حَمَلَ لَفْظَةَ «أَوْ» عَلَى التَّخْيِيرِ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَشَكَّ فِي الْمُرَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقِيلَ: سَبَبُهُ أَنَّ الْقِرَاضَ إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا أَطْلَقَ التَّصَرُّفَ فِي الْأَمْتِعَةِ، أَوْ عَيَّنَ جِنْسًا يَعُمُّ وُجُودُهُ، وَالْهَرَوِيُّ وَالْمَرْوِيُّ لَيْسَا كَذَلِكَ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ يُقْرِضُهُ
стр. 1965
فِي بَلَدٍ لَا يَعُمَّانِ فِيهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَنَّهُ أَرْسَلَ ذِكْرَ النِّصْفِ وَلَمْ يَقُلْ: نِصْفُ الرِّبْحِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْقِرَاضِ الصَّحِيحِ
هِيَ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: تَقَيُّدُ تَصَرُّفِ الْعَامِلِ بِالْمَصْلَحَةِ كَتَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ قَدْ تَقْتَضِي الْمَصْلَحَةُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَقَدْ تَقْتَضِي الْفَرْقَ، فَبَيْعُ الْعَامِلِ وَشِرَاؤُهُ بِالْغَبْنِ كَالْوَكِيلِ، وَلَا يَبِيعُ أَيْضًا نَسِيئَةً، وَلَا يَشْتَرِي بِهَا. فَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، فَفَعَلَ، وَجَبَ الْإِشْهَادُ، فَإِنْ تَرْكَهُ ضَمِنَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِي الْبَيْعِ حَالًا لِأَنَّهُ يَحْبِسُ الْمَبِيعَ إِلَى اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَلَوْ سَلَّمَهُ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ ضَمِنَ، كَالْوَكِيلِ. فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التَّسْلِيمِ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ سَلَّمَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْإِشْهَادُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ تَرْكُ الْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ الْحَالِّ. وَيَجُوزُ لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ بِالْعَرَضِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْقِرَاضِ، وَكَذَا لَهُ شِرَاءُ الْمَعِيبِ إِذَا رَأَى فِيهِ رِبْحًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الرَّغَبَاتِ تَقِلُّ فِي الْمَعِيبِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنِ اشْتَرَى شَيْئًا عَلَى ظَنِّ السَّلَامَةِ، فَبَانَ مَعِيبًا، فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِرَدِّهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ غِبْطَةٌ، وَلَا يَمْنَعُهُ [مِنْهُ] رِضَا الْمَالِكِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، لِأَنَّ الْعَامِلَ صَاحِبُ حَقٍّ فِي الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي إِمْسَاكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِإِخْلَالِهِ بِالْمَقْصُودِ. وَحَيْثُ ثَبَتَ الرَّدُّ لِلْعَامِلِ، فَلِلْمَالِكِ أَوْلَى. قَالَ الْإِمَامُ: ثُمَّ الْعَامِلُ
стр. 1966
يَرُدُّ عَلَى الْبَائِعِ وَيَنْقُضُ الْبَيْعَ. وَأَمَّا الْمَالِكُ، فَإِنْ كَانَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ، فَكَمِثْلٍ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَيَصْرِفُهُ الْمَالِكُ عَنْ مَالِ الْقِرَاضِ. وَفِي انْصِرَافِهِ إِلَى الْعَامِلِ مَا سَبَقَ فِي انْصِرَافِ الْعَقْدِ إِلَى الْوَكِيلِ إِذَا لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ. وَلَوْ تَنَازَعَ الْمَالِكُ وَالْعَامِلُ فِي الرَّدِّ وَتَرْكِهِ عُمِلَ بِالْمَصْلَحَةِ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ مُعَامَلَةُ الْعَامِلِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مِلْكَهُ كَالسَّيِّدِ مَعَ الْمَأْذُونِ لَهُ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِلْقِرَاضِ بِأَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. فَلَوْ فَعَلَ، لَمْ يَقَعْ مَا زَادَ عَنْ جِهَةِ الْقِرَاضِ. فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مِائَةً قِرَاضًا، فَاشْتَرَى عَبْدًا بِمِائَةٍ، ثُمَّ آخَرَ بِمِائَةٍ لِلْقِرَاضِ أَيْضًا، لَمْ يَقَعِ الثَّانِي لِلْقِرَاضِ، بَلْ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمِائَةِ فَالشِّرَاءُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ اشْتَرَى الْأَوَّلَ بِعَيْنِ الْمِائَةِ أَوْ فِي الذِّمَّةِ. وَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ، انْصَرَفَ إِلَى الْعَامِلِ حَيْثُ يَنْصَرِفُ شِرَاءُ الْوَكِيلِ الْمُخَالِفِ إِلَيْهِ. وَإِذَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ، فَصَرَفَ مِائَةَ الْقِرَاضِ فِي ثَمَنِهِ، فَقَدْ تَعَدَّى، وَدَخَلَتِ الْمِائَةُ فِي ضَمَانِهِ، لَكِنَّ الْعَبْدَ الْأَوَّلَ يَبْقَى أَمَانَةً فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ. فَإِنْ تَلِفَتِ الْمِائَةُ وَالشِّرَاءُ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهَا انْفَسَخَ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَنْفَسِخْ، وَثَبَتَ لِلْمَالِكِ عَلَى الْعَامِلِ مِائَةٌ، وَالْعَبْدُ الْأَوَّلُ لِلْمَالِكِ، وَعَلَيْهِ لِبَائِعِهِ مِائَةٌ، فَإِنْ أَدَّاهَا الْعَامِلُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَشَرَطَ الرُّجُوعَ، ثَبَتَ لَهُ مِائَةٌ عَلَى الْمَالِكِ، وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي التَّقَاصِّ. وَإِنْ أَدَّاهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بَرِئَ الْمَالِكُ عَنْ حَقِّ صَاحِبِ الْعَبْدِ، وَيَبْقَى حَقُّهُ عَلَى الْعَامِلِ.
стр. 1967
فَصْلٌ
اشْتَرَى الْعَامِلُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمَالِكِ، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِإِذْنِهِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ.
الْحَالُ الْأَوَّلُ: بِإِذْنِهِ، فَيَصِحُّ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، عَتَقَ عَلَى الْمَالِكِ وَارْتَفَعَ الْقِرَاضُ إِنِ اشْتَرَاهُ بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ، وَإِلَّا فَيَصِيرُ الْبَاقِي رَأْسَ مَالٍ. وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى يَمْلِكُ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالْقِسْمَةِ عَتَقَ أَيْضًا، وَغَرِمَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ مِنَ الرِّبْحِ، وَكَأَنَّهُ اسْتَرَدَّ طَائِفَةً مِنَ الْمَالِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ، عَتَقَ مِنْهُ حِصَّةَ رَأْسِ الْمَالِ وَنَصِيبَ الْمَالِكِ مِنَ الرِّبْحِ، وَسَرَى إِلَى الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَيُغَرِّمُهُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَقِيَ رَقِيقًا.
وَفِي وَجْهٍ: إِذَا كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَقَدِ اشْتَرَاهُ بِبَعْضِ الْمَالِ، نُظِرَ، إِنِ اشْتَرَاهُ بِقَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، عَتَقَ وَكَأَنَّ الْمَالِكَ اسْتَرَدَّ الْمَالَ وَالْبَاقِيَ رِبْحٌ يَتَقَاسَمَانِهِ، وَإِنِ اشْتَرَاهُ بِأَقَلَّ، حُسِبَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، أَوْ بِأَكْثَرَ حُسِبَ قَدْرُ رَأْسِ الْمَالِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ مِنْ حِصَّةِ الْمَالِكِ مَا أَمْكَنَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ أَعْتَقَ الْمَالِكُ عَبْدًا مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ، فَهُوَ كَشِرَاءِ الْعَامِلِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِإِذْنِهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: يَشْتَرِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا يَقَعُ [الشِّرَاءُ] عَنِ الْمَالِكِ بِحَالٍ، إِذْ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْقِرَاضِ، ثُمَّ إِنِ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ بَطَلَ مِنْ أَصْلِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، وَقَعَ عَنِ الْعَامِلِ، وَلَزِمَهُ الثَّمَنُ مِنْ مَالِهِ. فَإِنْ أَدَّاهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ ضَمِنَ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى زَوْجَةَ الْمَالِكِ، أَوْ زَوَّجَهَا بِلَا إِذْنٍ، قِيلَ: يَصِحُّ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ،
стр. 1968
الْمَنْعُ كَمَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَانْفَسَخَ النِّكَاحُ وَتَضَرَّرَ، وَإِنَّمَا قُصِدَ بِالْإِذْنِ مَا فِيهِ حَظٌّ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِلَا إِذْنٍ.
فَرْعٌ
لَوْ وَكَّلَ بِشِرَاءِ عَبْدٍ، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، صَحَّ وَوَقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ شَامِلٌ، بِخِلَافِ الْقِرَاضِ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ الرِّبْحُ فَقَطْ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ بَلْ يَبْطُلُ الشِّرَاءُ إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ، وَيَقَعُ عَنِ الْوَكِيلِ إِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ.
فَرْعٌ
الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ [فِي التِّجَارَةِ] ، إِذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ بِإِذْنِهِ صَحَّ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ تَرْكَبْهُ دُيُونٌ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، لِأَنَّ مَا فِي يَدِهِ كَالْمَرْهُونِ بِالدُّيُونِ. وَإِنِ اشْتَرَى بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَيَعْتِقُ عَلَيْهِ. وَرَأَى الْإِمَامُ الْقَطْعَ بِالْبُطْلَانِ إِنْ كَانَ [أَذِنَ] فِي التِّجَارَةِ، وَجُعِلَ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَالَ: تَصَرَّفْ فِي هَذَا الْمَالِ وَاشْتَرِ عَبْدًا. وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ، إِذَا لَمْ يَرْكَبْهُ دَيْنٌ، فَإِنْ رَكِبَهُ، تَرَتَّبَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا لَمْ يَرْكَبْهُ، وَأَوْلَى بِالْبُطْلَانِ. فَإِنْ صَحَّ، فَفِي نُفُوذِ الْعِتْقِ الْقَوْلَانِ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى الْعَامِلُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ صَحَّ وَلَمْ يَعْتِقْ
стр. 1969
كَالْوَكِيلِ يَشْتَرِي أَبَاهُ لِمُوَكِّلِهِ، ثُمَّ إِنِ ارْتَفَعَتِ الْأَسْعَارُ وَظَهَرَ رِبْحٌ، بُنِيَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْعَامِلَ مَتَى يَمْلِكُ الرِّبْحَ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالْقِسْمَةِ، لَمْ يَعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ قُلْنَا: بِالظُّهُورِ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَعْتِقُ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَصَحِّ، فَفِي السِّرَايَةِ وَتَقْوِيمِ الْبَاقِي عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: تَثْبُتُ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ وَفِيهِ رِبْحٌ وَقُلْنَا: يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، سَوَاءٌ كَانَ حَاصِلًا قَبْلَ الشِّرَاءِ، أَوْ حَصَلَ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ بِأَنْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً، فَاشْتَرَى بِهَا أَبَاهُ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِالْقِسْمَةِ صَحَّ الشِّرَاءُ وَلَمْ يُعْتِقْ، وَإِلَّا فَفِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ فِي قَدْرِ حِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ. وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ يُخَالِفُ غَرَضَ الِاسْتِرْبَاحِ. فَإِنْ مَنَعْنَا فَفِي الصِّحَّةِ فِي نَصِيبِ الْمَالِكِ قَوْلَا الصَّفْقَةِ، وَإِنْ صَحَّحْنَا فَفِي عِتْقِهِ عَنْهُ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: يُعْتِقُ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، سَرَى الْعِتْقُ إِلَى الْبَاقِي وَلَزِمَهُ الْغُرْمُ، لِأَنَّهُ مُخْتَارٌ فِي الشِّرَاءِ، وَإِلَّا فَيَبْقَى الْبَاقِي رَقِيقًا. هَذَا كُلُّهُ إِذَا اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ، فَأَمَّا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ لِلْقِرَاضِ، فَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشِّرَاءَ بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ، أَوْقَعْنَاهُ هُنَا عَنِ الْقِرَاضِ، وَحَيْثُ لَمْ نُصَحِّحْ هُنَاكَ، أَوْقَفْنَاهُ هُنَا عَنِ الْعَامِلِ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ إِذَا أَطْلَقَ الشِّرَاءَ وَلَمْ يَصْرِفْهُ إِلَى الْقِرَاضِ لَفْظًا، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ نَوَيْتُهُ، وَقُلْنَا: إِنَّهُ إِذَا وَقَعَ عَنِ الْقِرَاضِ لَا يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، لِأَنَّ الَّذِي جَرَى عَقْدُ عِتَاقِهِ، فَلَا يُقْبَلُ رَفْعُهُ.
فَرْعٌ
لَيْسَ لِلْعَامِلِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَ الْقِرَاضِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ. فَإِنْ كَاتَبَاهُ مَعًا، جَازَ،
стр. 1970
وَعَتَقَ بِالْأَدَاءِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَوَلَاؤُهُ لِلْمَالِكِ وَلَا يَنْفَسِخُ الْقِرَاضُ بِمَا جَرَى مِنَ الْكِتَابَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، بَلْ يَنْسَحِبُ عَلَى النُّجُومِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِبْحٌ، فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ، وَمَا يَزِيدُ مِنَ النُّجُومِ عَلَى الْقِيمَةِ رِبْحٌ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: مَنْعُ مُقَارَضَةِ الْعَامِلِ غَيْرَهُ. فَلَوْ قَارَضَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ وَخَرَجَ مِنَ الدَّيْنِ وَصَارَ وَكِيلًا فِي مُقَارَضَةِ الثَّانِي صَحَّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الرِّبْحِ. وَلَوْ فَعَلَ فَسَدَ الْقِرَاضُ الثَّانِي، وَلِعَامِلِهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ عَلَى الْمَالِكِ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ شَرْطَ الرِّبْحِ لِغَيْرِ الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ مُمْتَنِعٌ. وَإِنْ أَذِنَ [لَهُ] فِي أَنْ يُعَامِلَ غَيْرَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ شَرِيكًا لَهُ فِي الْعَمَلِ وَالرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ لَهُ عَلَى مَا يَرَاهُ، فَقِيلَ: يَجُوزُ كَمُقَارَضَةِ شَخْصَيْنِ ابْتِدَاءً، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَإِنْ قَارَضَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَيَجِيءُ فِيهِ قَوْلُ وَقْفِ عَقْدِ الْفُضُولِيِّ عَلَى الْإِجَازَةِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ، فَتَصَرَّفَ الثَّانِي فِي الْمَالِ وَرَبِحَ، فَهُوَ كَالْغَاصِبِ إِذَا اتَّجَرَ فِي الْمَغْصُوبِ. فَإِنْ تَصَرَّفَ فِي عَيْنِهِ، فَتَصَرُّفُ فُضُولِيٍّ، وَإِنْ بَاعَ سَلَمًا، أَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَسَلَّمَ الْمَغْصُوبَ فِيمَا الْتَزَمَهُ وَرَبِحَ، فَالرِّبْحُ لِلْغَاصِبِ فِي الْجَدِيدِ، وَلِلْمَالِكِ فِي الْقَدِيمِ. وَفِي هَذَا الْقَدِيمِ، أَبْحَاثٌ.
أَحَدُهَا: هَلِ الرِّبْحُ لِلْمَالِكِ جَزْمًا، أَمْ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَتِهِ؟ قِيلَ: بِالْوَقْفِ كَبَيْعِ الْفُضُولِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ رَدَّهُ ارْتَدَّ، سَوَاءٌ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ أَمْ بِعَيْنِ الْمَغْصُوبِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بِالْجَزْمِ، وَبَنَوْهُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ، وَكَيْفَ يَصِحُّ وَقْفُ شِرَاءِ الْغَاصِبِ لِنَفْسِهِ عَلَى إِجَازَةِ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا قَوْلُ الْوَقْفِ إِذَا تَصَرَّفَ فِي عَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ أَوْ لَهُ؟ ! .
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ جَارٍ فِيمَا إِذَا كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَكَثُرَتِ التَّصَرُّفَاتُ
стр. 1971
وَعَسُرَ تَتَبُّعُهَا، فَإِنْ سَهُلَ وَقَلَّتْ وَلَا رِبْحَ، فَلَا مَجَالَ لَهُ. فَإِنْ سَهُلَ وَهُنَاكَ رِبْحٌ، أَوْ عُسْرٌ وَلَا رِبْحَ، فَوَجْهَانِ، وَسَوَاءٌ فِي الرِّبْحِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ.
الثَّالِثُ: لَوِ اشْتَرَى فِي ذِمَّتِهِ وَلَمْ يَخْطُرْ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ مِنَ الدَّرَاهِمِ الْمَغْصُوبَةِ، ثُمَّ خَطَرَ لَهُ، قَالَ الْإِمَامُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ الْقَدِيمُ إِنْ صَدَّقَهُ الْمَالِكُ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلَقَّبُ بِمَسْأَلَةِ الْبِضَاعَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا مُخْتَصَرَةً فِي أَوَّلِ الْبَيْعِ وَفِي الْغَصْبِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَاشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْقِرَاضِ فَبَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، فَهَلْ جَمِيعُ الرِّبْحِ لِلْعَامِلِ الثَّانِي لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ كَالْغَاصِبِ؟ أَمْ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّ الثَّانِيَ تَصَرَّفَ بِإِذْنِهِ كَالْوَكِيلِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَعَلَيْهِ لِلثَّانِي أُجْرَةُ عَمَلِهِ. وَإِذَا قُلْنَا: بِالْقَدِيمِ، فَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْمَالِكُ مِنَ الرِّبْحِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: جَمِيعُهُ كَالْغَصْبِ. فَعَلَى هَذَا لِلْعَامِلِ الثَّانِي أُجْرَةُ عَمَلِهِ قِيلَ: يَأْخُذُهَا مِنَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ، وَقِيلَ: مِنَ الْمَالِكِ، لِأَنَّ نَفْعَ عَمَلِهِ عَادَ إِلَيْهِ.
وَ [الْوَجْهُ] الثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: لَهُ نِصْفُ الرِّبْحِ، لِأَنَّهُ رَضِيَ بِخِلَافٍ بِهِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الْغَصْبِ. فَعَلَى هَذَا، فِي النِّصْفِ الثَّانِي أَوْجُهٌ. قِيلَ: كُلُّهُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَلِلثَّانِي عَلَيْهِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ غَرَّهُ. وَقِيلَ: لِلثَّانِي. وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَعَلَى هَذَا، فِي رُجُوعِ الثَّانِي بِنِصْفِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ أَخَذَ نِصْفَ مَا حَصَلَ لَهُمَا، وَالْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَوَّلُ قَالَ: عَلَى أَنَّ رِبْحَ هَذَا الْمَالِ بَيْنَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّ لِكُلٍّ نِصْفَهُ. فَإِنْ كَانَ قَالَ: مَا رَزَقَنَا اللَّهُ تَعَالَى [مِنَ الرِّبْحِ] فَهُوَ بَيْنَنَا، فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّ النِّصْفَ، هُوَ الَّذِي رُزِقَاهُ.
وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، طَرَدَ الْوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ، بِشَطْرِ جَمِيعِ الرِّبْحِ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذَا كَانَ الْقِرَاضَانِ عَلَى الْمُنَاصَفَةِ، فَإِنْ كَانَا هُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى نِسْبَةٍ أُخْرَى، فَعَلَى مَا تَشَارَطَا. هَذَا كُلُّهُ إِذَا تَصَرَّفَ الثَّانِي وَرَبِحَ. أَمَّا لَوْ هَلَكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ فَغَاصِبٌ. وَإِنْ ظَنَّ الْعَامِلَ
стр. 1972
مَالِكًا، فَهُوَ كَالْمُسْتَوْدَعِ مِنَ الْغَاصِبِ، لِأَنَّ يَدَهُ أَمَانَةٌ. وَقِيلَ: كَالْمُتَّهَبِ مِنَ الْغَاصِبِ، لِعَوْدِ النَّفْعِ إِلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا ضَمَانًا وَقَرَارًا.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: مَنَعَهُ السَّفَرَ بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَلَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَالِكِ، وَفِي قَوْلٍ: لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، نَقَلَهُ الْبُوَيْطِيُّ. فَعَلَى الْمَشْهُورِ: لَوْ سَافَرَ، ضَمِنَ الْمَالَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمَتَاعُ بِالْبَلْدَةِ الَّتِي سَافَرَ إِلَيْهَا أَكْثَرَ قِيمَةً، أَوْ تَسَاوَتِ الْقِيمَتَانِ صَحَّ الْبَيْعُ، وَاسْتَحَقَّ الرِّبْحَ بِسَبَبِ الْإِذْنِ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ قِيمَةً، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّقْصُ قَدْرًا يَتَغَابَنُ بِهِ. وَإِذَا صَحَّحْنَا الْبَيْعَ، فَالثَّمَنُ الَّذِي يَقْبِضُهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ فِي الْبَيْعِ إِذَا تَعَدَّى ثُمَّ بَاعَ، لَا يَضْمَنُ الثَّمَنَ الَّذِي يَقْبِضُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ، وَهُنَا الْعُدْوَانُ بِالسَّفَرِ، وَهُوَ شَامِلٌ، وَلَا تَعُودُ الْأَمَانَةُ بِالْعَوْدِ مِنَ السَّفَرِ. أَمَّا إِذَا سَافَرَ بِالْإِذْنِ، فَلَا عُدْوَانَ وَلَا ضَمَانَ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيَبِيعُ بِمَا كَانَ يَبِيعُهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يُسَاوِ إِلَّا مَا دُونَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ غَرَضٌ، بِأَنْ كَانَتْ مُؤْنَةُ الرَّدِّ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ النَّقْصِ، أَوْ أَمْكَنَ صَرْفُ الثَّمَنِ إِلَى مَتَاعٍ يَتَوَقَّعُ فِيهِ رِبْحًا، فَلَهُ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ تَخْسِيرٌ مَحْضٌ.
قُلْتُ: وَإِذَا سَافَرَ بِالْإِذْنِ، لَمْ يَجُزْ سَفَرُهُ فِي الْبَحْرِ إِلَّا بِنَصٍّ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
عَلَى الْعَامِلِ أَنْ يَتَوَلَّى مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ مِنْ نَشْرِ الثِّيَابِ وَطَيِّهَا وَذَرْعِهَا وَإِدْرَاجِهَا فِي السَّفَطِ وَإِخْرَاجِهَا وَوَزْنِ مَا يَخِفُّ كَالذَّهَبِ وَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَقَبْضِ الثَّمَنِ وَحَمْلِهِ وَحِفْظِ الْمَتَاعِ عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ، وَفِي السَّفَرِ بِالنَّوْمِ عَلَيْهِ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَزْنُ الْأَمْتِعَةِ الثَّقِيلَةِ وَحَمَلُهَا، وَلَا نَقْلُ الْمَتَاعِ مِنَ الْخَانِ إِلَى الْحَانُوتِ وَالنِّدَاءُ عَلَيْهِ، ثُمَّ
стр. 1973
مَا عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ، فَالْأُجْرَةُ فِي مَالِهِ، وَمَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ، لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ. وَلَوْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ.
فَصْلٌ
أُجْرَةُ الْكَيَّالِ وَالْوَزَّانِ وَالْحَمَّالِ، فِي مَالِ الْقِرَاضِ، وَكَذَا أُجْرَةُ النَّقْلِ إِذَا سَافَرَ بِالْإِذْنِ، وَكَذَا أُجْرَةُ الْحَارِسِ وَالرَّصَدِيِّ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ بِشَيْءٍ أَصْلًا، وَلَا أَنْ يُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَضَرِ قَطْعًا. وَفِي السَّفَرِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا نَفَقَةَ لَهُ، كَالْحَضَرِ. وَالثَّانِي: لَهُ. وَقِيلَ: بِالْمَنْعِ قَطْعًا. وَقِيلَ: بِالْإِثْبَاتِ قَطْعًا. فَإِنْ أَثْبَتْنَا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَا يَزِيدُ بِسَبَبِ السَّفَرِ، كَالْخُفِّ وَالْإِدَاوَةِ وَشِبْهِهِمَا. وَقِيلَ: يَطَّرِدُ فِي كُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ وَكُسْوَةٍ وَإِدَامٍ وَغَيْرِهَا.
قُلْتُ: وَإِذَا قُلْنَا بِالِاخْتِصَاصِ، اسْتَحَقَّ أَيْضًا مَا يَتَجَدَّدُ بِسَبَبِ السَّفَرِ مِنْ زِيَادَةِ النَّفَقَةِ، وَاللِّبَاسِ، وَالْكِرَاءِ، وَنَحْوِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْإِثْبَاتِ مَسَائِلُ.
مِنْهَا: لَوِ اسْتَصْحَبَ مَالَ نَفْسِهِ مَعَ مَالِ الْقِرَاضِ، وُزِّعَتِ النَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قَدْرِ الْعَمَلِ عَلَى الْمَالَيْنِ وَيُوَزِّعَ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِمَا. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ: إِنَّمَا يُوَزِّعُ إِذَا كَانَ مَالُهُ قَدْرًا يُقْصَدُ السَّفَرُ لَهُ.
стр. 1974
قُلْتُ: قَدْ قَالَ بِمِثْلِ قَوْلِ السَّرَخْسِيِّ أَبُو عَلِيٍّ فِي الْإِفْصَاحِ، وَصَاحِبُ «الْبَيَانِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهَا: لَوْ رَجَعَ الْعَامِلُ وَمَعَهُ فَضْلُ زَادٍ، أَوْ آلَاتٌ أَعَدَّهَا لِلسَّفَرِ، كَالْمِطْهَرَةِ وَنَحْوِهَا، لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمِنْهَا: لَوِ اسْتَرَدَّ الْمَالِكُ مِنْهُ الْمَالَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَافَرَ إِلَيْهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ نَفَقَةَ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ خَالَعَ زَوْجَتَهُ فِي السَّفَرِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يُسْرِفَ، بَلْ يَأْخُذُ بِالْمَعْرُوفِ، وَمَا يَأْخُذُهُ يُحْسَبُ مِنَ الرِّبْحِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ، فَهُوَ خُسْرَانٌ لَحِقَ الْمَالَ، وَمَهْمَا أَقَامَ فِي طَرِيقِهِ فَوْقَ مُدَّةِ الْمُسَافِرِينَ فِي بَلَدٍ، لَمْ يَأْخُذْ لِتِلْكَ الْمُدَّةِ.
وَمِنْهَا: لَوْ شَرَطَ نَفَقَةَ السَّفَرِ فِي ابْتِدَاءِ الْقِرَاضِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ إِذَا أَثْبَتْنَاهَا، وَإِلَّا فَسَدَ الْقِرَاضُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ شَرَطَ نَفَقَةَ الْحَضَرِ. وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْعَقْدِ. وَعَلَى هَذَا، فِي اشْتِرَاطِ تَقْدِيرِهَا وَجْهَانِ. وَعَنْ رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَرْطِ النَّفَقَةِ فِي الْعَقْدِ مُقَدَّرَةً، لَكِنْ لَمْ يُثْبِتْهَا الْأَصْحَابُ.
فَصْلٌ
هَلْ يَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الرِّبْحِ بِالظُّهُورِ كَالْمُسَاقَاةِ، أَمْ لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الثَّانِي. فَإِنْ قُلْنَا: بِالظُّهُورِ، فَلَيْسَ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَتَسَلَّطُ الْعَامِلُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ. فَلَوِ اتَّفَقَ خُسْرَانٌ، كَانَ مِنَ الرِّبْحِ دُونَ رَأْسِ الْمَالِ مَا أَمْكَنَ. وَلِذَلِكَ نَقُولُ: إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الرِّبْحِ قَبْلَ فَسْخِ الْقِرَاضِ لَا يُجْبَرُ الْآخَرُ. فَإِذَا ارْتَفَعَ الْقِرَاضُ
стр. 1975
وَالْمَالُ نَاضٌّ وَاقْتَسَمَاهُ، حَصَلَ الِاسْتِقْرَارُ وَهُوَ نِهَايَةُ الْأَمْرِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَدْرُ رَأْسِ الْمَالِ نَاضًّا، فَأَخَذَهُ الْمَالِكُ وَاقْتَسَمَا الْبَاقِيَ. وَفِي حُصُولِ الِاسْتِقْرَارِ بِارْتِفَاعِ الْعَقْدِ، وَنَضُوضِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ قِسْمَةٍ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِلْوُثُوقِ بِحُصُولِ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ الْقِسْمَةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ تَتِمَّةِ عَمَلِ الْعَامِلِ. وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا، بُنِيَ عَلَى خِلَافٍ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي أَنَّ الْعَامِلَ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْبَيْعِ وَالتَّنْضِيضِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا اسْتِقْرَارَ، إِذْ لَمْ يَتِمَّ الْعَمَلُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، كَمَا لَوْ كَانَ نَاضًّا. وَلَوِ اقْتَسَمَا الرِّبْحَ بِالتَّرَاضِي قَبْلَ فَسْخِ الْعَقْدِ لَمْ يَحْصُلِ الِاسْتِقْرَارُ، بَلْ لَوْ حَصَلَ خُسْرَانٌ بَعْدَهُ، كَانَ عَلَى الْعَامِلِ جَبْرُهُ بِمَا أَخَذَ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ إِلَّا بِالْقِسْمَةِ، فَلَهُ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ حَتَّى يُورَثَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ، وَيُقَدَّمُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْعَمَلِ بَعْدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وَيَسْعَى فِي التَّنْضِيضِ لِيَأْخُذَ مِنْهُ حَقَّهُ. وَلَوْ أَتْلَفَ الْمَالِكُ الْمَالَ، غَرِمَ حِصَّةَ الْعَامِلِ، وَكَانَ الْإِتْلَافُ كَالِاسْتِرْدَادِ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ فِي الْمَالِ جَارِيَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ وَطْؤُهَا، كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ التَّحْرِيمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ. وَإِذَا حَرَّمْنَا، فَوَطِئَ، لَمْ يَكُنْ فَسْخًا لِلْقِرَاضِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْمَهْرُ، فَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ وَطِئَهَا الْعَامِلُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ إِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ وَكَانَ عَالِمًا، وَإِلَّا فَلَا حَدَّ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَمِيعُ الْمَهْرِ وَيُجْعَلُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ. وَلَوِ اسْتَوْلَدَ، لَمْ تَصِرْ
стр. 1976
أُمَّ وَلَدٍ إِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ، وَإِلَّا ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ فِي نَصِيبِهِ، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي إِنْ كَانَ مُوسِرًا.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ لِلْمَالِكِ تَزْوِيجُ جَارِيَةِ الْقِرَاضِ، لِأَنَّهُ يَنْقُصُهَا فَيَضُرُّ بِالْعَامِلِ.
فَصْلٌ
فِيمَا يَقَعُ فِي مَالِ الْقِرَاضِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ
أَمَّا الزِّيَادَةُ، فَثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ الْمُشْتَرَاةِ لِلْقِرَاضِ، وَنِتَاجُ الدَّابَّةِ، وَكَسْبُ الرَّقِيقِ، وَوَلَدُ الْجَارِيَةِ، وَمَهْرُهَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، وَبَدَلُ مَنَافِعِ الدَّوَابِّ وَالْأَرْضِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ بِاسْتِعْمَالِهَا عُدْوَانًا أَوْ بِإِجَارَةٍ صَدَرَتْ مِنَ الْعَامِلِ، فَإِنَّ لَهُ الْإِجَارَةَ. فَإِذَا رَأَى فِيهَا الْمَصْلَحَةَ، أَطْلَقَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَالُ قِرَاضٍ، لِأَنَّهَا مِنْ فَوَائِدِهِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، وَمَلَّكْنَا الْعَامِلَ حِصَّتَهُ بِالظُّهُورِ، فَالْجَوَابُ كَذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِبْحٌ، أَوْ لَمْ نُمَلِّكْهُ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: مَالُ قِرَاضٍ. وَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: يَفُوزُ بِهَا الْمَالِكُ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ فَوَائِدِ التِّجَارَةِ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَوْلَى. فَإِنْ جَعَلْنَاهَا مَالَ قِرَاضٍ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهَا مِنَ الرِّبْحِ.
وَقِيلَ: هِيَ شَائِبَةٌ فِي الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ. وَلَوْ وَطِئَهَا الْمَالِكُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ: يَكُونُ مُسْتَرِدًّا مِقْدَارَ الْمَهْرِ، فَيَسْتَقِرُّ نَصِيبُ الْعَامِلِ مِنْهُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ وَمَلَّكْنَاهُ بِالظُّهُورِ، وَجَبَ نَصِيبُ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَاسْتِيلَادُ الْمَالِكِ جَارِيَةَ الْقِرَاضِ، كَإِعْتَاقِهَا. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْمَهْرَ بِوَطْئِهِ الْخَالِي عَنِ الْأَحْبَالِ، فَالْأَصَحُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيمَةِ. وَأَمَّا النَّقْصُ، فَمَا حَصَلَ بِرُخْصٍ، فَهُوَ خُسْرَانٌ مَجْبُورٌ
стр. 1977
بِالرِّبْحِ. وَكَذَا النَّقْصُ بِالتَّعَيُّبِ وَالْمَرَضِ الْحَادِثَيْنِ.
وَأَمَّا النَّقْصُ الْعَيْنِيُّ، وَهُوَ تَلَفُ الْبَعْضِ، فَإِنْ حَصَلَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ بَيْعًا وَشِرَاءً، فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الِاحْتِرَاقَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْآفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ خُسْرَانٌ يُجْبَرُ بِالرِّبْحِ. وَفِي التَّلَفِ بِالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَجْهَانِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الضَّمَانِ الْوَاجِبِ مَا يَجْبُرُهُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْجَبْرِ بِمَالِ الْقِرَاضِ، وَطَرَدَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ فِي الْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالْأَصَحُّ فِي الْجَمِيعِ الْجَبْرُ. أَمَّا إِذَا نَقَصَ قَبْلَ التَّصَرُّفِ بَيْعًا وَشِرَاءً، بِأَنْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفَيْنِ قِرَاضًا، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّصَرُّفِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خُسْرَانٌ، فَيُجْبَرُ بِالرِّبْحِ الْحَاصِلِ بَعْدُ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفَيْنِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَتْلَفُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَيَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ أَلْفًا. وَلَوِ اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدَيْنِ، فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا، تَلِفَ مِنَ الرِّبْحِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَصَرَّفْ بَعْدُ بِالْبَيْعِ. هَذَا إِذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَالِ. أَمَّا إِذَا تَلِفَ كُلُّهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ التَّصَرُّفِ أَوْ بَعْدَهُ، فَيَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ كَمَا سَبَقَ. فَلَوْ أَتْلَفَ أَجْنَبِيٌّ جَمِيعَهُ أَوْ بَعْضَهُ، أَخَذَ مِنْهُ بَدَلَهُ وَاسْتَمَرَّ فِيهِ الْقِرَاضُ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْجَبْرِ مِنَ الرِّبْحِ فِي صُورَةِ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ، هُوَ فِيمَا إِذَا تَعَذَّرَ أَخْذُ الْبَدَلِ مِنَ الْمُتْلِفِ. وَلَوْ أَتْلَفَ الْعَامِلُ الْمَالَ، قَالَ الْإِمَامُ: يَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْمَالِكِ إِلَّا بِقَبْضِهِ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ الْقِرَاضِ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ مَالَ الْقِرَاضِ إِذَا غُصِبَ أَوْ أُتْلِفَ، فَمَنِ الْخَصْمُ فِيهِ؟ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ الْمَالِكُ فَقَطْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، وَهُمَا جَمِيعًا إِنْ كَانَ رِبْحٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ لِلْعَامِلِ الْمُخَاصَمَةَ مُطْلَقًا حِفْظًا لِلْمَالِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ فِي إِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مُفَرَّعًا عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ خَصْمٌ، وَيَتَقَدَّرُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ بِخَصْمٍ، بَلْ إِذَا خَاصَمَ الْمَالِكُ وَأَخَذَهُ، عَادَ الْعَامِلُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ بِحُكْمِ الْقِرَاضِ، [وَ] لَزِمَ مِثْلُهُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْمُتْلِفَ.
стр. 1978
فَرْعٌ
لَوْ قَتَلَ رَجَلٌ عَبْدَ الْقِرَاضِ، وَفِي الْمَالِ رِبْحٌ، لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا بِالْقِصَاصِ، بَلِ الْحَقُّ لَهُمَا، فَإِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ، أَوْ عَلَى الْقِصَاصِ جَازَ. وَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، سَقَطَ الْقِصَاصُ وَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِنَا: يَمْلِكُ الْعَامِلُ الرِّبْحَ بِالظُّهُورِ، وَغَيْرُ ظَاهِرٍ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَلِلْمَالِكِ الْقِصَاصُ وَالْعَفْوُ عَلَى غَيْرِ مَالٍ. وَكَذَا لَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً [لِلْمَالِ] ، فَلَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَيَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ. فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ، أَوْ صَالَحَ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ بَقِيَ الْقِرَاضُ فِيهِ.
فَرْعٌ
مَالُ الْقِرَاضِ أَلْفٌ، اشْتَرَى بِعَيْنِهِ ثَوْبًا. فَتَلِفَ الْأَلْفُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، بَطَلَ الشِّرَاءُ وَارْتَفَعَ الْقِرَاضُ. وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ: يَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ وَيَكُونُ الشِّرَاءُ لِلْعَامِلِ، فَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذَا إِذَا كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَإِنَّ الْقِرَاضَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، غَيْرُ بَاقٍ عِنْدِ الشِّرَاءِ، فَيَنْصَرِفُ الشِّرَاءُ إِلَى الْعَامِلِ. أَمَّا لَوْ تَلِفَ بَعْدَ الشِّرَاءِ، فَالْمُشْتَرَى لِلْمَالِكِ. فَإِذَا تَلِفَ الْأَلْفُ الْمُعَدُّ لِلثَّمَنِ، لَزِمَهُ أَلْفٌ آخَرُ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَقَعُ الشِّرَاءُ عَنِ الْعَامِلِ، سَوَاءٌ تَلِفَ الْأَلْفُ قَبْلَ الشِّرَاءِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ وَيَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ، لِأَنَّ إِذْنَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ الْأَلْفِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَرَأْسُ الْمَالِ أَلْفٌ، أَمْ أَلْفَانِ؟ وَجْهَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: أَلْفٌ، فَهُوَ الْأَلْفُ الْأَوَّلُ، أَمِ الثَّانِي؟ وَجْهَانِ، فَائِدَتُهُمَا عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَيْنِ فِي صِفَةِ الصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا.
стр. 1979
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي فَسْخِ الْقِرَاضِ وَالِاخْتِلَافِ فِيهِ
فِيهِ طَرَفَانِ.
الْأَوَّلُ: فِي فَسْخِهِ. وَالْقِرَاضُ جَائِزٌ، فَإِنَّهُ فِي أَوَّلِهِ وَكَالَةٌ، وَبَعْدَ ذَلِكَ شَرِكَةٌ. إِذَا حَصَلَ رِبْحٌ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حُضُورِ صَاحِبِهِ وَرِضَاهُ. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، انْفَسَخَ. فَإِذَا فَسَخَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَكُنْ لِلْعَامِلِ أَنْ يَشْتَرِيَ بَعْدَهُ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ كَانَ الْمَالُ دَيْنًا، لَزِمَ الْعَامِلَ التَّقَاضِي وَالِاسْتِيفَاءُ، سَوَاءٌ كَانَ رِبْحٌ أَمْ لَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا، نُظِرَ إِنْ كَانَ نَقْدًا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ وَلَا رِبْحَ، أَخَذَهُ الْمَالِكُ. وَإِنْ كَانَ رِبْحٌ، اقْتَسَمَاهُ بِحَسَبَ الشَّرْطِ، فَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مُكَسَّرَةً، وَرَأْسُ الْمَالِ صِحَاحٌ، نُظِرَ، فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُبَدِّلُهَا بِالصِّحَاحِ وَزْنًا يُوزَنُ، أَبْدَلَهَا وَإِلَّا بَاعَهَا بِغَيْرِ جِنْسِهَا مِنَ النَّقْدِ ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ الصِّحَاحَ، يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يَبِيعَهَا بِعَرَضٍ وَيَشْتَرِيَ بِهِ الصِّحَاحَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ نَقْدًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ أَوْ عَرَضًا فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِيهِ رِبْحٌ فَيَلْزَمُ الْعَامِلَ بَيْعُهُ إِنْ طَلَبَهُ الْمَالِكُ، وَلَهُ بَيْعُهُ وَإِنْ أَبَاهُ الْمَالِكُ، وَلَيْسَ لِلْعَامِلِ تَأْخِيرُ الْبَيْعِ إِلَى مَوْسِمِ رَوَاجِ الْمَتَاعِ، لِأَنَّ حَقَّ الْمَالِكِ مُعَجَّلٌ. وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: تَرَكْتُ حَقِّي لَكَ فَلَا تُكَلِّفْنِي الْبَيْعَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ فِي التَّنْضِيضِ مَشَقَّةٌ وَمُؤْنَةٌ، فَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْعَامِلِ.
وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: لَا تَبِعْ وَنَقْتَسِمُ الْعُرُوضُ بِتَقْوِيمِ عَدْلَيْنِ، أَوْ قَالَ: أُعْطِيكَ قَدْرَ نَصِيبِكَ نَاضًّا، فَفِي تَمَكُّنِ الْعَامِلِ مِنَ الْبَيْعِ، وَجْهَانِ.
وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَتَمَلَّكَ غِرَاسَ الْمُسْتَعِيرِ بِقِيمَتِهِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فَالْمَالِكُ هُنَا أَوْلَى. وَحَيْثُ لَزِمَ الْبَيْعُ، قَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْمُحَقِّقُونَ، أَنَّ مَا يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ وَتَنْضِيضُهُ،
стр. 1980
قَدْرُ رَأْسِ الْمَالِ.
أَمَّا الزَّائِدُ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ عَرَضٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ رَجُلَانِ، فَلَا يُكَلَّفُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَيْعُهُ. ثُمَّ مَا يَبِيعُهُ بِطَلَبِ الْمَالِكِ أَوْ دُونَهُ، يَبِيعُهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ. فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، بَاعَهُ يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ وَرَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ بَاعَهُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ حَصَلَ بِهِ رَأْسُ الْمَالِ.
الْحَالُ الثَّانِي: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، فَهَلْ لِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ الْبَيْعَ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِيَرُدَّ كَمَا أَخَذَ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْمَالِكَ مَشَقَّةٌ وَمُؤْنَةٌ. وَهَلْ لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ إِذَا رَضِيَ الْمَالِكُ بِإِمْسَاكِهِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ. أَحَدُهُمَا: لَا، إِذْ لَا فَائِدَةَ، وَالصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَهُ الْبَيْعُ إِذَا تَوَقَّعَ رِبْحًا، بِأَنْ ظَفِرَ بِسُوقٍ أَوْ رَاغِبٍ. وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لِلْعَامِلِ الْبَيْعُ إِذَا أَرَادَ الْمَالِكُ إِمْسَاكَ الْعَرَضِ، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَخْذِ الْمَالِكِ الْعَرَضَ، ثُمَّ ظَهَرَ رِبْحٌ بِارْتِفَاعِ السُّوقِ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ فِيهِ نَصِيبٌ، لِحُصُولِهِ بِكَسْبِهِ؟ أَمْ لَا، لِظُهُورِهِ بَعْدَ الْفَسْخِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
فَرْعٌ
كَمَا يَرْتَفِعُ الْقِرَاضُ بِقَوْلِ الْمَالِكِ: فَسَخْتُهُ، يَرْتَفِعُ بِقَوْلِهِ لِلْعَامِلِ: لَا تَتَصَرَّفْ بَعْدَ هَذَا، أَوْ بِاسْتِرْجَاعِ الْمَالِ مِنْهُ. فَلَوْ بَاعَ الْمَالِكُ مَا اشْتَرَاهُ الْعَامِلُ لِلْقِرَاضِ، فَهَلْ يَنْعَزِلُ كَمَا لَوْ بَاعَ الْمُوَكِّلُ مَا وَكَّلَ فِي بَيْعِهِ؟ أَمْ لَا وَيَكُونُ ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَوْ حَبَسَ الْعَامِلَ وَمَنَعَهُ التَّصَرُّفَ، أَوْ قَالَ: لَا قِرَاضَ بَيْنَنَا، فَفِي انْعِزَالِهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ فِي صُورَةِ الْحَبْسِ عَدَمَ الِانْعِزَالِ، وَفِي قَوْلِهِ: لَا قِرَاضَ بَيْنَنَا الِانْعِزَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1981
فَرْعٌ
إِذَا مَاتَ الْمَالِكُ وَالْمَالُ نَاضٌّ لَا رِبْحَ فِيهِ، أَخَذَهُ الْوَارِثُ. فَإِنْ كَانَ رِبْحٌ اقْتَسَمَاهُ. وَإِنْ كَانَ عَرَضًا، فَالْمُطَالَبَةُ بِالْبَيْعِ وَالتَّنْضِيضِ كَحَالَةِ حُصُولِ الْفَسْخِ فِي حَيَاتِهِمَا، وَلِلْعَامِلِ الْبَيْعُ هُنَا حَيْثُ كَانَ لَهُ الْبَيْعُ هُنَاكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْوَارِثِ اكْتِفَاءً بِإِذْنِ الْمُوَرِّثِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ الْعَامِلُ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ وَارِثُهُ الْبَيْعَ دُونَ إِذْنِ الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِتَصَرُّفِهِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَبِيعُ الْعَامِلُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَارِثِ الْمَالِكِ. وَالصَّحِيحُ: الْجَوَازُ.
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اسْتِيفَائِهِ الدُّيُونَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَارِثِ. وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى الْعَقْدِ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ نَاضًّا، فَلَهُمَا ذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَأْنِفَا عَقْدًا بِشَرْطِهِ، وَلَا بَأْسَ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لِجَوَازِ الْقِرَاضِ عَلَى الْمَشَاعِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ الْقِرَاضُ مَعَ الشَّرِيكِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُشَارِكَهُ فِي الْيَدِ، وَيَكُونُ لِلْعَامِلِ رِبْحُ نَصِيبِهِ، وَيَتَضَارَبَانِ فِي رِبْحِ نَصِيبِ الْآخَرِ.
وَهَلْ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّرْكِ وَالتَّقْرِيرِ، بِأَنْ يَقُولَ الْوَارِثُ، أَوِ الْقَائِمُ بِأَمْرِهِ: تَرَكْتُكَ أَوْ قَرَرْتُكَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِفَهْمِ الْمَعْنَى، وَلْيَكُنِ الْوَجْهَانِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْقِرَاضَ وَنَحْوَهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ. فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: يَنْعَقِدُ [بِهِ] ، فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِالِانْعِقَادِ هُنَا، وَإِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا، فَفِي جَوَازِ تَقْرِيرِهِ عَلَى الْقِرَاضِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْقِرَاضَ الْأَوَّلَ انْقَطَعَ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْقِرَاضِ عَلَى عَرَضٍ. وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَخْتَصَّ الْوَجْهَانِ بِلَفْظِ التَّرْكِ وَالتَّقْرِيرُ، وَلَا يُسَامَحُ بِاسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي الِابْتِدَاءِ.
وَحَكَى الْإِمَامُ فِيمَا إِذَا فَسَخَ الْقِرَاضَ فِي الْحَيَاةِ طَرِيقَةً طَارِدَةً لِلْوَجْهَيْنِ، وَطَرِيقَةً قَاطِعَةً بِالْمَنْعِ، وَهِيَ الْأَشْهَرُ. فَأَمَّا إِذَا مَاتَ الْعَامِلُ وَاحْتِيجَ إِلَى الْبَيْعِ وَالتَّنْضِيضِ، فَإِنْ أَذِنَ الْمَالِكُ لِوَارِثِ الْعَامِلِ فِيهِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا تَوَلَّاهُ أَمِينٌ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ، وَلَا يَجُوزُ
стр. 1982
تَقْرِيرُ وَارِثِهِ عَلَى الْقِرَاضِ إِنْ كَانَ الْمَالُ عَرَضًا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ نَاضًّا، فَلَهُمَا ذَلِكَ بِعَقْدٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَفِي لَفْظِ التَّقْرِيرِ، الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ، وَيَجْرِيَانِ أَيْضًا فِيمَا إِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ الْجَارِي بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَرَادَا إِعَادَتَهُ، فَقَالَ الْبَائِعُ: قَرَرَتُكَ عَلَى مُوجَبِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ، وَقَبِلَ صَاحِبُهُ، وَفِي النِّكَاحِ، لَا يَصِحُّ مِثْلُهُ.
فَرْعٌ
كَانَ رَأْسُ مَالِ الْمَيِّتِ مِائَةً، وَالرِّبْحُ مِائَتَيْنِ، وَجَدَّدَ الْوَارِثُ الْعَقْدَ مَعَ الْعَامِلِ مُنَاصَفَةً كَمَا كَانَ بِلَا قِسْمَةٍ، فَرَأْسُ مَالِ الْوَارِثِ مِائَتَانِ مِنْ ثَلَاثِ الْمِائَةِ، وَالْمِائَةُ الْبَاقِيَةُ لِلْعَامِلِ، فَعِنْدَ الْمُقَاسَمَةِ، يَأْخُذُهَا وَقِسْطُهَا مِنَ الرِّبْحِ، وَيَأْخُذُ الْوَارِثُ رَأْسَ مَالِهِ مِائَتَيْنِ، وَيَقْتَسِمَانِ مَا بَقِيَ.
قُلْتُ: إِذَا جُنَّا أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ أَفَاقَا وَأَرَادَا عَقْدَ الْقِرَاضِ ثَانِيًا، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ، أَنَّهُ كَمَا لَوِ انْفَسَخَ بِالْمَوْتِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا اسْتَرَدَّ الْمَالِكُ طَائِفَةً مِنَ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانِ، رَجَعَ رَأْسُ الْمَالِ إِلَى الْقَدْرِ الْبَاقِي. وَإِنْ ظَهَرَ رِبْحٌ، فَالْمُسْتَرَدُّ شَائِعٌ رِبْحًا وَخُسْرَانًا عَلَى النِّسْبَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ جُمْلَتَيِ الرِّبْحِ وَرَأْسِ الْمَالِ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْعَامِلِ عَلَى مَا يَخُصُّهُ بِحَسَبِ الشَّرْطِ مِمَّا هُوَ رَبِحَ مِنْهُ، فَلَا يَسْقُطُ بِالْخُسْرَانِ الْوَاقِعِ بَعْدَهُ. وَإِنْ كَانَ الِاسْتِرْدَادُ بَعْدَ ظُهُورِ الْخُسْرَانِ، كَانَ مُوَزَّعًا عَلَى الْمُسْتَرَدِّ الْبَاقِي، فَلَا يَلْزَمُ جَبْرُ
стр. 1983
حِصَّةِ الْمُسْتَرَدِّ مِنَ الْخُسْرَانِ، وَيَصِيرُ الْمَالُ هُوَ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْمُسْتَرَدِّ وَحِصَّتُهُ مِنَ الْخُسْرَانِ.
مِثَالُ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ الرِّبْحِ: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً، وَرَبِحَ عِشْرِينَ، وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ، فَالرِّبْحُ سُدُسُ الْمَالِ، فَيَكُونُ الْمُسْتَرَدُّ سُدُسُهُ رِبْحًا، وَهُوَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ، وَيَسْتَقِرُّ مِلْكُ الْعَامِلِ عَلَى نِصْفِهِ إِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُنَاصَفَةً، وَهُوَ دِرْهَمٌ وَثُلُثَا دِرْهَمٍ. فَلَوْ عَادَ مَا فِي يَدِهِ إِلَى ثَمَانِينَ، لَمْ يَسْقُطْ نَصِيبُ الْعَامِلِ، بَلْ يَأْخُذُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَثُلُثَيْ دِرْهَمٍ.
وَمِثَالُ الِاسْتِرْدَادِ بَعْدَ الْخُسْرَانِ: كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مِائَةً، وَخَسِرَ عِشْرِينَ، وَاسْتَرَدَّ عِشْرِينَ، فَالْخُسْرَانُ مُوَزَّعٌ عَلَى الْمُسْتَرَدِّ وَالْبَاقِي، فَتَكُونُ حِصَّةُ الْمُسْتَرَدِّ خَمْسَةً لَا يَلْزَمُ جَبْرُهَا، بَلْ يَكُونُ رَأْسُ الْمَالِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، فَمَا زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهَا قُسِمَ [بَيْنَهُمَا] .
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الِاخْتِلَافِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: ادَّعَى الْعَامِلُ تَلَفَ الْمَالِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَلَوْ ذَكَرَ سَبَبَ التَّلَفِ، فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الثَّانِيَةُ: لَوِ ادَّعَى الرَّدَّ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: مَا رَبِحْتُ، أَوْ مَا رَبِحْتُ إِلَّا أَلْفًا، فَقَالَ الْمَالِكُ: أَلْفَيْنِ، صُدِّقَ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ. فَلَوْ قَالَ: رَبِحْتُ كَذَا، ثُمَّ قَالَ: غَلِطْتُ فِي الْحِسَابِ، إِنَّمَا الرِّبْحُ كَذَا، أَوْ تَبَيَّنْتُ أَنْ لَا رِبْحَ، أَوْ [قَالَ] : كَذَبْتُ فِيمَا قُلْتُ خَوْفًا مِنِ انْتِزَاعِ الْمَالِ مِنْ يَدِي، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ. وَلَوْ قَالَ: خَسِرْتُ بَعْدَ الرِّبْحِ الَّذِي أَخْبَرْتُ عَنْهُ، قُبِلَ مِنْهُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي وَذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ، بِأَنْ حَدَثَ كَسَادٌ فَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ لَمْ يُقْبَلْ. وَلَوِ ادَّعَى الْخَسَارَةَ عِنْدَ الِاحْتِمَالِ، أَوِ التَّلَفِ بَعْدَ قَوْلِهِ: كُنْتُ كَاذِبًا فِيمَا قُلْتُ، قُبِلَ أَيْضًا، وَلَا تَبْطُلُ أَمَانَتُهُ بِذَلِكَ الْقَوْلِ السَّابِقِ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ.
стр. 1984
الرَّابِعَةُ: قَالَ: اشْتَرَيْتُ هَذَا لِلْقِرَاضِ، فَقَالَ الْمَالِكُ: بَلْ لِنَفْسِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي قَوْلٍ: قَوْلُ الْمَالِكِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُقُوعِهِ عَنِ الْقِرَاضِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ لِنَفْسِي، فَقَالَ: بَلْ لِلْقِرَاضِ، صُدِّقَ الْعَامِلُ بِيَمِينِهِ قَطْعًا. فَلَوْ أَقَامَ الْمَالِكُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِ الْقِرَاضِ، فَفِي الْحُكْمِ بِهَا وَجْهَانِ. وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْقِرَاضِ عُدْوَانًا، فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الْمَالِكُ: كُنْتُ نَهَيْتُكَ عَنْ شِرَاءِ هَذَا، فَقَالَ: لَمْ تَنْهَنِي، صُدِّقَ الْعَامِلُ.
السَّادِسَةُ: قَالَ: شَرَطْتَ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ، فَقَالَ: بَلْ ثُلُثَهُ، تَحَالَفَا كَالْمُتَبَايِعَيْنِ، فَإِذَا حَلَفَا، فُسِخَ الْعَقْدُ، وَاخْتَصَّ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ بِالْمَالِكِ، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الرِّبْحِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا قَدْرُ النِّصْفِ، لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِي أَكْثَرَ.
قُلْتُ: وَإِذَا تَحَالَفَا، فَهَلْ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، أَمْ بِالْفَسْخِ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ الْبَيْعِ كَمَا مَضَى، قَالَهُ فِي الْبَيَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ رَأْسِ الْمَالِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَالِ رِبْحٌ، [وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: يَتَحَالَفَانِ. وَلَوْ قَارَضَ رَجُلَيْنِ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الرِّبْحِ لَهُ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، فَرَبِحَا، ثُمَّ قَالَ الْمَالِكُ: دَفَعْتُ إِلَيْكُمَا أَلْفَيْنِ، وَصَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَلْفًا، لَزِمَ الْمُقِرَّ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَحَلَفَ الْآخَرُ وَقُضِيَ لَهُ بِمُوجَبِ قَوْلِهِ. وَلَوْ كَانَ الْحَاصِلُ أَلْفَيْنِ، أَخَذَ الْمُنْكِرُ رُبُعَ الْأَلْفِ الزَّائِدِ عَلَى مَا أَقَرَّ بِهِ، وَالْبَاقِي يَأْخُذُهُ الْمَالِكُ. وَلَوْ كَانَ الْحَاصِلُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، فَالْمُنْكِرُ يَزْعُمُ أَنَّ الرِّبْحَ أَلْفَانِ لَهُ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةٍ، فَتُسَلَّمُ لَهُ، وَيَأْخُذُ الْمَالِكُ مِنَ الْبَاقِي أَلْفَيْنِ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ، يَبْقَى خَمْسُمِائَةٍ يَتَقَاسَمَاهَا - الْمَالِكُ وَالْمُقِرُّ - أَثْلَاثًا، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا يَأْخُذُهُ
стр. 1985
الْمَالِكُ مِثْلَا مَا يَأْخُذُهُ كُلُّ عَامِلٍ، وَمَا أَخَذَهُ الْمُنْكِرُ، كَالتَّالِفِ. وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: رَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرُ، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ دَرَاهِمُ، صُدِّقَ الْعَامِلُ.
الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْقِرَاضِ، فَقَالَ الْمَالِكُ: دَفَعْتُ إِلَيْكَ لِتَشْتَرِيَ لِي بِالْوَكَالَةِ، وَقَالَ الْقَابِضُ: بَلْ قَارَضْتَنِي، فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ. فَإِذَا حَلَفَ أَخَذَ الْمَالَ وَرِبْحَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِلْآخَرِ.
قُلْتُ: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: دَفَعْتُهُ قَرْضًا، فَقَالَ الْعَامِلُ: بَلْ قِرَاضًا، قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» : بَيِّنَةُ الْعَامِلِ أَوْلَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ
إِحْدَاهَا: لَيْسَ لِعَامِلِ الْقِرَاضِ التَّصَرُّفُ فِي الْخَمْرِ بَيْعًا وَلَا شِرَاءً وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا، فَإِنْ خَالَفَ وَاشْتَرَى خَمْرًا، أَوْ خِنْزِيرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، وَدَفَعَ الْمَالَ فِي ثَمَنِهِ، ضَمِنَ، عَالِمًا كَانَ أَوْ جَاهِلًا، لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِمَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: لَا ضَمَانَ فِي الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ فِي الْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ. وَقِيلَ: يَضْمَنُ فِي الْخَمْرِ مُطْلَقًا، وَلَا يَضْمَنُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ مَعَ الْجَهْلِ.
قُلْتُ: قُلْتُ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي شِرَاءِ الْخَمْرِ عَالِمًا، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُهُ، هُوَ فِي الذِّمِّيِّ دُونَ الْمُسْلِمِ، لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُهُ مَالًا، قَالَهُ فِي «الْبَيَانِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: قَارَضَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُلَ الْمَالَ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا، وَيَشْتَرِيَ مِنْ أَمْتِعَتِهِ ثُمَّ
стр. 1986
يَبِيعَهَا هُنَاكَ، أَوْ يَرُدَّهَا إِلَى مَوْضِعِ الْقِرَاضِ، قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَكْثَرُونَ بِفَسَادِ الْقِرَاضِ، لِأَنَّ نَقْلَ الْمَتَاعِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، عَمَلٌ زَائِدٌ عَلَى التِّجَارَةِ، فَأَشْبَهَ شَرْطَ الطَّحْنِ وَالْخَبْزِ، وَيُخَالِفُ مَا إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي السَّفَرِ، فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ نَفْيُ الْحَرَجِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ: لَا يَضُرُّ شَرْطُ الْمُسَافَرَةِ، فَإِنَّهَا الرَّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي الْأَمْوَالِ النَّفِيسَةِ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: خُذْ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ قِرَاضًا، وَصَارِفْ بِهَا مَعَ الصَّيَارِفَةِ، فَفِي صِحَّةِ مُصَارَفَتِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ. وَجْهُ الصِّحَّةِ: أَنَّ مَقْصُودَهُ التَّصَرُّفُ مُصَارَفَةً.
الرَّابِعَةُ: خَلَطَ الْعَامِلُ مَالَ الْقِرَاضِ بِمَالِهِ، صَارَ ضَامِنًا، وَكَذَا لَوْ قَارَضَهُ رَجُلَانِ، فَخَلَطَ مَالَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، وَكَذَا لَوْ قَارَضَهُ وَاحِدٌ عَلَى مَالَيْنِ بِعَقْدَيْنِ، فَخَلَطَهُمَا، ضَمِنَ. فَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا قِرَاضًا، ثُمَّ أَلْفًا، وَقَالَ: ضُمُّهُ إِلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصَرَّفَ بَعْدُ فِي الْأَوَّلِ، جَازَ، وَكَأَنَّهُ دَفَعَهُمَا إِلَيْهِ مَعًا، وَإِنْ كَانَ تَصَرَّفَ فِي الْأَوَّلِ، لَمْ يَجُزِ الْقِرَاضُ فِي الثَّانِي، وَلَا الْخَلْطُ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْتَقَرَّ حُكْمُهُ بِالتَّصَرُّفِ رِبْحًا وَخُسْرَانًا، وَرِبْحُ كُلِّ مَالٍ وَخُسْرَانُهُ يَخْتَصُّ بِهِ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا قِرَاضًا، وَقَالَ: ضُمَّ إِلَيْهِ أَلْفًا مِنْ عِنْدِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ثُلُثُ رِبْحِهِمَا لَكَ وَثُلُثَاهُ لِي، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَسَدَ الْقِرَاضُ، لِمَا فِيهِ مِنْ شَرْطِ التَّفَاوُتِ فِي الرِّبْحِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْمَالِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى الْعَمَلِ بَعْدَ الشَّرِكَةِ فِي الْمَالِ.
وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ زَيْدٌ أَلْفًا قِرَاضًا، وَعَمْرٌو كَذَلِكَ، فَاشْتَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ عَبْدًا بِأَلْفٍ، ثُمَّ اشْتَبَهَا عَلَيْهِ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَنْقَلِبُ شِرَاءُ الْعَبْدَيْنِ لَهُ، وَيَغْرَمُ لَهُمَا، لِتَفْرِيطِهِ. ثُمَّ الْمَغْرَمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْأَلْفَانِ. وَقِيلَ: يَغْرَمُ قِيمَةَ الْعَبْدَيْنِ وَإِنْ زَادَتْ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُبَاعُ الْعَبْدَانِ وَيُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ حَصَلَ رِبْحٌ، فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ الشَّرْطِ. وَإِنْ حَصَلَ خُسْرَانٌ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ، لِتَقْصِيرِهِ. وَاسْتَدْرَكَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ لِانْخِفَاضِ السُّوقِ، لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يُجْعَلَ كَالْغَاصِبِ، وَالْغَاصِبُ لَا يَضْمَنُ انْخِفَاضَ السُّوقِ.
стр. 1987
قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقِيَاسُ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ غَيْرُ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَبْقَى الْعَبْدَانِ لَهُمَا عَلَى الْإِشْكَالِ إِنْ لَمْ يَصْطَلِحَا.
قُلْتُ: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي «الْمُعَايَاةِ» : [وَ] لَا يُتَصَوَّرُ خُسْرَانٌ عَلَى الْعَامِلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبَقِيَ مِنَ الْبَابِ مَسَائِلُ.
مِنْهَا: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا وَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَتَصَرَّفْ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَلَكَ نِصْفُ الرِّبْحِ، فَمَاتَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّصَرُّفُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَةِ عَيْنٍ، لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ، وَلِأَنَّ الْقِرَاضَ يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ لَوْ صَحَّ. وَلَوْ قَارَضَهُ عَلَى نَقْدٍ، فَتَصَرَّفَ الْعَامِلُ ثُمَّ أَبْطَلَ السُّلْطَانُ النَّقْدَ، ثُمَّ انْفَسَخَ الْقِرَاضُ، قَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» : رَدَّ مِثْلَ النَّقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: مِنَ الْحَادِثِ وَلَوْ مَاتَ الْعَامِلُ وَلَمْ يُعْرَفْ مَالُ الْقِرَاضِ مِنْ غَيْرِهِ، فَهُوَ كَمَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ وَدِيعَةٌ وَلَمْ يُعْرَفْ عَيْنُهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْوَدِيعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوْ جَنَى عَبْدُ الْقِرَاضِ، قَالَ فِي «الْعُدَّةِ» : لِلْعَامِلِ أَنْ يَفْدِيَهُ مِنْ مَالِ الْقِرَاضِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1988
كِتَابُ الْمُسَاقَاةِ
هِيَ أَنْ يُعَامِلَ إِنْسَانٌ [إِنْسَانًا] عَلَى شَجَرَةٍ لِيَتَعَهَّدَهَا بِالسَّقْيِ وَالتَّرْبِيَةِ، عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الثَّمَرَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، وَفِيهِ بَابَانِ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ خَمْسَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي الْقِرَاضِ.
وَ [الرُّكْنُ] الثَّانِي: مُتَعَلَّقُ الْعَمَلِ، وَهُوَ الشَّجَرُ، وَلَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ.
[الشَّرْطُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا، فَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنَ النَّبَاتِ، فَقِسْمَانِ.
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ] : مَا لَهُ سَاقٌ، وَمَا لَا. وَالْأَوَّلُ ضَرْبَانِ.
[الضَّرْبُ] الْأَوَّلُ: مَا لَهُ ثَمَرَةٌ كَالتِّينِ وَالْجَوْزِ، وَالْمِشْمِشِ، وَالتُّفَّاحِ وَنَحْوِهَا، وَفِيهَا قَوْلَانِ. الْقَدِيمُ: جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ عَلَيْهَا. وَالْجَدِيدُ: الْمَنْعُ. وَعَلَى الْجَدِيدِ، فِي شَجَرِ الْمُقْلِ وَجْهَانِ، جَوَّزَهَا ابْنُ سُرَيْجٍ، وَمَنَعَهَا غَيْرُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا ثَمَرَةَ لَهُ، كَالدُّلْبِ وَالْخِلَافِ وَغَيْرِهِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: فِي الْخِلَافِ وَجْهَانِ لِأَغْصَانِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا سَاقَ لَهُ، كَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَالْبُقُولِ الَّتِي لَا تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا تُجَزُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَا تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ عَلَيْهَا، كَمَا لَا تَجُوزُ عَلَى الزَّرْعِ. فَإِنْ كَانَتْ تَثْبُتُ فِي الْأَرْضِ وَتُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْعُ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.
стр. 1989
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْأَشْجَارُ مَرْئِيَّةً، وَإِلَّا فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، كَبَيْعِ الْغَائِبِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً. فَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَحَدِ الْحَائِطَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الثِّمَارُ. فَيُشْتَرَطُ اخْتِصَاصُهُ بِالْعَاقِدَيْنِ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا مَعْلُومَةً، وَأَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِهَا مِنْ حَيْثُ الْجُزْئِيَّةُ دُونَ التَّقْدِيرِ. فَلَوْ شَرَطَا بَعْضَ الثِّمَارِ لِثَالِثٍ، أَوْ كُلَّهَا لِأَحَدِهِمَا، فَسَدَتِ الْمُسَاقَاةُ. وَفِي اسْتِحْقَاقِ الْأُجْرَةِ عِنْدَ شَرْطِ الْكُلِّ لِلْمَالِكِ وَجْهَانِ كَالْقِرَاضِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ عَمِلَ مَجَّانًا. وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى أَنَّ لَكَ جُزْءًا مِنَ الثَّمَرَةِ، فَسَدَتْ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَنَّهَا بَيْنَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّ نِصْفَهَا لِي، أَوْ نِصْفَهَا لَكَ، وَسَكَتَ عَنِ الْبَاقِي، أَوْ عَلَى [أَنَّ] ثَمَرَةَ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوِ النَّخَلَاتِ لِي، أَوْ لَكَ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَنَا، أَوْ عَلَى أَنَّ صَاعًا مِنَ الثَّمَرَةِ لِي، أَوْ لَكَ، وَالْبَاقِيَ بَيْنَنَا، فَحُكْمُهُ كُلُّهُ كَمَا سَبَقَ فِي الْقِرَاضِ. وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ إِذَا شَرَطَ كُلَّ الثَّمَرَةِ لِلْعَامِلِ، لِغَرَضِ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ الشَّجَرِ.
فَصْلٌ
إِذَا سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ لِيَغْرِسَهُ وَيَكُونُ الشَّجَرُ بَيْنَهُمَا، أَوْ لِيَغْرِسَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ مُدَّةَ كَذَا، وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِيهِمَا، لِلْحَاجَةِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الثَّانِي. فَعَلَى الصَّحِيحِ: إِذَا عَمِلَ فِي هَذَا الْفَاسِدِ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ إِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ مُتَوَقَّعَةً فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي شَرْطِ الْكُلِّ لِلْمَالِكِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى وَدِيٍّ مَغْرُوسٍ، فَإِنْ قَدَّرَا الْعَقْدَ بِمُدَّةٍ لَا يُثْمِرُ فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ الْمُسَاقَاةُ، لِخُلُوِّهَا عَنِ الْغَرَضِ. وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا لَا تُثْمِرُ فِيهَا، فَإِنْ جَهِلَ ذَلِكَ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ قَطْعًا. وَإِنْ قُدِّرَ
стр. 1990
بِمُدَّةٍ يُثْمِرُ فِيهَا غَالِبًا، صَحَّ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ لَا ثَمَرَ فِيهَا، فَإِنِ اتَّفَقَ أَنَّهَا لَمْ تُثْمِرْ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْعَامِلُ شَيْئًا، كَمَا لَوْ قَارَضَهُ فَلَمْ يَرْبَحْ، أَوْ سَاقَاهُ عَلَى النَّخِيلِ الْمُثْمِرَةِ فَلَمْ تُثْمِرْ، وَإِنْ قُدِّرَ بِمُدَّةٍ تَحْتَمِلُ الْإِثْمَارَ وَعَدَمَهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُ فِي مَعْدُومٍ إِلَى وَقْتٍ يَحْتَمِلُ وَجُودَهُ وَعَدَمَهُ.
وَالثَّانِي: يَصِحُّ. فَإِنْ أَثْمَرَتِ اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إِنْ لَمْ تُثْمِرْ، لِأَنَّهُ عَمِلَ طَامِعًا. هَذِهِ طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، وَجَعَلُوا تَوَقُّعَ الثَّمَرَةِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ: إِنْ غَلَبَ وُجُودُهَا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ صَحَّ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: إِنْ غَلَبَ عَدَمُهَا لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
دَفَعَ إِلَيْهِ وَدِيًّا لِيَغْرِسَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ الْغِرَاسُ لِلدَّافِعِ، وَالثَّمَرُ بَيْنَهُمَا، فَهُوَ فَاسِدٌ، وَلِلْعَامِلِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَأَرْضِهِ. وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَرْضَهُ لِيَغْرِسَهَا بِوَدِيِّ نَفْسِهِ، عَلَى أَنْ تَكُونَ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَفَاسِدٌ أَيْضًا، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أُجْرَتُهَا عَلَى الْعَامِلِ.
فَصْلٌ
فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ بَعْدَ خُرُوجِ الثِّمَارِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ. وَفِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ طُرُقٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا فِيمَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ قَطْعًا. وَالثَّانِي: الْقَوْلَانِ فِيمَا لَمْ يَتَنَاهَ نُضْجُهُ. فَإِنْ تَنَاهَى، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا. وَالثَّالِثُ: طَرْدُهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ النَّخِيلِ بَيَاضٌ، بِحَيْثُ تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْمُسَاقَاةِ،
стр. 1991
فَكَانَ فِيهِ زَرْعٌ مَوْجُودٌ، فَفِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ تَبَعًا، وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ فِي الْحَدِيقَةِ نَوْعَانِ مِنَ التَّمْرِ فَصَاعِدًا، كَالصَّيْحَانِيِّ، وَالْعَجْوَةِ، وَالدَّقَلِ، فَسَاقَاهُ عَلَى أَنَّ لَهُ النِّصْفَ مِنَ الصَّيْحَانِيِّ، أَوْ مِنَ الْعَجْوَةِ الثُّلُثَ، فَإِنْ عَلِمَا قَدْرَ كُلِّ نَوْعٍ، جَازَ، وَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَجُزْ. وَمَعْرِفَةُ كُلِّ نَوْعٍ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّظَرِ وَالتَّخْمِينِ دُونَ التَّحْقِيقِ. وَإِنْ سَاقَاهُ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْكُلِّ، جَازَ وَإِنْ جَهِلَا قَدْرَ النَّوْعَيْنِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ سَقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ، فَلَهُ الثُّلُثُ، أَوْ بِالدَّالِيَةِ فَالنِّصْفُ، لَمْ يَصِحَّ، لِلْجَهْلِ. وَلَوْ سَاقَاهُ عَلَى حَدِيقَتِهِ بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ عَلَى أُخْرَى بِالثُّلُثِ، أَوْ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ الْعَامِلُ عَلَى حَدِيقَتِهِ، فَفَاسِدٌ. وَهَلْ تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ الثَّانِيَةُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ عَقَدَهَا وَفَاءً بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ، وَسَبَقَ نَظِيرُهُ فِي الرَّهْنِ.
فَرْعٌ
حَدِيقَةٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُنَاصَفَةً، سَاقَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَشَرَطَ لَهُ ثُلُثَيِ الثِّمَارِ، صَحَّ وَقَدْ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ ثَمَرَتِهِ. وَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثُلُثَ الثِّمَارِ، أَوْ نِصْفَهَا، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ لَهُ عِوَضًا بِالْمُسَاقَاةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالْمِلْكِ. وَإِذَا عَمِلَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ شَرَطَ لَهُ جَمِيعَ الثِّمَارِ فَسَدَ، وَفِي الْأُجْرَةِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لَهُ إِلَّا أَنَّهُ انْصَرَفَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَهُ الْأُجْرَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1992
وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمُسَاقَاةِ مَعَ الشَّرِيكِ أَنْ يَتَعَاوَنَا عَلَى الْعَمَلِ، فَسَدَتْ وَإِنْ أَثْبَتَ لَهُ زِيَادَةً عَلَى النِّصْفِ، كَمَا لَوْ سَاقَى أَجْنَبِيًّا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. ثُمَّ إِنْ تَعَاوَنَا وَاسْتَوَيَا فِي الْعَمَلِ، فَلَا أُجْرَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ كَانَ عَمَلُ مَنْ شَرَطَ لَهُ الزِّيَادَةَ أَكْثَرَ، اسْتَحَقَّ عَلَى الْأُجْرَةِ بِالْحِصَّةِ مِنْ عَمَلِهِ. وَإِنْ كَانَ عَمَلُ الْآخَرِ أَكْثَرَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْوَجْهَانِ. أَمَّا لَوْ أَعَانَهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَلَا يَضُرُّ. وَلَوْ سَاقَا الشَّرِيكَانِ أَجْنَبِيًّا، وَشَرَطَا لَهُ جُزْءًا مِنْ ثَمَرَةِ كُلِّ الْحَدِيقَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَازَ. فَإِنْ قَالَا: عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِنَا النِّصْفَ، وَمِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ الثُّلُثَ، مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ عَيَّنَا، فَإِنْ عَلِمَ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ
كَانَتِ الْحَدِيقَةُ لِوَاحِدٍ، فَسَاقَى اثْنَيْنِ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلِلْآخَرِ ثُلُثَهَا، فِي صَفْقَةٍ، أَوْ صَفْقَتَيْنِ، جَازَ إِنْ عَيَّنَ مَنْ لَهُ النِّصْفُ وَمَنْ لَهُ الثُّلُثُ.
فَرْعٌ
حَدِيقَةٌ بَيْنَ سِتَّةٍ أَسْدَاسًا، فَسَاقُوا رَجُلًا عَلَى أَنَّ لَهُ مِنْ نَصِيبِ وَاحِدٍ عَيَّنُوهُ النِّصْفَ، وَمِنْ نَصِيبِ الثَّانِي الرُّبُعَ، وَمِنَ الثَّالِثِ الثُّمُنَ، وَمِنَ الرَّابِعِ الثُّلُثَيْنِ، وَمِنَ الْخَامِسِ الثُّلُثَ، وَمِنَ السَّادِسِ السُّدُسَ، فَحِسَابُهُ أَنَّ مُخْرِجَ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ يَدْخُلَانِ فِي مُخْرِجِ الثُّمُنِ، وَمُخْرِجَ الثُّلُثَيْنِ وَالثُّلُثِ يَدْخُلُ فِي السُّدُسِ، تَبْقَى سِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ، يُضْرَبُ وِفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، تَبْلُغُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، تَضْرِبُهُ فِي عَدَدِ
стр. 1993
الشُّرَكَاءِ وَهُوَ سِتَّةٌ، تَبْلُغُ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، فَيَأْخُذُ الْعَامِلُ مِمَّنْ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ اثْنَيْ عَشَرَ، وَمِنَ الثَّانِي سِتَّةً، وَمِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثَةً، وَمِنَ الرَّابِعِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَمِنَ الْخَامِسِ ثَمَانِيَةً، وَمِنَ السَّادِسِ أَرْبَعَةً، فَيَجْتَمِعُ لَهُ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْعَمَلُ.
[وَشُرُوطُهُ] قَرِيبَةٌ مِنْ عَمَلِ الْقِرَاضِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْجِنْسِ.
فَمِنْهَا: أَنْ لَا يُشْرَطَ عَلَيْهِ عَمَلٌ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسَاقَاةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَبِدَّ الْعَامِلُ بِالْيَدِ فِي الْحَدِيقَةِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْعَمَلِ مَتَى شَاءَ.
فَلَوْ شَرَطَا كَوْنَهُ فِي يَدِ الْمَالِكِ، أَوْ مُشَارَكَتَهُ فِي الْيَدِ، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ سَلَّمَ الْمِفْتَاحَ إِلَيْهِ، وَشَرَطَ الْمَالِكُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إِذَا دَخَلَ، كَانَتِ الْحَدِيقَةُ فِي يَدِهِ، وَيَتَعَوَّقُ بِحُضُورِهِ عَنِ الْعَمَلِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَنْفَرِدَ الْعَامِلُ بِالْعَمَلِ.
فَلَوْ شَرَطَا مُشَارَكَةَ الْمَالِكِ فِي الْعَمَلِ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَعْمَلَ مَعَهُ غُلَامُ الْمَالِكِ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَالْقِرَاضِ. هَذَا إِذَا شَرَطَا مُعَاوَنَةَ الْغُلَامِ، وَيَكُونُ تَحْتَ تَدْبِيرِ الْعَامِلِ. فَلَوْ شَرَطَا اشْتِرَاكَهُمَا فِي التَّدْبِيرِ، وَيَعْمَلَانِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ. وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فِي الْأَوَّلِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغُلَامِ بِالرُّؤْيَةِ أَوِ الْوَصْفِ. وَأَمَّا نَفَقَتُهُ، فَإِنْ شَرَطَاهَا عَلَى الْمَالِكِ، جَازَ، وَإِنْ شَرَطَاهَا عَلَى الْعَامِلِ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى هَذَا هَلْ يَجِبُ تَقْدِيرُهَا لِيُعْرَفَ مَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ، أَمْ لَا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْوَسَطِ الْمُعْتَادِ لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِهِ؟ وَجْهَانِ، وَبِالثَّانِي قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَإِنْ شَرَطَاهَا فِي الثِّمَارِ، فَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ مَا يَبْقَى مَجْهُولٌ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْإِفْصَاحِ» : يَجُوزُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنْ صَلَاحِ الْمَالِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُتَوَسَّطَ فَيُقَالُ: إِنْ شَرَطَاهَا مِنْ جُزْءٍ مَعْلُومٍ، بِأَنْ شَرَطَا لِلْمَالِكِ ثُلُثَ الثِّمَارِ، وَلِلْعَامِلِ ثُلُثَهَا، وَيُصْرَفُ الثُّلُثُ الثَّالِثُ إِلَى نَفَقَةِ الْغُلَامِ، جَازَ، وَكَأَنَّ الْمَشْرُوطَ لِلْمَالِكِ ثُلُثَاهَا. وَإِنْ شَرَطَاهَا فِي الثِّمَارِ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ جُزْءٍ لَمْ يَصِحَّ.
وَلَوْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِلنَّفَقَةِ أَصْلًا، فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ
стр. 1994
الْجُمْهُورُ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَفِي وَجْهٍ: عَلَى الْعَامِلِ، حَكَاهُ فِي «الْمُهَذَّبِ» . وَلِصَاحِبِ «الْإِفْصَاحِ» احْتِمَالَانِ آخَرَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مِنَ الثَّمَرَةِ، وَالْآخَرُ، يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ اسْتِعْمَالُ الْغُلَامِ فِي عَمَلِ نَفْسِهِ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، بَطَلَ الْعَقْدُ. وَلَوْ كَانَ بِرَسْمِ الْحَدِيقَةِ غِلْمَانٌ يَعْمَلُونَ فِيهَا، لَمْ يَدْخُلُوا فِي مُطْلَقِ الْمُسَاقَاةِ. وَلَوْ شَرَطَ اسْتِئْجَارَ الْعَامِلِ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ، بَطَلَ الْعَقْدُ. وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ أُجْرَةِ مَنْ يَعْمَلُ مَعَهُ عَلَى الْمَالِكِ، بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ، فَذَكَرَ فِي جَوَازِهِ وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمُسَاقَاةِ، أَنْ تَكُونَ مُؤَقَّتَةً. فَإِنْ وَقَّتَ بِالشُّهُورِ أَوِ السِّنِينَ الْعَرَبِيَّةِ، فَذَاكَ، وَلَوْ وَقَّتَ بِالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهَا جَازَ إِذَا عَلِمَاهَا، فَإِنْ أَطْلَقَا لَفْظَ السَّنَةِ، انْصَرَفَ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ. وَإِنْ وَقَّتَ بِإِدْرَاكِ الثَّمَرَةِ، فَهَلْ يَبْطُلُ كَالْإِجَارَةِ، أَمْ يَصِحُّ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَوَّلُهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَصَحَّحَ الْغَزَالِيُّ الثَّانِيَ. فَعَلَى الثَّانِي لَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ سَنَةً، وَأَطْلَقَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ، أَمْ سَنَةِ الْإِدْرَاكِ؟ وَجْهَانِ، زَعَمَ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ [أَنَّ] أَصَحَّهُمَا: الثَّانِي. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، أَوْ وَقَّتَ بِالزَّمَانِ، فَأُدْرِكَتِ الثِّمَارُ وَالْمُدَّةُ بَاقِيَةٌ، لَزِمَ الْعَامِلَ أَنْ يَعْمَلَ فِي تِلْكَ الْبَقِيَّةِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَإِنِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَعَلَى الشَّجَرِ طَلْعٌ أَوْ بَلَحٌ، فَلِلْعَامِلِ نَصِيبُهُ مِنْهَا، وَعَلَى الْمَالِكِ التَّعَهُّدُ إِلَى الْإِدْرَاكِ. وَإِنْ حَدَثَ الطَّلْعُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَلَا حَقَّ لِلْعَامِلِ فِيهِ. وَلَوْ سَاقَاهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَفِي صِحَّتِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْإِجَارَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، فَإِنْ جَوَّزْنَا، فَهَلْ يَجِبُ بَيَانُ حِصَّةِ كُلِّ سَنَةٍ، أَمْ يَكْفِي قَوْلُهُ: سَاقَيْتُكَ عَلَى النِّصْفِ لِاسْتِحْقَاقِ النِّصْفِ كُلَّ سُنَّةٍ؟
стр. 1995
قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ كَالْإِجَارَةِ. وَقِيلَ: يَجِبُ هُنَا قَطْعًا، لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَرِ، بِخِلَافِ الْمَنَافِعِ، فَلَوْ فَاوَتَ بَيْنَ الْجُزْءِ الْمَشْرُوطِ فِي السِّنِينَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالسَّلَمِ إِلَى آجَالٍ. وَلَوْ سَاقَاهُ سِنِينَ، وَشَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا، وَالْأَشْجَارُ بِحَيْثُ تُثْمِرُ كُلَّ سَنَةٍ، لَمْ يَصِحَّ.
قُلْتُ: وَلَوْ سَاقَاهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَشَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ الْعَاشِرَةِ، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ التَّاسِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: الصِّيغَةُ، وَلَا تَصِحُّ الْمُسَاقَاةُ بِدُونِهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِيهَا الْوَجْهُ الْمُكْتَفَى فِي الْعُقُودِ بِالتَّرَاضِي وَالْمُعَاطَاةِ، وَكَذَا فِي الْقِرَاضِ وَغَيْرِهِ.
ثُمَّ أَشْهَرُ الصِّيَغِ: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ بِكَذَا، أَوْ عَقَدْتُ مَعَكَ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: وَيَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُؤَدِّي مَعْنَاهَا، كَقَوْلِهِ: سَلَّمْتُ إِلَيْكَ نَخِيلِي لِتَتَعَهَّدَهَا عَلَى كَذَا، أَوِ اعْمَلْ عَلَى هَذَا النَّخِيلِ، أَوْ تَعَهَّدْ نَخِيلِي بِكَذَا، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ مِثْلَهُ مِنَ الْعُقُودِ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَهَابًا إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحَةٌ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْمُسَاقَاةِ الْقَبُولُ قَطْعًا، وَلَا يَجِيءُ فِيهَا الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِرَاضِ وَالْوَكَالَةِ، لِلُزُومِهِمَا.
فَرْعٌ
لَوْ عَقَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، فَقَالَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَتَعَهَّدَ نَخِيلِي بِكَذَا مِنْ ثِمَارِهَا، أَوْ عَقَدَا الْإِجَارَةَ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَوَجْهَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الصِّحَّةُ، لِمَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ مِنَ الْمُشَابَهَةِ وَاحْتِمَالِ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنَى الْآخَرِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ لَفْظَ الْإِجَارَةِ صَرِيحٌ فِي غَيْرِ الْمُسَاقَاةِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ نُفِّذَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ
стр. 1996
إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى؟ وَلَوْ قَالَ: سَاقَيْتُكَ عَلَى هَذِهِ النَّخِيلِ بِكَذَا لِيَكُونَ أُجْرَةً لَكَ، فَلَا بَأْسَ، لَسَبْقِ لَفْظِ الْمُسَاقَاةِ.
هَذَا إِذَا قَصَدَا بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ الْمُسَاقَاةَ، أَمَّا إِذَا قَصَدَا الْإِجَارَةَ نَفْسَهَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ خَرَجَتِ الثَّمَرَةُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ شَرْطَ الْأُجْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الذِّمَّةِ أَوْ مَوْجُودَةً مَعْلُومَةً. وَإِنْ كَانَتْ خَرَجَتْ، وَبَدَا فِيهَا الصَّلَاحُ، جَازَ، سَوَاءٌ شَرَطَ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ جُزْءًا شَائِعًا، كَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَكِنْ يَجِيءُ فِيهِ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسْأَلَةِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ وَأَخَوَاتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَبْدُ فِيهَا الصَّلَاحُ، فَإِنْ شَرَطَ لَهُ ثَمَرَةَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِهَا، جَازَ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ كُلَّ الثِّمَارِ لِلْعَامِلِ. وَإِنْ شَرَطَ جُزْءًا شَائِعًا، لَمْ يَجُزْ وَإِنْ شَرَطَ الْقَطْعَ، لِمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَإِذَا عَقَدَا بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلِ الْأَعْمَالِ، بَلْ يُحْمَلُ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عَلَى عُرْفِهَا الْغَالِبِ. وَقِيلَ: يَجِبُ تَفْصِيلُهَا. وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا عَلِمَ الْمُتَعَاقِدَانِ الْعُرْفَ الْمَحْمُولَ عَلَيْهِ. فَإِنْ جَهِلَهُ أَحَدُهُمَا وَجَبَ التَّفْصِيلُ قَطْعًا.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْمُسَاقَاةِ
وَيَجْمَعُهَا حُكْمَانِ. أَحَدُهُمَا: مَا يَلْزَمُ الْعَامِلَ وَالْمَالِكَ. وَالثَّانِي: فِي لُزُومِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكُلُّ عَمَلٍ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الثِّمَارُ لِزِيَادَتِهَا، أَوْ صَلَاحٍ، وَيَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ. وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا التَّكْرَارَ، لِأَنَّ مَا يَتَكَرَّرُ يَبْقَى أَثَرُهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْمُسَاقَاةِ، وَتَكْلِيفُ الْعَامِلِ مِثْلَ هَذَا، إِجْحَافٌ بِهِ. فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ السَّقْيُ، وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ إِصْلَاحِ طَرِيقِ الْمَاءِ وَالْأَجَاجِينِ الَّتِي يَقِفُ فِيهَا الْمَاءُ، وَتَنْقِيَةِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ مِنَ الْحَمْأَةِ وَنَحْوِهَا. وَإِدَارَةِ الدُّولَابِ وَفَتْحِ رَأْسِ السَّاقِيَةِ، وَسَدِّهَا عِنْدَ السَّقْيِ، عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ.
стр. 1997
وَفِي تَنْقِيَةِ النَّهْرِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَوَجْهٌ: أَنَّهَا عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ مِنْهُمَا. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهَا، فَسَدَ الْعَقْدُ.
وَمِنْهُ: تَقْلِيبُ الْأَرْضِ بِالْمَسَاحِي وَكِرَابُهَا فِي الْمُزَارَعَةِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَذَا تَقْوِيَتُهَا بِالزِّبْلِ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ.
وَمِنْهُ: التَّلْقِيحُ، ثُمَّ الطَّلْعُ الَّذِي يُلَقَّحُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ، لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالٍ، وَإِنَّمَا يُكَلَّفُ الْعَامِلُ الْعَمَلَ.
وَمِنْهَا: تَنْحِيَةُ الْحَشِيشِ الْمُضِرِّ وَالْقُضْبَانِ الْمُضِرَّةِ بِالشَّجَرِ.
وَمِنْهُ: تَصْرِيفُ الْجَرِيدِ. - وَالْجَرِيدُ: سَعَفُ النَّخْلِ -. وَحَاصِلُ مَا قَالُوهُ فِي تَفْسِيرِهِ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: قَطْعُ مَا يَضُرُّ تَرْكُهُ يَابِسًا وَغَيْرَ يَابِسٍ. وَالثَّانِي: رَدُّهَا عَنْ وُجُوهِ الْعَنَاقِيدِ بَيْنَهَا لِتُصِيبَهَا الشَّمْسُ، وَلِيَتَيَسَّرَ قَطْعُهَا عِنْدَ الْإِدْرَاكِ.
وَمِنْهُ: تَعْرِيشُ شَجَرِ الْعِنَبِ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَوَضْعُ الْحَشِيشِ فَوْقَ الْعَنَاقِيدِ صَوْنًا عَنِ الشَّمْسِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَفِي حِفْظِ الثِّمَارِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى الْعَامِلِ كَحِفْظِ مَالِ الْقِرَاضِ. فَإِنْ لَمْ يُحْفَظْ بِنَفْسِهِ، فَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ مَنْ يَحْفَظُهُ. وَالثَّانِي: عَلَى الْعَامِلِ وَالْمَالِكِ جَمِيعًا بِحَسَبِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الثِّمَارِ، لِأَنَّ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِزِيَادَةِ الثَّمَرِ وَتَنْمِيَتِهِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي حِفْظِ الثَّمَرِ عَنِ الطُّيُورِ وَالزَّنَابِيرِ، بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ عُنْقُودٍ فِي قَوْصَرَّةٍ، فَيَلْزَمُ ذَلِكَ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ [بِهِ] وَهَذِهِ الْقَوْصَرَّةُ عَلَى الْمَالِكِ، وَيَلْزَمُ الْعَامِلَ جِدَادُ الثَّمَرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّهُ مِنَ الصَّلَاحِ.
وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ. وَيَلْزَمُهُ تَجْفِيفُ الثِّمَارِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذَا طُرِدَتِ الْعَادَةُ، أَوْ شَرْطَاهُ. وَإِذَا وَجَبَ التَّجْفِيفُ، وَجَبَ تَهْيِئَةُ مَوْضِعِهِ وَتَسْوِيَتُهُ، وَيُسَمَّى: الْبَيْدَرَ وَالْجَرِينَ، وَنَقْلُ الثِّمَارِ إِلَيْهِ، وَتَقْلِيبُهَا فِي الشَّمْسِ.
وَأَمَّا مَا لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ وَيُقْصَدُ بِهِ حِفْظُ الْأُصُولِ، فَهُوَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمَالِكِ، وَذَلِكَ كَحَفْرِ الْآبَارِ وَالْأَنْهَارِ الْجَدِيدَةِ، وَالَّتِي انْهَارَتْ، وَبِنَاءِ الْحِيطَانِ، وَنَصْبِ
стр. 1998
الْأَبْوَابِ وَالدُّولَابِ وَنَحْوِهَا. وَفِي رَدْمِ الثُّلَمِ الْيَسِيرَةِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الْجُدْرَانِ، وَوَضْعِ الشَّوْكِ عَلَى رَأْسِ الْجِدَارِ، وَجْهَانِ كَتَنْقِيَةِ الْأَنْهَارِ. وَالْأَصَحُّ: اتِّبَاعُ الْعُرْفِ. وَأَمَّا الْآلَاتُ الَّتِي يَتَوَفَّرُ بِهَا الْعَمَلُ، كَالْفَأْسِ، وَالْمِعْوَلِ، وَالْمِسْحَاةِ، وَالثِّيرَانِ، وَالْفَدَّانِ فِي الْمَزْرَعَةِ، وَالثَّوْرِ الَّذِي يُدِيرُ الدُّولَابَ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. وَقِيلَ: هِيَ عَلَى مَنْ شُرِطَتْ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ السُّكُوتُ عَنْهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَأَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ.
وَخَرَاجُ الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا، وَكَذَا كُلُّ عَيْنٍ تَتْلَفُ فِي الْعَمَلِ، فَعَلَى الْمَالِكِ قَطْعًا. ثُمَّ كُلُّ مَا وَجَبَ عَلَى الْعَامِلِ، فَلَهُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ عَلَيْهِ، وَيَجِيءُ فِيهِ وَجْهٌ. وَلَوْ شَرَطَ عَلَى الْمَالِكِ فِي الْعَقْدِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَكَذَا مَا عَلَى الْمَالِكِ لَوْ شَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ، بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَوْ فَعَلَهُ الْعَامِلُ بِلَا إِذْنٍ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِنْ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الصَّحِيحِ، فِي أَنَّ تَفْصِيلَ الْأَعْمَالِ لَا يَجِبُ فِي الْعَقْدِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَالْمُتَّبَعُ الشَّرْطُ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُغَيِّرًا مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: الْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ، وَيَمْلِكُ الْعَامِلُ حِصَّتَهُ مِنَ الثَّمَرَةِ بِالظُّهُورِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْقِرَاضِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ: أَنَّ الرِّبْحَ فِي الْقِرَاضِ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ، بِخِلَافِ الثَّمَرِ.
فَرْعٌ
إِذَا هَرَبَ الْعَامِلُ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، نُظِرَ، إِنْ تَبَرَّعَ الْمَالِكُ بِالْعَمَلِ، أَوْ بِمُؤْنَةِ مَنْ يَعْمَلُ، بَقِيَ اسْتِحْقَاقُ الْعَامِلِ بِحَالِهِ، وَإِلَّا رَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَأَثْبَتَ عِنْدَهُ الْمُسَاقَاةَ لِيَطْلُبَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ وَجَدَهُ، أَجْبَرَهُ عَلَى الْعَمَلِ، وَإِلَّا اسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَعْمَلُ. وَمِنْ أَيْنَ يَسْتَأْجِرُ؟ يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ لِلْعَامِلِ مَالٌ، فَمِنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ،
стр. 1999
بَاعَ نَصِيبَ الْعَامِلِ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لِلْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَاسْتَأْجَرَ بِثَمَنِهِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، إِمَّا قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ أَوْ بَعْدَهُ، اسْتَقْرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَاسْتَأْجَرَ بِهِ، ثُمَّ يَقْضِيهِ الْعَامِلُ إِذَا رَجَعَ، أَوْ يُقْضَى مِنْ نَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، أَوِ الْإِدْرَاكِ.
وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ بِأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، اسْتَغْنَى عَنِ الِاقْتِرَاضِ. وَإِنْ فَعَلَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ لِيَرْجِعَ، يُنْظَرُ، إِنْ قَدَرَ عَلَى مُرَاجَعَةِ الْحَاكِمِ، أَوْ لَمْ يَقْدِرْ وَقَدَرَ عَلَى الْإِشْهَادِ فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَرْجِعْ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْإِشْهَادُ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا يَرْجِعُ، لِأَنَّهُ عُذْرٌ نَادِرٌ.
وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَرْجِعُ وَإِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْإِشْهَادِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَإِنْ أَشْهَدْ، رَجَعَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِلضَّرُورَةِ. وَقِيلَ: لَا، لِئَلَّا يَصِيرَ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ.
ثُمَّ الْإِشْهَادُ الْمُعْتَبَرُ، أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ، وَأَنَّهُ بَذَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ. فَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَى الْعَمَلِ أَوِ الِاسْتِئْجَارِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلرُّجُوعِ، فَهُوَ كَتَرْكِ الْإِشْهَادِ، قَالَهُ فِي «الشَّامِلِ» . وَإِذَا أَنْفَقَ الْمَالِكُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ لِيَرْجِعَ، فَوَجْهَانِ. وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ. فَطَرِيقُهُ: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَالَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَأْمُرَ غَيْرَهُ بِالْإِنْفَاقِ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِبَاقِي الْعَمَلِ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ أَجَّرَ دَارَهُ، ثُمَّ اسْتَأْجَرَهَا مِنَ الْمُسْتَأْجِرِ. وَمَتَى تَعَذَّرَ إِتْمَامُ الْعَمَلِ بِالِاسْتِقْرَاضِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الثَّمَرَةُ خَرَجَتْ، فَلِلْمَالِكِ فَسْخُ الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِلتَّعَذُّرِ وَالضَّرُورَةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَا يَفْسَخُ، لَكِنْ يَطْلُبُ الْحَاكِمُ مَنْ يُسَاقِي عَنِ الْعَامِلِ، فَرُبَّمَا فَضَلَ لَهُ شَيْءٌ.
وَإِنْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ قَدْ خَرَجَتْ، فَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ بَدَا صَلَاحُهَا، بِيعَ نَصِيبُ الْعَامِلِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ بِقَدْرِ مَا يُسْتَأْجَرُ بِهِ عَامِلٌ. وَإِنْ لَمْ يَبْدُ، تَعَذَّرَ [بِيعَ] نَصِيبُهُ وَحْدَهُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْقَطْعِ فِي الْمَشَاعِ لَا يَكْفِي. فَإِمَّا أَنْ يَبِيعَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ مَعَهُ لِيَشْرُطَ الْقَطْعَ فِي الْجَمِيعِ، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَ الْمَالِكُ نَصِيبَهُ، فَيَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ
стр. 2000
فِي أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ يَكْفِي عَنِ اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ.
فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحَا. وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : يُفْسَخُ، وَتَكُونُ الثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَكَادُ يُفْرَضُ لِلْفَسْخِ بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَائِدَةٌ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى ثُبُوتِ الْفَسْخِ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ فَرْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: إِذَا فُسِخَ، غَرِمَ الْمَالِكُ لِلْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا عَمِلَ، وَلَا يُقَالُ بِتَوْزِيعِ الثِّمَارِ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِ جَمِيعِ الْعَمَلِ، إِذِ الثِّمَارُ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْعَقْدِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الْعَقْدُ التَّوْزِيعَ فِيهَا.
الثَّانِي: جَاءَ أَجْنَبِيٌّ وَقَالَ: لَا تَفْسَخْ لِأَعْمَلَ نِيَابَةً عَنِ الْعَامِلِ، لَمْ يَلْزَمِ الْإِجَابَةَ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَأْتَمِنُهُ وَلَا يَرْضَى بِدُخُولِهِ مِلْكَهُ. لَكِنْ لَوْ عَمِلَ نِيَابَةً بِغَيْرِ عِلْمِ الْمَالِكِ، وَحَصَلَتِ الثِّمَارُ، سَلَّمَ لِلْعَامِلِ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَكَانَ الْأَجْنَبِيُّ مُتَبَرِّعًا [عَلَيْهِ] ، هَكَذَا قَالُوهُ.
وَلَوْ قِيلَ: وُجُودُ الْمُتَبَرِّعِ كَوُجُودِ مُقْرِضٍ حَتَّى لَا يَجُوزَ الْفَسْخُ، لَكَانَ قَرِيبًا. وَالْعَجْزُ عَنِ الْعَمَلِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَالْهَرَبِ.
فَصْلٌ
وَلَوْ مَاتَ مَالِكُ الشَّجَرِ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، لَمْ تَنْفَسِخِ الْمُسَاقَاةُ، بَلْ يَسْتَمِرُّ الْعَامِلُ وَيَأْخُذُ نَصِيبَهُ. وَإِنْ مَاتَ الْعَامِلُ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاقَاةُ عَلَى عَيْنِهِ، انْفَسَخَتْ بِمَوْتِهِ كَالْأَجِيرِ [الْمُعَيَّنِ] . وَإِنْ كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا تَنْفَسِخُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْضَى بِيَدِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ: لَا تَنْفَسِخُ كَالْإِجَارَةِ، بَلْ يُنْظَرُ إِنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، تَمَّمَ وَارِثُهُ الْعَمَلَ، بِأَنْ يَسْتَأْجِرَ مَنْ يَعْمَلُ، وَإِلَّا، فَإِنْ أَتَمَّ الْعَمَلَ بِنَفْسِهِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يُتِمُّ، فَعَلَى الْمَالِكِ تَمْكِينُهُ إِنْ كَانَ أَمِينًا مُهْتَدِيًا إِلَى أَعْمَالِ الْمُسَاقَاةِ، وَيُسَلِّمُ لَهُ الْمَشْرُوطَ. وَإِنْ أَبَى، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُجْبَرُ، لِأَنَّهُ خَلِيفَتُهُ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَى الْمُورِثِ مِنْ تَرِكَتِهِ.
لَكِنْ لَوْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنَ الِاسْتِئْجَارِ مِنْهَا،
следующие страницы →