← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الْعَامِلُ فِي الْمُزَارَعَةِ الصَّحِيحَةِ، لَوْ تَرَكَ السَّقْيَ مُتَعَمِّدًا، فَفَسَدَ الزَّرْعُ، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَعَدَّى الْمُسْتَأْجِرُ بِالْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَقَرَّحَ ظَهْرَهَا وَهَلَكَتْ مِنْهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ وَإِنْ كَانَ الْهَلَاكُ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَى الْمَالِكِ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ الثَّالِثِ إِحْدَاهَا: فِي الْمَنْثُورِ لِلْمُزَنِيِّ، أَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، فَخَاطَهُ بَعْضَهُ، وَاحْتَرَقَ الثَّوْبُ، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ لِمَا عَمِلَ. وَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِلَّا فَقِسْطَ الْمُسَمَّى. وَلَوِ اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِ جَرَّةٍ إِلَى مَوْضِعٍ، فَزَلِقَ فِي الطَّرِيقِ فَانْكَسَرَتْ، لَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْخِيَاطَةَ تَظْهَرُ عَلَى الثَّوْبِ، فَوَقَعَ الْعَمَلُ مُسَلَّمًا بِظُهُورِ أَثَرِهِ، وَالْحَمْلَ لَا يَظْهَرُ عَلَى الْجَرَّةِ. الثَّانِيَةُ: أَجَّرَ أَرْضًا فَغَرِقَتْ بِسَيْلٍ أَوْ مَاءٍ نَبَعَ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّعِ الْخَسَارَةَ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَهُوَ كَانْهِدَامِ الدَّارِ. وَإِنْ تَوَقَّعَ، فَلِلْمُسْتَأْجِرِ الْخِيَارُ كَمَا لَوْ غُصِبَتْ. فَإِنْ أَجَازَ، سَقَطَ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا كَانَ الْمَاءُ عَلَيْهَا. وَإِنْ غَرِقَ نِصْفُهَا وَقَدْ مَضَى نِصْفُ الْمُدَّةِ، انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِيهِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ فِي الْبَاقِي، بَلْ لَهُ الْخِيَارُ فِيهِ فِي بَقِيَّةِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ فَسَخَ وَكَانَتْ أُجْرَةُ الْمُدَّةِ لَا تَتَفَاوَتُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى لِلْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ. وَإِنْ أَجَازَ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمُسَمَّى، فَالنِّصْفُ لِلْمَاضِي، وَالرُّبُعُ لِلْبَاقِي. الثَّالِثَةُ: تَعَطُّلُ الرَّحَى لِانْقِطَاعِ الْمَاءِ، وَالْحَمَّامِ لِخَلَلٍ فِي الْأَبْنِيَةِ، أَوْ لِنَقْصِ الْمَاءِ فِي بِئْرِهِ وَنَحْوِهِ، كَانْهِدَامِ الدَّارِ، وَكَذَا لَوِ اسْتَأْجَرَ قَنَاةً فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا. فَلَوْ نَقَصَ،

стр. 2102

ثَبَتَ الْخِيَارُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ. وَلَوِ اسْتَأْجَرَ طَاحُونَتَيْنِ مُتَقَابِلَتَيْنِ، فَنَقَصَ الْمَاءُ، وَبَقِيَ مَاءٌ تَدُورُ بِهِ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ يَفْسَخْ، قَالَ الْعَبَّادِيُّ: تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ أَكْثَرِهِمَا. الرَّابِعَةُ: قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَوْ دَفَعَ غَزْلًا إِلَى نَسَّاجٍ وَاسْتَأْجَرَهُ لِنَسْجِ ثَوْبٍ طُولُهُ عَشَرَةٌ فِي عَرْضٍ مَعْلُومٍ، فَجَاءَ بِالثَّوْبِ وَطُولُهُ أَحَدَ عَشَرَ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، وَإِنْ جَاءَ بِهِ وَطُولُهُ تِسْعَةٌ، فَإِنْ كَانَ طُولُ السَّدَى عَشَرَةً، اسْتَحَقَّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْسِجَ عَشَرَةً لَتَمَكَّنَ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ طُولُهُ تِسْعَةً، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِمُخَالَفَتِهِ. وَلَوْ كَانَ الْغَزْلُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُسْدًى، اسْتَأْجَرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مِنَ اللُّحْمَةِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ [بِهِ] أَطْوَلَ فِي الْعَرْضِ الْمَشْرُوطِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ لِلزِّيَادَةِ شَيْئًا. وَإِنْ جَاءَ بِهِ أَقْصَرَ فِي الْعَرْضِ الْمَشْرُوطِ، اسْتَحَقَّ بِقَدْرِهِ مِنَ الْأُجْرَةِ. وَإِنْ وَافَقَ فِي الطُّولِ، وَخَالَفَ فِي الْعَرْضِ، فَإِنْ كَانَ أَنْقَصَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمُجَاوَزَتِهِ الْقَدْرَ الْمَشْرُوطَ مِنَ الصَّفَاقَةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ لِمُخَالَفَتِهِ. وَإِنْ رَاعَى الْمَشْرُوطَ فِي صِفَةِ الثَّوْبِ رِقَّةً وَصَفَاقَةً، فَلَهُ الْأُجْرَةُ، لِأَنَّ الْخَلَلَ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِنَ السَّدَى. وَإِنْ كَانَ زَائِدًا، فَإِنْ أَخَذَ بِالصَّفَاقَةِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَإِلَّا، اسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ بِتَمَامِهَا، لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا. الْخَامِسَةُ: مَهْمَا ثَبَتَ الْخِيَارُ لِنَقْصٍ، فَأَجَازَ، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ، فَإِنْ كَانَ [ذَلِكَ] السَّبَبُ بِحَيْثُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، بِأَنِ انْقَطَعَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَتَوَقَّعْ عَوْدَهُ، فَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، لِأَنَّهُ عَيْبٌ وَاحِدٌ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ. وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ مَا لَمْ يَزُلْ، لِأَنَّ الضَّرَرَ يَتَجَدَّدُ، كَمَا لَوْ تُرِكَتِ الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، أَوِ الْفَسْخُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِعْسَارِ، فَلَهَا الْعَوْدُ إِلَيْهِ. وَكَذَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ وَأَجَازَ، ثُمَّ أَرَادَ الْفَسْخَ، فَلَهُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَعُدِ الْعَبْدُ.

стр. 2103

فَصْلٌ لَوْ أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ أَنْ يَسْتَبْدِلَ عَنِ الْمَنْفَعَةِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ كَانَتْ إِجَارَةَ عَيْنٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كَمَا لَوْ أَجَّرَ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ لِلْمُؤَجِّرِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ وَإِنْ جَرَى بَعْدَ الْقَبْضِ. فَصْلٌ لَوْ ضَمِنَ رَجُلٌ الْعُهْدَةَ لِلْمُسْتَأْجِرِ، فَفِي «الْفَتَاوَى» أَنَّهُ يَصِحُّ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الِاسْتِحْقَاقِ. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الْإِجَارَةِ، مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا تَوَجَّهَ الْحَبْسُ عَلَى الْأَجِيرِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : إِنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ فِي الْحَبْسِ، جُمِعَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ تَعَذَّرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْعَيْنِ، قُدِّمَ حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ كَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ، وَلِأَنَّ الْعَمَلَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، وَالْحَبْسُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ الْقَاضِي يَسْتَوْثِقُ [عَلَيْهِ مُدَّةَ الْعَمَلِ] إِنْ خَافَ هَرَبَهُ عَلَى مَا يَرَاهُ. وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي الذِّمَّةِ، طُولِبَ بِتَحْصِيلِهِ بِغَيْرِهِ. فَإِنِ امْتَنَعَ، حُبِسَ بِالْحَقَّيْنِ. الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُ الْمُؤَجِّرُ أَنْ يَدْفَعَ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ الْحَرِيقَ وَالنَّهْبَ وَغَيْرَهُمَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ وَرَدُّ الْأُجْرَةِ إِنْ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ. وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ، لَزِمَهُ كَالْمُودَعِ.

стр. 2104

الثَّالِثَةُ: إِذَا وَقَعَتِ الدَّارُ عَلَى مَتَاعِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ، وَلَا أُجْرَةَ تَخْلِيصِهِ. الرَّابِعَةُ: اسْتَأْجَرَهُ لِبِنَاءِ دَرَجَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْهَدَمَتْ فِي الْحَالِ، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْآلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ لِفَسَادِ الْعَمَلِ، وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الْعُرْفِ. فَإِنْ قَالُوا: هَذِهِ الْآلَةُ قَابِلَةٌ لِلْعَمَلِ الْمُحْكَمِ وَهُوَ الْمُقَصِّرُ، لَزِمَهُ غَرَامَةُ مَا تَلِفَ. الْخَامِسَةُ: إِذَا جَعَلَ [غَلَّةً] فِي الْمَسْجِدِ وَأَغْلَقَهُ، لَزِمَهُ أُجْرَتُهُ، لِأَنَّهُ كَمَا يَضْمَنُ الْمَسْجِدَ بِالْإِتْلَافِ يَضْمَنُ مَنْفَعَتَهُ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْخَمْسَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» ، وَتَقْيِيدُهُ فِي الْمَسْجِدِ بِمَا إِذَا أَغْلَقَهُ، لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، بَلْ لَوْ لَمْ يُغْلِقْهُ، يَنْبَغِي أَنْ تَجِبَ الْأُجْرَةُ، لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ. السَّادِسَةُ: اسْتَأْجَرَ بَهِيمَةً إِلَى بَلَدٍ لِحَمْلِ مَتَاعٍ، ثُمَّ أَرَادَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَيْعَهُ وَالرُّجُوعَ، وَطَلَبَ رَدَّ بَعْضِ الْأُجْرَةِ، فَلَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ، بَلْ إِنْ بَاعَهُ، فَلَهُ حَمْلُ مِثْلِهِ إِلَى الْمَقْصِدِ الْمُسَمَّى. السَّابِعَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ لَوْ أَكْرَهَ الْإِمَامُ رَجُلًا عَلَى غُسْلِ مَيِّتٍ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، لَأَنَّ غُسْلَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِذَا فَعَلَهُ بِأَمْرِ الْإِمَامِ، وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ، وَلَوْ أَكْرَهَهُ بَعْضُ الرَّعِيَّةِ، لَزِمَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ أَنَّهُ مِمَّا يُسْتَأْجَرُ عَلَيْهِ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَوَافَقَهُ جَمَاعَةٌ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ، وَلَا فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ. فَإِنْ كَانَ لَهُ تَرِكَةٌ، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِلَّا، فَفِي بَيْتِ الْمَالِ إِنِ اتَّسَعَ، فَيَسْتَحِقَّ الْمُكْرَهُ الْأُجْرَةَ. قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ السِّيَرِ: هَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ إِطْلَاقُهُمْ.

стр. 2105

الثَّامِنَةُ: أَجَّرَتْ نَفْسَهَا لِلْإِرْضَاعِ، هَلْ عَلَيْهَا الْفِطْرُ فِي رَمَضَانَ إِذَا احْتَاجَ الرَّضِيعُ إِلَيْهِ؟ فِيهِ كَلَامٌ سَبَقَ وَاضِحًا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ. التَّاسِعَةُ: اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ الَّذِي بَلَغَ سِنًّا يَعْمَلُ مِثْلُهُ فِيهِ لِيُسْقِطَ نَفَقَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ أُجْرَتِهِ، جَازَ، كَمَا يَشْتَرِي مَالَهُ، ذَكَرَهُ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2106

كِتَابُ الْجَعَالَةِ هِيَ أَنْ يَقُولَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ، أَوْ دَابَّتِي الضَّالَّةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَلَهُ كَذَا، وَهِيَ عَقْدٌ صَحِيحٌ لِلْحَاجَةِ، وَأَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ. أَحَدُهَا: الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الْإِذْنِ فِي الْعَمَلِ بِعِوَضٍ يَلْتَزِمُهُ، فَلَوْ رَدَّ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّادُّ مَعْرُوفًا بِرَدِّ الضَّوَالِّ، أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ لِزَيْدٍ: رُدَّ آبِقِي وَلَكَ دِينَارٌ، فَرَدَّهُ عَمْرٌو، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرُطْ لَهُ. وَلَوْ رَدَّهُ عَبْدُ زَيْدٍ، اسْتَحَقَّ زَيْدٌ لِأَنَّ يَدَ عَبْدِهِ يَدُهُ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ نِدَاؤُهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ. فَإِنَ قَصَدَ التَّعَوُّضَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ لَا يُحْبَطُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا أَثَرَ لِاعْتِقَادِهِ. وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، تَرَدَّدَ فِيهِ. وَلَوْ عَيَّنَ رَجُلًا فَقَالَ: إِنْ رَدَّهُ زَيْدٌ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهُ زَيْدٌ غَيْرَ عَالِمٍ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. وَلَوْ أَذِنَ فِي الرَّدِّ وَلَمْ يَشْرُطْ عِوَضًا، فَلَا شَيْءَ لِلرَّادِّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَظَاهِرِ النَّصِّ، وَفِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنْ قَالَ: اغْسِلْ ثَوْبِي وَلَمْ يُسَمِّ عِوَضًا. فَصْلٌ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُلْتَزِمُ مَنْ يَقَعُ الْعَمَلُ فِي مِلْكِهِ. فَلَوْ قَالَ غَيْرُ الْمَالِكِ: مَنْ رَدَّ عَبْدَ فُلَانٍ فَلَهُ كَذَا، اسْتَحَقَّهُ الرَّادُّ عَلَى الْقَائِلِ. وَلَوْ قَالَ فُضُولِيٌّ: قَالَ فُلَانٌ مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ كَذَا، لَمْ يَسْتَحِقَّ الرَّادُّ عَلَى الْفُضُولِيِّ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ. وَأَمَّا

стр. 2107

الْمَالِكُ، فَإِنْ كَذَبَ الْفُضُولِيُّ عَلَيْهِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ صَدَقَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ. وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُخْبِرُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَدَّ غَيْرَ عَالِمٍ بِإِذْنِهِ. قُلْتُ: لَوْ شَهِدَ الْفُضُولِيُّ عَلَى الْمَالِكِ بِإِذْنِهِ، قَالَ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي تَرْوِيجِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْبَيَانِ: مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ قَبُولُهَا، فَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ سَوَاءٌ فِي صِيغَةِ الْمَالِكِ قَوْلُهُ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي، وَقَوْلُهُ: إِنْ رَدَّهُ إِنْسَانٌ، أَوْ إِنْ رَدَدْتَهُ، أَوْ رَدَّهُ وَلَكَ كَذَا. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُتَعَامِلَانِ. فَأَمَّا مُلْتَزِمُ الْجَعْلِ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ. وَأَمَّا الْعَامِلُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَخْصًا مُعَيَّنًا، وَجَمَاعَةً، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مُعَيَّنًا وَلَا مُعَيَّنِينَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الرُّكْنِ الْأَوَّلِ. ثُمَّ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَامِلُ مُعَيَّنًا، فَلَا يُتَصَوَّرُ قَبُولُ الْعَقْدِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُشْتَرَطْ قَبُولُهُ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَالْوَكِيلِ فِي الْقَبُولِ، وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ التَّعْيِينِ أَهْلِيَّةُ الْعَمَلِ فِي الْعَامِلِ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْعَمَلُ، فَمَا لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ لِكَوْنِهِ مَجْهُولًا، تَجُوزُ الْجَعَالَةُ عَلَيْهِ لِلْحَاجَةِ، وَمَا جَازَتِ الْإِجَارَةُ عَلَيْهِ، جَازَتِ الْجَعَالَةُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا، لِلِاسْتِغْنَاءِ بِالْإِجَارَةِ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ مَالِي فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّهُ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي رَدِّهِ كُلْفَةٌ كَالْآبِقِ، اسْتَحَقَّ الْجَعْلَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، كَالدَّرَاهِمِ

стр. 2108

وَالدَّنَانِيرِ، فَلَا، لِأَنَّ مَا لَا كُلْفَةَ فِيهِ لَا يُقَابَلُ بِالْعِوَضِ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى مَالِي فَلَهُ كَذَا، فَدَلَّهُ مَنِ الْمَالُ فِي يَدِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، فَلَا يَأْخُذُ عَلَيْهِ عِوَضًا. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ، اسْتَحَقَّ، لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَلْحَقُهُ مَشَقَّةٌ بِالْبَحْثِ عَنْهُ. وَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَمَلِ لِجَوَازِ الْإِجَارَةِ، يُعْتَبَرُ فِي الْجَعَالَةِ، سِوَى كَوْنِهِ مَعْلُومًا. قُلْتُ: فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا، فَأَخْبَرَهُ بِهِ إِنْسَانٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى عَمَلٍ، كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْجَعْلُ الْمَشْرُوطُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَالْأُجْرَةِ، لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إِلَى جَهَالَتِهِ. فَإِنْ شَرَطَ مَجْهُولًا، بِأَنْ قَالَ: مَنْ رَدَّ آبِقِي فَلَهُ ثَوْبٌ أَوْ دَابَّةٌ، أَوْ إِنْ رَدَدْتَهُ فَعَلَيَّ أَنْ أُرْضِيَكَ أَوْ أُعْطِيَكَ شَيْئًا، فَسَدَ الْعَقْدُ. وَإِذَا رَدَّ، اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَكَذَا لَوْ جُعِلَ الْجَعْلُ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا. وَلَوْ جُعِلَ الْجَعْلُ ثَوْبًا مَغْصُوبًا، قَالَ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا لَوْ جُعِلَ الْمَغْصُوبُ صَدَاقًا، فَيَرْجِعَ فِي قَوْلٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ بِقِيمَةِ الْمُسَمَّى. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ الْقَطْعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ سَلْبُهُ أَوْ ثِيَابُهُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةً، أَوْ وَصَفَهَا بِمَا يُفِيدُ الْعِلْمَ، اسْتَحَقَّ الرَّادُّ الْمَشْرُوطَ، وَإِلَّا، فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَلَوْ قَالَ: فَلَهُ نِصْفُهُ أَوْ رُبْعُهُ، فَقَدْ صَحَّحَهُ الْمُتَوَلِّي، وَمَنَعَهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ. فَصْلٌ لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدِي مِنْ بَلَدِ كَذَا فَلَهُ دِينَارٌ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْجَعَالَةِ فِي الْعَمَلِ الْمَعْلُومِ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهَا، فَمَنْ رَدَّهُ مِنْ نِصْفِ الطَّرِيقِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ

стр. 2109

الْجَعْلِ، وَمَنْ رَدَّهُ مِنْ ثُلْثِهِ، اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ. وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ زِيَادَةً. وَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ لِي عَبْدَيْنِ فَلَهُ كَذَا، فَرَدَّ أَحَدَهُمَا، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجَعْلِ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ رَدَدْتُمَا عَبْدَيَّ فَلَكُمَا كَذَا، فَرَدَّهُ أَحَدُهُمَا، اسْتَحَقَّ النِّصْفَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ قَالَ: إِنْ رَدَدْتُمَا لِي عَبْدَيْنِ، فَرَدَّ أَحَدُهُمَا أَحَدَهُمَا، اسْتَحَقَّ الرُّبْعَ. فَصْلٌ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَاشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ، فَالدِّينَارُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ. وَلَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: إِنْ رَدَدْتُمُوهُ، فَرَدُّوهُ، فَكَذَلِكَ، وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى الرُّءُوسِ. وَلَوْ قَالَ لِزَيْدٍ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ دِينَارٌ، فَرَدَّهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَلَا شَيْءَ لِذَلِكَ الْغَيْرِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ لَهُ. وَأَمَّا زَيْدٌ، فَإِنْ قَصَدَ الْغَيْرُ مُعَاوَنَتَهُ إِمَّا بِعِوَضٍ وَإِمَّا مَجَّانًا، فَلَهُ تَمَامُ الْجَعْلِ، وَلَا شَيْءَ لِلْغَيْرِ عَلَى زَيْدٍ، إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهُ أُجْرَةً وَيَسْتَعِينَ بِهِ. وَإِنْ قَالَ: عَمِلْتُ لِلْمَالِكِ، لَمْ يَكُنْ لِزَيْدٍ جَمِيعُ الدِّينَارِ، بَلْ لَهُ نِصْفُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَرَأَى الْإِمَامُ التَّوْزِيعَ عَلَى الْعَمَلِ أَرْجَحَ. وَلَوْ شَارَكَهُ اثْنَانِ فِي الرَّدِّ، فَإِنْ قَصَدَا إِعَانَةَ زَيْدٍ، فَلَهُ تَمَامُ الْجَعْلِ، وَإِنْ قَصَدَا الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ، فَلَهُ ثُلْثُهُ. وَإِنْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا إِعَانَتَهُ، وَالْآخَرُ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ، فَلَهُ الثُّلْثَانِ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ لِلْعَامِلِ الْمُعَيَّنِ أَنْ يُوَكِّلَ بِالرَّدِّ غَيْرَهُ كَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ؟ وَهَلْ إِذَا كَانَ النِّدَاءُ عَامًّا يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ مَنْ سَمِعَهُ غَيْرَهُ فِي الرَّدِّ؟ قُلْنَا: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ كَتَوْكِيلِ الْوَكِيلِ، وَالثَّانِي كَالتَّوْكِيلِ بِالِاحْتِطَابِ وَالِاسْتِقَاءِ.

стр. 2110

قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَرُدُّ آبِقِي فَلَهُ دِينَارٌ، فَرَدَّهُ اثْنَانِ، اسْتَحَقَّا الدِّينَارَ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ الطَّرَفِ الثَّالِثِ مِنَ الْبَابِ السَّادِسِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ قَالَ لِرَجُلٍ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ كَذَا، وَلِآخَرَ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ كَذَا، وَلِثَالِثٍ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ كَذَا، فَاشْتَرَكُوا فِي الرَّدِّ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلْثُ مَا جَعَلَ لَهُ، اتَّفَقَتِ الْأَجْعَالُ أَمِ اخْتَلَفَتْ. قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: هَذَا إِذَا عَمِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ لِنَفْسِهِ. أَمَّا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَعَنْتُ صَاحِبَيَّ عَمِلْتُ لَهُمَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا شَرَطَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ اثْنَانِ: عَمِلْنَا لِصَاحِبِنَا، فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَلَهُ جَمِيعُ الْمَشْرُوطِ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁: لِكُلِّ وَاحِدٍ الثُّلُثُ، تَصْرِيحٌ بِالتَّوْزِيعِ عَلَى الرُّءُوسِ، فَلَوْ رَدَّهُ اثْنَانِ مِنْهُمْ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا نِصْفُ الْمَشْرُوطِ [لَهُ] ، وَإِنْ أَعَانَ الثَّلَاثَةَ رَابِعٌ فِي الرَّدِّ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. ثُمَّ إِنْ قَالَ: قَصَدْتُ الْعَمَلَ لِلْمَالِكِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ رُبْعُ الْمَشْرُوطِ لَهُ. وَإِنْ قَالَ: أَعَنْتُهُمْ جَمِيعًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثُلُثُ الْمَشْرُوطِ [لَهُ] كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ. وَإِنْ قَالَ: أَعَنْتُ فُلَانًا، فَلَهُ نِصْفُ الْمَشْرُوطِ لَهُ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِينَ رُبْعُ الْمَشْرُوطِ لَهُ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ لَوْ قَالَ: أَعَنْتُ فُلَانًا وَفُلَانًا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبْعُ الْمَشْرُوطِ لَهُ وَثَمَنُهُ، وَلِلثَّالِثِ رُبْعُ الْمَشْرُوطِ لَهُ. وَلَوْ قَالَ لِوَاحِدٍ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ دِينَارٌ، وَقَالَ لِآخَرَ: إِنْ رَدَدْتَهُ فَلَكَ ثَوْبٌ، فَرَدَّاهُ، فَلِلْأَوَّلِ نِصْفُ دِينَارٍ، وَلِلثَّانِي نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.

стр. 2111

قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْمُعِينُ لِلثَّلَاثَةِ مَثَلًا فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: أَرَدْتُ أَنْ آخُذَ الْجَعْلَ مِنَ الْمَالِكِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنَ الثَّلَاثَةِ رُبْعُ الْمَشْرُوطِ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْجَعَالَةِ فَمِنْهَا: الْجَوَازُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ فَسْخُهَا قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَأَمَّا بَعْدَ تَمَامِ الْعَمَلِ، فَلَا أَثَرَ لِلْفَسْخِ، لِأَنَّ الدِّينَ لَزِمَ. ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَ الْفَسْخُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَإِنْ فَسَخَ الْعَامِلُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّهُ امْتَنَعَ بِاخْتِيَارِهِ وَلَمْ يَحْصُلْ غَرَضُ الْمَالِكِ. وَإِنْ فَسَخَ الْمَالِكُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ كَمَا لَوْ فَسَخَ بِنَفْسِهِ. وَالصَّحِيحُ، أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ لِمَا عَمِلَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ حَتَّى يَضْمَنَ لِلْعَامِلِ أُجْرَةَ مِثْلِ مَا عَمِلَ. وَلَوْ عَمِلَ الْعَامِلُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَسْخِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا إِنْ عَلِمَ بِالْفَسْخِ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي نُفُوذِ عَزْلِ الْوَكِيلِ فِي غَيْبَتِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ. فَرْعٌ تَنْفَسِخُ الْجَعَالَةُ بِالْمَوْتِ، وَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ لِمَا عَمِلَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَالِكِ. فَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْمَسَافَةِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَالِكُ فَرَدَّهُ إِلَى وَارِثِهِ، اسْتَحَقَّ مِنَ الْمُسَمَّى بِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي الْحَيَاةِ. فَرْعٌ وَمِنْ أَحْكَامِهَا: جَوَازُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فِي الْجَعْلِ، وَتَغَيُّرِ جِنْسِهِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي

стр. 2112

الْعَمَلِ. فَلَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي، فَلَهُ عَشَرَةٌ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ رَدَّهُ فَلَهُ خَمْسَةٌ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَالِاعْتِبَارُ بِالنِّدَاءِ الْأَخِيرِ. وَالْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الرَّادُّ، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَسْمَعِ الرَّادُّ النِّدَاءَ الْأَخِيرَ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ، فَفِي كَلَامِ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرِهِ تَقْيِيدُ جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِمَا قَبْلَ الْعَمَلِ، وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ قَبْلَ الْفَرَاغِ. فَالظَّاهِرُ، أَنَّهُ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ يُؤَثِّرُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، لِأَنَّ النِّدَاءَ الْأَخِيرَ فَسْخٌ لِلْأَوَّلِ، وَالْفَسْخُ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ يَقْتَضِي أُجْرَةَ الْمِثْلِ. فَرْعٌ وَمِنْ أَحْكَامِهَا، تَوَقُّفُ اسْتِحْقَاقِ الْجَعْلِ عَلَى تَمَامِ الْجَعْلِ عَلَى تَمَامِ الْعَمَلِ. فَلَوْ سَعَى فِي طَلَبِ الْآبِقِ، فَرَدَّهُ فَمَاتَ فِي بَابِ دَارِ الْمَالِكِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، أَوْ هَرَبَ، أَوْ غُصِبَ، أَوْ تَرَكَهُ الْعَامِلُ فَرَجَعَ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ. قُلْتُ: وَمِنْهُ لَوْ خَاطَ نِصْفَ الثَّوْبِ فَاحْتَرَقَ، أَوْ تَرَكَهُ، أَوْ بَنَى بَعْضَ الْحَائِطِ فَانْهَدَمَ، أَوْ تَرَكَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا رَدَّ الْآبِقَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ حَبْسُهُ لِاسْتِيفَاءِ الْجَعْلِ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَا حَبْسَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ. فَرْعٌ قَالَ: إِنْ عَلَّمْتَ هَذَا الصَّبِيَّ، أَوْ إِنْ عَلَّمْتَنِي الْقُرْآنَ، فَلَكَ كَذَا، فَعَلَّمَهُ الْبَعْضَ،

стр. 2113

وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْلِيمِ الْبَاقِي، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الصَّبِيُّ بَلِيدًا لَا يَتَعَلَّمُ، لِأَنَّهُ كَمَنْ طَلَبَ الْعَبْدَ فَلَمْ يَجِدْهُ. وَلَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيمِ، [اسْتَحَقَّ أُجْرَةَ مَا عَلَّمَهُ، لِوُقُوعِهِ مُسَلَّمًا بِالتَّعْلِيمِ، بِخِلَافِ رَدِّ الْآبِقِ، وَإِنْ مَنَعَهُ أَبُوهُ مِنَ التَّعَلُّمِ] فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا عَلَّمَهُ. فَصْلٌ إِذَا جَاءَ بِآبِقٍ وَطَلَبَ الْجَعْلَ، فَقَالَ الْمَالِكُ: مَا شَرَطْتُ جَعْلًا، أَوْ شَرَطْتُهُ عَلَى عَبْدٍ آخَرَ، أَوْ مَا سَعَيْتَ فِي رَدِّهِ بَلْ هُوَ جَاءَ بِنَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ وَبَرَاءَتُهُ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَشْرُوطِ، تَحَالَفَا، وَلِلْعَامِلِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: شَرَطْتُهُ عَلَى رَدِّ عَبْدَيْنِ، فَقَالَ الرَّادُّ: بَلِ الَّذِي رَدَدْتُهُ فَقَطْ. فَرْعٌ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي إِلَى شَهْرٍ، فَلَهُ كَذَا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ، فَرُبَّمَا لَا يَجِدُهُ فِيهَا فَيَضِيعُ عَمَلُهُ وَلَا يَحْصُلُ غَرَضُ الْمَالِكِ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ مُدَّةِ الْقِرَاضِ. فَرْعٌ قَالَ: بِعْ عَبْدِي هَذَا، أَوِ اعْمَلْ كَذَا، وَلَكَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، فَفِي بَعْضِ التَّصَانِيفِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُضْبَطًا مُقَدَّرًا، فَهُوَ إِجَارَةٌ. وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ، أَوْ كَانَ غَيْرَ مَضْبُوطٍ، فَهُوَ جَعَالَةٌ.

стр. 2114

فَرْعٌ لَمْ أَجِدْهُ مَسْطُورًا يَدُ الْعَامِلِ عَلَى مَا يَقَعُ فِي يَدِهِ إِلَى أَنْ يَرُدَّهُ يَدُ أَمَانَةٍ. فَلَوْ رَفَعَ يَدَهُ عَنِ الدَّابَّةِ وَخَلَّاهَا فِي مَضْيَعَةٍ، فَهُوَ تَقْصِيرٌ مُضَمِّنٌ، وَنَفَقَةُ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ مُدَّةُ الرَّدِّ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي مُسْتَأْجِرِ الْجِمَالِ إِذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ وَخَلَّاهَا عِنْدَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: ذَاكَ لِلضَّرُورَةِ، وَهُنَا أَثْبَتَ الْعَامِلُ يَدَهُ مُخْتَارًا، فَلْيَتَكَلَّفِ الْمُؤْنَةَ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْعَادَةُ. قُلْتُ: عَجَبٌ قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي نَفَقَةِ الْمَرْدُودِ: لَا أَعْلَمُهُ مَسْطُورًا، وَأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ، وَهَذَا قَدْ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ فِي كِتَابِهِ «التَّجْرِيدِ» وَهُوَ كَثِيرُ النَّقْلِ عَنْهُ، فَقَالَ: إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ الرَّادُّ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ عِنْدَنَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ، ظَاهِرٌ جَارٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ: وَخَلَّاهَا فِي مَضْيَعَةٍ، لَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْيِيدِ بِالْمَضْيَعَةِ، فَحَيْثُ خَلَّاهَا، يَضْمَنُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ قَالَ: إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِخُرُوجِ زِيدٍ مِنَ الْبَلَدِ، فَلَكَ كَذَا، فَأَخْبَرَهُ، فَفِي «فَتَاوَى الْقَفَّالِ» : أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ غَرَضٌ فِي خُرُوجِهِ، اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا، وَهَذَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ صَادِقًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْظَرَ، هَلْ يَنَالُهُ تَعَبٌ، أَمْ لَا؟ قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ، وَتَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَجُلَانِ فِي بَادِيَةٍ وَنَحْوِهَا، فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا، وَعَجَزَ عَنِ السَّيْرِ، لَزِمَ

стр. 2115

الْآخَرَ الْمُقَامُ مَعَهُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَهُ تَرْكُهُ. وَإِذَا أَقَامَ، فَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَإِذَا مَاتَ، أَخَذَ هَذَا الرَّجُلُ مَالَهُ وَأَوْصَلَهُ إِلَى وَرَثَتِهِ، وَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا، قَالَ الْقَاضِيَ: وَكَذَا لَوْ غُشِيَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَّا وُجُوبُ أَخْذِ هَذَا الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ أَمِينًا، فَفِيهِ قَوْلَانِ كَاللُّقَطَةِ. وَعِنْدِي، أَنَّ الْمَذْهَبَ هُنَا الْوُجُوبُ. وَمِنْهَا: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، قَالَ: إِذَا وَجَدْنَا عَبِيدًا أَبَقُوا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْبِسُهُمُ انْتِظَارًا لِصَاحِبِهِمْ. فَإِنْ لَمْ يَجِئْ لَهُمْ صَاحِبٌ، بَاعَهُمُ الْحَاكِمُ وَحَفَظَ ثَمَنَهُمْ. فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُمْ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ الثَّمَنِ. وَإِذَا سَرَقَ الْآبِقُ، قُطِعَ كَغَيْرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2116

كِتَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِحْيَاءُ الْمَوَاتِ مُسْتَحَبٌّ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ. [الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي رِقَابِ الْأَرَضِينَ، وَهِيَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: أَرْضُ الْإِسْلَامِ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ لَا تَكُونَ مَعْمُورَةً فِي الْحَالِ، وَلَا مِنْ قَبْلُ، فَيَجُوزُ تَمَلُّكُهَا بِالْإِحْيَاءِ، سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ، أَمْ لَا، وَيَكْفِي فِيهِ إِذْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ، وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ. فَلَوْ أَحْيَاهَا الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، لَمْ يُمَلَّكْ قَطْعًا، وَلَوْ أَحْيَا بِإِذْنِهِ، لَمْ يُمَلَّكْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ: يُمَلَّكُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَكَانَ لَهُ فِيهَا عَيْنُ مَالٍ، نَقَلَهَا. فَإِنْ بَقِيَ بَعْدَ النَّقْلِ أَثَرُ عِمَارَةٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: إِنْ أَحْيَاهُ رَجُلٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، مَلَّكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَوَجْهَانِ. قُلْتُ: لَعَلَّ أَصَحَّهُمَا: الْمِلْكُ، إِذْ لَا أَثَرَ لِفِعْلِ الذِّمِّيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ تَرَكَ الْعِمَارَةَ مُتَبَرِّعًا، تَوَلَّى الْإِمَامُ أَخْذَ غَلَّتِهَا وَصَرْفِهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا. فَرْعٌ لِلذِّمِّيِّ الِاصْطِيَادُ وَالِاحْتِطَابُ وَالِاحْتِشَاشُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْلَفُ،

стр. 2117

وَلَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، وَكَذَا لِلذِّمِّيِّ نَقْلُ التُّرَابِ مِنْ مَوَاتِ دَارِ الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. فَرْعٌ الْمُسْتَأْمَنُ كَالذِّمِّيِّ فِي الْإِحْيَاءِ وَفِي الِاحْتِطَابِ وَنَحْوِهِ، وَالْحَرْبِيُّ مَمْنُوعٌ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مَعْمُورَةً فِي الْحَالِ، فَهِيَ لِمُلَّاكِهَا، وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلْإِحْيَاءِ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَكُونَ مَعْمُورَةً فِي الْحَالِ وَكَانَتْ مَعْمُورَةً قَبْلُ، فَإِنْ عُرِفَ مَالِكُهَا، فَهِيَ لَهُ أَوْ لِوَارِثِهِ، وَلَا تُملَّك بِالْعِمَارَةِ. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ عِمَارَةً إِسْلَامِيَّةً، فَهِيَ لِمُسْلِمٍ أَوْ لِذِمِّيٍّ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْأَمْوَالِ الضَّائِعَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْأَمْرُ فِيهِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. فَإِنْ رَأَى حِفْظَهُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهُ، فُعِلَ، وَإِنْ رَأَى بَيْعَهُ وَحِفْظَ ثَمَنِهِ، فُعِلَ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَرِيبًا. وَإِنْ كَانَتْ عِمَارَةً جَاهِلِيَّةً، فَقَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا تُملَّك بِالْإِحْيَاءِ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوَاتٍ. وَأَظْهَرُهُمَا: تُملَّك كَالرِّكَازِ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: إِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْعِمَارَةِ أَوْ كَانَ مَعْمُورًا فِي جَاهِلِيَّةٍ قَرِيبَةٍ، لَمْ تُملَّك بِالْإِحْيَاءِ، وَإِنِ انْدَرَسَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَقَادَمَ عَهْدُهَا، مُلِّكَتْ. ثُمَّ إِنَّ الْبَغَوِيَّ وَآخَرِينَ عَمَّمُوا هَذَا [الْخِلَافَ] ، وَفَرَّعُوا عَلَى الْمَنْعِ أَنَّهَا إِنْ أُخِذَتْ بِقِتَالٍ فَهِيَ لِلْغَانِمِينَ، وَإِلَّا، فَهِيَ أَرْضٌ لِلْفَيْئِ، قَالَ الْإِمَامُ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ اسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَدُخُولِهِ تَحْتَ يَدِهِمْ، فَأَمَّا إِنْ عُلِمَ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِقِتَالٍ، فَلِلْغَانِمِينَ، وَإِلَّا، فَفَيْءٌ، وَحِصَّةُ الْغَانِمِينَ تَلْتَحِقُ بِمِلْكِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَا يُعْرَفُ. وَطَرَدَ جَمَاعَةٌ الْخِلَافَ، فِيمَا إِذَا

стр. 2118

كَانَتِ الْعِمَارَةُ إِسْلَامِيَّةً وَلَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهَا، وَقَالُوا: هِيَ كَلُقَطَةٍ لَا يُعْرَفُ مَالِكُهَا. وَالْجُمْهُورُ فَرَّقُوا بَيْنَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ كَمَا سَبَقَ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَرْضُ بِلَادِ الْكُفَّارِ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ مَعْمُورَةً، فَلَا مَدْخَلَ لِلْإِحْيَاءِ فِيهَا، بَلْ هِيَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِمْ فَإِذَا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهَا بِقِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ مَعْمُورَةً فِي الْحَالِ وَلَا مِنْ قَبْلُ، فَيَتَمَلَّكُهَا الْكُفَّارُ بِالْإِحْيَاءِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُونَ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ مَوَاتًا لَا يَذُبُّونَ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ، فَلَهُمْ تَمَلُّكُهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلَا يُمَلَّكُ بِالِاسْتِيلَاءِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُمْ حَتَّى يُمَلَّكَ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ ذَبُّوا عَنْهُ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يُمَلَّكْ بِالْإِحْيَاءِ كَالْمَعْمُورِ مِنْ بِلَادِهِمْ. فَإِنِ اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ اخْتِصَاصًا كَاخْتِصَاصِ الْمُتَحَجِّرِ، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ أَبْلَغُ مِنْهُ. وَعَلَى هَذَا فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى خِلَافٌ فِي أَنَّ التَّحَجُّرَ [هَلْ] يُفِيدُ جَوَازَ الْبَيْعِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ كَالْمَعْمُورِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَالْغَانِمُونَ أَحَقُّ بِإِحْيَاءِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ، وَأَهْلُ الْخُمُسِ أَحَقُّ بِإِحْيَاءِ خُمُسِهِ. فَإِنْ أَعْرَضَ الْغَانِمُونَ عَنْ إِحْيَائِهِ، فَأَهْلُ الْخُمُسِ أَحَقُّ بِهِ. وَلَوْ أَعْرَضَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ، فَالْبَاقُونَ أَحَقُّ. وَإِنْ تَرَكَهُ الْغَانِمُونَ وَأَهْلُ الْخُمُسِ جَمِيعًا، مُلِّكَهُ مَنْ أَحْيَاهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: فِي تَصَوُّرِ إِعْرَاضِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ، إِشْكَالٌ، فَيُصَوَّرُ فِي الْيَتَامَى أَنَّ أَوْلِيَاءَهُمْ لَمْ يَرَوْا لَهُمْ حَظًّا فِي الْإِحْيَاءِ، وَنَحْوَهُ فِي الْبَاقِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ يُمَلَّكونَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ كَالْمَعْمُورِ. وَ [الْوَجْهُ] الثَّالِثُ: لَا يُفِيدُ مِلْكًا وَلَا اخْتِصَاصًا، بَلْ هُوَ كَمَوَاتِ دَارِ الْإِسْلَامِ، مَنْ أَحْيَاهُ مُلِّكَهُ.

стр. 2119

الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَكُونَ مَعْمُورَةً فِي الْحَالِ وَكَانَتْ مَعْمُورَةً، فَإِنْ عُرِفَ مَالِكُهَا، فَكَالْمَعْمُورَةِ، وَإِلَّا، فَفِيهِ طَرِيقَةُ الْخِلَافِ وَطَرِيقَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ السَّابِقَتَانِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. فَرْعٌ إِذَا فَتَحْنَا بَلْدَةً صُلْحًا عَلَى أَنْ تَكُونَ لَنَا وَيَسْكُنُوا بِجِزْيَةٍ، فَالْمَعْمُورُ مِنْهَا فَيْءٌ، وَمَوَاتُهَا الَّذِي كَانُوا يَذُبُّونَ عَنْهُ، هَلْ يَكُونُ مُتَحَجِّرًا لِأَهْلِ الْفَيْءِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ فَيْءٌ فِي الْحَالِ، أَمْ يَحْبِسُهُ الْإِمَامُ لَهُمْ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَإِنْ صَالَحْنَاهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ الْبَلْدَةُ لَهُمْ، فَالْمَعْمُورُ لَهُمْ، وَالْمَوَاتُ يَخْتَصُّونَ بِإِحْيَائِهِ تَبَعًا لِلْمَعْمُورِ، وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ التَّقْرِيبِ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْنَا الِامْتِنَاعُ عَنْ مَوَاتِهَا إِذَا شَرَطْنَاهُ فِي الصُّلْحِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَرْعٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ: الْبِيَعُ الَّتِي لِلنَّصَارَى فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَا تُملَّك عَلَيْهِمْ. فَإِنْ فَنُوا، فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ وَلَا وَارِثَ لَهُ، فَتَكُونُ فَيْئًا. فَرْعٌ حَرِيمُ الْمَعْمُورِ لَا يُمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ، لِأَنَّ مَالِكَ الْمَعْمُورِ يَسْتَحِقُّ مَرَافِقَهُ، وَهَلْ نَقُولُ: إِنَّهُ يُمَلَّكُ تِلْكَ الْمَوَاضِعَ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِحْيَاءِ وَلَمْ يُحْيِهَا،

стр. 2120

وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا يُمَلَّكُ عَرْصَةَ الدَّارِ بِبِنَاءِ الدَّارِ، وَلِأَنَّ الْإِحْيَاءَ تَارَةً يَكُونُ بِجَعْلِهِ مَعْمُورًا، وَتَارَةً بِجَعْلِهِ تَبَعًا لِلْمَعْمُورِ. وَلَوْ بَاعَ حَرِيمَ مُلْكِهِ دُونَ الْمِلْكِ، لَمْ يَصِحَّ، قَالَهُ أَبُو عَاصِمٍ، كَمَا لَوْ بَاعَ شِرْبَ الْأَرْضِ وَحْدَهُ. قَالَ: وَلَوْ حَفَرَ اثْنَانِ بِئْرًا عَلَى أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْبِئْرِ لِأَحَدِهِمَا وَحَرِيمُهَا لِلْآخَرِ، لَمْ يَصِحَّ وَكَانَ الْحَرِيمُ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ، وَلِلْآخَرِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ. فَرْعٌ فِي بَيَانِ الْحَرِيمِ وَهُوَ الْمَوَاضِعُ الْقَرِيبَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِتَمَامِ الِانْتِفَاعِ، كَالطَّرِيقِ وَمَسِيلِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا، وَفِيهِ صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: ذَكَرْنَا فِي الْحَالِ الثَّالِثِ: إِذَا صَالَحْنَا الْكُفَّارَ عَلَى بَلْدَةٍ، لَمْ يَجُزْ إِحْيَاءُ مَوَاتِهَا الَّذِي يَذُبُّونَ عَنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَهُوَ مِنْ حَرِيمِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ وَمَرَافِقِهَا. الثَّانِيَةُ: حَرِيمُ الْقُرَى الْمُحْيَاةِ: مَا حَوْلَهَا مِنْ مُجْتَمَعِ أَهْلِ النَّادِي، وَمُرْتَكِضِ الْخَيْلِ، وَمُنَاخِ الْإِبِلِ، وَمَطْرَحِ الرَّمَادِ وَالسِّمَادِ، وَسَائِرِ مَا يُعَدُّ مِنْ مَرَافِقِهَا. وَأَمَّا مَرْعَى الْبَهَائِمِ، فَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ بَعُدَ عَنِ الْقَرْيَةِ، لَمْ يَكُنْ مِنْ حَرِيمِهَا. وَإِنْ قَرُبَ وَلَمْ يَسْتَقِلَّ مَرْعًى، وَلَكِنْ كَانَتِ الْبَهَائِمُ تَرْعَى فِيهِ عِنْدَ الْخَوْفِ مِنَ الْإِبْعَادِ، فَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ، خِلَافٌ فِيهِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ: أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرِيمٍ. وَأَمَّا مَا يَسْتَقِلُّ مَرْعًى وَهُوَ قَرِيبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِأَنَّهُ حَرِيمٌ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَرْعَى الْبَهَائِمِ حَرِيمٌ لِلْقَرْيَةِ مُطْلَقًا.

стр. 2121

فَرْعٌ الْمُحْتَطَبُ كَالْمَرْعَى. الثَّالِثَةُ: حَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ: مَطْرَحُ التُّرَابِ وَالرَّمَادِ وَالْكُنَاسَاتِ وَالثَّلْجِ، وَالْمَمَرُّ فِي الصَّوْبِ الَّذِي فُتِحَ إِلَيْهِ الْبَابُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ اسْتِحْقَاقُ الْمَمَرِّ فِي قُبَالَةِ الْبَابِ عَلَى امْتِدَادِ الْمَوَاتِ، بَلْ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ إِحْيَاءُ مَا فِي قُبَالَةِ الْبَابِ إِذَا أُبْقِيَ الْمَمَرُّ لَهُ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى انْعِطَافٍ وَازْوِرَارٍ، فَعَلَ. فَرْعٌ عَدَّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ كَجٍّ فِنَاءَ الدَّارِ مِنْ حَرِيمِهَا. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: عِنْدِي أَنَّ حِيطَانَ الدَّارِ لَا فِنَاءَ لَهَا وَلَا حَرِيمَ. فَلَوْ أَرَادَ مُحْيٍ أَنْ يَبْنِيَ بِجَنْبِهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ فَنَائِهَا، لَكِنْ يُمْنَعُ مِمَّا يَضُرُّ الْحِيطَانَ كَحَفْرِ بِئْرٍ بِقُرْبِهَا. الرَّابِعَةُ: الْبِئْرُ الْمَحْفُورَةُ فِي الْمَوَاتِ، حَرِيمُهَا الْمَوْضِعُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ النَّازِحُ، وَمَوْضِعُ الدُّولَابِ وَمُتَرَدِّدُ الْبَهِيمَةِ إِنْ كَانَ الِاسْتِقَاءُ بِهِمَا، وَمَصَبُّ الْمَاءِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ لِسَقْيِ الْمَاشِيَةِ وَالزُّرُوعِ مِنْ حَوْضٍ وَنَحْوِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْرَحُ فِيهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، كَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵃. وَفِي وَجْهٍ: حَرِيمُ الْبِئْرِ: قَدْرَ عُمْقِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ التَّحْدِيدَ، وَحَمَلَ اخْتِلَافَ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فِي التَّحْدِيدِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ. وَبِهَذَا يُقَاسُ حَرِيمُ النَّهْرِ الْمَحْفُورِ فِي الْمَوَاتِ. وَأَمَّا الْقَنَاةُ فَآبَارُهَا لَا يُسْتَقَى مِنْهَا حَتَّى يُعْتَبَرَ بِهِ الْحَرِيمُ، فَحَرِيمُهَا: الْقَدْرُ الَّذِي لَوْ حُفِرَ فِيهِ لَنَقَصَ مَاؤُهَا، أَوْ خِيفَ مِنْهُ انْهِيَارٌ وَانْكِبَاسٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِصَلَابَةِ الْأَرْضِ وَرَخَاوَتِهَا.

стр. 2122

وَفِي وَجْهٍ: أَنَّ حَرِيمَهَا حَرِيمُ الْبِئْرِ الَّتِي يُسْتَقَى مِنْهَا، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْحَفْرِ إِذَا جَاوَزَهُ وَإِنْ نَقَصَ الْمَاءُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَالْقَائِلُونَ بِهِ، قَالُوا: لَوْ جَاءَ آخَرُ وَتَنَحَّى عَنِ الْمَوَاضِعِ الْمَعْدُودَةِ حَرِيمًا، وَحَفَرَ بِئْرًا يُنْقِصُ مَاءَ الْأَوَّلِ، لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَرِيمِ الْبِئْرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ الْحَفْرُ حَيْثُ يُنْقِصُ مَاءَهَا، كَمَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ التَّصَرُّفُ قَرِيبًا مِنْ بِنَائِهِ بِمَا يَضُرُّ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ، فَحَفَرَ جَارُهُ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ فَنَقَصَ مَاءُ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَالْفَرْقُ أَنَّ الْحَفْرَ فِي الْمَوَاتِ ابْتِدَاءُ تَمَلُّكٍ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنْهُ إِذَا تَضَرَّرَ الْغَيْرُ، وَهُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِهِ. وَعَلَى هَذَا، فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ دَاخِلٌ فِي حَرِيمِ الْبِئْرِ أَيْضًا. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ حَرِيمًا، فَذَلِكَ إِذَا انْتَهَى الْمَوَاتُ إِلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مِلْكٌ قَبْلَ تَمَامِ حَدِّ الْحَرِيمِ، فَالْحَرِيمُ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي الْمَوَاتُ. فَرْعٌ كُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَرِيمِ الْأَمْلَاكِ، مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمِلْكُ مَحْفُوفًا بِالْمَوَاتِ، أَوْ مُتَاخِمًا لَهُ مِنْ بَعْضِ الْجَوَانِبِ. فَأَمَّا الدَّارُ الْمُلَاصِقَةُ لِلدَّارِ، فَلَا حَرِيمَ لَهَا، لِأَنَّ الْأَمْلَاكَ مُتَعَارِضَةٌ، وَلَيْسَ جَعْلُ مَوْضِعٍ حَرِيمًا لِدَارٍ، أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ حَرِيمًا لِأُخْرَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُلَّاكِ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِنْ أَفْضَى إِلَى تَلَفٍ. فَإِنْ تَعَدَّى، ضَمِنَ. وَالْقَوْلُ فِي تَصَرُّفِ الْمَالِكِينَ الْمُتَجَاوِزِينَ بِمَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ، وَبِمَاذَا يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ، مِنْهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ، وَمِنْهُ مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي خِلَالِ الدِّيَاتِ.

стр. 2123

فَرْعٌ لَوِ اتَّخَذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِالْمَسَاكِنِ حَمَّامًا، أَوِ إِصْطَبْلًا، أَوْ طَاحُونَةً، أَوْ حَانُوتَهُ فِي صَفِّ الْعَطَّارِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ أَوْ قَصَّارٍ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُمْنَعُ، لِلْإِضْرَارِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ، وَفِي مَنْعِهِ إِضْرَارٌ بِهِ. وَهَذَا إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ بِحَيْثُ يَلِيقُ بِمَا يَقْصِدُهُ، فَإِنْ فَعَلَ مَا الْغَالِبُ فِيهِ ظُهُورُ الْخَلَلِ فِي حِيطَانِ الْجَارِ، فَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَدُقَّ الشَّيْءَ فِي دَارِهِ دَقًّا عَنِيفًا تَتَزَعْزَعُ مِنْهُ الْحِيطَانُ، أَوْ حَبَسَ الْمَاءَ فِي مِلْكِهِ بِحَيْثُ تَنْتَشِرُ مِنْهُ النَّدَاوَةُ إِلَى حِيطَانِ الْجَارِ. وَلَوِ اتَّخَذَ دَارَهُ مَدْبَغَةً، أَوْ حَانُوتَهُ مَخْبَزَةً حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمْنَعُ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. وَاخْتَارَ الرُّوْيَانِيُّ فِي كُلِّ هَذَا، أَنْ يَجْتَهِدَ الْحَاكِمُ فِيهَا، وَيَمْنَعَ إِنْ ظَهَرَ لَهُ التَّعَنُّتُ وَقَصْدُ الْفَسَادِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي إِطَالَةِ الْبَنَّاءِ وَمَنْعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. فَرْعٌ لَوْ حَفَرَ فِي مِلْكِهِ بِئْرَ بَالُوعَةٍ وَفَسَدَ بِهَا مَاءُ بِئْرِ جَارِهِ، فَهُوَ مَكْرُوهٌ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِسَبَبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْقَفَّالُ. فَرْعٌ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِحْيَاءِ مَا وَرَاءَ الْحَرِيمِ، قَرُبَ، أَمْ بَعُدَ، وَسَوَاءٌ أَحْيَاهُ أَهْلُ الْعُمْرَانِ، أَمْ غَيْرُهُمْ.

стр. 2124

فَرْعٌ مَوَاتُ الْحَرَمِ يُمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ، كَمَا أَنَّ مَعْمُورَهُ يُمَلَّكُ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ. وَهَلْ تُملَّك أَرْضُ عَرَفَاتٍ بِالْإِحْيَاءِ كَسَائِرِ الْبِقَاعِ، أَمْ لَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْوُقُوفِ بِهَا؟ وَجْهَانِ. إِنْ قُلْنَا: تُملَّك، فَفِي بَقَاءِ حَقِّ الْوُقُوفِ فِيمَا مُلِّكَ وَجْهَانِ. إِنْ قُلْنَا: يَبْقَى، فَذَاكَ مَعَ اتِّسَاعِ الْبَاقِي، أَمْ بِشَرْطِ ضِيقِهِ عَلَى الْحَجِيجِ؟ وَجْهَانِ. وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ، الْفَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَضِيقَ الْمَوْقِفُ فَيُمْنَعَ، أَوْ، لَا، فَلَا. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَشَبَّهَهَا بِمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا وَخُصُوصًا، كَالْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ وَالرِّبَاطَاتِ، وَمُصَلَّى الْعِيدِ خَارِجَ الْبَلَدِ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي أَرْضِ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ، كَعَرَفَاتٍ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ الشَّارِعُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ مُتَحَجِّرٌ مَا لَمْ يُتِمَّهُ، وَكَذَا إِذَا أَعْلَمَ عَلَيْهِ عَلَامَةً لِلْعِمَارَةِ، مِنْ نَصْبِ أَحْجَارٍ، أَوْ غَرْزِ خَشَبَاتٍ، أَوْ قَصَبَاتٍ، أَوْ جَمْعِ تُرَابٍ، أَوْ خَطِّ خُطُوطٍ، وَذَلِكَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، بَلْ يَجْعَلُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا: أَنَّهُ يُمَلَّكُ بِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا مَاتَ الْمُتَحَجِّرُ، انْتَقَلَ حَقُّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ. وَلَوْ نَقَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ، صَارَ الثَّانِي أَحَقَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2125

وَيَنْبَغِي لِلْمُتَحَجِّرِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ، وَأَنْ لَا يَتَحَجَّرَ مَا لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِعِمَارَتِهِ. فَإِنْ خَالَفَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَلِغَيْرِهِ أَنْ يُحْيِيَ مَا زَادَ عَلَى كِفَايَتِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ بِعِمَارَتِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَصِحُّ تَحَجُّرُهُ أَصْلًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ. قُلْتُ: قَوْلُ الْمُتَوَلِّي أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعِمَارَةِ عَقِيبَ التَّحَجُّرِ. فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ وَلَمْ يُحْيِ، قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: أَحْيِ أَوِ ارْفَعْ يَدَكَ عَنْهُ. فَإِنْ ذَكَرَ عُذْرًا وَاسْتَمْهَلَهُ، أَمْهَلَهُ مُدَّةً قَرِيبَةً يَسْتَعِدُّ فِيهَا لِلْعِمَارَةِ. وَالنَّظَرُ فِي تَقْدِيرِهَا إِلَى رَأْيِ السُّلْطَانِ، وَلَا تَتَقَدَّرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِذَا مَضَتْ وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِالْعِمَارَةِ، بَطَلَ حَقُّهُ. وَلَيْسَ لِطُولِ الْمُدَّةِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ التَّحَجُّرِ حَدٌّ مُعَيَّنٌ، وَإِنَّمَا الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَحَقُّ الْمُتَحَجِّرِ يَبْطُلُ بِطُولِ الزَّمَانِ وَتَرْكِهِ الْعِمَارَةَ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعِ الْأَمْرَ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَمْ يُخَاطِبْهُ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ التَّحَجُّرَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الْعِمَارَةِ، وَهِيَ لَا تُؤَخَّرُ عَنِ التَّحَجُّرِ إِلَّا بِقَدْرِ تَهْيِئَةِ أَسْبَابِهَا، وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ تَحَجُّرُ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَهْيِئَةِ الْأَسْبَابِ، كَمَنْ يَتَحَجَّرُ لِيُعَمِّرَ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، وَكَفَقِيرٍ يَتَحَجَّرُ لِيُعَمِّرَ إِذَا قَدَرَ، فَوَجَبَ إِذَا أَخَّرَ وَطَالَ أَنْ يَعُودَ مَوَاتًا كَمَا كَانَ، هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ. وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِثْلَهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، ثُمَّ قَالَ: عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ إِلَّا بِالرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ وَمُخَاطَبَتِهِ. فَرْعٌ لَوْ بَادَرَ أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَبْطُلَ حَقُّ الْمُتَحَجِّرِ، فَأَحْيَا مَا تَحَجَّرَهُ، مُلِّكَهُ الْمُحْيِي عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ حَقَّقَ سَبَبَ الْمِلْكِ وَإِنْ كَانَ ظَالِمًا، كَمَا لَوْ دَخَلَ فِي سَوْمِ أَخِيهِ

стр. 2126

وَاشْتَرَى. وَالثَّانِي: لَا يُمَلَّكُ، لِئَلَّا يَبْطُلَ حَقُّ غَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنِ انْضَمَّ إِلَى التَّحَجُّرِ إِقْطَاعُ السُّلْطَانِ، لَمْ يُمَلَّكِ الْمُحْيِي، وَإِلَّا، فَيُمَلَّكُ. وَالرَّابِعُ: إِنْ أَخَذَ الْمُتَحَجِّرُ فِي الْعِمَارَةِ، لَمْ يَمَلَّكِ الْمُبَادِرُ، وَإِلَّا، فَيُمَلَّكُ. وَشَبَّهُوا الْمَسْأَلَةَ بِالْخِلَافِ فِيمَا إِذَا عَشَّشَ الطَّائِرُ فِي مِلْكِهِ وَأَخَذَ الْفَرْخَ غَيْرُهُ، هَلْ يُمَلَّكهُ؟ قُلْتُ: وَالْأَصَحُّ أَيْضًا أَنَّهُ يُمَلَّكهُ. وَكَذَا لَوْ تَوَحَّلَ ظَبْيٌ فِي أَرْضِهِ، أَوْ وَقَعَ الثَّلْجُ فِيهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَتْ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا فِي كِتَابِ الصَّيْدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ بَاعَ الْمُتَحَجِّرُ مَا تَحَجَّرَهُ، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّهُ لَا يُمَلَّكُ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: يَصِحُّ، وَكَأَنَّهُ يَبِيعُ حَقَّ الِاخْتِصَاصِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ فَأَحْيَاهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي رَجُلٌ، وَقُلْنَا: يُمَلَّكُ، فَهَلْ يَسْقُطُ الثَّمَنُ، أَمْ لَا، لِحُصُولِ التَّلَفِ بَعْدَ الْقَبْضِ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، فَأَحْيَاهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْحُكْمِ بِفَسْخِ الْبَيْعِ، فَهَلْ يَكُونُ لَهُ، أَمْ لِلْبَائِعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لِإِ قْطَاعِ الْإِمَامِ مَدْخَلٌ فِي الْمَوَاتِ، وَفَائِدَتُهُ مَصِيرُ الْمُقْطِعِ أَحَقُّ بِأَحْيَائِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ.

стр. 2127

وَإِذَا طَالَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ أَحْيَاهُ غَيْرُهُ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُتَحَجِّرِ، وَلَا يُقْطَعُ إِلَّا لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْإِحْيَاءِ، وَبِقَدْرِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْإِحْيَاءِ قَالَ الْأَصْحَابُ: الْمُعْتَبَرُ مَا يُعَدُّ إِحْيَاءً فِي الْعُرْفِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يُقْصَدُ بِهِ. وَتَفْصِيلُهُ بِمَسَائِلَ. إِحْدَاهَا: إِذَا أَرَادَ الْمَسْكَنَ، اشْتُرِطَ التَّحْوِيطُ بِالْآجُرِ أَوِ اللَّبِنِ أَوِ الطِّينِ أَوِ الْقَصَبِ أَوِ الْخَشَبِ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا تَسْقِيفُ الْبَعْضِ وَنَصْبُ الْبَابِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. الثَّانِيَةُ: إِذَا أَرَادَ زَرِيبَةً لِلدَّوَابِّ، أَوْ حَضِيرَةً يُجَفِّفُ فِيهَا الثِّمَارَ أَوْ يَجْمَعُ فِيهَا الْحَطَبَ أَوِ الْحَشِيشَ، اشْتُرِطَ التَّحْوِيطُ، وَلَا يَكْفِي نَصْبُ سَعَفٍ وَأَحْجَارٍ مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، لِأَنَّ الْمُتَمَلِّكَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ الْمُجْتَازُ. وَلَوْ حَوَّطَ الْبِنَاءَ فِي طَرَفٍ، وَاقْتَصَرَ لِلْبَاقِي عَلَى نَصْبِ الْأَحْجَارِ وَالسَّعَفِ، حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي، أَنَّهُ [يَكْفِي] ، وَعَنْ شَيْخِهِ: الْمَنْعُ. وَلَا يُشْتَرَطُ التَّسْقِيفُ هُنَا. وَفِي تَعْلِيقِ الْبَابِ، الْخِلَافُ السَّابِقُ. . الثَّالِثَةُ: إِذَا أَرَادَ مَزْرَعَةً، اشْتُرِطَ أُمُورٌ. أَحَدُهَا: جَمْعُ التُّرَابِ حَوَالَيْهِ لِيَنْفَصِلَ الْمَحْيَا عَنْ غَيْرِهِ. وَفِي مَعْنَاهُ: نَصْبُ قَصَبٍ وَحَجَرٍ وَشَوْكٍ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّحْوِيطِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: عِنْدِي

стр. 2128

إِذَا صَارَتِ الْأَرْضُ مَزْرَعَةً بِمَاءٍ سِيقَ إِلَيْهَا، فَقَدْ تَمَّ الْإِحْيَاءُ وَإِنْ لَمْ يُجْمَعِ التُّرَابُ حَوْلَهَا. الثَّانِي: تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ بِطَمِّ الْمُنْخَفِضِ وَكَسْحِ الْمُسْتَعْلِي وَحِرَاثَتِهَا وَتَلْيِينِ تُرَابِهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ ذَلِكَ إِلَّا بِمَاءٍ يُسَاقُ إِلَيْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِتَتَهَيَّأَ لِلزِّرَاعَةِ. الثَّالِثُ: تَرْتِيبُ مَاءٍ لَهَا بِشَقِّ سَاقِيَةٍ مِنْ نَهْرٍ، أَوْ بِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ قَنَاةٍ وَسَقْيُهَا، هَلْ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؟ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ اشْتِرَاطَهُ، وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْأَرْضَ إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَكْفِي لِزِرَاعَتِهَا مَاءُ السَّمَاءِ، لَمْ يُشْتَرَطِ السَّقْيُ وَتَرْتِيبُ مَاءٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَاجُ إِلَى مَاءٍ يُسَاقُ إِلَيْهَا، اشْتُرِطَ تَهْيِئَةُ مَاءٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَإِذَا هَيَّأَهُ، نُظِرَ، إِنْ حَفَرَ لَهُ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا إِجْرَاءُ الْمَاءِ، كَفَى، وَلَمْ يُشْتَرَطِ الْإِجْرَاءُ، وَلَا سَقْيُ الْأَرْضِ. وَإِنْ لَمْ يُحْفَرْ بَعْدُ، فَوَجْهَانِ. وَأَمَّا أَرْضُ الْجِبَالِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ سَوْقُ الْمَاءِ إِلَيْهَا وَلَا يُصِيبُهَا إِلَّا مَاءُ السَّمَاءِ، فَمَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» إِلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْإِحْيَاءِ فِيهَا، وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ وَبَنَى عَلَيْهِ: أَمَّا إِذَا وَجَدْنَا شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ فِي يَدِ إِنْسَانٍ، لَمْ نَحْكُمْ بِأَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَا نُجَوِّزُ بَيْعَهُ وَإِجَارَتَهُ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: يُمَلَّكُ بِالْحِرَاثَةِ وَجَمْعِ التُّرَابِ عَلَى الْأَطْرَافِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَلَا تُشْتَرَطُ الزِّرَاعَةُ، لِحُصُولِ الْمِلْكِ فِي الْمَزْرَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهَا اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْإِحْيَاءِ، وَكَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الدَّارِ أَنْ يَسْكُنَهَا. [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: إِذَا أَرَادَ بُسْتَانًا أَوْ كَرْمًا، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحْوِيطِ، وَالرُّجُوعِ فِيمَا يُحَوَّطُ بِهِ إِلَى الْعَادَةِ، قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ. وَقَالَ: فَإِنْ كَانَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ بِنَاءَ جِدَارٍ، اشْتُرِطَ الْبِنَاءُ. وَإِنْ كَانَ عَادَتُهُمُ التَّحْوِيطَ بِالْقَصَبِ وَالشَّوْكِ وَرُبَّمَا تَرَكُوهُ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَصْرَةِ وَقَزْوِينَ، اعْتُبِرَتْ عَادَتُهُمْ، وَحِينَئِذٍ يَكْفِي جَمْعُ التُّرَابِ حَوَالَيْهِ كَالْمَزْرَعَةِ. وَالْقَوْلُ فِي سَوْقِ الْمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمَزْرَعَةِ. وَيُعْتَبَرُ غَرْسُ الْأَشْجَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.

стр. 2129

وَقِيلَ: لَا يُعْتَبَرُ إِذَا لَمْ يُعْتَبَرُ الزَّرْعُ فِي الْمَزْرَعَةِ. وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَنَّ اسْمَ الْمَزْرَعَةِ يَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ الزَّرْعِ، بِخِلَافِ الْبُسْتَانِ قَبْلَ الْغَرْسِ، وَلِأَنَّ الْغَرْسَ يَدُومُ فَأُلْحِقَ بِأَبْنِيَةِ الدَّارِ، بِخِلَافِ الزَّرْعِ. فَرْعٌ طُرُقُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْيَاءَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَا يَقْصِدُهُ الْمُحْيِي مِنْ مَسْكَنٍ وَحَظِيرَةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَ الْإِمَامُ شَيْئَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَصْدَ إِلَى الْإِحْيَاءِ هَلْ يُعْتَبَرُ لِحُصُولِ الْمِلْكِ؟ فَقَالَ: مَا لَا يَفْعَلُهُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا الْمُتَمَلِّكُ كَبِنَاءِ الدَّارِ وَاتِّخَاذِ الْبُسْتَانِ، يُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَصْدٌ. وَمَا يَفْعَلُهُ الْمُتَمَلِّكُ وَغَيْرُهُ، كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَوَاتِ، وَكَزِرَاعَةِ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَوَاتِ اعْتِمَادًا عَلَى مَاءِ السَّمَاءِ، إِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِ قَصْدٌ، أَفَادَ الْمِلْكَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. وَمَا لَا يَكْتَفِي بِهِ الْمُتَمَلِّكُ، كَتَسْوِيَةِ مَوْضِعِ النُّزُولِ، وَتَنْقِيَتِهِ عَنِ الْحِجَارَةِ، لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ. وَإِنْ قَصَدَهُ شُبِّهَ ذَلِكَ بِالِاصْطِيَادِ بِنَصْبِ الْأُحْبُولَةِ فِي مَدَارِجِ الصَّيُودِ يُفِيدُ مِلْكَ الصَّيْدِ. وَإِغْلَاقُ الْبَابِ إِذَا دَخَلَ الصَّيْدُ الدَّارَ عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، يُفِيدُ الْمِلْكَ. وَدُونَهُ وَجْهَانِ. وَتَوَحَّلُ الصَّيْدِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي سَقَاهَا، لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ قَصَدَهُ. الشَّيْءُ الثَّانِي: إِذَا قَصَدَ نَوْعًا وَأَتَى بِمَا يُقْصَدُ بِهِ نَوْعٌ آخَرُ، أَفَادَ الْمِلْكَ، حَتَّى إِذَا حَوَّطَ الْبُقْعَةَ يُمَلَّكهَا وَإِنْ قَصَدَ الْمَسْكَنَ، لِأَنَّهُ مِمَّا يُمَلَّك بِهِ الزَّرِيبَةَ لَوْ قَصَدَهَا. قَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْكَلَامُ الْأَوَّلُ، فَمَقْبُولٌ لَا يَلْزَمُ [مِنْهُ] مُخَالَفَةُ الْأَصْحَابِ، بَلْ إِنْ قَصَدَ شَيْئًا اعْتَبَرْنَا فِي كُلِّ مَقْصُودٍ مَا فَصَّلُوهُ، وَإِلَّا، نَظَرْنَا فِيمَا أَتَى بِهِ وَحَكَمْنَا بِمَا ذَكَرَهُ. وَأَمَّا الثَّانِي، فَمُخَالَفَتُهُ لِمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ صَرِيحَةٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِأَدْنَى الْعِمَارَاتِ أَبَدًا.

стр. 2130

فَرْعٌ إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَوَاتِ لِلتَّمَلُّكِ، لَمْ يَحْصُلِ الْإِحْيَاءُ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَاءِ. وَإِذَا وَصَلَ، كَفَى إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ صُلْبَةً، وَإِلَّا، فَيُشْتَرَطُ أَنْ تُطْوَى. وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ. وَفِي حَفْرِ الْقَنَاةِ، يَتِمُّ الْإِحْيَاءُ بِخُرُوجِ الْمَاءِ وَجَرَيَانِهِ. وَلَوْ حَفَرَ نَهْرًا لِيَجْرِيَ الْمَاءُ فِيهِ عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، فَإِذَا انْتَهَى رَأْسُ النَّهْرِ الَّذِي يَحْفِرُهُ إِلَى النَّهْرِ الْقَدِيمِ، وَجَرَى الْمَاءُ فِيهِ، مُلِّكَهُ، كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَفِي «التَّتِمَّةِ» : أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ فِيهِ، لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةٍ كَالسُّكُونِ فِي الدَّارِ. قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي، أَقْوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي الحِمَى هُوَ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةً مِنَ الْمَوَاتِ لِمَوَاشٍ بِعَيْنِهَا، وَيَمْنَعَ سَائِرَ النَّاسِ الرَّعْيَ فِيهَا، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْمِيَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ﷺ ، وَإِنَّمَا حَمَى النَّقِيعَ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ. قُلْتُ: النَّقِيعُ بِالنُّونِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَقِيلَ: بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبَقِيعُ الْغَرْقَدِ بِالْبَاءِ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَيْسَ لِلْآحَادِ الْحِمَى قَطْعًا، وَلَا لِلَّائِمَةِ لِأَنْفُسِهِمْ، وَفِي حِمَاهُمْ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا. فَإِذَا

стр. 2131

جَوَّزْنَاهُ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، أَمْ يَجُوزُ أَيْضًا لِوُلَاتِهِ فِي النَّوَاحِي؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَغَيْرُهُ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَسَوَاءٌ حَمَى لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ، أَمْ لِنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ، وَالضَّوَالِّ، وَمَالِ الضُّعَفَاءِ عَنِ الْإِبْعَادِ فِي طَلَبِ النُّجْعَةِ، ثُمَّ لَا يَحْمِي إِلَّا الْأَقَلَّ الَّذِي لَا يَبِينُ ضَرَرُهُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يُضَيِّقُ الْأَمْرَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ مَا حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، نَصٌّ، فَلَا يُنْقَضُّ وَلَا يُغَيَّرُ بِحَالٍ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: إِنْ بَقِيَتِ الْحَاجَةُ الَّتِي حَمَى لَهَا، لَمْ يُغَيَّرْ. وَإِنْ زَالَتْ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ تَغْيِيرُ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهِ بِاجْتِهَادٍ. وَأَمَّا حِمَى غَيْرِهِ ﷺ ، فَإِذَا ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تَغْيِيرِهِ، جَازَ نَقْضُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَى الْأَظْهَرِ رِعَايَةً لِلْمَصْلَحَةِ. وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ كَالْمَقْبَرَةِ وَالْمَسْجِدِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْحَامِي نَقْضُ حِمَاهُ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا جَوَّزْنَا نَقْضَهُ، فَأَحْيَاهُ رَجُلٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، مُلِّكَهُ وَكَانَ الْإِذْنُ فِي الْإِحْيَاءِ نَقْضًا. وَإِنِ اسْتَقَلَّ الْمُحْيِي، فَوَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى تَصَرُّفِ الْإِمَامِ وَحُكْمِهِ. قُلْتُ: بَقِيَتْ مِنَ الْحِمَى مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ. مِنْهَا: لَوْ غَرَسَ أَوْ بَنَى أَوْ زَرَعَ فِي النَّقِيعِ، نُقِضَتْ عِمَارَتُهُ، وَقُلِعَ زَرْعُهُ وَغَرْسُهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ فِي جَامِعِهِ. مِنْهَا: أَنَّ الْحِمَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حِفَاظٌ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَأَنْ يَمْنَعَ أَهْلَ الْقُوَّةِ مِنْ إِدْخَالِ مَوَاشِيهِمْ، وَلَا يَمْنَعَ الضُّعَفَاءَ، وَيَأْمُرُهُ الْإِمَامُ بِالتَّلَطُّفِ بِالضُّعَفَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَاشِيَةِ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁. قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ: فَإِنْ كَانَ لِلْإِمَامِ مَاشِيَةٌ لِنَفْسِهِ، لَمْ يُدْخِلْهَا الْحِمَى، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ. فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ ظَلَمَ الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْهَا: لَوْ دَخَلَ الْحِمَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، فَرَعَى مَاشِيَتَهُ، قَالَ أَبُو حَامِدٍ:

стр. 2132

فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا غُرْمَ وَلَا تَعْزِيرَ، وَلَكِنْ يُمْنَعُ مِنَ الرَّعْيِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ أَيْضًا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ شَيْئًا مِنْ شَجَرِ النَّقِيعِ أَوْ حَشِيشِهِ ضَمِنَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَمِنْهَا: أَنَّ عَامِلَ الصَّدَقَاتِ إِذَا كَانَ يَجْمَعُهَا فِي بَلَدٍ، هَلْ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ لِيَرْعَاهَا فِيهِ؟ قَالَ أَبُو حَامِدٍ: قِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَهُ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إِنْ مَنَعْنَا حِمَى الْإِمَامِ، فَذَلِكَ أَوْلَى، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ. وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ الْمَاءَ الْمُعَدَّ لِشُرْبِ خَيْلِ الْجِهَادِ وَإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَالْجِزْيَةِ وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ فِي «تَهْذِيبِهِ» . قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا حَمَى الْإِمَامُ، وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ حِمَاهُ، فَهُوَ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ، مَنْ أَحْيَاهُ، مُلِّكَهُ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَوَاشِي عِوَضًا عَنِ الرَّعْيِ فِي الْحِمَى أَوِ الْمَوَاتِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ وَقَالَهُ آخَرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ وَغَيْرِهَا بِقَاعُ الْأَرْضِ إِمَّا مَمْلُوكَةٌ، وَإِمَّا مَحْبُوسَةٌ عَلَى الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَقَابِرِ وَالرِّبَاطَاتِ، وَإِمَّا مُنْفَكَّةٌ عَنِ الْحُقُوقِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَهِيَ الْمَوَاتُ. أَمَّا الْمَمْلُوكَةُ، فَمَنْفَعَتُهَا تَتْبَعُ الرُّقْبَةَ. وَأَمَّا الشَّوَارِعُ، فَمَنْفَعَتُهَا الْأَصْلِيَّةُ: الطُّرُوقُ. وَيَجُوزُ الْوُقُوفُ وَالْجُلُوسُ فِيهَا لِغَرَضِ الِاسْتِرَاحَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهِمَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى الْمَارَّةِ، سَوَاءٌ أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ، أَمْ لَا، وَلَهُ أَنْ يُظَلِّلَ عَلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ بِمَا لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ مِنْ ثَوْبٍ وَبَارِيَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي بِنَاءِ الدَّكَّةِ، مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ. وَلَوْ سَبَقَ اثْنَانِ إِلَى مَوْضِعٍ، فَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَمْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ أَحَدَهُمَا؟ وَجْهَانِ.

стр. 2133

أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَفِي ثُبُوتِ هَذَا الِارْتِفَاقِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، وَهَلْ لِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ فِيهِ مَدْخَلٌ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: نَعَمْ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ لَهُ نَظَرًا فِيهِ، وَلِهَذَا يُزْعِجُ مَنْ أَضَرَّ جُلُوسُهُ. وَأَمَّا تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ بِحَالٍ. وَحُكِيَ وَجْهٌ فِي «الرَّقْمِ» لِلْعِبَادِيِّ، وَشَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ لِابْنِ طَاهِرٍ، أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنَ الشَّوَارِعِ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الطُّرُوقِ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الْوُلَاةِ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّنْ يَرْتَفِقُ بِالْجُلُوسِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فِي الشَّوَارِعِ عِوَضًا بِلَا خِلَافٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ مَنْ جَلَسَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الشَّارِعِ، ثُمَّ قَامَ عَنْهُ، إِنْ كَانَ جُلُوسُهُ لِاسْتِرَاحَةٍ وَشِبْهِهَا، بَطَلَ حَقُّهُ. وَإِنْ كَانَ لِحِرْفَةٍ وَمُعَامَلَةٍ، فَإِنْ فَارَقَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ لِتَرْكِهِ الْحِرْفَةَ، أَوْ لِقُعُودِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، بَطَلَ حَقُّهُ أَيْضًا. وَإِنْ فَارَقَهُ عَلَى أَنْ يَعُودَ فَالْمَذْهَبُ مَا ضَبَطَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ إِنْ مَضَى زَمَنٌ يَنْقَطِعُ فِيهِ الَّذِينَ أَلِفُوا مُعَامَلَتَهُ، بَطَلَ. وَإِنْ كَانَ دُونَهُ، فَلَا. وَسَوَاءٌ فَارَقَ بِعُذْرِ سَفَرٍ وَمَرَضٍ، أَوْ بِلَا عُذْرٍ، فَعَلَى هَذَا لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالرُّجُوعِ فِي اللَّيْلِ إِلَى بَيْتِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ مُزَاحَمَتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، وَكَذَا الْأَسْوَاقُ الَّتِي تُقَامُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، أَوْ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، إِذَا اتَّخَذَ فِيهَا مَقْعَدًا، كَانَ أَحَقَّ بِهِ فِي النَّوْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِذَا رَجَعَ لَيْلًا، فَمَنْ سَبَقَهُ أَحَقُّ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْقَاضِي وَابْنُ الصَّبَّاغِ: إِنْ جَلَسَ بِإِقْطَاعِ الْإِمَامِ، لَمْ يَبْطُلْ بِقِيَامِهِ. وَإِنِ اسْتَقَلَّ وَتَرَكَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ، بَقِيَ حَقُّهُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَأَرَادَ غَيْرُهُ الْجُلُوسَ فِيهِ مُدَّةَ غَيْبَتِهِ الْقَصِيرَةِ إِلَى أَنْ يَعُودَ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ مُعَامَلَةٍ، لَمْ يُمْنَعْ قَطْعًا، وَإِلَّا، لَمْ يُمْنَعْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.

стр. 2134

قُلْتُ: وَإِذَا وَضَعَ النَّاسُ الْأَمْتِعَةَ وَآلَاتِ الْبِنَاءِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي مَسَالِكِ الْأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ ارْتِفَاقًا لِيَنْقُلُوهَا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، مُنِعُوا مِنْهُ إِنْ أَضَرَّ بِالْمَارَّةِ إِضْرَارًا ظَاهِرًا، وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي «الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ يَخْتَصُّ الْجَالِسُ أَيْضًا بِمَا حَوْلَهُ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِوَضْعِ مَتَاعِهِ وَوُقُوفِ مُعَامِلِيهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْعُدَ حَيْثُ يَمْنَعُ رُؤْيَةَ مَتَاعِهِ أَوْ وَصُولَ الْمُعَامِلِينَ إِلَيْهِ، أَوْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ الْكَيْلَ أَوِ الْوَزْنَ وَالْأَخْذَ وَالْعَطَاءَ. قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَنْ قَعَدَ لِبَيْعِ مِثْلِ مَتَاعِهِ إِذَا لَمْ يُزَاحِمْهُ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الْمَرَافِقِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ الْجَوَّالُ الَّذِي يَقْعُدُ كُلَّ يَوْمٍ فِي مَوْضِعٍ مِنَ السُّوقِ، يَبْطُلُ حَقُّهُ بِمُفَارَقَتِهِ. فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ، فَالْجُلُوسُ فِيهِ يَكُونُ لِأَغْرَاضٍ. مِنْهَا: أَنْ يَجْلِسَ لِيُقْرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ أَوِ الْحَدِيثُ أَوِ الْفِقْهُ وَنَحْوُهَا، أَوْ لِيُسْتَفْتَى. قَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ وَالْغَزَالِيُّ: حُكْمُهُ كَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا فِي مُلَازَمَتِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لِيَأْلَفَهُ النَّاسُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: مَتَى قَامَ بَطَلَ حَقُّهُ وَكَانَ السَّابِقُ أَحَقَّ بِهِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَأْخَذِ الْبَابِ.

стр. 2135

قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ، حَكَاهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَعَنْ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ أَحَقُّ، فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُ، مِنَ الْجُمْهُورِ ﵃. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَجْلِسَ لِلصَّلَاةِ، فَلَا اخْتِصَاصَ لَهُ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى. وَأَمَّا الصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ، فَهُوَ أَحَقُّ. فَإِنْ فَارَقَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، بَطَلَ حَقُّهُ فِيهَا أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ، فَإِنْ فَارَقَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ، أَوْ تَجْدِيدِ وُضُوءٍ، أَوْ رُعَافٍ، أَوْ إِجَابَةِ دَاعٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَبْطُلِ اخْتِصَاصُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ - فِي الْمَسْجِدِ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ إِزَارَهُ، أَمْ لَا، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَطْرَأَ الْعُذْرُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ قَبْلَهُ، وَإِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ. وَمِنْهَا: الْجُلُوسُ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْحِرْفَةِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. قُلْتُ: وَمِنْهَا: الْجُلُوسُ لِلِاعْتِكَافِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَهُ الِاخْتِصَاصُ بِمَوْضِعِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا. وَإِنْ نَوَى اعْتِكَافَ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ لِحَاجَةٍ جَائِزَةٍ، فَفِي بَقَاءِ اخْتِصَاصِهِ إِذَا رَجَعَ احْتِمَالٌ، وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا خَرَجَ الْمُصَلِّي لِعُذْرٍ. وَمِنْهَا: الْجَالِسُ لِاسْتِمَاعِ الْحَدِيثِ وَالْوَعْظِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَالصَّلَاةِ فَلَا يَخْتَصُّ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ وَلَا فِيهِ إِنْ فَارَقَهُ بِلَا عُذْرٍ، وَيَخْتَصُّ إِنْ فَارَقَ بِعُذْرٍ عَلَى الْمُخْتَارِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ لَهُ عَادَةٌ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ كَبِيرِ الْمَجْلِسِ، وَيَنْتَفِعُ الْحَاضِرُونَ بِقُرْبِهِ مِنْهُ لِعِلْمِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، دَامَ اخْتِصَاصُهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ بِكُلِّ حَالٍ.

стр. 2136

وَأَمَّا مَجْلِسُ الْفَقِيهِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ حَالَ تَدْرِيسِ الْمُدَرِّسِ فِي الْمَدْرَسَةِ أَوِ الْمَسْجِدِ، فَالظَّاهِرُ فِيهِ دَوَامُ الِاخْتِصَاصِ، لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ يُمْنَعُ النَّاسُ مِنِ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْجِدِ تَوْقِيرًا لَهَا. فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ وَإِقْطَاعِهِ عَنْ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَخْدِشُهُ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ، أَنَّ التَّرَتُّبَ فِي الْمَسْجِدِ لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى كَالتَّرَتُّبِ لِلْإِمَامَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْإِمَامِ فِي مَسَاجِدِ الْمَحَالِّ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ إِذَا كَانَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ فِيهِ الِاسْتِئْذَانَ، فَجُعِلَ لِإِذْنِ الْإِمَامِ أَثَرٌ. الثَّانِي: عَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَائِفَةٌ رِحَابَ الْمَسْجِدِ مَعَ مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فِيمَا يُقْطَعُ لِلِارْتِفَاقِ بِالْجُلُوسِ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا كَمَا يَقْدَحُ فِي نَفْيِ الْإِقْطَاعِ، يُخَالِفُ الْمَعْرُوفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالرِّحَابِ: الْأَفْنِيَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْمَسْجِدِ. قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي «الْأَحْكَامِ» : إِنَّ حَرِيمَ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، إِنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهِ مُضِرًّا بِأَهْلِ الْمَسَاجِدِ، مُنِعَ مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ الْإِذْنُ فِيهِ، وَإِلَّا، جَازَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ السُّلْطَانِ؟ وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2137

فَصْلٌ الرِّبَاطَاتُ الْمُسْبَلَةُ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَمْ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْخُرُوجِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَخْلِيفُهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْمَوْضِعِ، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ مَتَاعَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ أَمِينًا. فَإِنِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ وَلَا سَبْقَ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ إِذَا نَزَلَهَا مَنْ هُوَ [مِنْ] أَهْلِهَا. وَإِذَا سَكَنَ بَيْتًا مِنْهَا مُدَّةً، ثُمَّ غَابَ أَيَّامًا قَلِيلَةً، فَهُوَ أَحَقُّ إِذَا عَادَ. وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، بَطَلَ حَقُّهُ. قُلْتُ: وَالرُّجُوعُ فِي الطُّولِ إِلَى الْعُرْفِ. وَلَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ النُّزُولَ فِيهِ فِي مُدَّةِ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يُفَارِقَهُ إِذَا جَاءَ الْأَوَّلُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ قَطْعًا، أَوْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْمَوْضِعِ مِنَ الشَّارِعِ. وَيَجُوزُ لِغَيْرِ سُكَّانِ الْمَدْرَسَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعَوَامِّ دُخُولُهَا، وَالْجُلُوسُ فِيهَا، وَالشُّرْبُ مِنْ مِيَاهِهَا، وَالِاتِّكَاءُ وَالنَّوْمُ فِيهَا، وَدُخُولُ سِقَايَتِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِهِ. وَأَمَّا سُكْنَى غَيْرِ الْفُقَهَاءِ فِي بُيُوتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الْوَاقِفِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، اتُّبِعَ، وَإِلَّا، فَالظَّاهِرُ مَنْعُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ فِي بَلَدٍ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ النَّازِلُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، أَحَقُّ بِهِ وَبِمَا حَوَالَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِمَرَافِقِهِمْ، وَلَا يُزَاحَمُونَ فِي الْوَادِي الَّذِي سَرَّحُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِذَا رَحَلُوا، بَطَلَ اخْتِصَاصُهُمْ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْفَسَاطِيطِ وَنَحْوِهَا.

стр. 2138

قُلْتُ: وَلَوْ أَرَادَتْ طَائِفَةٌ النُّزُولَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَادِيَةِ لِلِاسْتِيطَانِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَ نُزُولُهُمْ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ، مَنَعَهُمُ السُّلْطَانُ قَبْلَ النُّزُولِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ، رَاعَى الْأَصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ وَمَنَعَهَمْ وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إِلَيْهَا. فَإِنْ نَزَلُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَمْنَعْهُمْ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ إِحْدَاثِ زِيَادَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ الْمُرْتَفِقُ بِالشَّارِعِ وَالْمَسَاجِدِ، إِذَا طَالَ مُقَامُهُ هَلْ يُزْعَجُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُرْتَفِقِينَ وَقَدْ سَبَقَ. وَالثَّانِي: نَعَمْ. لِتَمَيُّزِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْمَمْلُوكِ. وَأَمَّا الرُّبُطُ الْمَوْقُوفَةُ، فَإِنَّ عَيَّنَ الْوَاقِفُ مُدَّةَ الْمَقَامِ، فَلَا مَزِيدَ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ. وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَاقِفُ، نُظِرَ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي بُنِيَتْ لَهُ، وَعُمِلَ بِالْمُعْتَادِ فِيهِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي رِبَطِ الْمَارَّةِ إِلَّا لِمَصْلَحَتِهَا، أَوْ لِخَوْفٍ يَعْرِضُ، أَوْ أَمْطَارٍ تَتَوَاتَرُ، وَفِي الْمَدْرَسَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ إِلَى إِتْمَامِ غَرَضِهِ. فَإِنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالتَّحْصِيلَ، أُزْعِجَ. وَفِي الْخَانِقَاهُ، لَا يُمْكِنُ هَذَا الضَّبْطُ، فَفِي الْإِزْعَاجِ إِذَا طَالَ مَقَامُهُ مَا سَبَقَ فِي الشَّوَارِعِ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَعْيَانِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ طَرَفَانِ. [الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الْمَعَادِنِ، وَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَطْلُوبَةِ، وَهِيَ قِسْمَانِ، ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ.

стр. 2139

فَالظَّاهِرَةُ: هِيَ الَّتِي يَبْدُو جَوْهَرُهَا بِلَا عَمَلٍ، وَإِنَّمَا السَّعْيُ وَالْعَمَلُ لِتَحْصِيلِهِ. ثُمَّ تَحْصِيلُهُ قَدْ يَسْهُلُ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ تَعَبٌ، وَذَلِكَ كَالنِّفْطِ وَأَحْجَارِ الرَّحَى، وَالْبِرَامِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْقُطْرَانِ، وَالْقَارِ، وَالْمُومْيَاءِ، وَشِبْهِهَا، فَلَا يُمَلَّكهَا أَحَدٌ بِالْإِحْيَاءِ وَالْعِمَارَةِ، وَإِنْ زَادَ بِهَا النَّيْلُ. وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا أَيْضًا الْمُتَحَجِّرُ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إِقْطَاعُهَا، بَلْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّاسِ كَالْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ، وَالْكَلَأِ، وَالْحَطَبِ. وَلَوْ حَوَّطَ رَجُلٌ عَلَى هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَبَنَى عَلَيْهَا دَارًا أَوْ بُسْتَانًا، لَمْ يُمَلَّك الْبُقْعَةَ، لِفَسَادِ قَصْدِهِ. وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى خِلَافٍ فِيهِ. وَالْمَعْرُوفُ، الْأَوَّلُ. وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ، وَضَاقَ الْمَكَانُ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى. ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: يُقَدَّمُ بِأَخْذِ قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهَا حَاجَةُ يَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، فَيَأْخُذُ مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ لِأَمْثَالِهِ. وَإِذَا أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَقُّ السَّبْقِ، فَهَلْ يُزْعَجُ أَمْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: يُزْعَجُ. فَأَمَّا إِذَا جَاءَا مَعًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ وَأَحَقَّ. وَالثَّالِثُ: يُنَصِّبُ مَنْ يُقَسِّمُ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: الْأَوْجُهُ فِيمَا إِذَا كَانَا يَأْخُذَانِ لِلْحَاجَةِ. فَإِنْ كَانَا يَأْخُذَانِ لِلتِّجَارَةِ، يُهَايَأُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الِابْتِدَاءِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَالْأَشْهُرُ: إِطْلَاقُ الْأَوْجُهِ. وَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَاجِرًا وَالْآخَرُ مُحْتَاجًا، يُشْبِهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحْتَاجَ. فَرْعٌ [مِنَ] الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، الْمِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنَ الْمَاءِ، وَكَذَا الْجَبَلِيُّ إِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ وَتَنْحِيَةِ تُرَابٍ، وَالْجِصُّ، وَالْمَدَرُ، وَأَحْجَارُ النَّوْرَةِ. وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ «الْمِفْتَاحِ» عُدَّ الْمِلْحُ الْجَبَلِيُّ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ. وَفِي «التَّهْذِيبِ»

стр. 2140

عُدَّ الْكُحْلُ وَالْجِصُّ مِنْهُمَا، وَهُمَا مَحْمُولَانِ عَلَى مَا إِذَا أَحْوَجَ إِظْهَارَهُمَا إِلَى حَفْرٍ. وَلَوْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ بُقْعَةٌ، لَوْ حُفِرَتْ وَسِيقَ الْمَاءُ إِلَيْهَا ظَهَرَ فِيهَا الْمِلْحُ، فَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا يَظْهَرُ بِالْعَمَلِ، فَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا، وَمَنْ حَفَرَهَا وَسَاقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا، وَظَهَرَ الْمِلْحُ، مُلِّكَهَا كَمَا لَوْ أَحْيَا مَوَاتًا. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَظْهَرُ جَوْهَرُهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُعَالَجَةِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ الْمَبْثُوثَةِ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ. وَتَرَدَّدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فِي أَنَّ حَجَرَ الْحَدِيدِ وَنَحْوَهُ، مِنَ الْبَاطِنَةِ، أَمِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوْهَرِ بَادٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ بَاطِنٌ، لِأَنَّ الْحَدِيدَ لَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ إِلَّا بِعِلَاجٍ، وَلَيْسَ الْبَادِي عَلَى الْحَجَرِ عَيْنَ الْحَدِيدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مُخَيِّلَتِهِ. وَلَوْ أَظْهَرَ السَّيْلُ قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أَوْ أَتَى بِهَا، الْتَحَقَتْ بِالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ هَلْ يُمَلَّكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ؟ قَوْلَانِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَوَاتِ وَالْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا، رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵃. فَإِنْ قُلْنَا: يُمَلَّكُ، فَذَاكَ إِذَا قَصَدَ التَّمَلُّكَ وَحَفَرَ حَتَّى ظَهَرَ النَّيْلُ. فَأَمَّا قَبْلَ الظُّهُورِ، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ، وَهَذَا كَمَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَوَاتِ عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، مُلِّكَهَا إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَاءِ. وَإِذَا اتَّسَعَ الْحَفْرُ وَلَمْ يُوجَدِ النَّيْلُ إِلَّا فِي الْوَسَطِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ، لَمْ يَقْصُرِ الْمِلْكُ عَلَى مَوْضِعِ النَّيْلِ، بَلْ يُمَلَّكُ أَيْضًا مِمَّا حَوَالَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِحَرِيمِهِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَقِفُ فِيهِ الْأَعْوَانُ وَالدَّوَابُّ. وَمَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ وَحَفَرَ، لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ وَصَلَ إِلَى الْعُرُوقِ. وَيَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ كَالْمَوَاتِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلَّكُ، فَالسَّابِقُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ أَحَقُّ بِهِ، لَكِنْ إِذَا طَالَ مَقَامُهُ، فَفِي إِزْعَاجِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. وَقِيلَ: لَا يُزْعَجُ هُنَا قَطْعًا، لِأَنَّ هُنَاكَ يُمْكِنُ الْأَخْذُ دَفْعَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ، وَهُنَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ فَقُدِّمَ السَّابِقُ. وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ، فَعَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي هُنَاكَ. وَفِي جَوَازِ إِقْطَاعِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ،
следующие страницы →