Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
وَأَمَّا مَجْلِسُ الْفَقِيهِ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ حَالَ تَدْرِيسِ الْمُدَرِّسِ فِي الْمَدْرَسَةِ أَوِ الْمَسْجِدِ، فَالظَّاهِرُ فِيهِ دَوَامُ الِاخْتِصَاصِ، لِاطِّرَادِ الْعُرْفِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
يُمْنَعُ النَّاسُ مِنِ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْقُرَّاءِ وَالْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْجِدِ تَوْقِيرًا لَهَا.
فَرْعٌ
قَالَ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ فِي انْقِطَاعِ تَصَرُّفِ الْإِمَامِ وَإِقْطَاعِهِ عَنْ بِقَاعِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَخْدِشُهُ شَيْئَانِ. أَحَدُهُمَا: ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ، أَنَّ التَّرَتُّبَ فِي الْمَسْجِدِ لِلتَّدْرِيسِ وَالْفَتْوَى كَالتَّرَتُّبِ لِلْإِمَامَةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ إِذْنُ الْإِمَامِ فِي مَسَاجِدِ الْمَحَالِّ، وَيُعْتَبَرُ فِي الْجَوَامِعِ وَكِبَارِ الْمَسَاجِدِ إِذَا كَانَتْ عَادَةُ الْبَلَدِ فِيهِ الِاسْتِئْذَانَ، فَجُعِلَ لِإِذْنِ الْإِمَامِ أَثَرٌ. الثَّانِي: عَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَطَائِفَةٌ رِحَابَ الْمَسْجِدِ مَعَ مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فِيمَا يُقْطَعُ لِلِارْتِفَاقِ بِالْجُلُوسِ فِيهِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَهَذَا كَمَا يَقْدَحُ فِي نَفْيِ الْإِقْطَاعِ، يُخَالِفُ الْمَعْرُوفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمَنْعِ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِالرِّحَابِ: الْأَفْنِيَةُ الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْمَسْجِدِ.
قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي «الْأَحْكَامِ» : إِنَّ حَرِيمَ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ، إِنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهِ مُضِرًّا بِأَهْلِ الْمَسَاجِدِ، مُنِعَ مِنْهُ، وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ الْإِذْنُ فِيهِ، وَإِلَّا، جَازَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِيهِ إِذْنُ السُّلْطَانِ؟ وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2137
فَصْلٌ
الرِّبَاطَاتُ الْمُسْبَلَةُ فِي الطُّرُقِ وَعَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، مَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا صَارَ أَحَقَّ بِهِ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ إِزْعَاجُهُ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَمْ بِغَيْرِهِ، وَلَا يَبْطُلُ حَقُّهُ بِالْخُرُوجِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَخْلِيفُهُ نَائِبًا لَهُ فِي الْمَوْضِعِ، وَلَا أَنْ يَتْرُكَ مَتَاعَهُ، لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ أَمِينًا. فَإِنِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ وَلَا سَبْقَ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي مَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَدَارِسِ وَالْخَوَانِقِ إِذَا نَزَلَهَا مَنْ هُوَ [مِنْ] أَهْلِهَا. وَإِذَا سَكَنَ بَيْتًا مِنْهَا مُدَّةً، ثُمَّ غَابَ أَيَّامًا قَلِيلَةً، فَهُوَ أَحَقُّ إِذَا عَادَ. وَإِنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ، بَطَلَ حَقُّهُ.
قُلْتُ: وَالرُّجُوعُ فِي الطُّولِ إِلَى الْعُرْفِ. وَلَوْ أَرَادَ غَيْرُهُ النُّزُولَ فِيهِ فِي مُدَّةِ غَيْبَةِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يُفَارِقَهُ إِذَا جَاءَ الْأَوَّلُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ قَطْعًا، أَوْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ فِي الْمَوْضِعِ مِنَ الشَّارِعِ. وَيَجُوزُ لِغَيْرِ سُكَّانِ الْمَدْرَسَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْعَوَامِّ دُخُولُهَا، وَالْجُلُوسُ فِيهَا، وَالشُّرْبُ مِنْ مِيَاهِهَا، وَالِاتِّكَاءُ وَالنَّوْمُ فِيهَا، وَدُخُولُ سِقَايَتِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَى الْعُرْفُ بِهِ. وَأَمَّا سُكْنَى غَيْرِ الْفُقَهَاءِ فِي بُيُوتِهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ مِنَ الْوَاقِفِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ، اتُّبِعَ، وَإِلَّا، فَالظَّاهِرُ مَنْعُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ فِي بَلَدٍ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
النَّازِلُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَادِيَةِ، أَحَقُّ بِهِ وَبِمَا حَوَالَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِمَرَافِقِهِمْ، وَلَا يُزَاحَمُونَ فِي الْوَادِي الَّذِي سَرَّحُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ كِفَايَةٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِذَا رَحَلُوا، بَطَلَ اخْتِصَاصُهُمْ وَإِنْ بَقِيَ أَثَرُ الْفَسَاطِيطِ وَنَحْوِهَا.
стр. 2138
قُلْتُ: وَلَوْ أَرَادَتْ طَائِفَةٌ النُّزُولَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْبَادِيَةِ لِلِاسْتِيطَانِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَ نُزُولُهُمْ مُضِرًّا بِالسَّابِلَةِ، مَنَعَهُمُ السُّلْطَانُ قَبْلَ النُّزُولِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ، رَاعَى الْأَصْلَحَ فِي نُزُولِهِمْ وَمَنَعَهَمْ وَنَقَلَ غَيْرَهُمْ إِلَيْهَا. فَإِنْ نَزَلُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَمْنَعْهُمْ، كَمَا لَا يُمْنَعُ مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَدَبَّرَهُمْ بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لَهُمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ إِحْدَاثِ زِيَادَةٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
الْمُرْتَفِقُ بِالشَّارِعِ وَالْمَسَاجِدِ، إِذَا طَالَ مُقَامُهُ هَلْ يُزْعَجُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ أَحَدُ الْمُرْتَفِقِينَ وَقَدْ سَبَقَ. وَالثَّانِي: نَعَمْ. لِتَمَيُّزِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْمَمْلُوكِ. وَأَمَّا الرُّبُطُ الْمَوْقُوفَةُ، فَإِنَّ عَيَّنَ الْوَاقِفُ مُدَّةَ الْمَقَامِ، فَلَا مَزِيدَ عَلَيْهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى الْمُسَافِرِينَ. وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَاقِفُ، نُظِرَ إِلَى الْغَرَضِ الَّذِي بُنِيَتْ لَهُ، وَعُمِلَ بِالْمُعْتَادِ فِيهِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي رِبَطِ الْمَارَّةِ إِلَّا لِمَصْلَحَتِهَا، أَوْ لِخَوْفٍ يَعْرِضُ، أَوْ أَمْطَارٍ تَتَوَاتَرُ، وَفِي الْمَدْرَسَةِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى طَلَبَةِ الْعِلْمِ، يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ إِلَى إِتْمَامِ غَرَضِهِ. فَإِنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالتَّحْصِيلَ، أُزْعِجَ. وَفِي الْخَانِقَاهُ، لَا يُمْكِنُ هَذَا الضَّبْطُ، فَفِي الْإِزْعَاجِ إِذَا طَالَ مَقَامُهُ مَا سَبَقَ فِي الشَّوَارِعِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَعْيَانِ الْخَارِجَةِ مِنَ الْأَرْضِ
فِيهِ طَرَفَانِ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الْمَعَادِنِ، وَهِيَ الْبِقَاعُ الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَطْلُوبَةِ، وَهِيَ قِسْمَانِ، ظَاهِرَةٌ، وَبَاطِنَةٌ.
стр. 2139
فَالظَّاهِرَةُ: هِيَ الَّتِي يَبْدُو جَوْهَرُهَا بِلَا عَمَلٍ، وَإِنَّمَا السَّعْيُ وَالْعَمَلُ لِتَحْصِيلِهِ. ثُمَّ تَحْصِيلُهُ قَدْ يَسْهُلُ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ تَعَبٌ، وَذَلِكَ كَالنِّفْطِ وَأَحْجَارِ الرَّحَى، وَالْبِرَامِ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْقُطْرَانِ، وَالْقَارِ، وَالْمُومْيَاءِ، وَشِبْهِهَا، فَلَا يُمَلَّكهَا أَحَدٌ بِالْإِحْيَاءِ وَالْعِمَارَةِ، وَإِنْ زَادَ بِهَا النَّيْلُ. وَلَا يَخْتَصُّ بِهَا أَيْضًا الْمُتَحَجِّرُ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إِقْطَاعُهَا، بَلْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النَّاسِ كَالْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ، وَالْكَلَأِ، وَالْحَطَبِ. وَلَوْ حَوَّطَ رَجُلٌ عَلَى هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَبَنَى عَلَيْهَا دَارًا أَوْ بُسْتَانًا، لَمْ يُمَلَّك الْبُقْعَةَ، لِفَسَادِ قَصْدِهِ. وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى خِلَافٍ فِيهِ. وَالْمَعْرُوفُ، الْأَوَّلُ. وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى مَعْدِنٍ ظَاهِرٍ، وَضَاقَ الْمَكَانُ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى. ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: يُقَدَّمُ بِأَخْذِ قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا أَنَّهَا حَاجَةُ يَوْمٍ أَوْ سَنَةٍ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ، فَيَأْخُذُ مَا تَقْتَضِيهِ الْعَادَةُ لِأَمْثَالِهِ. وَإِذَا أَرَادَ الزِّيَادَةَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَقُّ السَّبْقِ، فَهَلْ يُزْعَجُ أَمْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: يُزْعَجُ. فَأَمَّا إِذَا جَاءَا مَعًا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا.
وَالثَّانِي: يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيُقَدِّمُ مَنْ يَرَاهُ أَحْوَجَ وَأَحَقَّ. وَالثَّالِثُ: يُنَصِّبُ مَنْ يُقَسِّمُ الْحَاصِلَ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: الْأَوْجُهُ فِيمَا إِذَا كَانَا يَأْخُذَانِ لِلْحَاجَةِ. فَإِنْ كَانَا يَأْخُذَانِ لِلتِّجَارَةِ، يُهَايَأُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ تَشَاحَّا فِي الِابْتِدَاءِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. وَالْأَشْهُرُ: إِطْلَاقُ الْأَوْجُهِ. وَعَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ الْعِرَاقِيِّينَ: إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَاجِرًا وَالْآخَرُ مُحْتَاجًا، يُشْبِهُ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُحْتَاجَ.
فَرْعٌ [مِنَ] الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، الْمِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنَ الْمَاءِ، وَكَذَا الْجَبَلِيُّ إِنْ كَانَ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَفْرٍ وَتَنْحِيَةِ تُرَابٍ، وَالْجِصُّ، وَالْمَدَرُ، وَأَحْجَارُ النَّوْرَةِ. وَفِي بَعْضِ شُرُوحِ «الْمِفْتَاحِ» عُدَّ الْمِلْحُ الْجَبَلِيُّ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ. وَفِي «التَّهْذِيبِ»
стр. 2140
عُدَّ الْكُحْلُ وَالْجِصُّ مِنْهُمَا، وَهُمَا مَحْمُولَانِ عَلَى مَا إِذَا أَحْوَجَ إِظْهَارَهُمَا إِلَى حَفْرٍ. وَلَوْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ بُقْعَةٌ، لَوْ حُفِرَتْ وَسِيقَ الْمَاءُ إِلَيْهَا ظَهَرَ فِيهَا الْمِلْحُ، فَلَيْسَتْ هِيَ مِنَ الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا يَظْهَرُ بِالْعَمَلِ، فَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا، وَمَنْ حَفَرَهَا وَسَاقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا، وَظَهَرَ الْمِلْحُ، مُلِّكَهَا كَمَا لَوْ أَحْيَا مَوَاتًا.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَظْهَرُ جَوْهَرُهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُعَالَجَةِ، كَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالرَّصَاصِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْحَدِيدِ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ الْمَبْثُوثَةِ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ. وَتَرَدَّدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، فِي أَنَّ حَجَرَ الْحَدِيدِ وَنَحْوَهُ، مِنَ الْبَاطِنَةِ، أَمِ الظَّاهِرَةِ، لِأَنَّ مَا فِيهَا مِنَ الْجَوْهَرِ بَادٍ؟ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ بَاطِنٌ، لِأَنَّ الْحَدِيدَ لَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ إِلَّا بِعِلَاجٍ، وَلَيْسَ الْبَادِي عَلَى الْحَجَرِ عَيْنَ الْحَدِيدِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مُخَيِّلَتِهِ. وَلَوْ أَظْهَرَ السَّيْلُ قِطْعَةَ ذَهَبٍ، أَوْ أَتَى بِهَا، الْتَحَقَتْ بِالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ هَلْ يُمَلَّكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ؟ قَوْلَانِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمَوَاتِ وَالْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا، رَجَّحَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵃. فَإِنْ قُلْنَا: يُمَلَّكُ، فَذَاكَ إِذَا قَصَدَ التَّمَلُّكَ وَحَفَرَ حَتَّى ظَهَرَ النَّيْلُ. فَأَمَّا قَبْلَ الظُّهُورِ، فَهُوَ كَالْمُتَحَجِّرِ، وَهَذَا كَمَا إِذَا حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَوَاتِ عَلَى قَصْدِ التَّمَلُّكِ، مُلِّكَهَا إِذَا وَصَلَ إِلَى الْمَاءِ. وَإِذَا اتَّسَعَ الْحَفْرُ وَلَمْ يُوجَدِ النَّيْلُ إِلَّا فِي الْوَسَطِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْأَطْرَافِ، لَمْ يَقْصُرِ الْمِلْكُ عَلَى مَوْضِعِ النَّيْلِ، بَلْ يُمَلَّكُ أَيْضًا مِمَّا حَوَالَيْهِ مِمَّا يَلِيقُ بِحَرِيمِهِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا يَقِفُ فِيهِ الْأَعْوَانُ وَالدَّوَابُّ. وَمَنْ جَاوَزَ ذَلِكَ وَحَفَرَ، لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ وَصَلَ إِلَى الْعُرُوقِ. وَيَجُوزُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُقْطِعَهُ كَالْمَوَاتِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلَّكُ، فَالسَّابِقُ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهُ أَحَقُّ بِهِ، لَكِنْ إِذَا طَالَ مَقَامُهُ، فَفِي إِزْعَاجِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. وَقِيلَ: لَا يُزْعَجُ هُنَا قَطْعًا، لِأَنَّ هُنَاكَ يُمْكِنُ الْأَخْذُ دَفْعَةً فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطَالَةِ، وَهُنَا لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ فَقُدِّمَ السَّابِقُ. وَلَوِ ازْدَحَمَ اثْنَانِ، فَعَلَى الْأَوْجُهِ الَّتِي هُنَاكَ. وَفِي جَوَازِ إِقْطَاعِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ،
стр. 2141
قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ كَالْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ. وَأَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ، وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَدْرًا يَتَأَتَّى لِلْمُقْطَعِ الْعَمَلُ عَلَيْهِ وَالْأَخْذُ مِنْهُ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، يَجُوزُ الْعَمَلُ فِي الْمَعْدِنِ الْبَاطِنِ وَالْأَخْذُ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ إِمَّا كَالْمَعْدِنِ الظَّاهِرِ، وَإِمَّا كَالْمَوَاتِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَحْيَا مَوَاتًا، ثُمَّ ظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ، مُلِّكَهُ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُ بِالْإِحْيَاءِ مُلِّكَ الْأَرْضَ بِأَجْزَائِهَا إِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا مَعْدِنًا. فَإِنْ عَلِمَ وَاتَّخَذَ عَلَيْهِ دَارًا، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمِلْكِ. وَأَمَّا الْبُقْعَةُ الْمُحْيَاةُ، فَقَالَ الْإِمَامُ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهَا لَا تُملَّكُ، لِأَنَّ الْمَعْدِنَ لَا يُتَّخَذُ دَارًا وَلَا مَزْرَعَةَ، فَالْقَصْدُ فَاسِدٌ. وَقِيلَ: يُمَلَّكُهَا. وَكَأَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَعَادِنِ الظَّاهِرَةِ عَنْ «الْوَسِيطِ» مَأْخُوذٌ مِنْ هَذَا.
فَرْعٌ
مِمَّا يَتَفَرْعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْدِنِ الْبَاطِنِ، أَنَّهُ إِذَا عَمِلَ عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ يُمَلَّكُ؟ وَهَلْ يَجُوزُ إِقْطَاعُهُ؟ إِنْ قُلْنَا: يُمَلَّكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ، فَهُوَ مِلْكٌ لِلْغَانِمِينَ، وَإِلَّا، فَفِي جَوَازِ إِقْطَاعِهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ.
فَرْعٌ
مَالِكُ الْمَعْدِنِ الْبَاطِنِ، لَا يَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ النَّيْلُ، وَهُوَ مُتَفَرِّقٌ فِي طَبَقَاتِ الْأَرْضِ، مَجْهُولُ الْقَدْرِ وَالصِّفَةِ، فَهُوَ كَبَيْعِ قَدْرٍ مَجْمُوعٍ مِنْ تُرَابِ
стр. 2142
الْمَعْدِنِ وَفِيهِ النَّيْلُ، وَهُوَ بَاطِلٌ. وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا فِي جَوَازِهِ، لِأَنَّ الْمَبِيعَ رُقْبَةُ الْمَعْدِنِ وَالنَّيْلَ فَائِدَتُهُ.
فَرْعٌ
لَوْ تَمَلَّكُ مَعْدِنًا بَاطِنًا، فَجَاءَ غَيْرُهُ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ نَيْلًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ. وَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: اعْمَلْ فِيهِ وَاسْتَخْرِجِ النَّيْلَ لِي، فَفَعَلَ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ الْخِلَافُ فِيمَنْ قَالَ: اغْسِلْ ثَوْبِي فَغَسَلَ. وَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ فَمَا اسْتَخْرَجْتَهُ فَهُوَ لَكَ، أَوْ قَالَ: اسْتَخْرِجْ لِنَفْسِكَ، فَالْحَاصِلُ لِمَالِكِ الْمَعْدِنِ، لِأَنَّهُ هِبَةٌ مَجْهُولٌ. وَكَانَ يُمْكِنُ تَشْبِيهُهُ بِإِبَاحَةِ ثِمَارِ الْبُسْتَانِ، وَلَكِنَّ الْمَنْقُولَ الْأَوَّلُ. وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأُجْرَةَ، وَجْهَانِ، لِكَوْنِهِ عَمَلَ لِنَفْسِهِ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ لَهُ، وَلَا هُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَبِثُبُوتِهَا قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ.
قُلْتُ: ثُبُوتُهَا أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَلَوْ قَالَ: اعْمَلْ فَمَا اسْتَخْرَجْتَهُ فَهُوَ بَيْنَنَا مُنَاصَفَةً، أَوْ قَالَ: فَلَكَ مِنْهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ أُجْرَةٌ مَجْهُولَةٌ، وَالثَّانِي: قَدْ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْقَدْرُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الْمِيَاهِ، وَهِيَ قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمُبَاحَةُ النَّابِعَةُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَخْتَصُّ بِأَحَدٍ، وَلَا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّينَ فِي إِنْبَاطِهِ وَإِجْرَائِهِ كَالْفُرَاتِ وَجَيْحُونَ وَسَائِرِ أَوْدِيَةِ الْعَالَمِ وَالْعُيُونِ فِي الْجِبَالِ وَسُيُولِ الْأَمْطَارِ، فَالنَّاسُ فِيهَا سَوَاءٌ، فَإِنْ حَضَرَ اثْنَانِ فَصَاعِدَا، أَخَذَ كُلٌّ مَا شَاءَ. فَإِنْ قَلَّ الْمَاءُ أَوْ ضَاقَ الْمُشَرِّعُ، قُدِّمَ السَّابِقُ. فَإِنْ جَاءَا مَعًا، أُقْرِعَ. وَإِنْ أَرَادَ وَاحِدٌ السَّقْيَ وَهُنَاكَ مُحْتَاجٌ لِلشُّرْبِ، فَالشَّارِبُ أَوْلَى. قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فِي إِنَاءٍ أَوْ جَعَلَهُ فِي حَوْضٍ، مُلِّكَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ مُزَاحَمَتُهُ فِيهِ، كَمَا لَوِ احْتَطَبَ. وَفِي «النِّهَايَةِ»
стр. 2143
وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُمَلَّكُهُ، لَكِنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَإِنْ دَخَلَ شَيْءٌ مِنْهُ مِلْكَ إِنْسَانٍ بِسَيْلٍ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ مَا دَامَ فِيهِ، لِامْتِنَاعِ دُخُولِ مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. فَلَوْ فَعَلَ، فَهَلْ يُمَلَّكُهُ، أَمْ لِلْمَالِكِ اسْتِرْدَادُهُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ. فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَرْضِهِ، أَخَذَهُ مَنْ شَاءَ.
فَرْعٌ
إِذَا أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَضِيهِمْ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا يَفِي بِالْجَمِيعِ، سَقَى مَنْ شَاءَ مَتَى شَاءَ. وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، أَوْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنَ النَّهْرِ الْعَظِيمِ فِي سَاقِيَةٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ، بِأَنِ انْخَرَقَتْ بِنَفْسِهَا، سَقَى الْأَوَّلُ أَرْضَهُ، ثُمَّ يُرْسِلُهُ إِلَى الثَّانِي، ثُمَّ الثَّانِي إِلَى الثَّالِثِ. وَكَمْ يَحْبِسُ الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ؟ وَجْهَانِ، الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ.
وَالثَّانِي: يُرْجَعُ فِي قَدْرِ السَّقْيِ إِلَى الْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ. وَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ التَّقْدِيرُ بِالْكَعْبَيْنِ فِي كُلِّ الْأَزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ، لِأَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ، وَبِاخْتِلَافِ مَا فِيهَا [مِنْ] زَرْعٍ وَشَجَرٍ، وَبِوَقْتِ الزِّرَاعَةِ، وَوَقْتِ السَّقْيِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ عَنِ الدَّارَكِيِّ: أَنَّ الْأَعْلَى لَا يُقَدَّمُ عَلَى الْأَسْفَلِ، لَكِنْ يَسْقُونَ بِالْحِصَصِ، وَهَذَا غَرِيبٌ بَاطِلٌ. وَلَوْ كَانَتْ أَرْضُ الْأَعْلَى بَعْضُهَا مُرْتَفِعًا، وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضًا، وَلَوْ سُقِيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْحَدِّ الْمُسْتَحَقِّ، أُفْرِدَ كُلُّ بَعْضٍ بِالسَّقْيِ بِمَا هُوَ طَرِيقُهُ.
قُلْتُ: طَرِيقُهُ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يَسُدَّهُ، ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2144
وَإِذَا سَقَى الْأَوَّلُ، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى السَّقْيِ مَرَّةً أُخْرَى، مُكِّنَ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ فَلَوْ تَنَازَعَ اثْنَانِ أَرْضَاهُمَا مُتَحَاذِيَتَانِ، أَوْ أَرَادَا شَقَّ النَّهْرِ مِنْ مَوْضِعَيْنِ مُتَحَاذِيَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَهَلْ يُقْرَعُ، أَوْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مَنْ يَرَاهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْعَبَّادِيُّ.
قُلْتُ: أَصَحُّهَا: يُقْرَعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ إِحْيَاءَ مَوَاتٍ وَسَقْيَهُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، نُظِرَ، إِنْ ضَيَّقَ عَلَى السَّابِقَيْنِ، مُنِعَ، لِأَنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا أَرْضَهُمْ بِمَرَافِقِهَا، وَالْمَاءُ مِنْ أَعْظَمِ مَرَافِقِهَا، وَإِلَّا، فَلَا مَنْعَ.
فَرْعٌ
عِمَارَةُ حَافَّاتِ هَذِهِ الْأَنْهَارِ، مِنْ وَظَائِفِ بَيْتِ الْمَالِ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا مَنْ شَاءَ قَنْطَرَةً لِعُبُورِ النَّاسِ إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَوَاتًا. وَأَمَّا [مَا] بَيْنَ الْعُمْرَانِ، فَهُوَ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي الشَّارِعِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَيَجُوزُ بِنَاءُ الرَّحَى عَلَيْهَا إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ مِلْكًا لَهُ أَوْ مَوَاتًا مَحْضًا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ، وَتَضَرَّرَ الْمُلَّاكُ، لَمْ يَجُزْ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ كَالتَّصَرُّفِ فِي سَائِرِ مَرَافِقِ الْعِمَارَاتِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، كَإِشْرَاعِ الْجَنَاحِ فِي السِّكَّةِ النَّافِذَةِ.
стр. 2145
فصل
هَذَا الَّذِي سَبَقَ، إِذَا لَمْ تَكُنِ الْأَنْهَارُ وَالسَّوَاقِي مَمْلُوكَةً. أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَمْلُوكَةً، بِأَنْ حَفَرَ نَهْرًا يَدْخُلُ فِيهِ الْمَاءُ مِنَ الْوَادِي الْعَظِيمِ، أَوْ مِنَ النَّهْرِ الْمُنْخَرِقِ مِنْهُ، فَالْمَاءُ بَاقٍ عَلَى إِبَاحَتِهِ، لَكِنَّ مَالِكَ النَّهْرِ أَحَقُّ بِهِ كَالسَّيْلِ يَدْخُلُ مِلْكَهُ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مُزَاحَمَتُهُ لِسَقْيِ الْأَرَضِينَ. وَأَمَّا لِلشُّرْبِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ وَالْمُتَوَلِّي: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ لَا يُدْلِي أَحَدٌ فِيهِ دَلْوًا، وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَحْفِرَ فَوْقَ نَهْرِهِ نَهْرًا إِنْ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِ. وَإِنْ ضَيَّقَ، فَلَا، فَإِنِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي الْحَفْرِ، اشْتَرَكُوا فِي الْمِلْكِ عَلَى قَدْرِ عَمَلِهِمْ، فَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ النَّهْرُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ، فَلْيَكُنْ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ أَرْضِهِ. فَإِنْ زَادَ وَاحِدٌ مُتَطَوِّعًا، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْبَاقِينَ. وَإِنْ زَادَ مُكْرَهًا، أَوْ شَرَطُوا لَهُ عِوَضًا، رَجَعَ عَلَيْهِمْ بِأُجْرَةِ مَا زَادَ، وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى حَبْسُ الْمَاءِ عَلَى الْأَسْفَلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّهْرُ مَمْلُوكًا. وَإِذَا اقْتَسَمُوا الْمَاءَ بِالْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، جَازَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّجُوعُ [مَتَى شَاءَ] ، لَكِنْ لَوْ رَجَعَ بَعْدَمَا اسْتَوْفَى نَوْبَتَهُ وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشَّرِيكُ، ضَمِنَ لَهُ أُجْرَةَ مِثْلِ نَصِيبِهِ مِنَ النَّهْرِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي أَجْرَى فِيهَا الْمَاءَ. وَإِنِ اقْتَسَمُوا الْمَاءَ نَفْسَهُ، فَعَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الْقَنَاةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَلَوْ أَرَادُوا قِسْمَةَ النَّهْرِ وَكَانَ عَرِيضًا، جَازَ، وَلَا يَجْرِي فِيهَا الْإِجْبَارُ كَمَا فِي الْجِدَارِ الْحَائِلِ. وَلَوْ أَرَادَ الشُّرَكَاءُ الَّذِينَ أَرْضُهُمْ أَسْفَلُ تَوْسِيعَ فَمِ النَّهْرِ، لِئَلَّا يَقْصُرَ الْمَاءُ عَنْهُمْ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِرِضَى الْأَوَّلِينَ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ الشَّرِيكِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِرِضَى الشَّرِيكِ، وَلِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ بِكَثْرَةِ الْمَاءِ. وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلْأَوَّلِينَ تَضْيِيقُ فَمِ النَّهْرِ إِلَّا بِرِضَى الْآخَرِينَ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِنَاءُ قَنْطَرَةٍ أَوْ رَحَى عَلَيْهِ، وَلَا غَرْسَ شَجَرَةٍ عَلَى حَافَّتِهِ إِلَّا بِرِضَى
стр. 2146
الشُّرَكَاءِ. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ تَقْدِيمَ رَأْسِ السَّاقِيَةِ الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ إِلَى أَرْضِهِ، أَوْ تَأْخِيرَهُ، لَمْ يَجُزْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَدَّمَ بَابَ دَارِهِ إِلَى رَأْسِ السِّكَّةِ الْمُنْسَدَّةِ، لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ هُنَاكَ فِي الْجِدَارِ الْمَمْلُوكِ، وَهُنَا فِي الْحَافَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مَاءٌ فِي أَعْلَى النَّهْرِ، فَأَجْرَاهُ فِي النَّهْرِ الْمُشْتَرَكِ بِرِضَى الشُّرَكَاءِ لِيَأْخُذَهُ مِنَ الْأَسْفَلِ وَيَسْقِيَ بِهِ أَرْضَهُ، فَلَهُمُ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءُوا، لِأَنَّهُ عَارِيَةٌ، وَتَنْقِيَةُ هَذَا النَّهْرِ وَعِمَارَتُهُ يَقُومُ بِهَا الشُّرَكَاءُ بِحَسَبِ الْمِلْكِ. وَهَلْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ عِمَارَةُ الْمَوْضِعِ الْمُتَسَفِّلِ عَنْ أَرْضِهِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْبَاقِينَ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْعَبَّادِيِّ، لِاشْتِرَاكِهِمْ وَانْتِفَاعِهِمْ بِهِ.
فَرْعٌ
كُلُّ أَرْضٍ أَمْكَنَ سَقْيُهَا مِنْ هَذَا النَّهْرِ، إِذَا رَأَيْنَا لَهَا سَاقِيَةً مِنْهُ وَلَمْ نَجِدْ لَهَا شِرْبًا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، حَكَمْنَا عِنْدَ التَّنَازُعِ بِأَنَّ لَهَا شِرْبًا مِنْهُ. وَلَوْ تَنَازَعَ الشُّرَكَاءُ فِي النَّهْرِ فِي قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ، فَهَلْ يُجْعَلُ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِينَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّرِكَةَ بِحَسَبِ الْمِلْكِ، أَمْ بِالسَّوِيَّةِ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ؟ وَجْهَانِ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
قُلْتُ: هُوَ أَصَحُّهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ صَادَفْنَا نَهْرًا تُسْقَى مِنْهُ أَرْضُونَ، وَلَمْ نَدْرِ أَنَّهُ حُفِرَ أَمِ انْخَرَقَ، حَكَمْنَا بِأَنَّهُ
стр. 2147
مَمْلُوكٌ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ يَدٍ وَانْتِفَاعٍ، فَلَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا كِتَابُ «الْمِيَاهِ» لِلْعَبَّادِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمِيَاهُ الْمُخْتَصَّةُ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَهِيَ مِيَاهُ الْآبَارِ وَالْقَنَوَاتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبِئْرَ يُتَصَوَّرُ حَفْرُهَا عَلَى أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: الْحَفْرُ فِي الْمَنَازِلِ لِلْمَارَّةِ. وَالثَّانِي: الْحَفْرُ فِي الْمَوَاتِ عَلَى قَصْدِ الِارْتِفَاقِ لَا لِلتَّمَلُّكِ، كَمَنْ يَنْزِلُ فِي الْمَوَاتِ فَيَحْفِرُ لِلشُّرْبِ وَسَقْيِ الدَّوَابِّ.
وَالثَّالِثُ: الْحَفْرُ بِنِيَّةِ التَّمَلُّكِ. وَالرَّابِعُ: الْحَفْرُ الْخَالِي عَنْ هَذِهِ القُصُودِ. فَأَمَّا الْمَحْفُورَةُ لِلْمَارَّةِ، فَمَاؤُهَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، وَالْحَافِرُ كَأَحَدِهِمْ، وَيَجُوزُ الِاسْتِقَاءُ مِنْهَا لِلشُّرْبِ، وَسَقْيِ الزُّرُوعِ، فَإِنْ ضَاقَ عَنْهُمَا، فَالشُّرْبُ أَوْلَى. وَأَمَّا الْمَحْفُورَةُ لِلِارْتِفَاقِ دُونَ التَّمَلُّكِ، فَالْحَافِرُ أَوْلَى بِمَائِهَا إِلَى أَنْ يَرْتَحِلَ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ مَا فَضُلَ عَنْهُ عَنْ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ إِذَا اسْتَقَى بِدَلْوِ نَفْسِهِ، وَلَا مَنْعُ مَوَاشِيهِ، وَلَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ مِنْ سَقْيِ الزَّرْعِ بِهِ. وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُمَلَّكْهُ، وَالِاخْتِصَاصُ يَكُونُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، فَحَصَلَ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُعْتَبَرُ فِي الْفَاضِلِ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ، أَنْ يَفْضُلَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَاشِيَتِهِ وَزَرْعِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي الْمَزَارِعِ احْتِمَالٌ عَلَى بُعْدٍ.
قُلْتُ: الْمُرَادُ: الْفَاضِلُ الَّذِي يَجِبُ بَذْلُهُ لِمَاشِيَةِ غَيْرِهِ. أَمَّا الْوَاجِبُ بَذْلُهُ لِعَطَشِ آدَمِيٍّ مُحْتَرَمٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَفْضُلَ عَنِ الْمَزَارِعِ وَالْمَاشِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا ارْتَحَلَ الْمُرْتَفِقُ، صَارَتِ الْبِئْرُ كَالْمَحْفُورَةِ لِلْمَارَّةِ، فَإِنْ عَادَ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا الْمَحْفُورَةُ لِلتَّمَلُّكِ وَفِي مِلْكٍ، فَهَلْ يَكُونُ مَاؤُهَا مِلْكًا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ، وَحَرْمَلَةُ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ
стр. 2148
، كَالثَّمَرَةِ وَاللَّبَنِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا انْفَجَرَتْ عَيْنٌ فِي مِلْكِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلَّكُ، فَنَبَعَ وَخَرَجَ مِنْهُ، مُلِّكَهُ مَنْ أَخَذَهُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: لَا يُمَلَّكُهُ الْآخِذُ، وَلَوْ دَخَلَ رَجُلٌ مِلْكَهُ وَأَخَذَهُ، فَفِي مِلْكِهِ الْوَجْهَانِ. وَسَوَاءٌ قُلْنَا: يُمَلَّكُ، أَمْ لَا، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبِئْرِ بَذْلُ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعِ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ بَذْلُهُ لِلْمَاشِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلِلْوُجُوبِ شُرُوطٌ.
أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَجِدَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ مَاءً مُبَاحًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ كَلَأٌ يُرْعَى، وَإِلَّا، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ وَجْهَانِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فِي مُسْتَقَرِّهِ، فَأَمَّا الْمَاءُ الْمَوْجُودُ فِي إِنَاءٍ، فَلَا يَجِبُ بَذْلُ فَضْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. ثُمَّ عَابِرُو السَّبِيلِ، يُبْذَلُ لَهُمْ وَلِمَوَاشِيهِمْ. وَفِيمَنْ أَرَادَ الْإِقَامَةَ فِي الْمَوْضِعِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ [بِهِ] إِلَى الْإِقَامَةِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْوُجُوبُ كَغَيْرِهِ. وَإِذَا وَجَبَ الْبَذْلُ، مَكَّنَ الْمَاشِيَةَ مِنْ حُضُورِ الْبِئْرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى صَاحِبِ الْمَاءِ ضَرَرٌ فِي زَرْعٍ وَلَا مَاشِيَةٍ. فَإِنْ لَحِقَهُ ضَرَرٌ بِوُرُودِهَا، مُنِعَتْ، لَكِنْ يَجُوزُ لِلرُّعَاةِ اسْتِقَاءُ فَضْلِ الْمَاءِ لَهَا، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَلْ يَجِبُ الْبَذْلُ لِلرُّعَاةِ كَمَا يَجِبُ لِلْمَاشِيَةِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ. أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ، لِأَنَّ الْبَذْلَ لِسُقَاةِ النَّاسِ رُعَاةً كَانُوا أَوْ غَيْرَهُمْ، أَوْلَى مِنَ الْبَذْلِ لِلْمَاشِيَةِ، عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ نَقَلَ فِي الْمَنْعِ مِنَ الشُّرْبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَجْهَيْنِ إِذَا قُلْنَا: مَمْلُوكٌ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْبَذْلَ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ عِوَضًا كَإِطْعَامِ الْمُضْطَرِّ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: لَا، لِلْحَدِيثِ [الصَّحِيحِ] أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ.
قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ كَانَ هُنَاكَ مَاءَانِ مَمْلُوكَانِ لِرَجُلَيْنِ، لَزِمَهُمَا الْبَذْلُ. فَإِنِ اكْتَفَتِ الْمَاشِيَةُ بِبَذْلِ أَحَدِهِمَا، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْآخَرِ، قَالَ: وَإِذَا لَمْ تُوجَدْ شُرُوطُ
стр. 2149
وُجُوبِ الْبَذْلِ، جَازَ لِمَالِكِهِ أَخْذُ ثَمَنِهِ إِذَا بَاعَهُ مُقَدَّرًا بِكَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ، وَلَا يَجُوزُ، بَيْعُهُ مُقَدَّرًا بِرَيِّ الْمَاشِيَةِ وَلَا الزَّرْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَحْفُورَةُ بِلَا قَصْدٍ، فَفِيهَا وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِمَائِهَا، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. وَالثَّانِي: يَخْتَصُّ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْإِحْيَاءَ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ.
فَصْلٌ
حُكْمُ الْقَنَوَاتِ حُكْمُ الْآبَارِ فِي مِلْكِ مِيَاهِهَا وَفِي وُجُوبِ الْبَذْلِ وَغَيْرِهِمَا، إِلَّا أَنَّ حَفْرَهَا لِمُجَرَّدِ الِارْتِفَاقِ لَا يَكَادُ يَقَعُ، وَمَتَى اشْتَرَكَ الْمُتَمَلِّكُونَ فِي الْحَفْرِ، اشْتَرَكُوا فِي الْمِلْكِ بِحَسَبِ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعَمَلِ أَوِ الِارْتِفَاقِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي النَّهْرِ الْمَمْلُوكِ، ثُمَّ لَهُمْ قِسْمَةُ الْمَاءِ بِأَنْ تُنْصَبَ خَشَبَةٌ مُسْتَوِيَةُ الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلِ فِي عَرْضِ النَّهْرِ، وَيُفْتَحَ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ، أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الثُّقَبُ مُتَسَاوِيَةً مَعَ تَفَاوُتِ الْحُقُوقِ، إِلَّا أَنَّ صَاحِبَ الثُّلُثِ يَأْخُذُ ثُقْبَةً، وَالْآخَرَ ثُقْبَتَيْنِ، وَيَسُوقُ كُلُّ وَاحِدٍ نَصِيبَهُ فِي سَاقِيَةٍ إِلَى أَرْضِهِ، وَلَهُ أَنْ يُدِيرَ رَحًى بِمَا صَارَ لَهُ، وَلَا يَشُقَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَاقِيَةً قَبْلَ الْمَقْسِمِ، وَلَا يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى، وَإِنِ اقْتَسَمُوا بِالْمُهَايَأَةِ، جَازَ أَيْضًا.
وَقَدْ يَكُونُ الْمَاءُ قَلِيلًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا كَذَلِكَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ الرُّجُوعُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْبِئْرِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. وَقِيلَ: تُلْزَمُ الْمُهَايَأَةُ لِيَثِقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِالِانْتِفَاعِ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ الْقِسْمَةُ بِالْمُهَايَأَةِ، لِأَنَّ الْمَاءَ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَتَخْتَلِفُ فَائِدَةُ السَّقْيِ بِالْأَيَّامِ.
قُلْتُ: لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَهُ مِنَ الْمَاءِ وَيَسْقِيَ بِهِ أَرْضًا لَيْسَ لَهَا رَسْمُ شِرْبٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ، مُنِعَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ شِرْبًا لَمْ يَكُنْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2150
فَرْعٌ
الَّذِينَ يَسْقُونَ أَرْضَهُمْ مِنَ الْأَوْدِيَةِ الْمُبَاحَةِ، لَوْ تَرَاضَوْا بِمُهَايَأَةٍ، وَجَعَلُوا لِلْأَوَّلِينَ أَيَّامًا، وَلِلْآخَرِينَ أَيَّامًا، فَهَذِهِ مُسَامَحَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ بِتَقَدُّمِ الْآخَرِينَ، وَلَيْسَتْ بِلَازِمَةٍ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ مَنْ رَجَعَ مِنَ الْأَوَّلِينَ، مُكِّنَ مِنْ سَقْيِ أَرْضِهِ.
فَصْلٌ
فِي بَيْعِ الْمَاءِ
أَمَّا الْمُحْرِزُ فِي إِنَاءٍ أَوْ حَوْضٍ، فَبَيْعُهُ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ سَبَقَ فِيهِ الْوَجْهُ، وَلْيَكُنْ عُمْقُ الْحَوْضِ مَعْلُومًا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَاءِ الْبِئْرِ وَالْقَنَاةِ فِيهِمَا لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَيَزِيدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَيَخْتَلِطُ فَيَتَعَذَّرُ التَّسْلِيمُ. وَإِنْ بَاعَ مِنْهُ آصُعًا، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا، لَمْ يَصِحَّ، إِذْ لَا يُمْكِنُ رَبْطُ الْعَقْدِ بِمِقْدَارٍ. وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا وَقُلْنَا: إِنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ قُلْنَا: مَمْلُوكٌ، فَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يَصِحُّ أَيْضًا، لِأَنَّهُ يَزِيدُ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ. وَالْأَصَحُّ: الْجَوَازُ كَبَيْعِ صَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ، فَقَلِيلَةٌ، فَلَا تَضُرُّ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْقَتَّ فِي الْأَرْضِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، وَكَمَا لَوْ بَاعَ صَاعًا مِنْ صُبْرَةٍ وَصَبَّ عَلَيْهَا صُبْرَةً أُخْرَى، فَإِنَّ الْبَيْعَ بِحَالِهِ، وَيَبْقَى الْبَيْعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ مِنَ الصُّبْرَةِ. وَلَوْ بَاعَ الْمَاءَ مَعَ قَرَارِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ جَارِيًا فَقَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْقَنَاةَ مَعَ مَائِهَا، أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا وَقُلْنَا: إِنَّ الْمَاءَ لَا يُمَلَّكُ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ فِي الْمَاءِ، وَفِي الْقَرَارِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِلَّا، فَيَصِحُّ. وَلَوْ بَاعَ بِئْرَ الْمَاءِ وَأَطْلَقَ، أَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا بِئْرُ مَاءٍ، جَازَ. ثُمَّ إِنَّ قُلْنَا: يُمَلَّكُ، فَالْمَوْجُودُ حَالَ الْبَيْعِ يَبْقَى لِلْبَائِعِ، وَمَا يَحْدُثُ، لِلْمُشْتَرِي. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ حَتَّى يُشْتَرَطَ أَنَّ الْمَاءَ الظَّاهِرَ لِلْمُشْتَرِي، لِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْمَاءَانِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمَلَّكُ،
стр. 2151
فَقَدْ أَطْلَقُوا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَحَقُّ بِذَلِكَ الْمَاءِ. وَلْيُحْمَلَ عَلَى مَا نَبَعَ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَأَمَّا مَا نَبَعَ قَبْلَهُ، فَلَا مَعْنَى لِصَرْفِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: هَذَا التَّأْوِيلُ الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فَاسِدٌ، فَقَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ الظَّاهِرِ، لِثُبُوتِ يَدِهِ عَلَى الدَّارِ، وَتَكُونُ يَدُهُ كَيَدِ الْبَائِعِ فِي ثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ [بِهِ] . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنَ الْبِئْرِ أَوِ الْقَنَاةِ، جَازَ، وَمَا يَنْبُعُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، إِمَّا اخْتِصَاصًا مُجَرَّدًا، وَإِمَّا مِلْكًا.
فَرْعٌ
سَقَى أَرْضَهُ بِمَاءٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ، فَالْغَلَّةُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَاءِ. وَلَوِ اسْتَحَلَّ صَاحِبَ الْمَاءِ، كَانَ الطَّعَامُ أَطْيَبَ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ، مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : أَنَّهُ لَوْ أَضْرَمَ نَارًا فِي حَطَبٍ مُبَاحٍ بِالصَّحْرَاءِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُ مَنْ يَنْتَفِعُ بِتِلْكَ النَّارِ، فَلَوْ جَمَعَ الْحَطَبَ، مُلِّكَهُ، فَإِذَا أَضْرَمَ فِيهِ النَّارَ، فَلَهُ مَنْعُ غَيْرِهِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2152
كِتَابُ الْوَقْفِ
فِيهِ بَابَانِ.
[البابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ، وَفِيهِ طَرَفَانِ:
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
[الركنُ] الْأَوَّلُ: الْوَاقِفُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ صَحِيحَ الْعِبَارَةِ، أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَوْقُوفُ، وَهُوَ كُلُّ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ مَمْلُوكَةٍ مِلْكًا يَقْبَلُ النَّقْلَ يَحْصُلُ مِنْهَا فَائِدَةٌ أَوْ مَنْفَعَةٌ تُسْتَأْجَرُ لَهَا. احْتَرَزْنَا بِالْعَيْنِ حَقَّ الْمَنْفَعَةِ، وَعَنِ الْوَقْفِ الْمُلْتَزَمِ فِي الذِّمَّةِ، وَبِالْمُعَيَّنَةِ، عَنْ وَقْفِ أَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِالْمَمْلُوكَةِ، عَمَّا لَا يُمَلَّكُ، وَبِقَبُولِ النَّقْلِ، عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمَلَاهِي. وَأَرَدْنَا بِالْفَائِدَةِ: الثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَنَحْوَهُمَا، وَبِالْمَنْفَعَةِ: السُّكْنَى وَاللُّبْسَ وَنَحْوَهُمَا. وَقَوْلُنَا: تُسْتَأْجَرُ لَهَا، احْتِرَازٌ مِنَ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ. وَنُوَضِّحُهُ بِمَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: يَجُوزُ وَقْفُ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، كَالْعَبِيدِ، وَالثِّيَابِ، وَالدَّوَابِّ، وَالسِّلَاحِ، وَالْمَصَاحِفِ، وَالْكُتُبِ، سَوَاءٌ الْمَقْسُومُ وَالْمُشَاعِ، كَنِصْفِ دَارٍ وَنِصْفِ عَبْدٍ، وَلَا يَسْرِي الْوَقْفُ مِنْ نِصْفٍ إِلَى نِصْفٍ.
فَرْعٌ
وَقَفَ نِصْفَ عَبْدٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ النِّصْفَ الْآخَرَ، لَمْ يَعْتِقِ الْمَوْقُوفُ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ [وَقْفُ] مَا يُرَادُ لِعَيْنٍ تُسْتَفَادُ مِنْهُ، كَالْأَشْجَارِ لِلثِّمَارِ، وَالْحَيَوَانِ لِلَّبَنِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالْبَيْضِ، وَمَا يُرَادُ لِمَنْفَعَةٍ تُسْتَوْفَى مِنْهُ، كَالدَّارِ، وَالْأَرْضِ
стр. 2153
وَلَا يُشْتَرَطُ حُصُولُ الْمَنْفَعَةِ وَالْفَائِدَةِ فِي الْحَالِ، بَلْ يَجُوزُ وَقْفُ الْعَبْدِ وَالْجَحْشِ الصَّغِيرَيْنِ، وَالزَّمِنِ الَّذِي يُرْجَى زَوَالُ زَمَانَتِهِ، كَمَا يَجُوزُ نِكَاحُ الرَّضِيعَةِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحُرِّ نَفْسَهُ، لِأَنَّ رَقَبَتَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ، وَكَذَلِكَ مَالِكُ مَنَافِعِ الْأَمْوَالِ دُونَ رِقَابِهَا، لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ إِيَّاهَا، سَوَاءٌ مُلِّكَ مُؤَقَّتًا، كَالْمُسْتَأْجِرِ، أَمْ مُؤَبَّدًا، كَالْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ.
الرَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ أَمِّ الْوَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِنْ صَحَّحْنَا فَمَاتَ السَّيِّدُ، عَتِقَتْ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَبْطُلُ الْوَقْفُ، بَلْ تَبْقَى مَنَافِعُهَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَجَّرَهَا وَمَاتَ. وَقَالَ الْإِمَامُ: تَبْطُلُ، لِأَنَّ الْحَرِيَّةَ تُنَافِي الْوَقْفَ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ كَجٍّ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي صِحَّةِ وَقْفِ الْمُكَاتَبِ، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ. فَإِذَا وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الْوَقْفِ لِلْوَاقِفِ، أَوْ لِلَّهِ تَعَالَى، عَتِقَ وَبَطَلَ الْوَقْفُ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، لَمْ يَعْتِقْ وَيَبْقَى الْوَقْفُ بِحَالِهِ.
وَيَجُوزُ وَقْفُ الْمُدَبَّرِ، ثُمَّ هُوَ رُجُوعٌ إِنْ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، فَإِنْ قُلْنَا: تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ، فَهُوَ كَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ.
السَّادِسَةُ: فِي وَقْفِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَجْهَانِ، كَإِجَارَتِهِمَا، إِنْ جَوَّزْنَاهَا، صَحَّ الْوَقْفُ لِتُكْرَى، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحُلِيِّ لِغَرَضِ اللُّبْسِ. وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا الدَّرَاهِمَ لِيُصَاغَ مِنْهَا الْحُلِيُّ بِوَقْفِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ، وَتَرَدَّدَ هُوَ فِيهِ.
السَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ مَا لَا يَدُومُ الِانْتِفَاعُ بِهِ، كَالْمَطْعُومِ وَالرَّيَاحِينِ الْمَشْمُومَةِ، لِسُرْعَةِ فَسَادِهَا.
الثَّامِنَةُ: وَقَفَ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا فِي الذِّمَّةِ، لَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا فِي الذِّمَّةِ. وَلَوْ وَقَفَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْبَيْعِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ كَالْعِتْقِ.
التَّاسِعَةُ: يَجُوزُ وَقْفُ عُلُوِّ الدَّارِ دُونَ سُفْلِهَا.
стр. 2154
الْعَاشِرَةُ: يَصِحُّ وَقْفُ الْفَحْلِ لِلضِّرَابِ، بِخِلَافِ إِجَارَتِهِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ يُحْتَمَلُ فِيهَا مَا لَا يُحْتَمَلُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْمَلَاهِي.
فَرْعٌ
أَجَّرَ أَرْضَهُ ثُمَّ وَقَفَهَا، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بِشَرَائِطِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَجْزُ عَنْ صَرْفِ مَنْفَعَتِهِ إِلَى جِهَةِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ وَقَفَ مَالَهُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: إِنْ وَقَفَهُ عَلَى الْمَسْجِدِ صَحَّ، لِمُشَابَهَتِهِ الْإِعْتَاقَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى إِنْسَانٍ، فَخِلَافٌ.
فَرْعٌ
اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَبْنِيَ فِيهَا، أَوْ يَغْرِسَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ وَقَفَ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفَ هَذَا أَرْضَهُ، وَهَذَا بِنَاءَهُ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ بَاعَاهُ. وَإِذَا قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، وَمَضَتِ الْمُدَّةُ، وَقَلَعَ مَالِكُ الْأَرْضِ الْبِنَاءَ، فَإِنْ بَقِيَ مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقَلْعِ، فَهُوَ وَقْفٌ كَمَا كَانَ.
وَإِنْ لَمْ يَبْقَ، فَهَلْ يَصِيرُ مِلْكًا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ؟ أَمْ يَرْجِعُ إِلَى الْوَاقِفِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَأَرْشُ النَّقْصِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنَ الْقَالِعِ، يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ الْوَقْفِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّةُ وَقْفِ مَا لَمْ يَرَهُ، وَلَا خِيَارَ لَهُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2155
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قِسْمَانِ.
[الْقِسْمُ] الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ شَخْصًا مُعَيَّنًا، أَوْ جَمَاعَةً مُعَيَّنِينَ، فَشَرْطُهُ أَنْ يُمْكِنَ تَمْلِيكُهُ، فَيَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى ذِمِّيٍّ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، كَمَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُمَا لَا دَوَامَ لَهُمَا.
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمَلَّكُ، كَالْجَنِينِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ، قَالَ جَمَاعَةٌ: هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يُمَلَّكُ. فَإِنْ مَلَّكْنَاهُ، صَحَّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ. وَإِذَا عَتِقَ، كَانَ لَهُ دُونَ سَيِّدِهِ، وَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ وَقَفَ عَلَى عَبْدِ فُلَانٍ وَمَلَّكْنَاهُ، صَحَّ وَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مُتَعَلِّقًا بِكَوْنِهِ عَبْدَ فُلَانٍ، حَتَّى لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ، زَالَ الِاسْتِحْقَاقُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُمَلَّكُ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا مَلَّكَهُ السَّيِّدُ؟ فَأَمَّا إِذَا مَلَّكَهُ غَيْرُهُ، فَلَا يُمَلَّكُ بِلَا خِلَافٍ، وَحِينَئِذٍ إِذَا كَانَ الْوَاقِفُ غَيْرَ السَّيِّدِ، كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَنْ لَا يُمَلَّكُ. أَمَّا إِذَا أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ، فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ. كَمَا لَوْ وَهَبَ لَهُ، أَوْ أَوْصَى لَهُ، وَإِذَا شَرَطْنَا الْقَبُولَ، جَاءَ خِلَافٌ فِي اسْتِقْلَالِهِ بِهِ، كَالْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَسْتَقِلُّ بِقَبُولِ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ.
فَرْعٌ
لَوْ وَقَفَ عَلَى مُكَاتَبٍ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ كَالْوَقْفِ عَلَى الْقِنِّ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَصِحُّ فِي الْحَالِ وَتُصْرَفُ الْفَوَائِدُ إِلَيْهِ، وَنُدِيمُ حُكْمَهُ إِذَا عَتِقَ إِنْ
стр. 2156
أَطْلَقَ الْوَقْفَ. وَإِنْ قَالَ: تُصْرَفُ الْفَوَائِدُ إِلَيْهِ مَا دَامَ مُكَاتَبًا، بَطَلَ اسْتِحْقَاقُهُ. وَإِنْ عَجَزَ، بَانَ لَنَا أَنَّ الْوَقْفَ مُنْقَطِعُ الِابْتِدَاءِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى بَهِيمَةٍ وَأَطْلَقَ، هَلْ هُوَ كَالْوَقْفِ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى يَكُونَ وَقْفًا عَلَى مَالِكِهَا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا بِحَالٍ. وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ لَهَا وَالْوَصِيَّةُ.
وَالثَّانِي: نَعَمْ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ يَصِحُّ وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْهُ مَا بَقِيَتْ، وَعَلَى هَذَا، فَالْقَبُولُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْمَالِكِ. وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِي قَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى عَلَفِ بَهِيمَةِ فُلَانٍ، أَوْ بَهَائِمِ الْقَرْيَةِ، وَجْهَيْنِ كَصُورَةِ الْإِطْلَاقِ، قَالَ: وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مَمْلُوكَةً. فَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْوُحُوشِ، أَوْ عَلَفِ الطُّيُورِ الْمُبَاحَةِ، فَلَا يَصِحُّ بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ
فِي وَقْفِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: بُطْلَانُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، قَالَهُ الزُّبَيْرِيُّ. وَحَكَى ابْنُ سُرَيْجٍ أَيْضًا، وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ كَجٍّ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْوَقْفُ، وَيَلْغُو شَرْطُهُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَفْتُ، صَحَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَطَّرِدَ فِي الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَشَرَطَ أَنْ تُقْضَى مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ زَكَاتُهُ وَدُيُونُهُ، فَهَذَا وَقْفٌ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَفِيهِ الْخِلَافُ. وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ ثِمَارِهِ، أَوْ يَنْتَفِعَ بِهِ وَلَوِ اسْتَبْقَى [الْوَاقِفُ] لِنَفْسِهِ التَّوْلِيَةَ، وَشَرَطَ أُجْرَةً، وَقُلْنَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ عَلَى نَفْسِهِ، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الشَّرْطِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْهَاشِمِيِّ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْعَامِلِينَ إِذَا عَمِلَ عَلَى الزَّكَاةِ.
стр. 2157
قُلْتُ: الْأَرْجَحُ هُنَا جَوَازُهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: وَيَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يُجَوِّزُ الزِّيَادَةَ إِلَّا مَنْ أَجَازَ الْوَقْفَ عَلَى نَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ، ثُمَّ صَارَ فَقِيرًا، فَفِي جَوَازِ أَخْذِهِ وَجْهَانِ إِذَا قُلْنَا: لَا يَقِفُ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ نَفْسَهُ وَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ الْجَوَازَ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ، لِأَنَّ مُطْلَقَهُ يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْوَاقِفِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِأَوْقَافِهِ الْعَامَّةِ كَآحَادِ النَّاسِ، كَالصَّلَاةِ فِي بُقْعَةٍ جَعَلَهَا مَسْجِدًا، وَالشُّرْبِ مِنْ بِئْرٍ وَقَفَهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَوْ وَقَفَ كِتَابًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ وَنَحْوِهَا، أَوْ قِدْرًا لِلطَّبْخِ فِيهَا، أَوْ كِيزَانًا لِلشُّرْبِ بِهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلَهُ الِانْتِفَاعُ مَعَهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ لِرَجُلَيْنِ: وَقَفْتُ عَلَى أَحَدِكُمَا، لَمْ يَصِحَّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا يُسَمَّى وَقْفًا عَلَى الْجِهَةِ، لِأَنَّ الْوَاقِفَ يَقْصِدُ جِهَةَ الْفَقْرِ وَالْمَسْكَنَةِ، لَا شَخْصًا بِعَيْنِهِ، فَيُنْظَرُ فِي الْجِهَةِ، إِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَعِمَارَةِ الْكَنِيسَةِ وَقَنَادِيلِهَا وَحُصْرِهَا، وَكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ يَصِحَّ، سَوَاءٌ وَقَفَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَنُبْطِلُهُ إِذَا تَرَافَعُوا إِلَيْنَا. أَمَّا مَا وَقَفُوهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ عَلَى كَنَائِسِهِمُ الْقَدِيمَةِ، فَنُقِرُّهُ حَيْثُ نُقِرُّ الْكَنَائِسَ. وَلَوْ وَقَفَ لِسِلَاحِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، أَوْ لِآلَاتِ سَائِرِ الْمَعَاصِي، فَبَاطِلٌ قَطْعًا. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جِهَةَ مَعْصِيَةٍ، نُظِرَ، فَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ،
стр. 2158
وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ وَالرُّبُطِ وَالْقَنَاطِرِ، صَحَّ الْوَقْفُ. وَإِنْ لَمْ يَظْهَرِ الْقُرْبَةُ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَرْعِيَّ بِالْوَقْفِ عَلَى الْمَوْصُوفِينَ جِهَةُ الْقُرْبَةِ، أَمِ التَّمْلِيكُ؟ فَحَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْمُعَظَّمِ: أَنَّهُ الْقُرْبَةُ، وَلِهَذَا لَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْمَسَاكِينَ، بَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ. وَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ قَالَ: التَّمْلِيكُ كَالْوَصِيَّةِ وَكَالْوَقْفِ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَهَذَا الْوَجْهُ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ وَشَيْخِهِ، وَطُرُقُ الْعِرَاقِيِّينَ تُوَافِقُهُ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ، تَمْلِيكُ الْمُسْلِمِينَ مَنْفَعَةَ الْوَقْفِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْفُسَّاقِ، وَالْأَصَحُّ: الْجَمِيعُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، الْخِلَافُ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ عَلَى قَبِيلَةٍ كَالْعَلَوِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِمْ. فِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ كَالْوَصِيَّةِ لَهُمْ فَإِنْ رَاعَيْنَا الْقُرْبَةَ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا، لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيعَابِ، وَالْأَشْبَهُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ تَرْجِيحُ كَوْنِهِ تَمْلِيكًا، وَتَصْحِيحُ الْوَقْفِ عَلَى هَؤُلَاءِ.
وَلِهَذَا صَحَّحَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» الْوَقْفَ عَلَى النَّازِلِينَ فِي الْكَنَائِسِ مِنْ مَارَّةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَقَالَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَيْهِمْ، لَا عَلَى الْكَنِيسَةِ، لَكِنَّ الْأَحْسَنَ تَوَسُّطٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ تَصْحِيحُ الْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَإِبْطَالُهُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَسَائِرِ الْفُسَّاقِ، لِتَضَمُّنِهِ الْإِعَانَةَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الرُّكْنِ
إِحْدَاهَا: يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ سَهْمَ الزَّكَاةِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا وَقَفَ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، أَوِ الْخَيْرِ، أَوِ الثَّوَابِ، صَحَّ، وَيُصْرَفُ إِلَى أَقَارِبِ الْوَاقِفِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا، فَإِلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ. وَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : الْمَوْقُوفُ
стр. 2159
عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ، أَوِ الْخَيْرِ، أَوِ الثَّوَابِ، يَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَإِصْلَاحِ الْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَدَفْنِ الْمَوْتَى، وَغَيْرِهَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْإِمَامِ: إِنْ وُقِفَ عَلَى جِهَةِ الْخَيْرِ، صُرِفَ [فِي] مَصَارِفِ الزَّكَاةِ، وَلَا يُبْنَى بِهِ مَسْجِدٌ وَلَا رِبَاطٌ. وَإِنْ وُقِفَ عَلَى جِهَةِ الثَّوَابِ، صُرِفَ إِلَى أَقَارِبِهِ. وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالُوا: وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسَبِيلِ الثَّوَابِ، وَسَبِيلِ الْخَيْرِ، صُرِفَ الثُّلُثُ إِلَى الْغُزَاةِ، وَالثُّلُثُ إِلَى أَقَارِبِهِ، وَالثُّلُثُ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، وَالْغَارِمِينَ، وَابْنِ السَّبِيلِ وَفِي الرِّقَابِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا سَبَقَ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَكْفَانِ الْمَوْتَى، وَمُؤْنَةِ الْغَسَّالِينَ، وَالْحَفَّارِينَ، وَعَلَى شِرَاءِ الْأَوَانِي، وَالظُّرُوفِ لِمَنْ تَكَسَّرَتْ عَلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الْمُتَفَقِّيِّهَةِ - وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِتَحْصِيلِ الْفِقْهِ - مُبْتَدِئِهِمْ وَمُنْتَهِيهِمْ، وَعَلَى الْفُقَهَاءِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ حَصَّلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ.
الْخَامِسَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، حُكِيَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أَنَّهُ بَاطِلٌ، إِذْ لَيْسَ لِلتَّصَوُّفِ حَدٌّ يُعْرَفُ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ صِحَّتُهُ، وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَةِ فِي أَغْلَبِ الْأَوْقَاتِ، الْمُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيَا. وَفَصَّلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى فَقَالَ: لَا بُدَّ فِي الصُّوفِيِّ مِنَ الْعَدَالَةِ، وَتَرْكِ الْحِرْفَةِ، وَلَا بَأْسَ بِالْوِرَاقَةِ، وَالْخِيَاطَةِ، وَشِبْهِهِمَا إِذَا تَعَاطَاهَا أَحْيَانًا فِي الرِّبَاطِ لَا فِي الْحَانُوتِ، وَلَا تَقْدَحُ قُدْرَتُهُ عَلَى الْكَسْبِ، وَلَا اشْتِغَالُهُ بِالْوَعْظِ، وَالتَّدْرِيسِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ الْمَالِ قَدْرٌ لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، أَوْ لَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ، وَتَقْدَحُ الثَّرْوَةُ الظَّاهِرَةُ وَالْعُرُوضُ الْكَثِيرَةُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي زِيِّ الْقَوْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُسَاكِنًا، فَتَقُومَ الْمُخَالَطَةُ، وَالْمُسَاكَنَةُ مَقَامَ الزِّيِّ، قَالَ: وَلَا يُشْتَرَطُ لُبْسُ الْمُرَقَّعَةِ مِنْ شَيْخٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي.
стр. 2160
السَّادِسَةُ: وَقَفَ عَلَى الْأَرِقَّاءِ الْمَوْقُوفِينَ لِسِدَانَةِ الْكَعْبَةِ، وَخِدْمَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
السَّابِعَةُ: لَوْ وَقَفَ عَلَى دَارٍ، أَوْ حَانُوتٍ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: لَا يَصِحُّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: وَقَفْتُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ فَوَائِدَهُ طَارِقُوهَا، فَيَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
الثَّامِنَةُ: وَقَفَ عَلَى الْمَقْبَرَةِ لِتُصْرَفَ الْغَلَّةُ فِي عِمَارَةِ الْقُبُورِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْمَوْتَى صَائِرُونَ إِلَى الْبِلَى، فَلَا تَلِيقُ بِهِمُ الْعِمَارَةُ.
التَّاسِعَةُ: وَقَفَ ضَيْعَةً عَلَى الْمُؤَنِ الَّتِي تَقَعُ فِي قَرْيَةِ كَذَا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَصِيغَتُهُ أَنْ يَقُولَ: تَصَدَّقْتُ بِهَذِهِ الضَّيْعَةِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً عَلَى أَنْ تُسْتَغَلَّ، فَمَا فَضَلَ عَنْ عِمَارَتِهَا صُرِفَ إِلَى هَذِهِ الْمُؤَنِ.
الْعَاشِرَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذِهِ الْبَقَرَةَ عَلَى الرِّبَاطِ الْفُلَانِيِّ لِيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا مَنْ نَزَلَهُ، أَوْ يُنْفِقَ مِنْ نَسْلِهَا عَلَيْهِ، صَحَّ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: وَقَفْتُهَا عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُهُ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاللَّفْظِ.
وَقَدْ بَقِيَتْ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ تَأْتِي مَنْثُورَةً فِي آخِرِ الْبَابِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الصِّيغَةُ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ إِلَّا بِلَفْظٍ، لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، أَوِ الْمَنْفَعَةِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ التَّمْلِيكَاتِ، لِأَنَّ الْعِتْقَ مَعَ قُوَّتِهِ وَسِرَايَتِهِ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، فَهَذَا أَوْلَى. فَلَوْ بُنِيَ عَلَى هَيْئَةِ الْمَسَاجِدِ، أَوْ عَلَى غَيْرِ هَيْئَتِهَا، وَأُذِنَ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا، وَكَذَا لَوْ أُذِنَ فِي الدَّفْنِ فِي مِلْكِهِ، لَمْ يَصِرْ مَقْبَرَةً سَوَاءٌ صَلَّى فِي ذَاكَ وَدُفِنَ فِي ذَا، أَمْ لَا.
وَأَلْفَاظُ الْوَقْفِ عَلَى مَرَاتِبَ:
إِحْدَاهَا: قَوْلُهُ: وَقَفْتُ كَذَا، أَوْ حَبَّسْتُ، أَوْ سَبَّلْتُ، أَوْ أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مُسَبَّلَةٌ، فَكُلُّ لَفْظٍ مِنْ هَذَا صَرِيحٌ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ
стр. 2161
بِهِ الْجُمْهُورُ. وَفِي وَجْهٍ: كُلُّ هَذَا كِنَايَةٌ، وَفِي وَجْهٍ: الْوَقْفُ صَرِيحٌ، وَالْبَاقِي كِنَايَةٌ، وَفِي وَجْهٍ: التَّسْبِيلُ كِنَايَةٌ وَالْبَاقِي صَرِيحٌ.
الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: حَرَّمْتُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ أَبَّدْتُهَا، أَوْ دَارِي مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ، كِنَايَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا مُؤَكِّدَةً لِلْأُولَى.
الثَّالِثَةُ: تَصَدَّقْتُ بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، لَيْسَ بِصَرِيحٍ، فَإِنْ زَادَ مَعَهُ شَيْئًا، فَالزِّيَادَةُ لَفْظٌ، أَوْ نِيَّةٌ، فَأَمَّا اللَّفْظُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: إِنْ قَرَنَ بِهِ بَعْضَ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ، بِأَنْ قَالَ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُحَبَّسَةٌ، أَوْ مَوْقُوفَةٌ، أَوْ قَرَنَ بِهِ حُكْمَ الْوَقْفِ، فَقَالَ: صَدَقَةٌ لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، الْتَحَقَ بِالصَّرِيحِ، لِانْصِرَافِهِ بِهَذَا عَنِ التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ.
وَالثَّانِي: لَا يَكْفِي قَوْلُهُ: صَدَقَةٌ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ مُؤَبَّدَةٌ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ التَّقْيِيدِ بِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَعْتَبِرَ هَذَا الْقَائِلُ فِي قَوْلِهِ: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ مِثْلَ هَذَا التَّقْيِيدِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يَكُونُ صَرِيحًا بِلَفْظٍ مَا، لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّمْلِيكِ الْمَحْضِ. وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ بِأَنْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَنَوَى الْوَقْفَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَلْتَحِقُ بِاللَّفْظِ فِي الصَّرْفِ عَنْ صَرِيحِ الصَّدَقَةِ إِلَى غَيْرِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: تَلْتَحِقُ فَيَصِيرُ وَقْفًا.
وَإِنْ أَضَافَ إِلَى مُعَيَّنٍ، فَقَالَ: تَصَدَّقْتُ عَلَيْكَ، أَوْ قَالَهُ لِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، لَمْ يَكُنْ وَقْفًا عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يَنْفُذُ فِيمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ الْمَحْضُ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ.
وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: تَجْرِيدُ لَفْظِ الصَّدَقَةِ عَنِ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ فِي الْجِهَاتِ الْعَامَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي مُعَيَّنِينَ إِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْوَقْفَ الْمُنْقَطِعَ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْمَصَارِفِ بَعْدَ الْمُعَيَّنِينَ، وَحِينَئِذٍ فَالْمَأْتِيُّ بِهِ لَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُ الْوَقْفِ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ: تَصَدَّقْتُ بِهِ صَدَقَةً مُحَرَّمَةً، أَوْ مَوْقُوفَةً، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْوَقْفِ.
стр. 2162
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا الْمَكَانَ مَسْجِدًا، صَارَ مَسْجِدًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِإِشْعَارِهِ بِالْمَقْصُودِ وَاشْتِهَارِهِ فِيهِ. وَقَطَعَ الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ وَالْمُتَوَلِّي، وَالْبَغَوِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَسْجِدًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَلْفَاظِ الْوَقْفِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: فَإِنْ قَالَ: جَعَلْتُهُ مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى، صَارَ مَسْجِدًا.
وَحَكَى الْإِمَامُ خِلَافًا لِلْأَصْحَابِ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْوَقْفِ فِيمَا يُضَاهِي التَّجْرِيدَ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ عَلَى صَلَاةِ الْمُصَلِّينَ، وَهُوَ يُرِيدُ جَعْلَهَا مَسْجِدًا، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ.
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ، كَالْفُقَرَاءِ، وَعَلَى الْمَسْجِدِ، وَالرِّبَاطِ، لَمْ يُشْتَرَطِ الْقَبُولُ. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا لِلْمَسْجِدِ، فَهُوَ تَمْلِيكٌ لَا وَقْفٌ، فَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْقَيِّمِ، وَقَبْضُهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَيْئًا لِصَبِيٍّ.
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى شَخْصٍ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَآخَرِينَ: اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ.
فَعَلَى هَذَا، فَلْيَكُنْ مُتَّصِلًا بِالْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ.
وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ كَالْعِتْقِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَحْتَاجُ لُزُومُ الْوَقْفِ إِلَى الْقَبُولِ، لَكِنْ لَا يُمَلَّكُ عَلَيْهِ إِلَّا بِالِاخْتِيَارِ، وَيَكْفِي الْأَخْذُ دَلِيلًا عَلَى الِاخْتِيَارِ.
وَخَصَّ الْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ بِقَوْلِنَا: يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْقُوفِ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يُشْتَرَطُ قَطْعًا.
قُلْتُ: صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» الِاشْتِرَاطَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسَوَاءٌ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا، لَوْ رَدَّهُ بَطَلَ حَقُّهُ كَالْوَصِيَّةِ، وَالْوَكَالَةِ وَشَذَّ
стр. 2163
الْبَغَوِيُّ فَقَالَ: لَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ كَالْعِتْقِ. فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ رَدَّ ثُمَّ رَجَعَ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: إِنْ رَجَعَ قَبْلَ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِرَدِّهِ إِلَى غَيْرِهِ كَانَ لَهُ. وَإِنْ حَكَمَ بِهِ لِغَيْرِهِ بَطَلَ حَقُّهُ. هَذَا فِي الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَمَّا الْبَطْنُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: فَنَقَلَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ قَطْعًا، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ لَا يَتَّصِلُ بِالْإِيجَابِ، وَنَقَلَا فِي ارْتِدَادِهِ بِرَدِّهِمْ وَجْهَيْنِ، لِأَنَّ الْوَقْفَ قَدْ ثَبَتَ وَلَزِمَ فَيَبْعُدُ انْقِطَاعُهُ، وَأَجْرَى الْمُتَوَلِّي الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهِمْ، وَارْتِدَادِهِ بِرَدِّهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَتَلَقَّوْنَ الْحَقَّ مِنَ الْوَاقِفِ، أَمْ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَقَبُولُهُمْ وَرَدُّهُمْ كَقَبُولِ الْأَوَّلِينَ وَرَدِّهِمْ، وَإِلَّا فَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُمْ، وَرَدُّهُمْ كَالْمِيرَاثِ، وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يَتَّصِلَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالْإِيجَابِ مَعَ اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي شُرُوطِ الْوَقْفِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: التَّأْبِيدُ، بِأَنْ يَقِفَ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَنْقَرِضُ، ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَنْقَرِضُ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَقِبِهِ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالرُّبُطِ، وَالْقَنَاطِرِ، كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ مَسَاجِدَ، أَوْ قَنَاطِرَ، فَوَجْهَانِ. وَفِي مَعْنَى الْفُقَرَاءِ الْعُلَمَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ يَنْقَطِعُونَ.
فَصْلٌ
لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْوَقْفَ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: يَصِحُّ، وَيَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، وَقِيلَ: الْوَقْفُ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبُولُ لَا يَفْسُدُ بِالتَّوْقِيتِ كَالْعِتْقِ، وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ، وَمَنْ تَابَعَهُ. وَفِي مُطْلَقِ الْوَقْفِ قَوْلٌ آخَرُ سَنَحْكِيهِ فِي الْهِبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 2164
فَصْلٌ
إِذَا وَقَفَ وَقْفًا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، بِأَنْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى زَيْدٍ، ثُمَّ عَلَى عَقِبِهِ، وَلَمْ يَزِدْ، فَفِي صِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الصِّحَّةُ. مِنْهُمُ الْقُضَاةُ: أَبُو حَامِدٍ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالرُّويَانِيُّ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» .
وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ، وَصَحَّحَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْإِمَامُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْمَوْقُوفُ عَقَارًا، فَبَاطِلٌ. وَإِنْ كَانَ حَيَوَانًا صَحَّ، لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى الْهَلَاكِ، وَرُبَّمَا هَلَكَ قَبْلَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَرْتَفِعُ الْوَقْفُ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ إِنْ كَانَ مَاتَ. وَأَظْهَرُهُمَا: يَبْقَى وَقْفًا، وَفِي مَصْرِفِهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : يُصْرَفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.
وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ.
وَالثَّالِثُ: إِلَى الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مَصَارِفُ خُمُسِ الْخُمُسِ.
وَالرَّابِعُ: إِلَى مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ. فَإِنْ قُلْنَا: إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَيُعْتَبَرُ قُرْبُ الرَّحِمِ، أَمِ اسْتِحْقَاقُ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ الْعَمِّ، لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ صِلَةُ الرَّحِمِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ، فَالْقَوْلُ فِي الْأَقْرَبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَصِيَّةِ لِلْأَقْرَبِ. وَهَلْ يَخْتَصُّ بِفُقَرَاءِ الْأَقَارِبِ، أَمْ يُشَارِكُهُمْ أَغْنِيَاؤُهُمْ. قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: الِاخْتِصَاصُ. وَهَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ، أَمِ الِاسْتِحْبَابِ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَفِي تَقْدِيمِ جِيرَانِ الْوَاقِفِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّا لَوْ قَدَّمْنَا بِالْجِوَارِ، لَقَدَّمْنَا بِالْقَرَابَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
стр. 2165
فَرْعٌ
قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى زَيْدٍ شَهْرًا، عَلَى أَنْ يَعُودَ إِلَى مِلْكِي بَعْدَ الشَّهْرِ، فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يَعُودُ مِلْكًا بَعْدَ الشَّهْرِ، أَمْ يَكُونُ كَالْمُنْقَطِعِ حَتَّى يُصْرَفَ بَعْدَ الشَّهْرِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ؟ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: التَّنْجِيزُ. فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي، أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ سَيُبْنَى، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، أَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ. وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْبُطْلَانُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، فَإِنْ صَحَّحْنَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُمْكِنِ انْتِظَارُ مَنْ ذَكَرَهُ كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي وَلَا وَلَدَ لَهُ، أَوْ عَلَى مَجْهُولٍ، أَوْ مَيِّتٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَهُوَ فِي الْحَالِ مَصْرُوفٌ إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَذِكْرُ الْأَوَّلِ لَغْوٌ. وَإِنْ أَمْكَنَ، إِمَّا بِانْقِرَاضِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى عَبْدٍ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَإِمَّا بِحُصُولِهِ، كَوَلَدٍ سَيُولَدُ (لَهُ) ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تُصْرَفُ الْغَلَّةُ إِلَى الْوَاقِفِ حَتَّى يَنْقَرِضَ الْأَوَّلُ. وَعَلَى هَذَا، فَفِي ثُبُوتِ الْوَقْفِ فِي الْحَالِ وَجْهَانِ.
وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: تَنْقَطِعُ الْغَلَّةُ عَنِ الْوَاقِفِ، وَعَلَى هَذَا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا: تُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا، صُرِفَ إِلَى الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ، وَعَلَى هَذَا فَالْقَوْلُ فِي اشْتِرَاطِ الْفَقْرِ، وَسَائِرِ التَّفَارِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ.
وَالثَّانِي: يُصْرَفُ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
فَرْعٌ
وَقَفَ عَلَى وَارِثِهِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَقُلْنَا: الْوَقْفُ عَلَى الْوَارِثِ
стр. 2166
بَاطِلٌ، أَوْ صَحِيحٌ، فَرَدَّهُ بَاقِي الْوَرَثَةِ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ. وَكَذَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَرَدَّهُ الْمُعَيَّنُ، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّهُ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، فَمُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ.
فَرْعٌ
إِذَا عَلَّقَ الْوَقْفَ، فَقَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ، فَقَدْ وَقَفْتُهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ، وَأَوْلَى بِالْفَسَادِ.
فَرْعٌ
وَرَاءَ مُنْقَطِعِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، أَوِ الْآخِرِ فَقَطْ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلَ الْأَوَّلِ، وَالْآخِرِ وَالْوَسَطِ، فَصَحِيحٌ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُنْقَطِعَهَا جَمِيعًا، فَبَاطِلٌ قَطْعًا.
الثَّالِثَةُ: مُتَّصِلَ الطَّرَفَيْنِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا مُنْقَطِعَ الْآخِرِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا الصِّحَّةُ، وَيُصْرَفُ عِنْدَ تَوَسُّطِ الِانْقِطَاعِ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، أَوْ إِلَى الْمَسَاكِينِ، أَوِ الْمَصَالِحِ، أَوِ الْجِهَةِ الْعَامَّةِ الْمَذْكُورَةِ آخِرًا؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَنْقَطِعَ الطَّرَفَانِ دُونَ الْوَسَطِ، بِأَنْ وَقَفَ عَلَى رَجُلٍ مَجْهُولٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ فَقَطْ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا مُنْقَطِعَ الْأَوَّلِ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ بُطْلَانُهُ أَيْضًا. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِيمَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْإِلْزَامُ، فَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ، أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ بِشَرْطٍ
стр. 2167
أَنِّي أَبِيعُهُ، أَوْ أَرْجِعُ فِيهِ مَتَى شِئْتُ، فَبَاطِلٌ، وَاحْتَجُّوا لَهُ بِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ إِلَى اللَّهِ ، كَالْعِتْقِ، أَوْ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، فَهَذَا شَرْطٌ مُفْسِدٌ. لَكِنْ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْعِتْقَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَالسِّرَايَةِ. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ الشَّرْطُ، وَيَصِحَّ الْوَقْفُ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ إِذَا مَاتَ، فَهُوَ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَنِ الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أُخِذَا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعُمَرِيِّ. وَلَوْ وَقَفَ وَشَرَطَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَحْرِمَ مَنْ شَاءَ، أَوْ يُقَدِّمَ أَوْ يُؤَخِّرَ، فَالشَّرْطُ فَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ. هَذَا إِذَا أَنْشَأَ الْوَقْفَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَوْ أَطْلَقَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ مَا ذَكَرَهُ بِحِرْمَانٍ، أَوْ زِيَادَةٍ، أَوْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، فَلَيْسَ لَهُ قَطْعًا. فَإِنْ صَحَّحْنَا شَرْطَهُ لِنَفْسِهِ، فَشَرْطُهُ لِغَيْرِهِ، فَفَاسِدٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ أَفْسَدْنَاهُ، فَفِي فَسَادِ الْوَقْفِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ كَالْعِتْقِ، أَمْ لَا؟ هَذَا مَجْمُوعُ مَا حَضَرَنِي مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ. وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُهُمْ بُطْلَانُ الشَّرْطِ، وَالْوَقْفِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَشَذَّ الْغَزَالِيُّ، فَجَعَلَ هَذِهِ الصُّوَرَ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ.
الْأُولَى: وَقَفْتُ بِشَرْطِ أَنْ أَرْجِعَ مَتَى شِئْتُ، أَوْ أَحْرِمَ الْمُسْتَحِقَّ، وَأُحَوِّلَ الْحَقَّ إِلَى غَيْرِهِ مَتَى شِئْتُ، فَفَاسِدٌ. الثَّانِيَةُ: بِشَرْطِ أَنْ أُغَيِّرَ قَدْرَ الْمُسْتَحِقِّ لِلْمَصْلَحَةِ، فَهُوَ جَائِزٌ. الثَّالِثَةُ: يَقُولُ: أُغَيِّرُ تَفْصِيلَهُ، فَوَجْهَانِ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ فِيهِ لَبْسٌ، فَإِنَّ التَّحْوِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأُولَى هُوَ التَّغَيُّرُ الْمَذْكُورُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ. فَصْلٌ
لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ الْوَقْفُ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يَتْبَعُ شَرْطَهُ كَسَائِرِ
стр. 2168
الشُّرُوطِ. وَالثَّانِي: لَا، لِتَضَمُّنِهِ الْحَجْرَ عَلَى مُسْتَحِقِّي الْمَنْفَعَةِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ مَنَعَ الزِّيَادَةَ عَلَى سَنَةٍ اتُّبِعَ، لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، وَإِنْ مَنَعَ مُطْلَقًا، فَلَا. فَإِنْ أَفْسَدْنَا الشَّرْطَ، فَالْقِيَاسُ فَسَادُ الْوَقْفِ بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَاصِمٍ: إِذَا شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجَّرَ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ، لَمْ يُخَالَفْ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الصَّلَاحُ فِي الزِّيَادَةِ زِيدَ، وَهَذَا تَصْحِيحٌ لِلْوَقْفِ مَعَ فَسَادِ الشَّرْطِ.
قُلْتُ: لَيْسَ هَذَا فَسَادًا لِلشَّرْطِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا جَعَلَ دَارَهُ مَسْجِدًا، أَوْ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً، أَوْ بَنَى مَدْرَسَةً، أَوْ رِبَاطًا، فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ، وَيُدْفَنَ فِي الْمَقْبَرَةِ، وَيَسْكُنَ الْمَدْرَسَةَ بِشَرْطِ الْأَهْلِيَّةِ، وَيَنْزِلَ الرِّبَاطَ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْوَاقِفُ، وَغَيْرُهُ. وَلَوْ شَرَطَ فِي الْوَقْفِ اخْتِصَاصَ الْمَسْجِدِ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، أَوِ الرَّأْيِ، أَوْ طَائِفَةٍ مَعْلُومِينَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَتْبَعُ شَرْطَهُ. فَعَلَى هَذَا قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَفْسُدُ الْوَقْفُ لِفَسَادِ الشَّرْطِ. وَالثَّانِي: يَتْبَعُ وَيَخْتَصُّ بِهِمْ رِعَايَةً لِلشَّرْطِ، وَقَطْعًا لِلنِّزَاعِ فِي إِقَامَةِ الشَّعَائِرِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى بِهَذَا، وَإِنْ كَانَ الْغَزَالِيُّ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي «الْوَجِيزِ» .
قُلْتُ: الْأَصَحُّ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» . وَالْمُرَادُ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ، وَبِأَصْحَابِ الرَّأْيِ: الْفُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةُ، هَذَا عُرْفُ أَهْلِ خُرَاسَانَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ الْوَجْهَانِ، فِيمَا إِذَا قَالَ: عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلِانْقِرَاضِ، فَفِيهِ خِلَافٌ.
стр. 2169
قُلْتُ: يَعْنِي اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ لِاحْتِمَالِ انْقِرَاضِ هَذِهِ الطَّائِفَةِ، وَالْأَصَحُّ، أَوِ الصَّحِيحُ الصِّحَّةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمَدْرَسَةِ، وَالرِّبَاطِ الِاخْتِصَاصَ، اخْتَصَّ قَطْعًا. وَلَوْ شَرَطَ فِي الْمَقْبَرَةِ الِاخْتِصَاصَ بِالْغُرَبَاءِ، أَوْ بِجَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُرَتَّبَ عَلَى الْمَسْجِدِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَخْتَصُّ، فَالْمَقْبَرَةُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالْمَدْرَسَةِ، وَإِلْحَاقُهَا بِالْمَدْرَسَةِ أَصَحُّ، فَإِنَّ الْمَقَابِرَ لِلْأَمْوَاتِ كَالْمَسَاكِنِ لِلْأَحْيَاءِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا شَرَطَ فِي حَالِ الْوَقْفِ. أَمَّا إِذَا وَقَفَ مُطْلَقًا، ثُمَّ خَصَّصَ الْمَدْرَسَةَ، أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ غَيْرَهُمَا، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ قَطْعًا.
الشَّرْطُ الرَّابِعُ: بَيَانُ الْمَصْرِفِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَقَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: بُطْلَانُ الْوَقْفِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ دَارِي بِعَشَرَةٍ، أَوْ وَهَبْتُهَا، وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى جَمَاعَةٍ، لَمْ يَصِحَّ، لِجَهَالَةِ الْمَصْرِفِ. فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْمَصْرِفَ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالرُّويَانِيُّ، كَمَا لَوْ نَذَرَ هَدْيًا، أَوْ صَدَقَةً وَلَمْ يُبَيِّنِ الْمَصْرِفَ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: أَوْصَيْتُ بِثُلُثَيَّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيُصْرَفُ إِلَى الْمَسَاكِينِ. وَهَذَا إِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، فَالْفَرْقُ مُشْكِلٌ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ أَنَّ غَالِبَ الْوَصَايَا لِلْمَسَاكِينِ، فَحُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ، وَلِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، فَتَصِحُّ بِالْمَجْهُولِ، وَالنَّجَسِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ الْوَقْفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِي مَصْرِفِهِ الْخِلَافُ فِي مُنْقَطِعِ الْآخِرِ إِذَا صَحَّحْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ
стр. 2170
سُرَيْجٍ، يَصْرِفُهُ النَّاظِرُ فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْبِرِّ كَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى، وَغَيْرِهَا.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ
الْأُولَى: وَقَفَ عَلَى رَجُلَيْنِ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَفِي نَصِيبِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا وَهُوَ نَصُّهُ فِي حَرْمَلَةَ: يُصْرَفُ إِلَى صَاحِبِهِ. وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْقِيَاسُ: أَنْ لَا يُصْرَفَ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا إِلَى الْمَسَاكِينِ، بَلْ صَارَ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْمَيِّتِ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ.
قُلْتُ: مَعْنَاهُ: يَكُونُ صَرْفُهُ مَصْرِفَ مُنْقَطِعِ الْوَسَطِ، لِأَنَّهُ يَجِيءُ خِلَافٌ فِي صِحَّةِ الْوَقْفِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الثَّانِيَةُ: وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ بَعْدَهُمَا، وَصَحَّحْنَا الْوَقْفَ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنَصِيبُهُ لِلْآخَرِ، أَمْ حُكْمُهُ حُكْمُ نَصِيبِهَا إِذَا مَاتَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: وَقَفَ عَلَى بُطُونٍ، فَرَدَّ الْبَطْنَ الثَّانِيَ، وَقُلْنَا: يَرْتَدُّ بِرَدِّهِمْ، فَهَذَا وَقْفٌ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ، أَوْ وَجْهٌ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّالِثِ.
الرَّابِعَةُ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَقَارِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَوَّزْنَا الْوَقْفَ عَلَى قَوْمٍ غَيْرِ مَحْصُورِينَ، وَلَا يَكُونُ كَصَرْفِ الزَّكَاةِ إِلَيْهِمْ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى الْمَسَاكِينِ بَعْدَ مَوْتِي، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: أَفْتَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَوَافَقَهُ أَئِمَّةُ عَصْرِهِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ وَصِيَّةٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الدَّارَ عَلَى الْبَيْعِ صَارَ رَاجِعًا فِيهِ.
стр. 2171
السَّادِسَةُ: قَالَ: جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ خَانْقَاهْ لِلْغُزَاةِ لَمْ تَصِرْ وَقْفًا بِذَلِكَ. وَلَوْ قَالَ: تَصَدَّقْتُ بِهَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً لِيَصْرِفَ مِنْ غَلَّتِهَا كُلَّ شَهْرٍ إِلَى فُلَانٍ كَذَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، فَفِي صِحَّةِ هَذَا الْوَقْفِ وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّ فَفِي الْفَاضِلِ عَنِ الْمِقْدَارِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: الصَّرْفُ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَالثَّانِي: إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَالثَّالِثُ: يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَاقِفِ.
السَّابِعَةُ: قَالَ: جَعَلْتُ دَارِي هَذِهِ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ سَلَّمَ دَارًا إِلَى قَيِّمِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: خُذْهَا لِلْمَسْجِدِ، أَوْ قَالَ: إِذَا مُتُّ فَأَعْطُوا مِنْ مَالِي أَلْفَ دِرْهَمٍ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ فَدَارِي لِلْمَسْجِدِ، لَا يَكُونُ شَيْئًا، لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ صِيغَةُ وَقْفٍ، وَلَا تَمْلِيكٍ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي التَّمْلِيكِ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ كِنَايَةٌ، الثَّامِنَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى زَيْدٍ، وَعَلَى الْفُقَرَاءِ، بُنِيَ عَلَى مَا إِذَا أَوْصَى لِزَيْدٍ، وَلِلْفُقَرَاءِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَأَحَدِهِمْ، صَحَّ الْوَقْفُ، وَلَا يُحْرَمُ زَيْدٌ. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ النِّصْفُ، صَحَّ الْوَقْفُ فِي نَصِيبِ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الثَّانِي، فَمُنْقَطِعُ الْآخِرِ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ، جَاءَ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهَا مَنْقُولَةٌ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ.
التَّاسِعَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَقَفْتُهَا عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيِّنَ جِهَتَهُ، فَيَقُولَ: وَقَفْتُ عَلَى عِمَارَتِهِ، أَوْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ لِيُسْتَغَلَّ فَيُصْرَفَ إِلَى عِمَارَتِهِ، أَوْ إِلَى دُهْنِ السِّرَاجِ، وَنَحْوِهِمَا، وَمُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهُ.
قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ بِصِحَّتِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الْعَاشِرَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى رِبَاطٍ، أَوْ مَسْجِدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَصْرِفَ إِنْ خَرِبَ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ. وَفَصَّلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُسْتَبْعَدُ فِي الْعَادَةِ خَرَابُهُ، بِأَنْ كَانَ فِي وَسَطِ الْبَلْدَةِ، فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ حَارَةٍ، فَهُوَ مُنْقَطِعُ الْآخِرِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ.
стр. 2172
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الْوَقْفِ الصَّحِيحِ
إِذَا صَحَّ الْوَقْفُ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ، مِنْهَا: مَا يَنْشَأُ مِنَ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْوَقْفِ وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ.
وَمِنْهَا: مَا يَقْتَضِيهِ الْمَعْنَى، فَلَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ، وَيَجْمَعُ الْبَابَ طَرَفَانِ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الْأَحْكَامِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ مَرْعِيَّةٌ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُنَافِي الْوَقْفَ، وَفِيهِ مَسَائِلُ.
[الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى: قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَلَا تَرْتِيبَ، بَلْ يُسَوَّى بَيْنَ الْجَمِيعِ، وَلَوْ زَادَ فَقَالَ: مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَكَذَلِكَ، وَيُحْمَلُ عَلَى التَّعْمِيمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الزِّيَادِيُّ: قَوْلُهُ: بَطَنًا بَعْدَ بَطْنٍ، يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي مَا تَنَاسَلُوا، أَوْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ، فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ، وَلَا يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي شَيْءٌ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَوَّلِ وَاحِدٌ، وَلَا إِلَى الثَّالِثِ مَا بَقِيَ مِنَ الثَّانِي أَحَدٌ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ. وَالْقِيَاسُ فِيمَا إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَنْ يَجِيءَ فِي نَصِيبِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ، أَوْ جَمَاعَةٍ، ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَإِلَى مَنْ يُصْرَفُ نَصِيبُهُ؟ وَلَمْ أَرَ تَعَرُّضًا إِلَيْهِ إِلَّا لِأَبِي الْفَرَجِ السَّرَخْسِيِّ، فَإِنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، وَحَكَى فِيهِمَا وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ نَصِيبَ الْمَيِّتِ لِصَاحِبِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ «الْإِيضَاحِ» أَنْ يُصْرَفَ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ.
стр. 2173
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: مَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ مَوْتِ بَعْضِ الْأَوْلَادِ يُسَمَّوْنَ أَوْلَادًا، بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ أَحَدُ الشَّخْصَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ مُرَاعَاةَ التَّرْتِيبِ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ الْبَطْنِ الثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ بَلْ يُعْتَبَرُ التَّرْتِيبُ فِي جَمِيعِ الْبُطُونِ، فَلَا يُصْرَفُ إِلَى بَطْنٍ وَهُنَاكَ أَحَدٌ مِنْ بَطْنٍ أَقْرَبُ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوِ الْأَقْرَبِ، فَالْأَقْرَبِ، أَوِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَوْ يَبْدَأُ بِالْأَعْلَى مِنْهُمْ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا حَقَّ لِبَطْنٍ، وَهُنَاكَ أَحَدٌ فَوْقَهُمْ، فَمُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ أَيْضًا. وَلَوْ قَالَ: فَمَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِي فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، اتَّبَعَ شَرْطَهُ.
فَرْعٌ
قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَمُقْتَضَاهُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ، وَمَنْ دُونَهُمْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَنْ دُونَهُمْ. وَلَوْ قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، فَمُقْتَضَاهُ الْجَمْعُ أَوَّلًا، وَالتَّرْتِيبُ ثَانِيًا.
فَرْعٌ
قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ، فَنَصِيبُهُ لِأَوْلَادِهِ خَاصَّةً، وَيُشَارِكُونَ الْبَاقِينَ فِيمَا عَدَا نَصِيبَ أَبِيهِمْ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا وَقَفَ عَلَى الْأَوْلَادِ، فَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: لَا يَدْخُلُونَ، وَالثَّانِي: يَدْخُلُونَ، وَالثَّالِثُ: يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ
стр. 2174
أَوْلَادِ الْبَنَاتِ، وَهَذَا الْخِلَافُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ يُقْرَنُ بِاللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِخُرُوجِهِمْ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَلِأَحْفَادِي الثُّلُثُ، وَالْبَاقِي لِلْفُقَرَاءِ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ، حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي، وَغَيْرُهُ، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ الْخِلَافُ، الثَّالِثَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ، يَدْخُلُ فِيهِ الْبَنُونَ، وَالْبَنَاتُ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ. الرَّابِعَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْبَنِينَ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى، وَفِي دُخُولِ بَنِي الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ. الْخَامِسَةُ: الْوَقْفُ عَلَى الْبَنَاتِ، لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى، وَفِي بَنَاتِ الْأَوْلَادِ الْأَوْجُهُ. السَّادِسَةُ: وَقَفَ عَلَى الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، دَخَلَ الْخُنْثَى عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَا مِنْ هَؤُلَاءِ. السَّابِعَةُ: وَقَفَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَصَحَّحْنَا مِثْلَ هَذَا الْوَقْفِ، فَفِي دُخُولِ نِسَائِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَالْوَقْفِ عَلَى بَنِي زَيْدٍ، وَأَصَحُّهُمَا: الدُّخُولُ لِأَنَّهُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الْقَبِيلَةِ. الثَّامِنَةُ: وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ، وَالْبَنَاتِ، فَإِنْ قَالَ: عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِي، لَمْ يَدْخُلْ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
الْمُسْتَحِقُّونَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ، لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ حَمْلًا عِنْدَ الْوَقْفِ، هَلْ يَدْخُلُ حَتَّى يُوقَفَ لَهُ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْمُتَوَلِّي. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْمِيرَاثِ، وَيَسْتَحِقُّ
стр. 2175
الْغَلَّةَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ. وَالصَّحِيحُ: لَا، لِأَنَّهُ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَأَمَّا غَلَّةُ مَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ، فَيَسْتَحِقُّهَا قَطْعًا، وَكَذَا الْأَوْلَادُ الْحَادِثُ عُلُوقُهُمْ بَعْدَ الْوَقْفِ، يَسْتَحِقُّونَ إِذَا انْفَصَلُوا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي الْكُتُبِ، وَفِي أَمَالِي السَّرَخْسِيِّ خِلَافُهُ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ غَلَّةً مُدَّةَ الْحَمْلِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ نَخْلَةً، فَخَرَجَتْ ثَمَرَتُهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْحَمْلِ، لَا يَكُونُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الثَّمَرَةِ شَيْءٌ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْفُورَانِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَأَطْلَقَاهُ. وَقَالَ الدَّارِمِيُّ فِي «الِاسْتِذْكَارِ» : فِي الثَّمَرَةِ الَّتِي أَطْلَعَتْ، وَلَمْ تُؤَبَّرْ، قَوْلَانِ: هَلْ لَهَا حُكْمُ الْمُؤَبَّرَةِ، فَتَكُونُ لِلْبَطْنِ الْأَوَّلِ، أَوْ لَا، فَتَكُونُ لِلثَّانِي؟ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ يَجْرِيَانِ هُنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ، لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، لِانْقِطَاعِ نَسَبِهِ، وَخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ وَلَدًا، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ، وَأَثَرُ اللِّعَانِ مَقْصُورٌ عَلَى الْمُلَاعِنِ.
قُلْتُ: فَلَوِ اسْتَلْحَقَهُ بَعْدَ نَفْيِهِ دَخَلَ فِي الْوَقْفِ قَطْعًا، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
التَّاسِعَةُ: قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى ذُرِّيَّتِي، أَوْ عَقِبِي، أَوْ نَسْلِي دَخَلَ فِيهِ أَوْلَادُ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، قَرِيبُهُمْ، وَبِعِيدُهُمْ، وَلَوْ حَدَثَ حَمْلٌ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُوقِفُ نَصِيبَهُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ مِنْ نَسْلِهِ، وَعَقِبِهِ قَطْعًا، وَلَوْ وَقَفَ عَلَى عِتْرَتِهِ، قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ، وَثَعْلَبٌ: هُمْ ذُرِّيَّتُهُ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: هُمْ عَشِيرَتُهُ، وَهُمَا وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ.
следующие страницы →