Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
قُلْتُ: قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» بِأَنَّهُ لِلِابْنِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَبِ أَنْ يَقْبَلَهَا لِوَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ أَثِمَ، قَالَ: وَكَذَا وَصِيٌّ وَقَيِّمٌ، يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَالْوَصِيَّةَ لِلصَّغِيرِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَقْبَلِ الْوَصِيُّ الْوَصِيَّةَ وَالْهَدِيَّةَ، أَثِمَ، وَانْعَزَلَ لِتَرْكِهِ النَّظَرَ، وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي: أَنَّ الشَّيْخَ أَبَا إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ قَالَ: تَكُونُ مِلْكًا لِلْأَبِ، لِأَنَّ النَّاسَ يَقْصِدُونَ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ، وَهَذَا أَقْوَى، وَأَصَحُّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
السَّابِعَةُ: بَعَثَ إِلَيْهِ هَدِيَّةً فِي ظَرْفٍ، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِهَا رَدُّ الظَّرْفِ، لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ هَدِيَّةً، فَإِنْ كَانَ الْعَادَةُ أَنْ لَا يُرَدَّ كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ، فَالظَّرْفُ هَدِيَّةٌ أَيْضًا، وَقَدْ يُمَيَّزُ الْقِسْمَانِ بِكَوْنِهِ مَشْدُودًا فِيهِ، وَغَيْرَ مَشْدُودٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ هَدِيَّةً، كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ الْهَدِيَّةِ. وَأَمَّا فِيهَا، فَإِنِ اقْتَضَتِ الْعَادَةُ تَفْرِيغَهُ، لَزِمَ تَفْرِيغُهُ. وَإِنِ اقْتَضَتِ التَّنَاوُلَ مِنْهُ، جَازَ التَّنَاوُلُ مِنْهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَكُونُ عَارِيَةً.
الثَّامِنَةُ: بَعَثَ كِتَابًا إِلَى حَاضِرٍ أَوْ غَائِبٍ، وَكَتَبَ فِيهِ أَنِ اكْتُبِ الْجَوَابَ عَلَى ظَهْرِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَإِلَّا، فَهُوَ هَدِيَّةٌ يَمْلِكُهَا الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي. وَقَالَ غَيْرُهُ: يُبْقَى عَلَى مِلْكِ الْكَاتِبِ، وَلِلْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي حَكَاهُ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» عَنْ حِكَايَةِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
التَّاسِعَةُ: أَعْطَاهُ دِرْهَمًا وَقَالَ: ادْخُلْ بِهِ الْحَمَّامَ، أَوْ دَرَاهِمَ وَقَالَ: اشْتَرِ بِهَا لِنَفْسِكَ عِمَامَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَسُّطِ الْمُعْتَادِ، مَلَكَهُ وَتَصَرَّفَ [فِيهِ] كَيْفَ شَاءَ. وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ تَحْصِيلُ
стр. 2207
مَا عَيَّنَهُ لِمَا رَأَى بِهِ مِنَ الشَّعَثِ، وَالْوَسَخِ، أَوْ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ مَكْشُوفُ الرَّأْسِ، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى غَيْرِ مَا عَيَّنَهُ.
قُلْتُ: وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» : وَهَلْ يَتَعَيَّنُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَقَالَ: وَلَوْ طَلَبَ الشَّاهِدُ مَرْكُوبًا لِيَرْكَبَهُ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ، فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ لِيَصْرِفَهَا إِلَى مَرْكُوبٍ، هَلْ لَهُ صَرْفُهَا إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، مَا قَالَهُ الْقَفَّالُ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِشَرْطِ أَنَّكَ تَشْتَرِي بِهَا خُبْزًا لِتَأْكُلَهُ، لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ لَهُ التَّصَرُّفَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْعَاشِرَةُ: سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ مَاتَ أَبُوهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ثَوْبًا لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ، هَلْ يَمْلِكُهُ حَتَّى يُمْسِكَهُ، وَيُكَفِّنَهُ فِي غَيْرِهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِتَكْفِينِهِ لَفِقْهٍ وَوَرَعٍ، فَلَا، وَلَوْ كَفَّنَهُ فِي غَيْرِهِ وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَالِكِهِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ: أَنَّ خَادِمَ الصُّوفِيَّةِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي السُّوقِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ شَيْئًا يَأْكُلُونَهُ، يَمْلِكُهُ الْخَادِمُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّرْفُ إِلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْمُرُوءَةَ تَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِمَا تَصَدَّى لَهُ، وَلَوْ لَمْ يَفِ، فَلَهُمْ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ الْجَمْعَ لَهُمْ، وَالْإِنْفَاقَ عَلَيْهِمْ. وَإِنَّمَا مَلَكَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا وَكِيلٍ عَنْهُمْ، بِخِلَافِ هَدَايَا الْخِتَانِ.
قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْفَصْلِ، أَنَّ قَبُولَ الْهَدَايَا الَّتِي يَجِيءُ بِهَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، جَائِزٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْعُمَّالِ وَأَهْلِ الْوِلَايَاتِ قَبُولُ هَدِيَّةٍ مِنْ رَعَايَاهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2208
فَصْلٌ
فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى
أَمَّا الْعُمْرَى، فَقَوْلُهُ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ مَثَلًا، أَوْ جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، أَوْ حَيَاتَكَ، أَوْ مَا عِشْتَ، أَوْ حَيِيتَ، أَوْ بَقِيتَ، وَمَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى. ثُمَّ لَهُ أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ مَعَ ذَلِكَ: فَإِذَا مُتُّ، فَهِيَ لِوَرَثَتِكَ، أَوْ لِعَقِبِكَ وَهِيَ الْهِبَةُ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّهُ طَوَّلَ الْعِبَارَةَ فَإِذَا مَاتَ. فَالدَّارُ لِوَرَثَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا، فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَا يَعُودُ إِلَى الْوَاهِبِ بِحَالٍ.
الثَّانِي: يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا سِوَاهُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهُ حُكْمُ الْهِبَةِ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ بَاطِلٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْقَدِيمَ: أَنَّ الدَّارَ تَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ حَيَاتَهُ. فَإِذَا مَاتَ، عَادَتْ إِلَى الْوَاهِبِ، أَوْ وَرَثَتِهِ كَمَا شَرَطَ. وَقِيلَ: الْقَدِيمُ: أَنَّهَا تَكُونُ عَارِيَّةً يَسْتَرِدُّهَا مَتَى شَاءَ، فَإِذَا مَاتَ، عَادَتْ إِلَى الْوَاهِبِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ عَادَتْ إِلَيَّ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِي إِنْ كُنْتُ مُتُّ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فِي الْحَالِ الثَّانِي، فَهُنَا أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا بِالصِّحَّةِ، وَالْعَوْدِ إِلَى الْوَاهِبِ، فَكَذَا هُنَا. وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْبُطْلَانُ. وَالصَّحِيحُ: الصِّحَّةُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَسَوَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا بِإِطْلَاقِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَعَدَلُوا بِهِ عَنْ قِيَاسِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
وَأَمَّا الرُّقْبَى: فَهُوَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُ لَكَ هَذِهِ الدَّارَ عُمْرَكَ، عَلَى أَنَّكَ إِنْ مُتَّ قَبْلِي عَادَتْ إِلَيَّ. وَإِنْ مُتُّ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ لَكَ، أَوْ جَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ رُقْبَى، أَوْ أَرْقَبْتُهَا لَكَ. وَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحَالِ الثَّالِثِ مِنَ الْعُمْرَى، وَحَاصِلُهُ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ. وَأَصَحُّهُمَا: قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: صِحَّتُهُ، وَيَلْغُو الشَّرْطُ.
стр. 2209
فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ، فَإِذَا صَحَّحْنَاهُمَا، وَأَلْغَيْنَا الشَّرْطَ، تَصَرَّفَ الْمُعَمَّرُ فِي الْمَالِ كَيْفَ شَاءَ. وَإِنْ أَبْطَلْنَا الْعَقْدَ أَوْ جَعَلْنَاهُ عَارِيَّةً، فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ، فَبَاعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ احْتِمَالَيْنِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ: لَا يُنَفَّذُ الْبَيْعُ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبَيْعِ التَّأْبِيدُ، وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ إِلَّا مُؤَقَّتًا، فَكَيْفَ يَمُلِّكُ غَيْرَهُ مَا لَمْ يَمْلِكْهُ؟ وَالثَّانِي: يُنَفَّذُ كَبَيْعِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ، وَبِهَذَا قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ مِلْكٌ فِي الْحَالِ، وَالرُّجُوعَ أَمْرٌ يَحْدُثُ، وَشَبَّهَهُ بِرُجُوعِ نِصْفِ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. فَإِذَا صَحَّحْنَا بَيْعَهُ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي تَرِكَتِهِ بِالْغُرْمِ رُجُوعَ الزَّوْجِ إِذَا طَلَّقَ بَعْدَ خُرُوجِ الصَّدَاقِ عَنْ مِلْكِهَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي رُجُوعِ الْمَالِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاهِبِ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَوْهُوبِ لَهُ اسْتِبْعَادٌ، لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ مِلْكٍ لَهُمْ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ الْمُورِثُ، لَكِنَّهُ كَمَا لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ تَرِكَةٌ تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُنَفَّذُ الْوَصَايَا.
فَرْعٌ
قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الدَّارَ لَكَ عُمْرِي أَوْ حَيَاتِي، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَكَ، أَوْ حَيَاتَكَ، لِشُمُولِ اسْمِ الْعُمْرَى. وَأَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ، لِخُرُوجِهِ عَنِ اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَأْقِيتِ الْمِلْكِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمُوتُ الْوَاهِبُ أَوَّلًا، بِخِلَافِ الْعَكْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا مُدَّةَ حَيَاتِهِ، فَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ. وَأُجْرِيَ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ قَالَ: جَعَلْتُهَا لَكَ عُمْرَ فُلَانٍ. وَخَرَجَ مِنْ تَصْحِيحِ الْعَقْدِ وَإِلْغَاءِ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ: أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ لَا يُفْسِدُ الْهِبَةَ، وَطُرِدَ ذَلِكَ فِي الْوَقْفِ. ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَوْقَاتِ، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ، أَوْ وَقَفْتُهَا سَنَةً.
стр. 2210
وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَهُ فِي كُلِّ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تَبِيعَهُ إِذَا قَبَضْتَهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ، بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ يُورِثُ جَهَالَةَ الثَّمَنِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ. وَالْمَذْهَبُ فَسَادُ الْهِبَةِ، وَالْوَقْفِ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ لِلْبَيْعِ، بِخِلَافِ الْعُمْرَى، لِمَا فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ عَلَى صُورَةِ الْعُمْرَى فَقَالَ: مَلَّكْتُكَهَا بِعُشْرِ عُمْرِكَ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يَبْعُدُ عِنْدِي جَوَازُهُ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: لَا يَجُوزُ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْعُمْرَى، كَقَوْلِهِ: إِذَا مَاتَ، أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ، أَوْ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ فَهِيَ لَكَ عُمْرَكَ. فَلَوْ عَلَّقَ بِمَوْتِهِ فَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَهَذِهِ الدَّارُ لَكَ عُمْرَكَ، فَهِيَ وَصِيَّةٌ تُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ. فَلَوْ قَالَ: إِذَا مُتُّ فَهِيَ لَكَ
стр. 2211
عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ عَادَتْ إِلَى وَرَثَتِي، فَهِيَ وَصِيَّةٌ بِالْعُمْرَى عَلَى صُورَةِ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ.
فَرْعٌ
جَعَلَ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَارَهُ لِلْآخَرِ عُمْرَهُ، عَلَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ قَبْلَهُ، عَادَتْ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَهَذِهِ رُقْبَى مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
فَرْعٌ
قَالَ: دَارِي لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ فَهِيَ لِزَيْدٍ، أَوْ عَبْدِي لَكَ عُمْرَكَ، فَإِذَا مُتُّ فَهُوَ حُرٌّ، صَحَّتِ الْعُمْرَى عَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ، وَلَغَا الْمَذْكُورُ بَعْدَهَا.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَوْهُوبُ، فَمَا جَازَ بَيْعُهُ، جَازَتْ هِبَتُهُ، وَمَا لَا، فَلَا، هَذَا هُوَ الْغَالِبُ. وَقَدْ يَخْتَلِفَانِ، فَتَجُوزُ هِبَةُ الْمَشَاعِ سَوَاءٌ الْمُنْقَسِمُ وَغَيْرُهُ، وَسَوَاءٌ وَهَبَهُ لِلشَّرِيكِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ مَعَ زَرْعِهَا وَدُونَ زَرْعِهَا وَعَكْسُهُ.
فَرْعٌ
لَوْ وَهَبَ لِاثْنَيْنِ، فَقَبِلَ أَحَدُهُمَا نِصْفَهُ، فَوَجْهَانِ كَالْبَيْعِ. وَقَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» بِالتَّصْحِيحِ.
فَرْعٌ
لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ، وَلَا الْآبِقِ، وَالضَّالِّ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمَغْصُوبِ لِغَيْرِ الْغَاصِبِ إِنْ قَدَرَ عَلَى الِانْتِزَاعِ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. وَأَمَّا هِبَتُهُ لِلْغَاصِبِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي
стр. 2212
كِتَابِ «الرَّهْنِ» .
وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمُسْتَعَارِ لِغَيْرِ الْمُسْتَعِيرِ، ثُمَّ إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْإِذْنِ، بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الضَّمَانِ، وَتَجُوزُ هِبَةُ الْمُسْتَأْجِرَةِ إِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَهَا، وَإِلَّا، فَفِيهَا الْوَجْهَانِ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ: وَلَوْ وَكَلَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْغَاصِبَ، أَوِ الْمُسْتَعِيرَ، أَوِ الْمُسْتَأْجِرَ فِي قَبْضِ مَا فِي يَدِهِ فِي نَفْسِهِ، وَقَبِلَ، صَحَّ. وَإِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَتَأَنَّى فِيهَا الْقَبْضُ، بَرِئَ الْغَاصِبُ وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الضَّمَانِ، وَهَذَا يُخَالِفُ الْأَصْلَ الْمَشْهُورَ فِي أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ قَابِضًا مُقْبِضًا، وَفِي هِبَةِ الْمَرْهُونِ وَجْهَانِ. إِنْ صَحَّحْنَاهَا، انْتَظَرْنَا، فَإِنْ بِيعَ فِي الرَّهْنِ، بَانَ بُطْلَانُ الْهِبَةِ. وَإِنْ فُكَّ الرَّهْنُ، فَلِلْوَاهِبِ الْخِيَارُ مِنَ الْإِقْبَاضِ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي هِبَةِ الْكَلْبِ، وَجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَالْخَمْرِ الْمُحْتَرَمَةِ. وَالْأَصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا الْبُطْلَانُ، قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهَا أَخَفُّ مِنَ الْبَيْعِ. قَالَ الْإِمَامُ: مَنْ صَحَّحَ فِيهَا، فَحَقُّهُ تَصْحِيحُهَا فِي الْمَجْهُولِ وَالْآبِقِ كَالْوَصِيَّةِ.
فَرْعٌ
إِذَا وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِبْرَاءٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَحْتَاجُ اعْتِبَارًا بِاللَّفْظِ. وَإِنْ وَهَبَهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، كَرَهْنِ الدَّيْنِ. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَفِي افْتِقَارِ لُزُومِهَا إِلَى قَبْضِ الدَّيْنِ، وَجْهَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَفْتَقِرُ، فَهَلْ يَلْزَمُ بِنَفْسِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَالْحَوَالَةِ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنٍ جَدِيدٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ كَالتَّخْلِيَةِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
رَجُلٌ عَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مِسْكِينٍ، فَوَهَبَ لَهُ الدَّيْنَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، لِأَنَّهُ إِبْرَاءٌ بِتَمْلِيكٍ، وَإِقَامَةُ الْإِبْرَاءِ مَقَامَ التَّمْلِيكِ إِبْدَالٌ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ
стр. 2213
فِي الزَّكَاةِ، هَكَذَا قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: ذَكَرُوا وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ هِبَةَ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ [الدَّيْنُ] تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّمْلِيكِ، أَمْ هُوَ مَحْضُ إِسْقَاطٍ؟ وَعَلَى هَذَا خَرَجَ اعْتِبَارُ الْقَبُولِ فِيهَا. فَإِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، وَجَبَ أَنْ يَقَعَ الْمَوْقِعَ. وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ عَلَى غَيْرِ الْمِسْكِينِ، فَوَهَبَهُ لِلْمِسْكِينِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، وَقُلْنَا: تَصِحُّ الْهِبَةُ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْقَبْضُ، أَجْزَأَهُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَيُطَالِبُ الْمِسْكِينَ وَالْمَدْيُونَ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا شَرْطُ لُزُومِ الْهِبَةِ، فَهُوَ الْقَبْضُ، فَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ وَالْهَدِيَّةِ إِلَّا بِقَبْضِهِمَا، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَمْلِكُ بِالْعَقْدِ كَالْوَقْفِ. وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ: الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ، فَإِنْ قَبَضَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مِلْكٌ بِالْعَقْدِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْأَقْوَالِ أَنَّ الزِّيَادَةَ الْحَادِثَةَ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، لِمَنْ تَكُونُ؟ وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَعْدَ الْعَقْدِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، لِجَوَازِهِ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْوَكَالَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَنْفَسِخُ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إِلَى اللُّزُومِ. كَالْبَيْعِ الْجَائِزِ، بِخِلَافِ الشَّرِكَةِ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ تَخَيَّرَ الْوَارِثُ فِي الْإِقْبَاضِ. وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبَضَ وَارِثُهُ إِنْ أَقْبَضَهُ الْوَاهِبُ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جُنُونِ أَحَدِهِمَا وَإِغْمَائِهِ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَقْبِضُ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ مِنْهُمَا، وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ فِي حَالِ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْقَبْضُ الْمُحَصِّلُ لِلْمِلْكِ، هُوَ الْوَاقِعُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، فَلَوْ قَبَضَ بِلَا إِذْنِهِ، لَمْ يَمْلِكْهُ،
стр. 2214
وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ، سَوَاءٌ قَبَضَ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ. وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي الْقَبْضِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، صَحَّ رُجُوعُهُ، فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَهُ. وَكَذَا لَوْ أَذِنَ، ثُمَّ مَاتَ الْآذِنُ أَوِ الْمَأْذُونُ لَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، بَطَلَ الْإِذْنُ.
فَرْعٌ
بَعَثَ هَدِيَّةً إِلَى إِنْسَانٍ، فَمَاتَ الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، بَقِيَتِ الْهَدِيَّةُ لِلْمُهْدِي. وَلَوْ مَاتَ الْمُهْدِي، لَمْ يَكُنْ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا إِلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَكَذَا الْمُسَافِرُ إِذَا اشْتَرَى لِأَصْدِقَائِهِ هَدَايَا، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ، فَهِيَ لَهُ تَرِكَةٌ.
فَرْعٌ
كَيْفِيَّةُ الْقَبْضِ فِي الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَحَكَيْنَا هُنَا قَوْلًا، أَنَّ التَّخْلِيَةَ فِي الْمَنْقُولِ قَبْضٌ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَا، لِأَنَّ الْقَبْضَ هُنَاكَ مُسْتَحَقٌّ، وَلِلْمُشْتَرِي الْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَجُعِلَ التَّمْكِينُ قَبْضًا، وَفِي الْهِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ، فَاعْتُبِرَ تَحْقِيقُهُ وَلَمْ يَكْتَفَ بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ مَشَاعًا، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ، فَقَبَضَهُ بِالتَّخْلِيَةِ، وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا، فَقَبَضَهُ بِقَبْضِ الْجَمِيعِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَآخَرُونَ: فَيُقَالُ لِلشَّرِيكِ لِيَرْضَى بِتَسْلِيمِ نَصِيبِهِ أَيْضًا إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، لِيَكُونَ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً حَتَّى يَتَأَتَّى الْقَبْضُ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَيْهِ. فَإِنْ فَعَلَ [فَقَبَضَ الْمَوْهُوبُ الْجَمِيعَ، مَلَكَ. وَإِنِ
стр. 2215
امْتَنَعَ، قِيلَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ: وَكِّلِ الشَّرِيكَ فِي الْقَبْضِ لَكَ. فَإِنْ فَعَلَ] نَقَلَهُ الشَّرِيكُ وَقَبَضَهُ لَهُ. فَإِنِ امْتَنَعَا، نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ لِيَحْصُلَ الْقَبْضُ، لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِمَا.
[وَاللَّهُ أَعْلَمُ]
فَرْعٌ
لَوْ أَتْلَفَ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ، لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي إِذَا أَتْلَفَ الْمَبِيعَ، وَالْفَرْقُ مَا سَبَقَ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ. وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي أَكْلِ طَعَامِ الْمَوْهُوبِ، فَأَكَلَهُ، أَوْ فِي إِعْتَاقِ الْمَوْهُوبِ، فَأَعْتَقَهُ، أَوْ أَمَرَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْوَاهِبَ بِإِعْتَاقِهِ، فَأَعْتَقَهُ، كَانَ قَابِضًا.
فَرْعٌ
لَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ الْمَوْهُوبَ قَبْلَ الْإِقْبَاضِ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ لَازِمَةٍ، صَحَّ بَيْعُهُ وَبَطَلَتِ الْهِبَةُ. وَإِنِ اعْتَقَدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهِ قَوْلَانِ، كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ يَظُنُّ أَنَّهُ حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا.
стр. 2216
فَرْعٌ
فِي مَسَائِلَ مَحْكِيَّةٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁
لَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَمَلَّكَهُ، لَمْ يَكُنْ إِقْرَارًا بِلُزُومِ الْهِبَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهَا وَحُصُولَ الْمِلْكِ بِالْعَقْدِ، وَالْإِقْرَارُ يُحْمَلُ عَلَى الْيَقِينِ. وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتُهُ لَهُ وَخَرَجْتُ إِلَيْهِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْوَاهِبِ، فَلَا. وَلَوْ قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ دَارَكَ لِفُلَانٍ وَأَقْبَضْتُهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، كَانَ إِقْرَارًا بِالْهِبَةِ وَالْإِقْبَاضِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْهِبَةِ فِي الرُّجُوعِ وَالثَّوَابِ
فِيهِ طَرَفَانِ.
[الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي الرُّجُوعِ، فَالْهِبَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُقَيَّدَةٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُقَيَّدَةٍ بِإِثْبَاتِهِ، وَمُطْلَقَةٍ. أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، فَتَلْزَمُ بِنَفْسِ الْقَبْضِ، وَلَا رُجُوعَ فِيهَا إِلَّا لِلْوَالِدِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَصْلٌ
يَنْبَغِي لِلْوَالِدِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا، لَكِنْ تَصِحُّ الْهِبَةُ. وَالْأَوْلَى فِي هَذَا الْحَالِ، أَنْ يُعْطِيَ الْآخَرِينَ مَا يُحِبُّهُ الْعَدْلُ. وَلَوْ رَجَعَ، جَازَ. وَإِذَا أَعْطَى وَعَدَلَ، كُرِهَ لَهُ الرُّجُوعُ. وَكَذَا لَوْ كَانَ وَلَدًا وَاحِدًا، فَوَهَبَ لَهُ، كُرِهَ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ عَفِيفًا بَارًّا، فَإِنْ كَانَ عَاقًّا أَوْ يَسْتَعِينُ بِمَا أَعْطَاهُ فِي مَعْصِيَةٍ، فَلْيُنْذِرْهُ بِالرُّجُوعِ. فَإِنْ أَصَرَّ، لَمْ يُكْرَهُ الرُّجُوعُ.
стр. 2217
فَرْعٌ
فِي كَيْفِيَّةِ الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ فِي الْهِبَةِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَالثَّانِي: يُعْطِي الذَّكَرَ مِثْلَ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
قُلْتُ: وَإِذَا وَهَبَتِ الْأُمُّ لِأَوْلَادِهَا، فَهِيَ كَالْأَبِ فِي الْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَكَذَا الِابْنُ إِذَا وَهَبَ لِوَالِدَيْهِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ فَضَّلَ فَلْيُفَضِّلِ الْأُمَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ. وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِذَا قَصَدَ بِهِبَتِهِ اسْتِجْلَابَ بِرٍّ أَوْ دَفْعَ عُقُوقٍ فَلَمْ يَحْصُلْ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْهِبَةَ، وَلَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ، فَلَا رُجُوعَ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا الْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ، وَالْجَدَّاتُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ كَالْأَبِ. وَفِي قَوْلٍ: لَا رُجُوعَ لَهُمْ. وَقِيلَ: تَرْجِعُ الْأُمُّ. وَفِي غَيْرِهَا، قَوْلَانِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ آبَاءُ الْأَبِ، وَفِي غَيْرِهِمْ قَوْلَانِ. وَلَا رُجُوعَ لِغَيْرِ الْأُصُولِ كَالْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَقَارِبِ قَطْعًا. وَسَوَاءٌ فِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ لِلْوَالِدِ كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِي الدِّينِ، أَمْ لَا. وَلَوْ وَهَبَ لِعَبْدٍ وَلَدَهُ، رَجَعَ. وَلَوْ وَهَبَ لِمُكَاتَبٍ وَلَدَهُ، فَلَا. وَهِبَتُهُ لِمُكَاتَبِ نَفْسِهِ كَالْأَجْنَبِيِّ. وَلَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ مَوْلُودًا، وَوَهَبَا لَهُ، فَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَإِنْ أُلْحِقَ بِأَحَدِهِمَا، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّ الرُّجُوعَ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا ابْتِدَاءً.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الرُّجُوعُ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ، لِثُبُوتِ بُنُوَّتِهِ فِي الْأَحْكَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2218
فَرْعٌ
حُكْمُ الرُّجُوعِ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُهُ فِي الْهِبَةِ. وَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى وَلَدِهِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دِينٍ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْإِبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ؟ إِنْ قُلْنَا: تَمْلِيكٌ، رَجَعَ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
وَهَبَ لِوَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، وَوَارِثُهُ أَبُوهُ لِكَوْنِ الْوَلَدِ مُخَالِفًا فِي الدِّينِ، فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ.
فَرْعٌ
الْمَوْهُوبُ، إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ بَاقِيًا فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ بِأَنْ أُتْلِفَ، أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِبَيْعٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ وَقَفَهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ كَاتَبَهُ، أَوِ اسْتَوْلَدَهَا، أَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ، أَوْ رَهَنَهُ وَأَقْبَضَهُ، فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَلَا قِيمَةَ أَيْضًا. وَحَكَى الْإِمَامُ خِلَافًا، فِي أَنَّ الرَّهْنَ هَلْ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، مَبْنِيًّا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ صِحَّةِ هِبَةِ الْمَرْهُونِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَصِحُّ، لَمْ يَصِحَّ الرُّجُوعُ، وَإِلَّا، تَوَقَّفْنَا. فَإِنْ فَكَّ الرَّهْنَ، بَانَ صِحَّةُ الرُّجُوعِ، وَذَكَرَ أَيْضًا تَرَدُّدًا فِي كِتَابَةِ الْعَبْدِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ بَيْعِهِ. وَلَا يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ بِالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ إِذَا لَمْ يُقْبَضَا، وَلَا بِالتَّدْبِيرِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ، وَلَا بِزِرَاعَةِ الْأَرْضِ وَتَزْوِيجِ الْأَمَةِ قَطْعًا،
стр. 2219
وَلَا بِالْإِيجَارِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَتَبْقَى الْإِجَارَةُ بِحَالِهَا كَالتَّزْوِيجِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْمُسْتَأْجِرِ، رَجَعَ، وَإِلَّا، فَإِنْ جَوَّزْنَا الرُّجُوعَ فِي الْمَرْهُونِ وَتَوَقَّفْنَا، صَحَّ الرُّجُوعُ هُنَا وَلَا تُوقُّفَ، بَلِ الرَّقَبَةُ لِلرَّاجِعِ، وَيَسْتَوْفِي الْمُسْتَأْجِرُ الْمَنْفَعَةَ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ. وَإِنْ مَنَعْنَا الرُّجُوعَ فِي الْمَرْهُونِ، فَفِي الْمُسْتَأْجِرِ تَرَدُّدٌ، وَخَرَجَ عَلَى هَذَا تَرَدُّدًا فِيمَا إِذَا أَبِقَ الْعَبْدُ الْمَوْهُوبُ مِنْ يَدِ الْمُتَّهِبِ، هَلْ يَصِحُّ رُجُوعُ الْوَاهِبِ، مَعَ قَوْلِنَا: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْآبِقِ، لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ مُبْتَدَأٌ، وَالرُّجُوعَ بِنَاءٌ فَيُسَامَحُ فِيهِ؟ وَلَوْ جَنَى وَتَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ، فَهُوَ كَالْمَرْهُونِ فِي امْتِنَاعِ الرُّجُوعِ. لَكِنْ لَوْ قَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ وَأَرْجِعُ، مُكِّنَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ مَرْهُونًا، فَأَرَادَ أَنْ يَبْذُلَ قِيمَتَهُ وَيَرْجِعَ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ تَصَرُّفِ الْمُتَّهِبِ. وَلَوْ زَالَ مِلْكُ الْمُتَّهِبِ، ثُمَّ عَادَ بِإِرْثٍ، أَوْ شِرَاءٍ، فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ. وَاحْتَجَّ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ لِهَذَا الْوَجْهِ، بِأَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ، فَوَهَبَهُ الِابْنُ لِجَدِّهِ، فَوَهَبَهُ الْجَدُّ لِابْنِ ابْنِهِ الَّذِي وَهَبَهُ، فَإِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ لِلْجَدِّ الَّذِي حَصَلَ مِنْهُ هَذَا الْمِلْكُ، لَا لِلْأَبِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُثْبِتَ الْقَائِلُ الْأَوَّلُ الرُّجُوعَ لَهُمَا جَمِيعًا. وَلَوْ وَهَبَ لَهُ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا، ثُمَّ صَارَ خَلًّا، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ فِي زَوَالِ الْمِلْكِ بِالتَّخَمُّرِ، وَوَجْهَيْنِ فِي عَوْدِ الرُّجُوعِ تَفْرِيعًا عَلَى الزَّوَالِ. وَإِذَا انْفَكَّ الرَّهْنُ أَوِ الْكِتَابَةُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ حُجِرَ عَلَى الْمُتَّهِبِ بِالْفَلَسِ، فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ كَالرَّهْنِ. وَقِيلَ: يَرْجِعُ، لِأَنَّ حَقَّهُ سَابِقٌ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ حِينِ الْهِبَةِ.
قُلْتُ: وَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ ارْتَدَّ وَقُلْنَا: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ. وَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ، فَلَا. فَإِنْ
стр. 2220
عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ زَالَ مِلْكُهُ ثُمَّ عَادَ. وَلَوْ وَهَبَ الِابْنُ الْمُتَّهِبُ الْمَوْهُوبَ لِابْنِهِ، أَوْ بَاعَهُ لَهُ، أَوْ وَرِثَهُ مِنْهُ، فَلَا رُجُوعَ لِلْجَدِّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: وَلَوْ وَهَبَهُ الْمُتَّهِبُ لِأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْأَبِ الرُّجُوعُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ، فَالْأَبُ أَوْلَى. وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ لِأَنَّهُمْ عَلَّلُوا الرُّجُوعَ بِأَنَّهُ هِبَةٌ لِمَنْ لِلْجَدِّ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي سَلْطَنَةِ الْمُتَّهِبِ، فَإِنْ كَانَ بِحَالِهِ، أَوْ نَاقِصًا، فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَّهِبِ أَرْشُ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ زَائِدًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ، رَجَعَ فِيهِ مَعَ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ، وَالْكَسْبِ، رَجَعَ فِي الْأَصْلِ وَبَقِيَتِ الزِّيَادَةُ لِلْمُتَّهِبِ. وَإِنْ وَهَبَ جَارِيَةً أَوْ بَهِيمَةً حَامِلًا، فَرَجَعَ قَبْلَ الْوَضْعِ، رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا. وَإِنْ رَجَعَ بَعْدَ الْوَضْعِ، فَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ، رَجَعَ فِي الْوَلَدِ مَعَ الْأُمِّ، وَإِلَّا، فَفِي الْأُمِّ فَقَطْ. وَإِنْ وَهَبَهَا حَائِلًا وَرَجَعَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لِلْحَمْلِ، رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا، وَإِلَّا، فَلَا يَرْجِعُ إِلَّا فِي الْأُمِّ، وَهَلْ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْحَالِ، أَمْ عَلَيْهِ الصَّبْرُ إِلَى الْوَضْعِ؟ وَجْهَانِ. وَلَوْ وَهَبَهُ حَبًّا فَبَذَرَهُ وَنَبَتَ، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فَرْخًا، فَلَا رُجُوعَ، لِأَنَّ مَالَهُ مُسْتَهْلَكٌ قَالَ الْبَغَوِيُّ: هَذَا إِذَا ضَمَّنَّا الْغَاصِبَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا، فَقَدْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَيَرْجِعُ. وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ ثَوْبًا فَصَبَغَهُ الِابْنُ، رَجَعَ فِي الثَّوْبِ، وَالِابْنُ شَرِيكٌ بِالصَّبْغِ. وَلَوْ قَصَّرَهُ، أَوْ كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ، فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ، رَجَعَ وَلَا شَيْءَ لِلِابْنِ. وَإِنْ زَادَتْ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقِصَارَةُ عَيْنٌ، فَالِابْنُ شَرِيكٌ. وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَوْ كَانَ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ غَرَسَ،
стр. 2221
رَجَعَ الْأَبُ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ قَلْعُ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ مَجَّانًا، لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْإِبْقَاءِ بِأُجْرَةٍ، أَوِ التَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ، أَوِ الْقِلْعِ. وَغَرَامَةُ النَّقْصِ كَالْعَارِيَّةِ. وَلَوْ وَطِئَ الِابْنُ الْمَوْهُوبَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا رُجُوعَ وَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ، لِأَنَّهَا حَرُمَتْ عَلَى الْأَبِ، وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُ الرُّجُوعِ.
فَرْعٌ
فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ
يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُ، أَوِ ارْتَجَعْتُ، أَوِ اسْتَرْدَدْتُ الْمَالَ، أَوْ رَدَدْتُهُ إِلَى مِلْكِي، أَوْ أَبْطَلْتُ الْهِبَةَ، أَوْ نَقَضْتُهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي «الْجُرْجَانِيَّاتِ» وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ نَقْضٌ، وَإِبْطَالٌ لِلْهِبَةِ، أَمْ لَا؟ فَعَلَى الثَّانِي: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ لَفْظُ النَّقْضِ، وَالْإِبْطَالِ، إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ كِنَايَةً عَنِ الْمَقْصُودِ. وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ هَذَا، أَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الرُّجُوعُ، صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ: رَجَعْتُ. وَالْكِنَايَةُ تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، كَأَبْطَلْتُ الْهِبَةَ، وَفَسَخْتُهَا. فَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِلَفْظٍ، لَكِنْ بَاعَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ وَهَبَهُ لِآخَرَ، أَوْ وَقَفَهُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: لَا يَكُونُ رُجُوعًا. وَالثَّانِي: رُجُوعٌ وَيُنَفَّذُ التَّصَرُّفُ. وَالثَّالِثُ: رُجُوعٌ فَلَا يُنَفَّذُ التَّصَرُّفُ. وَلَوْ أَتْلَفَ الطَّعَامَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ، أَوْ وَطِئَ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: رُجُوعٌ. وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى وَجْهٍ ثَالِثٍ: أَنَّهُ إِنْ أَحْبَلَهَا بِالْوَطْءِ وَحَصَلَ الِاسْتِيلَادُ، كَانَ رُجُوعًا، وَإِلَّا، فَلَا. فَعَلَى الْأَصَحِّ: يَلْزَمُهُ بِالْإِتْلَافِ الْقِيمَةُ وَيَلْغُو الْإِعْتَاقُ، وَعَلَيْهِ بِالْوَطْءِ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَبِاسْتِيلَادٍ الْقِيمَةُ.
قُلْتُ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَطْءَ حَرَامٌ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرُّجُوعَ، كَذَا
стр. 2222
قَالَهُ الْإِمَامُ، لِاسْتِحَالَةِ إِبَاحَةِ الْوَطْءِ لِشَخْصَيْنِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمُتَّهِبَ يَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ قَبْلَ الرُّجُوعِ. لَكِنْ إِذَا جَرَى وَطْءُ الْأَبِ الْحَرَامُ، هَلْ يَتَضَمَّنُ الرَّجْوعَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ صَبَغَ الثَّوْبَ الْمَوْهُوبَ، أَوْ خَلَطَ الطَّعَامَ بِطَعَامِ نَفْسِهِ، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، بَلْ هُوَ كَمَا لَوْ فَعَلَ الْغَاصِبُ ذَلِكَ.
فَرْعٌ
الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ حَيْثُ يَثْبُتُ، لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَضَاءِ الْقَاضِي. وَإِذَا رَجَعَ وَلَمْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَلَدِ، بِخِلَافِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَخَذَهُ عَلَى حُكْمِ الضَّمَانِ.
فَرْعٌ
لَوِ اتَّفَقَ الْوَاهِبُ وَالْمُتَّهِبُ عَلَى فَسْخِ الْهِبَةِ حَيْثُ لَا رُجُوعَ، فَهَلْ يَنْفَسِخُ كَمَا لَوْ تَقَايَلَا، أَمْ لَا كَالْخَلْعِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ عَنِ «الْجُرْجَانِيَّاتِ» .
قُلْتُ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إِلَّا مُنْجَزًا. فَلَوْ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ رَجَعْتُ، لَمْ يَصِحَّ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: لِأَنَّ الفُسُوخَ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الثَّوَابِ، قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْهِبَةَ مُقَيَّدَةٌ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَإِثْبَاتِهِ، وَمُطْلَقَةٌ، وَمَضَى الْكَلَامُ فِي الْمُقَيَّدَةِ، وَفَرَّعْنَاهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ صِحَّتُهَا. وَقِيلَ: إِنَّهَا بَاطِلَةٌ إِذَا أَوْجَبْنَا الثَّوَابَ فِي الْمُطْلَقَةِ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا.
стр. 2223
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهِيَ الْمُطْلَقَةُ، فَيَنْظُرُ، إِنْ وَهَبَ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، فَلَا ثَوَابَ، وَفِي عَكْسِهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا ثَوَابَ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الثَّوَابُ، فَعَلَى هَذَا، هَلْ [هُوَ] قَدْرُ قِيمَةِ الْمَوْهُوبِ، أَمْ مَا يَرْضَى بِهِ الْوَاهِبُ، أَمْ مَا يُعَدُّ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ فِي الْعَادَةِ، أَمْ يَكْفِي مَا يَتَمَوَّلُ؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. وَقِيلَ: أَقْوَالٍ. أَصَحُّهَا: أَوَّلُهَا، وَالْخِيَارُ فِي جِنْسِهِ إِلَى الْمُتَّهِبِ. فَعَلَى الْأَصَحِّ، لَوِ اخْتَلَفَ قَدْرُ الْقِيمَةِ، فَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: بِيَوْمِ بَذْلِ الثَّوَابِ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَثِبْ مَا يَصْلُحُ ثَوَابًا، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ إِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُجْبَرُ الْمُتَّهِبُ عَلَى الثَّوَابِ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ زَادَ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً، رَجَعَ فِيهِ دُونَهَا. وَإِنْ زَادَ مُتَّصِلَةً، رَجَعَ فِيهِ مَعَهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لِلْمُتَّهِبِ إِمْسَاكُهُ وَبَذْلُ قِيمَتِهِ بِلَا زِيَادَةٍ. وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ مَنْصُوصَانِ فِي الْقَدِيمِ. أَصَحُّهُمَا: يَرْجِعُ بِقِيمَتِهِ. وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُ كَالْأَبِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ. وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، رَجَعَ فِيهِ. وَفِي تَغْرِيمِهِ الْمُتَّهِبَ أَرْشَ النُّقْصَانِ الْوَجْهَانِ. وَقِيلَ: لَهُ تَرْكُ الْعَيْنِ وَالْمُطَالَبَةُ بِكَمَالِ الْقِيمَةِ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً قَدْ وَطِئَهَا الْمُتَّهِبُ، رَجَعَ الْوَاهِبُ فِيهَا، وَلَا مَهْرَ عَلَى الْمُتَّهِبِ، لِأَنَّهُ وَطِئَ مِلْكَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا وَهَبَ لِنَظِيرِهِ، فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا ثَوَابَ. وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي هِبَةِ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى، وَهُوَ شَاذٌّ.
قُلْتُ: وَحَكَى صَاحِبُ «الْإِبَانَةِ» ، وَ «الْبَيَانِ» وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ لِنَظِيرِهِ وَنَوَى الثَّوَابَ،
стр. 2224
اسْتَحَقَّهُ، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ. فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي النِّيَّةِ، فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الثَّوَابُ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِذَا لَمْ يَجِبْ فَأَعْطَاهُ الْمُتَّهِبُ ثَوْبًا، كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ هِبَةٍ. حَتَّى لَوْ وَهَبَ لِابْنِهِ فَأَعْطَاهُ الِابْنُ ثَوَابًا، لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الرُّجُوعِ، وَلَا يَجِبُ فِي الصَّدَقَةِ ثَوَابٌ بِكُلِّ حَالٍ قَطْعًا، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَالْهِبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَالْمُقَيَّدَةُ بِالثَّوَابِ، وَهُوَ إِمَّا مَعْلُومٌ، وَإِمَّا مَجْهُولٌ. فَالْحَالَةُ الْأُولَى: الْمَعْلُومُ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَيَبْطُلُ عَلَى قَوْلٍ. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَهُوَ بَيْعٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: هِبَةٌ. فَإِنْ قُلْنَا: هِبَةٌ، لَمْ يَثْبُتِ الْخِيَارُ، وَالشُّفْعَةُ، وَلَمْ يَلْزَمْ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ، ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ. وَهَلْ تَثْبُتُ عَقِبَ الْعَقْدِ، أَمْ عَقِبَ الْقَبْضِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. وَلَوْ وَهَبَهُ حُلِيًّا بِشَرْطِ الثَّوَابِ، أَوْ مُطْلَقًا وَقُلْنَا: الْهِبَةُ تَقْتَضِي الثَّوَابَ، فَنَصَّ فِي «حَرْمَلَةَ» أَنَّهُ إِنْ أَثَابَهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ بِجِنْسِهِ، اعْتُبِرَتِ الْمُمَاثَلَةُ. وَإِنْ أَثَابَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ بِعَرَضٍ، صَحَّ، وَبِالنَّقْدِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ صَرْفٌ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ. وَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّا لَمْ نُلْحِقْهُ بِالْمُعَاوَضَاتِ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ بِالْعِوَضِ، وَكَذَا سَائِرُ الشُّرُوطِ، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ هِبَةٌ. وَحَكَى الْإِمَامُ الْأَوَّلُ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَأَبْدَى الثَّانِي احْتِمَالًا. وَخَرَجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَا إِذَا وَهَبَ الْأَبُ لِابْنِهِ بِثَوَابٍ مَعْلُومٍ. فَإِنْ جَعَلْنَا الْعَقْدَ بَيْعًا، فَلَا رُجُوعَ، وَإِلَّا، فَلَهُ الرُّجُوعُ. وَإِذَا وَجَدَ بِالثَّوَابِ عَيْبًا، وَهُوَ فِي الذِّمَّةِ، طَالَبَ بِسَلِيمٍ. وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، رَجَعَ إِلَى عَيْنِ الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا، طَالَبَ بِبَدَلِهِ. وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ مَجِيءَ الْخِلَافِ أَنَّهُ بَيْعٌ أَمْ هِبَةٌ هُنَا، حَتَّى لَا يَرْجِعَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَإِنْ طَرَدَهُ بَعْضُهُمْ. وَإِذَا جَعَلْنَاهُ هِبَةً، فَكَافَأَهُ بِدُونِ الْمَشْرُوطِ إِلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ، فَفِي
стр. 2225
«شَرْحِ ابْنِ كَجٍّ» وَجْهَانِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهِ مُسَامَحَةٌ؟ قُلْتُ: وَالْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: لَا يُجْبَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الثَّوَابُ مَجْهُولًا، فَإِنْ قُلْنَا: الْهِبَةُ لَا تَقْتَضِي ثَوَابًا، بَطَلَ الْعَقْدُ، لِتَعَذُّرِ تَصْحِيحِهِ بَيْعًا وَهِبَةً، وَإِنْ قُلْنَا: تَقْتَضِيهِ، صَحَّ، وَهُوَ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ يَلْحَقُهُ بِالْبَيْعِ.
فَرْعٌ
نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لِاثْنَيْنِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، فَأَثَابَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، لَمْ يَرْجِعْ فِي حِصَّةِ الْمُثِيبِ، وَأَنَّهُ لَوْ أَثَابَ أَحَدُهُمَا عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ صَاحِبِهِ وَرَضِيَ بِهِ الْوَاهِبُ، لَمْ يَرْجِعِ الْوَاهِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ثُمَّ إِنْ أَثَابَ بِغَيْرِ إِذْنِ الشَّرِيكِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَثَابَ بِإِذْنِهِ، رَجَعَ بِالنِّصْفِ إِنْ أَثَابَ مَا يَعْتَادُ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ. فَإِنْ زَادَ، فَمُتَطَوِّعٌ بِالزِّيَادَةِ.
فَرْعٌ
خَرَجَ الْمَوْهُوبُ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ الثَّوَابِ، رَجَعَ بِمَا أَثَابَ عَلَى الْوَاهِبِ. وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ مُسْتَحِقًّا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْوَاهِبِ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَبَيْنَ أَنْ يَرُدَّ الْبَاقِيَ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّوَابِ. وَقِيلَ: تَبْطُلُ الْهِبَةُ فِي الْكُلِّ. وَقِيلَ: لَا يَجِيءُ قَوْلُ الْإِبْطَالِ هُنَا.
стр. 2226
فَرْعٌ
قَالَ: وَهَبْتُكَ بِبَدَلٍ، فَقَالَ: بِلَا بَدَلٍ، وَقُلْنَا: مُطْلَقُ الْهِبَةِ لَا يَقْتَضِي ثَوَابًا، فَهَلِ الْمُصَدِّقُ الْوَاهِبُ، أَمِ الْمُتَّهِبُ؟ وَجْهَانِ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ ابْنُ كَجٍّ.
قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ
هِبَةُ مَنَافِعِ الدَّارِ، هَلْ هِيَ إِعَارَةٌ؟ لَهَا وَجْهَانِ فِي «الْجُرْجَانِيَّاتِ» ، وَلَا يَحْصُلُ الْمِلْكُ بِالْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ الْفَاسِدَةِ. وَهَلِ الْمَقْبُوضُ بِهَا مَضْمُونٌ كَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ؟ أَمْ لَا، كَالْهِبَةِ الصَّحِيحَةِ؟ وَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا ضَمَانَ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي «النِّهَايَةِ» ، وَ «الْعُدَّةِ» ، وَ «الْبَحْرِ» وَ «الْبَيَانِ» ، ذَكَرُوهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْهِبَةِ، فَسَلَّمَ الْمَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هِبَةٌ، فَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ فَسَادَ الْأُولَى، صَحَّتِ الثَّانِيَةُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ فَكَانَ مَيِّتًا.
وَهَذِهِ مَسَائِلُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْكِتَابِ. إِحْدَاهَا: قَالَ لِرَجُلٍ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ أُرِدِ الْهِبَةَ، قَالَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» : يُقْبَلُ قَوْلُهُ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْعَارِيَّةِ، فَلَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْهِبَةِ.
стр. 2227
الثَّانِيَةُ: قَالَ: مَنَحْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوِ الثَّوْبَ، فَقَالَ: قَبِلْتُ، وَأَقْبِضُهُ، فَهُوَ هِبَةٌ، قَالَهُ فِي «الْعُدَّةِ» .
الثَّالِثَةُ: فِي «فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ» : لَوْ كَانَ فِي يَدِ ابْنِ الْمَيِّتِ عَيْنٌ، فَقَالَ: وَهَبَنِيهَا أَبِي وَأَقْبَضَنِيهَا فِي الصِّحَّةِ، فَأَقَامَ بَاقِي الْوَرَثَةِ بَيِّنَةً بِأَنَّ الْأَبَ رَجَعَ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ، وَلَمْ تَذْكُرِ الْبَيِّنَةُ مَا رَجَعَ فِيهِ، لَا تَنْتَزِعُ مِنْ يَدِهِ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ هَذِهِ الْعَيْنَ لَيْسَتْ مِنَ الْمَرْجُوعِ فِيهِ. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا، لَوْ وَهَبَ وَأَقْبَضَ وَمَاتَ، فَادَّعَى الْوَارِثُ كَوْنَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ، وَادَّعَى الْمُتَّهِبُ كَوْنَهُ فِي الصِّحَّةِ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُتَّهِبِ.
الرَّابِعَةُ: دَفَعَ إِلَيْهِ ثَوْبًا بِنِيَّةِ الصَّدَقَةِ، فَأَخَذَهُ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ ظَانًّا أَنَّهُ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ، فَرَدَّهُ عَلَى الدَّافِعِ، لَا يَحِلُّ لِلدَّافِعِ قَبْضُهُ، لِأَنَّهُ زَالَ مِلْكُهُ، فَإِنَّ الِاعْتِبَارَ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ. فَإِنْ قَبَضَهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ إِلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ.
الْخَامِسَةُ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مَأْمُورٌ بِهِ، وَعُقُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمٌ مَعْدُودٌ مِنَ الْكَبَائِرِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ مَأْمُورٌ بِهَا، فَأَمَّا بِرُّهُمَا، فَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا، وَفِعْلُ الْجَمِيلِ مَعَهُمَا، وَفِعْلُ مَا يَسُرُّهُمَا مِنَ الطَّاعَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِحْسَانُ إِلَى صَدِيقِهِمَا، فَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ. وَأَمَّا الْعُقُوقُ، فَهُوَ كُلُّ مَا أَتَى بِهِ الْوَلَدُ مِمَّا يَتَأَذَّى [بِهِ] الْوَالِدُ، أَوْ نَحْوُهُ تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقِيلَ: تَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي كُلِّ مَا لَيْسَ بِحَرَامٍ، فَتَجِبُ طَاعَتُهُمَا فِي الشُّبُهَاتِ.
стр. 2228
وَقَدْ حَكَى الْغَزَالِيُّ هَذَا فِي «الْإِحْيَاءِ» عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ أَكْثَرِهِمْ. وَأَمَّا صِلَةُ الرَّحِمِ، فَفِعْلُكَ مَعَ قَرِيبِكَ مَا تُعَدُّ بِهِ وَاصِلًا غَيْرَ مُنَافِرٍ وَمُقَاطِعٍ لَهُ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ تَارَةً بِالْمَالِ، وَتَارَةً بِقَضَاءِ حَاجَتِهِ أَوْ خِدْمَتِهِ أَوْ زِيَارَتِهِ. وَفِي حَقِّ الْغَائِبِ بِنَحْوِ هَذَا، وَبِالْمُكَاتَبَةِ وَإِرْسَالِ السَّلَامِ عَلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ: الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُتَأَكِّدًا، وَيُكْرَهُ إِخْلَافُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَدَلَائِلُهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعْلُومَةٌ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» فِيهِ بَابًا، وَبَيَّنْتُ فِيهِ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2229
كِتَابُ اللُّقَطَةِ
فِيهِ بَابَانِ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ.
[الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الِالْتِقَاطُ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ.
[الْمَسْأَلَةُ] الْأُولَى: فِي وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ أَرْبَعَةُ طُرُقٍ أَصَحُّهَا وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ كَالِاسْتِيدَاعِ. وَالثَّانِي يَجِبُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ ضَيَاعُهَا، بِأَنْ تَكُونَ فِي مَمَرِّ الْفُسَّاقِ وَالْخَوَنَةِ، وَجَبَ الِالْتِقَاطُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ لَا يَثِقُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَجِبْ قَطْعًا. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَمَانَةُ نَفْسِهِ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ. وَالرَّابِعُ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا. فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ، فَإِنْ وَثِقَ بِنَفْسِهِ، فَفِي الِاسْتِحْبَابِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا ثُبُوتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَثِقْ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَالِ مِنَ الْفَسَقَةِ، لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الِالْتِقَاطُ قَطْعًا. قَالَهُ الْإِمَامُ. وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ فِي الْجَوَازِ وَجْهَيْنِ. أَصَحُّهُمَا: ثُبُوتُهُ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِوُجُوبِ الِالْتِقَاطِ، أَوْ عَدَمِهِ، فَلَا يَضْمَنُ اللُّقَطَةَ بِالتَّرْكِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ. هَذَا حُكْمُ الْأَمِينِ، أَمَّا الْفَاسِقُ، فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الِالْتِقَاطُ. وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: إِنْ عَلِمَ الْخِيَانَةَ، حَرُمَ الِالْتِقَاطُ، وَقَوْلُهُ فِي «الْوَسِيطِ» : الْفَاسِقُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ، فَمُخَالِفٌ لِمَا أَطْلَقَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْكَرَاهَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى اللُّقَطَةِ وَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ قَطْعًا. ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِشْهَادِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: يَشْهَدُ عَلَى أَصْلِهَا دُونَ صِفَاتِهَا، لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ كَاذِبٌ
стр. 2230
إِلَيْهَا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ جِنْسَهَا. وَالثَّانِي: يَشْهَدُ عَلَى صِفَاتِهَا أَيْضًا، حَتَّى لَوْ مَاتَ لَا يَتَمَلَّكُهَا الْوَارِثُ، وَيَشْهَدُ الشُّهُودُ لِلْمَالِكِ. وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى تَوَسُّطٍ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْعِبُ الصِّفَاتِ، بَلْ يَذْكُرُ بَعْضَهَا لِيَكُونَ فِي الْإِشْهَادِ فَائِدَةٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْإِمَامُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ سَاقِطٌ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ ذِكْرِ تَمَامِ الْأَوْصَافِ، لَا نَرَاهُ يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُلْتَقَطُ وَبِنَاءُ الْكَلَامِ فِيهِ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ اللُّقَطَةَ فِيهَا مَعْنَى الْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاكْتِسَابِ، فَالْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ أَوَّلًا، وَالِاكْتِسَابُ آخِرًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ. وَهَلِ الْمُغَلَّبُ الْأَمَانَةُ وَالْوِلَايَةُ لِأَنَّهَا نَاجِزَةٌ، أَمِ الِاكْتِسَابُ لِأَنَّهُ مَقْصُودُهُ وَلَا يَسْتَقِلُّ الْآحَادُ بِالْأَمَانَاتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ أَرْبَعُ صِفَاتٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْأَمَانَةُ، وَالتَّكْلِيفُ، فَلَهُ أَنْ يَلْتَقِطَ وَيَعْرِفَ وَيَتَمَلَّكَ، لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْأَمَانَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالِاكْتِسَابِ، وَإِلَّا، فَفِيهِ مَسَائِلُ.
إِحْدَاهَا: يُمَكَّنُ الذِّمِّيُّ مِنَ الِالْتِقَاطِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: قَطْعًا، كَالِاصْطِيَادِ، وَالِاحْتِطَابِ، وَرُبَّمَا شُرِطَ فِيهِ عَدَالَتُهُ فِي دِينِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ فَالْتَقَطَ، أَخَذَهُ الْإِمَامُ مِنْهُ وَحَفِظَهُ إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ كَالْتِقَاطِ الْفَاسِقِ. قَالَ: وَالْمُرْتَدُّ إِنْ قُلْنَا: يَزُولُ مِلْكُهُ، انْتُزِعَتِ اللُّقَطَةُ مِنْهُ، كَمَا لَوِ احْتَطَبَ، يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ، فَكَالْفَاسِقِ يَلْتَقِطُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ أَزَلْنَا مِلْكَهُ، فَمَا يَحْتَطِبُهُ يُنْتَزَعُ وَيَكُونُ لِأَهْلِ الْفَيْءِ فَإِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ كَذَلِكَ، فَقِيَاسُهُ أَنْ يَجُوزَ لِلْإِمَامِ ابْتِدَاءُ الِالْتِقَاطِ لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَأَنْ يَجُوزَ لِلْوَلِيِّ الِالْتِقَاطُ لِلصَّبِيِّ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ، فَهُوَ بِالذِّمِّيِّ أَشْبَهُ [مِنْهُ] مِنَ الْفَاسِقِ، فَلْيَكُنْ كَالْتِقَاطِ الذِّمِّيِّ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي.
стр. 2231
الثَّانِيَةُ: الْفَاسِقُ أَهْلٌ لِلِالْتِقَاطِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ. وَعَنِ الْقَفَّالِ، تَخْرِيجُهُ عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ، إِنْ غَلَّبْنَا الِاكْتِسَابَ، فَنَعَمْ، أَوِ الْأَمَانَةَ، فَلَا، وَمَا يَأْخُذُهُ مَغْصُوبٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، هَلْ يُقَرُّ الْمَالُ فِي يَدِهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا، بَلْ يُنْتَزَعُ مِنْهُ وَيُوضَعُ عِنْدَ عَدْلٍ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَيُضَمُّ إِلَيْهِ عَدْلٌ يُشْرِفُ عَلَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُضَمُّ إِلَيْهِ أَحَدٌ. وَسَوَاءٌ قُلْنَا: يُنْتَزَعُ أَوْ يُضَمُّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ، فَفِي التَّعْرِيفِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يُعْتَمَدُ وَحْدَهُ، بَلْ يُضَمُّ إِلَيْهِ نَظَرُ الْعَدْلِ، وَمُرَاقَبَتُهُ. وَالثَّانِي: يَكْفِي تَعْرِيفُهُ. ثُمَّ إِذَا تَمَّ التَّعْرِيفُ، فَلِلْمُلْتَقِطِ التَّمَلُّكُ.
الثَّالِثَةُ: الْتِقَاطُ الْعَبْدِ، وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: الْتِقَاطٌ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ السَّيِّدُ وَلَا نَهَى عَنْهُ، وَفِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ، وَالثَّانِي: كَاحْتِطَابِهِ، وَيَكُونُ الْحَاصِلُ لِسَيِّدِهِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ، لَمْ يُعْتَدَّ بِتَعْرِيفِهِ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَعْلَمِ السَّيِّدُ الْتِقَاطَهُ، فَالْمَالُ مَضْمُونٌ فِي يَدِ الْعَبْدِ، وَالضَّمَانُ مُتَعَلِّقٌ بِرَقَبَتِهِ، سَوَاءٌ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ، أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، كَالْمَغْصُوبِ. وَإِنْ عَلِمَ، فَلَهُ أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ يَدِهِ. وَلِهَذَا مُقَدِّمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ أَخَذَ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ لِيَحْفَظَهُ لِلْمَالِكِ، هَلْ يَبْرَأُ الْغَاصِبُ مِنَ الضَّمَانِ؟ وَجْهَانِ. أَقْيَسُهُمَا: الْبَرَاءَةُ، لِأَنَّ يَدَ الْقَاضِي نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ الْمَالِكِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْرَأُ، فَلِلْقَاضِي أَخْذُهُ مِنْهُ. وَإِنْ قُلْنَا: يَبْرَأُ، فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُعَرَّضًا لِلضَّيَاعِ، وَالْغَاصِبِ بِحَيْثُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُفْلِسَ، أَوْ يُغَيِّبَ وَجْهَهُ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا يَأْخُذُ، فَإِنَّهُ أَنْفَعُ لِلْمَالِكِ. وَالثَّانِي: يَأْخُذُ نَظَرًا لَهُمَا جَمِيعًا. وَلَيْسَ لِآحَادِ النَّاسِ أَخْذُ الْمَغْصُوبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَرَّضًا لِلضَّيَاعِ، وَلَا الْغَاصِبِ بِحَيْثُ تَفُوتُ مُطَالَبَتُهُ ظَاهِرًا. وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْقَاضِيَ هُوَ النَّائِبُ عَنِ النَّاسِ، وَلِأَنَّهُ
стр. 2232
قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الْفِتْنَةِ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ احْتِسَابًا وَنَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ أَخَذَهُ ضَمِنَهُ، وَكَانَ كَغَاصِبٍ مِنْ غَاصِبٍ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَضْمَنُ، وَبَرَاءَةُ الْغَاصِبِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يَبْرَأَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ هُنَاكَ قَاضٍ يُمْكِنُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ، وَإِلَّا، فَيَجُوزُ. إِذَا عُرِفَ هَذَا، فَقَالَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ: إِذَا أَخَذَ السَّيِّدُ اللُّقَطَةَ مِنَ الْعَبْدِ كَانَ أَخْذُهُ الْتِقَاطًا، لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدَ الْتِقَاطٍ، كَانَ الْحَاصِلُ فِي يَدِهِ ضَائِعًا بَعْدُ، وَيَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنِ الْعَبْدِ لِوُصُولِهِ إِلَى نَائِبِ الْمَالِكِ، فَإِنَّ كُلَّ أَهْلٍ لِلِالْتِقَاطِ كَأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ. وَبِمِثْلِهِ قَالُوا فِيمَا لَوْ أَخَذَهُ أَجْنَبِيٌّ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ جَعَلَ أَخْذَ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ تَعَلَّقَ صَيْدٌ بِشَبَكَةِ رَجُلٍ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ قَوْلَهُمْ: إِنَّ أَخْذَ السَّيِّدِ الْتِقَاطٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ ضَامِنٌ بِالْأَخْذِ. وَلَوْ كَانَ أَخْذُ السَّيِّدِ الْتِقَاطًا، لَسَقَطَ الضَّمَانُ عَنْهُ، فَيَتَضَرَّرُ [بِهِ] الْمَالِكُ، وَهَذَا وَجْهٌ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ وَالْمُتَوَلِّي، وَحَكَيَا تَفْرِيعًا عَلَيْهِ أَنَّ السَّيِّدَ يَنْتَزِعُهُ مِنْ يَدِهِ، وَيُسَلِّمُهُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَحْفَظَهُ لِمَالِكِهِ أَبَدًا. وَأَمَّا الْإِمَامُ فَقَالَ: إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْتِقَاطٍ، فَأَرَادَ أَخْذَهُ بِنَفَسِهِ وَحِفْظَهُ لِمَالِكِهِ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى أَخْذِ الْآحَادِ الْمَغْصُوبِ لِلْحِفْظِ، وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ السَّيِّدَ سَاعٍ لِنَفْسِهِ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ. ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَإِنِ اسْتَدْعَى مِنَ الْحَاكِمِ انْتِزَاعُهُ، فَهَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِأَنْ يُزِيلَ الْحَاكِمُ فِيهَا الْيَدَ الْعَادِيَةَ. وَإِذَا أَزَالَ، فَأَوْلَى أَنْ تَحْصُلَ [الْبَرَاءَةُ] لِتَعَلُّقِ غَرَضِ السَّيِّدِ بِالْبَرَاءَةِ، وَهُوَ غَيْرُ مَنْسُوبٍ إِلَى عُدْوَانٍ حَتَّى يَغْلُظَ عَلَيْهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُقِرَّهُ فِي يَدِهِ، وَيَسْتَحْفِظَهُ عَلَيْهِ لِيَعْرِفَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ أَمِينًا، فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْإِقْرَارِ، وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ أَمِينًا، جَازَ،
стр. 2233
كَمَا لَوِ اسْتَعَانَ بِهِ فِي تَعْرِيفِ مَا الْتَقَطَهُ بِنَفْسِهِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ وَجْهَيْنِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُ: الْمَنْعُ. وَقِيَاسُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ سُقُوطُهُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَأْخُذَهُ وَلَا يُقِرَّهُ، بَلْ يُهْمِلُهُ وَيُعْرِضُ عَنْهُ. فَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَمَا كَانَ، وَلَا يُطَالِبُ بِهِ السَّيِّدُ فِي سَائِرِ أَمْوَالِهِ، لِأَنَّهُ لَا تَعَدِّيَ مِنْهُ، وَلَا أَثَرَ لِعِلْمِهِ، كَمَا لَوْ رَأَى عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ تَعَلُّقَهُ بِالْعَبْدِ، وَبِجَمِيعِ أَمْوَالِ السَّيِّدِ. وَعَكَسَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، فَنَسَبَا الْأَوَّلَ إِلَى الرَّبِيعِ، وَالثَّانِيَ إِلَى الْمُزَنِيِّ. وَالصَّوَابُ الْمُعْتَمَدُ، مَا سَبَقَ ثُمَّ فِيهِمَا أَرْبَعَةُ طُرُقٍ. أَصَحُّهَا وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: تَعَلُّقُهُ بِالْعَبْدِ، وَسَائِرِ أَمْوَالِ السَّيِّدِ، حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ، لَا يَسْقُطُ الضَّمَانُ. وَلَوْ أَفْلَسَ السَّيِّدُ، قُدِّمَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ فِي الْعَبْدِ عَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ. وَمَنْ قَالَ بِهِ، لَمْ يُسَلِّمْ عَدَمَ وُجُوبِ الضَّمَانِ إِذَا رَأَى عَبْدَهُ يُتْلِفُ مَالًا فَلَمْ يَمْنَعْهُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: حَمْلُ نَقْلِ الْمُزَنِيِّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْعَبْدُ مُمَيِّزًا، وَنَقْلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِ الْمُمَيِّزِ. وَالثَّالِثُ: الْقَطْعُ بِنَقْلِ الْمُزَنِيِّ فِي النَّقْلِ. وَالرَّابِعُ: الْقَطْعُ بِنَقْلِ الرَّبِيعِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَغَلَّطُوا الْمُزَنِيَّ فِي النَّقْلِ هَذَا كُلُّهُ إِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ. فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ، صَحَّ تَعْرِيفُهُ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعْرِيفُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَهُ التَّمَلُّكُ لِلسَّيِّدِ بِإِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَاتِّهَابِهِ وَشِرَائِهِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ قِيلَ: لَا يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ. وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ كَالِالْتِقَاطِ. قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ إِنْ قُلْنَا: انْقِضَاءُ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ تُوجِبُ الْمِلْكَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَصِحُّ وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ، كَمَا لَا يَثْبُتُ إِذَا عَرَّفَ مَنْ قَصَدَ الْحِفْظَ. ثُمَّ لَا يَخْلُو، إِمَّا أَنْ يَعْلَمَ السَّيِّدُ بِالِالْتِقَاطِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ. فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَالْمَالُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْعَبْدِ، لَكِنْ لَوْ كَانَ مُعْرِضًا عَنِ التَّعْرِيفِ، فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي الْحُرِّ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ التَّعْرِيفِ. وَلَوْ أَتْلَفَهُ الْعَبْدُ بَعْدَ مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، أَوْ تَمَلَّكَهُ لِنَفْسِهِ فَهَلَكَ عِنْدَهُ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ كَمَا لَوِ اقْتَرَضَ فَاسِدًا وَأَتْلَفَهُ، أَمْ بِرَقَبَتِهِ كَالْمَغْصُوبِ؟ وَجْهَانِ. وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي «الْفُرُوقِ» ،
стр. 2234
وَلَوْ أَتْلَفَهُ فِي الْمُدَّةِ، أَوْ تَلِفَ بِتَقْصِيرِهِ، فَالْمَذْهَبُ تَعَلُّقُ الضَّمَانِ بِرَقَبَتِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهُ خِيَانَةٌ مَحْضَةٌ، إِذْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ التَّمَلُّكِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمُدَّةِ. وَقِيلَ: فِي تَعَلُّقِهِ بِالرَّقَبَةِ، أَوِ الذِّمَّةِ قَوْلَانِ. وَإِنْ عَلِمَ بِهِ السَّيِّدُ، فَلَهُ أَخْذُهُ كَأَكْسَابِهِ، ثُمَّ يَكُونُ كَالْتِقَاطِهِ بِنَفْسِهِ. فَإِنْ شَاءَ حَفِظَهُ لِمَالِكِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَرَّفَ وَتَمَلَّكَ. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَرَّفَ بَعْضَ الْمُدَّةِ، احْتَسَبَ [بِهِ] وَبَنَى عَلَيْهِ. وَإِنْ أَقَرَّهُ فِي يَدِهِ وَهُوَ خَائِنٌ، ضَمِنَ السَّيِّدُ بِإِبْقَائِهِ فِي يَدِهِ. وَإِنْ كَانَ أَمِينًا، جَازَ، ثُمَّ إِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، فَلَا ضَمَانَ. وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهَا، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فِي التَّمَلُّكِ فَتَمَلَّكَ، لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِالسَّيِّدِ، لِإِذْنِهِ فِي سَبَبِ الضَّمَانِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي اسْتِيَامِ شَيْءٍ فَأَخَذَهُ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ. وَالثَّانِي:
[لَا] كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْغَصْبِ فَغَصَبَ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ أَيْضًا بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، فَيُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا يُطَالَبُ بِهِ السَّيِّدُ فِي الْحَالِ، وَعَلَى الثَّانِي، يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِ السَّيِّدِ. وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ الضَّامِنُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ، أَمْ بِرَقَبَتِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّيِّدِ قَطْعًا. فَإِنْ أَتْلَفَهُ الْعَبْدُ بَعْدَ الْمُدَّةِ، فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ.
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : الْقَوْلَانِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، فِيمَا إِذَا نَوَى الِالْتِقَاطَ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ نَوَى لِسَيِّدِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُطْرَدَ الْقَوْلَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْطَعَ بِالصِّحَّةِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْقَوْلَانِ إِذَا الْتَقَطَ لِيَدْفَعَ إِلَى سَيِّدِهِ. فَإِنْ قَصَدَ نَفْسَهُ، فَلَيْسَ لَهُ الِالْتِقَاطُ قَطْعًا، بَلْ هُوَ مُتَعَدٍّ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْتِقَاطٌ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، بِأَنْ يَقُولَ: مَتَى وَجَدْتَ لُقَطَةً فَخُذْهَا، وَائْتِنِي بِهَا، فَطَرِيقَانِ. قَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْإِذْنَ لَا يُفِيدُهُ أَهْلِيَّةُ الْوِلَايَةِ.
стр. 2235
وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِالصِّحَّةِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْإِمَامِ، كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي قَبُولِ الْوَدِيعَةِ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الِاكْتِسَابِ مُطْلَقًا، فَفِي دُخُولِ الِالْتِقَاطِ وَجْهَانِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الْتِقَاطٌ نَهَاهُ عَنْهُ السَّيِّدُ، فَقَطَعَ الْإِصْطَخْرِيُّ بِالْمَنْعِ، وَطَرَدَ غَيْرُهُ الْقَوْلَيْنِ.
قُلْتُ: طَرِيقَةُ الْإِصْطَخْرِيِّ أَقْوَى، وَلَكِنَّ سَائِرَ الْأَصْحَابِ عَلَى طَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، قَالَهُ صَاحِبُ «الْمُسْتَظْهِرِيِّ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا الْتَقَطَ ثُمَّ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ، فَإِنْ صَحَّحْنَا الْتِقَاطَهُ، فَهِيَ كَسْبُ عَبْدِهِ يَأْخُذُهَا السَّيِّدُ وَيُعَرِّفُهَا، وَيَتَمَلَّكُهَا. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ عَرَّفَ، اعْتُدَّ بِهِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هَلِ السَّيِّدُ أَحَقُّ نَظَرًا إِلَى وَقْتِ الِالْتِقَاطِ، أَمِ الْعَبْدُ نَظَرًا إِلَى وَقْتِ التَّمَلُّكِ؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ لَمْ نُصَحِّحِ الْتِقَاطَهُ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لِلسَّيِّدِ حَقُّ التَّمَلُّكِ إِذَا قُلْنَا: لِلسَّيِّدِ التَّمَلُّكُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهَا. فَعَلَى هَذَا، هَلْ لِلْعَبْدِ تَمَلُّكُهَا وَكَأَنَّهُ الْتَقَطَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، أَمْ يَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَى الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
فِي الْتِقَاطِ الْمُكَاتَبِ طُرُقٌ. أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ قَطْعًا. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ قَطْعًا، بِخِلَافِ الْقِنِّ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَنْتَزِعُ مِنْهُ، وَلَا وِلَايَةَ لِلسَّيِّدِ عَلَى مَالِ الْمُكَاتَبِ مَعَ نُقْصَانِهِ. وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ كَالْعَبْدِ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ هُنَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ،
стр. 2236
صِحَّةُ الْتِقَاطِهِ. ثُمَّ الْمَذْهَبُ أَنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ فِي الْمُكَاتَبِ كِتَابَةٌ صَحِيحَةٌ. فَأَمَّا الْفَاسِدَةُ، فَكَالْقِنِّ قَطْعًا. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي النَّوْعَيْنِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ، تَفْرِيعًا عَلَى الْقَطْعِ بِالصِّحَّةِ، أَنَّ فِي إِبْقَاءِ اللُّقَطَةِ فِي يَدِهِ قَوْلَيْنِ كَمَا سَبَقَ فِي الْفَاسِقِ، وَكُتُبُهُمْ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ صَحَّحْنَا الْتِقَاطَ الْمُكَاتَبِ، عَرَّفَهَا وَتَمَلَّكَهَا وَيَكُونُ بَدَلُهَا فِي كَسْبِهِ. وَفِي تَقَدُّمِ الْمَالِكِ بِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَجْهَانِ فِي «أَمَالِي» أَبِي الْفَرَجِ الزَّازِ. وَإِذَا أُعْتِقَ فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ، أَتَمَّ التَّعْرِيفَ وَتَمَلَّكَ. وَإِنْ عَادَ إِلَى الرِّقِّ قَبْلَ تَمَامِ التَّعْرِيفِ، فَالْمَنْقُولُ عَنِ الْأَصْحَابِ، أَنَّ الْقَاضِيَ يَأْخُذُهَا وَيَحْفَظُهَا لِلْمَالِكِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَخْذُهَا وَتَمَلُّكُهَا، لِأَنَّ الْتِقَاطَ الْمُكَاتَبِ لَا يَقَعُ لِلسَّيِّدِ، فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهُ الْأَخْذُ، وَالتَّمَلُّكُ، لِأَنَّ الِالْتِقَاطَ اكْتِسَابٌ، وَأَكْسَابُ الْمُكَاتَبِ لِسَيِّدِهِ عِنْدَ عَجْزِهِ. قَالَ: وَكَذَا لَوْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ، أَوِ الْعَبْدُ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ لِلسَّيِّدِ التَّعْرِيفُ، وَالتَّمَلُّكُ، كَمَا أَنَّ الْحُرَّ إِذَا الْتَقَطَ وَمَاتَ قَبْلَ التَّعْرِيفِ، يُعَرِّفُ الْوَارِثُ وَيَتَمَلَّكُ. وَإِذَا لَمْ نُصَحِّحِ الْتِقَاطَهُ فَالْتَقَطَ، صَارَ ضَامِنًا، وَلَا يَأْخُذُ السَّيِّدُ اللُّقَطَةَ مِنْهُ، بَلْ يَأْخُذُهَا الْقَاضِي وَيَحْفَظُهَا، هَكَذَا ذَكَرُوهُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: ذَكَرْتُمْ تَفْرِيعًا عَلَى مَنْعِ الْتِقَاطِ الْقِنِّ، أَنَّ لِلْأَجْنَبِيِّ أَخَذَهَا وَيَكُونُ مُلْتَقِطًا، وَلَمْ تَعْتَبِرُوا الْوِلَايَةَ، وَلَيْسَ السَّيِّدُ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ بِأَدْنَى حَالًا مِنَ الْأَجْنَبِيِّ فِي الْقِنِّ. ثُمَّ إِذَا أَخَذَهَا الْحَاكِمُ بَرِئَ الْمُكَاتَبُ مِنَ الضَّمَانِ. ثُمَّ كَيْفَ الْحُكْمُ؟ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُعَرِّفُهَا، فَذًّا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، تَمَلَّكَهَا الْمُكَاتَبُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ، فَإِنَّ التَّفْرِيعَ عَلَى فَسَادِ الِالْتِقَاطِ، لَكِنْ إِذَا [أَخَذَهَا] حَفِظَهَا إِلَى أَنْ يَظْهَرَ مَالِكُهَا.
стр. 2237
فَرْعٌ
مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، هَلْ يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ قَطْعًا، أَمْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ كَالْقِنِّ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي قَدْرِ الْحُرِّيَّةِ قَطْعًا، وَفِي الْبَاقِي الطَّرِيقَانِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، وَأَبْدَاهُ الشَّاشِيُّ احْتِمَالًا.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ، صِحَّةُ الْتِقَاطِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ، فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالْأَخْذِ، ضَامِنٌ بِقَدْرِ الْحُرِّيَّةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَبِقَدْرِ الرِّقِّ فِي رَقَبَتِهِ. وَهَلْ يُنْتَزَعُ مِنْهُ، أَمْ يَبْقَى فِي يَدِهِ وَيُضَمُّ إِلَيْهِ مُشْرِفٌ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ. أَصَحُّهُمَا: الِانْتِزَاعُ. وَعَلَى هَذَا، هَلْ يُسَلَّمُ إِلَى السَّيِّدِ، أَمْ يَحْفَظُهُ الْحَاكِمُ إِلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: الثَّانِي. فَإِنَّ سُلِّمَ إِلَى السَّيِّدِ، فَعَنْ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْوَكِيلِ: أَنَّ السَّيِّدَ يُعَرِّفُهُ وَيَتَمَلَّكُهُ. قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: يَصِحُّ الْتِقَاطُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّيِّدِ مُهَايَأَةٌ، فَاللُّقَطَةُ بَيْنَهُمَا يُعَرِّفَانِهَا وَيَتَمَلَّكَانِهَا بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ كَشَخْصَيْنِ الْتَقَطَا مَالًا. وَقَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ: يَخْتَصُّ بِهَا السَّيِّدُ كَلُقَطَةِ الْقِنِّ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ مُهَايَأَةٌ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ النَّادِرَ هَلْ يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ. وَمَيْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالصَّيْدَلَانِيِّ هُنَاكَ إِلَى تَرْجِيحِ عَدَمِ الدُّخُولِ ثُمَّ أَنَّهُمْ مَعَ سَائِرِ الْأَصْحَابِ، كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى تَرْجِيحِ عَدَمِ الدُّخُولِ هُنَا، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . فَعَلَى هَذَا، إِنْ وَقَعَتِ اللُّقَطَةُ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ، عَرَّفَهَا وَتَمَلَّكَهَا. وَإِنْ وَقَعَتْ فِي نَوْبَةِ الْعَبْدِ، عَرَّفَهَا وَتَمَلَّكَ. وَالِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الِالْتِقَاطِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. وَأَشَارَ
стр. 2238
الْإِمَامُ إِلَى وَجْهٍ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ التَّمَلُّكِ. وَإِنْ قُلْنَا: النَّادِرُ لَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً.
قُلْتُ: وَنَقَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأَةِ، لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرَّقَبَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ فِي الِالْتِقَاطِ. لَكِنْ حَيْثُ حَكَمْنَا بِتَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِرَقَبَةِ الْقِنِّ، فَفِي أُمِّ الْوَلَدِ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ، سَوَاءٌ عَلِمَ الْتِقَاطَهَا، أَمْ لَا، لِأَنَّ جِنَايَتَهَا عَلَى السَّيِّدِ. وَفِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ سَيِّدُهَا، فَالضَّمَانُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِلَّا، فَفِي ذِمَّتِهَا، وَهَذَا لَمْ يُثْبِتْهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالُوا: هَذَا سَهْوٌ مِنْ كَاتِبٍ، أَوْ غَلَطٌ مِنْ نَاقِلٍ، وَرُبَّمَا حَاوَلُوا تَأْوِيلَهُ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ، فِيهِ طَرِيقَانِ كَالْفَاسِقِ. وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ كَاحْتِطَابِهِ وَاصْطِيَادِهِ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْوَلِيُّ، وَأَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ، ضَمِنَ. وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أُودِعَ مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ. وَتَسْلِيطُ الشَّرْعِ لَهُ عَلَى الِالْتِقَاطِ، كَتَسْلِيطِ الْمُودِعِ. وَالثَّانِي: يَضْمَنُ لِضَعْفِ أَهْلِيَّتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ. فَإِنْ عَلِمَ بِهِ الْوَلِيُّ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْ يَدِهِ، وَيُعَرِّفَهُ. ثُمَّ إِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي تَمَلُّكِهِ لِلصَّبِيِّ، جَازِ حَيْثُ يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: عِنْدِي يَجُوزُ التَّمَلُّكُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ الِاقْتِرَاضُ، لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُلْحَقٌ بِالِاكْتِسَابِ.
стр. 2239
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، كَمَا هُوَ شُذُوذٌ عَنِ الْأَصْحَابِ، فَهُوَ ضَعِيفٌ دَلِيلًا، فَإِنَّهُ اقْتِرَاضٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ لَمْ يَرَ التَّمَلُّكَ لَهُ، حَفِظَهُ أَمَانَةً، أَوْ سَلَّمَهُ إِلَى الْقَاضِي. وَإِذَا احْتَاجَ التَّعْرِيفُ إِلَى مُؤْنَةٍ، لَمْ يَصْرِفْهَا مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَبِيعَ جُزْءًا مِنَ اللُّقَطَةِ لِمُؤْنَةِ التَّعْرِيفِ. وَيَجِيءُ وَجْهٌ مِمَّا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْتِقَاطِ الشَّاةِ: أَنَّهُ يَبِيعُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ. وَلَوْ تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ فِي يَدِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ. وَإِنْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ بِتَرْكِهَا فِي يَدِهِ حَتَّى تَلِفَتْ، أَوْ أَتْلَفَهَا، لَزِمَ الْوَلِيَّ الضَّمَانُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَشَبَّهُوهُ بِمَا إِذَا احْتَطَبَ الصَّبِيُّ وَتَرَكَهُ الْوَلِيُّ فِي يَدِهِ حَتَّى تَلِفَ، أَوْ أَتْلَفَهُ الصَّبِيُّ، يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْوَلِيِّ، لِأَنَّ عَلَيْهِ حِفْظَ الصَّبِيِّ عَنْ مِثْلِهِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: ثُمَّ يُعَرِّفُ التَّالِفَ، وَبَعْدَ التَّعْرِيفِ يُتَمَلَّكُ لِلصَّبِيِّ إِنْ كَانَ فِي التَّمَلُّكِ مَصْلَحَةٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَا إِذَا وُجِدَ قَبْضٌ مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي لِيَصِيرَ الْمَقْبُوضُ مِلْكًا لِلْمُلْتَقِطِ، أَوْ إِفْرَازًا مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ مَنِ الْتَقَطَ شَاةً وَأَكَلَهَا يَفْرِزُ بِنَفْسِهِ قِيمَتَهَا مِنْ مَالِهِ. فَأَمَّا الضَّمَانُ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ لِلصَّبِيِّ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ، فَإِذَا الْتَقَطَ وَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهَا، وَجَبَ الضَّمَانُ فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُقِرَّهَا فِي يَدِهِ، بَلْ يَسْعَى فِي انْتِزَاعِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي، فَعَلَ، وَإِنِ انْتَزَعَ الْحَاكِمُ، فَفِي بَرَاءَةِ الصَّبِيِّ عَنِ الضَّمَانِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي انْتِزَاعِ الْقَاضِي الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ، وَأَوْلَى بِحُصُولِ الْبَرَاءَةِ نَظَرًا لِلطِّفْلِ. إِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي، أَخَذَهُ بِنَفْسِهِ، وَتَبَنَّى بَرَاءَةَ الصَّبِيِّ عَنِ الضَّمَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي بَرَاءَةِ الْغَاصِبِ بِأَخْذِ الْآحَادِ.
стр. 2240
فَإِنْ لَمْ تَحْصُلِ الْبَرَاءَةُ، فَفَائِدَةُ الْأَخْذِ صَوْنُ عَيْنِ الْمَالِ عَنِ التَّضْيِيعِ، وَالْإِتْلَافِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِذَا أَخَذَهُ الْوَلِيُّ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّسْلِيمُ إِلَى الْقَاضِي فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَإِلَّا، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الصَّبِيِّ. وَفِي كَوْنِ الْوَلِيِّ طَرِيقًا، وَجْهَانِ. وَهَذَا إِذَا أَخَذَ الْوَلِيُّ لَا عَلَى قَصْدِ الِالْتِقَاطِ. أَمَّا إِذَا قَصَدَ ابْتِدَاءَ الِالْتِقَاطِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَلِيَكُونَا كَالْخِلَافِ فِي الْأَخْذِ مِنَ الْعَبْدِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ إِذَا لَمْ نُصَحِّحِ الْتِقَاطَهُ. وَلَوْ قَصَّرَ الْوَلِيُّ وَتَرَكَ الْمَالَ فِي يَدِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إِذَا تَلِفَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ، وَلَا حَقَّ لِلصَّبِيِّ فِيهِ حَتَّى يَلْزَمَهُ حِفْظُهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. وَخَصَّصَ الْإِمَامُ هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ أَخْذَهُ لَا يُبَرِّئُ الصَّبِيَّ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: يُبَرِّئُ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ لِتَرْكِهِ الصَّبِيَّ فِي وَرْطَةِ الضَّمَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ أَخْذَهُ لَا يُبَرِّئُ الصَّبِيَّ لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِ الصَّبِيِّ مُعَرَّضٌ لِلضَّيَاعِ، فَحَقٌّ أَنْ يَصُونَهُ.
فَرْعٌ
الْمَجْنُونُ كَالصَّبِيِّ فِي الِالْتِقَاطِ، وَكَذَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، إِلَّا أَنَّهُ يَصِحُّ تَعْرِيفُهُ، وَلَا يَصِحُّ تَعْرِيفُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الشَّيْءُ الْمُلْتَقَطُ، وَهُوَ قِسْمَانِ. مَالٌ وَغَيْرُهُ، وَالْمَالُ نَوْعَانِ، حَيَوَانٌ وَجَمَادٌ. وَالْحَيَوَانُ ضَرْبَانِ، آدَمِيٌّ وَغَيْرُهُ. وَغَيْرُهُ صِنْفَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ بِفَضْلِ قُوَّتِهِ، كَالْإِبِلِ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، أَوْ بِشِدَّةِ عَدْوِهِ كَالْأَرَانِبِ، وَالظِّبَاءِ الْمَمْلُوكَةِ، أَوْ بِطَيَرَانِهِ كَالْحَمَامِ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي مَفَازَةٍ، فَلِلْحَاكِمِ وَنُوَّابِهِ أَخْذُهَا لِلْحِفْظِ. وَفِي جَوَازِ أَخْذِهَا لِلْآحَادِ لِلْحِفْظِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْمُتَوَلِّي، وَغَيْرِهِمَا: جَوَازُهُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِئَلَّا يَأْخُذَهَا
стр. 2241
خَائِنٌ فَتَضِيعَ. وَأَمَّا أَخْذُهَا لِلتَّمَلُّكِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ. فَمَنْ أَخَذَهَا لِلتَّمَلُّكِ ضَمِنَهَا، وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ بِالرَّدِّ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي، بَرِئَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَجَدَهَا فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهَا، فَوَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ كَالْمَفَازَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: جَوَازُهُ، لِأَنَّهَا فِي الْعِمَارَةِ تَضِيعُ بِتَسَلُّطِ الْخَوَنَةِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَطْعًا. فَإِنْ مَنَعْنَا، فَالْتِقَاطُهَا بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْتِقَاطِهَا مِنَ الصَّحْرَاءِ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَعَلَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّصْفِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ زَمَانُ أَمْنٍ. فَأَمَّا فِي زَمَنِ النَّهْبِ، وَالْفَسَادِ، فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهَا قَطْعًا. وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوِ الْعُمْرَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا لَا يَمْتَنِعُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْكَسِيرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْعُجُولِ، وَالْفُصْلَانِ، فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ، سَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الْمَفَازَةِ، أَوِ الْعُمْرَانِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُؤْخَذُ مَا وُجِدَ فِي الْعُمْرَانِ. وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ. ثُمَّ إِذَا وَجَدَهُ فِي الْمَفَازَةِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهَا، وَيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا، وَيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهَا إِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً وَيَغْرَمَ قِيمَتَهَا. وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى أَوْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الثَّالِثَةِ. وَإِنْ وَجَدَهَا فِي الْعُمْرَانِ، فَلَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ التَّعْرِيفِ، وَالتَّمَلُّكِ، وَلَهُ الْبَيْعُ وَالتَّعْرِيفُ وَتَمَلُّكُ الثَّمَنِ. وَفِي الْأَكْلِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ كَالْمَفَازَةِ. وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي الْعُمْرَانِ أَسْهَلُ هَذَا إِذَا كَانَتْ مَأْكُولَةً، فَأَمَّا الْجَحْشُ وَصِغَارُ مَا لَا يُؤْكَلُ، فَحُكْمُهَا فِي الْإِمْسَاكِ وَالْبَيْعِ حُكْمُ الْمَأْكُولِ، وَفِي جَوَازِ تَمَلُّكِهَا فِي الْحَالِ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمَأْكُولِ. وَلَوْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ لَأَعْرَضَ عَنْهَا الْوَاجِدُونَ وَلَضَاعَتْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا حَتَّى تُعَرَّفَ سَنَةً كَغَيْرِهَا.
стр. 2242
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِذَا أَمْسَكَهَا وَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ، فَذَاكَ. وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَلْيُنْفِقْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، أَشْهَدَ كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَرَادَ الْبَيْعَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، اسْتَقَلَّ بِهِ. وَإِنْ وَجَدَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ. وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهَا لِنَفَقَةِ بَاقِيهَا؟ قَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ، كَمَا تُبَاعُ جَمِيعُهَا. وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ احْتِمَالًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَأْكُلَ نَفْسَهَا، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، قَالَ: وَلَا يَسْتَقْرِضُ عَلَى الْمَالِكِ أَيْضًا، لِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ فِي هَرَبِ الْجِمَالِ وَنَحْوِهِ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَرَبِ الْجِمَالِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُ الْبَيْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُنَا يُمْكِنُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِمَالِكِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَتَّى حَصَلَتِ الضَّالَّةُ فِي يَدِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حِمًى، سَرَّحَهَا فِيهِ وَوَسَمَهَا بِسِمَةِ الضَّوَالِّ، وَيَسِمُ نِتَاجَهَا أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَالْقَوْلُ فِي بَيْعِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا لِلنَّفَقَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، لَكِنْ لَوْ تَوَقَّعَ مَجِيءَ الْمَالِكِ فِي طَلَبِهَا عَلَى قُرْبٍ، بِأَنْ عَرَفَ أَنَّهَا مِنْ نَعَمِ بَنِي فُلَانٍ، تَأَنَّى أَيَّامًا كَمَا يَرَاهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْآدَمِيُّ، فَإِذَا وَجَدَ رَقِيقًا مُمَيِّزًا، وَالزَّمَانُ آمِنٌ، لَمْ يَأْخُذْهُ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ مُمَيَّزًا فِي زَمَنِ نَهْبٍ، جَازَ أَخْذُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ. ثُمَّ يَجُوزُ تَمَلُّكُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ كَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمَحْرَمِ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِلُّ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ كَالِاسْتِقْرَاضِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَجِبِ التَّعْرِيفُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَيُنْفِقُ عَلَى الرَّقِيقِ مُدَّةَ الْحِفْظِ مِنْ كَسْبِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الْكَسْبِ
стр. 2243
حُفِظَ مَعَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسْبٌ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الصِّنْفِ الثَّانِي. وَإِذَا بِيعَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ وَقَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيُحْكَمُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَمَادُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَبْقَى، بِمُعَالَجَةٍ، كَالرُّطَبِ يُجَفَّفُ، أَوْ بِغَيْرِهَا، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالثِّيَابِ، وَإِلَى مَا لَا يَبْقَى، كَالْهَرِيسَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لُقَطَةٌ يُؤْخَذُ وَيُمَلَّكُ، لَكِنْ فِيمَا لَا يَبْقَى، أَوْ يَبْقَى بِمُعَالَجَةِ مَزِيدِ كَلَامٍ نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَكَلْبٍ يُقْتَنَى، فَمَيْلُ الْإِمَامِ وَالْآخِذِينَ عَنْهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا عَلَى قَصْدِ الْحِفْظِ أَبَدًا لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ بِهِ بِعِوَضٍ مُمْتَنِعٌ، وَبِلَا عِوَضٍ يُخَالِفُ وَضْعَ اللُّقَطَةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُعَرِّفُهُ سَنَةً ثُمَّ يَخْتَصُّ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَلِفَ، فَلَا ضَمَانَ. وَهَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهِ.
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ فِي اللُّقَطَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ غَيْرُ مَا سَبَقَ. أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ لِسُقُوطٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، وَنَحْوِهِمَا. فَأَمَّا إِذَا أَلْقَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي حِجْرِهِ، أَوْ أَلْقَى إِلَيْهِ هَارِبٌ كِيسًا، وَلَمْ يَعْرِفْ مَنْ هُوَ، أَوْ مَاتَ مُورِثُهُ عَنْ وَدَائِعَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مُلَّاكَهَا، فَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ يُحْفَظُ، وَلَا يُتَمَلَّكُ. وَلَوْ وُجِدَ دَفِينًا فِي الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ فِي أَنَّهُ رِكَازٌ، أَوْ لُقَطَةٌ سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ.
الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ فِي مَوَاتٍ، أَوْ شَارِعٍ، أَوْ مَسْجِدٍ. أَمَّا إِذَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يُؤْخَذُ لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، بَلْ هُوَ لِصَاحِبِ الْيَدِ فِي
стр. 2244
الْأَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَلِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَهُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُحْيِي، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ لُقَطَةً.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهَا مُسْلِمُونَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَمَا يُوجَدُ فِيهَا غَنِيمَةٌ، خُمْسُهَا لِأَهْلِ الْخُمْسِ، وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ الصَّحِيحِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
[الْحُكْمُ] الْأَوَّلُ: فِي الْأَمَانَةِ، وَالضَّمَانِ، وَيَخْلَتِفُ ذَلِكَ بِقَصْدِهِ. وَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَهَا لِيَحْفَظَهَا أَبَدًا، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ. فَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَكَذَا مَنْ أَخَذَ لِلتَّمَلُّكِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ وَدَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَهَلْ يَجِبُ التَّعْرِيفُ إِذَا قَصَدَ الْحِفْظَ أَبَدًا؟ وَجْهَانِ يَأْتِي بَيَانُهُمَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ لَمْ يَجِبْ، لَمْ يَضْمَنْ بِتَرْكِهِ. وَإِذَا بَدَا لَهُ قَصْدُ التَّمَلُّكِ، عَرَّفَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا عَرَفَ مِنْ قَبْلُ. وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ بِالتَّرْكِ. حَتَّى لَوْ بَدَأَ بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلَكَ فِي سَنَةِ التَّعْرِيفِ، ضَمِنَ.
الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ، وَالِاسْتِيلَاءِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا غَاصِبًا. وَفِي بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ الْوَجْهَانِ فِي الْغَاصِبِ، فَلَوْ عَرَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَرَادَ التَّمَلُّكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، كَالْغَاصِبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، لِوُجُودِ صُورَةِ الِالْتِقَاطِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَهَا لِيُعَرِّفَهَا سَنَةً، وَيَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي السَّنَةِ،
стр. 2245
وَأَمَّا بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُمَلَّكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ، فَقَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، وَضَمَانِهِ، وَإِلَّا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: تَصِيرُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ إِذَا كَانَ غُرْمُ التَّمَلُّكِ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ، فَالْأَصَحُّ مَا صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْبَغَوِيُّ: أَنَّهَا أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ قَصْدًا، أَوْ لَفْظًا إِذَا اعْتَبَرْنَاهُ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ، لَكِنْ إِذَا اخْتَارَ وَقُلْنَا: لَا بُدَّ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْقَرْضِ. وَإِذَا قَصَدَ الْأَمَانَةَ، ثُمَّ قَصَدَ الْخِيَانَةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ، كَالْمُودَعِ لَا يَضْمَنُ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: يَصِيرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّطْهُ الْمَالِكُ. وَمَهْمَا صَارَ الْمُلْتَقِطُ ضَامِنًا فِي الدَّوَامِ، إِمَّا بِحَقِيقَةِ الْخِيَانَةِ، أَوْ بِقَصْدِهَا، ثُمَّ أَقْلَعَ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ، وَيَتَمَلَّكَ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ، وَلَا يَقْصِدُ خِيَانَةً، وَلَا أَمَانَةً، أَوْ يَقْصِدَ أَحَدَهُمَا وَيَنْسَاهُ، فَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَلَهُ التَّمَلُّكُ بِشَرْطِهِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَعْرِفَ اللُّقَطَةَ، وَيُعَرِّفَهَا. أَمَّا الْمَعْرِفَةُ، فَيُعْلِمُ عِفَاصَهَا، وَهُوَ الْوِعَاءُ مِنْ جِلْدٍ وَخِرْقَةٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَوِكَاءَهَا، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ، وَجِنْسَهَا، أَذَهَبٌ أَمْ غَيْرُهُ؟ وَنَوْعَهَا، أَهَرَوِيَّةٌ، أَمْ غَيْرُهَا؟ وَقَدْرَهَا، بِوَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ وَإِنَّمَا يُعَرِّفُ هَذِهِ الْأُمُورَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ، وَيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِدْقِ طَالِبِهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَقْيِيدُهَا بِالْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا التَّعْرِيفُ، فَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: يَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ سَنَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اسْتِيعَابِ السَّنَةِ، بَلْ لَا يُعَرِّفُ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ الْأَيَّامَ أَيْضًا، بَلْ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَيُعَرِّفُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْأَوَّلِ. وَفِي وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِالتَّعْرِيفِ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجُمْهُورِ: لَا يَجِبُ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ تَعْرِيفُ سَنَةٍ مَتَى كَانَ. وَهَلْ تَكْفِي سَنَةٌ مُفَرَّقَةٌ بِأَنْ يُفَرِّقَ شَهْرَيْنِ مَثَلًا، وَيَتْرُكَ شَهْرَيْنِ، وَهَكَذَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، لِأَنَّهُ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّعْرِيفِ.
следующие страницы →