Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
خَائِنٌ فَتَضِيعَ. وَأَمَّا أَخْذُهَا لِلتَّمَلُّكِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ. فَمَنْ أَخَذَهَا لِلتَّمَلُّكِ ضَمِنَهَا، وَلَا يَبْرَأُ عَنِ الضَّمَانِ بِالرَّدِّ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. فَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي، بَرِئَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ وَجَدَهَا فِي بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْهَا، فَوَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ كَالْمَفَازَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: جَوَازُهُ، لِأَنَّهَا فِي الْعِمَارَةِ تَضِيعُ بِتَسَلُّطِ الْخَوَنَةِ. وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ قَطْعًا. فَإِنْ مَنَعْنَا، فَالْتِقَاطُهَا بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْتِقَاطِهَا مِنَ الصَّحْرَاءِ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَعَلَى مَا سَيَأْتِي فِي النِّصْفِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ زَمَانُ أَمْنٍ. فَأَمَّا فِي زَمَنِ النَّهْبِ، وَالْفَسَادِ، فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهَا قَطْعًا. وَسَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوِ الْعُمْرَانِ، كَمَا سَيَأْتِي فِيمَا لَا يَمْتَنِعُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
الصِّنْفُ الثَّانِي: مَا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ، كَالْكَسِيرِ، وَالْغَنَمِ، وَالْعُجُولِ، وَالْفُصْلَانِ، فَيَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتَّمَلُّكِ، سَوَاءٌ وُجِدَتْ فِي الْمَفَازَةِ، أَوِ الْعُمْرَانِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُؤْخَذُ مَا وُجِدَ فِي الْعُمْرَانِ. وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ. ثُمَّ إِذَا وَجَدَهُ فِي الْمَفَازَةِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُمْسِكَهَا، وَيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ يَتَمَلَّكَهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَبِيعَهَا، وَيَحْفَظَ ثَمَنَهَا، وَيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ يَتَمَلَّكَ الثَّمَنَ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهَا إِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً وَيَغْرَمَ قِيمَتَهَا. وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى أَوْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى مِنَ الثَّالِثَةِ. وَإِنْ وَجَدَهَا فِي الْعُمْرَانِ، فَلَهُ الْإِمْسَاكُ مَعَ التَّعْرِيفِ، وَالتَّمَلُّكِ، وَلَهُ الْبَيْعُ وَالتَّعْرِيفُ وَتَمَلُّكُ الثَّمَنِ. وَفِي الْأَكْلِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ كَالْمَفَازَةِ. وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْبَيْعَ فِي الْعُمْرَانِ أَسْهَلُ هَذَا إِذَا كَانَتْ مَأْكُولَةً، فَأَمَّا الْجَحْشُ وَصِغَارُ مَا لَا يُؤْكَلُ، فَحُكْمُهَا فِي الْإِمْسَاكِ وَالْبَيْعِ حُكْمُ الْمَأْكُولِ، وَفِي جَوَازِ تَمَلُّكِهَا فِي الْحَالِ، وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمَأْكُولِ. وَلَوْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ لَأَعْرَضَ عَنْهَا الْوَاجِدُونَ وَلَضَاعَتْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهَا حَتَّى تُعَرَّفَ سَنَةً كَغَيْرِهَا.
стр. 2242
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْخِصَالِ الثَّلَاثِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِذَا أَمْسَكَهَا وَتَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ، فَذَاكَ. وَإِنْ أَرَادَ الرُّجُوعَ، فَلْيُنْفِقْ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، أَشْهَدَ كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَرَادَ الْبَيْعَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، اسْتَقَلَّ بِهِ. وَإِنْ وَجَدَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ. وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهَا لِنَفَقَةِ بَاقِيهَا؟ قَالَ الْإِمَامُ: نَعَمْ، كَمَا تُبَاعُ جَمِيعُهَا. وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ احْتِمَالًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنْ تَأْكُلَ نَفْسَهَا، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، قَالَ: وَلَا يَسْتَقْرِضُ عَلَى الْمَالِكِ أَيْضًا، لِهَذَا الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ مَا سَبَقَ فِي هَرَبِ الْجِمَالِ وَنَحْوِهِ.
قُلْتُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَرَبِ الْجِمَالِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ هُنَاكَ لَا يُمْكِنُ الْبَيْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُنَا يُمْكِنُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِضْرَارُ بِمَالِكِهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
مَتَّى حَصَلَتِ الضَّالَّةُ فِي يَدِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ حِمًى، سَرَّحَهَا فِيهِ وَوَسَمَهَا بِسِمَةِ الضَّوَالِّ، وَيَسِمُ نِتَاجَهَا أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ، فَالْقَوْلُ فِي بَيْعِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا لِلنَّفَقَةِ عَلَى مَا سَبَقَ، لَكِنْ لَوْ تَوَقَّعَ مَجِيءَ الْمَالِكِ فِي طَلَبِهَا عَلَى قُرْبٍ، بِأَنْ عَرَفَ أَنَّهَا مِنْ نَعَمِ بَنِي فُلَانٍ، تَأَنَّى أَيَّامًا كَمَا يَرَاهُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الْآدَمِيُّ، فَإِذَا وَجَدَ رَقِيقًا مُمَيِّزًا، وَالزَّمَانُ آمِنٌ، لَمْ يَأْخُذْهُ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، أَوْ مُمَيَّزًا فِي زَمَنِ نَهْبٍ، جَازَ أَخْذُهُ كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ. ثُمَّ يَجُوزُ تَمَلُّكُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الَّتِي لَا تَحِلُّ كَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالْمَحْرَمِ. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِلُّ، فَعَلَى قَوْلَيْنِ كَالِاسْتِقْرَاضِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَجِبِ التَّعْرِيفُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَيُنْفِقُ عَلَى الرَّقِيقِ مُدَّةَ الْحِفْظِ مِنْ كَسْبِهِ، وَمَا بَقِيَ مِنَ الْكَسْبِ
стр. 2243
حُفِظَ مَعَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَسْبٌ، فَعَلَى مَا سَبَقَ فِي الصِّنْفِ الثَّانِي. وَإِذَا بِيعَ ثُمَّ ظَهَرَ الْمَالِكُ وَقَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيُحْكَمُ بِفَسَادِ الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: لَا، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَمَادُ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَبْقَى، بِمُعَالَجَةٍ، كَالرُّطَبِ يُجَفَّفُ، أَوْ بِغَيْرِهَا، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالثِّيَابِ، وَإِلَى مَا لَا يَبْقَى، كَالْهَرِيسَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ لُقَطَةٌ يُؤْخَذُ وَيُمَلَّكُ، لَكِنْ فِيمَا لَا يَبْقَى، أَوْ يَبْقَى بِمُعَالَجَةِ مَزِيدِ كَلَامٍ نَذْكُرُهُ فِي الْبَابِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَيْسَ بِمَالٍ، كَكَلْبٍ يُقْتَنَى، فَمَيْلُ الْإِمَامِ وَالْآخِذِينَ عَنْهُ، إِلَى أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ إِلَّا عَلَى قَصْدِ الْحِفْظِ أَبَدًا لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ بِهِ بِعِوَضٍ مُمْتَنِعٌ، وَبِلَا عِوَضٍ يُخَالِفُ وَضْعَ اللُّقَطَةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُعَرِّفُهُ سَنَةً ثُمَّ يَخْتَصُّ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تَلِفَ، فَلَا ضَمَانَ. وَهَلْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمُدَّةِ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ إِجَارَتِهِ.
فَصْلٌ
يُشْتَرَطُ فِي اللُّقَطَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ غَيْرُ مَا سَبَقَ. أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ شَيْئًا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ لِسُقُوطٍ، أَوْ غَفْلَةٍ، وَنَحْوِهِمَا. فَأَمَّا إِذَا أَلْقَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي حِجْرِهِ، أَوْ أَلْقَى إِلَيْهِ هَارِبٌ كِيسًا، وَلَمْ يَعْرِفْ مَنْ هُوَ، أَوْ مَاتَ مُورِثُهُ عَنْ وَدَائِعَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مُلَّاكَهَا، فَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ يُحْفَظُ، وَلَا يُتَمَلَّكُ. وَلَوْ وُجِدَ دَفِينًا فِي الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ فِي أَنَّهُ رِكَازٌ، أَوْ لُقَطَةٌ سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ.
الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ فِي مَوَاتٍ، أَوْ شَارِعٍ، أَوْ مَسْجِدٍ. أَمَّا إِذَا وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا يُؤْخَذُ لِلتَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، بَلْ هُوَ لِصَاحِبِ الْيَدِ فِي
стр. 2244
الْأَرْضِ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَلِمَنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ قَبْلَهُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُحْيِي، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، حِينَئِذٍ يَكُونُ لُقَطَةً.
الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَفِيهَا مُسْلِمُونَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَمَا يُوجَدُ فِيهَا غَنِيمَةٌ، خُمْسُهَا لِأَهْلِ الْخُمْسِ، وَالْبَاقِي لِلْوَاجِدِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ الِالْتِقَاطِ الصَّحِيحِ
وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
[الْحُكْمُ] الْأَوَّلُ: فِي الْأَمَانَةِ، وَالضَّمَانِ، وَيَخْلَتِفُ ذَلِكَ بِقَصْدِهِ. وَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَأْخُذَهَا لِيَحْفَظَهَا أَبَدًا، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ. فَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَكَذَا مَنْ أَخَذَ لِلتَّمَلُّكِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ وَدَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَهَلْ يَجِبُ التَّعْرِيفُ إِذَا قَصَدَ الْحِفْظَ أَبَدًا؟ وَجْهَانِ يَأْتِي بَيَانُهُمَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ لَمْ يَجِبْ، لَمْ يَضْمَنْ بِتَرْكِهِ. وَإِذَا بَدَا لَهُ قَصْدُ التَّمَلُّكِ، عَرَّفَهَا سَنَةً مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَلَا يُعْتَدُّ بِمَا عَرَفَ مِنْ قَبْلُ. وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ بِالتَّرْكِ. حَتَّى لَوْ بَدَأَ بِالتَّعْرِيفِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلَكَ فِي سَنَةِ التَّعْرِيفِ، ضَمِنَ.
الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ، وَالِاسْتِيلَاءِ، فَيَكُونُ ضَامِنًا غَاصِبًا. وَفِي بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْحَاكِمِ الْوَجْهَانِ فِي الْغَاصِبِ، فَلَوْ عَرَّفَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَرَادَ التَّمَلُّكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، كَالْغَاصِبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، لِوُجُودِ صُورَةِ الِالْتِقَاطِ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَأْخُذَهَا لِيُعَرِّفَهَا سَنَةً، وَيَتَمَلَّكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي السَّنَةِ،
стр. 2245
وَأَمَّا بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُمَلَّكُ بِمُضِيِّ السَّنَةِ، فَقَدْ دَخَلَتْ فِي مِلْكِهِ، وَضَمَانِهِ، وَإِلَّا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: تَصِيرُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ إِذَا كَانَ غُرْمُ التَّمَلُّكِ مُطَّرِدًا، وَلَمْ يُوَافِقْهُ غَيْرُهُ، فَالْأَصَحُّ مَا صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْبَغَوِيُّ: أَنَّهَا أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ قَصْدًا، أَوْ لَفْظًا إِذَا اعْتَبَرْنَاهُ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ، لَكِنْ إِذَا اخْتَارَ وَقُلْنَا: لَا بُدَّ مِنَ التَّصَرُّفِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ كَالْقَرْضِ. وَإِذَا قَصَدَ الْأَمَانَةَ، ثُمَّ قَصَدَ الْخِيَانَةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ، كَالْمُودَعِ لَا يَضْمَنُ بِنِيَّةِ الْخِيَانَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالثَّانِي: يَصِيرُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّطْهُ الْمَالِكُ. وَمَهْمَا صَارَ الْمُلْتَقِطُ ضَامِنًا فِي الدَّوَامِ، إِمَّا بِحَقِيقَةِ الْخِيَانَةِ، أَوْ بِقَصْدِهَا، ثُمَّ أَقْلَعَ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ، وَيَتَمَلَّكَ، فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ، وَلَا يَقْصِدُ خِيَانَةً، وَلَا أَمَانَةً، أَوْ يَقْصِدَ أَحَدَهُمَا وَيَنْسَاهُ، فَلَا تَكُونُ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ وَلَهُ التَّمَلُّكُ بِشَرْطِهِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: التَّعْرِيفُ، فَيَنْبَغِي لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَعْرِفَ اللُّقَطَةَ، وَيُعَرِّفَهَا. أَمَّا الْمَعْرِفَةُ، فَيُعْلِمُ عِفَاصَهَا، وَهُوَ الْوِعَاءُ مِنْ جِلْدٍ وَخِرْقَةٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَوِكَاءَهَا، وَهُوَ الْخَيْطُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ، وَجِنْسَهَا، أَذَهَبٌ أَمْ غَيْرُهُ؟ وَنَوْعَهَا، أَهَرَوِيَّةٌ، أَمْ غَيْرُهَا؟ وَقَدْرَهَا، بِوَزْنٍ أَوْ عَدَدٍ وَإِنَّمَا يُعَرِّفُ هَذِهِ الْأُمُورَ لِئَلَّا تَخْتَلِطَ بِمَالِهِ، وَيُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى صِدْقِ طَالِبِهَا، وَيُسْتَحَبُّ تَقْيِيدُهَا بِالْكِتَابَةِ.
وَأَمَّا التَّعْرِيفُ، فَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: يَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ سَنَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْنَى اسْتِيعَابِ السَّنَةِ، بَلْ لَا يُعَرِّفُ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ الْأَيَّامَ أَيْضًا، بَلْ عَلَى الْمُعْتَادِ، فَيُعَرِّفُ فِي الِابْتِدَاءِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، ثُمَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ بِحَيْثُ لَا يَنْسَى أَنَّهُ تَكْرَارٌ لِلْأَوَّلِ. وَفِي وُجُوبِ الْمُبَادَرَةِ بِالتَّعْرِيفِ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجُمْهُورِ: لَا يَجِبُ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ تَعْرِيفُ سَنَةٍ مَتَى كَانَ. وَهَلْ تَكْفِي سَنَةٌ مُفَرَّقَةٌ بِأَنْ يُفَرِّقَ شَهْرَيْنِ مَثَلًا، وَيَتْرُكَ شَهْرَيْنِ، وَهَكَذَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، لِأَنَّهُ لَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ التَّعْرِيفِ.
стр. 2246
فَعَلَى هَذَا، إِذَا قَطَعَ مُدَّةً، وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ. وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالرُّويَانِيُّ: نَعَمْ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ بَلْ صَحَّحُوهُ، لِأَنَّهُ عُرِّفَ سَنَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: لِيَصِفِ الْمُلْتَقِطُ بَعْضَ أَوْصَافِ اللُّقَطَةِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الظَّفَرِ بِالْمَالِكِ. وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ، أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: مُسْتَحَبٌّ. فَإِنْ شَرَطْنَاهُ، فَهَلْ يَكْفِي ذِكْرُ الْجِنْسِ بِأَنْ يَقُولَ: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ دَرَاهِمُ؟ قَالَ الْإِمَامُ: عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَكْفِي، وَلَكِنْ يَتَعَرَّضُ لِلْعِفَاصِ، وَالْوِكَاءِ، وَمَكَانِ الِالْتِقَاطِ وَزَمَنِهِ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ الصِّفَاتِ، وَلَا يُبَالِغُ فِيهَا لِئَلَّا يَعْتَمِدَهَا الْكَاذِبُ. فَإِنْ بَالَغَ، فَفِي مَصِيرِهِ ضَامِنًا وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لَكِنْ قَدْ يَرْفَعُهُ إِلَى حَاكِمٍ يَلْزَمُهُ الدَّفْعُ بِالْوَصْفِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الضَّمَانُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثَةُ: إِنْ تَبَرَّعَ الْمُلْتَقِطُ بِالتَّعْرِيفِ، أَوْ بَذَلَ مُؤْنَتَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَإِنَّ أَخْذَهَا لِلْحِفْظِ أَبَدًا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجِبُ التَّعْرِيفُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إِنْ عَرَّفَ. وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْقَاضِي لِيَبْذُلَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ يَقْتَرِضَ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ يَأْمُرَ الْمُلْتَقِطَ بِهِ لِيَرْجِعَ كَمَا فِي هَرَبِ الْجَمَّالِ. وَإِنْ أَخَذَهَا لِلتَّمَلُّكِ، وَاتَّصَلَ الْأَمْرُ بِالتَّمَلُّكِ، فَمُؤْنَةُ التَّعْرِيفِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ قَطْعًا. وَإِنْ ظَهَرَ مَالِكُهَا، فَهَلْ هِيَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ لِقَصْدِهِ التَّمَلُّكَ، أَمْ عَلَى الْمَالِكِ لِعَوْدِ الْفَائِدَةِ إِلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَوَّلُهُمَا. وَلَوْ قَصَدَ الْأَمَانَةَ أَوَّلًا، ثُمَّ قَصَدَ التَّمَلُّكَ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ.
стр. 2247
الرَّابِعَةُ: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ التَّعْرِيفِ، هُوَ فِيمَا إِذَا قَصَدَ التَّمَلُّكَ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ الْحِفْظَ أَبَدًا، فَفِي وُجُوبِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: وُجُوبُهُ، لِئَلَّا يَكُونَ كِتْمَانًا مُفَوِّتًا لِلْحَقِّ عَلَى صَاحِبِهِ. وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: لَا يَجِبُ، قَالُوا: لِأَنَّ التَّعْرِيفَ إِنَّمَا يَجِبُ لِتَخْصِيصِ شَرْطِ التَّمَلُّكِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَقْوَى، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
الْخَامِسَةُ: لِيَكُنِ التَّعْرِيفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ، وَأَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عِنْدَ خُرُوجِ النَّاسِ مِنَ الْجَمَاعَاتِ، وَلَا يُعَرِّفْ فِي الْمَسَاجِدِ، كَمَا لَا تُطْلَبُ اللُّقَطَةُ فِيهَا، قَالَ الشَّاشِيُّ فِي «الْمُعْتَمَدِ» : إِلَّا أَنَّ الْأَصَحَّ جَوَازُ التَّعْرِيفِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ. ثُمَّ إِذَا الْتَقَطَ فِي بَلْدَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْرِيفِ فِيهَا، وَلْيَكُنْ أَكْثَرُ تَعْرِيفِهِ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي وَجَدَ فِيهَا، لِأَنَّ طَلَبَ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِ ضَيَاعِهِ أَكْثَرُ. فَإِنْ حَضَرَهُ سَفَرٌ، فَوَّضَ التَّعْرِيفَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يُسَافِرُ بِهَا. وَإِنِ الْتَقَطَ فِي الصَّحْرَاءِ، فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أَنَّهُ إِنِ اجْتَازَتْ بِهِ قَافِلَةٌ، تَبِعَهُمْ وَعَرَّفَ، وَإِلَّا، فَلَا فَائِدَةَ فِي التَّعْرِيفِ فِي الْمَوَاضِعِ الْخَالِيَةِ، وَلَكِنْ يُعَرِّفُ فِي الْبَلْدَةِ الَّتِي يَقْصِدُهَا قَرُبَتْ أَمْ بَعُدَتْ. وَإِنْ بَدَا لَهُ الرُّجُوعُ، أَوْ قَصَدَ بَلْدَةً أُخْرَى، عَرَّفَ فِيهَا، وَلَا يُكَلَّفُ أَنْ يُغَيِّرَ قَصْدَهُ، وَيَعْدِلَ إِلَى أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَتَابَعَهُ الْغَزَالِيُّ. وَلَكِنْ ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُعَرِّفُ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِ، وَهَذَا إِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَفْضَلَ فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الْعُدُولَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2248
فَرْعٌ
لَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ تَسْلِيمُ الْمَالِ إِلَى غَيْرِهِ لِيُعَرِّفَهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، فَإِنْ فَعَلَ، ضَمِنَ، ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَغَيْرُهُ.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُعَرِّفِ عَاقِلًا غَيْرَ مَشْهُورٍ بِالْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ، وَإِلَّا، فَلَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ، وَلَا تَحْصُلُ فَائِدَةُ التَّعْرِيفِ.
فَصْلٌ
إِنَّمَا يَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ إِذَا جَمَعَتْ وَصْفَيْنِ، أَحَدُهُمَا: كَوْنُ الْمُلْتَقَطِ كَثِيرًا. فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا، نُظِرَ، إِنِ انْتَهَتْ قِلَّتُهُ إِلَى حَدٍّ يَسْقُطُ تَمَوُّلُهُ كَحَبَّةِ الْحِنْطَةِ، وَالزَّبِيبَةِ، فَلَا تَعْرِيفَ، وَلِوَاجِدِهِ الِاسْتِبْدَادُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ مُتَمَوَّلًا مَعَ قِلَّتِهِ، وَجَبَ تَعْرِيفُهُ، وَفِي قَدْرِ تَعْرِيفِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ:
[سَنَةٌ] كَالْكَثِيرِ. وَأَشْبَهَهُمَا بِاخْتِيَارِ مُعْظَمِ الْأَصْحَابِ: لَا يَجِبُ سُنَّةً. فَعَلَى هَذَا أَوْجُهٌ: أَحَدُهَا: يَكْفِي مَرَّةً. وَالثَّانِي: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَأَصَحُّهَا: مُدَّةً يُظَنُّ فِي مِثْلِهَا طَلَبُ فَاقِدِهِ لَهُ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِعْرَاضُهُ، سَقَطَ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْمَالِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: فَدَانِقُ الْفِضَّةِ يُعَرَّفُ فِي الْحَالِ، وَدَانِقُ الذَّهَبِ يُعَرَّفُ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْمُتَمَوَّلِ وَالْكَثِيرِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا يَتَقَدَّرُ، بَلْ مَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ فَاقِدَهُ لَا يَكْثُرُ أَسَفُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَطُولُ طَلَبُهُ لَهُ غَالِبًا، فَقَلِيلٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ
стр. 2249
الْغَزَالِيُّ، وَالْمُتَوَلِّي. وَالثَّانِي: الْقَلِيلُ: مَا دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ. وَالثَّالِثُ: الدِّينَارُ قَلِيلٌ. وَالرَّابِعُ: مَا دُونَ الدِّرْهَمِ قَلِيلٌ، وَالدِّرْهَمُ كَثِيرٌ.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَحِلُّ الْتِقَاطُ السَّنَابِلِ وَقْتَ الْحَصَادِ إِنْ أَذِنَ فِيهِ الْمَالِكُ، أَوْ كَانَ قَدْرًا لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُلْتَقَطَ، وَإِنْ كَانَ يَلْتَقِطُ بِنَفْسِهِ لَوِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَا يَحِلُّ.
الْوَصْفُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ شَيْئًا لَا يَفْسُدُ. أَمَّا مَا يَفْسُدُ، فَضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُمْكِنَ إِبْقَاؤُهُ كَالْهَرِيسَةِ، وَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَالْبُقُولِ. فَإِنْ وَجَدَهُ فِي بَرِّيَّةٍ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ، وَبَيْنَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ فِي الْحَالِ فَيَأْكُلَهُ وَيَغْرَمَ قِيمَتَهُ. وَإِنْ وَجَدَهُ فِي بَلْدَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، فَطَرِيقَانِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ الْأَكْلُ، بَلْ يَبِيعُهُ وَيَأْخُذُ ثَمَنَهُ لِمَالِكِهِ، لِأَنَّ الْبَيْعَ مُتَيَسِّرٌ فِي الْعُمْرَانِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ كَمَا لَوْ وُجِدَ فِي بَرِّيَّةٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَشْهُورِ. فَإِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْأَكْلَ، فَأَخَذَ لِلْأَكْلِ، كَانَ غَاصِبًا. وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فَأَكَلَ، فَفِي وُجُوبِ التَّعْرِيفِ بَعْدَهُ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا بَاعَ يُعَرِّفُ. وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحْرَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ: فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ. وَهَلْ يَجِبُ إِفْرَازُ الْقِيمَةِ الْمَغْرُومَةِ مِنْ مَالِهِ؟ وَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ، وَإِذَا أَفْرَزَ [كَانَ الْمُفْرَزُ] أَمَانَةً. وَالثَّانِي: يَجِبُ احْتِيَاطًا لِصَاحِبِ الْمَالِ لِيُقَدَّمَ بِالْمُفْرَزِ لَوْ أَفْلَسَ الْمُلْتَقِطُ. وَعَلَى هَذَا، فَالطَّرِيقُ أَنَّهُ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيَقْبِضَ عَنْ صَاحِبِ الْمَالِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَاكِمًا، فَهَلْ لِلْمُلْتَقِطِ بِسُلْطَانِ الِالْتِقَاطِ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَنْهُ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ
стр. 2250
عِنْدَ الْإِمَامِ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، أَنَّهُ إِذَا أَفْرَزَهَا، لَمْ تَصِرْ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْمَالِ، بَلْ هُوَ أَوْلَى بِتَمَلُّكِهَا. وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَا، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ بِهَلَاكِ الْمُفْرَزِ. وَقَدْ نَصُّوا عَلَى السُّقُوطِ، وَنَصُّوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، فَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُفْرَزَ كَمَا يَتَمَلَّكُ نَفْسَ اللُّقَطَةِ، وَكَمَا يَتَمَلَّكُ الثَّمَنَ إِذَا بَاعَ الطَّعَامَ، وَهَذَا يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ الْمُفْرَزِ مِلْكًا لِصَاحِبِ اللُّقَطَةِ. وَلَوِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ يَوْمَيِ الْأَخْذِ وَالْأَكْلِ، فَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّهُ إِنْ أَخَذَ لِلْأَكْلِ اعْتُبِرَتْ قِيمَةُ يَوْمِ الْأَخْذِ. وَإِنْ أَخَذَ التَّعْرِيفَ، اعْتُبِرَتْ قِيمَةُ يَوْمِ الْأَكْلِ. وَإِذَا اخْتَارَ الْبَيْعَ، فَفِي الْحَاجَةِ إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ مَا سَبَقَ فِي بَيْعِ الشَّاةِ. وَإِذَا بَاعَ أَوْ أَكَلَ، عَرَّفَ الْمَبِيعَ وَالْمَأْكُولَ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، لَا الثَّمَنَ وَالْقِيمَةَ، سَوَاءٌ أَفْرَزَهَا، أَمْ لَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُمْكِنُ إِبْقَاؤُهُ بِالْمُعَالَجَةِ وَالتَّجْفِيفِ. فَإِنْ كَانَ الْحَظُّ لِصَاحِبِهِ فِي بَيْعِهِ رُطَبًا، بِيعَ، وَإِلَّا، فَإِنْ تَبَرَّعَ الْمُلْتَقِطُ بِالتَّجْفِيفِ فَذَاكَ، وَإِلَّا، بِيعَ بَعْضُهُ وَأُنْفِقَ عَلَى تَجْفِيفِ الْبَاقِي.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: التَّمَلُّكُ، فَيَجُوزُ تَمَلُّكُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْتَقِطُ غَنِيًّا، أَوْ فَقِيرًا، وَمَتَى تَمَلَّكَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا تَمَلُّكَ إِلَّا بِلَفْظٍ، كَقَوْلِهِ: تَمَلَّكْتُ وَنَحْوِهِ. وَالثَّانِي: لَا تَمَلُّكَ مَا لَمْ يَتَصَرَّفْ. وَعَلَى هَذَا، يُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْقَرْضِ، فِي أَنَّ الْمِلْكَ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ يَحْصُلُ. وَالثَّالِثُ: يَكْفِيهِ تَجْدِيدُ قَصْدِ التَّمَلُّكِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لَفْظٌ. وَالرَّابِعُ: تَمَلُّكٌ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ السَّنَةِ.
فَرْعٌ
فِي لُقَطَةِ مَكَّةَ وَحَرَمِهَا وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلتَّمَلُّكِ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ لِلْحِفْظِ أَبَدًا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا كَلُقَطَةِ سَائِرِ الْبِقَاعِ. قَالَ هَذَا الْقَائِلُ: وَالْمُرَادُ
стр. 2251
بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْرِيفِهَا سَنَةً كَغَيْرِهَا، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ تَعْرِيفَهَا فِي الْمَوْسِمِ كَافٍ لِكَثْرَةِ النَّاسِ، وَبَعْدَ الْعَوْدِ فِي طَلَبِهَا مِنَ الْآفَاقِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ بِهَا الْإِقَامَةُ لِلتَّعْرِيفِ، أَوْ دَفْعُهَا إِلَى الْحَاكِمِ، فَلَا يَجِيءُ هُنَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِيمَنِ الْتَقَطَ لِلْحِفْظِ، هَلْ يَلْزَمُهُ التَّعْرِيفُ؟ بَلْ يَجْزِمُ هُنَا بِوُجُوبِهِ، لِلْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: رَدَّ عَيْنَهَا، أَوْ بَدَلَهَا عِنْدَ ظُهُورِ مَالِكِهَا. فَإِذَا جَاءَ مَنْ يَدَّعِيهَا، فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، وَلَمْ يَصِفْهَا، لَمْ تُدْفَعْ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهَا لَهُ، فَيَلْزَمُ الدَّفْعُ إِلَيْهِ. وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، دُفِعَتْ إِلَيْهِ. وَإِنْ وَصَفَهَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَظُنَّ الْمُلْتَقِطُ صِدْقَهُ، لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَعْرُوفِ، وَحَكَى الْإِمَامُ تَرَدُّدًا فِي جَوَازِ الدَّفْعِ، وَإِنْ ظَنَّ صِدْقَهُ، جَازَ الدَّفْعُ إِلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي وُجُوبِهِ وَجْهَيْنِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ قَالَ الْوَاصِفُ: يَلْزَمُكَ تَسْلِيمُهَا إِلَيَّ، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. وَلَوْ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهَا مِلْكِي، فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ. وَلَوْ أَقَامَ الْوَاصِفُ شَاهِدًا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ، وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَهُ. وَإِذَا دَفَعَهَا إِلَى الْوَاصِفِ بِوَصْفِهِ، فَأَقَامَ غَيْرُهُ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، فَإِنْ كَانَتْ بَاقِيَةً، انْتُزِعَتْ مِنْهُ وَدُفِعَتْ إِلَى الثَّانِي. وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَضْمَنَ الْمُلْتَقِطُ، أَوِ الْوَاصِفُ. فَإِنْ ضَمِنَ الْوَاصِفُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَإِنْ ضَمِنَ الْمُلْتَقِطُ، رَجَعَ عَلَى الْوَاصِفِ إِنْ لَمْ يُقِرَّ بِالْمِلْكِ لِلْوَاصِفِ. وَإِنْ أَقَرَّ، لَمْ يَرْجِعْ، مُؤَاخَذَةً لَهُ. هَذَا إِذَا دَفَعَ بِنَفْسِهِ. أَمَّا إِذَا أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ الدَّفْعَ إِلَى الْوَاصِفِ، فَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْبَيِّنَةِ تَضْمِينُهُ.
стр. 2252
فَرْعٌ
لَوْ جَاءَ الْوَاصِفُ بَعْدَ أَنْ تَمَلَّكَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ، وَأَتْلَفَهَا، فَغَرَّمَهَا الْمُلْتَقِطَ لِظَنِّهِ صِدْقَهُ، فَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً بِهَا، طَالَبَ الْمُلْتَقِطَ دُونَ الْوَاصِفِ، لِأَنَّ الْحَاصِلَ عِنْدَ الْوَاصِفِ مَالُ الْمُلْتَقِطِ، لَا مَالُهُ. وَإِذَا غُرِّمَ الْمُلْتَقِطَ، هَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْوَاصِفِ؟ يُنْظَرُ، هَلْ أَقَرَّ لَهُ بِالْمِلْكِ أَمْ لَا كَمَا سَبَقَ
فَرْعٌ
أَقَامَ مُدَّعِي اللُّقَطَةِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ الْمُلْتَقِطِ، وَهُمَا فَاسِقَانِ عِنْدَ الْقَاضِي، لَمْ يُلْزِمْهُ الْقَاضِي الدَّفْعَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُلْزِمُهُ، لِاعْتِرَافِهِ بِعَدَالَتِهِمَا.
فَرْعٌ
[إِذَا] ادَّعَاهَا اثْنَانِ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ، فَفِيهِ أَقْوَالُ التَّعَارُضِ.
فَصْلٌ
إِذَا ظَهَرَ الْمَالِكُ قَبْلَ تَمَلُّكِ الْمُلْتَقِطِ، أَخَذَ اللُّقَطَةَ بِزَوَائِدِهَا الْمُتَّصِلَةِ، وَالْمُنْفَصِلَةِ. وَإِنْ ظَهَرَ بَعْدَ التَّمَلُّكِ، فَلِلُّقَطَةِ حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ بَاقِيَةً عِنْدَهُ، فَيُنْظَرُ، إِنْ بَقِيَتْ بِحَالِهَا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَهُ أَخْذُهَا، وَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يُلْزِمَهُ أَخْذَ بَدَلِهَا. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ رَدَّهَا الْمُلْتَقِطُ لَزِمَ الْمَالِكَ الْقَبُولُ، فَعَلَى الْأَصَحِّ:
стр. 2253
لَوْ بَاعَهَا الْمُلْتَقِطُ فَجَاءَ الْمَالِكُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، فَهَلْ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الشَّاشِيُّ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ بِأَنَّ الْفَسْخَ حَقٌّ لِلْعَاقِدِ، فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَجَعَلَ ابْنُ كَجٍّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ يُجْبِرُ الْمُلْتَقِطَ عَلَى الْفَسْخِ، وَيَجُوزُ فَرْضُ الْوَجْهَيْنِ فِي الِانْفِسَاخِ. فَإِنْ زَادَتْ، فَالْمُتَّصِلَةُ تَتْبَعُهَا، وَالْمُنْ فَصِلَ ةُ تُسَلَّمُ لِلْمُلْتَقِطِ، وَيَرُدُّ الْأَصْلَ، وَإِنْ نَقَصَتْ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ وَقُلْنَا: لَوْ بَقِيَتْ بِحَالِهَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَالِكِ أَخْذُهَا قَهْرًا، رَجَعَ إِلَى بَدَلِهَا سَلِيمَةً. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ أَخْذُهَا قَهْرًا فَكَذَا هُنَا، وَيُغَرِّمُهُ الْأَرْشَ، لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: لَا أَرْشَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ. وَلَوْ أَرَادَ بَدَلَهَا، وَقَالَ الْمُلْتَقِطُ: أَضُمُّ إِلَيْهَا الْأَرْشَ وَأَرُدُّهَا، أُجِيبَ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: يُجَابُ الْمَالِكُ، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْبَدَلِ أَوِ الْعَيْنِ النَّاقِصَةِ مَعَ الْأَرْشِ، أَوْ دُونَهُ كَمَا سَبَقَ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ تَالِفَةً، فَعَلَيْهِ بَدَلُهَا: الْمِثْلُ، أَوِ الْقِيمَةُ. وَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّمَلُّكِ. وَقَالَ الْكَرَابِيسِيُّ - مِنْ أَصْحَابِنَا -: لَا يُطَالَبُ بِالْقِيمَةِ، وَلَا بِرَدِّ الْعَيْنِ عِنْدَ بَقَائِهَا. وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَعَلَى هَذَا، فَالضَّمَانُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ يَوْمِ التَّلَفِ. وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ عِنْدَ مَجِيءِ الْمَالِكِ وَطَلَبِهِ.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ
إِحْدَاهَا: وَجَدَ رَجُلَانِ لُقْطَةً، يُعَرِّفَانِهَا، وَيَتَمَلَّكَانِهَا، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا نَقْلُ حَقِّهِ إِلَى صَاحِبِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ نَقْلُ حَقِّهِ إِلَى غَيْرِهِ.
الثَّانِيَةُ: تَنَازَعَا، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً أَنَّهُ الْمُلْتَقِطُ، فَإِنْ تَعَرَّضَتْ بَيِّنَةٌ لِسَبْقٍ، حُكِمَ بِهَا، وَإِلَّا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
стр. 2254
الثَّالِثَةُ: ضَاعَتْ مِنْ يَدِ الْمُلْتَقِطِ، فَأَخَذَهَا آخَرُ، فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: الثَّانِي.
الرَّابِعُ: كَانَا يَتَمَاشَيَانِ، فَرَأَى أَحَدُهُمَا اللُّقَطَةَ، وَأَخْبَرَ بِهَا الْآخَرُ، فَالْآخِذُ أَوْلَى. فَلَوْ أَرَاهُ اللُّقَطَةَ وَقَالَ: هَاتِهَا، فَأَخَذَهَا لِنَفْسِهِ، فَهِيَ لِلْآخِذِ. وَإِنْ أَخَذَهَا لِلْآمِرِ، أَوْ لَهُ وَلِنَفْسِهِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ التَّوْكِيلِ بِالِاصْطِيَادِ وَنَحْوِهِ.
الْخَامِسَةُ: رَأَى شَيْئًا مَطْرُوحًا عَلَى الْأَرْضِ، فَدَفَعَهُ بِرِجْلِهِ لِيَعْرِفَ جِنْسَهُ، أَوْ قَدْرَهُ، وَلَمْ يَأْخُذْهُ حَتَّى ضَاعَ، لَمْ يَضْمَنْهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي يَدِهِ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي.
السَّادِسَةُ: دَفَعَ اللُّقَطَةَ إِلَى الْحَاكِمِ وَتَرَكَ التَّعْرِيفَ وَالتَّمَلُّكَ، ثُمَّ نَدِمَ وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ وَيَتَمَلَّكَ، فَفِي تَمْكِينِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: قَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : لَوْ وَجَدَ خَمْرًا أَرَاقَهَا صَاحِبُهَا، لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْرِيفُهَا، لِأَنَّ إِرَاقَتَهَا مُسْتَحَقَّةٌ. فَإِنْ صَارَتْ عِنْدَهُ خَلًّا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لِلْمُرِيقِ، كَمَا لَوْ غَصَبَهَا فَصَارَتْ خَلًّا. وَالثَّانِي: لِلْوَاجِدِ، لِأَنَّهُ أَسْقَطَ حَقَّهُ، بِخِلَافِ الْغَصْبِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ تَصْوِيرًا وَتَوْجِيهًا، إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ فِي الْخَمْرَةِ الْمُحْتَرَمَةِ، وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ إِرَاقَتُهَا مُسْتَحَقَّةً. أَمَّا فِي الِابْتِدَاءِ، فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَ الْوَاجِدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ إِمْسَاكُهَا إِذَا خَلَا عَنْ قَصْدٍ فَاسِدٍ، ثُمَّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ مَخْصُوصًا بِمَا إِذَا أَرَاقَهَا، لِأَنَّهُ مَعْرِضٌ. أَمَّا إِذَا ضَاعَتِ الْمُحْتَرَمَةُ مِنْ صَاحِبِهَا، فَلْتُعَرَّفْ كَالْكَلْبِ.
قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ. . إِلَى آخِرِهِ، فَكَذَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» فَقَالَ: وَجَدَ خَمْرًا أَرَاقَهَا صَاحِبُهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْوَاجِدَ يَجُوزُ لَهُ إِمْسَاكُهَا،
стр. 2255
فَغَيْرُ مَقْبُولٍ، بَلْ لَا يَجُوزُ وَإِنْ خَلَا عَنِ الْقَصْدِ الْفَاسِدِ. وَالْكَلَامُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْوَاجِدُ أَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ صَاحِبِ «الْمُهَذَّبِ» : الْإِرَاقَةُ وَاجِبَةٌ - يَعْنِي عَلَى الْوَاجِدِ - كَلَامٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ احْتِرَامِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّامِنَةُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْبَعِيرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، لَا يُلْتَقَطُ إِذَا وُجِدَ فِي الصَّحْرَاءِ، وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ التَّلْخِيصِ مَا إِذَا وَجَدَ بَعِيرًا فِي أَيَّامِ مِنًى مُقَلَّدًا فِي الصَّحْرَاءِ تَقْلِيدَ الْهَدَايَا، فَحَكَى عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: أَنَّهُ يَأْخُذُهُ وَيُعَرِّفُهُ أَيَّامَ مِنًى. فَإِنْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ النَّحْرِ، نَحَرَهُ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِنَحْرِهِ. وَحَكَى غَيْرُهُ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُهُ. وَبَنَوُا الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ وَجَدَ بَدَنَةً مَنْحُورَةً قَدْ غَمَسَ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهَا، هَلْ يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا؟ فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، مَنَعْنَا الْأَخْذَ هُنَا. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْعَلَامَةِ، فَكَذَا هُنَا التَّقْلِيدُ عَلَامَةٌ. وَالْأُضْحِيَّةُ الْمُعَيَّنَةُ إِذَا ذُبِحَتْ فِي وَقْتِ النَّحْرِ، وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ صَاحِبُهَا، قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنَّ ذَبْحَ الْأُضْحِيَّةِ إِنْ وَقَعَ الْمَوْقِعَ، لَا يَجُوزُ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَلِهَذَا الْإِشْكَالِ قَالَ الْقَفَّالُ تَفْرِيعًا عَلَى [هَذَا] الْقَوْلِ يَجِبُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي لِيَنْحَرَهُ، وَأَوَّلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: اسْتُحِبَّ. ثُمَّ لَكَ أَنْ تَقُولَ: الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ، وَإِنْ جَوَّزْنَا الْأَخْذَ، لِأَنَّ الْأَخْذَ الْمَمْنُوعَ إِنَّمَا هُوَ الْأَخْذُ لِلتَّمَلُّكِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْبَعِيرَ لَا يُؤْخَذُ لِلتَّمَلُّكِ.
قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ فِي جَوَازِ أَخْذِ الْبَعِيرِ لِآحَادِ النَّاسِ لِلْحِفْظِ وَجْهَانِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، ظَهَرَ الِاسْتِثْنَاءُ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، فَفَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالنَّحْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2256
كِتَابُ اللَّقِيطِ
يُقَالُ لِلصَّبِيِّ الْمُلْقَى الضَّائِعِ: لَقِيطٌ، وَمَلْقُوطٌ، وَمَنْبُوذٌ، وَفِيهِ بَابَانِ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِ الِالْتِقَاطِ الشَّرْعِيِّ وَأَحْكَامِهِ. أَمَّا الْأَرْكَانُ، فَثَلَاثَةٌ. أَحَدُهَا: نَفْسُ الِالْتِقَاطِ، وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا، لَزِمَهُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِئَلَّا يَضِيعَ نَسَبُهُ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ كَاللُّقَطَةِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ، لَمْ يَلْزَمْهُ. وَإِنْ كَانَ مَسْتُورَهَا، لَزِمَهُ. فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْإِشْهَادَ فَتَرَكَهُ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْحَضَانَةِ، وَيَجُوزُ الِانْتِزَاعُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِاخْتِصَاصِ الْإِشْهَادِ الْوَاجِبِ بِابْتِدَاءِ الِالْتِقَاطِ. وَإِذَا أَشْهَدَ، فَلْيَشْهَدْ عَلَى اللَّقِيطِ وَمَا مَعَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: اللَّقِيطُ، وَهُوَ كُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ، فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الصَّبِيِّ الْبَالِغِ، لِأَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الْحَضَانَةِ، وَالتَّعَهُّدِ، فَلَا مَعْنَى لِلِالْتِقَاطِ. لَكِنْ لَوْ وَقَعَ فِي مَعْرِضِ هَلَاكٍ، أُعِينَ لِيَتَخَلَّصَ. وَفِي الصَّبِيِّ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ، وَالْأَوْفَقُ لِكَلَامِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يُلْتَقَطُ، لِحَاجَتِهِ إِلَى التَّعَهُّدِ. وَالْمُرَادُ بِالضَّائِعِ: الْمَنْبُوذُ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَنْبُوذِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَلَا وَصِيٌّ، فَحِفْظُهُ مِنْ وَظِيفَةِ الْقَاضِي، فَيُسَلِّمُهُ إِلَى مَنْ يَقُومُ بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ كَافِلٌ مَعْلُومٌ، فَإِذَا فُقِدَ، قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ. وَقَوْلُنَا: لَا كَافِلَ لَهُ، الْمُرَادُ بِالْكَافِلِ: الْأَبُ وَالْجَدُّ وَمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُمَا. وَالْمُلْتَقَطُ مِمَّنْ هُوَ فِي حَضَانَةِ أَحَدِ هَؤُلَاءِ، لَا مَعْنَى لِالْتِقَاطِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَوْ حَصَلَ فِي مَضْيَعَةٍ أُخِذَ لِيُرَدَّ إِلَى حَاضِنِهِ.
стр. 2257
قُلْتُ: مَعْنَاهُ: يَجِبُ أَخْذُهُ لِرَدِّهِ إِلَى حَاضِنِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُلْتَقِطُ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أُمُورٌ. أَحَدُهَا: التَّكْلِيفُ، فَلَا يَصِحُّ الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، الثَّانِي: الْحُرِّيَّةُ، فَالْعَبْدُ إِذَا الْتَقَطَ يُنْتَزَعُ مِنْهُ إِنْ لَمْ يَأْذَنْ سَيِّدُهُ. وَإِنْ أَذِنَ أَوْ عَلِمَ بِهِ فَأَقَرَّهُ فِي يَدِهِ، جَازَ وَكَانَ السَّيِّدُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، وَهُوَ نَائِبُهُ فِي الْأَخْذِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَالْمُكَاتَبُ إِذَا الْتَقَطَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، انْتُزِعَ مِنْهُ أَيْضًا. وَإِنِ الْتَقَطَ بِإِذْنِهِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي تَبَرُّعَاتِهِ بِالْإِذْنِ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الِانْتِزَاعُ، لِأَنَّ فِي الِالْتِقَاطِ وِلَايَةً وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا. فَإِنْ قَالَ لَهُ السَّيِّدُ: الْتَقِطْ لِي صَغِيرًا، فَالسَّيِّدُ هُوَ الْمُلْتَقِطُ. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ إِذَا الْتُقِطَ فِي يَوْمِهِ، هَلْ يَسْتَحِقُّ كَفَالَتَهُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْمُعْتَمَدِ» .
الثَّالِثُ: الْإِسْلَامُ، فَالْكَافِرُ يَلْتَقِطُ الطِّفْلَ الْكَافِرَ دُونَ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ، وَلِلْمُسْلِمِ الْتِقَاطُ الصَّبِيِّ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ.
الرَّابِعُ: الْعَدَالَةُ، فَلَيْسَ لِلْفَاسِقِ الِالْتِقَاطُ. وَلَوِ الْتَقَطَ، انْتُزِعَ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ ظَاهِرُ حَالِهِ الْأَمَانَةُ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُخْتَبَرْ، فَلَا يُنْتَزَعُ مِنْ يَدِهِ، لَكِنْ يُوكِلُ الْقَاضِي بِهِ مَنْ يُرَاقِبُهُ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ لِئَلَّا يَتَأَذَّى. فَإِذَا وَثِقَ بِهِ، صَارَ كَمَعْلُومِ الْعَدَالَةِ. وَقَبْلَ ذَلِكَ لَوْ أَرَادَ الْمُسَافَرَةَ بِهِ مُنِعَ وَانْتُزِعَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ.
الْخَامِسُ: الرُّشْدُ، فَالْمُبَذِّرُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ، لَا يُقِرُّ اللَّقِيطَ فِي يَدِهِ.
فَرْعٌ
لَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُلْتَقِطِ الذُّكُورَةُ قَطْعًا، وَلَا الْغِنَى. وَقِيلَ: لَا يُقِرُّ فِي يَدِ الْفَقِيرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
стр. 2258
فَصْلٌ
إِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى لَقِيطٍ، نُظِرَ، إِنِ ازْدَحَمَا قَبْلَ الْأَخْذِ، وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ أَخْذَهُ وَحَضَانَتَهُ، جَعَلَهُ الْحَاكِمُ فِي يَدِ مَنْ رَآهُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، إِذْ لَا حَقَّ لَهُمَا قَبْلَ الْأَخْذِ. وَإِنِ ازْدَحَمَا بَعْدَ الْأَخْذِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَهْلًا لِلِالْتِقَاطِ، سُلِّمَ اللَّقِيطُ إِلَى الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَا أَهْلَيْنِ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا بِالِالْتِقَاطِ. وَهَلْ يَثْبُتُ السَّبْقُ بِالْوُقُوفِ عَلَى رَأْسِهِ بِغَيْرِ أَخْذٍ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَقَدْ يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِصِفَةِ تَقَدُّمِهِ، وَقَدْ يَسْتَوِيَانِ، وَالصِّفَاتُ الْمُقَدَّمَةُ أَرْبَعٌ. إِحْدَاهَا: الْغِنَى، فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا وَالْآخَرُ فَقِيرًا، فَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ. وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْغَنِيِّ. وَعَلَى هَذَا لَوْ تَفَاوَتَا فِي الْغِنَى، فَهَلْ يُقَدَّمُ أَكْثَرُهُمَا مَالًا؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يُقَدَّمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةُ: الْبَلَدُ، فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَلَدِيًّا وَالْآخَرُ قَرَوِيًّا، أَوْ بَدَوِيًّا، فَفِيهِ كَلَامٌ نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَصْلِ الْأَحْكَامِ. الثَّالِثَةُ: مَنْ ظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ بِالِاخْتِبَارِ، يُقَدَّمُ عَلَى الْمَسْتُورِ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرَّابِعَةُ: الْحُرُّ أَوْلَى مِنَ الْمُكَاتَبِ، وَإِنِ الْتَقَطَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَبْدًا الْتَقَطَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَالِاعْتِبَارُ بِالسَّيِّدِ، وَالْآخَرِ، وَلَا تُقَدَّمُ الْمَرْأَةُ عَلَى الرَّجُلِ، بِخِلَافِ الْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ، لِأَنَّ شَفَقَتَهَا أَكْمَلُ، وَيَتَسَاوَى الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ فِي اللَّقِيطِ الْمَحْكُومِ بِكُفْرِهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْمُسْلِمُ، وَقِيلَ: الذِّمِّيُّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الصِّفَاتِ وَتَشَاحَّا، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ: يُقَدِّمُ الْحَاكِمُ مَنْ رَآهُ مِنْهُمَا أَصْلَحَ لِلَّقِيطِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا أَوْ تَحَيَّرَ، أَقْرَعَ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَا يُخَيَّرُ الصَّبِيُّ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، بِخِلَافِ تَخْيِيرِهِ بَيْنَ
стр. 2259
الْأَبَوَيْنِ، لِأَنَّ هُنَاكَ يُعَوَّلُ عَلَى الْمَيْلِ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُخَيَّرَ وَيُقَدَّمَ اخْتِيَارُهُ عَلَى الْقُرْعَةِ، وَإِذَا خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا، فَتَرَكَ حَقَّهُ لِلْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَيْسَ لِلْمُنْفَرِدِ نَقْلُ حَقِّهِ إِلَى غَيْرِهِ. وَلَوْ تَرَكَ حَقَّهُ قَبْلَ الْقُرْعَةِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَنْفَرِدُ بِهِ كَالشَّفِيعَيْنِ وَالثَّانِي: لَا بَلْ يُرْفَعُ إِلَى الْحَاكِمِ حَتَّى يُقِرَّهُ فِي يَدِ الْآخَرِ إِنْ رَآهُ، وَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ أَمِينًا آخَرَ فَيَقْرَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ. وَقَالَ الْإِمَامُ تَفْرِيعًا عَلَى الثَّانِي: إِنَّ التَّارِكَ لَا يَتْرُكُهُ الْحَاكِمُ، بَلْ يَقْرَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ. فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، أَلْزَمَهُ الْقِيَامَ بِحَضَانَتِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُنْفَرِدَ إِذَا شَرَعَ فِي الِالْتِقَاطِ، لَا يَجُوزُ لَهُ التَّرْكُ، وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَصْلٌ
وَأَمَّا أَحْكَامُ الِالْتِقَاطِ.
فَمِنْهَا: أَنَّ الَّذِي يَلْزَمُ الْمُلْتَقِطَ حِفْظُ اللَّقِيطِ وَرِعَايَتُهُ. فَأَمَّا نَفَقَتُهُ، فَلَا تَلْزَمُهُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَحَلِّهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْحِفْظِ لِأَمْرٍ عَرَضَ، سَلَّمَهُ إِلَى الْقَاضِي، وَإِنَّ تَبَرَّمَ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ هَلْ يَلْزَمُ الْإِتْمَامَ وَيَصِيرُ الشَّارِعُ مُتَعَيِّنًا؟ وَمَوْضِعُ ذِكْرِهِ كِتَابُ السِّيَرِ، وَالْأَصَحُّ هُنَا: أَنَّ لَهُ التَّسْلِيمَ إِلَى الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَبْذُهُ وَرَدُّهُ إِلَى مَا كَانَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ فِي هَذَا الْبَابِ لَفْظَ الْحَضَانَةِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْحِفْظُ وَالتَّرْبِيَةُ، لَا الْأَعْمَالُ الْمُفَصَّلَةُ فِي الْإِجَارَةِ، لِأَنَّ فِيهَا مَشَقَّةٌ وَمَؤْنَةٌ كَثِيرَةٌ، فَكَيْفَ تَلْزَمُ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ؟ وَقَدْ أَوْضَحَهُ الْبَغَوِيُّ فَقَالَ: نَفَقَةُ اللَّقِيطِ وَحَضَانَتُهُ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَوَظِيفَةُ الْمُلْتَقِطِ حِفْظُهُ وَحِفْظُ مَالِهِ.
стр. 2260
فَرْعٌ
الْمُلْتَقِطُ الْبَلَدِيُّ، إِذَا وَجَدَ لَقِيطًا فِي بَلْدَتِهِ، أَقَرَّ فِي يَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ إِنْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ [إِلَيْهَا] ، بَلْ يُنْتَزَعُ مِنْهُ لِمَعْنَيَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَيْشَ الْبَادِيَةِ خَشِنٌ، وَيَفُوتُهُ الْعِلْمُ بِالدِّينِ وَالصَّنْعَةِ. وَالثَّانِي: تَعْرِيضُ نَسَبِهِ لِلضَّيَاعِ. فَلَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ الْمُنْتَقَلُ إِلَيْهِ مِنَ الْبَادِيَةِ فِي بَيَاضِ الْبَلْدَةِ يَسْهُلُ عَلَيْهِ تَحْصِيلُ مَا يُرَادُ مِنْهَا، فَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ: لَا يُمْنَعُ. وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ يَخْتَلِطُونَ بِهِمْ، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، مُنِعَ. وَكَمَا لَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى الْبَادِيَةِ، فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُهُ إِلَى قَرْيَةٍ. وَلَوْ أَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، أَوِ الْتَقَطَهُ غَرِيبٌ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَأَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى بَلْدَتِهِ، فَعَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ: لَا يُمْنَعُ، وَعَلَى الثَّانِي: يُمْنَعُ وَيُنْتَزَعُ اللَّقِيطُ مِنْهُ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَا فَرْقَ بَيْنَ سَفَرِ النَّقْلَةِ وَالتِّجَارَةِ، وَالزِّيَارَةِ. وَلَوْ وَجَدَ الْقَرَوِيُّ لَقِيطًا فِي قَرْيَتِهِ أَوْ قَرْيَةٍ أُخْرَى أَوْ [فِي] بَلْدَةٍ، يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْبَلَدِيِّ. وَلَوْ وَجَدَ الْحَضَرِيُّ اللَّقِيطَ فِي بَادِيَةٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي مَهْلَكَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَقْلِهِ، وَلِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَذْهَبَ بِهِ إِلَى مَقْصِدِهِ. وَمَنْ قَالَ فِي اللُّقَطَةِ: يُعَرِّفُهَا فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ، يُشْبِهُ أَنْ يَقُولَ: لَا يَذْهَبُ بِهِ إِلَى مَقْصِدِهِ رِعَايَةً لِلنَّسَبِ. وَإِنْ كَانَ فِي حِلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، فَلَهُ نَقْلُهُ إِلَى الْبَلْدَةِ وَالْقَرْيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ. وَلَوْ أَقَامَ هُنَاكَ، أَقَرَّ فِي يَدِهِ قَطْعًا. أَمَّا الْبَدَوِيُّ، فَإِذَا الْتَقَطَ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ بَلْدَةٍ، وَأَرَادَ الْمُقَامَ بِهَا أَقَرَّ فِي يَدِهِ. وَإِنْ أَرَادَ نَقْلَهُ إِلَى الْبَادِيَةِ، أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ بَلْدَةٍ أُخْرَى، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَضَرِيِّ. وَإِنْ وَجَدَهُ فِي حِلَّةٍ، أَوْ قَبِيلَةٍ فِي الْبَادِيَةِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ حِلَّةٍ مُقِيمِينَ فِي مَوْضِعٍ رَاتِبٍ، أَقَرَّ فِي يَدِهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعِ مُنْتَجِعِينَ، فَفِي مَنْعِهِ وَجْهَانِ.
стр. 2261
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا لَا مَنْعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوِ ازْدَحَمَ عَلَى لَقِيطٍ فِي الْبَلْدَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ مُقِيمٌ بِهَا وَظَاعِنٌ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : الْمُقِيمُ أَوْلَى. قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ كَانَ الظَّاعِنُ يَظْعَنُ إِلَى الْبَادِيَةِ، أَوْ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى، وَقُلْنَا: لَيْسَ لِلْمُنْفَرِدِ الْخُرُوجُ بِهِ إِلَى بَلْدَةٍ، فَالْمُقِيمُ أَوْلَى، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ لَهُ ذَلِكَ، فَهُمَا سَوَاءٌ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى لَقِيطٍ فِي الْقَرْيَةِ قَرَوِيٌّ مُقِيمٌ بِهَا وَبَلَدِيٌّ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْقَرَوِيُّ أَوْلَى، وَهَذَا يَخْرُجُ عَلَى مَنْعِ النَّقْلِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ. فَإِنْ جَوَّزْنَا، وَجَبَ أَنْ يُقَالَ: هُمَا سَوَاءٌ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِتَقْدِيمِ الْقَرَوِيِّ مُطْلَقًا، كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَإِنَّمَا نُجَوِّزُ النَّقْلَ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مُعَارِضٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ حَضَرِيٌّ وَبَدَوِيٌّ عَلَى لَقِيطٍ فِي الْبَادِيَةِ، نُظِرَ، إِنْ وُجِدَ فِي حِلَّةٍ أَوْ قَبِيلَةٍ، وَالْبَدَوِيُّ فِي مَوْضِعِ رَاتِبٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْبَدَوِيُّ أَوْلَى إِنْ كَانَ مُقِيمًا فِيهِمْ. وَإِنْ كَانَ مُنْتَجِعًا، فَإِنْ قُلْنَا: يُقِرُّ فِي يَدِهِ لَوْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِلَّا، فَالْحَضَرِيُّ أَوْلَى. وَإِنْ وُجِدَ فِي مَهْلَكَةٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْحَضَرِيُّ أَوْلَى. وَقِيَاسُ قَوْلِهِ: تَقْدِيمُ الْبَدَوِيِّ أَوْ مَنْ كَانَ مَكَانَهُ أَقْرَبُ إِلَى مَوْضِعِ الِالْتِقَاطِ، أَقْرَبُ.
стр. 2262
فَرْعٌ
اللَّقِيطُ قَدْ يَكُونُ لَهُ مَالٌ يَسْتَحِقُّهُ بِكَوْنِهِ لَقِيطًا أَوْ بِغَيْرِهِ، فَالْأَوَّلُ: كَالْوَقْفِ عَلَى اللُّقَطَاءِ وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ، وَالثَّانِي: كَالْوَصِيَّةِ لِهَذَا اللَّقِيطِ وَالْهِبَةُ لَهُ وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ، وَيَقْبَلُ لَهُ الْقَاضِي مِنْ هَذَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ. وَمِنَ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا، مَا يُوجَدُ تَحْتَ يَدِهِ وَاخْتِصَاصِهِ، فَإِنَّ لِلصَّغِيرِ يَدًا وَاخْتِصَاصًا كَالْبَالِغِ، وَالْأَصْلُ الْحُرِّيَّةُ مَا لَمْ يَعْرِفْ غَيْرَهَا، وَذَلِكَ كَثِيَابِهِ الَّتِي هُوَ لَابِسُهَا، وَالْمَفْرُوشَةِ تَحْتَهُ، وَالْمَلْفُوفَةِ عَلَيْهِ، وَمَا غُطِّيَ بِهِ مِنْ لِحَافٍ وَغَيْرِهِ، وَمَا شُدَّ عَلَيْهِ، وَعَلَى ثَوْبِهِ، أَوْ جُعِلَ فِي جَيْبِهِ مِنْ حُلِيٍّ، وَدَرَاهِمَ، وَغَيْرِهَا، وَكَذَا الدَّابَّةُ الَّتِي عِنَانُهَا بِيَدِهِ، أَوْ هِيَ مَشْدُودَةٌ فِي وَسَطِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، وَالْمَهْدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَكَذَا الدَّنَانِيرُ الْمَنْثُورَةُ فَوْقَهُ وَالْمَصْبُوبَةُ تَحْتَهُ وَتَحْتَ فِرَاشِهِ. وَفِي الَّتِي تَحْتَهُ، وَجْهٌ ضَعِيفٌ. وَلَوْ كَانَ فِي خَيْمَةٍ أَوْ دَارٍ لَيْسَ فِيهِمَا غَيْرُهُ، فَهُمَا لَهُ. وَعَنِ «الْحَاوِي» وَجْهَانِ فِي «الْبُسْتَانِ» .
قُلْتُ: وَطَرَدَ صَاحِبُ «الْمُسْتَظْهِرِيِّ» الْوَجْهَيْنِ فِي الضَّيْعَةِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ بِقُرْبِهِ ثِيَابٌ وَأَمْتِعَةٌ مَوْضُوعَةٌ، أَوْ دَابَّةٌ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا تُجْعَلُ لَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ بَعِيدَةً. وَالثَّانِي: بَلَى، لِأَنَّ هَذَا يُثْبِتُ الْيَدَ وَالِاخْتِصَاصَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْتِعَةَ الْمَوْضُوعَةَ فِي السُّوقِ بِقُرْبِ الشَّخْصِ تُجْعَلُ لَهُ. وَالْمَالَ الْمَدْفُونَ تَحْتَ اللَّقِيطِ لَا يُجْعَلُ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالدَّفْنِ الضَّمَّ إِلَى الطِّفْلِ، بِخِلَافِ مَا يُلَفُّ عَلَيْهِ وَيُوضَعُ بِقُرْبِهِ. فَلَوْ وُجِدَتْ مَعَهُ أَوْ فِي ثِيَابِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: إِنَّ تَحْتَهُ دَفِينًا لَهُ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ لَهُ بِقَرِينَةِ الْمَكْتُوبِ. وَالثَّانِي: لَا أَثَرَ لِلرُّقْعَةِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ
стр. 2263
الْأَكْثَرِينَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَمَنْ عَوَّلَ عَلَى الرُّقْعَةِ لَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُولُ لَوْ أَرْشَدَتِ الرُّقْعَةُ إِلَى دَفِينٍ بِالْبُعْدِ مِنْهُ، أَوْ دَابَّةٍ مَرْبُوطَةٍ بِالْبُعْدِ مِنْهُ.
قُلْتُ: مُقْتَضَاهُ أَنْ نَجْعَلَهُ لِلَّقِيطِ، فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى الرُّقْعَةِ، لَا عَلَى كَوْنِهِ تَحْتَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتْ دَابَّةً مَشْدُودَةً بِاللَّقِيطِ وَعَلَيْهَا رَاكِبٌ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: هِيَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ مَا سِوَى الدَّفِينِ مِنْ [هَذِهِ] الْأَمْوَالِ إِذَا لَمْ يُجْعَلْ لِلَّقِيطِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَالدَّفِينُ قَدْ يَكُونُ لُقَطَةً وَقَدْ يَكُونُ رِكَازًا كَمَا سَبَقَ.
[فَرْعٌ]
إِذَا عُرِفَ لِلَّقِيطِ مَالٌ، فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ. فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُنْفِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ. وَالثَّانِي: يَسْتَقْرِضُ لَهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ بَعْضِ النَّاسِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ وَلَمْ يَقْرِضْ أَحَدٌ، جَمَعَ الْإِمَامُ أَهْلَ الثَّرْوَةِ مِنَ الْبَلَدِ، وَقَسَّطَ عَلَيْهِمْ نَفَقَتَهُ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنْ بَانَ رَقِيقًا، رَجَعُوا عَلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ بَانَ حُرًّا، أَوْ لَهُ مَالٌ أَوْ قَرِيبٌ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ. وَإِنْ بَانَ حُرًّا لَا قَرِيبَ لَهُ، وَلَا مَالَ وَلَا كَسْبَ، قَضَى الْإِمَامُ حَقَّهُمْ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ الْمَسَاكِينِ، أَوِ الْغَارِمِينَ كَمَا يَرَاهُ.
قُلْتُ: اعْتِبَارُهُ الْقَرِيبَ غَرِيبٌ، قَلَّ مَنْ ذَكَرَهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2264
أَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّهُ يُنْفِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَا هُوَ أَهَمُّ، كَسَدِّ ثَغْرٍ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ لَوْ تُرِكَ، قَامَ الْمُسْلِمُونَ بِكِفَايَتِهِ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ تَضْيِيعُهُ. ثُمَّ هَلْ طَرِيقُهُ طَرِيقُ النَّفَقَةِ، أَمْ طَرِيقُ الْقَرْضِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَالَّذِي يَقْتَضِي كَلَامُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ تَرْجِيحَهُ: أَنَّهُ طَرِيقُ الْقَرْضِ. فَإِنْ قُلْنَا: طَرِيقُ النَّفَقَةِ، فَقَامَ بِهِ بَعْضُهُمْ، انْدَفَعَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَإِنِ امْتَنَعُوا، أَثِمُوا كُلُّهُمْ، وَطَالَبَهُمُ الْإِمَامُ. فَإِنْ أَصَرُّوا، قَاتَلَهُمْ، وَعِنْدَ التَّعَذُّرِ يَقْتَرِضُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَإِنْ قُلْنَا: طَرِيقُ الْقَرْضِ يُثْبِتُ الرُّجُوعَ. وَعَلَى هَذَا، إِنْ تَيَسَّرَ الِاقْتِرَاضُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، قَسَّطَ الْإِمَامُ نَفَقَتَهُ عَلَى الْمُوسِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ [ثُمَّ] إِنْ ظَهَرَ عَبْدًا، فَالرُّجُوعُ عَلَى سَيِّدِهِ. وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ أَوِ اكْتَسَبَ، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ، قُضِيَ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ أَوِ الْغَارِمِينَ. وَإِنْ حَصَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَيَسَارِهِ، قُضِيَ مِنْهُ. وَإِنْ حَصَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ حَصَلَ لِلَّقِيطِ مَالٌ دُفْعَةً وَاحِدَةً، قُضِيَ مِنْ مَالِ اللَّقِيطِ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَفِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ. وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ لِطَرْدِ الْخِلَافِ، فِي أَنَّهُ إِنْفَاقٌ أَوْ إِقْرَاضٌ، إِذَا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ وَقُلْنَا: نَفَقَتُهُ مِنْهُ، وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ.
قُلْتُ: ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ، أَنَّهُ إِنْفَاقٌ، فَلَا رُجُوعَ لِبَيْتِ الْمَالِ قَطْعًا، وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ الظَّاهِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَيْثُ قُلْنَا: يُقَسِّطُهَا الْإِمَامُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، فَذَاكَ عِنْدَ إِمْكَانِ الِاسْتِيعَابِ. فَإِنْ كَثُرُوا أَوْ تَعَذَّرَ التَّوْزِيعُ عَلَيْهِمْ، قَالَ الْإِمَامُ: يَضْرِبُهَا السُّلْطَانُ عَلَى مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمْ بِاجْتِهَادِهِ. فَإِنِ اسْتَوَوْا فِي اجْتِهَادٍ، تَخَيَّرَ، وَالْمُرَادُ أَغْنِيَاءُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ أَوِ الْقَرْيَةِ.
стр. 2265
فَصْلٌ
إِذَا كَانَ لِلَّقِيطٍ مَالٌ، هَلْ يَسْتَقِلُّ الْمُلْتَقِطُ بِحِفْظِهِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي، إِذْ لَا وِلَايَةَ لِلْمُلْتَقِطِ. وَأَرْجَحُهُمَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْبَغَوِيِّ: الِاسْتِقْلَالُ.
قُلْتُ: رَجَّحَ [الْإِمَامُ] الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي «الْمُحَرَّرِ» هَذَا الثَّانِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ ظَهَرَ مُنَازِعٌ فِي الْمَالِ الْمَخْصُوصِ بِاللَّقِيطِ، فَلَيْسَ لِلْمُلْتَقِطِ مُخَاصَمَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: لَهُ الِاسْتِقْلَالُ بِالْحِفْظِ أَمْ لَا، فَلَيْسَ لَهُ إِنْفَاقُهُ عَلَى اللَّقِيطِ إِلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي إِذَا أَمْكَنَ مُرَاجَعَتُهُ. فَإِنْ أَنْفَقَ، ضَمِنَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى اللَّقِيطِ كَمَنْ فِي يَدِهِ مَالُ وَدِيعَةٍ لِيَتِيمٍ أَنْفَقَهَا عَلَيْهِ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ [وَهُوَ شَاذٌّ] ، وَإِذَا رُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَلْيَأْخُذِ الْمَالَ مِنْهُ وَيُسَلِّمْهُ إِلَى أَمِينٍ لِيُنْفِقَ مِنْهُ عَلَى اللَّقِيطِ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يَصْرِفَهُ إِلَى الْمُلْتَقِطِ يَوْمًا يَوْمًا. ثُمَّ إِنْ خَالَفَ الْأَمِينُ وَقَتَّرَ عَلَيْهِ، مُنِعَ مِنْهُ، وَإِنْ أَسْرَفَ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمِينِ وَالْمُلْتَقِطِ الزِّيَادَةَ، وَالْقَرَارُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إِنْ كَانَ سَلَّمَ إِلَيْهِ، لِحُصُولِ الْهَلَاكِ فِي يَدِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْهُ؟ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلَّقِيطِ مَالٌ وَاحْتِيجَ إِلَى الِاقْتِرَاضِ لَهُ، هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْذَنَ لِلْمُلْتَقِطِ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ [لِيَرْجِعَ] ؟ نَصَّ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَنَصَّ فِي الضَّالَّةِ، أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِوَاجِدِهَا فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهَا، بَلْ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنْهُ وَيَدْفَعُهُ. إِلَى أَمِينٍ، ثُمَّ الْأَمِينُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ الْحَاجَةِ، فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الْمَسْأَلَتَانِ عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ فِيهِمَا. وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: الْجَوَازُ فِيهِمَا لِلْحَاجَةِ، لِكَثْرَةِ الْمَشَقَّةِ، وَيُلْحَقُ لَا أَمِينَ
стр. 2266
بِالْأَبِ فِي ذَلِكَ، وَسَبَقَ مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ فِي إِنْفَاقِ الْمَالِكِ عِنْدَ هَرَبِ عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ، وَالْجَمَّالِ، وَأَجْرَاهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ فِي إِنْفَاقِ قَيِّمِ الطِّفْلِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ اللَّقِيطَ لَا وَلِيَّ لَهُ فِي الظَّاهِرِ. رَجَعْنَا إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ لِلْمُلْتَقِطِ فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِ اللَّقِيطِ، فَالْأَكْثَرُونَ طَرَدُوا الطَّرِيقَيْنِ فِي جَوَازِهِ، وَالْأَحْسَنُ مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ كَقَيِّمِ الْيَتِيمِ يَأْذَنُ لَهُ الْقَاضِي فِي الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ هَذَا الْخِلَافُ فِي تَسْلِيمِ مَا اقْتَرَضَهُ الْقَاضِي عَلَى الجَّمَّالِ الْهَارِبِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، وَلَا ذِكْرَ لَهُ هُنَاكَ. وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ، فَبَلَغَ اللَّقِيطُ وَاخْتَلَفَا فِيمَا أَنْفَقَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُلْتَقِطِ إِذَا ادَّعَى قُدِّرَ الْإِيفَاءُ فِي الْحَالِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي هَرَبِ الجَّمَّالِ وَجْهٌ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الجَّمَّالِ، وَالْقِيَاسُ طَرْدُهُ هُنَا. وَإِنِ ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى اللَّائِقِ، فَهُوَ مَقِرٌّ بِتَفْرِيطِهِ، فَيَضْمَنُ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّحْلِيفِ. قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنْ لَوْ وَقَعَ النِّزَاعُ فِي عَيْنٍ، فَزَعَمَ الْمُلْتَقِطُ أَنَّهُ أَنْفَقَهَا، فَيُصَدَّقُ لِتَنْقَطِعَ الْمُطَالَبَةُ بِالْعَيْنِ، ثُمَّ يَضْمَنُ كَالْغَاصِبِ إِذَا ادَّعَى التَّلَفَ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَمْكَنَ مُرَاجَعَةُ الْقَاضِي. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ، فَهَلْ يُنْفِقُ مِنْ مَالِ اللَّقِيطِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، أَمْ يَدْفَعُهُ إِلَى أَمِينٍ لِيُنْفِقَ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ أَشْهَدَ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ اللَّقِيطِ
هِيَ أَرْبَعَةٌ.
الْأَوَّلُ: الْإِسْلَامُ، وَإِسْلَامُ الشَّخْصِ قَدْ يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ يَثْبُتُ تَبَعًا. أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ، فَالْبَالِغُ الْعَاقِلُ، يَصِحُّ مِنْهُ مُبَاشَرَةُ الْإِسْلَامِ بِالنُّطْقِ إِنْ كَانَ نَاطِقًا،
стр. 2267
وَبِالِإِشَارَةِ إِنْ كَانَ أَخْرَسَ. وَأَمَّا الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، فَلَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُمَا مُبَاشَرَةً بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمَا إِلَّا بِالتَّبَعِيَّةِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: لَا يَصِحُّ إِسْلَامُهُ. وَالثَّانِي: يَتَوَقَّفُ. فَإِنْ بَلَغَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ، تَبَيَّنَّا كَوْنَهُ مُسْلِمًا مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَإِنْ وَصَفَ الْكُفْرَ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لَغْوًا. وَقَدْ يُعَبِّرُ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا. وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ إِسْلَامُهُ حَتَّى يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ الْكَافِرَةِ وَيُوَرَّثُ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ. وَعَلَى هَذَا، لَوِ ارْتَدَّ، صَحَّتْ رِدَّتُهُ، لَكِنْ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَبْلُغَ. فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا، قُتِلَ.
قُلْتُ: الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الرِّدَّةِ بَعِيدٌ، بَلْ غَلَطٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبَوَيْهِ وَأَهْلِهِ الْكُفَّارِ لِئَلَّا يَفْتِنُوهُ. فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، هُدِّدَ وَطُولِبَ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ أَصَرَّ، رُدَّ إِلَيْهِمْ. وَهَلْ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، أَمْ وَاجِبَةٌ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: مُسْتَحَبَّةٌ، فَلْيَتَلَطَّفْ بِوَالِدَيْهِ لِيُؤْخَذَ مِنْهُمَا. فَإِنْ أَبَيَا، فَلَا حَيْلُولَةَ. هَذَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا. فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِذَا أَضْمَرَ الْإِسْلَامَ كَمَا أَظْهَرَهُ، كَانَ مِنَ الْفَائِزِينَ بِالْجَنَّةِ، وَيُعَبَّرُ عَنْ هَذَا بِصِحَّةِ إِسْلَامِهِ بَاطِنًا لَا ظَاهِرًا. قَالَ الْإِمَامُ: فِي هَذَا إِشْكَالٌ، لِأَنَّ مَنْ يُحْكَمُ لَهُ بِالْفَوْزِ لِإِسْلَامِهِ، كَيْفَ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ؟ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُحْكَمُ بِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، كَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ.
فَصْلٌ
لِلتَّبَعِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَاثُ جِهَاتٍ. إِحْدَاهَا: إِسْلَامُ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيُتَصَوَّرُ
стр. 2268
ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْأَبَوَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا يَوْمَ الْعُلُوقِ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مُسْلِمٍ، فَإِنْ بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَا كَافِرَيْنِ يَوْمَ الْعُلُوقِ، ثُمَّ يُسْلِمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِ الْوَلَدِ فِي الْحَالِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَسَوَاءٌ اتَّفَقَ الْإِسْلَامُ فِي حَالِ اجْتِنَانِ الْوَلَدِ أَوْ بَعْدَ انْفِصَالِهِ، وَسَنَذْكُرُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يَفْتَرِقُ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ بِإِسْلَامِهِ. وَفِي مَعْنَى الْأَبَوَيْنِ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ، سَوَاءٌ كَانُوا وَارِثِينَ أَمْ لَمْ يَكُونُوا، فَإِذَا أَسْلَمَ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، أَوْ أَبُو الْأُمِّ، تَبِعَهُ الصَّبِيُّ إِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَبُ حَيًّا قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ كَانَ عَلَى الْأَصَحِّ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ هَذَا الصَّبِيُّ، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ، تَأَكَّدَ مَا حَكَمْنَا بِهِ. وَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، فَقَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ مُرْتَدٌّ، لِأَنَّهُ سَبَقَ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ جَزْمًا، فَأَشْبَهَ مَنْ بَاشَرَ الْإِسْلَامَ ثُمَّ ارْتَدَّ، وَمَا إِذَا حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ، لِأَنَّهُ كَانَ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ أَوَّلًا وَأُزِيلَ تَبَعًا، فَإِذَا اسْتَقَلَّ، زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ. وَيُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مُخْرِجٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ. فَإِنْ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ مُرْتَدًّا لَمْ يُنْقَضْ شَيْئًا مِمَّا أَمَضَيْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ حَكَمْنَا بِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: إِمْضَاؤُهَا بِحَالِهَا، لِجَرَيَانِهِ فِي حَالِ التَّبَعِيَّةِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّا نَتَبَيَّنُ بُطْلَانَهَا، وَنَسْتَدْرِكُ مَا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُهُ، حَتَّى يَرُدَّ مَا أَخَذَهُ مِنْ تَرِكَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَيَأْخُذَ مِنْ تَرِكَةِ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ مَا حَرَمْنَاهُ مِنْهُ، وَنَحْكُمُ بِأَنَّ إِعْتَاقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَقَعْ مُجْزِئًا. هَذَا فِيمَا جَرَى فِي الصِّغَرِ. فَأَمَّا إِذَا بَلَغَ وَمَاتَ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ قَبْلَ أَنْ يُفْصِحَ بِشَيْءٍ، أَوْ أُعْتِقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذَا الْحَالِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ مُرْتَدًّا، أَمْضَيْنَا أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ وَلَا تُنْقَضُ. وَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَافِرًا أَصْلِيًّا، فَإِنْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا إِرْثَ وَلَا إِجْزَاءَ عَنِ الْكَفَّارَةِ. وَإِنْ فَاتَ الْإِفْصَاحُ بِمَوْتٍ أَوْ قَتْلٍ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: إِمْضَاءُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ كَمَا لَوْ مَاتَ فِي الصِّغَرِ.
стр. 2269
وَأَصَحُّهُمَا: نَتَبَيَّنُ الِانْتِقَاضَ، لِأَنَّ سَبَبَ التَّبَعِبَّيَةِ الصِّغَرُ وَقَدْ زَالَ، وَلَمْ يَظْهَرْ فِي الْحَالِ حُكْمُهُ فِي نَفْسِهِ، فَيُرَدُّ الْأَمْرُ إِلَى الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: أَنَّهُ إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ وَبَعْدَ الْبُلُوغِ، وَرِثَهُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ. وَلَوْ مَاتَ لَهُ قَرِيبٌ مُسْلِمٌ، فَإِرْثُهُ عَنْهُ مَوْقُوفٌ. قَالَ الْإِمَامُ: أَمَّا التَّوْرِيثُ مِنْهُ، فَيَخْرُجُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ، هَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ؟ وَأَمَّا تَوْرِيثُهُ، فَإِنْ أَرَادَ بِالتَّوَقُّفِ أَنَّهُ يُقَالُ: لَوْ أَفْصَحَ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ قَرِيبٌ، وَيُسْتَفَادُ بِهِ الْخُرُوجُ مِنَ الْخِلَافِ. وَأَمَّا لَوْ مَاتَ الْقَرِيبُ، ثُمَّ مَاتَ هُوَ، وَفَاتَ الْإِفْصَاحُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَوْرِيثِهِ وَالتَّوْرِيثِ عَنْهُ. وَلَوْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَفِي تَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِقَتْلِهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ قُتِلَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا، لِلشُّبْهَةِ وَانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ. وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَالَّذِي أَطْلَقُوهُ وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁: تَعَلُّقُ الدِّيَةِ الْكَامِلَةِ بِقَتْلِهِ، وَقِيَاسُ قَوْلِنَا: إِنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا، أَنْ لَا نُوجِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى رَأْيٍ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا فَاتَ الْإِفْصَاحُ بِالْمَوْتِ يُرَدُّ الْمِيرَاثُ عَلَى رَأْيٍ.
قُلْتُ: الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ ﵃. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الْمَحْكُومُ بِكُفْرِهِ إِذَا بَلَغَ مَجْنُونًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّغِيرِ، حَتَّى إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ وَالِدَيْهِ تَبِعَهُ. وَإِنْ بَلَغَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ: تَبَعِيَّةُ السَّابِي، فَإِذَا سَبَى الْمُسْلِمُ طِفْلًا مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ تَحْتَ وِلَايَتِهِ كَالْأَبَوَيْنِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ، هُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ،
стр. 2270
وَشَذَّ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» فَذَكَرَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ فِي الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ وَجْهَيْنِ، وَزَعَمَ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ تَنْبِيهًا عَلَى ضَعْفِهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ سَبَاهُ ذِمِّيٌّ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَلَا فِي أَوْلَادِهِ، فَغَيْرُهُ أَوْلَى. فَعَلَى هَذَا، لَوْ بَاعَهُ الذِّمِّيُّ لِمُسْلِمٍ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ. وَلَوْ سُبِيَ وَمَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ قَطْعًا. فَلَوْ كَانَا مَعَهُ ثُمَّ مَاتَا، لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِي ابْتِدَاءِ السَّبْيِ.
قُلْتُ: مَعْنَى «سُبِيَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ» ، أَنْ يَكُونَا فِي جَيْشٍ وَاحِدٍ وَغَنِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فِي مِلْكِ رَجُلٍ. قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي كِتَابِ «الظِّهَارِ» : إِذَا سَبَاهُ مُسْلِمٌ، وَسَبَى أَبَوَيْهِ غَيْرُهُ، إِنْ كَانَ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ، تَبِعَ أَبَوَيْهِ. وَإِنْ كَانَ فِي عَسْكَرَيْنِ، تَبِعَ السَّابِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
حُكْمُ الصَّبِيِّ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِلسَّابِي إِذَا بَلَغَ، حُكْمُ الْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ إِذَا بَلَغَ.
فَرْعٌ
الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ، أَوْ لِلسَّابِي إِذَا وَصَفَ الْكُفْرَ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ كَافِرًا أَصْلِيًّا،
стр. 2271
أَلْحَقْنَاهُ بِدَارِ الْحَرْبِ. فَإِنْ كَانَ كُفْرُهُ مِمَّا يُقِرُّ عَلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ، قَرَّرْنَاهُ بِرِضَاهُ. وَإِنْ وَصَفَ كُفْرًا غَيْرَ مَا كَانَ مَوْصُوفًا بِهِ، فَهُوَ انْتِقَالٌ مِنْ مِلَّةٍ إِلَى مِلَّةٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. وَأَمَّا تَجْهِيزُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَقَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا؟ وَرَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي ذَلِكَ وَيُقَامَ فِيهِ شِعَارُ الْإِسْلَامِ.
قُلْتُ: الَّذِي رَآهُ الْإِمَامُ هُوَ الْمُخْتَارُ أَوِ الصَّوَابُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ، وَظَاهِرُهُ الْإِسْلَامُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: تَبَعِيَّةُ الدَّارِ. فَاللَّقِيطُ يُوجَدُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ دَارِ الْكُفْرِ. الْحَالُ الْأَوَّلُ: دَارُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ. أَحَدُهَا: دَارٌ يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ، فَاللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِيهَا مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ فِيهَا أَهْلُ ذِمَّةٍ، تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ. الثَّانِي: دَارٌ فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَأَقَرُّوهَا فِي يَدِ الْكُفَّارِ بِجِزْيَةٍ، فَقَدْ مَلَكُوهَا، أَوْ صَالَحُوهُمْ وَلَمْ يَمْلِكُوهَا، فَاللَّقِيطُ فِيهَا مُسْلِمٌ إِنْ كَانَ فِيهَا مُسْلِمٌ وَاحِدٌ فَأَكْثَرُ، وَإِلَّا، فَكَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: مُسْلِمٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَلَدُ مَنْ يَكْتُمُ إِسْلَامَهُ مِنْهُمْ.
الثَّالِثُ: دَارٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْكُنُونَهَا، ثُمَّ جَلَوْا عَنْهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَنْ يُعْرَفُ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَافِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مُسْلِمٌ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ فِيهَا كَاتِمَ إِسْلَامِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَعْرُوفٌ بِالْإِسْلَامِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ. وَأَمَّا عَدُّ الْأَصْحَابِ الضَّرْبَ الثَّالِثَ دَارَ إِسْلَامٍ، فَقَدْ يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ الْقَدِيمَ يَكْفِي لِاسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ، وَرَأَيْتُ لِبَعْضِ
стр. 2272
الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيلَ مَا ذَكَرُوهُ عَلَى مَا إِذَا كَانُوا لَا يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، فَإِنْ مَنَعُوهُمْ، فَهِيَ دَارُ كُفْرٍ.
الْحَالُ الثَّانِي: دَارُ الْكُفْرِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمٌ، فَاللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِيهَا مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ. وَإِنْ كَانَ فِيهَا تُجَّارٌ مُسْلِمُونَ سَاكِنُونَ، فَهَلْ يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ تَبَعًا لِلدَّارِ، أَوْ بِإِسْلَامِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ كَانَ فِيهَا أُسَارَى، وَرَأَى الْإِمَامُ تَرْتِيبَ الْخِلَافِ فِيهِمْ عَلَى التُّجَّارِ، لِأَنَّهُمْ مَقْهُورُونَ. قَالَ: وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي قَوْمٍ يَنْتَشِرُونَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْبَلْدَةِ، فَأَمَّا الْمَحْبُوسُونَ فِي الْمَطَامِيرِ، فَيَتَّجِهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ أَثَرٌ كَمَا لَا أَثَرَ لِطُرُوقِ الْعَابِرِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَيْثُ حَكَمْنَا بِالْكُفْرِ، فَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْبُقْعَةِ أَصْحَابَ مِلَلٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَالْقِيَاسُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ أَصْوَنِهِمْ دِينًا.
فَرْعٌ
الصَّبِيُّ الْمَحْكُومُ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ، إِذَا بَلَغَ وَأَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، فَهُوَ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْمُسْلِمِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ أَوِ السَّابِي. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصْلِيٌّ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُرْتَدٌّ. فَإِذَا قُلْنَا: أَصْلِيٌّ، فَهَلْ نَتَوَقَّفُ فِي حَالِ صِبَاهُ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يُشْتَرَطُ لَهَا الْإِسْلَامُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، بَلْ نُمْضِيهَا كَالْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ. وَالثَّانِي: نَتَوَقَّفُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيُفْصِحَ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ مَاتَ فِي صِبَاهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
فَرْعٌ
اللَّقِيطُ الْمَوْجُودُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَوِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ نَسَبَهُ، وَأَقَامَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً، لَحِقَهُ
стр. 2273
وَتَبِعَهُ فِي الْكُفْرِ، وَارْتَفَعَ مَا كُنَّا نَظُنُّهُ. وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهِمَا: يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ، لِأَنَّهُ يَلْحَقُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ. فَإِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ، تَبِعَهُ فِي الدِّينِ كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ. وَحُجَّةُ الْمَذْهَبِ: أَنَّا حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ، فَلَا نُغَيِّرُهُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَى كَافِرٍ. وَأَيْضًا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ مِنْ مَسْلِمَةٍ، وَحِينَئِذٍ لَا يَتْبَعُ الدِّينُ النَّسَبَ. وَعَلَى الطَّرِيقَيْنِ، يُحَالُ بَيْنَهُمَا كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا وَصَفَ الْمُمَيِّزُ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ وَوَصَفَ الْكُفْرَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتْبَعُهُ فِيهِ، قُرِّرَ، لَكِنَّهُ يُهَدَّدُ، وَلَعَلَّهُ يُسْلِمُ، وَإِلَّا، فَفِي تَقْرِيرِهِ مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ.
فَرْعٌ
سَبَقَ أَنَّ اللَّقِيطَ الْمُسْلِمَ، يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. فَأَمَّا الْمَحْكُومُ بِكُفْرِهِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: كَذَلِكَ، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَضْيِيعِهِ.
الْحُكْمُ الثَّانِي: جِنَايَةُ اللَّقِيطِ، وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ. أَمَّا جِنَايَتُهُ، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، فَمُوجَبُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَلَا نُخَرِّجُ ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي التَّوَقُّفِ، كَمَا لَا نَتَوَقَّفُ فِي صَرْفِ تَرِكَتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ بَالِغًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ. وَإِنْ جَنَى قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةً فِي مَالِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَفِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَجِدَ. وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، وَجَبَتْ مُخَفَّفَةً فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ مَحْكُومًا بِكُفْرِهِ، فَالتَّرِكَةُ فَيْءٌ، وَلَا تَكُونُ جِنَايَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَأَمَّا الْجِنَايَةُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ عَلَى نَفْسِهِ، أُخِذَتِ الدِّيَةُ وَوُضِعَتْ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيَاسُ مَنْ قَالَ بِالتَّوَقُّفِ فِي أَحْكَامِهِ: أَنْ لَا يُوجِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ، وَلَمْ أَرَهُ.
стр. 2274
قُلْتُ: الصَّوَابُ، الْجَزْمُ بِالدِّيَةِ الْكَامِلَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى طَرَفِهِ، فَوَاجِبُهَا حَقُّ اللَّقِيطِ يَسْتَوْفِيهِ الْقَاضِي، وَيَعُودُ فِيهِ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ. وَإِنْ كَانَتْ عَمْدًا، فَإِنْ قُتِلَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مَعْصُومٌ. وَإِنْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْإِفْصَاحِ بِالْإِسْلَامِ، وَجَبَ قَطْعًا. وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ رِضَا كُلِّهِمْ بِاسْتِيفَائِهِ. وَإِنْ قُتِلَ بَعْدَ الْبُلُوغِ قَبْلَ الْإِفْصَاحِ، فَعَلَى الْخِلَافِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ قَطْعًا، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِفْصَاحِ الْوَاجِبِ. وَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى الطَّرَفِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهِمَا: يَتَوَقَّفُ. فَإِنْ بَلَغَ وَأَفْصَحَ، تَبَيَّنَّا وُجُوبَهُ، وَإِلَّا، فَعَدَمُهُ. وَإِنْ كَانَ الْجَانِي عَلَى النَّفْسِ أَوِ الطَّرَفِ كَافِرًا رَقِيقًا، وَجَبَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ رِضَاهُمْ.
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا لَهُ الْقِصَاصَ، فَقِصَاصُ النَّفْسِ يَسْتَوْفِيهِ الْإِمَامُ إِنْ رَآهُ مَصْلَحَةً. وَإِنْ رَأَى الْعُدُولَ إِلَى الدِّيَةِ، عَدَلَ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ مَجَّانًا، لِأَنَّهُ خِلَافُ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا قِصَاصُ الطَّرَفِ، فَإِنْ كَانَ اللَّقِيطُ بَالِغًا عَاقِلًا، فَالِاسْتِيفَاءُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ اسْتِيفَاؤُهُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجُوزُ فِي الْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِإِفَاقَتِهِ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ، وَهَذَا ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَأَضْعَفُ وَجْهٍ حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فِي جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ، حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ. وَالْمَذْهَبُ: الْمَنْعُ قَطْعًا. وَإِذَا لَمْ يَقْتَصَّ، فَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَرْشِ الْجِنَايَةِ؟ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مَجْنُونًا فَقِيرًا، فَلَهُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا غَنِيًّا، فَلَا، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا غَنِيًّا، أَوْ صَبِيًّا فَقِيرًا، فَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَحَيْثُ مَنَعْنَا الْأَرْشَ،
стр. 2275
أَوْ لَمْ نَرَ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، يُحْبَسُ الْجَانِي إِلَى الْبُلُوغِ وَالْإِفَاقَةِ، وَإِذَا جَوَّزْنَاهُ فَأَخَذَهُ، ثُمَّ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْتَصَّ، فَفِي تَمَكُّنِهِ وَجْهَانِ شَبِيهَانِ بِمَا لَوْ عَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الشُّفْعَةِ لِلْمَصْلَحَةِ فَبَلَغَ وَأَرَادَ الْأَخْذَ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الْمَالِ عَفْوٌ كُلِّيٌّ وَإِسْقَاطٌ لِلْقِصَاصِ، أَمْ سَبَبُهُ الْحَيْلُولَةُ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ؟ وَقَدْ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْحَيْلُولَةَ إِنَّمَا تَكُونُ إِذَا جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الْجَانِي كَإِبَاقِ الْمَغْصُوبِ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَخْذِ الْأَرْشِ لِلَّقِيطِ، جَارٍ فِي كُلِّ طِفْلٍ يَلِيهِ أَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ بِلَا فَرْقٍ. وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَخْذُهُ، قَالَ: وَهَذَا حَسَنٌ إِنْ جَعَلْنَاهُ إِسْقَاطًا. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَيْلُولَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ [لِلْوَصِيِّ أَيْضًا] .
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: نَسَبُ اللَّقِيطِ، وَهُوَ كَسَائِرِ الْمَجْهُولِينَ، فَإِذَا اسْتَلْحَقَهُ حُرٌّ مُسْلِمٌ، لَحِقَهُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ «الْإِقْرَارِ» مَا يَشْتَرِطُ الِاسْتِلْحَاقَ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُلْتَقِطِ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَالَ لِلْمُلْتَقِطِ: مِنْ أَيْنَ هُوَ لَكَ؟ فَرُبَّمَا تَوَهَّمَ أَنَّ الِالْتِقَاطَ يُفِيدُ النَّسَبَ. وَإِذَا أُلْحِقَ بِغَيْرِ الْمُلْتَقِطِ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ مِنَ الْأَجْنَبِيِّ. وَاسْتِلْحَاقُ الْكَافِرِ، كَاسْتِلْحَاقِ الْمُسْلِمِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْجِهَاتِ الْمُثْبِتَةِ لِلنَّسَبِ. وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ عَبْدٌ، لَحِقَهُ إِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، وَكَذَا إِنْ كَذَّبَهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: لَا يَلْحَقُ قَطْعًا. وَقِيلَ: يَلْحَقُ قَطْعًا إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي النِّكَاحِ، وَمَضَى زَمَانُ إِمْكَانِهِ، وَإِلَّا، فَقَوْلَانِ. وَالْمَذْهَبُ: اللُّحُوقُ مُطْلَقًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي إِقْرَارِ الْعَبْدِ بِأَخٍ أَوْ عَمٍّ. وَقِيلَ بِالْمَنْعِ هُنَا قَطْعًا، لِأَنَّ لِظُهُورِ نَسَبِهِ طَرِيقًا آخَرَ، وَهُوَ إِقْرَارُ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ، وَيَجْرِي فِيمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ حُرٌّ عَبْدَ غَيْرِهِ وَهُوَ بَالِغٌ فَصَدَّقَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ الْإِرْثِ الْمُتَوَهَّمِ بِالْوَلَاءِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ هُنَا قَطْعًا، وَيَجْرِي فِيمَا لَوِ اسْتَلْحَقَ الْمُعْتَقُ غَيْرَهُ. وَالْمَنْعُ هُنَا أَبْعَدُ، لِاسْتِقْلَالِهِ بِالنِّكَاحِ وَالتَّسَرِّي. وَإِذَا صَحَّحْنَا اسْتِلْحَاقَ الْعَبْدِ،
стр. 2276
فَلَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ اللَّقِيطُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِحَضَانَتِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا مَالَ لَهُ.
فَرْعٌ
اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً، لَحِقَهَا وَلَحِقَ زَوْجَهَا إِنْ أَمْكَنَ الْعُلُوقُ مِنْهُ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إِلَّا بِلِعَانٍ. هَذَا إِذَا قَيَّدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِهِ. فَإِنْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْفِرَاشِ، فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الزَّوْجِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الدَّعْوَى، فَهَلْ يَلْحَقُهَا، أَمْ لَا؟ أَمْ يَلْحَقُ الْخَلِيَّةَ دُونَ الْمُزَوَّجَةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الثَّانِي. فَإِنْ أَلْحَقْنَا وَلَهَا زَوْجٌ، لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَبِاللُّحُوقِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ. وَاسْتِلْحَاقُ الْأَمَةِ كَالْحُرَّةِ إِنْ جَوَّزْنَا اسْتِلْحَاقَ الْعَبْدِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِقِّ الْوَلَدِ لِمَوْلَاهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْمُتَوَلِّي، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ اثْنَانِ، فَفِيهِ صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: ادَّعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْعَبْدِ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِلَّا، فَيَلْحَقُ بِالْحُرِّ.
الثَّانِيَةُ: ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، يَسْتَوِيَانِ فِيهِ.
стр. 2277
الثَّالِثَةُ: اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِيَدٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، لَمْ يُقَدَّمْ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّسَبِ، بَلْ إِنِ اسْتَلْحَقَاهُ مَعًا وَلَا بَيِّنَةَ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوَّلًا، حَكَمْنَا بِالنَّسَبِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْآخَرُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُعْرَضُ الْوَلَدُ مَعَ الثَّانِي عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ، بَقِيَ لَاحِقًا بِالْمُلْتَقِطِ بِاسْتِلْحَاقِهِ. وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي، عُرِضَ مَعَ الْمُلْتَقَطِ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ أَيْضًا، فَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ فَيُوقَفُ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ غَيْرَ الْمُلْتَقِطِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَلْحَقَهُ وَحُكِمَ [لَهُ] بِالنَّسَبِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَادَّعَى نَسَبَهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يُسْمَعِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلَّا بَعْدَمَا جَاءَ الثَّانِي وَاسْتَلْحَقَهُ، فَهَلْ يُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
الرَّابِعَةُ: تَسَاوَيَا وَلَا بَيِّنَةَ، عُرِضَ الْوَلَدُ عَلَى الْقَائِفِ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَ، أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا يُنْسَبُ بِالتَّشَهِّي، بَلْ يُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ الَّذِي يَجِدُهُ الْوَلَدُ إِلَى الْوَالِدِ، وَالْقَرِيبُ إِلَى الْقَرِيبِ بِحُكْمِ الْجِبِلَّةِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ، بَلْ يُخَيَّرُ إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَةِ. وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الْحَضَانَةِ لَا يَلْزَمُ، بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَهُنَا يَلْزَمُ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ الِانْتِظَارِ. فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. وَلَوْ لَمْ يَنْتَسِبْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِفَقْدِ الْمَيْلِ، بَقِيَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا. وَلَوِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِهِمَا وَادَّعَاهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى انْتِسَابِهِ بِسَبَبِ إِلْحَاقِ الْقَائِفِ بِهِمَا جَمِيعًا، لَمْ يُقْبَلِ انْتِسَابُهُ إِلَى غَيْرِهِمَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِفَقْدِ الْقَائِفِ، ثُمَّ وُجِدَ، عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي، قَدَّمْنَا قَوْلَهُ عَلَى الِانْتِسَابِ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ أَوْ حُكْمٌ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَدَّمُ الِانْتِسَابُ.
стр. 2278
قَالَ: وَعَلَى هَذَا، فَمَتَى أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، فَلِلْآخَرِ أَنْ يُنَازِعَهُ، وَيَقُولَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ. وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً، قُدِّمَتِ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّهَا حُجَّةٌ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ، وَقِيلَ: لَا يُغَيَّرُ مَا حَكَمْنَا بِهِ، وَلَا يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ
ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ نَسَبَ لَقِيطٍ، أَوْ مَجْهُولٍ غَيْرِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ، وَقَبِلْنَا اسْتِلْحَاقَ الْمَرْأَةِ، فَفِي عَرْضِ الْوَلَدِ مَعَهُمَا عَلَى الْقَائِفِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْعَرْضُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، أَوْ حُجَّةٌ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ، لَحِقَ زَوْجَهَا أَيْضًا كَمَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ. وَقِيلَ: لَا يَلْحَقُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
الْخَامِسَةُ: أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ، وَتَعَارَضَتَا، فَفِي التَّعَارُضِ فِي الْأَمْوَالِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: التَّسَاقُطُ. فَعَلَى هَذَا تَسْقُطَانِ أَيْضًا هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطَانِ وَتُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَلَا يُخْتَلَفُ الْمَقْصُودُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تُسْتَعْمَلَانِ بِالْوَقْفِ، أَوِ الْقِسْمَةِ، أَوِ الْقُرْعَةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، وَلَا يَجِيءُ هُنَا الْوَقْفُ لِلْإِضْرَارِ بِالطِّفْلِ وَلَا الْقِسْمَةُ، فَلَا مَجَالَ لَهَا فِي النَّسَبِ، وَلَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ النَّسَبَ، وَأَثْبَتَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَلَوِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ، لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِهَا. وَفِي «الْإِفْصَاحِ» لِلْمَسْعُودِيِّ، وَ «أَمَالِي» أَبِي الْفَرَجِ الزَّازِ: أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ سَنَةٍ، وَالثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ شَهْرٍ، وَتَنَازَعَا فِي نَسَبِهِ، فَصَاحِبُ السَّنَةِ مُقَدَّمٌ، لَكِنْ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُهَذَّبٍ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّسَبِ. وَإِنْ فُرِضَ تَعْرِضُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِنَفْسِ النَّسَبِ، فَلَا مَجَالَ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِيهِ. وَإِنْ شَهِدَتَا عَلَى الِاسْتِلْحَاقِ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مِنْ شَخْصٍ هَلْ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدُ؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
стр. 2279
فَرْعٌ
ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ، وَأَقَامَتَا بَيِّنَتَيْنِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: أَرَيْتُهُ الْقَائِفَ مَعَهُمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَهَا، وَلَحِقَ زَوْجَهَا. فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ، وَتَرْجِيحٌ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، كَمَا يُرَجَّحُ فِي الْأَمْلَاكِ بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا سَبَقَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. وَعَلَى هَذَا، يَلْحَقُ الزَّوْجَ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِ التَّسَاقُطِ، وَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَائِفِ. وَعَلَى هَذَا، فَفِي لُحُوقِهِ بِالزَّوْجِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
فَرْعٌ
أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ بِالْآخَرِ، لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْهِ، إِذْ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ.
فَرْعٌ
وَصَفَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَثَرَ جِرَاحَةٍ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ بِظَهْرِهِ، أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ الْبَاطِنَةِ، وَأَصَابَ، لَا يُقَدَّمُ.
فَصْلٌ
تَنَازَعَا فِي الِالْتِقَاطِ، وَوِلَايَةِ الْحِفْظِ وَالتَّعَهُّدِ، فَإِنْ تَنَازَعَا عِنْدَ الْأَخْذِ، أَوْ قَبْلَهُ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَّا الْمُلْتَقِطُ فَلِيَ حِفْظُهُ، فَإِنِ اخْتَصَّ بِيَدٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخَذَهُ مِنِّي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ،
стр. 2280
قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَاهُ مَعًا، وَتَشَاحَّا فِي حِفْظِهِ، فَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا، فَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا إِذَا ازْدَحَمَا عَلَى الْأَخْذِ مَعًا، وَهُمَا مُتَسَاوِيَا الْحَالِ. وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، خُصَّ بِهِ. وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، وَهُوَ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُؤَرَّخَةٌ وَالْأُخْرَى مُطْلَقَةٌ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ. وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَلَا الْقِسْمَةُ، وَتَجِيءُ الْقُرْعَةُ، فَيُسَلَّمُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ. وَإِنْ قُيِّدَتَا بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قُدِّمَ السَّابِقُ، بِخِلَافِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِيهِ بِسَبْقِ التَّارِيخِ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ تَنْتَقِلُ، وَالْمُلْتَقِطُ لَا يَنْتَزِعُ مِنْهُ مَا دَامَتِ الْأَهْلِيَّةُ. فَإِذَا ثَبَتَ السَّبْقُ، لَزِمَ اسْتِمْرَارُهُ. هَكَذَا فَرَّقَ الْأَصْحَابُ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: مَنِ الْتَقَطَ اللَّقِيطَ، ثُمَّ نَبَذَهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ. فَإِنْ أَسْقَطْنَاهُ، فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَبَذَهُ الْأَوَّلُ فَالْتَقَطَهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا حَسَنٌ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى تَقْدِيمِ الْبَيِّنَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالسَّبْقِ، مَا إِذَا كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَأَقَامَ مَنْ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ وَانْتَزَعَهُ مِنْهُ صَاحِبُ الْيَدِ، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الِانْتِزَاعِ، لِإِثْبَاتِهَا السَّبْقَ.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ، وَلِلَّقِيطِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ، وَلَا يَدَّعِيَ رِقَّهُ أَحَدٌ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ أَحْرَارٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يُتَوَقَّفُ فِي إِسْلَامِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَذَلِكَ التَّرَدُّدُ يَجْرِي هُنَا وَأَوْلَى، لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَاقْتِضَائِهِ الِاسْتِتْبَاعَ لِلْوَالِدِ وَالسَّابِي، بِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ تَفْصِيلًا مُتَوَسِّطًا، فَقَالَ: يُجْزَمُ بِالْحُرِّيَّةِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إِلَى إِلْزَامِ الْغَيْرِ شَيْئًا،
следующие страницы →