Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
فَلَا يُسَلَّمُ إِلَيْهِ اللَّقِيطُ، لِأَنَّهُ لَا يَتَفَرَّغُ لِحَضَانَتِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ، إِذْ لَا مَالَ لَهُ.
فَرْعٌ
اسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ وَأَقَامَتْ بَيِّنَةً، لَحِقَهَا وَلَحِقَ زَوْجَهَا إِنْ أَمْكَنَ الْعُلُوقُ مِنْهُ، وَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ إِلَّا بِلِعَانٍ. هَذَا إِذَا قَيَّدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا وَلَدَتْهُ عَلَى فِرَاشِهِ. فَإِنْ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْفِرَاشِ، فَفِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنَ الزَّوْجِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ وَاقْتَصَرَتْ عَلَى الدَّعْوَى، فَهَلْ يَلْحَقُهَا، أَمْ لَا؟ أَمْ يَلْحَقُ الْخَلِيَّةَ دُونَ الْمُزَوَّجَةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الثَّانِي. فَإِنْ أَلْحَقْنَا وَلَهَا زَوْجٌ، لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَبِاللُّحُوقِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ. وَاسْتِلْحَاقُ الْأَمَةِ كَالْحُرَّةِ إِنْ جَوَّزْنَا اسْتِلْحَاقَ الْعَبْدِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَاهُ، لَمْ يُحْكَمْ بِرِقِّ الْوَلَدِ لِمَوْلَاهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْمُتَوَلِّي، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ
ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ اثْنَانِ، فَفِيهِ صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: ادَّعَاهُ حُرٌّ وَعَبْدٌ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ اسْتِلْحَاقُ الْعَبْدِ، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَإِلَّا، فَيَلْحَقُ بِالْحُرِّ.
الثَّانِيَةُ: ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ، يَسْتَوِيَانِ فِيهِ.
стр. 2277
الثَّالِثَةُ: اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِيَدٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ هُوَ الْمُلْتَقِطُ، لَمْ يُقَدَّمْ، لِأَنَّ الْيَدَ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّسَبِ، بَلْ إِنِ اسْتَلْحَقَاهُ مَعًا وَلَا بَيِّنَةَ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِنِ اسْتَلْحَقَهُ الْمُلْتَقِطُ أَوَّلًا، حَكَمْنَا بِالنَّسَبِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ الْآخَرُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُعْرَضُ الْوَلَدُ مَعَ الثَّانِي عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ، بَقِيَ لَاحِقًا بِالْمُلْتَقِطِ بِاسْتِلْحَاقِهِ. وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي، عُرِضَ مَعَ الْمُلْتَقَطِ عَلَيْهِ، فَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُ، فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ أَيْضًا، فَقَدْ تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ فَيُوقَفُ. وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْيَدِ غَيْرَ الْمُلْتَقِطِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَلْحَقَهُ وَحُكِمَ [لَهُ] بِالنَّسَبِ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَادَّعَى نَسَبَهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يُسْمَعِ اسْتِلْحَاقُهُ إِلَّا بَعْدَمَا جَاءَ الثَّانِي وَاسْتَلْحَقَهُ، فَهَلْ يُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي.
الرَّابِعَةُ: تَسَاوَيَا وَلَا بَيِّنَةَ، عُرِضَ الْوَلَدُ عَلَى الْقَائِفِ، فَبِأَيِّهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَائِفٌ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، تُرِكَ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَ، أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَلَا يُنْسَبُ بِالتَّشَهِّي، بَلْ يُعَوَّلُ فِيهِ عَلَى مَيْلِ الطَّبْعِ الَّذِي يَجِدُهُ الْوَلَدُ إِلَى الْوَالِدِ، وَالْقَرِيبُ إِلَى الْقَرِيبِ بِحُكْمِ الْجِبِلَّةِ. وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ، بَلْ يُخَيَّرُ إِذَا بَلَغَ سِنَّ التَّمْيِيزِ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْحَضَانَةِ. وَالصَّحِيحُ اشْتِرَاطُهُ. وَالْفَرْقُ أَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي الْحَضَانَةِ لَا يَلْزَمُ، بَلْ لَهُ الرُّجُوعُ، وَهُنَا يَلْزَمُ، وَعَلَيْهِمَا النَّفَقَةُ مُدَّةَ الِانْتِظَارِ. فَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا، رَجَعَ الْآخَرُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. وَلَوْ لَمْ يَنْتَسِبْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِفَقْدِ الْمَيْلِ، بَقِيَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا. وَلَوِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِهِمَا وَادَّعَاهُ ذَلِكَ الْغَيْرُ، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرُّجُوعُ إِلَى انْتِسَابِهِ بِسَبَبِ إِلْحَاقِ الْقَائِفِ بِهِمَا جَمِيعًا، لَمْ يُقْبَلِ انْتِسَابُهُ إِلَى غَيْرِهِمَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِذَا انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا لِفَقْدِ الْقَائِفِ، ثُمَّ وُجِدَ، عَرَضْنَاهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالثَّانِي، قَدَّمْنَا قَوْلَهُ عَلَى الِانْتِسَابِ، لِأَنَّهُ حُجَّةٌ أَوْ حُكْمٌ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُقَدَّمُ الِانْتِسَابُ.
стр. 2278
قَالَ: وَعَلَى هَذَا، فَمَتَى أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، فَلِلْآخَرِ أَنْ يُنَازِعَهُ، وَيَقُولَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ. وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً، قُدِّمَتِ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّهَا حُجَّةٌ فِي كُلِّ خُصُومَةٍ، وَقِيلَ: لَا يُغَيَّرُ مَا حَكَمْنَا بِهِ، وَلَا يُعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ
ادَّعَتِ امْرَأَتَانِ نَسَبَ لَقِيطٍ، أَوْ مَجْهُولٍ غَيْرِهِ، وَلَا بَيِّنَةَ، وَقَبِلْنَا اسْتِلْحَاقَ الْمَرْأَةِ، فَفِي عَرْضِ الْوَلَدِ مَعَهُمَا عَلَى الْقَائِفِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْعَرْضُ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ، أَوْ حُجَّةٌ، فَأَشْبَهَ الْبَيِّنَةَ، فَإِذَا أَلْحَقَهُ بِإِحْدَاهُمَا وَهِيَ ذَاتُ زَوْجٍ، لَحِقَ زَوْجَهَا أَيْضًا كَمَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ. وَقِيلَ: لَا يَلْحَقُهُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
الْخَامِسَةُ: أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ، وَتَعَارَضَتَا، فَفِي التَّعَارُضِ فِي الْأَمْوَالِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: التَّسَاقُطُ. فَعَلَى هَذَا تَسْقُطَانِ أَيْضًا هُنَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُرْجَعُ إِلَى قَوْلِ الْقَائِفِ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطَانِ وَتُرَجَّحُ إِحْدَاهُمَا بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَلَا يُخْتَلَفُ الْمَقْصُودُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تُسْتَعْمَلَانِ بِالْوَقْفِ، أَوِ الْقِسْمَةِ، أَوِ الْقُرْعَةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ، وَلَا يَجِيءُ هُنَا الْوَقْفُ لِلْإِضْرَارِ بِالطِّفْلِ وَلَا الْقِسْمَةُ، فَلَا مَجَالَ لَهَا فِي النَّسَبِ، وَلَا تَجِيءُ الْقُرْعَةُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ النَّسَبَ، وَأَثْبَتَهَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَلَوِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ، لَمْ تُرَجَّحْ بَيِّنَتُهُ بِهَا. وَفِي «الْإِفْصَاحِ» لِلْمَسْعُودِيِّ، وَ «أَمَالِي» أَبِي الْفَرَجِ الزَّازِ: أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً بِأَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ سَنَةٍ، وَالثَّانِي بَيِّنَةً أَنَّهُ فِي يَدِهِ مِنْ شَهْرٍ، وَتَنَازَعَا فِي نَسَبِهِ، فَصَاحِبُ السَّنَةِ مُقَدَّمٌ، لَكِنْ هَذَا كَلَامٌ غَيْرُ مُهَذَّبٍ، فَإِنَّ ثُبُوتَ الْيَدِ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ النَّسَبِ. وَإِنْ فُرِضَ تَعْرِضُ الْبَيِّنَتَيْنِ لِنَفْسِ النَّسَبِ، فَلَا مَجَالَ لِلتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ فِيهِ. وَإِنْ شَهِدَتَا عَلَى الِاسْتِلْحَاقِ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ مِنْ شَخْصٍ هَلْ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنَ الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدُ؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.
стр. 2279
فَرْعٌ
ادَّعَاهُ امْرَأَتَانِ، وَأَقَامَتَا بَيِّنَتَيْنِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: أَرَيْتُهُ الْقَائِفَ مَعَهُمَا، فَبِأَيَّتِهِمَا أَلْحَقَهُ لَحِقَهَا، وَلَحِقَ زَوْجَهَا. فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ، وَتَرْجِيحٌ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، كَمَا يُرَجَّحُ فِي الْأَمْلَاكِ بِالْقُرْعَةِ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا سَبَقَ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. وَعَلَى هَذَا، يَلْحَقُ الزَّوْجَ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْبَيِّنَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِ التَّسَاقُطِ، وَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَائِفِ. وَعَلَى هَذَا، فَفِي لُحُوقِهِ بِالزَّوْجِ الْخِلَافُ السَّابِقُ.
فَرْعٌ
أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ بِالْآخَرِ، لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْهِ، إِذْ الِاجْتِهَادُ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ.
فَرْعٌ
وَصَفَ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَثَرَ جِرَاحَةٍ، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ بِظَهْرِهِ، أَوْ بَعْضَ أَعْضَائِهِ الْبَاطِنَةِ، وَأَصَابَ، لَا يُقَدَّمُ.
فَصْلٌ
تَنَازَعَا فِي الِالْتِقَاطِ، وَوِلَايَةِ الْحِفْظِ وَالتَّعَهُّدِ، فَإِنْ تَنَازَعَا عِنْدَ الْأَخْذِ، أَوْ قَبْلَهُ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: أَنَّا الْمُلْتَقِطُ فَلِيَ حِفْظُهُ، فَإِنِ اخْتَصَّ بِيَدٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَخَذَهُ مِنِّي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ،
стр. 2280
قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَاهُ مَعًا، وَتَشَاحَّا فِي حِفْظِهِ، فَيَجْعَلُهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا، فَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا إِذَا ازْدَحَمَا عَلَى الْأَخْذِ مَعًا، وَهُمَا مُتَسَاوِيَا الْحَالِ. وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، خُصَّ بِهِ. وَلَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، وَهُوَ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتَا مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ وَاحِدٍ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُؤَرَّخَةٌ وَالْأُخْرَى مُطْلَقَةٌ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ. وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَلَا يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَلَا الْقِسْمَةُ، وَتَجِيءُ الْقُرْعَةُ، فَيُسَلَّمُ لِمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ. وَإِنْ قُيِّدَتَا بِتَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، قُدِّمَ السَّابِقُ، بِخِلَافِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ فِيهِ بِسَبْقِ التَّارِيخِ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ الْأَمْوَالَ تَنْتَقِلُ، وَالْمُلْتَقِطُ لَا يَنْتَزِعُ مِنْهُ مَا دَامَتِ الْأَهْلِيَّةُ. فَإِذَا ثَبَتَ السَّبْقُ، لَزِمَ اسْتِمْرَارُهُ. هَكَذَا فَرَّقَ الْأَصْحَابُ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: مَنِ الْتَقَطَ اللَّقِيطَ، ثُمَّ نَبَذَهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ. فَإِنْ أَسْقَطْنَاهُ، فَهُوَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَبَذَهُ الْأَوَّلُ فَالْتَقَطَهُ غَيْرُهُ، وَهَذَا حَسَنٌ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى تَقْدِيمِ الْبَيِّنَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِالسَّبْقِ، مَا إِذَا كَانَ اللَّقِيطُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَأَقَامَ مَنْ فِي يَدِهِ الْبَيِّنَةُ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ وَانْتَزَعَهُ مِنْهُ صَاحِبُ الْيَدِ، فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ مُدَّعِي الِانْتِزَاعِ، لِإِثْبَاتِهَا السَّبْقَ.
الْحُكْمُ الرَّابِعُ: الْحُرِّيَّةُ وَالرِّقُّ، وَلِلَّقِيطِ فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ، وَلَا يَدَّعِيَ رِقَّهُ أَحَدٌ، فَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلِأَنَّ غَالِبَ النَّاسِ أَحْرَارٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يُتَوَقَّفُ فِي إِسْلَامِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَذَلِكَ التَّرَدُّدُ يَجْرِي هُنَا وَأَوْلَى، لِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَاقْتِضَائِهِ الِاسْتِتْبَاعَ لِلْوَالِدِ وَالسَّابِي، بِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ تَفْصِيلًا مُتَوَسِّطًا، فَقَالَ: يُجْزَمُ بِالْحُرِّيَّةِ مَا لَمْ يَنْتَهِ الْأَمْرُ إِلَى إِلْزَامِ الْغَيْرِ شَيْئًا،
стр. 2281
فَإِنِ انْتَهَى، تَرَدَّدْنَا إِنْ لَمْ يَعْتَرِفِ الْمُلْتَزِمُ بِحُرِّيَّتِهِ، فَنَحْكُمُ لَهُ بِالْمِلْكِ فِيمَا نُصَادِفُهُ فِي يَدِهِ جَزْمًا. وَإِذَا أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ، أَخَذْنَا مِنْهُ الضَّمَانَ وَصَرَفْنَاهُ إِلَيْهِ، لِأَنَّ الْمَالَ الْمَعْصُومَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُتْلِفِ، فَلَيْسَ التَّضْمِينُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَمِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ قَطْعًا، وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ الْخَطَأُ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَطْعًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى التَّرَدُّدِ الْمَذْكُورِ، لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُبْذَلُ إِلَّا عَنْ تَحَقُّقٍ. وَلَوْ قُتِلَ اللَّقِيطُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ خِلَافًا، وَيَنْضَمُّ إِلَيْهِ التَّرَدُّدُ فِي الْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ لَا يَجْزِمُ الْقَوْلَ بِإِسْلَامِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ بِقَتْلِهِ، وَيُوجِبُهُ عَلَى الرَّقِيقِ الْكَافِرِ. وَمَنْ يَجْزِمُ بِهِمَا، يُخْرِجُ وُجُوبَ الْقِصَاصِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى قَوْلَيْنِ - بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ مُعَيَّنٌ - الْأَظْهَرُ: وَجُوبُهُ. وَإِذَا قُتِلَ خَطَأً، فَالْوَاجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَأَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ، وَالْقِيمَةِ فِي الثَّانِي، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُرِّيَّةَ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ. قَالَ الْإِمَامُ: وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ نُوجِبَ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ عَبْدًا، وَدِيَةَ مَجُوسِيٍّ، لِإِمْكَانِ الْحَمْلِ عَلَى التَّمَجُّسِ، وَقَدْ يُرَتَّبُ الْقِصَاصُ عَلَى الدِّيَةِ فَيُقَالُ: إِنْ لَمْ نُوجِبِ الدِّيَةَ، فَالْقِصَاصُ أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ رِقَّهُ، وَلَا بَيِّنَةَ. وَمَنِ ادَّعَى رِقَّ صَغِيرٍ لَا تُتَيَقَّنُ حُرِّيَّتُهُ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، لِإِمْكَانِهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْحَرِيَّةُ، فَلَا تُتْرَكُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، بِخِلَافِ النَّسَبِ، فَإِنَّ قَبُولَهُ مَصْلَحَةٌ لِلصَّبِيِّ وَثُبُوتُ حَقٍّ لَهُ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ وَقَدْ عَرَفْنَا اسْتِنَادَهَا إِلَى الْتِقَاطِهِ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ لَهُ بِالرِّقِّ كَيَدِ غَيْرِ الْمُلْتَقِطِ، وَكَمَا لَوِ الْتَقَطَ مَالًا وَادَّعَاهُ، وَلَا مُنَازِعَ، يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَجُوزُ شِرَاؤُهُ مِنْهُ. وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَيُخَالِفُ الْمَالَ، فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ وَلَيْسَ فِي دَعْوَاهُ تَغْيِيرُ صِفَةٍ لَهُ، وَاللَّقِيطُ حُرٌّ ظَاهِرًا، وَفِي دَعْوَاهُ تَغْيِيرُ صِفَةٍ. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ اسْتِنَادُهَا إِلَى الِالْتِقَاطِ، حُكِمَ لِصَاحِبِهَا بِالرِّقِّ الَّذِي يَدَّعِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِمَّنْ فِي يَدِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفَ
стр. 2282
الْمَالِكِينَ، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ، وَلَا سَبَبَ يُحَالُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا، أَوْ غَيْرُهُ مُقِرًّا، أَوْ مُنْكِرًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ مُمَيِّزًا مُنْكِرًا، احْتَاجَ الْمُدَّعِي إِلَى الْبَيِّنَةِ. فَعَلَى الْأَصَحِّ: يَحْلِفُ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبَّةٌ. ثُمَّ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَقَرَّ بِالرِّقِّ لِغَيْرِ صَاحِبِ الْيَدِ، لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ قَالَ: أَنَا حُرٌّ، لَمْ يُقْبَلْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْحُرِّيَّةِ، وَلَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ السَّيِّدِ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ.
فَرْعٌ
رَأَى صَغِيرًا فِي يَدِ إِنْسَانٍ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ، هَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِالْمِلْكِ؟ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: هُوَ عَبْدِي، أَوْ سَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ عَبْدُهُ، شَهِدَ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
صَغِيرَةٌ فِي يَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي نِكَاحَهَا، فَبَلَغَتْ وَأَنْكَرَتْ، يُقْبَلُ قَوْلُهَا، وَعَلَى الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةُ. وَهَلْ يُحْكَمُ فِي صِغَرِهَا بِالنِّكَاحِ؟ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: نَعَمْ كَالرِّقِّ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. وَفَرَّقَ الْأَصْحَابُ، بِأَنَّ الْيَدَ فِي الْجُمْلَةِ دَالَّةٌ عَلَى الْمِلْكِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ مَمْلُوكٌ وَالنِّكَاحُ طَارِئٌ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَدَّعِيَ رِقَّهُ مُدَّعٍ وَيُقِيمَ عَلَيْهِ بَيِّنَةً حَيْثُ يَحْتَاجُ مُدَّعِي الرِّقِّ إِلَى بَيِّنَةٍ كَمَا فَصَّلْنَاهُ. وَهَلْ يَكْفِي إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى الرِّقِّ، أَوِ الْمِلْكِ مُطْلَقًا؟ قَوْلَانِ.
стр. 2283
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ شَهِدَ بِمِلْكِ دَارٍ، أَوْ ثَوْبٍ، وَغَيْرِهِمَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الدَّعَاوَى، وَفِي الْقَدِيمِ. وَالثَّانِي: لَا، لِاحْتِمَالِ اعْتِمَادِ الشَّاهِدِ ظَاهِرِ الْيَدِ، وَيَكُونُ يَدَ الْتِقَاطٍ. وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِظَاهِرِ الدَّارِ، لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَأَمْرُ الرِّقِّ خَطَرٌ، وَهَذَا نَصُّهُ [هُنَا] ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَالْبَغَوِيِّ، وَالرُّويَانِيِّ، وَآخَرِينَ، وَرَجَّحَ ابْنُ كَجٍّ، وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ الْأَوَّلَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَحُمِلَ نَصُّهُ هُنَا عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ بِمُطْلَقِ الْمِلْكِ لَيْسَتْ بِأَقَلَّ مِنْ دَعْوَى غَيْرِ الْمُلْتَقِطِ رِقَّ الصَّغِيرِ فِي يَدِهِ.
قُلْتُ: كُلٌّ مِنَ التَّرْجِيحَيْنِ ظَاهِرٌ، وَقَدْ رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» الثَّانِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي هُوَ الْمُلْتَقِطُ، أَوْ غَيْرُهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ كَلَامًا يَتَخَرَّجُ مِنْهُ، وَمِمَّا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ قَوْلُ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ الْمُطْلَقَةَ تَكْفِي فِي غَيْرِ الْمُلْتَقِطِ، وَلَا تَكْفِي فِيهِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ. وَإِذَا قُلْنَا: لَمْ يُكْتَفَ بِالْبَيِّنَةِ الْمُطْلَقَةِ، شَرَطْنَا تَعَرُّضَ الشُّهُودِ لِسَبَبِ الْمِلْكِ مِنَ الْإِرْثِ، أَوِ الثَّرَاءِ، أَوْ الِالْتِهَابِ وَنَحْوِهَا. وَمِنَ الْأَسْبَابِ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ مَمْلُوكًا لَهُ. فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى أَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ، أَوْ أَنَّهُ وَلَدُ أَمَتِهِ، فَطَرِيقَانِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يَكْفِي. وَالثَّانِي: لَا. وَقِيلَ: يَكْفِي قَطْعًا، وَهُوَ نَصُّهُ هُنَا. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَدَتْهُ مَمْلُوكَتُهُ قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَكْفِي قَطْعًا، وَهُوَ نَصُّهُ هُنَا. وَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَدَتْهُ مَمْلُوكَتُهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَكْفِي قَطْعًا، وَإِنْ شَهِدُوا بِأَنَّ أَمَتَهُ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: يَكْفِي قَطْعًا. وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يُكْتَفَى بِهِ تَفْرِيعًا عَلَى وُجُوبِ التَّعَرُّضِ لِسَبَبِ الْمِلْكِ، فَقَدْ تَلِدُ فِي مِلْكِهِ حُرًّا بِالشُّبْهَةِ، وَفِي نِكَاحِ الْغَرُورِ، وَقَدْ تَلِدُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ يُوصِيَ بِحَمْلِهَا، وَتَكُونَ الرَّقَبَةُ لِلْوَارِثِ، وَهَذَا حَقٌّ. وَيُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ، وَيَكُونُ قَوْلُهُمْ: فِي مِلْكِهِ، مَصْرُوفًا إِلَى الْمَوْلُودِ - كَقَوْلِكَ: وَلَدَتْهُ فِي مَشِيمَةٍ -
стр. 2284
لَا إِلَى الْوِلَادَةِ، وَلَا إِلَى الْوَالِدَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُمْ: وَلَدَتْهُ مَمْلُوكًا لَهُ، وَيَكْفِي الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ قَوْلُهُ: هُوَ مِلْكِي، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ السَّبَبِ إِنْ شَرَطْنَاهُ فِي صِيغَةِ الشُّهُودِ.
فَرْعٌ
تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ رَجُلٍ، وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ إِثْبَاتُ الْمِلْكِ. وَإِذَا اكْتَفَيْنَا بِالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ، قُبِلَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَيْضًا، لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ، ثُمَّ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي ضِمْنِهَا كَثُبُوتِ النَّسَبِ فِي ضِمْنِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ. وَلَوْ شَهِدْنَ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: ثَبَتَ الْمِلْكُ، وَالْوِلَادَةُ، وَذِكْرُ الْمِلْكِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْوِلَادَةِ، ثُمَّ يُثْبَتُ الْمِلْكُ ضِمْنًا لَا بِتَصْرِيحِهِنَّ.
فَرْعٌ
لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ لِمُدَّعِي الرِّقِّ بِالْيَدِ، قَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : إِنْ كَانَ الْمُدَّعِي الْمُلْتَقِطَ، لَمْ يُحْكَمْ لَهُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ، فَقَوْلَانِ. وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» ، وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمُدَّعِيَ إِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ قَبْلَ الْتِقَاطِ الْمُلْتَقِطِ، قُبِلَتْ وَثَبَتَتْ يَدُهُ، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرِّقِّ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ عَلَى الصَّغِيرِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ يَدَهُ عَنِ الْتِقَاطٍ، يُصَدَّقُ فِي دَعْوَى الرِّقِّ، وَبِمِثْلِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ فِيمَا إِذَا أَقَامَ الْمُلْتَقِطُ بَيِّنَةَ أَنَّهُ كَانَ فِي يَدِهِ، قُبِلَ إِنِ الْتَقَطَهُ، لَكِنْ نَقَلَ ابْنُ كَجٍّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَنِ النَّصِّ، أَنَّهُ لَا يَرِقُّ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى سَبَبِ الْمِلْكِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالرِّقِّ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَذَّبَهُ
стр. 2285
الْمُقَرُّ لَهُ، لَمْ يَثْبُتِ الرِّقُّ. فَلَوْ عَادَ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَدَّقَهُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمَّا كَذَّبَهُ ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ بِالْأَصْلِ، فَلَا يَعُودُ رَقِيقًا. وَإِنْ صَدَّقَهُ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَسْبِقِ الْإِقْرَارَ مَا يُنَاقِضُهُ، قُبِلَ عَلَى الْمَشْهُورِ كَسَائِرِ الْأَقَارِيرِ. وَفِي قَوْلٍ حَكَاهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِهِ بِالدَّارِ، فَلَا يُنْقَضُ، كَالْمَحْكُومِ بِإِسْلَامِهِ بِالدَّارِ، لَوْ أَفْصَحَ بِالْكُفْرِ، لَا يُنْقَضُ مَا حَكَمْنَا بِهِ فِي قَوْلٍ، بَلْ يُجْعَلُ مُرْتَدًّا. وَإِنْ سَبَقَهُ مَا يُنَاقِضُهُ، فَفِيهِ صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: إِذَا أَقَرَّ بِالْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، لَا يُقْبَلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعُ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَجْهَيْنِ، ثَانِيهِمَا الْقَبُولُ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَقَرَّ بِالرِّقِّ لِزَيْدٍ، فَكَذَّبَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لِعَمْرٍو، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمَنْصُوصِ، وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، بَلْ يَكُونُ حُرًّا، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ قَبُولُهُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا وُجِدَتْ مِنْهُ تَصَرُّفَاتٌ يَقْتَضِي نُفُوذُهَا الْحُرِّيَّةَ، كَبَيْعٍ، وَنِكَاحٍ، وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِرِقِّهِ، نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُ الْمُقْتَضِيَّةُ لِلْحُرِّيَّةِ، وَجُعِلَتْ صَادِرَةً عَنْ عَبْدٍ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ، وَيَسْتَرِدُّ مَا قَبَضَهُ مِنْ زَكَاةٍ، أَوْ مِيرَاثٍ، وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَتُبَاعُ رَقَبَتُهُ فِيهَا. فَلَوْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، لَكِنْ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» فَإِقْرَارُهُ لَاغٍ. لَكِنْ لَوْ كَانَ نَكَحَ، فَإِقْرَارُهُ اعْتِرَافٌ بِتَحْرِيمِهَا، فَيُؤَاخَذُ بِهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَشْهُورِ، فَفِيهِ طُرُقٌ، حَاصِلُهَا أَنَّهُ تَثْبُتُ أَحْكَامُ الْأَرِقَّاءِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: قَوْلَانِ. ثَانِيهِمَا: أَنَّهُ يَبْقَى عَلَى أَحْكَامِ الْحُرِّيَّةِ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: يَبْقَى فِيمَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ، وَكِلَاهُمَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا الْمَاضِي، فَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيمَا يَضُرُّ بِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ السَّابِقَةِ قَطْعًا، وَلَا يُقْبَلُ فِيمَا يَضُرُّ بِغَيْرِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فُرُوعٌ. أَحَدُهَا: إِذَا نَكَحَ قَبْلَ الْإِقْرَارِ، نُظِرَ، أَذَكَرٌ هُوَ، أَمْ أُنْثَى، فَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَزَوَّجَهَا الْحَاكِمُ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، ثُمَّ أَقَرَّتْ بِالرِّقِّ. فَإِنْ قَبِلْنَا
стр. 2286
الْإِقْرَارَ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِنْ دَخَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَإِنْ كَانَ سَلَّمَ الْمَهْرَ إِلَيْهَا، اسْتَرَدَّهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا، رَجَعَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْأَوْلَادُ مِنْهَا أَحْرَارٌ، لِظَنِّهِ الْحُرِّيَّةَ، وَعَلَى الزَّوْجِ قِيمَتُهُمْ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَتْ هِيَ الْغَارَّةَ. وَفِي الرُّجُوعِ بِالْمَهْرِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَفِي الْعِدَّةِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهَا قُرْءَانِ، لِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ قُرْءَانِ، وَنِكَاحُ الشُّبْهَةِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ كَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» ، وَ «الشَّامِلِ» . وَالثَّانِي: لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، إِذْ لَا نِكَاحَ، وَلَكِنْ تَسْتَبْرِئُ بِقُرْءٍ بِسَبَبِ الْوَطْءِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجِبُ طَرْدُ هَذَا الْخِلَافَ فِي كُلِّ نِكَاحِ شُبْهَةٍ عَلَى أَمَةٍ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ الْإِقْرَارُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، فَالْكَلَامُ فِي أُمُورٍ.
أَحَدُهَا: لَا يُحْكَمُ بِانْفِسَاخِ نِكَاحِهَا، بَلْ يَبْقَى كَمَا كَانَ. قَالَ الْإِمَامُ: سَوَاءٌ فَرَّقْنَا بَيْنَ الْمَاضِي، وَالْمُسْتَقْبَلِ، أَمْ لَا، وَيَصِيرُ النِّكَاحُ كَالْمُسْتَوْفَى الْمَقْبُوضِ، وَاسْتَدْرَكَ ابْنُ كَجٍّ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الزَّوْجُ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُ، لِأَنَّ الْأَوْلَادَ الَّذِينَ يَلِدُهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَرِقَّاءُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَيْسَ لَهُ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنْ صَرَّحَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِخِلَافِهِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، كَالْحُرِّ إِذَا وُجِدَ الطَّوْلُ بَعْدَ نِكَاحِ الْأَمَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ أَنَّ لِلزَّوْجِ خِيَارَ فَسْخِ النِّكَاحِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا إِذَا نَكَحَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَإِنْ تَوَهَّمَ الْحُرِّيَّةَ، وَلَمْ يُجْرِ شَرْطَهَا، فَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ فِي النِّكَاحِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الثَّانِي: فِي الْمَهْرِ، وَمَتَى ثَبَتَ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ، فَفَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
стр. 2287
وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ. وَإِنْ أَجَازَ، لَزِمَهُ الْمُسَمَّى، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ. فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْإِجَازَةِ، وَقَبْلَ الدُّخُولِ، لَزِمَهُ نِصْفُ الْمُسَمَّى، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ يَزْعُمُ فَسَادَ النِّكَاحِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ دُخُولٌ، وَجَبَ أَنْ لَا يُطَالِبَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ يُشْعِرُ بِهَذَا إِطْلَاقُ الْغَزَالِيِّ.
قُلْتُ: الرَّاجِحُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِمَا ذَكَرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ أَعْطَاهَا الصَّدَاقَ، لَمْ يُطَالَبْ بِهِ ثَانِيًا.
الثَّالِثُ: أَوْلَادُهَا، فَالَّذِينَ حَصَلُوا قَبْلَ الْإِقْرَارِ أَحْرَارٌ، وَلَا يَلْزَمُ لِلزَّوْجِ قِيمَتُهُمْ. وَالْحَادِثُونَ بَعْدَهُ أَرِقَّاءُ، لِأَنَّهُ وَطِئَهَا عَالِمًا بِرِقِّهَا. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا ظَاهِرٌ إِنْ قَبِلْنَا الْإِقْرَارَ فِيمَا يَضُرُّ بِالْغَيْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. فَإِنْ لَمْ نَقْبَلْهُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بَحُرِّيَّتِهِمْ لِصِيَانَةِ حَقِّ الزَّوْجِ، كَمَا أَدَمْنَا النِّكَاحَ صِيَانَةً لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِرِقِّهِمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّ الْعُلُوقَ مُتَوَهَّمٌ فَلَا يُجْعَلُ مُسْتَحَقًّا بِالنِّكَاحِ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ.
الرَّابِعُ: تَرَدُّدُ الْإِمَامِ فِي أَنَّا إِذَا أَدَمْنَا النِّكَاحَ، تُسَلَّمُ إِلَى الزَّوْجِ تَسْلِيمَ الْإِمَاءِ، أَمْ تَسْلِيمَ الْحَرَائِرِ؟ فَالظَّاهِرُ: الثَّانِي، وَإِلَّا، لِعِظَمِ الضَّرَرِ عَلَى الزَّوْجِ، وَاخْتَلَّتْ مَقَاصِدُ النِّكَاحِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لَا أُصَدِّقُهَا عَلَى فَسَادِ النِّكَاحِ، وَلَا عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهَا لِلزَّوْجِ.
الْخَامِسُ: فِي الْعِدَّةِ. وَأَمَّا عِدَّةُ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَ رَجْعِيًّا وَطَلَّقَهَا، ثُمَّ أَقَرَّتْ، فَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي جَمِيعِهَا، لِأَنَّهُ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالطَّلَاقِ. وَإِنْ أَقَرَّتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّ النِّكَاحَ أَثْبَتَ لَهُ
стр. 2288
الرَّجْعَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَقَرَاءٍ. وَالثَّانِي: تَعْتَدُّ بِقُرْئَيْنِ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ كَإِرْقَاقِ أَوْلَادِهَا، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، فَهُوَ كَالرَّجْعِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْعِدَّةَ فِيهِمَا لَا تَخْتَلِفُ. وَالثَّانِي: تَعْتَدُّ بِقُرْئَيْنِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا رَقِيقَةٌ وَلَيْسَتْ لِلزَّوْجِ رَجْعَةٌ. وَأَمَّا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَإِنَّهَا بِشَهْرَيْنِ، وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، عِدَّةُ الْإِمَاءِ، نَصَّ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ أَقَرَّتْ قَبْلَ مَوْتِ الزَّوْجِ أَوْ بَعْدَهُ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَبِلَ فِي قَوْلِهَا انْتِقَاضَهَا، وَلَيْسَ فِيهَا إِضْرَارٌ بِأَحَدٍ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ أَصْلًا، لِأَنَّهَا تَزْعُمُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَدْ مَاتَ الزَّوْجُ، فَعَلَى هَذَا، إِنْ جَرَى دُخُولٌ، لَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْقَوْلُ فِي أَنَّهُ بِقُرْءٍ، أَمْ بِقُرْئَيْنِ، عَلَى مَا سَبَقَ فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَوْلِ. فَإِنْ لَمْ يَجْرِ دُخُولٌ، فَهَلْ تَسْتَبْرِئُ بِقُرْءٍ كَمَا لَوِ اشْتَرَيْتُ مِنِ امْرَأَةٍ، أَوْ مَجْبُوبٍ، أَمْ لَا اسْتِبْرَاءَ أَصْلًا لِانْقِطَاعِ حُقُوقِ الزَّوْجِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَبِالثَّانِي قَطَعَ الْغَزَالِيُّ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْمُقِرُّ أُنْثَى. فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَبَلَغَ، وَنَكَحَ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَإِنْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ مُطْلَقًا، فَهَذَا نِكَاحٌ فَاسِدٌ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَهْرَ إِنْ لَمْ يَقَعْ دُخُولٌ، وَإِنْ وَقَعَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ الْمِثْلِ، كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» - وَأَبْدَاهُ الْإِمَامُ احْتِمَالًا -: أَنَّ عَلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْمُسَمَّى. ثُمَّ مُتَعَلَّقُ الْوَاجِبِ ذِمَّتُهُ، أَمْ رَقَبَتُهُ؟ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. وَإِنْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ فِيمَا يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، حَكَمْنَا بِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ، وَلَمْ نَقْبَلْ قَوْلَهُ فِي الْمَهْرِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمُسَمَّى إِنْ لَمْ يَدْخُلْ، وَجَمِيعُهُ إِنْ دَخَلَ، وَيُؤَدِّي ذَلِكَ مِمَّا فِي يَدِهِ، أَوْ مِنْ كَسْبِهِ فِي الْحَالِ، أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَفِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يُعْتَقَ.
الْفَرْعُ الثَّانِي: إِذَا كَانَتْ عَلَيْهِ دُيُونٌ وَقْتَ الْإِقْرَارِ بِالرِّقِّ، وَفِي يَدِهِ أَمْوَالٌ، فَإِنْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ مُطْلَقًا، فَالْأَمْوَالُ تُسَلَّمُ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَالدُّيُونُ فِي ذِمَّتِهِ. وَإِنْ قَبِلْنَاهُ فِيمَا يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، قَضَيْنَا الدُّيُونَ مِمَّا فِي يَدِهِ. فَإِنْ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ شَيْءٌ، فَهُوَ لِلْمُقَرِّ لَهُ، وَإِنْ بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ شَيْءٌ، فَفِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ.
стр. 2289
الْفَرْعُ الثَّالِثُ: إِذَا بَاعَ، أَوِ اشْتَرَى بَعْدَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَإِنْ قَبِلْنَا الْإِقْرَارَ مُطْلَقًا، فَالْبَيْعُ، وَالشِّرَاءُ بَاطِلَانِ، فَإِنْ كَانَ مَا بَاعَهُ بَاقِيًا فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أَخَذَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَإِلَّا، طَالَبَهُ بِقِيمَتِهِ. وَالثَّمَنُ إِنْ أَخَذَهُ الْمُقِرُّ وَأَتْلَفَهُ، فَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ، وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا رَدَّهُ، وَمَا اشْتَرَاهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا فِي يَدِهِ، رَدَّهُ إِلَى بَائِعِهِ، وَإِلَّا، اسْتَرَدَّ الثَّمَنَ مِنَ الْبَائِعِ، وَحَقُّ الْبَائِعِ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، لَمْ نُبْطِلْهُمَا، ثُمَّ مَا بَاعَهُ إِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ ثَمَنَهُ، اسْتَوْفَاهُ الْمُقَرُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ اسْتَوْفَاهُ، لَمْ يُطَالِبِ الْمُشْتَرِيَ ثَانِيًا، وَمَا اشْتَرَاهُ إِنْ كَانَ وَزَنَ ثَمَنَهُ، فَقَدْ تَمَّ الْعَقْدُ، وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ لِلْمُقَرِّ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَزِنْ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ حِينَ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، وَزَنَ الثَّمَنَ مِنْهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي، فَيَرْجِعُ الْبَائِعُ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِلَّا، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ الْمُقِرِّ حَتَّى يَعْتِقَ.
الْفَرْعُ الرَّابِعُ: جَنَى ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ حُرًّا أَوْ عَبْدًا. وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ، أُخِذَ الْأَرْشُ مِنْهُ، كَذَا قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، وَهُوَ خِلَافُ قِيَاسِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ أَرْشَ الْخَطَأِ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ الْجَانِي حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ مَالٌ، تَعَلَّقَ الْأَرْشُ بِرَقَبَتِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: إِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، فَالْأَرْشُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. فَلَوْ زَادَ الْأَرْشُ عَلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ، فَالزِّيَادَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَطْعًا.
[الْفَرْعُ] الْخَامِسُ: جُنِيَ عَلَيْهِ فَقَطَعَ طَرَفَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِالرِّقِّ، فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَمْدًا وَالْجَانِي عَبْدًا، اقْتُصَّ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَلَا قِصَاصَ، وَيَكُونُ كَالْخَطَأِ. وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً، فَإِنْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ مُطْلَقًا، فَعَلَى الْجَانِي كَمَالُ قِيمَتِهِ إِنْ صَارَتْ قَتْلًا، وَإِلَّا، فَمَا تَقْتَضِيهِ جِرَاحَةُ الْعَبْدِ. وَإِنْ قَبِلْنَاهُ فِيمَا يَضُرُّهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ قَطْعَ يَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَزِدْ نِصْفَ الْقِيمَةِ عَلَى نِصْفِ الدِّيَةِ، فَالْوَاجِبُ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَإِنْ زَادَ، فَهَلْ يَجِبُ
стр. 2290
نِصْفُ الدِّيَةِ، أَمْ نِصْفُ الْقِيمَةِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى تَعَلُّقِ الدِّيَةِ بِقَتْلِ اللَّقِيطِ. وَفِيهِ وَجْهٌ سَبَقَ أَنَّ الْوَاجِبَ الْأَقَلُّ مِنَ الدِّيَةِ، وَالْقِيمَةِ، وَذَلِكَ الْوَجْهُ مُطَّرِدٌ فِي الطَّرَفِ.
فَرْعٌ
لَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، بَيْنَ أَنْ يُقِرَّ بِالرِّقِّ ابْتِدَاءً، وَبَيْنَ أَنْ يَدَّعِ رِقَّهُ شَخْصٌ فَيُصَدِّقُهُ، فَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ رِقَّهُ، فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ، فَفِي قَبُولِهِ وَجْهَانِ، لِأَنَّهُ بِالْإِنْكَارِ لَزِمَهُ أَحْكَامُ الْأَحْرَارِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَ فْصِلَ ، فَإِنْ قَالَ: لَسْتُ بِعَبْدٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ بَعْدَهُ، وَإِنْ قَالَ: لَسْتُ بِعَبْدٍ لَكَ، فَالْأَصَحُّ الْقَبُولُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ الْحُرِّيَّةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
ادَّعَى مُدَّعٍ رِقَّهُ، فَأَنْكَرَ وَلَا بَيِّنَةَ، فَإِنْ قَبِلْنَا إِقْرَارَهُ بِالرِّقِّ، فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، وَإِلَّا، فَلَا، إِلَّا إِذَا جَعَلْنَا الْيَمِينَ مَعَ النُّكُولِ كَالْبَيِّنَةِ، فَلَهُ التَّحْلِيفُ.
فَصْلٌ
إِذَا قَذَفَ لَقِيطًا صَغِيرًا، عُزِّرَ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا، حُدَّ إِنِ اعْتَرَفَ بِحُرِّيَّتِهِ. فَإِنِ ادَّعَى رِقَّهُ، فَقَالَ الْمَقْذُوفُ: بَلْ أَنَا حُرٌّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَقْذُوفِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ:
стр. 2291
قَطْعًا. وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ، فِيمَا لَوْ قَطَعَ حُرٌّ طَرَفَهُ وَادَّعَى رِقَّهُ، وَقَالَ: بَلْ أَنَا حُرٌّ. وَقِيلَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْحَدَّ يُغْنِي عَنْهُ التَّعْزِيرُ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الزَّجْرِ. فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ فِي الْيَدَيْنِ، وَنِصْفَهَا فِي إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: الْقِيمَةُ أَوْ نِصْفُهَا. وَلَوْ قَذَفَ اللَّقِيطُ وَاعْتَرَفَ بِأَنَّهُ [حُرٌّ] ، حُدَّ حَدَّ الْأَحْرَارِ. وَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقٌ، وَصَدَّقَهُ الْمَقْذُوفُ، حُدَّ حَدَّ الْعَبِيدِ. وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَأَيُّ الْحَدَّيْنِ يُحَدُّ؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِ، إِنْ قَبِلْنَاهُ مُطْلَقًا، فَحَدُّ الْعَبِيدِ، وَإِنْ مَنَعْنَاهُ فِيمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ، فَحُدُّ الْأَحْرَارِ. وَحَكَى فِي «الْمُعْتَمَدِ» وَجْهًا: أَنَّهُ إِنْ أَقَرَّ لِمُعَيَّنٍ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ وَحُدَّ حَدَّ الْعَبِيدِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، حُدَّ حَدَّ الْأَحْرَارِ.
انْتَهَى الْجُزْءُ الرَّابِعُ، وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَأَوَّلُهُ: (كِتَابُ الْفَرَائِضِ)
стр. 2292
كِتَابُ الْفَرَائِضِ
فِيهِ عَشَرَةُ أَبْوَابٍ.
[الْبَابُ] الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ أَسْبَابِ التَّوْرِيثِ وَالْوَرَثَةِ وَقَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنْ يُبْدَأَ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ غَيْرُهُ. فَإِنْ تَعَلَّقَ كَالْمَرْهُونِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ زَكَاةٌ وَالْعَبْدِ الْجَانِي، وَالْمَبِيعِ إِذَا مَاتَ الْمُشْتَرِي مُفْلِسًا قُدِّمَ حَقُّ الْغَيْرِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَلِلْوَرَثَةِ إِمْسَاكُ مَا تَرَكَهُ، وَغَرَامَةُ مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِمْ كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، ثُمَّ تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَصْلٌ
أَسْبَابُ التَّوْرِيثِ أَرْبَعَةٌ: قَرَابَةٌ، وَنِكَاحٌ، وَوَلَاءٌ، وَجِهَةُ الْإِسْلَامِ. وَالْمُرَادُ بِجِهَةِ الْإِسْلَامِ: أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا بِالْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ، وَفَضَلَ عَنْهُ شَيْءٌ، كَانَ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ يَرِثُهُ الْمُسْلِمُونَ بِالْعُصُوبَةِ، كَمَا يَحْمِلُونَ دِيَتَهُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ لَا إِرْثًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنِ ابْنِ عَمٍّ بَعِيدٍ، فَأُلْحِقَ ذَلِكَ بِالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُرْجَى ظُهُورُ مَالِكِهِ. وَحَكَى ابْنُ اللَّبَّانِ وَالرُّويَانِيُّ هَذَا قَوْلًا. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ جَعَلْنَاهُ إِرْثًا، لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إِلَى الْمُكَاتَبِينَ وَالْكُفَّارِ. وَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى الْقَاتِلِ وَجْهَانِ: وَجْهُ الْجَوَازِ: أَنَّ تُهْمَةَ الِاسْتِعْجَالِ لَا تَتَحَقَّقُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ مَصْرِفًا لِمَالِهِ.
стр. 2293
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَى مَنْ أُوصِيَ لَهُ بِشَيْءٍ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا لِئَلَّا يُجْمَعَ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالْإِرْثِ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَخْصِيصُ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى مَنْ وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ رَقِيقًا فَعَتَقَ.
قُلْتُ: قَدْ ضَمَّ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ إِلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ الْأَرْبَعَةِ سَبَبًا خَامِسًا، وَهُوَ سَبَبُ النِّكَاحِ، وَهُوَ غَيْرُ النِّكَاحِ، وَذَلِكَ فِي الْمَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ إِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّهَا تَرِثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَوْرِيثِهِمْ
الرِّجَالُ الْوَارِثُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ: الِابْنُ، وَابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأَبُ، وَالْجَدُّ لِلْأَبِ وَإِنْ عَلَا، وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخُ لِلْأَبِ، وَالْأَخُ لِلْأُمِّ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْعَمُّ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبَوَيْنِ، وَابْنُ الْعَمِّ لِلْأَبِ، وَالزَّوْجُ، وَالْمُعْتِقُ.
وَالنِّسَاءُ الْوَارِثَاتُ عَشْرٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ لِلْأَبِ، وَالْجَدَّةُ لِلْأُمِّ - وَإِنْ عَلَتَا - وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ، وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْمُعْتِقَةُ. وَالْمُرَادُ بِالْمُعْتِقِ وَالْمُعْتِقَةِ مَنْ أَعْتَقَ، أَوْ عَصَبَةٌ أَدْلَى بِمُعْتِقٍ.
стр. 2294
وَيَدْخُلُ فِي لَفْظِ الْعَمِّ عَمُّ الْمَيِّتِ، وَعَمُّ أَبِيهِ، وَعَمُّ جَدِّهِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، وَكَذَلِكَ حَيْثُ أَطْلَقْنَا لَفْظَ الْعَمِّ فِي الْوَرَثَةِ بِخِلَافِ الْأَخِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَخُو الْمَيِّتِ فَقَطْ.
فَرْعٌ
إِذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ الْوَارِثُونَ وَرِثَ مِنْهُمُ الِابْنُ، وَالْأَبُ، وَالزَّوْجُ فَقَطْ. وَإِذَا اجْتَمَعَ النِّسَاءُ، فَالْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالزَّوْجَةُ، وَالْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ غَيْرَ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَرِثَ خَمْسَةٌ: الْأَبَوَانِ، وَالِابْنُ، وَالْبِنْتُ، وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ. وَمَنِ انْفَرَدَ مِنَ الرِّجَالِ حَازَ كُلَّ التَّرِكَةِ إِلَّا الزَّوْجَ وَالْأَخَ لِلْأُمِّ. وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ، لَا يَسْتَثْنِي إِلَّا الزَّوْجَ. وَمَنِ انْفَرَدَتْ مِنَ النِّسَاءِ، لَمْ تَحُزْهَا إِلَّا الْمُعْتِقَةَ. وَمَنْ قَالَ بِالرَّدِّ، يُثْبِتُ لِكُلِّهِنَّ الْحِيَازَةَ إِلَّا الزَّوْجَةَ.
قُلْتُ: وَلَيْسَ فِي الْوَرَثَةِ ذَكَرٌ يُدْلِي بِأُنْثَى فَيَرِثُ إِلَّا الْأَخَ لِلْأُمِّ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَرِثُ مَعَ مَنْ يُدْلِي بِهِ إِلَّا أَوْلَادُ الْأُمِّ. قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ وَغَيْرُهُمَا: لَيْسَ لَنَا مَنْ يُورَثُ وَلَا يَرِثُ إِلَّا الْجَنِينُ فِي غُرَّتِهِ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ: أَنَّهُ يُورَثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ
هُمْ كُلُّ قَرِيبٍ يَخْرُجُ عَنِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: كُلُّ قَرِيبٍ لَيْسَ بِذِي فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ. وَأَمَّا تَفْصِيلُهُمْ، فَهُمْ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ: أَبُو الْأُمِّ، وَكُلُّ جَدٍّ وَجَدَّةٍ سَاقِطَيْنِ، وَأَوْلَادُ الْبَنَاتِ، وَبَنَاتُ الْإِخْوَةِ، وَأَوْلَادُ الْأَخَوَاتِ،
стр. 2295
وَبَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأُمِّ، وَالْعَمُّ لِلْأُمِّ، وَبَنَاتُ الْأَعْمَامِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْأَخْوَالُ، وَالْخَالَاتُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَعُدُّهُمْ أَحَدَ عَشَرَ، وَيَفْصِلُ الْجَدَّ عَنِ الْجَدَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ لَا يَخْتَلِفُ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَرِثُونَ بِالرَّحِمِ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ، وَابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ لَمْ يُخَلِّفِ الْمَيِّتُ إِلَّا ذَا فَرْضٍ لَا يَسْتَغْرِقُ رُدَّ الْبَاقِي عَلَيْهِ، إِلَّا الزَّوْجَ وَالزَّوْجَةَ فَلَا رَدَّ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ ذَا فَرْضٍ وَلَا عَصَبَةٍ، وَرِثَ ذَوُو الْأَرْحَامِ.
وَقَوْلُنَا: إِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُمْ لَا يَرِثُونَ وَلَا يُرَدُّ، هُوَ فِيمَا إِذَا اسْتَقَامَ أَمْرُ بَيْتِ الْمَالِ، بِأَنْ وَلِيَ إِمَامٌ عَادِلٌ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، فَفِي مَالِ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَلَا ذَا فَرْضٍ مُسْتَغْرِقٍ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَبِي حَامِدٍ وَصَاحِبِ (الْمُهَذَّبِ) : لَا يُصْرَفُ إِلَى الرَّدِّ، وَلَا إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ نَائِبِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُرَدُّ وَيُصْرَفُ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَصْرُوفٌ إِلَيْهِمْ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ. فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ كَجٍّ، وَبِهِ أَفْتَى أَكَابِرُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي، هُوَ الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ وَأَفْتَى بِهِ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ سُرَاقَةَ مِنْ كِبَارِ أَصْحَابِنَا وَمُتَقَدِّمِيهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِهِمْ فِي الْفَرَائِضِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ صَاحِبُ (الْحَاوِي) ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمُتَوَلِّي، وَالْخَبْرِيُّ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - وَآخَرُونَ، قَالَ ابْنُ سُرَاقَةَ: وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا. قَالَ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (الْحَاوِي) عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ قَالَ: وَغَلِطَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي مُخَالَفَتِهِ، قَالَ: وَإِنَّمَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ مَنْعُهُمْ إِذَا اسْتَقَامَ بَيْتُ الْمَالِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 2296
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُرَدُّ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَمِينٍ نُظِرَ إِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ بِشُرُوطِ الْقَضَاءِ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ دُفِعَ إِلَيْهِ لِيَصْرِفَهُ فِيهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضٍ بِشَرْطِهِ صَرَفَهُ الْأَمِينُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْمَصَالِحِ، وَإِنْ كَانَ قَاضٍ بِشَرْطِهِ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمَصَالِحِ فَهَلْ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، أَمْ يُفَرِّقُهُ الْأَمِينُ بِنَفْسِهِ، أَمْ يُوقَفُ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ بَيْتُ الْمَالِ وَمَنْ يَقُومُ بِشَرْطِهِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
قُلْتُ: الثَّالِثُ ضَعِيفٌ وَالْأَوَّلَانِ حَسَنَانِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَلَوْ قِيلَ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لَكَانَ حَسَنًا، بَلْ هُوَ عِنْدِي أَرْجَحُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَعَلَى الثَّانِي وُقُوفُ مَسَاجِدِ الْقُرَى، يَصْرِفُهَا صُلَحَاءُ الْقَرْيَةِ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَمَصَالِحِهِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي يَدِ أَمِينٍ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِ لِيُفَرِّقَهُ. وَإِذَا قُلْنَا بِالصَّرْفِ إِلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا نَقَلَهُ ابْنُ كَجٍّ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ يُقَدَّمُ الْأَحْوَجُ فَالْأَحْوَجُ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: يُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِهِمْ. وَهَلْ هُوَ إِرْثٌ، أَمْ شَيْءٌ مَصْلَحِيٌّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَشْبَهُهُمَا بِأَصْلِ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ: وَيُصْرَفُ إِلَيْهِمْ إِنْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ، أَوْ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَصَالِحِ. فَإِنْ خِيفَ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ مِنْ حَاكِمِ الزَّمَانِ، صُرِفَ إِلَى الْأَصْلَحِ بِقَوْلِ مُفْتِي الْبَلْدَةِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ: أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى جَمِيعِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمِيرَاثِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَابِ الثَّامِنِ فِي كَيْفِيَّةِ تَوْرِيثِهِمْ وَالرَّدِّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 2297
فَصْلٌ
فِي بَيَانِ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَارِثٍ مِنَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِمْ
وَنُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، فَهُوَ صَاحِبُ فَرْضٍ. وَمَنْ وَرِثَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا فَرْضَ لَهُ، فَهُوَ عَصَبَةٌ. وَقَوْلُنَا: بِالْإِجْمَاعِ، احْتِرَازٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَإِنَّ مَنْ وَرَّثَهُمْ لَا يُسَمِّيهِمْ عَصَبَةً. وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ قِسْمَانِ: مِنْهُمْ مَنْ لَا يَرِثُ إِلَّا بِالْفَرْضِيَّةِ، وَهُمُ: الزَّوْجَانِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَوَلَدُ الْأُمِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِالتَّعْصِيبِ أَيْضًا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَا يَجْمَعُ الْجِهَتَيْنِ دُفْعَةً، بَلْ يَرِثُ إِمَّا بِهَذِهِ، وَإِمَّا بِهَذِهِ، وَهُمُ الْبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الِابْنِ، وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ، وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَرِثُ بِهِمَا جَمْعًا وَانْفِرَادًا، وَهُمَا: الْأَبُ، وَالْجَدُّ.
أَمَّا الْعَصَبَةُ، فَضَرْبَانِ:
عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ كُلُّ ذَكَرٍ يُدْلِي إِلَى الْمَيِّتِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، أَوْ بِتَوَسُّطِ مَحْضِ الذُّكُورِ، وَهَؤُلَاءِ يَأْخُذُ الْمُنْفَرِدُ مِنْهُمْ جَمِيعَ الْمَالِ وَالْبَاقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ، وَرُبَّمَا سَقَطُوا.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي حَدِّ الْعَصَبَةِ، غَيْرُ مُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي دُخُولَ الزَّوْجِ - فَإِنَّ الْغَزَالِيَّ وَغَيْرَهُ عَدُّوهُ مِمَّنْ يُدْلِي بِنَفْسِهِ - وَخُرُوجَ الْمُعْتِقَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: هُوَ كُلُّ مُعْتِقٍ وَذَكَرٍ نَسِيبٍ يُدْلِي إِلَى آخِرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَعَصَبَةٌ بِغَيْرِهِ، وَهُمُ الْبَنَاتُ، وَبَنَاتُ الِابْنِ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ، فَيَتَعَصَّبْنَ بِإِخْوَتِهِنَّ، وَيَتَعَصَّبُ الْأَخَوَاتُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ بِالْبَنَاتِ وَبِبَنَاتِ الِابْنِ.
وَقَدْ يُقَالُ: الْعَصَبَةُ ثَلَاثَةٌ: عَصَبَةٌ بِنَفْسِهِ، وَبِغَيْرِهِ، وَمَعَ غَيْرِهِ، عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. أَمَّا قَدْرُ الْمُسْتَحَقِّ، فَلِلزَّوْجِ نِصْفُ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتَةِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَرُبُعُهُ إِنْ كَانَ لَهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ. وَلِلزَّوْجَةِ الرُّبُعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ
стр. 2298
لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَالثُّمُنُ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ مِنْهَا أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. وَالزَّوْجَاتُ يَشْتَرِكْنَ فِي الرُّبُعِ وَالثُّمُنِ بِالْإِجْمَاعِ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْأُمُّ، فَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ تَرِثُ ثُلُثَ الْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ، وَلَا اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَحَالٌ سُدُسَهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ ابْنٍ، أَوِ اثْنَانِ مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ كَانُوا، وَحَالٌ يَكُونُ مَعَهَا زَوْجٌ وَأَبٌ، أَوْ زَوْجَةٌ وَأَبٌ، فَلَهَا ثُلُثُ مَا يَبْقَى عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ. وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: لَهَا الثُّلُثُ كَامِلًا.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْجَدَّةُ، فَتَرِثُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِمَحْضِ الْإِنَاثِ، وَأُمُّ الْأَبِ وَأُمَّهَاتُهَا كَذَلِكَ، وَفِي أُمِّ أَبِ الْأَبِ، وَأُمِّ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الْأَجْدَادِ وَأُمَّهَاتِهِنَّ قَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ: أَنَّهُنَّ وَارِثَاتٌ. وَالثَّانِي: لَا، نَقَلَهُ أَبُو ثَوْرٍ. وَأَمَّا الْجَدَّةُ الْمُدْلِيَةُ بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، كَأُمِّ أَبِي الْأُمِّ فَلَا تَرِثُ، بَلْ هِيَ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ كَمَا سَبَقَ، فَحَصَلَ فِي ضَبْطِ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِبَارَتَانِ.
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُقَالَ: هِيَ كُلُّ جَدَّةٍ أَدْلَتْ بِمَحْضِ إِنَاثٍ أَوْ بِمَحْضِ ذُكُورٍ، أَوْ بِمَحْضِ الْإِنَاثِ إِلَى مَحْضِ الذُّكُورِ.
الثَّانِيَةُ: الَّتِي لَا تُدْلِي بِمَحْضِ الْوَارِثِينَ غَيْرُ وَارِثَةٍ، وَالْبَاقِيَاتُ وَارِثَاتٌ. وَعَلَى مَنْقُولِ أَبِي ثَوْرٍ: لَا تُرَدُّ جَدَّةٌ تُدْلِي بِغَيْرِ وَارِثٍ، وَلَا مَنْ وَقَعَ فِي آخِرِ نَسَبِهَا أَبَوَانِ
стр. 2299
فَصَاعِدًا، وَلِلْجَدَّةِ الْوَاحِدَةِ السُّدُسُ. وَإِنِ اجْتَمَعَ جَدَّتَانِ فَصَاعِدًا وَارِثَاتٌ، اشْتَرَكْنَ فِي السُّدُسِ، فَلَوْ أَدْلَتْ إِحْدَاهُمَا بِجِهَتَيْنِ، كَامْرَأَةٍ تَزَوَّجَ ابْنُ بِنْتِهَا بِنْتَ بِنْتِهَا الْأُخْرَى، فَوُلِدَ لَهُمَا وَلَدٌ، فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمُّ أُمِّ أَبِيهِ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّهِ. فَإِذَا مَاتَ الْوَلَدُ وَخَلَّفَ هَذِهِ، وَجَدَّةً أُخْرَى هِيَ أُمُّ أَبِي أَبِيهِ، أَوْ أَدْلَتْ بِثَلَاثِ جِهَاتٍ فَأَكْثَرَ، بِأَنْ نَكَحَ الْوَلَدُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ بِنْتَ بِنْتٍ أُخْرَى لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَوُلِدَ لَهُمَا، فَالْمَرْأَةُ جَدَّةٌ لِلْوَلَدِ الثَّانِي مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ السُّدُسَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ. وَالثَّانِي: يُوَزَّعُ عَلَى الْجِهَاتِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ حَرْبَوَيْهِ.
فَرْعٌ فِي تَنْزِيلِ الْجَدَّاتِ
لَكَ أُمٌّ وَأَبٌ، وَهُمَا فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مِنْ أُصُولِكَ، وَلِأَبِيكَ أُمٌّ وَأَبٌ، وَكَذَلِكَ لِأُمِّكَ، فَالْأَرْبَعَةُ هُمُ الْوَاقِعُونَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ دَرَجَاتِ أُصُولِكَ، وَهَذِهِ هِيَ الدَّرَجَةُ الْأُولَى مِنْ دَرَجَاتِ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، ثُمَّ أُصُولُكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ ثَمَانِيَةٌ ; لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَبًا وَأُمًّا، وَفِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ سِتَّةَ عَشَرَ، وَفِي الْخَامِسَةِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَالنِّصْفُ مِنَ الْأُصُولِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ ذُكُورٌ، وَالنِّصْفُ إِنَاثٌ، وَهُنَّ الْجَدَّاتُ، فَفِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْأُصُولِ جَدَّتَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ أَرْبَعٌ، وَفِي الرَّابِعَةِ ثَمَانٍ، وَفِي الْخَامِسَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَهَكَذَا يَتَضَاعَفُ عَدَدُهُنَّ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ.
[ثُمَّ] مِنْهُنَّ وَارِثَاتٌ وَغَيْرُ وَارِثَاتٍ، فَإِذَا سُئِلْتَ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ مِنَ الْمَنَازِلِ، فَاجْعَلْ دَرْجَهُنَّ بِعَدَدِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ وَمَحِّضْ نِسْبَةَ الْأُولَى إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ أُمَّهَاتٍ، ثُمَّ أَبْدِلْ مِنْ آخِرِ نِسْبَةِ الثَّانِيَةِ أُمًّا بِأَبٍ، وَفِي آخِرِ نِسْبَةِ الثَّالِثَةِ أُمَّيْنِ بِأَبَوَيْنِ، وَهَكَذَا تُنْقِصُ مِنَ الْأُمَّهَاتِ وَتَزِيدُ فِي الْآبَاءِ حَتَّى تَتَمَحَّضَ نِسْبَةُ الْأَخِيرَةِ آبَاءً.
стр. 2300
مِثَالُهُ: سُئِلْتَ عَنْ أَرْبَعِ جَدَّاتٍ، فَقُلْ: هُنَّ أُمُّ أُمِّ أُمِّ أُمٍّ، وَأُمُّ أُمِّ أُمِّ أَبٍ، وَأُمُّ أُمِّ أَبِي أَبٍ، وَأُمُّ أَبِي أَبِي أَبٍ، فَالْأُولَى مِنْ جِهَةِ أُمِّ الْمَيِّتِ، وَالثَّانِيَةُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ، وَالثَّالِثَةُ مِنْ جِهَةِ جَدِّهِ، وَالرَّابِعَةُ مِنْ جِهَةِ أَبِي جَدِّهِ. وَهَكَذَا إِذَا أَرَدْتَ زِيَادَةً زِدْتَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ أَبًا. وَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ مَنْ يُحَاذِي الْوَارِثَاتِ مَعَ السَّاقِطَاتِ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ جَدَّتَيْنِ عَلَى أَقْرَبِ مَا يُمْكِنُ، فَلَيْسَ فِي دَرَجَتِهِمَا غَيْرُهُمَا. وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ عَنْ أَكْثَرَ، فَأَلْقِ مِنْ عَدَدِ الْوَارِثَاتِ اثْنَيْنِ أَبَدًا، وَضَعِّفْ الِاثْنَيْنِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ مِنْهُنَّ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ عَدَدُ الْجَدَّاتِ فِي تِلْكَ الدَّرَجَةِ الْوَارِثَاتِ وَالسَّاقِطَاتِ. فَإِذَا عَرَفْتَ الْوَارِثَاتِ مِنْهُنَّ، فَالْبَاقِيَاتُ السَّاقِطَاتُ.
مِثَالُهُ: خُذْ مِنَ الْأَرْبَعِ اثْنَتَيْنِ وَضَعِّفْهُمَا مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ اثْنَانِ، فَيَبْلُغُ ثَمَانِيَةً، فَهُنَّ الْوَارِثَاتُ وَالسَّاقِطَاتُ، وَإِذَا فَرَضْتَ ثَلَاثَ جَدَّاتٍ، فَخُذْ مِنَ الثَّلَاثَةِ اثْنَتَيْنِ، وَضَعِّفْهُمَا مَرَّةً، لِأَنَّ الْبَاقِيَ وَاحِدٌ فَيَبْلُغُ أَرْبَعَةً، فَهُوَ عَدَدُهُنَّ، فِي هَذِهِ الدَّرَجَةِ ثَلَاثُ وَارِثَاتٍ، وَوَاحِدَةٌ سَاقِطَةٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَارِثَاتِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ الْأُصُولِ بِعَدَدِ تِلْكَ الدَّرَجَةِ، فَفِي الثَّانِيَةِ ثِنْتَانِ، وَفِي الثَّالِثَةِ ثَلَاثٌ، وَفِي الرَّابِعَةِ أَرْبَعٌ. وَهَكَذَا فِي كُلِّ دَرَجَةٍ لَا تَزِيدُ إِلَّا وَارِثَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَضَاعَفَ عَدَدُهُنَّ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ، وَسَبَبُهُ [أَنَّ] الْجَدَّاتِ مَا بَلَغْنَ، فَنِصْفُهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ، وَنِصْفُهُنَّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَلَا يَرِثُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ إِلَّا وَاحِدَةٌ، وَالْبَاقِيَاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ. فَإِذَا صَعِدْنَا دَرَجَةً، تَبَدَّلَتْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِأُمِّهَا، وَزَادَتْ أُمُّ الْجَدِّ الَّذِي صَعِدْنَا إِلَيْهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مُعْظَمَ مَا ذَكَرْنَا فِي تَنْزِيلِ الْجَدَّاتِ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَأَمَّا عَلَى مَنْقُولِ أَبِي ثَوْرٍ، فَلَا يَرِثُ إِلَّا جَدَّتَانِ.
стр. 2301
فَصْلٌ
وَلِلْأَبِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يَرِثُ بِمَحْضِ الْفَرْضِ، وَهُوَ إِذَا كَانَ مَعَهُ ابْنٌ، أَوِ ابْنُ ابْنٍ، فَلَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلِابْنِ أَوِ ابْنِ الِابْنِ. وَحَالٌ يَرِثُ بِمَحْضِ الْعُصُوبَةِ، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ ابْنٍ. وَحَالٌ يَرِثُ بِهِمَا، وَهُوَ إِذَا كَانَ مَعَهُ بِنْتٌ، أَوْ بِنْتُ ابْنٍ، أَوْ بَنَاتٌ، فَلَهُ السُّدُسُ فَرْضًا، وَلَهُنَّ فَرْضُهُنَّ وَالْبَاقِي لَهُ بِالتَّعْصِيبِ.
فَصْلٌ
الْجَدُّ كَالْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ إِلَّا فِي مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: الْأَبُ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ مُطْلَقًا، وَالْجَدُّ لَا يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ. وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهُمْ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
الثَّانِيَةُ: الْأَبُ يَرُدُّ الْأُمَّ إِلَى ثُلُثِ مَا يَبْقَى فِي صُورَتَيْ زَوْجٍ وَأَبَوَيْنِ [وَزَوْجَةٍ وَأَبَوَيْنِ] كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ كَانَ بَدَلَهُ جَدٌّ، كَانَ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ كَامِلًا.
الثَّالِثَةُ: الْأَبُ يُسْقِطُ أُمَّ نَفْسِهِ وَأُمَّ كُلِّ جَدٍّ، وَالْجَدُّ لَا يُسْقِطُ أُمَّ الْأَبِ وَإِنْ أَسْقَطَ أُمَّ نَفْسِهِ، وَأَبُو الْجَدِّ وَمَنْ فَوْقَهُ كَالْجَدِّ، لَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ، وَلَا يَحْجُبُهَا مَنْ فَوْقَهُ.
الرَّابِعَةُ: سَبَقَ أَنَّ الْأَبَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّعْصِيبِ، وَفِي الْجَدِّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِثْلُهُ. وَالثَّانِي: لَا، بَلْ يَأْخُذُ الْبَاقِيَ بَعْدَ الْبِنْتِ أَوِ الْبَنَاتِ بِالتَّعْصِيبِ فَقَطْ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا خَاصٌّ بِالْأَبِ. وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ، وَالْمَأْخُوذُ لَا يَخْتَلِفُ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
стр. 2302
فَصْلٌ
فِي الْأَوْلَادِ
فَالِابْنُ الْوَاحِدُ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا جَمَاعَةُ الْأَبْنَاءِ يَسْتَغْرِقُونَهُ، وَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْبِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ. فَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ
إِذَا اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الصُّلْبِ وَأَوْلَادُ ابْنٍ أَوْ بَنِينَ، فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الصُّلْبِ ذَكَرٌ، لَمْ يَرِثْ أَوْلَادُ الِابْنِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الصُّلْبِ بِنْتًا، فَلَهَا النِّصْفُ، ثُمَّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ ذَكَرًا، فَالْبَاقِي لَهُ. وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الِابْنِ بِنْتًا، فَلَهَا السُّدُسُ، وَإِنْ كُنَّ بَنَاتٍ، فَالسُّدُسُ بَيْنَهُنَّ. وَإِنْ كَانَ وَلَدُ الصُّلْبِ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَلَهُنَّ الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِبَنَاتِ الِابْنِ. فَإِنْ كَانَ مَعَهُنَّ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُنَّ ذَكَرٌ، عَصَّبَهُنَّ فِي الْبَاقِي لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الَّذِي فِي دَرَجَتِهِنَّ أَخَاهُنَّ أَوْ أَخَا بَعْضِهِنَّ، أَوِ ابْنَ عَمِّهِنَّ، وَإِنَّمَا يُعَصِّبُهُنَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ فَرْضٌ كَمَا ذَكَرْنَا. فَلَوْ خَلَّفَ بِنْتَ صُلْبٍ، وَبِنْتَ ابْنٍ، وَابْنَ ابْنِ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِبِنْتِ الِابْنِ السُّدُسُ فَرْضًا، وَالْبَاقِي بَيْنَ الْأَسْفَلِينَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَا يُعَصِّبُ ابْنُ الِابْنِ مَنْ كَانَ أَسْفَلَ مِنْهُ، بَلْ يَخْتَصُّ بِالْبَاقِي. وَأَوْلَادُ ابْنِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الِابْنِ، كَأَوْلَادِ الِابْنِ مَعَ أَوْلَادِ الصُّلْبِ فِي كُلِّ تَفْصِيلٍ، وَكَذَا فِي كُلِّ دَرَجَةٍ نَازِلَةٍ مَعَ دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ، حَتَّى إِذَا خَلَّفَ بِنْتَ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِلْعُلْيَا النِّصْفُ، وَلِلسُّفْلَى السُّدُسُ. وَلَوْ خَلَّفَ
стр. 2303
بِنْتَيِ ابْنٍ، وَبِنْتَ ابْنِ ابْنٍ، فَلِبِنْتَيْ الِابْنِ الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِلسُّفْلَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي دَرَجَتِهَا أَوْ أَسْفَلَ مِنْهَا مَنْ يُعَصِّبُهَا.
فَرْعٌ
لَيْسَ فِي الْفَرَائِضِ مَنْ يُعَصِّبُ أُخْتَهُ وَعَمَّتَهُ وَعَمَّةَ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَبَنَاتِ أَعْمَامِهِ وَبَنَاتِ أَعْمَامِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ إِلَّا الْمُسْتَقِلَّ مِنْ أَوْلَادِ الِابْنِ.
فَصْلٌ
فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ
أَمَّا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا انْفَرَدُوا، فَكَأَوْلَادِ الصُّلْبِ لِلذَّكَرِ جَمِيعُ الْمَالِ، وَكَذَا لِلْجَمَاعَةِ، وَلِلْأُخْتِ الْفَرْدَةِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ، فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
فَرْعٌ
الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ عِنْدَ انْفِرَادِهِمْ كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ لِلْأَبَوَيْنِ إِلَّا فِي الْمُشَرَّكَةِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ وَأَخَوَانِ لِأُمٍّ، وَأَخَوَانِ لِلْأَبَوَيْنِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْأَخَوَيْنِ لِلْأُمِّ الثُّلُثُ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ الْأَخَوَانِ لِلْأَبَوَيْنِ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى أَبُو بَكْرِ بْنُ لَالٍ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ. ثَانِيهِمَا: سُقُوطُ الْأَخَوَيْنِ لِلْأَبَوَيْنِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ عَنْ زَيْدٍ ﵁،
стр. 2304
وَالرِّوَايَةُ عَنْ زَيْدٍ ﵁ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا ذُكِرَ، لَكِنْ لَمْ أَجِدْ لِغَيْرِهِ نَقْلَ قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ ﵁، لَكِنْ ذَهَبَ ابْنُ اللَّبَّانِ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ إِلَى الْإِسْقَاطِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِلتَّشْرِيكِ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ. أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ زَوْجٌ، وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ، وَاثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، إِمَّا وَحْدَهُ، وَإِمَّا مَعَ ذُكُورٍ أَوْ إِنَاثٍ، أَوْ كِلَيْهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، بَلْ كَانَ مَعَ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أُخْتٌ أَوْ أُخْتَانِ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، فَلَا تَشْرِيكَ، بَلْ يُفْرَضُ لِلْوَاحِدِ النِّصْفُ، وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثَانِ، وَتُعَالُ الْمَسْأَلَةُ. وَلَوْ كَانَ وَلَدُ الْأُمِّ وَاحِدًا فَلَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْعَصَبَةِ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ، أَوِ الْأَبِ، وَلَوْ كَانَ بَدَلَ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ إِخْوَةُ أَبٍ سَقَطُوا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ قَرَابَةُ أُمٍّ فَيُشَارِكُونَ أَوْلَادَ الْأُمِّ، فَافْتَرَقَ الصِّنْفَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَإِذَا شَرَكْنَا فِي الثُّلُثِ بَيْنَ أَوْلَادِ الْأُمِّ وَأَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ تَقَاسَمُوهُ سَوَاءً ذَكَرُهُمْ كَأُنْثَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ عُدِمَ فِي الْمُشَرَّكَةِ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ، وَكَانَ هُنَاكَ أُخْتٌ لِلْأَبِ، فَلَهَا النِّصْفُ فَرْضًا. فَلَوْ كَانَ مَعَهَا أَخُوهَا لِأَبٍ أَيْضًا، سَقَطَ وَأَسْقَطَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْرَضُ لَهَا مَعَهُ، فَلَا تَشْرِيكَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
لَوِ اجْتَمَعَ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ وَأَوْلَادُ الْأَبِ، فَهُوَ كَاجْتِمَاعِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَأَوْلَادِ الِابْنِ، فَأَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ كَأَوْلَادِ الصُّلْبِ، وَأَوْلَادُ الْأَبِ كَأَوْلَادِ الِابْنِ. فَإِنْ كَانَ فِي أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ذَكَرٌ، حَجَبَ أَوْلَادَ الْأَبِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ أُنْثَى فَقَطْ، فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِأَوْلَادِ الْأَبِ إِنْ كَانُوا ذُكُورًا، أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا. وَإِنْ تَمَحَّضْنَ إِنَاثًا، أَوْ أُنْثَى فَقَطْ،
стр. 2305
فَلَهُنَّ أَوْ لَهَا السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَبَوَيْنِ ثِنْتَانِ فَأَكْثَرُ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ، وَلَا شَيْءَ لِأَوْلَادِ الْأَبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِنَّ ذَكَرٌ، فَيُعَصِّبُ الْإِنَاثَ. وَلَا يُعَصِّبُ الْأُخْتَ إِلَّا مَنْ فِي دَرَجَتِهَا بِخِلَافِ بِنْتِ الِابْنِ، فَإِنَّهُ يُعَصِّبُهَا مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْهَا. فَلَوْ خَلَّفَ أُخْتَيْنِ لِأَبَوَيْنِ، وَأُخْتًا لِأَبٍ وَابْنَ أُخْتٍ لِأَبٍ، فَلِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْأَخِ، وَتَسْقُطُ الْأُخْتُ لِلْأَبِ.
فَرْعٌ
الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ، لِوَاحِدِهِمُ السُّدُسُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا الثُّلُثُ يُقَسَّمُ بَيْنَ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ بِالسَّوِيَّةِ.
قُلْتُ: أَوْلَادُ الْأُمِّ يُخَالِفُونَ غَيْرَهُمْ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَيَرِثُونَ مَعَ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ، وَيَرِثُ ذَكَرُهُمُ الْمُنْفَرِدُ كَأُنْثَاهُمُ الْمُنْفَرِدَةِ، وَيَتَقَاسَمُونَ بِالسَّوِيَّةِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّ ذَكَرَهُمْ يُدَلِي بِأُنْثَى، وَيَرِثُ. وَالْخَامِسُ: يَحْجُبُونَ مَنْ يُدْلُونَ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُمْ نَظِيرٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَرْعٌ
بَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوِ الْأَبِ يُنَزَّلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ أَبِيهِ فِي حَالَتَيِ الِانْفِرَادِ وَالِاجْتِمَاعِ فَيَسْتَغْرِقُ الْوَاحِدُ [وَالْجَمَاعَةُ] لِلْمَالِ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَمَا فَضَلَ عَنْ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَسْقُطُ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ، لَكِنَّهُمْ يُخَالِفُونَ الْإِخْوَةَ فِي أُمُورٍ:
стр. 2306
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِخْوَةَ يَرُدُّونَ الْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، وَبَنُوهُمْ لَا يَرُدُّونَهَا.
الثَّانِي: أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ يُقَاسِمُونَ الْجَدَّ، وَبَنُوهُمْ يَسْقُطُونَ بِهِ.
الثَّالِثُ: لَوْ كَانَ بَنُو الْإِخْوَةِ لِلْأَبَوَيْنِ بَدَلَ آبَائِهِمْ فِي الْمُشَرَّكَةِ سَقَطُوا.
الرَّابِعُ: الْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَبَنُوهُمْ لَا يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ.
قُلْتُ: وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أُخَرَ:
أَحَدُهَا: الْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ، يَحْجُبُونَ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ، وَأَوْلَادُهُمْ لَا يَحْجُبُونَهُمْ. وَالثَّانِي: الْأَخُ مِنَ الْأَبِ يَحْجُبُ بَنِي الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، وَلَا يَحْجُبُهُمُ ابْنُهُ. الثَّالِثُ: بَنُو الْإِخْوَةِ لَا يَرِثُونَ مَعَ الْأَخَوَاتِ إِذَا كُنَّ عَصَبَاتٍ مَعَ الْبَنَاتِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
فَصْلٌ
الْأَخَوَاتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَلِلْأَبِ مَعَ الْبَنَاتِ وَبَنَاتِ الِابْنِ عَصَبَاتٌ كَالْإِخْوَةِ. حَتَّى لَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي. وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتَيْنِ فَصَاعِدًا، أَوْ أُخْتًا أَوْ أَخَوَاتٍ، فَلِلْبَنَاتِ الثُّلُثَانِ، وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوْ لِلْأَخَوَاتِ. وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ زَوْجٌ، فَلِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَانِ، وَلِلزَّوْجِ الرُّبُعُ، وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوِ الْأَخَوَاتِ. وَلَوْ كَانَ مَعَهُنَّ [أُمٌّ] ، عَالَتِ الْمَسْأَلَةُ، وَسَقَطَتِ الْأُخْتُ وَالْأَخَوَاتُ، كَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُنَّ أَخٌ. وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَبِنْتَ ابْنٍ وَأُخْتًا، فَلَهَا النِّصْفُ، وَالسُّدُسُ لِبِنْتِ الِابْنِ، وَلِلْأُخْتِ الْبَاقِي. وَإِذَا اجْتَمَعَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبَوَيْنِ وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ مَعَ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الِابْنِ، فَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَسَقَطَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ. وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا لِأَبَوَيْنِ وَأَخًا لِأَبٍ، كَانَ الْبَاقِي
стр. 2307
لِلْأُخْتِ، وَسَقَطَ الْأَخُ بِهَا كَسُقُوطِهِ بِالْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ. وَلَوْ خَلَّفَ بِنْتًا، وَأَخًا وَأُخْتًا لِأَبَوَيْنِ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ
خَلَّفَ بِنْتًا، وَثَلَاثَ أَخَوَاتٍ أَوْ إِخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ أَوْ لِلْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَسَقَطَ الْبَاقُونَ.
فَصْلٌ
الْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ كَالْأَخِ مِنَ الْجِهَتَيْنِ فِي أَنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمَا يَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ، أَوْ مَا بَقِيَ بَعْدَ الْفَرْضِ. وَإِذَا اجْتَمَعَا أَسْقَطَ الْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ الْعَمَّ لِلْأَبِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْعَصَبَاتِ وَتَرْتِيبِهِمْ
فَالْأَقْرَبُ مِنْهُمْ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ. وَجُمْلَةُ عَصَبَاتِ النَّسَبِ: الِابْنُ وَالْأَبُ وَمَنْ يُدْلِي بِهِمَا، وَيُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَبْنَاءُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدَّةُ وَالْإِخْوَةُ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، وَهُمْ فِي دَرَجَةٍ، وَلِذَلِكَ يَتَقَاسَمُونَ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَأَبُو الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا مَعَ الْأَخِ، كَالْجَدِّ مَعَ الْأَخِ، فَيَتَقَاسَمَانِ لِقُوَّةِ الْجُدُودَةِ، وَوُقُوعِ الِاسْمِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ. هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ وَالْمَذْهَبُ وَالْمَعْرُوفُ. وَقَالَ الْإِمَامُ: الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي ذَلِكَ - يَعْنِي لِلْأَصْحَابِ - أَنَّ أَبَا الْجَدِّ يَكُونُ لَهُ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْأَخِ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْقَلْبِ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَأَبْدَى الْمَذْهَبَ الْمَنْصُوصَ احْتِمَالًا.
стр. 2308
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَخٌ، فَالْمُقَدَّمُ الْجَدُّ، ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلَا، وَيَسْقُطُ ابْنُ الْأَخِ بِالْجَدِّ الْعَالِي سُقُوطَهُ بِالْأَدْنَى، وَفِي النِّهَايَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّ أَبَا الْجَدِّ وَابْنَ الْأَخِ يَتَقَاسَمَانِ، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنَّا إِذَا قَدَّمْنَا نَوْعًا عَلَى نَوْعٍ، لَا نَنْظُرُ إِلَى الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَمِّ مَعَ قُرْبِهِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنْ جَدٌّ، فَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ بَنُوهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعَمُّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُو الْعَمِّ كَذَلِكَ، [ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمَا كَذَلِكَ] ، إِلَى حَيْثُ يَنْتَهُونَ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ، وَالْمَيِّتُ عَتِيقٌ، فَالْعُصُوبَةُ لِمُعْتِقِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُعْتِقُ حَيًّا فَلِعَصَبَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدُوا، فَلِمُعْتِقِ الْمُعْتِقِ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهُونَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَتِيقًا، وَأَبُوهُ أَوْ جَدُّهُ عَتِيقٌ، ثَبَتَ الْوَلَاءُ عَلَيْهِ لِمُعْتِقِ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَالْمَالُ لِبَيْتِ الْمَالِ.
فَرْعٌ
الْبَعِيدُ مِنَ الْجِهَةِ الْمُقَدَّمَةِ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقَرِيبِ مِنَ الْجِهَةِ الْمُؤَخَّرَةِ.
مِثَالُهُ: ابْنُ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْأَخِ وَإِنْ سَفَلَ، يُقَدَّمُ عَلَى الْعَمِّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْعَمِّ النَّازِلُ، يُقَدَّمُ عَلَى عَمِّ الْأَبِ، وَإِذَا اتَّحَدَتِ الْجِهَةُ، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ. فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ، قُدِّمَ مَنْ يُدْلِي بِالْأَبَوَيْنِ عَلَى مَنْ يُدْلِي بِالْأَبِ.
مِثَالُهُ: الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ، وَابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ يُقَدَّمُ عَلَى ابْنِ ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي بَنِي الْعَمِّ وَبَنِي عَمِّ الْأَبِ.
стр. 2309
فَرْعٌ
إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ عُصُوبَةٍ، وَاخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةٍ أُخْرَى كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ نُظِرَ إِنْ أَمْكَنَ التَّوْرِيثُ بِالْقَرَابَةِ الْأُخْرَى لِفَقْدِ الْحَاجِبِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يُوَرَّثُ بِهِمَا، فَالْأَخُ لِلْأُمِّ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ. وَنَصَّ فِيمَا لَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمِّ مُعْتِقِهِ وَأَحَدُهُمَا أَخُو الْمُعْتِقِ لِأُمِّهِ: أَنَّ جَمِيعَ الْمَالِ لِلَّذِي هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ. وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: جَعْلُهُمَا [عَلَى] قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَرْجِيحُ الْأَخِ لِلْأُمِّ، فَيَأْخُذُ جَمِيعَ الْمَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعُصُوبَةِ وَزَادَ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ، فَأَشْبَهَ الْأَخَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ. وَالثَّانِي: لَا تَرْجِيحَ؛ لِأَنَّ مَزِيَّتَهُ بِجِهَةٍ تُفْرَضُ لَهَا فَلَا يَسْقُطُ مَنْ يُشَارِكُهُ فِي جِهَةِ الْعُصُوبَةِ كَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجٌ فَعَلَى هَذَا فِي النَّسَبِ لَهُ السُّدُسُ فَرْضًا، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالْعُصُوبَةِ، وَفِي الْوَلَاءِ لَا يُمْكِنُ تَوْرِيثُهُ بِالْفَرْضِيَّةِ، فَالْمَالُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ بِالْعُصُوبَةِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالْمَنْصُوصِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ. وَالْفَرْقُ: أَنَّ الْأَخَ لِلْأُمِّ فِي النَّسَبِ يَرِثُ، فَأُعْطِيَ فَرْضَهُ، وَاسْتَوَيَا فِي الْبَاقِي بِالْعُصُوبَةِ، وَفِي الْوَلَاءِ لَا يَرِثُ بِالْفَرْضِ، فَرَجَحَ مَنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأُمِّ. وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ أَخَا الْمُعْتِقِ مِنْ أَبَوَيْهِ يُقَدَّمُ عَلَى أَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ نَذْكُرُهُ قَرِيبًا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ، فِيمَا لَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمِّ أَبِيهِ وَأَحَدُهُمَا أَخُوهُ لِأُمِّهِ. فَلَوْ تَرَكَتِ الْمَرْأَةُ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا زَوْجُهَا، وَالْآخَرُ أَخٌ لِأُمٍّ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْآخَرِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ. وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَخَ لِلْأُمِّ، فَالْبَاقِي كُلُّهُ لَهُ. وَلَوْ تَرَكَتْ ثَلَاثَةً بَنِي أَعْمَامٍ أَحَدُهُمْ زَوْجٌ، وَالثَّانِي أَخٌ لِأُمٍّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ، لِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأَخِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ. وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَخَ لِلْأُمِّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي
стр. 2310
لِلْأَخِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَمْكَنَ تَوْرِيثُ الْمُخْتَصِّ بِتِلْكَ الْقَرَابَةِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِحَاجِبٍ، بِأَنْ تَرَكَ بِنْتًا وَابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، لِأَنَّ إِخْوَةَ الْأُمِّ سَقَطَتْ بِالْبِنْتِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَاقِيَ لِلْأَخِ وَحْدَهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، كَمَا لَوِ اجْتَمَعَ مَعَ الْبِنْتِ أَخٌ لِأَبَوَيْنِ وَأَخٌ لِأَبٍ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَتَرَكَ ابْنَ عَمٍّ لِأَبَوَيْنِ، وَآخَرَ لِأَبٍ وَهُوَ أَخٌ لِأُمٍّ، فَلِلثَّانِي السُّدُسُ بِالْأُخُوَّةِ، وَالْبَاقِي لِلْأَوَّلِ، وَتَسْقُطُ بِهِ عُصُوبَةُ الثَّانِي. وَلَوْ تَرَكَتْ ثَلَاثَةً بَنِي أَعْمَامٍ مُتَفَرِّقِينَ، وَالَّذِي هُوَ لِأُمٍّ زَوْجٌ، وَالَّذِي هُوَ لِأَبٍ أَخٌ لِأُمٍّ فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَلِلْأَخِ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ. وَلَوْ تَرَكَ أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وَتَرَكَ سِوَاهُمَا أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ فَلَهُمَا الثُّلُثُ بِالْأُخُوَّةِ، وَالْبَاقِي لِابْنِ الْعَمِّ مِنْهُمَا بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ تَرَكَ ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ، وَتَرَكَ سِوَاهُمَا أَخَوَيْنِ لِأُمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُ عَمٍّ، فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَرَكَ أَخَوَيْنِ هُمَا ابْنَا عَمٍّ، وَأَخًا لَيْسَ بِابْنِ عَمٍّ، وَابْنَ عَمٍّ لَيْسَ بِأَخٍ، فَالثُّلُثُ لِلْإِخْوَةِ الثَّلَاثَةِ، وَالْبَاقِي لِبَنِي الْأَعْمَامِ الثَّلَاثَةِ.
فَصْلٌ
فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ
قَدْ سَبَقَ أَنْ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ مِنَ النَّسَبِ، فَمَالُهُ أَوْ مَا يَفْضُلُ عَنِ الْفُرُوضِ لِمُعْتِقِهِ إِنْ كَانَ عَتِيقًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُعْتِقُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمُعْتِقُ، فَالِاسْتِحْقَاقُ لِعَصَبَاتِهِ مِنَ النَّسَبِ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ دُونَ مَنْ يُعَصِّبُهُمْ غَيْرُهُمْ، فَلَا تَرِثُ النِّسَاءُ بِالْوَلَاءِ إِلَّا مِمَّنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ جَرَّ الْوَلَاءَ إِلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ. وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: لَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مُعْتَقَهَا، أَوْ مُنْتَمِيًا إِلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ أَضْعَفُ مِنَ النَّسَبِ الْبَعِيدِ. وَإِذَا بَعُدَ النَّسَبُ، وَرِثَ الذُّكُورُ دُونَ الْإِنَاثِ،
стр. 2311
فَيَرِثُ ابْنُ الْأَخِ وَالْعَمُّ وَابْنُهُ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ. فَإِذَا لَمْ تَرِثْ بِنْتُ الْأَخِ، فَبِنْتُ الْمُعْتِقِ أَوْلَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَتَعَصَّبُونَ بِأَنْفُسِهِمْ تَرْتِيبُهُمْ فِي الْوَلَاءِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي النَّسَبِ، فَيُقَدَّمُ ابْنُ الْمُعْتِقِ وَابْنُ ابْنِهِ عَلَى أَبِيهِ وَجَدِّهِ، لَكِنْ يَفْتَرِقُ التَّرْتِيبَانِ فِي مَسَائِلَ.
إِحْدَاهَا: فِي الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبِ طَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ: يُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ كَمَا فِي النَّسَبِ. وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ: ثَانِيهِمَا: يَتَسَاوَيَانِ، إِذْ لَا مَدْخَلَ لِقَرَابَةِ الْأُمِّ هَنَا. الثَّانِيَةُ: فِي الْجَدِّ وَالْأَخِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَأَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْأَخَ مُقَدَّمٌ. وَالثَّانِي: يَتَسَاوَيَانِ كَالنَّسَبِ، وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ. فَإِنْ قُلْنَا: يَتَسَاوَيَانِ، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا نَقَلَهُ الْحَنَّاطِيُّ وَغَيْرُهُ: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لِلْجَدِّ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمُقَاسَمَةِ وَثُلُثِ الْمَالِ، كَمَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّسَبِ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ أَبَدًا؛ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلْفَرْضِ وَالتَّقْدِيرِ فِي الْوَلَاءِ.
وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: الْقَطْعُ بِالْمُقَاسَمَةِ أَبَدًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ مَعَ جَدِّ الْمُعْتِقِ إِخْوَةٌ لِأَبَوَيْنِ، وَإِخْوَةٌ لِأَبٍ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ اللَّبَّانِ: يُعَدُّ الْإِخْوَةُ مِنَ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ، كَمَا فِي النَّسَبِ. وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْأَكْثَرُونَ: لَا يُعَدُّونَ، بَلِ الْجَدُّ وَالْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يَقْتَسِمَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ قَدْ يَأْخُذُونَ شَيْئًا فِي النَّسَبِ، كَمَا إِذَا كَانَ مَعَهُمْ أُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ وَجَدٌّ، وَهُنَا لَا يَأْخُذُونَ شَيْئًا بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ هُنَا إِلَّا ذَكَرٌ، وَلَا يَرِثُ الْأَخُ لِلْأَبِ مَعَ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ، فَيَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْقِسْمَةِ مَنْ لَا يَأْخُذُ بِحَالٍ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْجَدُّ أَوْلَى مِنِ ابْنِ الْأَخِ عَلَى الْأَصَحِّ كَالنَّسَبِ. وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: الْأَخُ أَوْلَى مِنْ أَبِي الْجَدِّ، وَأَبُو الْجَدِّ مَعَ ابْنِ الْأَخِ يَسْتَوِيَانِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ: إِنَّ الْأَخَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْجَدِّ، فَابْنُ الْأَخِ مُقَدَّمٌ أَيْضًا كَابْنِ الِابْنِ، وَالْقَوْلَانِ فِي الْأَخِ وَالْجَدِّ يَجْرِيَانِ فِي الْعَمِّ مَعَ أَبِي الْجَدِّ، وَفِي كُلِّ عَمٍّ اجْتَمَعَ هُوَ وَجَدٌّ إِذَا أَدْلَى ذَلِكَ الْعَمُّ بِابْنِ ذَلِكَ الْجَدِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجَدَّ أَوْلَى مِنَ الْعَمِّ.
стр. 2312
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ مُقَدَّمٌ كَمَا سَبَقَ فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ.
فَرْعٌ
إِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ، فَالْمَالُ لِمُعْتِقِ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ لِعَصَبَاتِهِ عَلَى النَّسَقِ الْمَذْكُورِ فِي عَصَبَاتِ الْمُعْتَقِ، ثُمَّ لِمُعْتِقِ مُعْتِقِ الْمُعْتَقِ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ. وَالْقَوْلُ فِي مُعْتِقِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَقَوَاعِدَ أُخَرَ وَمَسَائِلَ عَوِيصَةٍ نَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مِيرَاثِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ
إِذَا كَانَ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ لَمْ يَسْقُطُوا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَسْقُطُونَ، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَابْنُ سُرَيْجٍ، وَابْنُ اللَّبَّانِ، وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ. وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَنَقُولُ: إِذَا كَانَ مَعَهُ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ مِنَ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُو فَرْضٍ، فَلِلْجَدِّ الْأَوْفَرُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمْ وَثُلُثُ جَمِيعِ الْمَالِ. فَإِنْ قَاسَمَ كَانَ كَأَخٍ. وَإِنْ أَخَذَ الثُّلُثَ، فَالْبَاقِي بَيْنَهُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، وَقَدْ يَسْتَوِي الْأَمْرَانِ فَلَا يَكُونُ فَرْقٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَكِنِ الْفَرْضِيُّونَ يَتَلَفَّظُونَ بِالثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقِسْمَةُ أَوْفَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَخٌ، أَوْ أُخْتٌ، أَوْ أَخٌ وَأُخْتٌ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، فَهِيَ خَمْسُ مَسَائِلَ. وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ إِلَّا أَخَوَانِ أَوْ أَخٌ وَأُخْتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ. وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ الثُّلُثُ أَوْفَرُ. وَضَابِطُهُ أَنَّ
стр. 2313
الْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ، إِنْ كَانُوا مِثْلَيْهِ، فَالْقِسْمَةُ وَالثُّلُثُ سَوَاءٌ. وَإِنْ كَانُوا دُونَ مِثْلَيْهِ، فَالْقِسْمَةُ أَوْفَرُ. وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مِثْلَيْهِ، فَالثُّلُثُ أَوْفَرُ. وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ صَاحِبُ فَرْضٍ - وَأَصْحَابُ الْفُرُوضِ الْوَارِثُونَ مَعَ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ سِتَّةٌ: الْبِنْتُ، وَبِنْتُ الِابْنِ، وَالْأُمُّ، وَالْجَدَّةُ، وَالزَّوْجُ، وَالزَّوْجَةُ - فَإِمَّا أَنْ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْفُرُوضِ شَيْءٌ، كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ وَزَوْجٍ، فَيُفْرَضُ لِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَيُزَادُ فِي الْعَوْلِ. وَإِمَّا أَنْ يَبْقَى السُّدُسُ فَقَطْ، كَبِنْتَيْنِ وَأُمٍّ، فَيُصْرَفُ إِلَى الْجَدِّ. وَإِمَّا أَنْ يَبْقَى دُونَ السُّدُسِ كَبِنْتَيْنِ وَزَوْجٍ، فَيُفْرَضُ لِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَتُعَالُ الْمَسْأَلَةُ. وَعَلَى هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ يَسْقُطُ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي أَكْثَرَ مِنَ السُّدُسِ، فَلِلْجَدِّ خَيْرُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ مُقَاسَمَةُ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ، وَثُلُثُ مَا يَبْقَى، وَسُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَهُ إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ لِأَبَوَيْنِ وَلِأَبٍ، فَلِلْجَدِّ خَيْرُ الْأَمْرَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذُو فَرْضٍ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ، لَكِنْ هُنَا يُعَدُّ أَوْلَادُ الْأَبَوَيْنِ أَوْلَادَ الْأَبِ عَلَى الْجَدِّ فِي الْقِسْمَةِ. ثُمَّ إِذَا أَخَذَ الْجَدُّ حِصَّتَهُ نُظِرَ إِنْ كَانَ وَلَدُ الْأَبَوَيْنِ عَصَبَةً، إِمَّا ذَكَرًا، وَإِمَّا ذُكُورًا، وَإِمَّا ذُكُورًا وَإِنَاثًا فَلَهُمْ كُلُّ الْبَاقِي، وَلَا شَيْءَ لِوَلَدِ الْأَبِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبَةٌ، بَلْ أُنْثَى، أَوْ إِنَاثٌ، فَالِاثْنَتَانِ فَصَاعِدًا يَأْخُذُونَ إِلَى الثُّلُثَيْنِ وَلَا يَبْقَى شَيْءٌ، فَيَسْقُطُ أَوْلَادُ الْأَبِ، وَالْوَاحِدَةُ تَأْخُذُ إِلَى النِّصْفِ. فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ، فَلِأَوْلَادِ الْأَبِ ذُكُورًا كَانُوا أَوْ إِنَاثًا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مَعَهُ، وَكَانَ غَيْرُ الْقِسْمَةِ خَيْرًا لَهُ، بِأَنْ كَانَ مَعَهُ أُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ، وَأَخَوَانِ، أَوْ أَرْبَعُ أَخَوَاتٍ فَصَاعِدًا لِلْأَبِ، فَلِلْجَدِّ الثُّلُثُ. قَالَ بَعْضُ الْفَرْضِيِّينَ: يُجْعَلُ الْبَاقِي
стр. 2314
بَيْنَ وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ وَوَلَدِ الْأَبِ، ثُمَّ يَرُدُّ وَلَدُ الْأَبِ عَلَى وَلَدِ الْأَبَوَيْنِ قَدْرَ فَرْضِهِ. قَالَ ابْنُ اللَّبَّانِ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُفْرَضَ لِلْأُخْتِ لِلْأَبَوَيْنِ النِّصْفُ، وَيُجْعَلَ الْبَاقِي لِأَوْلَادِ الْأَبِ.
فَرْعٌ
لَا فَرْقَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَحَّضَ مَعَ الْجَدِّ إِخْوَةٌ أَوْ أَخَوَاتٌ، أَوْ يَخْتَلِطُوا، فَالْجَدُّ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا كَأَخٍ، وَالْأَخَوَاتُ مَعَهُ كَهُنَّ مَعَ أَخٍ، فَلَا يُفْرَضُ لَهُنَّ مَعَهُ وَلَا تُعَالُ مَسْأَلَةٌ بِسَبَبِهِنَّ، بِخِلَافِ الْجَدِّ حَيْثُ فَرَضْنَا لَهُ وَأَعَلْنَا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ بِالْجُدُودَةِ، فَرُجِعَ إِلَيْهِ لِضَرُورَةٍ. وَهَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ إِلَّا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأَكْدَرِيَّةِ، وَهِيَ زَوْجٌ، وَأُمٌّ، وَجَدٌّ، وَأُخْتٌ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ لِلْأَبِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَيُفْرَضُ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وَتَعُولُ مِنْ سِتَّةٍ إِلَى تِسْعَةٍ، ثُمَّ يُجْمَعُ نَصِيبُ الْأُخْتِ وَالْجَدِّ، وَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا. وَتَصِحُّ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ، لِلزَّوْجِ تِسْعَةٌ، وَلِلْأُمِّ سِتَّةٌ، وَلِلْأُخْتِ أَرْبَعَةٌ، وَلِلْجَدِّ ثَمَانِيَةٌ. وَيُمْتَحَنُ بِهَا فَيُقَالُ: وُرَّاثٌ أَرْبَعَةٌ، أَخَذَ أَحَدُهُمْ ثُلُثَ الْمَالِ، وَالثَّانِي ثُلُثَ الْبَاقِي، وَالثَّالِثُ ثُلُثَ الْبَاقِي، وَالرَّابِعُ الْبَاقِي. وَلَوْ كَانَ بَدَلَ الْأُخْتِ أَخٌ، سَقَطَ، إِذْ لَا فَرْضَ لَهُ. وَلَوْ كَانَتْ أُخْتَانِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، وَلِلْجَدِّ السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لَهُمَا، وَلَا عَوْلَ [وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ] .
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْحَجْبِ
هُوَ نَوْعَانِ: حَجْبُ نُقْصَانٍ - كَحَجْبِ الْوَلَدِ الزَّوْجَ مِنَ النِّصْفِ إِلَى الرُّبُعِ، وَالزَّوْجَةَ مِنَ الرُّبُعِ إِلَى الثُّمُنِ، وَالْأُمَّ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ - وَحَجْبُ حِرْمَانٍ،
стр. 2315
وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، فَالْوَرَثَةُ قِسْمَانِ: قِسْمٌ لَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ غَيْرُهُمْ، وَهُمُ: الْأَبَوَانِ، وَالزَّوْجَانِ، وَالْأَوْلَادُ، فَهَؤُلَاءِ لَا يَحْجُبُهُمْ أَحَدٌ. وَقِسْمٌ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ غَيْرُهُمْ، وَهُمْ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
[الضَّرْبُ] الْأَوَّلُ: الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْمَيِّتِ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَهُمُ الْأُصُولُ. فَالْجَدُّ لَا يَحْجُبُهُ إِلَّا الْأَبُ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جَدٍّ يَحْجُبُ مَنْ فَوْقَهُ. وَأَمَّا الْجَدَّاتُ، فَقَدْ يَحْجُبُهُنَّ غَيْرُهُنَّ، وَقَدْ يَحْجُبُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْأُمُّ تَحْجُبُ كُلَّ جَدَّةٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِهَتِهَا، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ كَمَا يَحْجُبُ الْأَبُ كُلَّ مَنْ يَرِثُ بِالْأُبُوَّةِ، وَالْأَبُ يَحْجُبُ كُلَّ جَدَّةٍ مِنْ جِهَتِهِ، وَكَذَا كُلُّ جَدٍّ يَحْجُبُ أُمَّ نَفْسِهِ وَأُمَّ آبَائِهِ، وَلَا يَحْجُبُ أُمَّ مَنْ دُونَهُ، وَالْأَبُ وَالْأَجْدَادُ لَا يَحْجُبُونَ الْجَدَّةَ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ قَرِيبَةً كَانَتْ أَوْ بَعِيدَةً بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا حَجْبُ بَعْضِهِنَّ، فَالْقُرْبَى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ تَحْجُبُ الْبُعْدَى مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَهَذَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ لَا يَكُونُ إِلَّا وَالْبُعْدَى مُدْلِيَةٌ بِالْقُرْبَى، وَمِنْ جِهَةِ الْأَبِ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ فَالْحُكْمُ كَمِثْلٍ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَأُمِّ الْأَبِ، وَأُمِّ أَبِ الْأَبِ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ عَنِ الْفَرْضِيِّينِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْقُرْبَى تَحْجُبُ الْبُعْدَى أَيْضًا.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.
وَلَوْ كَانَتِ الْبُعْدَى مُدْلِيَةً بِالْقُرْبَى لَكِنَّ الْبُعْدَى جَدَّةٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَلَا تُحْجَبُ.
مِثَالُهُ: لِزَيْنَبَ بِنْتَانِ، حَفْصَةُ، وَعَمْرَةُ، وَلِحَفْصَةَ ابْنٌ، وَلِعَمْرَةَ بِنْتُ بِنْتٍ، فَنَكَحَ الِابْنُ بِنْتَ بِنْتِ خَالَتِهِ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَلَا تُسْقِطُ عَمْرَةُ الَّتِي هِيَ أُمُّ أُمِّ أُمِّهِ أُمَّهَا ; لِأَنَّهَا أُمُّ أُمِّ أَبِي الْمَوْلُودِ.
следующие страницы →