Полный текст (4 941 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
وَفِي وَجْهٍ: الرُّكْبَةُ وَالسُّرَّةُ عَوْرَةٌ، وَفِي وَجْهٍ: الرُّكْبَةُ عَوْرَةٌ دُونَ السُّرَّةِ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ مُنْكَرٍ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنَّ عَوْرَةَ الرَّجُلِ الْقُبُلُ وَالدُّبُرُ فَقَطْ.
قُلْتُ: لَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ مَشْهُورٌ: أَنَّ السُّرَّةَ عَوْرَةٌ دُونَ الرُّكْبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَجَمِيعُ بَدَنِهَا عَوْرَةٌ إِلَّا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ؛ ظَهْرُهُمَا وَبَطْنُهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ.
وَلَنَا قَوْلٌ، وَقِيلَ وَجْهٌ: أَنَّ بَاطِنَ قَدَمِهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَيْسَ الْقَدَمَانِ بِعَوْرَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُسْتَوْلَدَةً أَوْ مُدَبَّرَةً أَوْ بَعْضَهَا رَقِيقًا، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا عَوْرَتُهَا كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَالثَّانِي: كَعَوْرَةِ الْحُرَّةِ إِلَّا رَأْسَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَالثَّالِثُ: مَا يَنْكَشِفُ فِي حَالِ خِدْمَتِهَا وَتَصَرُّفِهَا كَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ وَالسَّاعِدِ وَطَرَفِ السَّاقِ، فَلَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَا عَدَاهُ عَوْرَةٌ. وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشَكِلُ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا وَقُلْنَا: عَوْرَةُ الْأَمَةِ كَعَوْرَةِ الرَّجُلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْتُرَ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا أَوْ رَقِيقًا، وَقُلْنَا: عَوْرَةُ الْأَمَةِ أَكْثَرُ مِنْ عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَجَبَ سَتْرُ الزِّيَادَةِ عَلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ الْأُنُوثَةِ. فَلَوْ خَالَفَ، فَلَمْ يَسْتُرْ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فَهَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ؟ وَجْهَانِ:
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا تَصِحُّ لِأَنَّ السَّتْرَ شَرْطٌ وَشَكَكْنَا فِي حُصُولِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 282
فَرْعٌ.
فِي صِفَةِ السُّتْرَةِ وَالسِّتْرِ:
وَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ، بِمَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاظِرِ وَلَوْنِ الْبَشَرَةِ، فَلَا يَكْفِي الثَّوْبُ الرَّقِيقُ الَّذِي يُشَاهَدُ مِنْ وَرَائِهِ سَوَادُ الْبَشَرَةِ وَبَيَاضُهَا، وَلَا الْغَلِيظُ الْمُهَلْهَلُ النَّسِيجِ الَّذِي يُظْهِرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ مِنْ فُرَجِهِ، وَلَوْ سَتَرَ اللَّوْنَ وَوَصَفَ حَجْمَ الْبَشَرَةِ فَلَا بَأْسَ.
وَلَوْ وَقَفَ فِي مَاءٍ صَافٍ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، إِلَّا إِذَا غَلَبَتِ الْخُضْرَةُ لِتَرَاكُمِ الْمَاءِ. فَإِنِ انْغَمَسَ إِلَى عُنُقِهِ، وَمَنَعَتِ الْخُضْرَةُ رُؤْيَةَ لَوْنِ الْبَشَرَةِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَلَوْ صَلَّى فِي مَاءٍ كَدَرٍ صَحَّتْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَصُورَةُ الصَّلَاةِ فِي الْمَاءِ، أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، أَوْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنَازَةٍ، وَلَوْ طَيَّنَ عَوْرَتَهُ فَاسْتَتَرَ اللَّوْنُ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ، سَوَاءٌ وَجَدَ ثَوْبًا أَمْ لَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا وَنَحْوَهُ وَأَمْكَنَهُ التَّطَيُّنُ وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا صِفَةُ السَّتْرِ، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: السَّتْرُ يُعْتَبَرُ مِنْ فَوْقُ، وَمِنَ الْجَوَانِبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الذَّيْلُ وَالْإِزَارُ حَتَّى لَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ مُتَّسِعِ الذَّيْلِ، وَكَانَ عَلَى طَرَفِ سَطْحٍ يَرَى عَوْرَتَهُ مَنْ نَظَرِ إِلَيْهِ مِنْ أَسْفَلُ جَازَ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَتَوَقَّفَ فِي صُورَةِ السَّطْحِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالشَّاشِيُّ.
وَلَوْ صَلَّى فِي قَمِيصٍ وَاسِعِ الْجَيْبِ، تُرَى عَوْرَتُهُ مِنَ الْأَعْلَى فِي الرُّكُوعِ أَوِ السُّجُودِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَطَرِيقُهُ أَنْ يَزِرَّ جَيْبَهُ، أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أَوْ يَسْتُرَ مَوْضِعَ الْجَيْبِ بِشَيْءٍ يُلْقِيهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعَ الْجَيْبِ، لَكِنْ كَانَ عَلَى صَدْرِ الْقَمِيصِ أَوْ ظَهْرِهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ الْعَوْرَةُ، فَلَا بُدَّ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ.
وَلَوْ كَانَ الْجَيْبُ بِحَيْثُ تُرَى الْعَوْرَةُ مِنْهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهَا لِحْيَتُهُ أَوْ شَعْرُ رَأْسِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. كَمَا لَوْ كَانَ عَلَى إِزَارِهِ ثُقْبٌ، فَجَمَعَ عَلَيْهِ
стр. 283
الثَّوْبَ بِيَدِهِ، فَلَوْ سَتَرَ الثُّقْبَ بِيَدِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي اللِّحْيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْقَمِيصُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَظْهَرُ فِي الْقِيَامِ فَهَلْ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ، ثُمَّ إِذَا رَكَعَ تَبْطُلُ، أَمْ لَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا؟ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ.
وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوِ اقْتَدَى بِهِ غَيْرُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، وَفِيمَا لَوْ أَلْقَى ثَوْبًا عَلَى عَاتِقِهِ قَبْلَ الرُّكُوعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي السَّاتِرِ أَنْ يَشْمَلَ الْمَسْتُورَ إِمَّا بِاللُّبْسِ كَالثَّوْبِ وَالْجِلْدِ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ كَالتَّطَيُّنِ.
فَأَمَّا الْفُسْطَاطُ الضَّيِّقُ وَنَحْوُهُ، فَلَا عِبْرَةَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، وَلَوْ وَقَفَ فِي جُبٍّ، وَصَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعَ الرَّأْسِ تَظْهَرُ مِنْهُ الْعَوْرَةُ لَمْ تَجُزْ.
وَإِنْ كَانَ ضَيِّقَ الرَّأْسِ، فَقَالَ فِي (التَّتِمَّةِ) : تَجُوزُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تَجُوزُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْجَوَازُ، وَلَوْ حَفَرَ فِي الْأَرْضِ حُفْرَةً، وَوَقَفَ فِيهَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، إِنْ رَدَّ التُّرَابَ بِحَيْثُ سَتَرَ الْعَوْرَةَ جَازَ، وَإِلَّا فَكَالْجُبِّ.
وَلَوْ سُتِرَ بِزُجَاجٍ يُرَى مِنْهُ لَوْنُ الْبَشَرَةِ لَمْ يَصِحَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُصَلِّي مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، صَلَّى عَارِيًا وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ (التَّيَمُّمِ) كَيْفِيَّةُ صَلَاتِهِ وَالْقَضَاءِ.
وَلَوْ حَضَرَ جَمْعٌ مِنَ الْعُرَاةِ، فَلَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً، وَيَقِفُ إِمَامُهُمْ وَسَطُهُمْ، كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَهَلْ يُسَنُّ لِلْعُرَاةِ الْجَمَاعَةُ أَمِ الْأَصَحُّ الْأَوْلَى أَنْ يُصَلُّوا فُرَادَى؟ قَوْلَانِ:
الْقَدِيمُ: الِانْفِرَادُ أَفْضَلُ، وَالْجَدِيدُ: الْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ.
قُلْتُ: هَكَذَا حَكَى جَمَاعَةٌ عَنِ الْجَدِيدِ، وَالْمُخْتَارُ مَا حَكَاهُ الْمُحَقِّقُونَ عَنِ الْجَدِيدِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ وَالِانْفِرَادَ سَوَاءٌ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانُوا بِحَيْثُ يَتَأَتَّى نَظَرُ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، فَلَوْ كَانُوا عُمْيًا أَوْ فِي ظُلْمَةٍ، اسْتُحِبَّتْ لَهُمُ الْجَمَاعَةُ بِلَا خِلَافٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 284
وَلَوْ كَانَ فِيهِمْ لَابِسٌ أَمَّهُمْ، وَوَقَفُوا خَلْفَهُ صَفًّا وَاحِدًا. فَإِنْ خَالَفُوا، فَأَمَّهُمْ عَارٍ، وَاقْتَدَى بِهِ اللَّابِسُ جَازَ.
وَلَوِ اجْتَمَعَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ لَمْ يُصَلُّوا مَعًا، لَا فِي صَفٍّ وَلَا فِي صَفَّيْنِ، بَلْ يُصَلِّي الرِّجَالُ، وَتَكُونُ النِّسَاءُ جَالِسَاتٍ خَلْفَهُمْ مُسْتَدْبِرَاتِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُصَلِّي النِّسَاءُ وَيَجْلِسُ الرِّجَالُ خَلْفَهُنَّ مُسْتَدْبِرِينَ.
فَرْعٌ:
إِذَا وَجَدَ الْمُصَلِّي مَا يَسْتُرُ بَعْضَ الْعَوْرَةِ، لَزِمَهُ سَتْرُ الْمُمْكِنِ بِلَا خِلَافٍ. فَإِنْ كَانَ الْمَوْجُودُ يَكْفِي السَّوْأَتَيْنِ بَدَأَ بِهِمَا، وَلَا يَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهِمَا. فَإِنْ كَانَ يَكْفِي إِحْدَاهُمَا فَقَطْ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يَسْتُرُ الْقُبُلَ، رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، وَالثَّانِي: الدُّبُرَ، وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ.
قُلْتُ: وَلَنَا وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتُرُ الْقُبُلَ، وَالرَّجُلُ الدُّبُرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْخُنْثَى الْمُشَكِلُ، فَإِنْ وَجَدَ مَا يَسْتُرُ قُبُلَيْهِ وَدُبُرَهُ سَتَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مَا يَسْتُرُ وَاحِدًا، وَقُلْنَا يَسْتُرُ الْقُبُلَ، سَتَرَ أَيَّ قُبُلَيْهِ شَاءَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْتُرَ آلَةَ الرِّجَالِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ، وَآلَةَ النِّسَاءِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ.
ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَقْدِيمِ السَّوْأَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْفَخِذِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ تَقْدِيمِ إِحْدَى السَّوْأَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى: هَلْ هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؟ أَمْ عَلَى الِاشْتِرَاطِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ.
стр. 285
فَرْعٌ:
لَوْ كَانَتْ أَمَةً تُصَلِّي مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَعَتَقَتْ خِلَالَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى السُّتْرَةِ، مَضَتْ فِي صَلَاتِهَا كَالْعَاجِزِ.
فَإِنْ كَانَتْ قَادِرَةً عَلَى السُّتْرَةِ، وَلَمْ تَشْعُرْ بِقُدْرَتِهَا عَلَيْهَا، أَوْ لَمْ تَشْعُرْ بِالْعِتْقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَفِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ صَلَّى بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلًا.
وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا، وَإِنْ عَلِمَتِ السُّتْرَةَ وَالْعِتْقَ، فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ قَرِيبًا، فَطَرَحَتْهُ عَلَى رَأْسِهَا أَوْ طَرَحَهُ غَيْرُهَا مَضَتْ فِي صَلَاتِهَا.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا أَوِ احْتَاجَتْ فِي السَّتْرِ إِلَى أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ، وَمَضَى مُدَّةٌ فِي التَّكَشُّفِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّهَا تَبْنِي، فَلَهَا السَّعْيُ فِي طَلَبِ السَّاتِرِ، كَمَا تَسْعَى فِي طَلَبِ الْمَاءِ، وَإِنْ وَقَفَتْ حَتَّى أَتَيَتْ بِهِ، نُظِرَ، إِنْ وَصَلَهَا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَصِلُهُ لَوْ سَعَتْ فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ زَادَتْ فَوَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ: لَا يَجُوزُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهَا، وَيَنْبَغِي أَنَّ يَطَّرِدَ هَذَا الْخِلَافُ وَالتَّفْصِيلُ فِي طَلَبِ الْمَاءِ عِنْدَ سَبْقِ الْحَدَثِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ هُنَاكَ.
وَلَوْ دَخَلَ الْعَارِي فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ وَجَدَ السُّتْرَةَ فِي خِلَالِهَا، فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي (الْأَمَةِ) تَعْتَقُ وَهِيَ وَاجِدَةٌ لِلسُّتْرَةِ.
قُلْتُ: إِذَا كَانَتِ السُّتْرَةُ قَرِيبَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهَا إِلَّا بِاسْتِدْبَارِ الْقِبْلَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا إِذَا لَمْ يُنَاوِلْهَا غَيْرُهَا، قَالَهُ فِي (الشَّامِلِ) .
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: إِنْ صَلَّيْتِ صَلَاةً صَحِيحَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ قَبْلَهَا، فَصَلَّتْ كَاشِفَةَ الرَّأْسِ عَاجِزَةً صَحَّتْ وَعَتَقَتْ، أَوْ قَادِرَةً صَحَّتْ، وَلَا عِتْقَ لِلدَّوْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 286
فَرْعٌ.
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ:
لَيْسَ لِلْعَارِي أَخْذُ الثَّوْبِ مِنْ مَالِكِهِ قَهْرًا. فَلَوْ وَهَبَهُ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَفِي وَجْهٍ: يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ. ثُمَّ لَهُ رَدُّهُ عَلَى الْوَاهِبِ قَهْرًا.
وَفِي وَجْهٍ: يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ، وَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ، وَلَوْ أَعَارَهُ لَزِمَهُ قَبُولُهُ. فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ وَصَلَّى عَارِيًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
قُلْتُ: وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُ الْعَارِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ أَجَّرَهُ، فَهُوَ كَبَيْعِ الْمَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّيَمُّمِ، وَإِقْرَاضُ الثَّوْبِ كَإِقْرَاضِ الثَّمَنِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى شِرَاءِ الثَّوْبِ وَالْمَاءِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى أَحَدِهِمَا اشْتَرَى الثَّوْبَ.
وَلَوْ أَوْصَى بِثَوْبِهِ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَالْمَرْأَةُ أَوْلَى مِنَ الْخُنْثَى، وَالْخُنْثَى أَوْلَى مِنَ الرَّجُلِ، وَإِذَا لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبًا نَجِسًا، وَلَمْ يَجِدْ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ، فَقَوْلَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: يُصَلِّي عَارِيًا بِلَا إِعَادَةٍ.
وَالثَّانِي: يُصَلِّي فِيهِ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا ثَوْبَ حَرِيرٍ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ.
قُلْتُ: وَيَجِبُ لُبْسُهُ لِسَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنِ الْأَبْصَارِ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ لِلسَّتْرِ عَنْهَا، وَفِي الْخَلْوَةِ إِذَا أَوْجَبْنَا السَّتْرَ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي أَحْسَنِ مَا يَجِدُهُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَيَتَعَمَّمُ وَيَتَقَمَّصُ وَيَرْتَدِي.
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبَيْنِ، فَالْأَفْضَلُ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ، أَوْ قَمِيصٌ وَسَرَاوِيلُ
стр. 287
فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى وَاحِدٍ، فَالْقَمِيصُ أَوْلَى.
ثُمَّ الْإِزَارُ، ثُمَّ السَّرَاوِيلُ، ثُمَّ الثَّوْبُ الْوَاحِدُ إِنْ كَانَ وَاسِعًا، الْتَحَفَ بِهِ وَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا، عَقَدَهُ فَوْقَ سُرَّتِهِ، وَيَجْعَلُ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْئًا.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ فِي قَمِيصٍ سَابِغٍ وَخِمَارٍ، وَتَتَّخِذَ جِلْبَابًا كَثِيفًا فَوْقَ ثِيَابِهَا يَتَجَافَى عَنْهَا، وَلَا يُبَيِّنَ حَجْمَ أَعْضَائِهَا.
قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَجِدِ الْعَارِي إِلَّا ثَوْبًا لِغَيْرِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ لُبْسُهُ، بَلْ يُصَلِّي عَارِيًا وَلَا يُعِيدُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، وَوَجَدَ حَشِيشًا يُمْكِنُهُ عَمَلُ سُتْرَةٍ مِنْهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ.
وَلَوْ كَانَ مَحْبُوسًا فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ وَمَعَهُ ثَوْبٌ لَا يَكْفِي الْعَوْرَةَ وَسَتْرَ النَّجَاسَةَ، فَقَوْلَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: يَبْسُطُهُ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُصَلِّي عَارِيًا وَلَا إِعَادَةَ.
وَالثَّانِي: يُصَلِّي فِيهِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَيُعِيدُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبٌ فَأَتْلَفَهُ، أَوْ خَرَقَهُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عَصَى وَيُصَلِّي عَارِيًا.
وَفِي الْإِعَادَةِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ أَرَاقَ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ سَفَهًا وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ فِيهِ صُوَرٌ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُلَثَّمًا، وَالْمَرْأَةُ مُتَنَقِّبَةً، وَأَنْ يُغَطِّيَ فَاهَ إِلَّا أَنْ يَتَثَاءَبَ، فَإِنَّ السُّنَّةَ حِينَئِذٍ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ اشْتِمَالَ الْيَهُودِ، فَالصَّمَّاءُ: أَنْ يُجَلِّلْ بَدَنَهُ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ يَرْفَعُ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَاشْتِمَالُ الْيَهُودِ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ طَرَفَيْهِ، وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
الشَّرْطُ السَّادِسُ السُّكُوتُ عَنِ الْكَلَامِ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ، حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِغَيْرِ عُذْرٍ - فَيُنْظَرُ - إِنْ نَطَقَ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. إِلَّا إِذَا كَانَ مُفْهِمًا، كَقَوْلِهِ: (ق) (ش) فَإِنَّهُ تَبْطُلُ، وَإِنْ نَطَقَ بِحَرْفَيْنِ بَطَلَتْ؛
стр. 288
أَفْهَمَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مُفْهِمٌ وَغَيْرُهُ، وَلَوْ نَطَقَ بِحَرْفٍ وَمَدَّهُ بَعْدَهُ فَالْأَصَحُّ: الْبُطْلَانُ.
وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ أَتْبَعَهُ بِصَوْتٍ غَفْلٍ لَا يَقَعُ عَلَى صُورَةِ الْمَدِّ لَمْ تَبْطُلْ.
وَإِنْ أَتْبَعَهُ بِحَقِيقَةِ الْمَدِّ بَطَلَتْ، وَفِي التَّنَحْنُحِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: إِنْ بَانَ مِنْهُ حَرَفَانُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالثَّانِي، لَا تَبْطُلُ وَإِنْ بَانَ حَرَفَانُ، وَحُكِيَ هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀.
وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ فَمُهُ مُطْبَقًا لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ فَتَحَهُ وَبَانَ حَرَفَانُ بَطَلَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
وَحَيْثُ أَبْطَلْنَا، فَذَلِكَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ. فَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، فَلَا بَأْسَ، وَلَوْ تَعَذَّرَتِ الْقِرَاءَةُ إِلَّا بِالتَّنَحْنُحِ تَنَحْنَحَ، وَهُوَ مَعْذُورٌ.
وَإِنْ أَمْكَنَتِ الْقِرَاءَةُ وَتَعَذَّرَ الْجَهْرُ إِلَّا بِالتَّنَحْنُحِ، فَلَيْسَ بِعُذْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ تَنَحْنَحَ الْإِمَامُ وَظَهَرَ مِنْهُ حَرَفَانُ، فَهَلْ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَدُومَ عَلَى مُتَابَعَتِهِ؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْعِبَادَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَعْذُورٌ.
وَأَمَّا الضَّحِكُ وَالْبُكَاءُ وَالنَّفْخُ وَالْأَنِينُ، فَإِنْ بَانَ مِنْهُ حَرَفَانُ بَطَلَتْ وَإِلَّا فَلَا، وَسَوَاءٌ بَكَى لِلدُّنْيَا أَوْ لِلْآخِرَةِ.
الْحَالُ الثَّانِي: فِي الْكَلَامِ بِعُذْرٍ فَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ غَلَبَهُ الضَّحِكُ أَوِ السُّعَالُ، فَبَانَ مِنْهُ حَرَفَانُ أَوْ تَكَلَّمَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَسِيرًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَثُرَتْ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالرُّجُوعُ فِي الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ إِلَى الْعُرْفِ وَالْجَهْلِ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ.
إِنَّمَا هُوَ عُذْرٌ فِي حَقِّ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ. فَإِنْ طَالَ عَهْدُهُ بِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِتَقْصِيرِهِ فِي التَّعَلُّمِ، وَلَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ عُذْرًا.
وَلَوْ جَهِلَ كَوْنَ التَّنَحْنُحِ مُبْطِلًا فَهُوَ مَعْذُورٌ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِخَفَاءِ حُكْمِهِ عَلَى الْعَوَامِّ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَ الْكَلَامِ مُحَرَّمٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُحَرَّمٌ فَهُوَ مَعْذُورٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ فَقَوْلَانِ:
أَظْهَرُهُمَا: تَبْطُلُ لِنُدُورِهِ، وَكَمَا لَوْ
стр. 289
أَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِلَا وُضُوءٍ أَوْ قَاعِدًا فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ قَطْعًا. وَلَوْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، بِأَنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي مَوْضِعِ الْقُعُودِ، فَقَالَ الْمَأْمُومُ: اقْعُدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ هُوَ بِعُذْرٍ، فَإِنَّ طَرِيقَهُ التَّسْبِيحُ، وَلَوْ أَشْرَفَ إِنْسَانٌ عَلَى الْهَلَاكِ، فَأَرَادَ إِنْذَارَهُ وَتَنْبِيهَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِالْكَلَامِ وَجَبَ الْكَلَامُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ خَاطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَصْرِهِ مُصَلِّيًا لَزِمَهُ الْجَوَابُ بِالنُّطْقِ فِي الْحَالِ وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَلَوْ قَالَ: «آهٍ» مِنْ خَوْفِ النَّارِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ.
فَرْعٌ
مَتَى نَابَ الرَّجُلَ الْمُصَلِّيَ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، بِأَنْ رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ، أَوِ اسْتَأْذَنَهُ إِنْسَانٌ فِي الدُّخُولِ، أَوْ أَرَادَ إِعْلَامَ غَيْرِهِ أَمْرًا، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَبِّحَ، وَالْمَرْأَةُ تُصَفِّقُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَالتَّصْفِيقُ: أَنْ تَضْرِبَ بَطْنَ كَفِّهَا الْيُمْنَى، عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْيُسْرَى. وَقِيلَ: تَضْرِبُ أَكْثَرَ أَصَابِعِهَا الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِهَا الْيُسْرَى. وَقِيلَ: تَضْرِبُ أُصْبُعَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ. وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَضْرِبَ بَطْنَ كَفٍّ عَلَى بَطْنِ كَفٍّ. فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا لِمُنَافَاتِهِ.
فَرْعٌ
الْكَلَامُ الْمُبْطِلُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُذْرِ هُوَ مَا سِوَى الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا. فَلَوْ أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ نَظْمِ الْقُرْآنِ قَاصِدًا الْقِرَاءَةَ، أَوِ الْقِرَاءَةَ مَعَ شَيْءٍ آخَرَ، كَتَنْبِيهِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ، أَوِ الْفَتْحِ عَلَى مَنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ، أَوْ تَفْهِيمِ أَمْرٍ
стр. 290
كَقَوْلِهِ لِجَمَاعَةٍ يَسْتَأْذِنُونَ فِي الدُّخُولِ: (ادْخَلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ) الْحِجْرِ: ٤٦. أَوْ يَقُولُ: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) مَرْيَمَ: ١٢. وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ قَدِ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهِ إِلَى تِلْكَ الْآيَةِ، أَوْ أَنَشَأَ قِرَاءَتَهَا حِينَئِذٍ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ مَعَ الْقِرَاءَةِ شَيْئًا آخَرَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ قَصَدَ الْإِفْهَامَ وَالْإِعْلَامَ فَقَطْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ أَتَى بِكَلِمَاتٍ لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى نَظْمِهَا، وَتُوجَدُ مُفْرَدَاتُهَا، كَقَوْلِهِ: (يَا إِبْرَاهِيمُ) (سَلَامٌ) (كُنْ) بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ الْقُرْآنِ بِحَالٍ. وَأَمَّا الْأَذْكَارُ وَالتَّسْبِيحَاتُ وَالْأَدْعِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَلَا يَضُرُّ، سَوَاءٌ الْمَسْنُونُ وَغَيْرُهُ. لَكِنْ مَا فِيهِ خِطَابُ مَخْلُوقٍ غَيْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ. فَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ أَوْ رَدَّ ﵇ بِلَفْظِ الْخِطَابِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَيَرُدُّ السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ وَلَوْ قَالَ: ﵇، لَمْ يَضُرَّ. وَلَوْ قَالَ لِلْعَاطِسِ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ لَمْ يَضُرَّ. وَلَوْ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
فَرْعٌ
السُّكُوتُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّ بِحَالٍ، وَكَذَا الْكَثِيرُ عَمْدًا، إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ بِأَنْ نَسِيَ شَيْئًا فَسَكَتَ لِيَتَذَكَّرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَكَذَا إِنْ سَكَتَ لِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ سَكَتَ كَثِيرًا نَاسِيًا، وَقُلْنَا: عَمْدُهُ مُبْطِلٌ، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَضُرُّ. وَالثَّانِي: عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَاعْلَمْ أَنَّ إِشَارَةَ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةَ، كَالنُّطْقِ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
стр. 291
الشَّرْطُ السَّابِعُ: الْكَفُّ عَنِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ. اعْلَمْ أَنَّ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ ضَرْبَانِ. أَحَدُهُمَا: مِنْ جِنْسِهَا. وَالثَّانِي: لَيْسَ مِنْ جِنْسِهَا. فَالْأَوَّلُ: إِذَا فَعَلَهُ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، كَمَنْ زَادَ رُكُوعًا، أَوْ سُجُودًا أَوْ رَكْعَةً. وَإِنْ تَعَمَّدَهُ بَطَلَتْ، سَوَاءٌ قَلَّ أَمْ كَثُرَ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مِنْهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ. وَالْقَلِيلُ لَا يُبْطِلُ. وَفِي ضَبْطِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: الْقَلِيلُ مَا لَا يَسَعُ زَمَانُهُ فِعْلَ رَكْعَةٍ. وَالْكَثِيرُ مَا يَسَعُهَا. وَالثَّانِي: كُلُّ عَمَلٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى كِلْتَا يَدَيْهِ، كَرَفْعِ الْعِمَامَةِ، وَحَلِّ أُنْشُوطَةِ السَّرَاوِيلِ فَقَلِيلٌ. وَمَا احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ كَتَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ، وَعَقْدِ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ فَكَثِيرٌ. وَالثَّالِثُ: الْقَلِيلُ مَا لَا يَظُنُّ النَّاظِرُ إِلَيْهِ أَنَّ فَاعِلَهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ. وَالْكَثِيرُ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا. وَضُعِّفَ هَذَا بِأَنَّ مَنْ رَآهُ يَحْمِلُ صَبِيًّا، أَوْ يَقْتُلُ حَيَّةً، أَوْ عَقْرَبًا، يَتَخَيَّلُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَهَذَا لَا يَضُرُّ قَطْعًا. وَالرَّابِعُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ. فَلَا يَضُرُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ قَلِيلًا كَالْإِشَارَةِ بِرَدِّ السَّلَامِ، وَخَلْعِ النَّعْلِ، وَلِبْسِ الثَّوْبِ الْخَفِيفِ، وَنَزْعِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالُوا: الْفِعْلَةُ الْوَاحِدَةُ، كَالْخُطْوَةِ وَالضَّرْبَةِ، قَلِيلٌ قَطْعًا. وَالثَّلَاثُ: كَثِيرٌ قَطْعًا. وَالِاثْنَتَانِ: مِنَ الْقَلِيلِ عَلَى الْأَصَحِّ. ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ إِنَّمَا يُبْطِلُ إِذَا تَوَالَى. فَإِنْ تَفَرَّقَ بِأَنْ خَطَا خُطْوَةً، ثُمَّ بَعْدَ زَمَنٍ خَطَا أُخْرَى، أَوْ خُطْوَتَيْنِ ثُمَّ خُطْوَتَيْنِ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ، وَقُلْنَا: إِنَّهُمَا قَلِيلٌ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَرَّاتٍ فَهِيَ كَثِيرَةٌ، لَمْ يَضُرَّ قَطْعًا. وَحَدُّ التَّفْرِيقِ: أَنْ يُعَدَّ الثَّانِي مُنْقَطِعًا عَنِ الْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : عِنْدِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ رَكْعَةٍ. ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْفِعْلَةِ الْوَاحِدَةِ الَّتِي لَا تُبْطِلُ، مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ، فَإِنْ أَفْرَطَتْ كَالْوَثْبَةِ
стр. 292
الْفَاحِشَةِ أَبْطَلَتْ قَطْعًا. وَكَذَا قَوْلُهُمْ: الثَّلَاثُ الْمُتَوَالِيَةُ تُبْطِلُ. أَرَادَ: وَالْخُطُوَاتُ وَنَحْوُهَا. فَأَمَّا الْحَرَكَاتُ الْخَفِيفَةُ، كَتَحْرِيكِ الْأَصَابِعِ فِي سُبْحَةٍ، أَوْ حَكَّةٍ، أَوْ حَلٍّ وَعَقْدٍ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تَضُرُّ وَإِنْ كَثُرَتْ مُتَوَالِيَةً. وَالثَّانِي: تُبْطِلُ كَغَيْرِهَا. وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَعُدُّ الْآيَاتِ فِي صَلَاتِهِ عَقْدًا بِالْيَدِ لَمْ تَبْطُلْ، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا إِذَا تَعَمَّدَ الْفِعْلَ الْكَثِيرَ، فَأَمَّا إِذَا فَعَلَهُ نَاسِيًا، فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ النَّاسِيَ كَالْعَامِدِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ فِي كَلَامِ النَّاسِي. وَقِيلَ: أَوَّلُ حَدِّ الْكَثْرَةِ لَا يُؤَثِّرُ. وَمَا زَادَ وَانْتَهَى إِلَى السَّرَفِ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. هَذَا كُلُّهُ حُكْمُ الْفِعْلِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ. أَمَّا فِيهَا فَيُحْتَمَلُ الرَّكْضُ وَالْعَدْوُ لِلْحَاجَةِ. وَفِي غَيْرِ الْحَاجَةِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنَ الْمُصْحَفِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَضُرَّ، بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَحْفَظِ الْفَاتِحَةَ كَمَا سَبَقَ. وَلَوْ قَلَّبَ الْأَوْرَاقَ أَحْيَانًا لَمْ يَضُرَّ. وَلَوْ نَظَرَ فِي مَكْتُوبٍ غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَرَدَّدَ مَا فِيهِ فِي نَفْسِهِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ إِذَا كَثُرَ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَهُوَ شَاذٌّ.
فَرْعٌ
يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ مِنْ جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا. وَيَدْنُو مِنْهَا بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ، غَرَزَ عَصًا وَنَحْوَهَا، أَوْ جَمَعَ شَيْئًا مِنْ رَحْلِهِ أَوْ مَتَاعِهِ. وَلْيَكُنْ قَدْرَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا شَاخِصًا، خَطَّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَطًّا، أَوْ بَسَطَ مُصَلًّى. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: لَا عِبْرَةَ بِالْخَطِّ. وَالصَّوَابُ مَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الِاكْتِفَاءُ بِالْخَطِّ كَمَا إِذَا اسْتَقْبَلَ شَيْئًا شَاخِصًا.
قُلْتُ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ: فِي الِاكْتِفَاءِ بِالْخَطِّ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ فِي (الْقَدِيمِ)
стр. 293
وَ (سُنَنِ) حَرْمَلَةَ: يُسْتَحَبُّ. وَنَفَاهُ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) لِاضْطِرَابِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِيهِ وَضَعْفِهِ.
وَاخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْخَطِّ. فَقِيلَ: يُجْعَلُ مِثْلَ الْهِلَالِ. وَقِيلَ: يُمَدُّ طُولًا إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ. وَقِيلَ: يَمُدُّهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. وَالْمُخْتَارُ اسْتِحْبَابُ الْخَطِّ، وَأَنْ يَكُونَ طُولًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِذَا صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ، مَنَعَ غَيْرَهُ مِنَ الْمُرُورِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ. وَكَذَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَطِّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: كَالْعَصَا. وَهَلْ هُوَ مَنْعُ تَحْرِيمٍ، أَوْ تَنْزِيهٍ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: مَنْعُ تَحْرِيمٍ. وَلِلْمُصَلِّي أَنْ يَدْفَعَهُ، وَيَضْرِبَهُ عَلَى الْمُرُورِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى قَتْلِهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُتْرَةٌ، أَوْ كَانَتْ وَتَبَاعَدَ مِنْهَا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ لِتَقْصِيرِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يَحْرُمُ حِينَئِذٍ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ وَجَدَ الدَّاخِلُ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَلَهُ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ الثَّانِي وَيَقِفَ فِيهَا، لِتَقْصِيرِ أَصْحَابِ الثَّانِي بِتَرْكِهَا. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُرُورِ وَالْأَمْرُ بِالدَّفْعِ إِذَا وَجَدَ الْمَارُّ سَبِيلًا سِوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ وَازْدَحَمَ النَّاسُ فَلَا نَهْيَ عَنِ الْمُرُورِ وَلَا يُشْرَعُ الدَّفْعُ. وَتَابَعَ الْغَزَالِيُّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ عَلَى هَذَا، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي (الْبُخَارِيِّ) خِلَافُهُ. وَأَكْثَرُ كُتُبِ الْأَصْحَابِ سَاكِتَةٌ عَنْ تَقْيِيدِ الْمَنْعِ بِمَا إِذَا وَجَدَ سِوَاهُ سَبِيلًا.
قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ وُجُودِ السَّبِيلِ وَعَدَمِهِ. فَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ. وَلَمْ يَرِدْ شَيْءٌ يُخَالِفُهُ، وَلَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ لِغَيْرِ الْإِمَامِ مَا يُخَالِفُهُ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِ شَيْءٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، سَوَاءً مَرَّ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ حِمَارٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. وَإِذَا صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ فَالسُّنَّةُ
стр. 294
أَنْ يَجْعَلَهَا مُقَابِلَةً لِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ وَلَا يَصْمُدَ لَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْطُ الثَّامِنُ: الْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ. فَلَوْ أَكَلَ شَيْئًا، وَإِنْ قَلَّ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا تَبْطُلُ بِالْقَلِيلِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَلَوْ كَانَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ فَابْتَلَعَهُ، أَوْ نَزَلَتْ نُخَامَةٌ مِنْ رَأْسِهِ فَابْتَلَعَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ أَكَلَ مَغْلُوبًا، بِأَنْ جَرَى الرِّيقُ بِبَاقِي الطَّعَامِ، أَوْ نَزَلَتِ النُّخَامَةُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ إِمْسَاكُهَا لَمْ تَبْطُلْ. وَإِنْ أَكَلَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَإِنْ قَلَّ لَمْ تَبْطُلْ. وَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَتُعْرَفُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ بِالْعُرْفِ. وَلَوْ وَصَلَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ مَضْغٍ وَابْتِلَاعٍ، بِأَنْ وَضَعَ فِي فَمِهِ سُكَّرَةً فَذَابَتْ وَنَزَلَتْ إِلَى جَوْفِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَعَلَى هَذَا تَبْطُلُ بِكُلِّ مَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَضْغَ وَحْدَهُ فِعْلٌ يُبْطِلُ الْكَثِيرُ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَصِلْ شَيْءٌ إِلَى الْجَوْفِ، حَتَّى لَوْ كَانَ يَمْضُغُ عِلْكًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ لَمْ يَمْضُغْهُ، وَكَانَ جَدِيدًا يَذُوبُ فَهُوَ كَالسُّكَّرَةِ. وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ فِي فَمِهِ إِجَّاصَةً.
فَصْلٌ
وَلِلْمُحْدِثِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ.
قُلْتُ: وَكَذَا النَّوْمُ بِلَا كَرَاهَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مُكْثِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَعُبُورِهِمَا. وَهَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ دُخُولِ حَرَمِ مَكَّةَ بِحَالٍ، سَوَاءٌ مَسَاجِدُهُ وَغَيْرُهَا. وَلَهُ دُخُولُ مَسَاجِدِ غَيْرِ الْحَرَمِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ. وَلَيْسَ لَهُ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ فَعَلَهُ عُزِّرَ. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : لَوْ جَلَسَ فِيهِ الْحَاكِمُ لِلْحُكْمِ، فَلِلذِّمِّيِّ دُخُولُهُ لِلْمُحَاكَمَةِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَيُنَزَّلُ جُلُوسُهُ مَنْزِلَةَ إِذْنِهِ. وَإِذَا اسْتَأْذَنَ لِنَوْمٍ أَوْ
стр. 295
أَكْلٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَأْذَنَ لَهُ. وَإِنِ اسْتَأْذَنَ لِسَمَاعِ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ أَذِنَ لَهُ رَجَاءَ إِسْلَامِهِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا، فَإِنْ كَانَ فَهَلْ يُمْنَعُ مِنَ الْمُكْثِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. وَالْكَافِرَةُ الْحَائِضَةُ تُمْنَعُ حَيْثُ تُمْنَعُ الْمُسْلِمَةُ، وَكَذَا الصِّبْيَانُ وَالْمَجَانِينُ يُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِهِ.
قُلْتُ: وَلَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ مِنْ دُخُولِ الْمُصَلَّى الَّذِي لَيْسَ بِمَسْجِدٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَيْنِ. وَأَجْرَاهُمَا فِي مَنْعِ الْكَافِرِ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَقَدْ ذَكَرْتُ جُمَلًا مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَسْجِدِ فِي بَابِ مَا يُوجِبُ الْغَسْلَ، مِنْ شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ) . وَأَنَا أُشِيرُ إِلَى أَحْرُفٍ مِنْ بَعْضِهَا، فَيُكْرَهُ نَقْشُ الْمَسْجِدِ، وَاتِّخَاذُ الشُّرُفَاتِ لَهُ. وَلَا بَأْسَ بِإِغْلَاقِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَالْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ. فَإِنْ خَالَفَ فَبَصَقَ فَقَدِ ارْتَكَبَ النَّهْيَ، فَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهُ فِي رَمْلِ الْمَسْجِدِ وَتُرَابِهِ. وَلَوْ مَسَحَهُ بِيَدِهِ أَوْ غَيْرِهَا كَانَ أَفْضَلَ. وَيُكْرَهُ لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا، أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ - دُخُولُ الْمَسْجِدِ بِلَا ضَرُورَةٍ مَا لَمْ يَذْهَبْ رِيحُهُ. وَيُكْرَهُ غَرْسُ الشَّجَرِ فِيهِ. فَإِنْ غُرِسَ قَطَعَهُ الْإِمَامُ. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَيُكْرَهُ حَفْرُ الْبِئْرِ فِيهِ، وَيُكْرَهُ عَمَلُ الصَّنَائِعِ، وَلَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِ وَالْوُضُوءِ إِذَا لَمْ يَتَأَذَّ بِهِ النَّاسُ. وَيُقَدِّمُ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَفِي الْخُرُوجِ الْيُسْرَى، وَيَدْعُو بِالدَّعَوَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِ. وَلِحَائِطِ الْمَسْجِدِ مِنْ خَارِجِهِ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 296
الْبَابُ السَّادِسُ فِي السَّجَدَاتِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ صُلْبِ الصَّلَاةِ
هُنَّ ثَلَاثٌ. الْأُولَى: سُجُودُ السَّهْوِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ شَيْئَانِ: تَرْكُ مَأْمُورٍ، وَارْتِكَابُ مَنْهِيٍّ. أَمَّا تَرْكُ الْمَأْمُورِ فَقِسْمَانِ: تَرْكُ رُكْنٍ وَغَيْرِهِ. أَمَّا الرُّكْنُ فَلَا يَكْفِي عَنْهُ السُّجُودُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهِ. ثُمَّ قَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ السُّجُودَ بَعْدَ التَّدَارُكِ، وَقَدْ لَا يَقْتَضِيهِ. كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا غَيْرُ الرُّكْنِ فَأَبْعَاضٌ وَغَيْرُهَا. فَالْأَبْعَاضُ: تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي أَوَّلِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ مَجْبُورَةٌ بِالسُّجُودِ إِنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهَا سَهْوًا قَطْعًا. وَكَذَلِكَ إِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَمَّا غَيْرُ الْأَبْعَاضِ مِنَ السُّنَنِ، فَلَا يَسْجُدُ لِتَرْكِهَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ. وَلَنَا قَوْلٌ قَدِيمٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ لِتَرْكِ كُلِّ مَسْنُونٍ، ذِكْرًا كَانَ أَوْ عَمَلًا. وَوَجْهُهُ: أَنَّ مَنْ نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ سَجَدَ. وَأَمَّا الْمَنْهِيُّ فَقِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ. كَالِالْتِفَاتِ، وَالْخُطْوَةِ، وَالْخُطْوَتَيْنِ. وَالثَّانِي: تَبْطُلُ بِعَمْدِهِ، كَالْكَلَامِ، وَالرُّكُوعِ الزَّائِدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَالْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَقْتَضِيَ سَهْوُهُ السُّجُودَ. وَالثَّانِي: يَقْتَضِيهِ إِذَا لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ. وَقَوْلُنَا: إِذَا لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ، احْتِرَازٌ مِنْ كَثِيرِ الْفِعْلِ، وَالْأَكْلِ، وَالْكَلَامِ، فَإِنَّهَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِعَمْدِهَا. وَكَذَلِكَ بِسَهْوِهَا عَلَى الْأَصَحِّ؛ فَلَا سُجُودَ. وَاحْتِرَازٌ مِنَ الْحَدَثِ أَيْضًا، فَإِنَّ عَمْدَهُ وَسَهْوَهُ يُبْطِلَانِ الصَّلَاةَ وَلَا سُجُودَ.
стр. 297
فَرْعٌ
الِاعْتِدَالُ عَنِ الرُّكُوعِ رُكْنٌ قَصِيرٌ، أُمِرَ الْمُصَلِّي بِتَخْفِيفِهِ. فَلَوْ أَطَالَهُ عَمْدًا بِالسُّكُوتِ أَوِ الْقُنُوتِ أَوْ بِذِكْرٍ آخَرَ لَيْسَ بِرُكْنٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) : تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِلَّا حَيْثُ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالتَّطْوِيلِ بِالْقُنُوتِ، أَوْ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ. وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ قَنَتَ عَمْدًا فِي اعْتِدَالِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بَطَلَتْ. وَإِنْ طَوَّلَ بِذِكْرٍ آخَرَ لَا يَقْصِدُ الْقُنُوتَ لَمْ تَبْطُلْ.
قُلْتُ: ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَوَّلَ الِاعْتِدَالَ جِدًّا. فَالرَّاجِحُ دَلِيلًا جَوَازُ إِطَالَتِهِ بِالذِّكْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَقَلَ رُكْنًا ذِكْرِيًّا إِلَى رُكْنٍ طَوِيلٍ، بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا، فِي الرُّكُوعِ أَوِ الْجُلُوسِ آخِرَ الصَّلَاةِ، أَوْ قَرَأَ التَّشَهُّدَ أَوْ بَعْضَهُ فِي الْقِيَامِ عَمْدًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا تَبْطُلُ قَطْعًا. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ نَقَلَهُ إِلَى الِاعْتِدَالِ وَلَمْ يُطِلْ، بِأَنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَ التَّشَهُّدِ. فَلَوِ اجْتَمَعَ الْمَعْنِيَّانِ بِطُولِ الِاعْتِدَالِ بِالْفَاتِحَةِ أَوِ التَّشَهُّدِ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: قَطْعًا. وَأَمَّا الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ رُكْنٌ قَصِيرٌ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَصَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرُهُمَا. وَالثَّانِي: طَوِيلٌ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَالْجُمْهُورُ. فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا فَلَا بَأْسَ بِتَطْوِيلِهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَفِي تَطْوِيلِهِ عَمْدًا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الِاعْتِدَالِ. وَإِذَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِعَمْدِهِ، فَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ سَهْوًا سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ، فَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَسَائِرِ مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ. وَأَصَحُّهُمَا: يَسْجُدُ. وَتُسْتَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ قَوْلِنَا: مَا لَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ، لَا يُسْجَدُ لِسَهْوِهِ.
стр. 298
فَصْلٌ
التَّرْتِيبُ وَاجِبٌ فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا لَمْ يُعْتَدَّ بِمَا فَعَلَهُ بَعْدَ الْمَتْرُوكِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ. فَإِنْ تَذَكَّرَ السَّهْوَ قَبْلَ فِعْلِ مِثْلِ الْمَتْرُوكِ اشْتَغَلَ عِنْدَ التَّذَكُّرِ بِالْمَتْرُوكِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ فِعْلِ مِثْلِهِ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى تَمَّتِ الرَّكْعَةُ السَّابِقَةُ بِهِ، وَلَغَا مَا بَيْنَهُمَا. هَذَا إِذَا عَرَفَ عَيْنَ الْمَتْرُوكِ وَمَوْضِعَهُ. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَخَذَ بِأَدْنَى الْمُمْكِنِ وَأَتَى بِالْبَاقِي. وَفِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، إِلَّا إِذَا وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، بِأَنْ تَرَكَ رُكْنًا وَأَشْكَلَ عَيْنُهُ وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ النِّيَّةَ أَوْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ. وَإِلَّا إِذَا كَانَ الْمَتْرُوكُ هُوَ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ إِذَا تَذَكَّرَ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، سَلَّمَ وَلَا حَاجَةَ إِلَى سُجُودِ السَّهْوِ. وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنَ الْأُولَى، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَا عِنْدَ تَذَكُّرِهِ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِبَ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ، فَهَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَسْجُدَ عَنْ قِيَامٍ، أَمْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْلِسَ مُطْمَئِنًّا، ثُمَّ يَسْجُدُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. فَإِنْ كَانَ جَلَسَ عَقِبَ [السَّجْدَةِ] الْمَفْعُولَةِ - وَقَصَدَ بِهِ الْجَلْسَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ - ثُمَّ غَفَلَ فَقَامَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ السُّجُودُ عَنْ قِيَامٍ. وَقِيلَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَصَدَ بِجَلْسَتِهِ الِاسْتِرَاحَةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِيهِ السُّجُودُ عَنْ قِيَامٍ، وَيُجْزِئُهُ جَلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ عَنِ الْوَاجِبِ. كَمَا لَوْ جَلَسَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ يَظُنُّهُ الْأَوَّلَ، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنِ الْأَخِيرِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْجُلُوسُ مُطْمَئِنًّا. وَلَوْ شَكَّ، هَلْ جَلَسَ؟ فَهُوَ كَمَا إِذَا لَمْ يَجْلِسْ. أَمَّا إِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ سُجُودِهِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ تَرْكَهُ سَجْدَةً مِنَ الْأُولَى، فَيَنْظُرُ، إِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ مَعًا، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، فَقَدْ تَمَّ بِمَا فَعَلَهُ رَكْعَتُهُ الْأُولَى،
стр. 299
وَلَغَا مَا بَيْنَهُمَا. ثُمَّ إِنْ كَانَ جَلَسَ فِي الْأُولَى بِنِيَّةِ الْجِلْسَةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ إِذَا قُلْنَا: تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، فَتَمَامُهَا بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى. وَإِنْ لَمْ يَجْلِسْ، أَوْ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَقُلْنَا: لَا يُجْزِئُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَوْ تَذَكَّرَ فِي الْقِيَامِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، يَجْلِسُ ثُمَّ يَسْجُدُ فَتَمَامُ الرَّكْعَةِ الْأُولَى هُنَا بِالسَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ. وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ: يَسْجُدُ عَنْ قِيَامٍ فَتَمَامُهَا بِالسَّجْدَةِ الْأُولَى. وَيُبْنَى عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إِذَا تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَرَكْعَتُهُ غَيْرُ تَامَّةٍ، فَيَسْجُدُ سَجْدَةً، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ ثَانِيَةٍ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَرَكْعَتُهُ تَامَّةٌ، فَيَقُومُ إِلَى ثَانِيَةٍ.
فَرْعٌ
لَوْ تَذَكَّرَ فِي جُلُوسِ الرَّكْعَةِ الرَّابِعَةِ، أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يُحْسَبُ لَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ، وَحَالٌ رَكْعَتَانِ، وَحَالٌ رَكْعَتَانِ إِلَّا سَجْدَةً. فَلَوْ تَيَقَّنَ ثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّالِثَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الرَّابِعَةِ، صَحَّتِ الرَّكْعَتَانِ الْأُولَيَانِ، وَحَصَلَتِ الثَّالِثَةُ، لَكِنْ لَا سُجُودَ فِيهَا، وَلَا فِيمَا بَعْدَهَا. فَيَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لِتَتِمَّ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى رَكْعَةٍ رَابِعَةٍ. وَهَكَذَا الْحُكْمُ، لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنَ الْأُولَى، وَسَجْدَةً مِنَ الثَّانِيَةِ، وَسَجْدَتَيْنِ مِنَ الرَّابِعَةِ. وَكَذَا لَوْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةً مِنَ الثَّالِثَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الرَّابِعَةِ. أَمَّا إِذَا تَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، فَيَحْصُلُ رَكْعَتَانِ، فَيُتِمُّ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ، وَالثَّالِثَةَ بِالرَّابِعَةِ. وَمِثْلُهُ لَوْ تَرَكَ ثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الْأُولَى أَوِ الثَّالِثَةِ، أَوْ ثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةً مِنَ الْأُولَى، وَأُخْرَى مِنَ الثَّالِثَةِ، أَوْ ثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَوَاحِدَةً مِنَ الثَّالِثَةِ، وَأُخْرَى مِنَ الرَّابِعَةِ، أَوْ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْأُولَى، وَثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُمَا غَيْرَ مُتَوَالِيَتَيْنِ، أَوْ وَاحِدَةً مِنَ الْأُولَى، وَوَاحِدَةً مِنَ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّالِثَةِ، أَوْ وَاحِدَةً مِنَ الثَّانِيَةِ
стр. 300
، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّالِثَةِ، وَوَاحِدَةً مِنَ الرَّابِعَةِ، فَيَحْصُلُ فِي كُلِّ هَذِهِ الصُّوَرِ رَكْعَتَانِ، وَيَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ. أَمَّا إِذَا تَرَكَ مِنَ الْأُولَى وَاحِدَةً، وَمِنَ الثَّانِيَةِ ثِنْتَيْنِ، وَمِنَ الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً، أَوْ مِنَ الْأُولَى ثِنْتَيْنِ، وَمِنَ الثَّانِيَةِ وَاحِدَةً، وَمِنَ الرَّابِعَةِ أُخْرَى. وَكَذَا كُلُّ صُورَةٍ تَرَكَ ثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَةٍ، وَثِنْتَيْنِ مِنْ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، فَيَحْصُلُ رَكْعَتَانِ إِلَّا سَجْدَةً. فَيَسْجُدُهَا ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَتَيْنِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا عَرَفَ مَوَاضِعَ السَّجَدَاتِ. فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ، أَخَذَ بِالْأَشَدِّ، فَيَأْتِي بِسَجْدَةٍ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُهُ سَجْدَتَانِ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ. وَهُوَ غَلَطٌ شَاذٌّ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ قَدْ جَلَسَ عَقِبَ السَّجَدَاتِ الْمَفْعُولَاتِ كُلِّهِنَّ عَلَى قَصْدِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ عَلَى قَصْدِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، إِذَا قُلْنَا: تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، أَوْ قُلْنَا: إِنَّ الْقِيَامَ يَقُومُ مَقَامَ الْجَلْسَةِ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجْلِسْ فِي بَعْضِ الرَّكَعَاتِ أَوْ لَمْ يَجْلِسْ فِي غَيْرِ الرَّابِعَةِ، وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّ الْقِيَامَ لَا يَكْفِي عَنِ الْجِلْسَةِ، فَلَا يُحْسَبُ مَا بَعْدَ السَّجْدَةِ الْمَفْعُولَةِ إِلَى أَنْ يَجْلِسَ. حَتَّى لَوْ تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي الْأَخِيرَةِ، أَوْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ جَلَسَ فِي الثَّانِيَةِ بِنِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقُلْنَا: الْفَرْضُ لَا يَتَأَدَّى بِالنَّفْلِ، لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِمَّا فَعَلَ إِلَّا رَكْعَةٌ نَاقِصَةٌ سَجْدَةً. ثُمَّ هَذَا الْجُلُوسُ الَّذِي تَذَكَّرَ فِيهِ، يَقُومُ مَقَامَ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. فَيَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ. أَمَّا إِذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا مِنَ الْأَخِيرَةِ، سَجَدَهَا، وَاسْتَأْنَفَ التَّشَهُّدَ إِنْ كَانَ تَشَهَّدَ، وَإِنْ عَلِمَهَا مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ، أَوْ شَكَّ، لَزِمَهُ رَكْعَةٌ. وَإِنْ تَذَكَّرَ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتَا مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، كَفَاهُ سَجْدَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ. فَإِنْ كَانَتَا مِنْ رَكْعَةٍ، لَزِمَهُ رَكْعَةٌ. وَإِنْ كَانَتَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَقَدْ يَكْفِيهِ رَكْعَةٌ، بِأَنْ يَكُونَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ. وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى رَكْعَتَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ غَيْرِ مُتَوَالِيَتَيْنِ. فَإِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ، لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ. وَإِنْ تَرَكَ ثَلَاثَ سَجَدَاتٍ، فَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ حُصُولَ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ إِلَّا سَجْدَةً، بِأَنْ تَكُونَ
стр. 301
ثِنْتَانِ مِنَ الْأُولَى، أَوِ الثَّانِيَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ، وَوَاحِدَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ. فَيَسْجُدُ سَجْدَةً، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ. وَقَدْ يَقْتَضِي حُصُولَ ثَلَاثٍ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ، بِأَنْ تَكُونَ سَجْدَةٌ مِنَ الْأُولَى، وَثِنْتَانِ مِنَ الرَّابِعَةِ. وَقَدْ يَقْتَضِي حُصُولَ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ، بِأَنْ يَكُونَ الثَّلَاثُ، مِنَ الثَّلَاثِ الْأُولَيَاتِ. فَإِنْ أَشْكَلَ، لَزِمَهُ هَذَا الْأَشَدُّ. وَإِنْ تَرَكَ خَمْسَ سَجَدَاتٍ، فَقَدْ تَحْصُلُ رَكْعَتَانِ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ بِأَنْ تَكُونَ وَاحِدَةٌ مِنَ الْأُولَى، وَثِنْتَانِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَانِ مِنَ الرَّابِعَةِ. وَقَدْ يَحْصُلُ رَكْعَةٌ فَقَطْ بِأَنْ يَتْرُكَ سَجْدَةً مِنَ الْأُولَى، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَثِنْتَيْنِ مِنَ الثَّالِثَةِ. فَإِنْ أَشْكَلَ، لَزِمَهُ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. وَقَالَ فِي (الْمُهَذَّبِ) : يَلْزَمُهُ سَجْدَتَانِ، وَرَكْعَتَانِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَلَوْ تَرَكَ سِتَّ سَجَدَاتٍ، حَصَلَ رَكْعَةٌ فَقَطْ. وَإِنْ تَرَكَ سَبْعًا، حَصَلَ رَكْعَةٌ إِلَّا سَجْدَةً. وَإِنْ تَرَكَ ثَمَانِيًا، حَصَلَ رَكْعَةٌ إِلَّا سَجْدَتَيْنِ. ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ يَطَّرِدُ لَوْ تَذَكَّرَ السَّهْوَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ. فَإِنْ طَالَ، وَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفَصْلِ. وَيُمْكِنُ عَدُّهَا مِنْ قِسْمِ تَرْكِ الْمَأْمُورِ - لِأَنَّ التَّرْتِيبَ مَأْمُورٌ بِهِ، فَتَرْكُهُ عَمْدًا مُبْطِلٌ، فَسَهْوُهُ يَقْتَضِي السُّجُودَ - وَمِنِ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيِّ، لِأَنَّهُ إِذَا تَرَكَ التَّرْتِيبَ، فَقَدْ زَادَ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَرْكَانِ.
فَرْعٌ
تَقَدَّمَ أَنَّ فَوَاتَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي سُجُودَ السَّهْوِ. فَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ نَاسِيًا لِلتَّشَهُّدِ، أَوْ جَلَسَ، وَلَمْ يَقْرَأِ التَّشَهُّدَ، وَنَهَضَ نَاسِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَتَارَةً يَتَذَكَّرُ بَعْدَ الِانْتِصَابِ قَائِمًا، وَتَارَةً قَبْلَهُ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَمْ تَجُزِ الْعَوْدَةُ إِلَى الْقُعُودِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزُ الْعَوْدُ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ. وَالْأَوْلَى: أَنْ لَا يَعُودَ. وَهَذَا الْوَجْهُ: شَاذٌّ مُنْكَرٌ. فَعَلَى الصَّحِيحِ: إِنْ عَادَ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ عَادَ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ
стр. 302
عِنْدَ تَذَكُّرِهِ وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ عَادَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ كَالنَّاسِي. وَالثَّانِي: كَالْعَامِدِ. هَذَا حُكْمُ الْمُنْفَرِدِ. وَالْإِمَامُ فِي مَعْنَاهُ، فَلَا يَرْجِعُ بَعْدَ الِانْتِصَابِ. وَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَتَخَلَّفَ لِلتَّشَهُّدِ. فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ لِيَتَشَهَّدَ، جَازَ وَكَانَ مُفَارِقًا بِعُذْرٍ. وَلَوِ انْتَصَبَ مَعَ الْإِمَامِ، فَعَادَ الْإِمَامُ، لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ الْعَوْدُ، بَلْ يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَظِرَهُ قَائِمًا حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ عَادَ نَاسِيًا؟ وَجْهَانِ سَبَقَ مِثْلُهُمَا فِي التَّنَحْنُحِ.
قُلْتُ: فَإِنْ عَادَ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ، عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ عَادَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا، لَمْ تَبْطُلْ. وَلَوْ قَعَدَ الْمَأْمُومُ، فَانْتَصَبَ الْإِمَامُ ثُمَّ عَادَ، لَزِمَ الْمَأْمُومَ الْقِيَامُ، لِأَنَّهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ بِانْتِصَابِ الْإِمَامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَعَدَ الْإِمَامُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَقَامَ الْمَأْمُومُ نَاسِيًا، أَوْ نَهَضَا، فَتَذَكَّرَ الْإِمَامُ، فَعَادَ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَانْتَصَبَ الْمَأْمُومُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا: يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ الْعَوْدُ إِلَى التَّشَهُّدِ لِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ. فَإِنْ لَمْ يَعُدْ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَمُتَابِعُوهُ، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) . وَالثَّانِي: يَحْرُمُ الْعَوْدُ. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ، وَلَا يَجِبُ. وَلَوْ قَامَ الْمَأْمُومُ قَاصِدًا، فَقَدْ قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ الْعَوْدُ. كَمَا لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ، أَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَهُ عَمْدًا، يَحْرُمُ الْعَوْدُ. فَإِنْ عَادَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ زَادَ رُكْنًا عَمْدًا. فَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ سَهْوًا، بِأَنْ سَمِعَ صَوْتًا، فَظَنَّ أَنَّ الْإِمَامَ رَكَعَ، فَرَكَعَ، فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يَرْكَعْ، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي جَوَازِ الرُّكُوعِ وَجْهَانِ. وَقَالَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَآخَرُونَ: فِي وُجُوبِ الرُّجُوعِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ. فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، بَلْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ. وَلِلنِّزَاعِ فِي صُورَةِ قَصْدِ الْقِيَامِ، مَجَالٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ أَطْبَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ رَكَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ عَمْدًا، اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مَعَ الْإِمَامِ، فَجَعَلُوهُ مُسْتَحَبًّا.
стр. 303
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَذَكَّرَ قَبْلَ الِانْتِصَابِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ ﵏: يَرْجِعُ إِلَى التَّشَهُّدِ. وَالْمُرَادُ بِالِانْتِصَابِ، الِاعْتِدَالُ وَالِاسْتِوَاءُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَفِي وَجْهٍ: الْمُرَادُ بِهِ: أَنْ يَصِيرَ إِلَى حَالٍ هِيَ أَرْفَعُ مِنْ حَدِّ أَقَلِّ الرُّكُوعِ. ثُمَّ إِذَا عَادَ قَبْلَ الِانْتِصَابِ، هَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَسْجُدُ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمُ الْقَفَّالُ: إِنْ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى الْقُعُودِ، ثُمَّ عَادَ، سَجَدَ. وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ، أَوْ كَانَتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّهُ إِذَا صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقَرِبَ فَقَدْ أَتَى بِفِعْلٍ يُغَيِّرُ نَظْمَ الصَّلَاةِ، (وَ) لَوْ تَعَمَّدَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أَبْطَلَ الصَّلَاةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَآخَرُونَ: إِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لَمْ يَسْجُدْ. وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهِ سَجَدَ. وَالْمُرَادُ بِحَدِّ الرُّكُوعِ أَكْمَلُهُ لَا أَقَلُّهُ. بَلْ لَوْ قَرُبَ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ حَدِّ أَكْمَلِ الرُّكُوعِ، وَلَمْ يَبْلُغْهُ، فَهُوَ فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ، صَرَّحَ بِهِ فِي (النِّهَايَةِ) . وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ، مَعَ عِبَارَةِ الْقَفَّالِ وَرُفْقَتِهِ مُتَقَارِبَتَانِ، وَالْأُولَى أَوْفَى بِالْغَرَضِ، وَهِيَ أَظْهَرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلَيْنِ، وَبِهَا قَطَعَ فِي (التَّهْذِيبِ) وَهِيَ كَالتَّوَسُّطِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَحَمْلِهِمَا عَلَى الْحَالَيْنِ. ثُمَّ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْحَالَتَيْنِ هُوَ فِيمَا إِذَا تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنَهَضَ نَاسِيًا. فَأَمَّا إِذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الِانْتِصَابِ وَالِاعْتِدَالِ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ مَا صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ لَمْ تَبْطُلْ. وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا، فَافْتَتَحَ الْقِرَاءَةَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى ظَنٍّ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، وَجَاءَ وَقْتُ الثَّالِثَةِ، لَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى الْقِرَاءَةِ وَهُوَ عَالِمٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَشَهَّدْ، فَلَهُ الْعَوْدُ إِلَى قِرَاءَةِ التَّشَهُّدِ. وَتَرْكُ الْقُنُوتِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَإِذَا نَسِيَهُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ بَعْدَ وَضْعِ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَجُزِ الْعَوْدُ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَهُ الْعَوْدُ. ثُمَّ إِنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَلَا.
стр. 304
فَرْعٌ
إِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ عَنْ قِيَامٍ ظَانًّا أَنَّهُ أَتَى بِالسَّجْدَتَيْنِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَالَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، لَزِمَهُ تَدَارُكُ السَّجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إِعَادَةُ التَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا الْحُكْمُ بِالرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، بَلْ لَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ صَلَاةٍ رُبَاعِيَّةٍ، أَوْ ثُلَاثِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ يَتَدَارَكُ السَّجْدَتَيْنِ، وَيُعِيدُ التَّشَهُّدَ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي مَوْضِعِهِ، إِلَّا أَنَّ إِعَادَةَ التَّشَهُّدِ هُنَا سُنَّةٌ. وَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ لَا يَعْقُبُهَا تَشَهُّدٌ، فَإِذَا تَذَكَّرَ، تَدَارَكَ السَّجْدَتَيْنِ وَقَامَ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. أَمَّا إِذَا جَلَسَ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، أَوِ الثَّالِثَةِ مِنَ الرُّبَاعِيَّةِ، وَقَرَأَ التَّشَهُّدَ أَوْ بَعْضَهُ ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ زَادَ قُعُودًا طَوِيلًا. فَلَوْ لَمْ يُطِلْ لَمْ يَسْجُدْ. وَالتَّطْوِيلُ: أَنْ يَزِيدَ عَلَى جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ. أَمَّا إِذَا تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ تَذَكَّرَ، فَيَتَدَارَكُ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ، وَيُعِيدُ التَّشَهُّدَ. وَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: السُّجُودُ. وَلَوْ لَمْ يَتَشَهَّدْ، لَكِنْ طَوَّلَ الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ - سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. أَمَّا إِذَا جَلَسَ عَنْ قِيَامٍ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ ثُمَّ تَذَكَّرَ فَيَشْتَغِلُ بِالسَّجْدَتَيْنِ وَمَا بَعْدَهُمَا عَلَى تَرْتِيبِ صَلَاتِهِ. ثُمَّ إِنْ طَالَ جُلُوسُهُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، بَلْ كَانَ فِي حَدِّ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّ تَعَمُّدَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، بِخِلَافِ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقِيَامِ.
فَرْعٌ
إِذَا قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ فِي رُبَاعِيَّةٍ نَاسِيًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ قَبْلَ السَّلَامِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْجُلُوسِ، وَيَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، وَيُسَلِّمَ، سَوَاءً تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الْخَامِسَةِ، أَوْ
стр. 305
رُكُوعِهَا، أَوْ سُجُودِهَا. وَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْجُلُوسِ فِيهَا، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ. وَأَمَّا التَّشَهُّدُ، فَإِنْ تَذَكَّرَ بَعْدَ الْجُلُوسِ، وَالتَّشَهُّدِ فِي الْخَامِسَةِ، لَمْ يُعِدْهُ، وَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ التَّشَهُّدِ فِي الْخَامِسَةِ، وَلَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ تَشَهَّدَ فِي الرَّابِعَةِ، كَفَاهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. هَذَا إِنْ تَشَهَّدَ بِنِيَّةِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، فَإِنْ كَانَ بِنِيَّةِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا كَانَ بِنِيَّةِ الْأَخِيرِ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي تَأَدِّي الْفَرْضِ بِنِيَّةِ النَّفْلِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَتِهِ، وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ، أَوِ الْأَكْثَرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَرَكَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فِي السُّجُودِ، فَهَلْ يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيَامِ لِيَرْكَعَ مِنْهُ، أَمْ يَكْفِيَهُ أَنْ يَقُومَ رَاكِعًا؟ وَجْهَانِ لِابْنِ سُرَيْجٍ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي قَاعِدَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ فِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ
وَهِيَ أَنَّا إِذَا تَيَقَّنَا وُجُودَ شَيْءٍ أَوْ عَدَمَهُ، ثُمَّ شَكَّكْنَا فِي تَغَيُّرِهِ وَزَوَالِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّا نَسْتَصْحِبُ الْيَقِينَ الَّذِي كَانَ، وَنَطْرَحُ الشَّكَّ، فَإِذَا شَكَّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ يَنْجَبِرُ تَرْكُهُ بِالسُّجُودِ، وَهُوَ الْأَبْعَاضُ، فَالْأَصْلُ، أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : هَذَا إِذَا كَانَ الشَّكُّ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ مُعَيَّنٍ، فَأَمَّا إِذَا شَكَّ، هَلْ تَرَكَ مَأْمُورًا، أَمْ لَا؟ فَلَا يَسْجُدُ كَمَا لَوْ شَكَّ: هَلْ سَهَا، أَمْ لَا؟
стр. 306
وَلَوْ شَكَّ فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ، كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ نَاسِيًا، فَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، وَلَا سُجُودَ. وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ، وَشَكَّ هَلْ سَجَدَ لَهُ، أَمْ لَا؟ فَلْيَسْجُدْ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ السُّجُودِ. وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ سَجْدَةً، أَمْ سَجْدَتَيْنِ؟ سَجَدَ أُخْرَى.
قُلْتُ: وَلَوْ تَيَقَّنَ السَّهْوَ، وَشَكَّ هَلْ هُوَ تَرْكُ مَأْمُورٍ، أَوِ ارْتِكَابُ مَنْهِيٍّ - سَجَدَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا، أَخَذَ بِالْأَقَلِّ، وَأَتَى بِالْبَاقِي، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَلَا يَنْفَعُهُ الظَّنُّ، وَلَا أَثَرَ لِلِاجْتِهَادِ فِي هَذَا الْبَابِ. وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ فِيهِ بِقَوْلِ غَيْرِهِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ جَمْعٍ كَثِيرٍ كَانُوا يَرْقُبُونَ صَلَاتَهُ.
وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ إِذَا قَامَ إِلَى رَكْعَةٍ ظَنَّهَا رَابِعَةً، وَعِنْدَ الْقَوْمِ أَنَّهَا خَامِسَةٌ، فَنَبَّهُوهُ، لَا يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يَرْجِعُ إِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ السُّجُودِ، إِذَا شَكَّ: هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَطَائِفَةٌ: الْمُعْتَمَدُ فِيهِ الْخَبَرُ، وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ. وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ. وَقَالَ الْقَفَّالُ، وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَصَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَآخَرُونَ: سَبَبُهُ: التَّرَدُّدُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي يَأْتِي بِهَا، هَلْ هِيَ رَابِعَةٌ، أَمْ زَائِدَةٌ تُوجِبُ السُّجُودَ، وَهَذَا التَّرَدُّدُ يَقْتَضِي الْجَبْرَ بِالسُّجُودِ.
قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ زَالَ التَّرَدُّدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَعَرَفَ أَنَّ الَّتِي يَأْتِي بِهَا رَابِعَةٌ، لَمْ يَسْجُدْ عَلَى الْأَوَّلِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَسْجُدُ. وَضَبَطَ أَصْحَابُ هَذَا الْوَجْهِ صُورَةَ الشَّكِّ وَزَوَالِهِ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ مَا فَعَلَهُ مِنْ وَقْتِ عُرُوضِ الشَّكِّ إِلَى زَوَالِهِ، مَا لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى كُلِّ احْتِمَالٍ، فَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. فَإِنْ كَانَ زَائِدًا عَلَى بَعْضِ الِاحْتِمَالَاتِ سَجَدَ. مِثَالُهُ: شَكَّ فِي قِيَامِهِ فِي الظُّهْرِ أَنَّ تِلْكَ الرَّكْعَةَ ثَالِثَةٌ، أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَرَكَعَ وَسَجَدَ عَلَى هَذَا الشَّكِّ، وَهُوَ عَلَى عَزْمِ الْقِيَامِ إِلَى رَكْعَةٍ أُخْرَى أَخْذًا بِالْيَقِينِ، ثُمَّ
стр. 307
تَذَكَّرَ قَبْلَ الْقِيَامِ أَنَّهَا ثَالِثَةٌ، أَوْ رَابِعَةٌ، فَلَا يَسْجُدُ، لِأَنَّ مَا فَعَلَهُ عَلَى الشَّكِّ لَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ حَتَّى قَامَ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ الَّتِي قَامَ إِلَيْهَا رَابِعَةٌ، لِأَنَّ احْتِمَالَ الزِّيَادَةِ وَكَوْنَهَا خَامِسَةً كَانَ ثَابِتًا حِينَ قَامَ.
قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ الْمَسْبُوقُ، هَلْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْإِمَامِ، أَمْ لَا؟ فَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهُ لَا تُحْسَبُ لَهُ هَذِهِ الرَّكْعَةُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْفَتَاوَى) : فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، كَمَا لَوْ شَكَّ، هَلْ صَلَّى ثَلَاثًا، أَمْ أَرْبَعًا؟ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْغَزَالِيُّ ظَاهِرٌ. وَلَا يُقَالُ: يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ الْإِمَامُ، لِأَنَّ هَذَا الشَّخْصَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ شَاكٌّ فِي عَدَدِ رَكَعَاتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، أَوْ فِي فِعْلِ رُكْنٍ، فَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، فَيَجِبُ الْبِنَاءُ عَلَى الْيَقِينِ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ وَقَعَ هَذَا الشَّكُّ بَعْدَ السَّلَامِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَا أَثَرَ لِهَذَا الشَّكِّ. وَقِيلَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: هَذَا. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْأَخْذُ بِالْيَقِينِ. فَإِنْ كَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا بَنَى. وَإِنْ طَالَ اسْتَأْنَفَ. وَالثَّالِثُ: إِنْ قَرُبَ الْفَصْلُ، وَجَبَ الْبِنَاءُ. وَإِنْ طَالَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا ضَبْطُ طُولِ الْفَصْلِ، فَيَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُنَا وَفِيمَا إِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا، وَذَكَرَهُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَفِي قَدْرِهِ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا، نَصَّهُ فِي (الْأُمِّ) : يَرْجِعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ. وَالثَّانِي، نَصَّهُ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) : أَنَّ الطَّوِيلَ مَا يَزِيدُ عَلَى قَدْرِ رَكْعَةٍ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ الطَّوِيلَ: قَدْرُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا. ثُمَّ إِذَا جَوَّزْنَا الْبِنَاءَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَ السَّلَامِ، أَوْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيَسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةَ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ. وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّ الْقَدْرَ الْمَنْقُولَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 308
الْ فَصْلِ مُحْتَمَلٌ. فَإِنْ زَادَ، فَلَا. وَالْمَنْقُولُ: أَنَّهُ ﷺ قَامَ وَمَضَى إِلَى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، وَرَاجَعَ ذَا الْيَدَيْنِ، وَسَأَلَ الْجَمَاعَةَ، فَأَجَابُوا.
فَصْلٌ
لَا يَتَكَرَّرُ السُّجُودُ بِتَكَرُّرِ السَّهْوِ، بَلْ يَكْفِي سَجْدَتَانِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، سَوَاءً تَكَرَّرَ نَوْعٌ، أَوْ أَنْوَاعٌ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: لَا تَتَعَدَّدُ حَقِيقَةُ السُّجُودِ. وَقَدْ تَتَعَدَّدُ صُورَتُهُ فِي مَوَاضِعَ: مِنْهَا: الْمَسْبُوقُ إِذَا سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ، يُعِيدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمِنْهَا: لَوْ سَهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ بَانَ قَبْلَ السَّلَامِ خُرُوجُ وَقْتِ الظُّهْرِ، فَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُمْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا، وَيُعِيدُونَ سُجُودَ السَّهْوِ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَقَعْ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ. وَمِنْهَا: لَوْ ظَنَّ أَنَّهُ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ بَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّهُ لَمْ يَسْهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ثَانِيًا، لِأَنَّهُ زَادَ سَجْدَتَيْنِ سَهْوًا. وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ، وَيَكُونُ السُّجُودُ جَابِرًا لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ سَهَا الْمُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ، فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ نَوَى الْإِتْمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَوْ صَارَ مُقِيمًا بِانْتِهَاءِ السَّفِينَةِ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ، وَجَبَ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ السُّجُودَ قَطْعًا.
وَمِنْهَا: لَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَهَا قَبْلَ السَّلَامِ بِكَلَامٍ، أَوْ غَيْرِهِ، فَفِي وَجْهٍ: يُعِيدُ السُّجُودَ. وَالْأَصَحُّ: لَا يُعِيدُهُ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ، أَوْ سَلَّمَ نَاسِيًا بَيْنَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ، أَوْ فِيهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يُعِيدُهُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ وُقُوعُ مِثْلِهِ فِي الْمُعَادِ فَيَتَسَلْسَلُ. وَلَوْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ ثَلَاثًا، لَمْ يَسْجُدْ لِهَذَا السَّهْوِ. وَكَذَا لَوْ شَكَّ، هَلْ سَجَدَ لِلسَّهْوِ سَجْدَةً، أَمْ سَجْدَتَيْنِ، فَأَخَذَ بِالْأَقَلِّ، وَسَجَدَ أُخْرَى، ثُمَّ تَحَقَّقَ أَنَّهُ كَانَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، لَمْ يُعِدِ السُّجُودَ.
стр. 309
وَمِنْهَا: لَوْ ظَنَّ سَهْوَهُ بِتَرْكِ الْقُنُوتِ مَثَلًا، فَسَجَدَ لَهُ، فَبَانَ قَبْلَ السَّلَامِ أَنَّ سَهْوَهُ بِغَيْرِهِ، أَعَادَ السُّجُودَ عَلَى وَجْهٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يُجْبَرْ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الْجَبْرِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُعِيدُهُ، لِأَنَّهُ قَصَدَ جَبْرَ الْخَلَلِ.
قُلْتُ: وَلَوْ شَكَّ، هَلْ سَهَا، أَمْ لَا؟ فَجَهِلَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، أُمِرَ بِالسُّجُودِ ثَانِيًا لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا سَهَا الْمَأْمُومُ خَلْفَ الْإِمَامِ، لَمْ يَسْجُدْ، وَيَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ. وَلَوْ سَهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ يَتَحَمَّلْ، لِانْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، وَكَذَا الْمَأْمُومُ الْمُوَافِقُ، إِذَا تَكَلَّمَ سَاهِيًا عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ. وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ إِذَا سَهَا فِي صَلَاتِهِ، ثُمَّ دَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ، وَجَوَّزْنَا ذَلِكَ، فَلَا يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ سَهْوَهُ ذَلِكَ. أَمَّا إِذَا ظَنَّ الْمَأْمُومُ أَنَّ الْإِمَامَ سَلَّمَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ، فَسَلَّمَ مَعَهُ، فَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ سَهَا فِي حَالِ الْقُدْوَةِ. وَلَوْ تَيَقَّنَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ تَرَكَ الرُّكُوعَ أَوِ الْفَاتِحَةَ مِنْ رَكْعَةٍ نَاسِيًا، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ أُخْرَى، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، لِأَنَّهُ سَهَا فِي حَالِ الِاقْتِدَاءِ. وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ، فَسَلَّمَ الْمَسْبُوقُ سَهْوًا، ثُمَّ تَذَكَّرَ، بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ، وَسَجَدَ، لِأَنَّ سَهْوَهُ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ. وَلَوْ ظَنَّ الْمَسْبُوقُ أَنَّ الْإِمَامَ سَلَّمَ، بِأَنْ سَمِعَ صَوْتًا ظَنَّهُ سَلَامَهُ، فَقَامَ لِيَتَدَارَكَ مَا عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا عَلَيْهِ رَكْعَةً مَثَلًا، فَأَتَى بِهَا وَجَلَسَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدَ تَبَيُّنِ أَنَّ ظَنَّهُ كَانَ خَطَأً، فَهَذِهِ الرَّكْعَةُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا. لِأَنَّهَا مَفْعُولَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، فَإِنَّ وَقْتَ التَّدَارُكِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْقُدْوَةِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ، قَامَ إِلَى التَّدَارُكِ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْقُدْوَةِ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، فَسَلَّمَ الْإِمَامُ وَهُوَ قَائِمٌ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْضِيَ فِي صَلَاتِهِ، أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْقُعُودِ، ثُمَّ يَقُومَ؟ وَجْهَانِ.
стр. 310
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ جَوَّزْنَا الْمُضِيَّ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْقِرَاءَةِ. فَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ فِي قِيَامِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى أَتَمَّ الرَّكْعَةَ. إِنْ جَوَّزْنَا الْمُضِيَّ، فَرَكْعَتُهُ مَحْسُوبَةٌ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ الْقُعُودُ، لَمْ يُحْسَبْ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَعَلِمَ فِي الْقِيَامِ أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يُسَلِّمْ بَعْدُ، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ رَجَعَ، فَهُوَ الْوَجْهُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَادَى وَيَنْوِيَ الِانْفِرَادَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي قَطْعِ الْقُدْوَةِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، تَعَيَّنَ الرُّجُوعُ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الرُّجُوعُ. لِأَنَّ نُهُوضَهُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، فَيَرْجِعُ، ثُمَّ يَقْطَعُ الْقُدْوَةَ إِنْ شَاءَ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ النُّهُوضَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْقِيَامُ فَمَا بَعْدَهُ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ. فَلَوْ لَمْ يُرِدْ قَطْعَ الْقُدْوَةِ، فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْإِمَامِ: وُجُوبُ الرُّجُوعِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ رَجَعَ، وَإِنْ شَاءَ انْتَظَرَ قَائِمًا سَلَامَ الْإِمَامِ. وَجَوَازُ الِانْتِظَارِ قَائِمًا مُشْكِلٌ، لِلْمُخَالَفَةِ الظَّاهِرَةِ. فَإِنْ كَانَ قَرَأَ قَبْلَ تَبَيُّنِ الْحَالِ، لَمْ يَعْتَدَّ بِقِرَاءَتِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ، بَلْ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُهَا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: وُجُوبُ الرُّجُوعِ فِي الْحَالَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا سَهَا الْإِمَامُ فِي صَلَاتِهِ، لَحِقَ سَهْوُهُ الْمَأْمُومَ وَيُسْتَثْنَى صُورَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: إِذَا بَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا، فَلَا يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ، وَلَا يَتَحَمَّلُ عَنِ الْمَأْمُومِ أَيْضًا. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَعْلَمَ سَبَبَ سُجُودِ الْإِمَامِ، وَيَتَيَقَّنَ غَلَطَهُ فِي ظَنِّهِ، كَمَا إِذَا ظَنَّ الْإِمَامُ تَرْكَ بَعْضِ الْأَبْعَاضِ، وَالْمَأْمُومُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ، فَلَا يُوَافِقُهُ إِذَا سَجَدَ. ثُمَّ إِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ
стр. 311
فِي غَيْرِ الصُّورَتَيْنِ، لَزِمَ الْمَأْمُومُ مُوَافَقَتَهُ فِيهِ. فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَسَوَاءً عَرَفَ الْمَأْمُومُ سَهْوَ الْإِمَامِ، أَمْ لَمْ يَعْرِفْهُ. فَمَتَى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجْدَتَيْنِ، وَجَبَ عَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ، حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ سَهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَامَ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ خَامِسَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ، حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنْ رَكْعَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ الْحَالَ هُنَاكَ لَمْ يَجُزْ مُتَابَعَتُهُ، لَأَنَّ الْمَأْمُومَ أَتَمَّ صَلَاتَهُ يَقِينًا.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا بِرَكْعَةٍ، أَوْ شَاكًّا فِي تَرْكِ رُكْنٍ كَالْفَاتِحَةِ، فَقَامَ الْإِمَامُ إِلَى الْخَامِسَةِ، لَمْ يَجُزْ لِلْمَأْمُومِ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ إِلَّا سَجْدَةً، سَجَدَ الْمَأْمُومُ أُخْرَى، حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ نَسِيَ. وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ السُّجُودَ لِسَهْوِهِ، سَجَدَ الْمَأْمُومُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَخَرَجَ قَوْلٌ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ. وَلَوْ سَلَّمَ الْإِمَامُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى السُّجُودِ، نَظَرَ، فَإِنْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ مَعَهُ نَاسِيًا، وَافَقَهُ فِي السُّجُودِ. فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ، فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ سَلَّمَ نَاسِيًا لِلسُّجُودِ فَعَادَ إِلَيْهِ: هَلْ يَعُودُ إِلَى حُكْمِ الصَّلَاةِ؟ وَإِنْ سَلَّمَ الْمَأْمُومُ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ بِالسَّهْوِ، لَمْ يَلْزَمْهُ مُتَابَعَتُهُ. وَلَوْ لَمْ يُسَلِّمِ الْمَأْمُومُ، فَعَادَ الْإِمَامُ لِيَسْجُدَ، فَإِنْ عَادَ بَعْدَ أَنْ سَجَدَ الْمَأْمُومُ لِلسَّهْوِ، لَمْ يُتَابِعْهُ، لِأَنَّهُ قَطَعَ صَلَاتَهُ عَنْ صَلَاتِهِ بِالسُّجُودِ. وَإِنْ عَادَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ الْمَأْمُومُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ، بَلْ يَسْجُدُ مُنْفَرِدًا. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ مُتَابَعَتُهُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامَ حَدَثٌ بَعْدَمَا سَهَا، أَتَمَّ الْمَأْمُومُ صَلَاتَهُ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. تَفْرِيعًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ.
قُلْتُ: وَلَوْ سَهَا الْمَأْمُومُ، ثُمَّ سَبَقَ الْإِمَامَ حَدَثٌ، لَمْ يَسْجُدِ الْمَأْمُومُ، لِأَنَّ الْإِمَامَ حَمَلَهُ. وَإِنْ قَامَ الْإِمَامُ إِلَى خَامِسَةٍ سَاهِيًا، فَنَوَى الْمَأْمُومُ مُفَارَقَتَهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فِي ارْتِفَاعِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ، سَجَدَ الْمَأْمُومُ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ نَوَاهَا قَبْلَهُ، فَلَا سُجُودَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 312
وَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا، وَجَوَّزْنَا الِاقْتِدَاءَ بِهِ، فَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ، لَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ الْمَأْمُومُ، بَلْ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ، وَلَا يَنْتَظِرُ سُجُودَ الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِسَلَامِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ مَسْبُوقًا، وَسَهَا الْإِمَامُ بَعْدَ مَا لَحِقَهُ، وَسَجَدَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، لَزِمَ الْمَسْبُوقَ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ الْمَعْرُوفِ. وَعَلَى الشَّاذِّ: لَا يَسْجُدُ. فَعَلَى الصَّحِيحِ: إِذَا سَجَدَ مَعَهُ، يُعِيدُ السُّجُودَ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، لَمْ يَسْجُدِ الْمَسْبُوقُ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْإِمَامِ. وَهَلْ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمَأْمُومِ الْمُوَافِقِ، إِذَا لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ: هَلْ يَسْجُدُ؟ أَمَّا إِذَا سَهَا الْإِمَامُ قَبْلَ اقْتِدَاءِ الْمَسْبُوقِ، فَهَلْ يَلْحَقُ الْمَسْبُوقَ حُكْمُ سَهْوِهِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا. فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، لَمْ يَسْجُدْ هُوَ أَصْلًا. وَإِنْ سَجَدَ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ مَعَهُ. وَالثَّانِي: يَسْجُدُ مَعَهُ، لَكِنْ لَا يُعِيدُهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَلْحَقُهُ حُكْمُ سَهْوِهِ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ، سَجَدَ مَعَهُ. وَهَلْ يُعِيدُهُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، سَجَدَ هُوَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَإِذَا قُلْنَا: الْمَسْبُوقُ يُعِيدُ السُّجُودَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَاقْتَدَى بِهِ بَعْدَ انْفِرَادِهِ مَسْبُوقٌ آخَرُ، وَبِالْآخَرِ آخَرُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَسْجُدُ لِمُتَابَعَتِهِ إِمَامَهُ، ثُمَّ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ. وَلَوْ سَهَا الْمَسْبُوقُ فِي تَدَارُكِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْجُدُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ، سَجَدَ لِسَهْوِهِ سَجْدَتَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَسْجُدُ لِسَهْوِ الْإِمَامِ فِي آخِرِهَا، فَكَمْ يَسْجُدُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: سَجْدَتَانِ. وَالثَّانِي: أَرْبَعٌ. وَلَوِ انْفَرَدَ الْمُصَلِّي بِرَكْعَةٍ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ، وَسَهَا فِيهَا، ثُمَّ اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ، وَجَوَّزْنَا الِاقْتِدَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، وَسَهَا إِمَامُهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الرَّابِعَةِ، وَسَهَا فِيهَا، فَكَمْ يَسْجُدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. الْأَصَحُّ. سَجْدَتَانِ. وَالثَّانِي: أَرْبَعٌ. وَالثَّالِثُ: سِتٌّ. فَإِنْ كَانَ سَجَدَ الْإِمَامُ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ، فَيَكُونُ قَدْ أَتَى فِي صَلَاتِهِ بِثَمَانِ سَجَدَاتٍ لِلسَّهْوِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّالِثِ. وَكَذَا
стр. 313
الْمَسْبُوقُ إِذَا اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ، وَسَهَا الْإِمَامُ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ، ثُمَّ صَارَ الْإِمَامُ مُتِمًّا قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَأَتَمَّ، وَأَعَادَ سُجُودَ السَّهْوِ، وَأَعَادَ مَعَهُ الْمَسْبُوقُ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الرَّابِعَةِ، وَسَهَا فِيهَا، وَقُلْنَا: يَسْجُدُ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، فَقَدْ أَتَى بِثَمَانِي سَجَدَاتٍ. فَإِنْ سَهَا بَعْدَهَا بِكَلَامٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَفَرَّعْنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَهَا بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ، يَسْجُدُ، صَارَتِ السَّجَدَاتُ عَشْرًا. وَقَدْ يَزِيدُ عَدَدُ السُّجُودِ عَلَى هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى الْوُجُوهِ الضَّعِيفَةِ.
قُلْتُ: إِذَا قُلْنَا: يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ لِلْجَمِيعِ، فَهَلْ هُمَا عَنْ سَهْوِهِ فِي انْفِرَادِهِ وَسَهْوِ إِمَامِهِ أَمْ عَنْ سَهْوِ إِمَامِهِ فَقَطْ، أَمْ عَنْ سَهْوِهِ فَقَطْ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا صَاحِبُ (الْبَيَانِ) . الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: الْأَوَّلُ، فَإِنْ قُلْنَا: عَنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ، فَنَوَى الْآخَرُ عَالِمًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ قُلْنَا: عَنْهُمَا، فَنَوَى أَحَدُهُمَا، لَمْ تَبْطُلْ، لَكِنَّهُ تَارِكٌ لِسُجُودِ الْأَخِيرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ وَمَحَلِّهِ
أَمَّا كَيْفِيَّتُهُ، فَهُوَ سَجْدَتَانِ بَيْنَهُمَا جَلْسَةٌ، يُسَنُّ فِي هَيْئَتِهَا الِافْتِرَاشُ، وَبَعْدَهُمَا إِلَى أَنْ يُسَلِّمَ، يَتَوَرَّكُ. وَكَتَبَ الْأَصْحَابُ سَاكِتَةً عَنِ الذِّكْرِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمَحْبُوبَ فِيهَا، هُوَ الْمَحْبُوبُ فِي سَجَدَاتِ صُلْبِ الصَّلَاةِ، كَسَائِرِ مَا سَكَتُوا عَنْهُ مِنْ وَاجِبَاتِ السُّجُودِ وَمَحْبُوبَاتِهِ.
وَسَمِعْتُ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ يَحْكِي: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِيهِمَا: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَنَامُ وَلَا يَسْهُو. وَهَذَا لَائِقٌ بِالْحَالِ. وَفِي مَحَلِّهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا: قَبْلَ السَّلَامِ. وَالثَّانِي: إِنْ سَهَا بِزِيَادَةٍ، سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَإِنْ سَهَا بِنَقْصٍ، سَجَدَ قَبْلَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ قَبْلَهُ، وَإِنْ شَاءَ بَعْدَهُ.
стр. 314
وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْجَدِيدُ. وَالْآخَرَانِ: قَدِيمَانِ. ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْإِجْزَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي الْأَفْضَلِ. ثُمَّ إِذَا قُلْنَا: قَبْلَ السَّلَامِ، فَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، نَظَرَ فَإِنْ سَلَّمَ عَامِدًا، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: أَنَّهُ فَوَّتَ السُّجُودَ. وَالثَّانِي: إِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ سَجَدَ، وَإِلَّا فَلَا. وَإِذَا سَجَدَ، فَلَا يَكُونُ عَائِدًا إِلَى الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا سَلَّمَ نَاسِيًا وَسَجَدَ، فَإِنَّ فِيهِ خِلَافًا، وَإِنْ سَلَّمَ نَاسِيًا وَطَالَ الزَّمَانُ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: لَا يَسْجُدُ. وَالْقَدِيمُ: يَسْجُدُ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، وَتَذَكَّرَ عَلَى قُرْبٍ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَسْجُدَ، فَذَاكَ، وَالصَّلَاةُ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ، وَحَصَلَ التَّحَلُّلُ بِالسَّلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: يُسَلِّمُ مَرَّةً أُخْرَى. وَذَلِكَ السَّلَامُ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَسْجُدُ. وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ. وَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ هُنَا، أَوْ بِالْقَدِيمِ عِنْدَ طُولِ الْفَصْلِ، فَسَجَدَ، فَهَلْ يَكُونُ عَائِدًا إِلَى حُكْمِ الصَّلَاةِ؟ وَجْهَانِ. أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ صَاحِبِ (التَّهْذِيبِ) : لَا يَكُونُ عَائِدًا. وَأَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يَكُونُ عَائِدًا. وَبِهِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ، وَصَحَّحَهُ الْقَفَّالُ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ فِي (الْفَتَاوَى) وَالرُّويَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَسَائِلُ. مِنْهَا: لَوْ تَكَلَّمَ عَامِدًا، أَوْ أَحْدَثَ فِي السُّجُودِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، وَلَا تَبْطُلُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ السَّهْوُ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ، وَخَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِي السُّجُودِ، فَاتَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ مُسَافِرًا يَقْصُرُ وَنَوَى الْإِتْمَامَ فِي السُّجُودِ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، دُونَ الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: هَلْ يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ؟ وَهَلْ يَتَشَهَّدُ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّانِي: لَمْ يُكَبِّرْ، وَلَمْ يَتَشَهَّدْ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، كَبَّرَ، وَفِي التَّشَهُّدِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَتَشَهَّدُ. وَقَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ، سَوَاءً قُلْنَا بِتَشَهُّدٍ، أَمْ لَا. وَأَمَّا حَدُّ طُولِ الْفَصْلِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِيمَنْ تَرَكَ رُكْنًا نَاسِيًا ثُمَّ
стр. 315
تَذَكَّرَ بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ شَكَّ فِيهِ. وَالْأَصَحُّ: الرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ. وَحَاوَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ضَبْطَ الْعُرْفِ، فَقَالَ: إِذَا مَضَى زَمَنٌ يَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ أَضْرَبَ عَنِ السُّجُودِ قَصْدًا، أَوْ نِسْيَانًا، فَهَذَا طَوِيلٌ، وَإِلَّا فَقَصِيرٌ. قَالَ: وَهَذَا إِذَا لَمْ يُفَارِقِ الْمَجْلِسَ، فَإِنْ فَارَقَ ثُمَّ تَذَكَّرَ عَلَى قُرْبِ الزَّمَانِ فَفِيهِ احْتِمَالٌ عِنْدِي لِأَنَّ الزَّمَانَ قَرِيبٌ لَكِنَّ مُفَارَقَتَهُ الْمَجْلِسَ تُغَلِّبُ عَلَى الظَّنِّ الْإِضْرَابَ عَنِ السُّجُودِ قَالَ: وَلَوْ سَلَّمَ وَأَحْدَثَ ثُمَّ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ عَلَى قُرْبِ الزَّمَانِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدَثَ فَاصِلٌ وَإِنْ لَمْ يَطُلِ الزَّمَانُ، وَقَدْ نُقِلَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْفَصْلِ بِالْمَجْلِسِ. فَإِنْ لَمْ يُفَارِقْهُ، سَجَدَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ. وَإِنْ فَارَقَهُ، لَمْ يَسْجُدْ وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَانُ. لَكِنَّ هَذَا الْقَوْلَ شَاذٌّ. وَالَّذِي اعْتَمَدَهُ الْأَصْحَابُ، الْعُرْفُ. قَالُوا: وَلَا تَضُرُّ مُفَارَقَةُ الْمَجْلِسِ، وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ.
هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا: سُجُودُ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: بَعْدَهُ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ عَلَى قُرْبٍ، فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ، عَادَ الْخِلَافُ. وَإِذَا سَجَدَ، فَلَا يُحْكَمُ بِالْعَوْدِ إِلَى الصَّلَاةِ بِلَا خِلَافٍ. هَلْ يَتَحَرَّمُ لِلسَّجْدَتَيْنِ، وَيَتَشَهَّدُ، وَيُسَلِّمُ؟ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حُكْمُهُ حُكْمُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ. ثُمَّ إِذَا رَأَيْنَا التَّشَهُّدَ، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَتَشَهَّدُ بَعْدَ السَّجْدَتَيْنِ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ. وَالثَّانِي: يَتَشَهَّدُ قَبْلَهُمَا، لِيَلِيَهُمَا السَّلَامُ.
قُلْتُ: هَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ مِنَ الْبَابِ. مِنْهَا أَنَّ السَّهْوَ فِي الصَّلَاةِ النَّفْلُ، كَالْفَرْضِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: طَرِيقَانِ. الْجَدِيدُ كَذَلِكَ، وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: كَذَلِكَ. وَالثَّانِي: لَا يَسْجُدُ، حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبَا (الشَّامِلِ) وَ (الْمُهَذَّبِ) . وَلَوْ سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ وَأَحْرَمَ بِأُخْرَى، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا مِنَ الْأُولَى، لَمْ تَنْعَقِدِ الثَّانِيَةُ. وَأَمَّا الْأُولَى، فَإِنْ قَصُرَ الْفَصْلُ بُنِيَ عَلَيْهَا. وَإِنْ طَالَ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا. وَلَوْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ، وَشَكَّ: هَلْ هُوَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ،
стр. 316
أَمِ الثَّانِي، فَتَشَهَّدَ شَاكًّا، ثُمَّ قَامَ، فَبَانَ الْحَالُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، سَوَاءً بَانَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، أَوِ الْآخَرُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ بَانَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ قَامَ شَاكًّا فِي زِيَادَةِ هَذَا الْقِيَامِ. وَإِنْ بَانَ الْحَالُ وَهُوَ بَعْدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَلَا سُجُودَ. وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ نَاسِيًا، وَنَسِيَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، حَصَلَتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، فَيُسَلِّمُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ. وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا نَاسِيًا، وَنَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَسَلَّمَ. وَلَوْ سَهَا سَهْوَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةٍ، وَالْآخَرُ بِنَقْصٍ، وَقُلْنَا: يَسْجُدُ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلِلنَّقْصِ قَبْلَهُ، سَجَدَ هُنَا قَبْلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي. وَالثَّانِي. بَعْدَهُ. وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَالَ: وَكَذَا الزِّيَادَةُ الْمُتَوَهَّمَةُ، كَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَلَوْ أَرَادَ الْقُنُوتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ لِنَازِلَةٍ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَقُلْنَا بِهِ، فَنَسِيَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ.
ذَكَرَهُ فِي (الْبَحْرِ) . وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ مَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ، فَاسْتَأْنَفَ التَّكْبِيرَ وَالصَّلَاةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ كَبَّرَ أَوَّلًا، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ يُفْسِدِ الْأُولَى، وَتَمَّتْ بِالثَّانِيَةِ. وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ فَرَاغِ الثَّانِيَةِ، عَادَ إِلَى الْأُولَى، فَأَكْمَلَهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ فِي الْحَالَيْنِ. نَقَلَهُ فِي (الْبَحْرِ) عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ، وَعَدَدُ السَّجَدَاتِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ عَلَى الْجَدِيدِ الصَّحِيحِ. لَيْسَ مِنْهَا (ص) وَمِنْهَا: سَجْدَتَانِ فِي (الْحَجِّ) . وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: إِحْدَى عَشْرَةَ، أَسْقَطَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ السَّجَدَاتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، ضُمَّ إِلَيْهَا سَجْدَةُ (ص) ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ، فَإِنْ سَجَدَ فِيهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ.
стр. 317
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ فِي (ص) خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ: حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ سَجَدَ فِي (ص) فِي الصَّلَاةِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ كَانَ عَامِدًا، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ النَّاسِي وَالْجَاهِلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ سَجَدَ إِمَامُهُ فِي (ص) لِكَوْنِهِ يَعْتَقِدُهَا، لَمْ يُتَابِعْهُ بَلْ يُفَارِقْهُ أَوْ يَنْتَظِرْهُ قَائِمًا. وَإِذَا انْتَظَرَهُ قَائِمًا، فَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يَسْجُدُ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ. وَوَجْهُ السُّجُودِ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ إِمَامَهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ جَاهِلًا. وَحَكَى صَاحِبُ (الْبَحْرِ) وَجْهًا: أَنَّهُ يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي سُجُودِ (ص) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ بَيِّنَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا، إِلَّا الَّتِي فِي (حم السَّجْدَةِ) فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا عَقِبَ (لَا يَسْأَمُونَ) . وَالثَّانِي: عَقِبَ (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .
فَرْعٌ
يُسَنُّ السُّجُودُ لِلْقَارِئِ، وَالْمُسْتَمِعِ لَهُ، سَوَاءً كَانَ الْقَارِئُ فِي الصَّلَاةِ، أَمْ لَا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ لِقِرَاءَةِ مَنْ فِي الصَّلَاةِ. وَيُسَنُّ لِلْمُسْتَمِعِ إِلَى قِرَاءَةِ الْمُحْدِثِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَسَوَاءً سَجَدَ الْقَارِئُ، أَمْ لَمْ يَسْجُدْ، يُسَنُّ لِلْمُسْتَمِعِ السُّجُودُ، لَكِنَّهُ إِذَا سَجَدَ كَانَ آكَدَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ إِذَا لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ
стр. 318
الْحَرَمَيْنِ. وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَمِعُ، بَلْ يَسْمَعُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ تَأَكُّدَهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَمِعِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْمُسْتَمِعِ. وَالثَّالِثُ: لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ أَصْلًا. أَمَّا الْمُصَلِّي، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ. فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فَرَكَعَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ، لَمْ يَجُزْ. فَلَوْ كَانَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ، جَازَ. وَلَوْ هَوَى لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ، جَازَ، كَمَا لَوْ قَرَأَ بَعْضَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُتْمِمْهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ. وَلَوْ أَصْغَى الْمُنْفَرِدُ بِالصَّلَاةِ لِقِرَاءَةِ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْإِصْغَاءِ، فَإِنْ سَجَدَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا، فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَا يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِسَجْدَةٍ، لَا فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، وَلَا فِي السِّرِّيَّةِ. وَإِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ، سَجَدَ الْمَأْمُومُ. فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِذَا لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، لَمْ يَسْجُدِ الْمَأْمُومُ. وَلَوْ فَعَلَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَيَحْسُنُ الْقَضَاءُ إِذَا فَرَغَ وَلَا يَتَأَكَّدُ. وَلَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُومُ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، لَمْ يَسْجُدْ. وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ بَعْدُ فِي السُّجُودِ، سَجَدَ. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي الْهُوِيِّ، وَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ، رَجَعَ مَعَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَكَذَا الضَّعِيفُ الَّذِي هَوَى مَعَ الْإِمَامِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ، قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى الْأَرْضِ لِبُطْءِ حَرَكَتِهِ، يَرْجِعُ مَعَهُ، وَلَا يَسْجُدُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي مَأْمُومًا، فَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ. بَلْ يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ. وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْإِصْغَاءُ إِلَيْهَا. وَلَوْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ غَيْرِ إِمَامِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
فَرْعٌ
إِذَا قَرَأَ آيَاتِ السَّجَدَاتِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، سَجَدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، كَفَاهُ
стр. 319
سُجُودٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِلْأُولَى، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الْأَصَحُّ: يَسْجُدُ مَرَّةً أُخْرَى، لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ. وَالثَّانِي: يَكْفِيهِ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، سَجَدَ أُخْرَى، وَإِلَّا فَتَكْفِيهِ الْأُولَى. وَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ، فَكَالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَكَالْمَجْلِسَيْنِ. وَلَوْ قَرَأَ مَرَّةً فِي الصَّلَاةِ، وَمَرَّةً خَارِجَهَا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَسَجَدَ لِلْأُولَى، فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِلْأَصْحَابِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلَافِ فِيهِ.
فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَكَيْفِيَّتِهِ
أَمَّا شُرُوطُهُ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ.
وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ، فَلَهُ حَالَانِ. حَالٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَحَالٌ فِيهَا. فَالْأَوَّلُ: يَنْوِي وَيُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، كَمَا يَفْعَلُ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ أُخْرَى لِلْهُوِيِّ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدِ. ثُمَّ تَكْبِيرُ الْهُوِيِّ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَفِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّهَا شَرْطٌ. وَالثَّانِي: مُسْتَحَبَّةٌ. وَالثَّالِثُ: لَا تُشْرَعُ أَصْلًا. قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ. وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ.
وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ وَيَنْوِيَ قَائِمًا وَيُكَبِّرَ، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا.
قُلْتُ: قَدْ قَالَهُ أَيْضًا صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (التَّتِمَّةِ) وَأَنْكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ،
стр. 320
وَغَيْرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ أَرَ لِهَذَا ذِكْرًا، وَلَا أَصْلًا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ، هُوَ الْأَصْوَبُ، فَلَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْقِيَامَ، وَلَا ثَبَتَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ. فَالِاخْتِيَارُ تَرْكُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ: (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ) . وَأَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاقْبَلْهَا مِنِّي، كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكِ دَاوُدَ ﵇ وَلَوْ قَالَ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صَلَاتِهِ، جَازَ. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، كَمَا يَرْفَعُ مِنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ السَّلَامُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُشْتَرَطُ، فَعَلَى هَذَا فِي اشْتِرَاطِ التَّشَهُّدِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامِ وَالتَّشَهُّدِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُشْتَرَطُ السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ. وَإِذَا قُلْنَا: التَّشَهُّدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ؟ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا فِي (النِّهَايَةِ)
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُسْتَحَبُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، فَكَذَا يُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ لِلْهُوِيِّ، وَلَا لِلرَّفْعِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَامَ، وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْكَعَ. وَلَا بُدَّ مِنِ انْتِصَابِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ. فَإِنَّ الْهُوِيَّ مِنْ قِيَامٍ وَاجِبٌ.
следующие страницы →