← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أَمِ الثَّانِي، فَتَشَهَّدَ شَاكًّا، ثُمَّ قَامَ، فَبَانَ الْحَالُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، سَوَاءً بَانَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ، أَوِ الْآخَرُ، لِأَنَّهُ وَإِنْ بَانَ الْأَوَّلُ، فَقَدْ قَامَ شَاكًّا فِي زِيَادَةِ هَذَا الْقِيَامِ. وَإِنْ بَانَ الْحَالُ وَهُوَ بَعْدُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، فَلَا سُجُودَ. وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْقَصْرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ نَاسِيًا، وَنَسِيَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، حَصَلَتْ لَهُ الرَّكْعَتَانِ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ، فَيُسَلِّمُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ. وَكَذَا لَوْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا نَاسِيًا، وَنَسِيَ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةً، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَسَلَّمَ. وَلَوْ سَهَا سَهْوَيْنِ، أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةٍ، وَالْآخَرُ بِنَقْصٍ، وَقُلْنَا: يَسْجُدُ لِلزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَلِلنَّقْصِ قَبْلَهُ، سَجَدَ هُنَا قَبْلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي. وَالثَّانِي. بَعْدَهُ. وَبِهِ قَطَعَ الْبَنْدَنِيجِيُّ قَالَ: وَكَذَا الزِّيَادَةُ الْمُتَوَهَّمَةُ، كَمَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ. وَلَوْ أَرَادَ الْقُنُوتَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ لِنَازِلَةٍ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَقُلْنَا بِهِ، فَنَسِيَهُ لَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ عَلَى الْأَصَحِّ. ذَكَرَهُ فِي (الْبَحْرِ) . وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ ظَنَّ أَنَّهُ مَا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ، فَاسْتَأْنَفَ التَّكْبِيرَ وَالصَّلَاةَ، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ كَبَّرَ أَوَّلًا، فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ، لَمْ يُفْسِدِ الْأُولَى، وَتَمَّتْ بِالثَّانِيَةِ. وَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ فَرَاغِ الثَّانِيَةِ، عَادَ إِلَى الْأُولَى، فَأَكْمَلَهَا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ فِي الْحَالَيْنِ. نَقَلَهُ فِي (الْبَحْرِ) عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ، وَهِيَ سُنَّةٌ، وَعَدَدُ السَّجَدَاتِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ عَلَى الْجَدِيدِ الصَّحِيحِ. لَيْسَ مِنْهَا (ص) وَمِنْهَا: سَجْدَتَانِ فِي (الْحَجِّ) . وَثَلَاثٌ فِي الْمُفَصَّلِ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: إِحْدَى عَشْرَةَ، أَسْقَطَ سَجَدَاتِ الْمُفَصَّلِ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ السَّجَدَاتِ خَمْسَ عَشْرَةَ، ضُمَّ إِلَيْهَا سَجْدَةُ (ص) ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ. وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ، فَإِنْ سَجَدَ فِيهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ فَحَسَنٌ.

стр. 317

قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ فِي (ص) خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ: حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ سَجَدَ فِي (ص) فِي الصَّلَاةِ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا، لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ كَانَ عَامِدًا، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ النَّاسِي وَالْجَاهِلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ سَجَدَ إِمَامُهُ فِي (ص) لِكَوْنِهِ يَعْتَقِدُهَا، لَمْ يُتَابِعْهُ بَلْ يُفَارِقْهُ أَوْ يَنْتَظِرْهُ قَائِمًا. وَإِذَا انْتَظَرَهُ قَائِمًا، فَهَلْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يَسْجُدُ، لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا سُجُودَ لِسَهْوِهِ. وَوَجْهُ السُّجُودِ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ أَنَّ إِمَامَهُ زَادَ فِي صَلَاتِهِ جَاهِلًا. وَحَكَى صَاحِبُ (الْبَحْرِ) وَجْهًا: أَنَّهُ يُتَابِعُ الْإِمَامَ فِي سُجُودِ (ص) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ بَيِّنَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا، إِلَّا الَّتِي فِي (حم السَّجْدَةِ) فَالْأَصَحُّ: أَنَّهَا عَقِبَ (لَا يَسْأَمُونَ) . وَالثَّانِي: عَقِبَ (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) . فَرْعٌ يُسَنُّ السُّجُودُ لِلْقَارِئِ، وَالْمُسْتَمِعِ لَهُ، سَوَاءً كَانَ الْقَارِئُ فِي الصَّلَاةِ، أَمْ لَا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَسْجُدُ الْمُسْتَمِعُ لِقِرَاءَةِ مَنْ فِي الصَّلَاةِ. وَيُسَنُّ لِلْمُسْتَمِعِ إِلَى قِرَاءَةِ الْمُحْدِثِ، وَالصَّبِيِّ، وَالْكَافِرِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَسَوَاءً سَجَدَ الْقَارِئُ، أَمْ لَمْ يَسْجُدْ، يُسَنُّ لِلْمُسْتَمِعِ السُّجُودُ، لَكِنَّهُ إِذَا سَجَدَ كَانَ آكَدَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ إِذَا لَمْ يَسْجُدِ الْقَارِئُ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ

стр. 318

الْحَرَمَيْنِ. وَأَمَّا الَّذِي لَا يَسْتَمِعُ، بَلْ يَسْمَعُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ تَأَكُّدَهُ فِي حَقِّ الْمُسْتَمِعِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْمُسْتَمِعِ. وَالثَّالِثُ: لَا يُسَنُّ لَهُ السُّجُودُ أَصْلًا. أَمَّا الْمُصَلِّي، فَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ. فَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فَرَكَعَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَسْجُدَ، لَمْ يَجُزْ. فَلَوْ كَانَ قَبْلَ بُلُوغِهِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ، جَازَ. وَلَوْ هَوَى لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَجَعَ، جَازَ، كَمَا لَوْ قَرَأَ بَعْضَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُتْمِمْهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ. وَلَوْ أَصْغَى الْمُنْفَرِدُ بِالصَّلَاةِ لِقِرَاءَةِ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا، لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الْإِصْغَاءِ، فَإِنْ سَجَدَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي إِمَامًا، فَهُوَ كَالْمُنْفَرِدِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. وَلَا يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِسَجْدَةٍ، لَا فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، وَلَا فِي السِّرِّيَّةِ. وَإِذَا سَجَدَ الْإِمَامُ، سَجَدَ الْمَأْمُومُ. فَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِذَا لَمْ يَسْجُدِ الْإِمَامُ، لَمْ يَسْجُدِ الْمَأْمُومُ. وَلَوْ فَعَلَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَيَحْسُنُ الْقَضَاءُ إِذَا فَرَغَ وَلَا يَتَأَكَّدُ. وَلَوْ سَجَدَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَعْلَمِ الْمَأْمُومُ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، لَمْ يَسْجُدْ. وَإِنْ عَلِمَ وَهُوَ بَعْدُ فِي السُّجُودِ، سَجَدَ. وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ فِي الْهُوِيِّ، وَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ، رَجَعَ مَعَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ، وَكَذَا الضَّعِيفُ الَّذِي هَوَى مَعَ الْإِمَامِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ، فَرَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ، قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى الْأَرْضِ لِبُطْءِ حَرَكَتِهِ، يَرْجِعُ مَعَهُ، وَلَا يَسْجُدُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُصَلِّي مَأْمُومًا، فَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ. بَلْ يُكْرَهُ لَهُ قِرَاءَةُ السَّجْدَةِ. وَلَا يَسْجُدُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِ الْإِمَامِ، بَلْ يُكْرَهُ لَهُ الْإِصْغَاءُ إِلَيْهَا. وَلَوْ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ غَيْرِ إِمَامِهِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَرْعٌ إِذَا قَرَأَ آيَاتِ السَّجَدَاتِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، سَجَدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، كَفَاهُ

стр. 319

سُجُودٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِلْأُولَى، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الْأَصَحُّ: يَسْجُدُ مَرَّةً أُخْرَى، لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ. وَالثَّانِي: يَكْفِيهِ الْأُولَى. وَالثَّالِثُ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، سَجَدَ أُخْرَى، وَإِلَّا فَتَكْفِيهِ الْأُولَى. وَلَوْ كَرَّرَ الْآيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ، فَكَالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَكَالْمَجْلِسَيْنِ. وَلَوْ قَرَأَ مَرَّةً فِي الصَّلَاةِ، وَمَرَّةً خَارِجَهَا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَسَجَدَ لِلْأُولَى، فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا لِلْأَصْحَابِ، وَإِطْلَاقُهُمْ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلَافِ فِيهِ. فَصْلٌ فِي شَرَائِطِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ وَكَيْفِيَّتِهِ أَمَّا شُرُوطُهُ، فَيَفْتَقِرُ إِلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، وَالنَّجَسِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ، فَلَهُ حَالَانِ. حَالٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ. وَحَالٌ فِيهَا. فَالْأَوَّلُ: يَنْوِي وَيُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، كَمَا يَفْعَلُ فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ أُخْرَى لِلْهُوِيِّ مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدِ. ثُمَّ تَكْبِيرُ الْهُوِيِّ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَفِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: أَنَّهَا شَرْطٌ. وَالثَّانِي: مُسْتَحَبَّةٌ. وَالثَّالِثُ: لَا تُشْرَعُ أَصْلًا. قَالَهُ أَبُو جَعْفَرٍ التِّرْمِذِيُّ. وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ وَيَنْوِيَ قَائِمًا وَيُكَبِّرَ، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى السُّجُودِ مِنْ قِيَامٍ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَغَيْرُهُمَا. قُلْتُ: قَدْ قَالَهُ أَيْضًا صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (التَّتِمَّةِ) وَأَنْكَرَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ،

стр. 320

وَغَيْرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَمْ أَرَ لِهَذَا ذِكْرًا، وَلَا أَصْلًا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ، هُوَ الْأَصْوَبُ، فَلَمْ يَذْكُرْ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هَذَا الْقِيَامَ، وَلَا ثَبَتَ فِيهِ شَيْءٌ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ. فَالِاخْتِيَارُ تَرْكُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ: (سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ) . وَأَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاقْبَلْهَا مِنِّي، كَمَا قَبِلْتَهَا مِنْ عَبْدِكِ دَاوُدَ ﵇ وَلَوْ قَالَ مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صَلَاتِهِ، جَازَ. ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا، كَمَا يَرْفَعُ مِنْ سُجُودِ الصَّلَاةِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ السَّلَامُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُشْتَرَطُ، فَعَلَى هَذَا فِي اشْتِرَاطِ التَّشَهُّدِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامِ وَالتَّشَهُّدِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُشْتَرَطُ السَّلَامُ دُونَ التَّشَهُّدِ. وَإِذَا قُلْنَا: التَّشَهُّدُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَهَلْ يُسْتَحَبُّ؟ وَجْهَانِ. حَكَاهُمَا فِي (النِّهَايَةِ) قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُسْتَحَبُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَسْجُدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُكَبِّرُ لِلِافْتِتَاحِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لِلْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، مِنْ غَيْرِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ، فَكَذَا يُكَبِّرُ عِنْدَ رَفْعِ الرَّأْسِ كَمَا يَفْعَلُ فِي سَجَدَاتِ الصَّلَاةِ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ لِلْهُوِيِّ، وَلَا لِلرَّفْعِ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي سُجُودِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ. وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَامَ، وَلَا يَجْلِسُ لِلِاسْتِرَاحَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا، ثُمَّ يَرْكَعَ. وَلَا بُدَّ مِنِ انْتِصَابِهِ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ. فَإِنَّ الْهُوِيَّ مِنْ قِيَامٍ وَاجِبٌ.

стр. 321

فَصْلٌ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدَ عَقِبَ قِرَاءَةِ آيَةِ سَجْدَةٍ، أَوِ اسْتِمَاعِهَا. فَإِنْ أَخَّرَ، وَقَصُرَ الْفَصْلُ، سَجَدَ. وَإِنْ طَالَ، فَاتَتْ. وَهَلْ تُقْضَى؟ قَوْلَانِ. حَكَاهُمَا صَاحِبُ (التَّقْرِيبِ) أَظْهَرُهُمَا - وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَآخَرُونَ: لَا تُقْضَى، لِأَنَّهَا لِعَارِضٍ، فَأَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ. وَضَبْطُ طُولِ الْفَصْلِ، يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ. وَلَوْ كَانَ الْقَارِئُ، أَوِ الْمُسْتَمِعُ، مُحْدِثًا عِنْدَ التِّلَاوَةِ فَإِنْ تَطَهَّرَ عَلَى قُرْبٍ، سَجَدَ. وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ عَلَى الْخِلَافِ. وَلَوْ كَانَ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قَارِئٌ آيَةَ سَجْدَةٍ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، هَلْ يَقْضِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ؟ الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَقْضِيهِ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، لِأَنَّ قِرَاءَةَ غَيْرِ إِمَامِهِ، لَا تَقْتَضِي سُجُودَهُ. وَإِذَا لَمْ نُجِزْ مَا يَقْتَضِي السُّجُودَ أَدَاءً، فَالْقَضَاءُ بَعِيدٌ. وَقَالَ صَاحِبُ (التَّقْرِيبِ) : وَفِيهِ الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ. وَقَالَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) : يَحْسُنُ أَنْ يَقْضِيَ وَلَا يَتَأَكَّدَ، كَمَا يُجِيبُ الْمُؤَذِّنُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ. قُلْتُ: إِذَا قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، سَجَدَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَرَأَهَا فِي الرُّكُوعِ، أَوِ السُّجُودِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْجُدُ. وَلَوْ قَرَأَ السَّجْدَةَ، فَهَوَى لِيَسْجُدَ، فَشَكَّ، هَلْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ؟ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْقِيَامِ، فَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ. وَلَوْ قَرَأَ خَارِجَ الصَّلَاةِ السَّجْدَةَ بِالْفَارِسِيَّةِ، لَا يَسْجُدُ عِنْدَنَا. وَإِذَا سَجَدَ الْمُسْتَمِعُ مَعَ الْقَارِئِ، لَا يَرْتَبِطُ بِهِ، وَلَا يَنْوِي الِاقْتِدَاءَ بِهِ، وَلَهُ الرَّفْعُ مِنَ السُّجُودِ قَبْلَهُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً، أَوْ آيَتَيْنِ فِيهِمَا سَجْدَةٌ، لِيَسْجُدَ، فَلَمْ أَرَ فِيهِ كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا. وَفِي كَرَاهَتِهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ، أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ (آدَابِ الْقُرْآنِ) .

стр. 322

وَمُقْتَضَى مَذْهَبِنَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الْمَنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، لَمْ يُكْرَهْ. وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ فِي وَقْتِ كَرَاهَتِهَا، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَا لِغَرَضٍ سِوَى صَلَاةِ التَّحِيَّةِ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةُ. هَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِالْقِرَاءَةِ الْمَذْكُورَةِ غَرَضٌ سِوَى السُّجُودِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ، فَلَا كَرَاهَةَ مُطْلَقًا قَطْعًا، وَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَسْجُدْ، وَسَلَّمَ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْجُدَ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ. فَإِنْ طَالَ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ. وَلَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ قَبْلَ بُلُوغِ السَّجْدَةِ وَلَوْ بِحَرْفٍ، لَمْ يَصِحَّ سُجُودُهُ. وَلَوْ قَرَأَ بَعْدَ السَّجْدَةِ آيَاتٍ، ثُمَّ سَجَدَ جَازَ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ. وَلَوْ قَرَأَ سَجْدَةً، فَسَجَدَ، فَقَرَأَ فِي سُجُودِهِ سَجْدَةً أُخْرَى، لَا يَسْجُدُ ثَانِيًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ: حَكَاهُ فِي (الْبَحْرِ) أَنَّهُ يَسْجُدُ. قَالَ صَاحِبُ (الْبَحْرِ) : إِذَا قَرَأَ الْإِمَامُ السَّجْدَةَ فِي صَلَاةٍ سِرِّيَّةٍ، اسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ السُّجُودِ إِلَى فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ. قَالَ: وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا لِلْخَطِيبِ إِذَا قَرَأَ سَجْدَةً، أَنْ يَتْرُكَ السُّجُودَ لِمَا فِيهِ مِنْ كُلْفَةِ النُّزُولِ عَنِ الْمِنْبَرِ وَالصُّعُودِ. قَالَ: وَلَوْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، لَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. وَهَلْ يَسْجُدُ بَعْدَ الْفَرَاغِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَسْجُدُ. وَأَصْلُهُمَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا تُشْرَعُ، هَلْ يَسْجُدُ لِتِلَاوَتِهَا؟ وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ: سَجْدَةُ الشُّكْرِ: سُجُودُ الشُّكْرِ سُنَّةٌ عِنْدَ مُفَاجَأَةِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَكَذَا إِذَا رَأَى مُبْتَلًى بِبَلِيَّةٍ، أَوْ بِمَعْصِيَةٍ. وَلَا يُسَنُّ عِنْدَ اسْتِمْرَارِ النِّعَمِ. وَإِذَا سَجَدَ لِنِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ، اسْتُحِبَّ إِظْهَارُ السُّجُودِ. وَإِنْ سَجَدَ لِبَلِيَّةٍ فِي غَيْرِهِ، وَصَاحِبُ الْبَلِيَّةِ غَيْرُ مَعْذُورٍ، كَالْفَاسِقِ، أَظْهَرَ السُّجُودَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَعَلَّهُ يَتُوبُ. وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، كَصَاحِبِ الزَّمَانَةِ، أَخْفَاهُ لِئَلَّا

стр. 323

يَتَأَذَّى. وَيَفْتَقِدُ سُجُودُ الشُّكْرِ إِلَى شُرُوطِ الصَّلَاةِ. وَكَيْفِيَّتُهُ كَكَيْفِيَّةِ سُجُودِ التِّلَاوَةِ خَارِجَ الصَّلَاةِ. وَلَا يَجُوزُ سُجُودُ الشُّكْرِ فِي الصَّلَاةِ بِحَالٍ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. فَلَوْ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ لِيَسْجُدَ بِهَا لِلشُّكْرِ، فَفِي جَوَازِ السُّجُودِ، وَجْهَانِ. فِي (الشَّامِلِ) وَ (الْبَيَانِ) أَصَحُّهُمَا: يَحْرُمُ، وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ، فِيمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ فِي جَوَازِ سُجُودِ الشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالْإِيمَاءِ [فِي جَوَازِ سُجُودِ الشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِالْإِيمَاءِ] وَجْهَانِ. كَالتَّنَفُّلِ مُضْطَجِعًا مَعَ الْقُدْرَةِ. وَلَوْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، إِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ نَافِلَةٍ، جَازَ قَطْعًا تَبَعًا لَهَا، وَإِلَّا فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي سَجْدَةِ الشُّكْرِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ فِيهِمَا، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) وَ (الْعُدَّةِ) وَالْخِلَافُ فِيمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَرْقَدٍ، وَأَتَمَّ السُّجُودَ، جَازَ قَطْعًا. وَأَمَّا الْمَاشِي فِي السَّفَرِ فَيَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : لَوْ تَصَدَّقَ صَاحِبُ هَذِهِ النِّعْمَةِ أَوْ صَلَّى شُكْرًا، فَحَسَنٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 324

فَرْعٌ لَوْ خَضَعَ إِنْسَانٌ لِلَّهِ تَعَالَى، فَتَقَرَّبَ بِسَجْدَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ حَرَامٌ، كَالتَّقَرُّبِ بِرُكُوعٍ مُفْرَدٍ وَنَحْوِهِ. وَصَحَّحَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ، قَالَهُ صَاحِبُ (التَّقْرِيبِ) قَالَ: وَإِذَا فَاتَتْ سَجْدَةُ الشُّكْرِ، فَفِي قَضَائِهَا الْخِلَافُ فِي قَضَاءِ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ. وَقَطَعَ غَيْرُهُ بِعَدَمِ الْقَضَاءِ. قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْخِلَافِ فِي تَحْرِيمِ السَّجْدَةِ، مَا يَفْعَلُ بَعْدَ صَلَاةِ وَغَيْرُهُ. وَلَيْسَ مِنْ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرُونَ مِنَ الْجَهَلَةِ الظَّالِمِينَ، مِنَ السُّجُودِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَشَايِخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ إِلَى الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرِهَا. وَسَوَاءٌ قَصَدَ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ غَفَلَ. وَفِي بَعْضِ صُوَرِهِ مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ عَافَانَا اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْبَابُ السَّابِعُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ اخْتَلَفَ اصْطِلَاحُ الْأَصْحَابِ فِي تَطَوُّعِ الصَّلَاةِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يُفَسِّرُهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِيَّتِهِ، بَلْ يُنْشِؤُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً. وَهَؤُلَاءِ قَالُوا: مَا عَدَا الْفَرَائِضَ، ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، سُنَنٌ، وَهِيَ الَّتِي وَاظَبَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَمُسْتَحَبَّاتٌ، وَهِيَ الَّتِي فَعَلَهَا أَحْيَانًا، وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا. وَتَطُوُّعَاتٌ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرْنَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَادِفُ بَيْنَ لَفْظَيِ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ، وَيُطْلِقُهُمَا عَلَى مَا سِوَى الْفَرَائِضِ.

стр. 325

قُلْتُ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: السُّنَّةُ، وَالْمُسْتَحَبُّ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالتَّطَوُّعُ، وَالنَّفْلُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ، وَالْحَسَنُ، كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ. وَهُوَ مَا رَجَّحَ الشَّرْعُ فِعْلَهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَجَازَ تَرْكُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الرَّوَاتِبِ مَا هِيَ؟ فَقِيلَ: هِيَ النَّوَافِلُ الْمُوَقَّتَةُ بِوَقْتٍ مَخْصُوصٍ، وَعُدَّ مِنْهَا التَّرَاوِيحُ، وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ، وَالضُّحَى. وَقِيلَ: هِيَ السُّنَنُ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا سِوَى فَرَائِضِ الصَّلَاةِ، قِسْمَانِ. مَا يُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ، وَالْكُسُوفَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ. وَلَهَا أَبْوَابٌ مَعْرُوفَةٌ، وَمَا لَا يُسَنُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، وَهِيَ رَوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ وَغَيْرِهَا، فَأَمَّا الرَّوَاتِبُ، فَالْوَتْرُ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا غَيْرُ الْوَتْرِ، فَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي عَدَدِهَا، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَصَ رَكْعَتَيِ الْعِشَاءِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) وَبِهِ قَالَ الْخُضَرِيُّ. وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَشْرِ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ. فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا، وَلَيْسَ خِلَافُهُمْ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، بَلْ إِنَّ الْمُؤَكَّدَ مِنَ الرَّوَاتِبِ مَاذَا؟ مَعَ أَنَّ الِاسْتِحْبَابَ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ. وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَجَمَاعَةٌ: أَدْنَى الْكَمَالِ: عَشْرُ رَكَعَاتٍ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ. وَأَتَمُّ الْكَمَالِ: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَهُوَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ. وَفِي اسْتِحْبَابِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَجْهَانِ. وَبِالِاسْتِحْبَابِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الطُّوسِيُّ، وَأَبُو زَكَرِيَّا السُّكَّرِيُّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ، اسْتِحْبَابُهُمَا، فَفِي مَوَاضِعَ مِنْ (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) عَنْ [عَبْدِ اللَّهِ] بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: لِمَنْ شَاءَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 326

فَصْلٌ الْوَتْرُ سُنَّةٌ. وَيَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ، وَبِثَلَاثٍ، وَبِخَمْسٍ، وَبِسَبْعٍ، وَبِتِسْعٍ، وَبِإِحْدَى عَشْرَةَ، فَهَذَا أَكْثَرُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: أَكْثَرُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَلَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى أَكْثَرِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِنْ زَادَ، لَمْ يَصِحَّ وَتْرُهُ. وَإِذَا زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ، فَأَوْتَرَ بِثَلَاثٍ فَأَكْثَرَ مَوْصُولَةً، فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ تَشَهُّدًا وَاحِدًا فِي الْأَخِيرَةِ، وَلَهُ تَشَهُّدٌ آخَرُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِي وَجْهٍ: لَا يُجْزِئُ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَشَهُّدٍ وَاحِدٍ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، أَنْ يَتَشَهَّدَ تَشَهُّدَيْنِ بِتَسْلِيمَةٍ. فَإِنْ فَعَلَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى تَشَهُّدٍ أَوْ يُسَلِّمُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ. وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُنْكَرَانِ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَلَكِنْ: هَلِ الْأَفْضَلُ تَشَهُّدٌ أَمْ تَشَهُّدَانِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَرْجَحُهَا عِنْدَ الرُّويَانِيِّ: تَشَهُّدٌ. وَالثَّانِي: تَشَهُّدَانِ. وَالثَّالِثُ: هُمَا فِي الْفَضِيلَةِ سَوَاءٌ. أَمَّا إِذَا زَادَ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ، وَجَلَسَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى تَسْلِيمَةٍ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَنْقُولِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ كَنَافِلَةٍ كَثِيرَةِ الرَّكَعَاتِ. أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْإِيتَارَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، فَهَلِ الْأَفْضَلُ فَصْلُهَا بِسَلَامَيْنِ، أَمْ وَصْلُهَا بِسَلَامٍ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الْفَصْلُ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: الْوَصْلُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَالْفَصْلُ، وَإِنْ صَلَّاهَا بِجَمَاعَةٍ، فَالْوَصْلُ. وَالرَّابِعُ: عَكْسُهُ. وَهَلِ الثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ فَرْدَةٍ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: الْفَرْدَةُ. قَالَ فِي (النِّهَايَةِ) : وَغَلَا هَذَا الْقَائِلُ فَقَالَ: الْفَرْدَةُ أَفْضَلُ مِنْ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مَوْصُولَةً. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا، فَالْفَرْدَةُ. وَإِنْ كَانَ إِمَامًا، فَالثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ.

стр. 327

فَرْعٌ فِي وَقْتِ الْوَتْرِ [فِي وَقْتِ الْوَتْرِ] وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: أَنَّهُ مِنْ حِينِ يُصَلِّي الْعِشَاءَ، إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ. فَإِنْ أَوْتَرَ قَبْلَ فِعْلِ الْعِشَاءِ، لَمْ يَصِحَّ وَتْرُهُ، سَوَاءً تَعَمَّدَ، أَوْ سَهَا وَظَنَّ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ، أَوْ صَلَّاهَا ظَانًّا أَنَّهُ مُتَطَهِّرٌ، ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الْوَتْرَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ مُحْدِثًا فِي الْعِشَاءِ، فَوَتْرُهُ بَاطِلٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُ وَقْتُ الْوَتْرِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ قَبْلَهَا. وَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَنَفَّلَ، صَحَّ وَتْرُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَتَقَدَّمَهُ نَافِلَةٌ، فَإِذَا لَمْ يَصِحَّ وَتْرًا، كَانَ تَطَوُّعًا. كَذَا قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ قَبْلَ الزَّوَالِ غَالِطًا، هَلْ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، أَمْ تَكُونُ نَفْلًا؟ وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْوَتْرُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ. فَإِنْ كَانَ لَا تَهَجُّدَ لَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوتِرَ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَرَاتِبَتِهَا، وَيَكُونُ وَتْرُهُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْوَتْرَ، كَذَا قَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيُّ: اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَقْدِيمَ الْوَتْرِ. فَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ نَقْلُهُمَا عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُ قِيَامَ اللَّيْلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ. وَالْأَمْرُ فِيهِ قَرِيبٌ، وَكُلٌّ شَائِعٌ. وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ وَتَهَجَّدَ، لَمْ يُعِدِ الْوَتْرَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يُصَلِّي فِي أَوَّلِ قِيَامِهِ رَكْعَةً يُشَفِّعُهُ، ثُمَّ يَتَهَجَّدُ مَا شَاءَ، ثُمَّ يُوتِرُ ثَانِيًا، وَيُسَمَّى هَذَا: نَقْضُ الْوَتْرِ. وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي (الْأُمِّ) وَ (الْمُخْتَصَرِ) : أَنَّ الْوَتْرَ يُسَمَّى: تَهَجُّدًا: وَقِيلَ: الْوَتْرُ غَيْرُ التَّهَجُّدِ.

стр. 328

فَرْعٌ إِذَا اسْتَحْبَبْنَا الْجَمَاعَةَ فِي التَّرَاوِيحِ، يُسْتَحَبُّ الْجَمَاعَةُ أَيْضًا فِي الْوَتْرِ بَعْدَهَا. وَأَمَّا فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ الْجَمَاعَةُ. وَقِيلَ: فِي اسْتِحْبَابِهَا، وَجْهَانِ مُطْلَقًا. حَكَاهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ. فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ فِي الْوَتْرِ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنْ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ، قَنَتَ فِيهَا، وَإِنْ أَوْتَرَ بِأَكْثَرَ، قَنَتَ فِي الْأَخِيرَةِ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ، وَوَجْهٌ: أَنَّهُ يَقْنُتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ. قَالَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ، وَأَبُو مَنْصُورِ بْنُ مِهْرَانَ. وَالصَّحِيحُ: اخْتِصَاصُ الِاسْتِحْبَابِ بِالنِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀، كَرَاهَةُ الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ هَذَا النِّصْفِ. وَلَوْ تَرَكَ الْقُنُوتَ فِي مَوْضِعٍ نَسْتَحِبُّهُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ قَنَتَ فِي غَيْرِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ - وَقُلْنَا: لَا يُسْتَحَبُّ - سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَجُوزُ الْقُنُوتُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ بِلَا كَرَاهَةٍ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِهِ فِي غَيْرِ النِّصْفِ. قَالَ: وَهَذَا اخْتِيَارُ مَشَايِخِ طَبَرِسْتَانَ، وَاسْتَحْسَنَهُ. وَفِي مَوْضِعِ الْقُنُوتِ فِي الْوَتْرِ، أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي [سُنَنِ] (حَرْمَلَةَ) . وَالثَّانِي: قَبْلَ الرُّكُوعِ، قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ.

стр. 329

وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. وَإِذَا قَدَّمَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقْنُتُ بِلَا تَكْبِيرٍ. وَالثَّانِي: يُكَبِّرُ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ يَقْنُتُ. وَلَفْظُ الْقُنُوتِ: هُوَ مَا تَقَدَّمَ فِي قُنُوتِ الصُّبْحِ. وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ قُنُوتَ عُمَرَ ﵁: (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، نَشْكُرُكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ. اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ. اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذِي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، إِلَهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ) . وَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَ قُنُوتَ عُمَرَ عَلَى قُنُوتِ الصُّبْحِ، أَمْ يُؤَخِّرُهُ؟ وَجْهَانِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: يُقَدِّمُهُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ شُيُوخِهِمْ، تَأْخِيرَهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَأْخِيرُهُ، لِأَنَّ قُنُوتَ الصُّبْحِ ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْوَتْرِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ عَذِّبِ الْكَفَرَةَ) لِلْحَاجَةِ إِلَى التَّعْمِيمِ فِي أَزْمَانِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: يَزِيدُ فِي الْقُنُوتِ (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَاسْتَحْسَنَهُ. وَحُكْمُ الْجَهْرِ بِالْقُنُوتِ، وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ وَغَيْرُهُمَا، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الصُّبْحِ.

стр. 330

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، أَنْ يَقْرَأَ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى: (سَبِّحْ) . وَفِي الثَّانِيَةِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) . وَفِي الثَّالِثَةِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ. فَصْلٌ فِي النَّوَافِلِ الَّتِي يُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ اعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ النَّوَافِلِ مُطْلَقًا الْعِيدَانِ، ثُمَّ الْكُسُوفَانِ، ثُمَّ الِاسْتِسْقَاءُ. وَأَمَّا التَّرَاوِيحُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُسَنُّ فِيهَا الْجَمَاعَةُ، فَالرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَإِنْ قُلْنَا: يُسَنُّ فِيهَا، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: التَّرَاوِيحُ أَفْضَلُ. قُلْتُ: كُسُوفُ الشَّمْسِ أَفْضَلُ مِنْ خُسُوفِ الْقَمَرِ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَمِنَ التَّطَوُّعِ الَّذِي لَا يُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ، صَلَاةُ الضُّحَى. وَأَقَلُّهَا: رَكْعَتَانِ، وَأَفْضَلُهَا: ثَمَانٍ، وَأَكْثَرُهَا: اثْنَا عَشَرَ، وَيُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ. وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ إِلَى الِاسْتِوَاءِ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَقْتُ الضُّحَى مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إِلَى ارْتِفَاعِهَا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَوَقْتُهَا الْمُخْتَارُ إِذَا مَضَى رُبْعُ النَّهَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ، وَلَوْ صَلَّى الدَّاخِلُ فَرِيضَةً، أَوْ وِرْدًا، أَوْ سُنَّةً، وَنَوَى التَّحِيَّةَ مَعَهَا، حَصَلَا جَمِيعًا. وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَطَّرِدَ

стр. 331

فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَنْ نَوَى غُسْلَ الْجَنَابَةِ: هَلْ يَحْصُلُ لَهُ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ إِذَا لَمْ يَنْوِهِمَا؟ وَلَوْ صَلَّى الدَّاخِلُ عَلَى جِنَازَةٍ، أَوْ سَجَدَ لِتِلَاوَةٍ، أَوْ شُكْرٍ، أَوْ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَحْصُلِ التَّحِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَمَنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِرَارًا. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِهِ (اللُّبَابِ) : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ التَّحِيَّةُ مَرَّةً. وَقَالَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) : لَوْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ، يُسْتَحَبُّ التَّحِيَّةُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ: وَتُكْرَهُ التَّحِيَّةُ فِي حَالَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إِذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي الْمَكْتُوبَةِ. وَالثَّانِي: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا عَنِ الطَّوَافِ. وَمِمَّا يُحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ، أَنَّهُ لَوْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ، وَطَالَ الْفَصْلُ، لَمْ يَأْتِ بِهَا كَمَا سَيَأْتِي: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ قَضَاؤُهَا. وَإِنْ لَمْ يَطُلْ، فَالَّذِي قَالَهُ الْأَصْحَابُ: أَنَّهَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ، فَلَا يَفْعَلُهَا. وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ فِي كِتَابِهِ الْمُصَنَّفِ فِي الْعِبَادَاتِ: أَنَّهُ لَوْ نَسِيَ التَّحِيَّةَ وَجَلَسَ، فَذَكَرَ بَعْدَ سَاعَةٍ، صَلَّاهَا. وَهَذَا غَرِيبٌ. وَفِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) وَ (مُسْلِمٍ) مَا يُؤَيِّدُهُ فِي حَدِيثِ الدَّاخِلِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، إِذَا لَمْ نُوجِبْهُمَا. قُلْتُ: وَمِنْهُ رَكْعَتَانِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، يَنْوِي بِهِمَا سُنَّةَ الْوُضُوءِ. وَمِنْهُ سُنَّةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَبَعْدَهَا أَرْبَعٌ. كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ فِي (الْمِفْتَاحِ) وَآخَرُونَ. وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِرَكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا. وَالْعُمْدَةُ فِيمَا بَعْدَهَا، حَدِيثُ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) وَإِذَا صَلَّيْتُمُ الْجُمُعَةَ فَصَلُّوا بَعْدَهَا أَرْبَعًا) وَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. وَأَمَّا قَبْلَهَا، فَالْعُمْدَةُ فِيهِ، الْقِيَاسُ عَلَى الظُّهْرِ. وَيُسْتَأْنَسُ فِيهِ بِحَدِيثِ (سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ) : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا. وَمِنْهُ رَكْعَتَا الِاسْتِخَارَةِ. ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) . وَمِنْهُ رَكْعَتَا صَلَاةِ الْحَاجَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 332

فَصْلٌ أَوْكَدُ مَا لَا تُسَنُّ لَهُ الْجَمَاعَةُ: السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ. وَأَفْضَلُ الرَّوَاتِبِ: الْوَتْرُ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. وَأَفْضَلُهُمَا: الْوَتْرُ عَلَى الْجَدِيدِ الصَّحِيحِ. وَالْقَدِيمُ: سُنَّةُ الْفَجْرَ. وَفِي وَجْهٍ: هُمَا سَوَاءٌ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ تَلِي الْوَتْرَ فِي الْفَضِيلَةِ. وَفِي وَجْهٍ قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ تُقَدَّمُ عَلَى سُنَّةِ الْفَجْرِ. قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ. فَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ) وَفِي رِوَايَةٍ (الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الرَّوَاتِبِ الْمَذْكُورَةِ الضُّحَى. ثُمَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلٍ، كَرَكْعَتَيِ الطَّوَافِ، وَرَكْعَتَيِ الْإِحْرَامِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ، عِشْرُونَ رَكْعَةً بِعَشْرِ تَسْلِيمَاتٍ. قُلْتُ: فَلَوْ صَلَّى أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَةٍ، لَمْ يَصِحَّ. ذَكَرُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي (الْفَتَاوَى) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمَشْرُوعِ. وَيَنْوِي التَّرَاوِيحَ، أَوْ قِيَامَ رَمَضَانَ. وَلَا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ، بَلْ يَنْوِي رَكْعَتَيْنِ مِنَ التَّرَاوِيحِ فِي كُلِّ تَسْلِيمَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُومُونَ بِتِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، مِنْهَا

стр. 333

ثَلَاثٌ لِلْوَتْرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَيْسَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ. وَالْأَفْضَلُ فِي التَّرَاوِيحِ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ. وَالثَّانِي: الِانْفِرَادُ أَفْضَلُ. ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالصَّيْدَلَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَخَافُ الْكَسَلَ عَنْهَا، وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ. فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ هَذَا، فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا. وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، ثَالِثُهَا: هَذَا الْفَرْقُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّرَاوِيحِ بِالْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ. فَصْلٌ التَّطُوُّعَاتُ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِسَبَبٍ، وَلَا وَقْتٍ، لَا حَصْرَ لِأَعْدَادِهَا، وَلَا الرَّكَعَاتِ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا. فَإِذَا شَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ، وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا، فَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ، وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَصَاعِدًا. وَلَوْ صَلَّى عَدَدًا لَا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، صَحَّ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي (الْإِمْلَاءِ) . وَلَوْ نَوَى رَكْعَةً، أَوْ عَدَدًا قَلِيلًا، أَوْ كَثِيرًا، فَلَهُ ذَلِكَ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ غَلَطٌ. ثُمَّ إِذَا نَوَى عَدَدًا، فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ، وَلَهُ أَنْ يَنْقُصَ. فَمَنْ أَحْرَمَ بِرَكْعَةٍ، فَلَهُ جَعْلُهَا عَشْرًا. أَوْ بِعَشْرٍ، فَلَهُ جَعْلُهَا وَاحِدَةً، بِشَرْطِ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ قَبْلَ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ. فَلَوْ زَادَ أَوْ نَقَصَ قَبْلَ تَغَيُّرِ النِّيَّةِ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. مِثَالُهُ: نَوَى رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ لِثَالِثَةٍ بِنِيَّةِ الزِّيَادَةِ، جَازَ. وَلَوْ قَامَ قَبْلَهَا عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنْ قَامَ نَاسِيًا، عَادَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ. فَلَوْ بَدَا لَهُ فِي الْقِيَامِ أَنْ يَزِيدَ. فَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَوْدُ إِلَى الْقُعُودِ ثُمَّ يَقُومُ مِنْهُ، أَمْ لَهُ الْمُضِيُّ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، ثُمَّ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وَلَوْ زَادَ رَكْعَتَيْنِ سَهْوًا، ثُمَّ نَوَى إِكْمَالَ أَرْبَعٍ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ. وَمَا سَهَا بِهِ لَا يُحْسَبُ. وَلَوْ نَوَى أَرْبَعًا، ثُمَّ غَيَّرَ نِيَّتَهُ، وَسَلَّمَ عَنْ رَكْعَتَيْنِ، جَازَ. وَلَوْ سَلَّمَ قَبْلَ تَغْيِيرِ النِّيَّةِ عَمْدًا،

стр. 334

بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَإِنَّ سَلَّمَ سَاهِيًا، أَتَمَّ أَرْبَعًا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ. فَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ السَّلَامِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ ثَانِيًا، فَإِنَّ سَلَامَهُ الْأَوَّلَ غَيْرُ مَحْسُوبٍ. ثُمَّ إِنْ تَطَوَّعَ بِرَكْعَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّشَهُّدِ. وَإِنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَشَهُّدٍ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وَهَذَا التَّشَهُّدُ رُكْنٌ. وَلَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، كَمَا فِي الْفَرَائِضِ الرُّبَاعِيَّةِ. فَإِنْ كَانَ الْعَدَدُ وَتْرًا، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّشَهُّدِ فِي الْأَخِيرَةِ أَيْضًا. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِيهِ احْتِمَالٌ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ تَجْوِيزَ التَّشَهُّدِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُ الْإِمَامِ، وَالْغَزَالِيُّ. وَفِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْحَابِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ. قُلْتُ: (الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ) ، مَنْعُهُ، فَإِنَّهُ اخْتِرَاعُ صُورَةٍ فِي الصَّلَاةِ لَا عَهْدَ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الِاقْتِصَارُ عَلَى تَشَهُّدٍ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ. وَأَمَّا التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالُوا: هُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِنْ جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَشَهُّدٍ. وَذَكَرَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) ، وَ (التَّهْذِيبِ) وَجَمَاعَةٌ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى تَشَهُّدَيْنِ بِحَالٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ التَّشَهُّدَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، إِنْ كَانَ الْعَدَدُ شَفْعًا وَإِنْ كَانَ وَتْرًا، لَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ مِنْ رَكْعَةٍ. وَالْمَذْهَبُ: جَوَازُ الزِّيَادَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَحَكَى صَاحِبُ (الْبَيَانِ) وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَجْلِسُ إِلَّا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ. ثُمَّ إِنْ صَلَّى بِتَشَهُّدٍ، قَرَأَ السُّورَةَ فِي الرَّكَعَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ صَلَّى بِتَشَهُّدَيْنِ، فَهَلْ يَقْرَأُ فِيمَا بَعْدُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْفَرَائِضِ. وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، سَوَاءً كَانَ بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ. وَلَوْ نَوَى صَلَاةَ تَطَوُّعٍ، وَلَمْ يَنْوِ رَكْعَةً، وَلَا رَكَعَاتٍ، فَهَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ؟ قَالَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) : فِيهِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً، هَلْ يَخْرُجُ عَنْ نَذْرِهِ بِرَكْعَةٍ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ بِالْجَوَازِ.

стр. 335

قُلْتُ: إِنَّمَا ذَكَرَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ: هَلْ يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ، أَمْ لَا يُكْرَهُ؟ وَجَزَمَ بِالْجَوَازِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ سَائِرُ الْأَصْحَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي أَوْقَاتِ النَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: رَاتِبَةٌ تَسْبِقُ الْفَرِيضَةَ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، وَيَبْقَى جَوَازُهَا مَا بَقِيَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ. وَوَقْتُ اخْتِيَارِهَا مَا قَبْلَ الْفَرِيضَةِ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ سُنَّةَ الصُّبْحِ يَبْقَى وَقْتُ أَدَائِهَا إِلَى زَوَالِ الشَّمْسِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: الرَّوَاتِبُ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِفِعْلِ الْفَرِيضَةِ، وَيَخْرُجُ بِخُرُوجِ وَقْتِهَا. وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّ الْوَتْرَ يَبْقَى أَدَاءً إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الصُّبْحَ. وَالْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يَخْرُجُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ. فَرْعٌ النَّافِلَةُ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، وَإِنَّمَا تُفْعَلُ لِسَبَبٍ عَارِضٍ، كَصَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَهَذَا لَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهِ. وَالثَّانِي: مُؤَقَّتَةٌ، كَالْعِيدِ، وَالضُّحَى، وَالرَّوَاتِبِ التَّابِعَةِ لِلْفَرَائِضِ. وَفِي قَضَائِهَا أَقْوَالٌ. وَأَظْهَرُهَا: تُقْضَى. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: مَا اسْتَقَلَّ، كَالْعِيدِ، وَالضُّحَى، قُضِيَ. وَمَا كَانَ تَبَعًا كَالرَّوَاتِبِ، فَلَا. وَإِذَا قُلْنَا: تُقْضَى، فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُقْضَى أَبَدًا. وَالثَّانِي: تُقْضَى صَلَاةُ النَّهَارِ. مَا لَمْ تَغْرُبْ شَمْسُهُ، وَفَائِتُ اللَّيْلِ مَا لَمْ يَطْلُعْ

стр. 336

فَجْرُهُ. فَيَقْضِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ مَا دَامَ النَّهَارُ بَاقِيًا. وَالثَّالِثُ: يَقْضِي كُلَّ تَابِعٍ مَا لَمْ يُصَلِّ فَرِيضَةً مُسْتَقْبَلَةً، فَيَقْضِي الْوَتْرَ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ، وَيَقْضِي سُنَّةَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ، وَالْبَاقِي عَلَى هَذَا الْمِثَالِ. وَقِيلَ: عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ، بِدُخُولِ وَقْتِ الْمُسْتَقْبَلَةِ، لَا بِفِعْلِهَا. قُلْتُ: يُسْتَحَبُّ عِنْدَنَا فِعْلُ الرَّوَاتِبِ، فِي السَّفَرِ، كَالْحَضَرِ. وَالسُّنَّةُ: أَنْ يَضْطَجِعَ بَعْدَ سُنَّةِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَصَلَ بَيْنَهُمَا، لِحَدِيثٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى سُنَّةَ الْفَجْرِ، فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً، حَدَّثَنِي، وَإِلَّا اضْطَجَعَ حَتَّى يُؤَذَّنَ بِالصَّلَاةِ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يُخَفِّفَ السُّورَةَ فِيهِمَا. فَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ. . .) . الْآيَاتِ. وَفِي الثَّانِيَةِ: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا. . .) وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْأُولَى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) . وَفِي الثَّانِيَةِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَكِلَاهُمَا سُنَّةٌ. وَنَصَّ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) عَلَى الثَّانِيَةِ. وَفِي سُنَّةِ الْمَغْرِبِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) . وَكَذَا فِي رَكْعَتَيِ الِاسْتِخَارَةِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ. وَتَطَوُّعُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنْ تَطَوُّعِ النَّهَارِ. فَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ نِصْفَيِ اللَّيْلِ، فَالنِّصْفُ الثَّانِي أَفْضَلُ، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدٌ الثَّلَاثَةَ، فَالْأَوْسَطُ، وَأَفْضَلُ مِنْهُ السُّدُسُ الرَّابِعُ، وَالْخَامِسُ. ثَبَتَ ذَلِكَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) . وَيُكْرَهُ قِيَامُ اللَّيْلِ كُلِّهِ دَائِمًا، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُخِلَّ بِصَلَاةٍ فِي اللَّيْلِ وَإِنْ قَلَّتْ. وَالنَّفْلُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ قَامَ لِتَهَجُّدٍ، أَنْ يُوقِظَ لَهُ مَنْ يَطْمَعُ بِتَهَجُّدِهِ إِذَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا. وَيُسْتَحَبُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ، إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 337

كِتَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ اعْلَمْ أَنَّ أَرْكَانَ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا، لَا تَخْتَلِفُ بِالْجَمَاعَةِ وَالِانْفِرَادِ، لَكِنَّ الْجَمَاعَةَ أَفْضَلُ. فَالْجَمَاعَةُ فَرْضُ عَيْنٍ فِي الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمَكْتُوبَاتِ، فَفِيهَا أَوْجُهٌ. الْأَصَحُّ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ. وَالثَّانِي: سُنَّةٌ. وَالثَّالِثُ: فَرْضُ عَيْنٍ قَالَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ ﵀. فَإِنْ قُلْنَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ إِقَامَتِهَا، قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَسْقُطِ الْحَرَجُ إِلَّا إِذَا أَقَامُوهَا، بِحَيْثُ يَظْهَرُ هَذَا الشِّعَارُ بَيْنَهُمْ. فَفِي الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ يَكْفِي إِقَامَتُهَا فِي مَوْضِعٍ، وَفِي الْكَبِيرَةِ، وَالْبِلَادِ، تُقَامُ فِي الْمَحَالِّ. فَلَوْ أَطْبَقُوا عَلَى إِقَامَتِهَا فِي الْبُيُوتِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ. وَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ، إِذَا ظَهَرَتْ فِي الْأَسْوَاقِ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا سُنَّةٌ فَتَرَكُوهَا، لَمْ يُقَاتَلُوا عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ أَصَحُّ. وَلَوْ أَقَامَ الْجَمَاعَةَ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَظْهَرُوهَا فِي كُلِّ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا جُمْهُورُ الْمُقِيمِينَ بِالْبَلَدِ، حَصَلَتِ الْجَمَاعَةُ، وَلَا إِثْمَ عَلَى الْمُتَخَلِّفِينَ. كَمَا إِذَا صَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ طَائِفَةٌ يَسِيرَةٌ. وَأَمَّا أَهْلُ الْبَوَادِي، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: عِنْدِي فِيهِمْ نَظَرٌ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا الْفَرْضِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَتَعَرَّضُونَ لَهُ إِذَا كَانُوا سَاكِنِينَ. قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُسَافِرِينَ لَا يَتَعَرَّضُونَ لِهَذَا الْفَرْضِ، وَكَذَا إِذَا قَلَّ عَدَدُ سَاكِنِي قَرْيَةٍ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ.

стр. 338

وَالْمُخْتَارُ أَنَّ أَهْلَ الْبَوَادِي السَّاكِنِينَ، كَأَهْلِ الْقَرْيَةِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ، أَوْ بَدْوٍ، لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ، فَلَا تُفْرَضُ عَلَيْهِنَّ الْجَمَاعَةُ، لَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَلَا كِفَايَةٍ. وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ. ثُمَّ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: كَاسْتِحْبَابِهَا لِلرِّجَالِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِنَّ، كَتَأَكُّدِهَا فِي حَقِّ الرِّجَالِ. فَلَا يُكْرَهُ لَهُنَّ تَرْكُهَا، وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا لِلرِّجَالِ، مَعَ قَوْلِنَا: هِيَ لَهُمْ سُنَّةٌ. وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ تَقِفَ إِمَامَتُهُنَّ وَسَطَهُنَّ، وَجَمَاعَتُهُنَّ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ. فَإِنْ أَرَدْنَ حُضُورَ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ، كُرِهَ لِلشَّوَابِّ، دُونَ الْعَجَائِزِ. وَإِمَامَةُ الرِّجَالِ لَهُنَّ، أَفْضَلُ مِنْ إِمَامَةِ النِّسَاءِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ بِهِنَّ غَيْرُ مَحْرَمٍ. قُلْتُ: الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الْجَمَاعَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ، أَمْ عَيْنٍ، أَمْ سُنَّةً، هُوَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ الْمُؤَدَّيَاتِ، أَمَّا الْمَنْذُورَةُ، فَلَا يُشْرَعُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فِي بَابِ الْآذَانِ فِي مَسْأَلَةِ لَا يُؤَذَّنُ لِمَنْذُورَةٍ. وَأَمَّا الْمَقْضِيَّةُ، فَلَيْسَتِ الْجَمَاعَةُ فِيهَا فَرْضَ عَيْنٍ، وَلَا كِفَايَةٍ قَطْعًا، وَلَكِنَّهَا سُنَّةٌ قَطْعًا. وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ جَمَاعَةً حِينَ فَاتَتْهُمْ بِالْوَادِي. وَأَمَّا الْقَضَاءُ خَلْفَ الْأَدَاءِ وَعَكْسُهُ، فَجَائِزٌ عِنْدَنَا، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. لَكِنَّ الْأَوْلَى الِانْفِرَادُ لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا النَّوَافِلُ، فَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ مَا يُشْرَعُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ، مِنْهَا، وَمَا لَا يُشْرَعُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَا يُشْرَعُ، لَا تُسْتَحَبُّ فَلَوْ صُلِّيَ هَذَا النَّوْعُ جَمَاعَةً جَازَ، وَلَا يُقَالُ مَكْرُوهٌ، فَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 339

فَصْلٌ إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ فِي بَيْتِهِ بِرَفِيقِهِ، أَوْ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَلَدِهِ، حَازَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ، لَكِنَّهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ. وَحَيْثُ كَانَ الْجَمْعُ مِنَ الْمَسَاجِدِ أَكْثَرَ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَوْ كَانَ بِقُرْبِهِ مَسْجِدٌ قَلِيلُ الْجَمْعِ، وَبِالْبُعْدِ مَسْجِدٌ كَثِيرُ الْجَمْعِ، فَالْبَعِيدُ أَفْضَلُ، إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَتَعَطَّلَ جَمَاعَةُ الْقَرِيبِ بِعُدُولِهِ عَنْهُ، لِكَوْنِهِ إِمَامًا، أَوْ يَحْضُرَ النَّاسُ بِحُضُورِهِ، فَالْقَرِيبُ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ إِمَامُ الْبَعِيدِ مُبْتَدِعًا، كَالْمُعْتَزِلِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ: وَكَذَا لَوْ كَانَ الْإِمَامُ حَنَفِيًّا، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ بَعْضِ الْأَرْكَانِ، بَلْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: الصَّلَاةُ مُنْفَرِدًا أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْحَنَفِيِّ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّ رِعَايَةَ مَسْجِدِ الْجِوَارِ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ. فَرْعٌ إِذَا أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الْإِمَامَ قَبْلَ السَّلَامِ، أَدْرَكَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يُدْرِكُ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ. وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ الْمُحَافَظَةُ عَلَى إِدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى مَعَ الْإِمَامِ. وَفِيمَا يُدْرِكُهَا بِهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا بِأَنْ يَشْهَدَ تَكْبِيرَةَ الْإِمَامِ، وَيَشْتَغِلَ عَقِبَهَا بِعَقْدِ صَلَاتِهِ. فَإِنْ أَخَّرَ لَمْ يُدْرِكْهَا. وَالثَّانِي: بِأَنْ يُدْرِكَ الرُّكُوعَ الْأَوَّلَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُدْرِكَ شَيْئًا مِنَ

стр. 340

الْقِيَامِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَشْغَلَهُ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ لَمْ يُدْرِكْ بِالرُّكُوعِ. وَإِنْ مَنَعَهُ عُذْرٌ، أَوْ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ، كَالطَّهَارَةِ أَدْرَكَ بِهِ. قُلْتُ: وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا خَامِسًا: أَنَّهُ يُدْرِكُهَا مَا لَمْ يَشْرَعِ الْإِمَامُ فِي الْفَاتِحَةِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي (الْبَسِيطِ) فِي الْوَجْهِ الثَّانِي: وَالثَّالِثُ، هُمَا فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ إِحْرَامَ الْإِمَامِ، فَأَمَّا مَنْ حَضَرَ وَأَخَّرَ، فَقَدْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ التَّكْبِيرَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ خَافَ فَوْتَ هَذِهِ التَّكْبِيرَةِ، فَقَدْ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْرِعَ، لِيُدْرِكَهَا، وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ: أَنَّهُ لَا يُسْرِعُ، بَلْ يَمْشِي بِسَكِينَةٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَهَا. فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ تَرْكِ الْأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ. فَإِنْ رَضِيَ الْقَوْمُ بِالتَّطْوِيلِ وَكَانُوا مُنْحَصِرِينَ، لَا يَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِالتَّطْوِيلِ. وَلَوْ طَوَّلَ الْإِمَامُ فَلَهُ أَحْوَالٌ. مِنْهَا: أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ سُوقٍ، أَوْ مَحَلَّةٍ فَيُطَوِّلَ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ تَكْثُرُ بِهِمُ الْجَمَاعَةُ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ يَحْضُرُهُ رَجُلٌ شَرِيفٌ، فَيُطَوِّلَ لِيَلْحَقَ الشَّرِيفُ، فَيُكْرَهُ أَيْضًا. وَمِنْهَا: أَنْ يُحِسَّ فِي صَلَاتِهِ بِمَجِيءِ رَجُلٍ يُرِيدُ الِاقْتِدَاءَ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ رَاكِعًا، فَهَلْ يَنْتَظِرُهُ لِيُدْرِكَ الرُّكُوعَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَآخَرِينَ: لَا يَنْتَظِرُهُ، وَالثَّانِي: يَنْتَظِرُهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفْحُشَ التَّطْوِيلُ

стр. 341

، وَأَنْ يَكُونَ الْمَسْبُوقُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ حِينَ الِانْتِظَارِ. فَإِنْ كَانَ خَارِجَهُ لَمْ يَنْتَظِرْهُ قَطْعًا وَبِشَرْطِ أَنْ يُقْصَدَ بِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قَصَدَ التَّوَدُّدَ وَاسْتِمَالَتَهُ فَلَا يَنْتَظِرُهُ قَطْعًا. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ دَاخِلٍ وَدَاخِلٍ. وَقِيلَ: إِنْ عَرَفَ الدَّاخِلَ بِعَيْنِهِ لَمْ يَنْتَظِرْهُ، وَإِلَّا انْتَظَرَهُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُلَازِمًا لِلْجَمَاعَةِ، انْتَظَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقَوْلَيْنِ. فَقَالَ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ: لَيْسَ الْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابِ الِانْتِظَارِ، بَلْ أَحَدُهُمَا: يُكْرَهُ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يُكْرَهُ. وَقِيلَ: أَحَدُهُمَا، يُسْتَحَبُّ. وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ. وَقِيلَ: أَحَدُهُمَا يُسْتَحَبُّ. وَالثَّانِي: يُكْرَهُ. وَقِيلَ: لَا يَنْتَظِرُهُ قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي الِانْتِظَارِ فِي الْقِيَامِ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَضُرَّ الِانْتِظَارُ بِالْمَأْمُومِينَ، وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ، انْتَظَرَ قَطْعًا، وَإِلَّا فَفِيهِ الْقَوْلَانِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يَنْتَظِرُ فَانْتَظَرَ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي بُطْلَانِهَا قَوْلَانِ. وَلَوْ أَحَسَّ بِالدَّاخِلِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَهُوَ كَالرُّكُوعِ. وَإِنْ أَحَسَّ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَرْكَانِ كَالْقِيَامِ وَالسُّجُودِ، وَغَيْرِهِمَا، لَمْ يَنْتَظِرْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: هُوَ كَالرُّكُوعِ. وَقِيلَ: الْقِيَامُ كَالرُّكُوعِ، دُونَ غَيْرِهِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يَنْتَظِرُ، فَفِي الْبُطْلَانِ مَا سَبَقَ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ مَنْ صَلَّى صَلَاةً مِنَ الْخَمْسِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً يُصَلُّونَهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مُنْكَرٌ: أَنَّهُ يُعِيدُ الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ فَقَطْ. وَوَجْهٌ:

стр. 342

يُعِيدُهُمَا مَعَ الْمَغْرِبِ. وَلَوْ صَلَّى جَمَاعَةً ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً أُخْرَى، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ: يُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ كَالْمُنْفَرِدِ. وَالثَّانِي: لَا. فَعَلَى هَذَا تُكْرَهُ إِعَادَةُ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ دُونَ غَيْرِهِمَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةُ فَضِيلَةٍ لِكَوْنِ الْإِمَامِ أَعْلَمَ أَوْ أَوْرَعَ، أَوِ الْجَمْعِ أَكْثَرَ، أَوِ الْمَكَانِ أَشْرَفَ، اسْتُحِبَّ الْإِعَادَةُ وَإِلَّا فَلَا. وَالرَّابِعُ: يُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ مَا عَدَا الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ. وَإِذَا اسْتَحْبَبْنَا الْإِعَادَةَ لِمَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، أَوْ جَمَاعَةً، فَفِي فَرْضِهِ قَوْلَانِ، وَوَجْهَانِ. أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الْجَدِيدُ فَرْضُهُ الْأُولَى. وَالْقَدِيمُ: فَرْضُهُ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا. وَاللَّهُ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَرُبَّمَا قِيلَ: يَحْتَسِبُ بِأَكْمَلِهِمَا. وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا فَرْضٌ. وَالثَّانِي: إِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا، فَالْفَرْضُ الثَّانِيَةُ لِكَمَالِهَا. ثُمَّ إِنْ فَرَّعْنَا عَلَى غَيْرِ الْجَدِيدِ، نَوَى الْفَرْضَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا أَعَادَهَا كَالْمَرَّةِ الْأُولَى. وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْجَدِيدِ، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: يَنْوِي بِهَا الْفَرْضَ أَيْضًا. وَالثَّانِي: اخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَنْوِي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْفَرْضِ فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُعِيدُهَا كَالْمَرَّةِ الْأُولَى. وَالثَّانِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُومَ إِلَى رَكْعَةٍ أُخْرَى إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ. قُلْتُ: الرَّاجِحُ: اخْتِيَارُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى إِذَا رَأَى مَنْ يُصَلِّي تِلْكَ الْفَرِيضَةَ وَحْدَهُ، أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَهُ لِيَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ، سَوَاءً قُلْنَا سُنَّةٌ، أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ، فَمِنَ الْعَامِّ: الْمَطَرُ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا. وَمِنْهُ الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ. وَبَعْضُ الْأَصْحَابِ يَقُولُ: الرِّيحُ الْعَاصِفَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، وَلَيْسَ

стр. 343

ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اشْتِرَاطِ الظُّلْمَةِ. وَمِنْهُ الْوَحْلُ الشَّدِيدُ وَسَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْهُ، السَّمُومُ، وَشِدَّةُ الْحَرِّ فِي الظُّهْرِ. فَإِنْ أَقَامُوا الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يُبْرِدُوا، أَوْ أَبْرَدُوا، أَوْ بَقِيَ الْحَرُّ الشَّدِيدُ، فَلَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الْجَمَاعَةِ. وَمِنْهُ شِدَّةُ الْبَرْدِ سَوَاءً فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ. وَمِنَ الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ: الْمَرَضُ، وَلَا يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ حَدًّا يُسْقِطُ الْقِيَامَ فِي الْفَرِيضَةِ، بَلْ يُعْتَبَرُ أَنْ يَلْحَقَهُ مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ الْمَاشِي فِي الْمَطَرِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مُمَرَّضًا، وَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي (الْجُمُعَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْهَا: أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، أَوْ عَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ الذَّبُّ عَنْهُ مِنْ سُلْطَانٍ، أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّنْ يَظْلِمُهُ، أَوْ يَخَافُ مِنْ غَرِيمٍ يَحْبِسُهُ، أَوْ يُلَازِمُهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَهُ التَّخَلُّفُ. وَلَا عِبْرَةَ بِالْخَوْفِ مِمَّنْ يُطَالِبُهُ بِحَقٍّ هُوَ ظَالِمٌ فِي مَنْعِهِ، بَلْ عَلَيْهِ الْحُضُورُ وَيُوَفِّيهِ ذَلِكَ الْحَقَّ. وَيَدْخُلُ فِي الْخَوْفِ عَلَى الْمَالِ، مَا إِذَا كَانَ خُبْزُهُ فِي التَّنُّورِ، أَوْ قِدْرُهُ عَلَى النَّارِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَتَعَهَّدُهُمَا. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لَوْ ظَفَرَ بِهِ الْمُسْتَحِقُّ لِقَتْلِهِ، وَكَانَ يَرْجُو الْعَفْوَ مَجَّانًا، أَوْ عَلَى مَالٍ لَوْ غَيَّبَ وَجْهَهُ أَيَّامًا، فَلَهُ التَّخَلُّفُ بِذَلِكَ. وَفِي مَعْنَاهُ حَدُّ الْقَذْفِ دُونَ حَدِّ الزِّنَا، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْعَفْوَ. وَاسْتَشْكَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ جَوَازَ التَّغَيُّبِ لِمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يُدَافِعَ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ أَوِ الرِّيحَ. وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْحَالِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّغَ نَفْسَهُ، ثُمَّ يُصَلِّي وَإِنْ فَاتَتِ الْجَمَاعَةُ. فَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُقَدِّمُ الصَّلَاةَ. وَالثَّانِي: الْأَوْلَى أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ، ثُمَّ يَقْضِي. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ إِذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْمُدَافَعَةِ، وَسَلَبَتْ خُشُوعَهُ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِهِ جُوعٌ، أَوْ عَطَشٌ شَدِيدٌ، وَحَضَرَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ،

стр. 344

وَتَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، فَيَبْدَأُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الشِّبَعَ، بَلْ يَأْكُلُ لُقَمًا يَكْسِرُ حِدَّةَ جُوعِهِ. إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا يُؤْتَى عَلَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، كَالسَّوِيقِ، وَاللَّبَنِ. فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ لَوِ اشْتَغَلَ، فَوَجْهَانِ، كَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ عَارِيًا لَا لِبَاسَ لَهُ، فَيُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ، سَوَاءً وَجَدَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، أَمْ لَا. وَمِنْهَا: أَنْ يُرِيدَ السَّفَرَ وَتَرْتَحِلَ الرُّفْقَةُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ نَاشِدَ ضَالَّةٍ يَرْجُو الظَّفَرَ، إِنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ، أَوْ وَجَدَ مَنْ غَصَبَ مَالَهُ، وَأَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ مِنْهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ أَكَلَ بَصَلًا أَوْ كُرَّاثًا أَوْ نَحْوَهُمَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُ إِزَالَةُ الرَّائِحَةِ بِغَسْلٍ وَمُعَالَجَةٍ، فَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا فَلَا. وَمِنْهَا: غَلَبَةُ النَّوْمِ. قُلْتُ: أَمَّا الثَّلْجُ، فَإِنْ بَلَّ الثَّوْبَ فَعُذْرٌ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ فِي (الْحَاوِي) : وَالزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ صِفَةِ الْأَئِمَّةِ صِفَةُ الْأَئِمَّةِ ضَرْبَانِ: مَشْرُوطَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ. فَأَمَّا الْمَشْرُوطَةُ فَصَلَاةُ الْإِمَامِ تَارَةً تَكُونُ بَاطِلَةً فِي اعْتِقَادِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَتَارَةً تَكُونُ صَحِيحَةً. فَالْأَوَّلُ كَصَلَاةِ الْمُحْدِثِ، وَالْجُنُبِ، وَمَنْ عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ

стр. 345

وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ عَلِمَ حَالَهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَلَوْ صَلَّى لَمْ يَصِرْ بِالصَّلَاةِ مُسْلِمًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالثَّانِي: إِذَا صَلَّى فِي دَارِ الْحَرْبِ صَارَ مُسْلِمًا. هَذَا إِذَا لَمْ يُسْمَعُ مِنْهُ كَلِمَتَا الشَّهَادَتَيْنِ، فَإِنْ سُمِعَتَا حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً فِي اعْتِقَادِهِ دُونَ اعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَهُ صُورَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْفُرُوعِ الِاجْتِهَادِيَّةِ. بِأَنْ مَسَّ الْحَنَفِيُّ فَرْجَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، أَوْ تَرَكَ الِاعْتِدَالَ، أَوِ الطُّمَأْنِينَةَ، أَوْ قَرَأَ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ، فَفِي صِحَّةِ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ خَلْفَهُ وَجْهَانِ. قَالَ الْقَفَّالُ: يَصِحُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا يَصِحُّ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَبِهِ قَطَعَ الرُّويَانِيُّ فِي (الْحِلْيَةِ) وَالْغَزَالِيُّ فِي (الْفَتَاوَى) . وَلَوْ صَلَّى عَلَى وَجْهٍ لَا يُصَحِّحُهُ، وَالشَّافِعِيُّ يُصَحِّحُهُ، بِأَنِ احْتَجَمَ، وَصَلَّى، فَعِنْدَ الْقَفَّالِ: لَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِهِ. وَعِنْدَ أَبِي حَامِدٍ: يَصِحُّ، اعْتِبَارًا بِاعْتِقَادِ الْمَأْمُومِ. وَقَالَ الْأَوْدَنِيُّ، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: إِذَا أَمَّ وَلِيُّ الْأَمْرِ، أَوْ نَائِبُهُ فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ. وَالْمَأْمُومُ يَرَى وُجُوبَهَا، صَحَّتْ صَلَاتُهُ خَلْفَهُ عَالِمًا كَانَ أَوْ عَامِّيًّا، وَلَيْسَ لَهُ الْمُفَارَقَةُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَهَذَا حَسَنٌ. أَمَّا إِذَا حَافَظَ الْحَنَفِيُّ عَلَى جَمِيعِ مَا يَعْتَقِدُ الشَّافِعِيُّ وُجُوبَهُ وَاشْتِرَاطَهُ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ الشَّافِعِيِّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَسْفَرَايِينِيُّ: لَا يَصِحُّ. وَلَوْ شَكَّ، هَلْ أَتَى بِالْوَاجِبَاتِ، أَمْ لَا؟ فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ كَمَا إِذَا عَلِمَ إِتْيَانَهُ بِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا إِذَا عَلِمَ تَرْكَهَا، فَالْحَاصِلُ فِي اقْتِدَاءِ الشَّافِعِيِّ بِالْحَنَفِيِّ، أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ. وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ. وَالْأَصَحُّ: إِنْ حَافَظَ عَلَى الْوَاجِبَاتِ أَوْ شَكَكْنَا صَحَّ. وَإِلَّا فَلَا. وَالرَّابِعُ: إِنْ حَافَظَ صَحَّ. وَإِلَّا فَلَا. وَلَوِ اقْتَدَى الْحَنَفِيُّ بِالشَّافِعِيِّ، فَصَلَّى الشَّافِعِيُّ عَلَى وَجْهٍ يَصِحُّ عِنْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ، بِأَنِ احْتَجَمَ، فَفِي صِحَّةِ اقْتِدَائِهِ

стр. 346

الْخِلَافُ. وَإِذَا صَحَّحْنَا اقْتِدَاءَ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، فَصَلَّى الشَّافِعِيُّ الصُّبْحَ خَلْفَ حَنَفِيٍّ، وَمَكَثَ الْحَنَفِيُّ بَعْدَ الرُّكُوعِ قَلِيلًا، وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَقْنُتَ فِيهِ فَعَلَ، وَإِلَّا تَابَعَهُ. وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، إِنِ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْمَأْمُومِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْإِمَامِ فَلَا. وَلَوْ صَلَّى الْحَنَفِيُّ خَلْفَ الشَّافِعِيِّ الصُّبْحَ، فَتَرَكَ الْإِمَامُ الْقُنُوتَ سَاهِيًا، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ، وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ، سَجَدَ الْمَأْمُومُ إِنِ اعْتَبَرْنَا اعْتِقَادَ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَلَا. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْفُرُوعِ، فَلَا يَجُوزُ لِمَنْ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ غَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، كَرَجُلَيْنِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُمَا فِي الْقِبْلَةِ، أَوْ فِي إِنَاءَيْنِ: طَاهِرٍ، وَنَجِسٍ، فَلَوْ كَثُرَتِ الْآنِيَةُ وَالْمُجْتَهِدُونَ، وَاخْتَلَفُوا بِأَنْ كَانَتْ ثَلَاثَةً: طَاهِرَانِ، وَنَجِسٌ، فَظَنَّ كُلُّ رَجُلٍ طَهَارَةَ وَاحِدٍ فَحَسْبُ، وَأَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ فِي صَلَاةٍ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ: قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ وَالْأَكْثَرِينَ: تَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا أَمَّ فِيهِ، وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ يُبْطِلُ الثَّانِي. وَالثَّانِي: قَوْلُ صَاحِبِ (التَّلْخِيصِ) : لَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ أَصْلًا. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ. فَإِنِ اقْتَدَى ثَانِيًا، لَزِمَهُ إِعَادَتُهُمَا. أَمَّا إِذَا ظَنَّ طَهَارَةَ اثْنَيْنِ، فَيَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ مُسْتَعْمِلَ الْمَظْنُونِ طَهَارَتُهُ بِلَا خِلَافٍ. وَلَا يَصِحُّ بِالثَّالِثِ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ كَانَتِ الْآنِيَةُ خَمْسَةً، وَالنَّجِسُ مِنْهَا وَاحِدٌ، فَظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ طَهَارَةَ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَظُنَّ شَيْئًا مِنَ الْأَرْبَعَةِ، وَأَمَّ كُلُّ وَاحِدٍ فِي صَلَاةٍ، فَعِنْدَ صَاحِبِ (التَّلْخِيصِ) وَالْمَرْوَزِيِّ: يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ مَا اقْتَدَوْا بِهِ. وَعِنْدَ ابْنِ الْحَدَّادِ: يَجِبُ إِعَادَةُ الِاقْتِدَاءِ الْأَخِيرِ فَقَطْ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: هَذِهِ الْأَوْجُهُ إِنَّمَا هِيَ فِيمَا إِذَا سُمِعَ صَوْتٌ مِنْ خَمْسَةِ أَنْفُسٍ وَتَنَاكَرُوهُ. فَأَمَّا الْآنِيَةُ: فَلَا تُبْطِلُ إِلَّا الِاقْتِدَاءَ الْأَخِيرَ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ كَانَ النَّجِسُ مِنَ الْآنِيَةِ الْخَمْسَةِ اثْنَيْنِ، صَحَّتْ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَلْفَ اثْنَيْنِ، وَبَطَلَتْ خَلْفَ اثْنَيْنِ. وَلَوْ كَانَ النَّجِسُ ثَلَاثَةً، صَحَّتْ خَلْفَ وَاحِدٍ فَحَسْبُ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَلَا يَخْفَى قَوْلُ الْآخَرِينَ.

стр. 347

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً فِي اعْتِقَادِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، فَتَارَةً يُغْنِي عَنِ الْقَضَاءِ، وَتَارَةً لَا يُغْنِي. فَإِنْ لَمْ تُغْنِ كَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، لَمْ يَجُزِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ لِلْمُتَوَضِّئِ وَلَا لِلْمُتَيَمِّمِ الَّذِي لَا يَقْضِي. وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ هُوَ فِي مِثْلِ حَالِهِ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: لَا. وَمِثْلُهُ: الْمُقِيمُ الْمُتَيَمِّمُ لِعَدَمِ الْمَاءِ، وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْفَاتِحَةَ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ ثُمَّ صَلَّى لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ، وَالْعَارِي، وَالْمَرْبُوطُ عَلَى خَشَبَةٍ إِذَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةَ. وَإِنْ أَغْنَتْ عَنِ الْقَضَاءِ. فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا، لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَلَوْ رَأَى رَجُلَيْنِ يُصَلِّيَانِ جَمَاعَةً، وَشَكَّ أَيُّهُمَا الْإِمَامُ، لَمْ يَجُزِ الِاقْتِدَاءُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْإِمَامُ. وَلَوِ اعْتَقَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُصَلِّينَ أَنَّهُ مَأْمُومٌ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا. وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ إِمَامٌ، صَحَّتْ. وَلَوْ شَكَّ كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ إِمَامٌ، أَمْ مَأْمُومٌ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُمَا. وَإِنْ شَكَّ أَحَدُهُمَا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَأَمَّا الْآخَرُ، فَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ إِمَامٌ صَحَّتْ، وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُومٍ، فَتَارَةً يُخِلُّ بِالْقِرَاءَةِ، وَتَارَةً لَا يُخِلُّ، فَإِنْ أَخَلَّ بِأَنْ كَانَ أُمِّيًّا، فَفِي صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: لَا تَصِحُّ. وَالْقَدِيمُ: إِنْ كَانَتْ سِرِّيَّةً صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّالِثُ: مُخَرَّجٌ أَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا. هَكَذَا نَقَلَ الْجُمْهُورُ. وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ الثَّالِثَ، وَعَكَسَ الْغَزَالِيُّ، فَجَعَلَ الثَّانِيَ ثَالِثًا، وَالثَّالِثَ ثَانِيًا، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ. قُلْتُ: هَذِهِ الْأَقْوَالُ جَارِيَةٌ سَوَاءً عَلِمَ الْمَأْمُومُ كَوْنَ الْإِمَامِ أُمِّيًّا، أَمْ لَا هَكَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) : الْأَقْوَالُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَهُ أُمِّيًّا، فَإِنْ عَلِمَ لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمُرَادُ بِالْأُمِّيِّ: مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَوْ بَعْضَهَا، لِخَرَسٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَرَتُّ. وَهُوَ الَّذِي يُدْغِمُ حَرْفًا بِحَرْفٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِدْغَامِ. وَقَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) :

стр. 348

هُوَ الَّذِي يُبْدِلُ الرَّاءَ بِالتَّاءِ. وَالْأَلْثَغُ: وَهُوَ الَّذِي يُبْدِلُ حَرْفًا بِحَرْفٍ، كَالسِّينِ بِالثَّاءِ، وَالرَّاءِ بِالْغَيْنِ، وَمَنْ فِي لِسَانِهِ رَخَاوَةٌ تَمْنَعُهُ التَّشْدِيدَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي اقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ، أَوْ طَاوَعَهُ وَلَمْ يَمْضِ زَمَنٌ يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فِيهِ. فَأَمَّا إِذَا مَضَى زَمَنٌ وَقَصَّرَ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ، فَلَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ صَلَاتَهُ حِينَئِذٍ مَقْضِيَّةٌ، كَصَلَاةِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا. وَيَصِحُّ اقْتِدَاءُ أُمِّيٍّ بِأُمِّيٍّ مِثْلِهِ. وَلَوْ حَضَرَ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحْسِنُ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ إِنْ كَانَ مَا يُحْسِنُهُ ذَا، يُحْسِنُهُ ذَاكَ، جَازَ اقْتِدَاءُ كُلِّ وَاحِدٍ بِصَاحِبِهِ، وَإِنْ أَحْسَنَ كُلُّ وَاحِدٍ غَيْرَ مَا يُحْسِنُهُ الْآخَرُ، فَاقْتِدَاءُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ، كَاقْتِدَاءِ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ. وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ الْأَرَتُّ بِالْأَلْثَغِ، وَعَكْسُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ قَارِئٌ مَا لَا يُحْسِنُهُ صَاحِبُهُ. وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ التَّمْتَامِ، وَالْفَأْفَاءِ، وَالِاقْتِدَاءُ يَصِحُّ بِهِمَا. قُلْتُ: التَّمْتَامُ، مَنْ يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَالْفَأْفَاءُ، مَنْ يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَيَتَرَدَّدُ فِيهَا، وَهُوَ بِهَمْزَتَيْنِ بَعْدَ الْفَاءَيْنِ، بِالْمَدِّ فِي آخِرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ مَنْ يَلْحَنُ فِي الْقِرَاءَةِ ثُمَّ يُنْظَرُ: إِنْ كَانَ لَحْنًا لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَرَفْعِ الْهَاءِ مِنَ الْحَمْدُ لِلَّهِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ. وَإِنْ كَانَ يُغَيِّرُ كَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أَوْ كَسْرِهَا، تُبْطِلُهُ. كَقَوْلِهِ: الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِينَ. فَإِنْ كَانَ يُطَاوِعُهُ لِسَانُهُ، وَيُمْكِنُهُ التَّعَلُّمُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قَصَّرَ وَضَاقَ الْوَقْتُ صَلَّى وَقَضَى، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يُطَاوِعْهُ لِسَانُهُ، أَوْ لَمْ يَمْضِ مَا يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْفَاتِحَةِ، فَصَلَاةُ مِثْلِهِ خَلْفَهُ صَحِيحَةٌ، وَصَلَاةُ صَحِيحِ اللِّسَانِ خَلْفَهُ صَلَاةُ قَارِئٍ خَلْفَ أُمِّيٍّ. وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ، وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَلَوْ قِيلَ: لَيْسَ لِهَذَا اللَّاحِنِ قِرَاءَةٌ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ، لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا، لِأَنَّهُ يَتَكَلَّمُ بِمَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ بِلَا ضَرُورَةٍ، أَمَّا إِذَا لَمْ يُخِلَّ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، صَحَّ اقْتِدَاءُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِهِ، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةٌ، صَحَّ

стр. 349

اقْتِدَاءُ النِّسَاءِ بِهَا، وَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الرِّجَالِ وَلَا الْخُنْثَى. وَإِنْ كَانَ خُنْثَى، جَازَ اقْتِدَاءُ الْمَرْأَةِ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّجُلِ وَلَا خُنْثَى آخَرَ بِهِ. فَرْعٌ حَيْثُ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُتَيَمِّمًا، أَوْ مَاسِحَ خُفٍّ، وَالْمَأْمُومُ مُتَوَضِّئًا غَاسِلًا رِجْلَهُ. وَيَجُوزُ اقْتِدَاءُ السَّلِيمِ بِسَلِسِ الْبَوْلِ، وَالطَّاهِرَةِ بِالْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. كَمَا يَجُوزُ قَطْعًا بِمَنِ اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ، وَمَنْ عَلَى ثَوْبِهِ، أَوْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ مَعْفُوٌّ عَنْهَا. وَيَصِحُّ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْقَاعِدِ، أَوِ الْقَائِمِ وَالْقَاعِدِ خَلْفَ الْمُضْطَجَعِ. فَرْعٌ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إِذَا عَرَفَ الْمَأْمُومُ حَالَ الْإِمَامِ فِي الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا. فَأَمَّا إِذَا ظَنَّ شَيْئًا، فَبَانَ خِلَافُهُ، فَلَهُ صُوَرٌ: مِنْهَا: إِذَا اقْتَدَى رَجُلٌ بِخُنْثَى مُشْكِلٍ، وَجَبَ الْقَضَاءُ، فَلَوْ لَمْ يَقْضِ حَتَّى بَانَ الْخُنْثَى رَجُلًا، لَمْ يَسْقُطِ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا اقْتَدَى خُنْثَى بِامْرَأَةٍ، وَلَمْ يَقْضِ حَتَّى بَانَ امْرَأَةً، وَفِيمَا إِذَا اقْتَدَى خُنْثَى بِخُنْثَى، وَلَمْ يَقْضِ الْمَأْمُومُ حَتَّى بَانَ امْرَأَةً وَالْإِمَامُ رَجُلًا. وَمِنْهَا: لَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُتَطَهِّرًا، فَبَانَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَى الْمَأْمُومِ. وَلَنَا قَوْلٌ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَالِمًا بِحَدَثِهِ، لَزِمَ الْمَأْمُومُ الْقَضَاءَ وَإِلَّا فَلَا. وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ: أَنْ لَا قَضَاءَ مُطْلَقًا. قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ الشَّاذُّ نَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّلْخِيصِ) قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ

стр. 350

(التَّلْخِيصِ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هَذَا النَّقْلُ غَلَطٌ. وَلَا يَخْتَلِفُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا حَكَى الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ: أَنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ إِنْ تَعَمَّدَ الْإِمَامُ، وَلَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ. وَالصَّوَابُ: إِثْبَاتُ الْقَوْلِ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّلْخِيصِ) وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي (الْبُوَيْطِيِّ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْمَأْمُومُ حَدَثَ الْإِمَامِ أَصْلًا. فَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَتَفَرَّقَا، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ثُمَّ اقْتَدَى بِهِ نَاسِيًا، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ قَطْعًا. وَهَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا، فَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْهَا: لَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ قَارِئًا فَبَانَ أُمِّيًّا، وَقُلْنَا: لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْقَارِئِ خَلْفَ الْأُمِّيِّ، فَفِي الْإِعَادَةِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: تَجِبُ. قَطَعَ بِهِ فِي (التَّهْذِيبِ) ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، سَوَاءً كَانَتِ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً، أَوْ جَهْرِيَّةً. وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ فِي جَهْرِيَّةٍ، فَلَمْ يَجْهَرْ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي (الْأُمِّ) وَقَالَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَارِئًا لَجَهَرَ. فَلَوْ سَلَّمَ وَقَالَ: أَسْرَرْتُ وَنَسِيتُ الْجَهْرَ، لَمْ تَجِبِ الْإِعَادَةُ لَكِنْ تُسْتَحَبُّ. وَلَوْ بَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ذُكُورَةُ الْخُنْثَى، فَفِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ الرَّجُلِ، الْقَوْلَانِ، كَمَا بَعُدَ الْفَرَاغُ. وَلَوْ بَانَ فِي أَثْنَائِهَا كَوْنُهُ جُنُبًا، أَوْ مُحْدِثًا، فَلَا قَضَاءَ وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الْمُفَارَقَةَ فِي الْحَالِ، وَيَبْنِيَ. وَلَوْ بَانَ أُمِّيًّا، وَقُلْنَا: لَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ، فَكَالْمُحْدِثِ وَإِلَّا فَكَالْخُنْثَى. وَمِنْهَا لَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ رَجُلًا، فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ. وَقِيلَ: لَا تَجِبُ إِذَا بَانَ خُنْثَى وَهُوَ شَاذٌّ. وَلَوْ ظَنَّهُ مُسْلِمًا، فَبَانَ كَافِرًا يَتَظَاهَرُ بِكُفْرِهِ كَالْيَهُودِيِّ، وَجَبَ الْقَضَاءُ. وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، كَالزِّنْدِيقِ، وَالْمُرْتَدِّ، لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الْأَقْوَى دَلِيلًا. لَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْمَحَامِلِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ،

стр. 351

وَالشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ، وَصَاحِبَا (الْحَاوِي) وَ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁. قَالَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) : وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةُ أَصْحَابِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ بَانَ عَلَى بَدَنِ الْإِمَامِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ خَفِيَّةً، فَهُوَ كَمَنْ بَانَ مُحْدِثًا، وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: عِنْدِي فِيهِ احْتِمَالٌ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ مَا يَخْفَى. قُلْتُ: وَقَطَعَ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَ (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرِهِمَا، بِأَنَّ النَّجَاسَةَ كَالْحَدَثِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخِفْيَةِ وَغَيْرِهَا، وَأَشَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، إِلَى أَنَّهَا إِذَا كَانَتْ ظَاهِرَةً، فَهِيَ كَمَسْأَلَةِ الزِّنْدِيقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إِذَا بَانَ كَافِرًا، أَوِ امْرَأَةً. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَجْنُونًا، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ. فَلَوْ كَانَ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَحَالَةُ إِفَاقَةٍ، أَوْ حَالُ إِسْلَامٍ وَحَالُ رِدَّةٍ، وَاقْتَدَى بِهِ وَلَمْ يَدْرِ فِي أَيِّ حَالَيْهِ كَانَ، فَلَا إِعَادَةَ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَجْهَلُ إِسْلَامَهُ، فَلَا إِعَادَةَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ أَسْلَمَ، فَقَالَ بَعْدَ الْفَرَاغِ: لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ حَقِيقَةً، أَوْ أَسْلَمْتُ ثُمَّ ارْتَدَدْتُ، فَلَا إِعَادَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ بِالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، وَلَكِنَّ الْبَالِغَ أَوْلَى مِنْهُ. وَيَصِحُّ بِالْعَبْدِ بِلَا كَرَاهَةٍ، لَكِنَّ الْحُرَّ أَوْلَى، هَذَا إِذَا أَمَّا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ. وَإِمَامَةُ الْأَعْمَى صَحِيحَةٌ، وَهُوَ وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ

стр. 352

بِهِ الْجُمْهُورُ. وَالثَّانِي: الْبَصِيرُ أَوْلَى، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ. وَالثَّالِثُ: الْأَعْمَى أَوْلَى، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ. فَصْلٌ فِي الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْإِمَامِ الْأَسْبَابُ الَّتِي يَتَرَجَّحُ بِهَا الْإِمَامُ سِتَّةٌ: الْفِقْهُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالْوَرَعُ، وَالسِّنُّ، وَالنَّسَبُ، وَالْهِجْرَةُ. فَأَمَّا الْفِقْهُ وَالْقِرَاءَةُ، فَظَاهِرَانِ. وَأَمَّا الْوَرَعُ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ مُجَرَّدَ الْعَدَالَةِ، بَلْ مَا يَزِيدُ عَلَيْهِ مِنْ حُسْنِ السِّيرَةِ وَالْعِفَّةِ. وَأَمَّا السِّنُّ، فَالْمُعْتَبَرُ سِنٌّ مَضَى فِي الْإِسْلَامِ، فَلَا يُقَدَّمُ شَيْخٌ أَسْلَمَ الْيَوْمَ، عَلَى شَابٍّ نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا عَلَى شَابٍّ أَسْلَمَ أَمْسِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الشَّيْخُوخَةُ، بَلِ النَّظَرُ إِلَى تَفَاوُتِ السِّنِّ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى اعْتِبَارِهَا. وَأَمَّا النَّسَبُ، فَنَسَبُ قُرَيْشٍ مُعْتَبَرٌ بِلَا خِلَافٍ. وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُعْتَبَرُ كُلُّ نَسَبٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ، كَالْعُلَمَاءِ، وَالصُّلَحَاءِ. فَعَلَى هَذَا الْهَاشِمِيُّ وَالْمُطَّلِبِيُّ يُقَدَّمَانِ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ، وَسَائِرُ قُرَيْشٍ يُقَدَّمُونَ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، وَسَائِرُ الْعَرَبِ يُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَجَمِ. وَالثَّانِي: لَا يُعْتَبَرُ مَا عَدَا قُرَيْشًا. وَأَمَّا الْهِجْرَةُ، فَيُقَدَّمُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ. وَمَنْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ عَلَى مَنْ تَأَخَّرَتْ. وَكَذَلِكَ الْهِجْرَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ - مُعْتَبَرَةٌ، وَأَوْلَادُ مَنْ هَاجَرَ أَوْ تَقَدَّمَتْ هِجْرَتُهُ، مُقَدَّمُونَ عَلَى أَوْلَادِ غَيْرِهِمْ.

стр. 353

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ مَسَائِلُ. فَإِذَا اجْتَمَعَ عَدْلٌ وَفَاسِقٌ، فَالْعَدْلُ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ وَإِنِ اخْتَصَّ الْفَاسِقُ بِزِيَادَةِ الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ الْخِصَالِ، بَلْ تُكْرَهُ الصَّلَاةُ خَلْفَ الْفَاسِقِ وَتُكْرَهُ أَيْضًا خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَا يُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ. وَأَمَّا الَّذِي يُكَفَّرُ بِبِدْعَتِهِ، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ. وَحُكْمُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ. وَعَدَّ صَاحِبُ (الْإِفْصَاحِ) مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، أَوْ يَنْفِي شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى - كَافِرًا. وَكَذَا جَعَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَمُتَابِعُوهُ، وَالْمُعْتَزِلَةُ مِمَّنْ يُكَفَّرُ. وَالْخَوَارِجُ لَا يُكَفَّرُونَ. وَيُحْكَى الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَأَطْلَقَ الْقَفَّالُ وَكَثِيرُونَ مِنَ الْأَصْحَابِ، الْقَوْلَ بِجَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِأَهْلِ الْبِدَعِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُكَفَّرُونَ. قَالَ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) : وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَصَاحِبُ (الْعُدَّةِ) هُوَ الصَّحِيحُ أَوِ الصَّوَابُ. فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِلَّا الْخَطَّابِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ. وَلَمْ يَزَلِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ عَلَى الصَّلَاةِ خَلْفَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَمُنَاكَحَتِهِمْ، وَمُوَارَثَتِهِمْ، وَإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ تَأَوَّلَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُحَقِّقِينَ، مَا جَاءَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْ تَكْفِيرِ الْقَائِلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ عَلَى كُفْرَانِ النِّعَمِ، لَا كُفْرِ الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْأَوْرَعِ مَعَ الْأَفْقَهِ وَالْأَقْرَأِ وَجْهَانِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: هُمَا مُقَدَّمَانِ عَلَيْهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَصَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَ (التَّهْذِيبِ) : يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَلَوِ اجْتَمَعَ مَنْ لَا يَقْرَأُ إِلَّا مَا يَكْفِي الصَّلَاةَ وَلَكِنَّهُ صَاحِبُ فِقْهٍ كَثِيرٍ،

стр. 354

وَآخَرُ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَهُوَ قَلِيلُ الْفِقْهِ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ: أَنَّ الْأَفْقَهَ أَوْلَى، وَالثَّانِي: هُمَا سَوَاءٌ. فَأَمَّا مَنْ جَمَعَ الْفِقْهَ وَالْقِرَاءَةَ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِأَحَدِهِمَا قَطْعًا. وَالْفِقْهُ وَالْقِرَاءَةُ يُقَدَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى النَّسَبِ وَالسِّنِّ وَالْهِجْرَةِ. وَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ: أَنَّ السِّنَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْفِقْهِ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْفِقْهِ وَالْقِرَاءَةِ، فَفِيهِ طُرُقٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَجَمَاعَةٌ: لَا خِلَافَ فِي تَقْدِيمِ السِّنِّ وَالنَّسَبِ عَلَى الْهِجْرَةِ. فَلَوْ تَعَارَضَ سِنٌّ وَنَسَبٌ، كَشَابٍّ قُرَشِيٍّ، وَشَيْخٍ غَيْرِ قُرَشِيٍّ، فَالْجَدِيدُ: تَقْدِيمُ الشَّيْخِ، وَالْقَدِيمُ: الشَّابِّ. وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ هَذَا الْقَدِيمَ، وَعَكَسَ صَاحِبَا (التَّتِمَّةِ) وَ (التَّهْذِيبِ) فَقَالَا: الْهِجْرَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّسَبِ وَالسِّنِّ. وَفِيهِمَا الْقَوْلَانِ. وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) : الْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ السِّنُّ، ثُمَّ النَّسَبُ، ثُمَّ الْهِجْرَةُ، وَالْقَدِيمُ: يُقَدَّمُ النِّسَبُ، ثُمَّ الْهِجْرَةُ، ثُمَّ السِّنُّ. أَمَّا إِذَا تَسَاوَيَا فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمَذْكُورَاتِ، فَيُقَدَّمُ بِنَظَافَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ عَنِ الْأَوْسَاخِ، وَبِطَيِّبِ الصَّنْعَةِ، وَحُسْنِ الصَّوْتِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْفَضَائِلِ. وَحَكَى الْأَصْحَابُ عَنْ بَعْضِ مُتَقَدِّمِي الْعُلَمَاءِ، أَنَّهُمْ قَالُوا: يُقَدَّمُ أَحْسَنُهُمْ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ. فَقِيلَ: أَحْسَنُهُمْ وَجْهًا، وَقِيلَ: أَحْسَنُهُمْ ذِكْرًا بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ فِي (التَّتِمَّةِ) : تُقَدَّمُ نَظَافَةُ الثَّوْبِ، ثُمَّ حُسْنُ الصَّوْتِ، ثُمَّ حُسْنُ الصُّورَةِ. فَرْعٌ الْوَالِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنِ اخْتَصَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ بِالْخِصَالِ الَّذِي سَبَقَتْ. وَيُقَدَّمُ الْوَالِي عَلَى إِمَامِ الْمَسْجِدِ وَمَالِكِ الدَّارِ وَنَحْوِهِمَا، إِذَا أَذِنَ

стр. 355

الْمَالِكُ فِي إِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي مِلْكِهِ. فَلَوْ أَذِنَ الْوَالِي فِي تَقَدُّمِ غَيْرِهِ فَلَا بَأْسَ. ثُمَّ يُرَاعَى فِي الْوُلَاةِ تَفَاوُتُ الدَّرَجَةِ، فَالْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى مِنَ الْوُلَاةِ وَالْحُكَّامِ. وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّ الْمَالِكَ أَوْلَى مِنَ الْوَالِي. وَالْمَشْهُورُ، تَقْدِيمُ الْوَالِي. وَلَوِ اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي مَوْضِعٍ مَمْلُوكٍ لَيْسَ فِيهِمْ وَالٍ، فَسَاكِنُ الْمَوْضِعِ بِحَقٍّ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّقَدُّمِ مِنَ الْأَجَانِبِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلتَّقَدُّمِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، سَوَاءً كَانَ السَّاكِنُ عَبْدًا أَسْكَنَهُ سَيِّدُهُ، أَوْ حُرًّا مَالِكًا، أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ مُسْتَأْجِرًا. وَلَوْ كَانَتِ الدَّارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ شَخْصَيْنِ وَهُمَا حَاضِرَانِ، أَوْ أَحَدُهُمَا، وَالْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْآخَرِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ غَيْرُهُمَا إِلَّا بِإِذْنِهِمَا، وَلَا أَحَدُهُمَا إِلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلَّا أَحَدُهُمَا، فَهُوَ الْأَحَقُّ. وَلَوِ اجْتَمَعَ مَالِكُ الدَّارِ وَالْمُسْتَأْجِرُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْلَى، وَالثَّانِي: الْمَالِكُ. وَلَوِ اجْتَمَعَ الْمُعِيرُ وَالْمُسْتَعِيرُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْمُعِيرَ أَوْلَى، وَالثَّانِي: الْمُسْتَعِيرُ. وَلَوْ حَضَرَ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ السَّاكِنُ، فَالسَّيِّدُ أَوْلَى قَطْعًا، سَوَاءً الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ حَضَرَ السَّيِّدُ وَالْمُكَاتَبُ فِي دَارِ الْمُكَاتَبِ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى. وَلَوْ حَضَرَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِمَامُهُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُبْعَثَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ. فَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ أَوَّلِ الْوَقْتِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَتَقَدَّمَ غَيْرُهُ. قُلْتُ: تَقَدُّمُ غَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ إِنْ لَمْ يُخَفْ فِتْنَةٌ، فَإِنْ خِيفَتْ صَلُّوا فُرَادَى. وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا مَعَهُ إِنْ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →