Полный текст (4 941 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
الْبَابُ الثَّانِي فِي مُسْقِطَاتِ النَّفَقَةِ
لِلْبَابِ مُقَدِّمَةٌ وَأَصْلٌ، أَمَّا الْمُقَدِّمَةُ، فَلَا خِلَافَ أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِ تَسْلِيمِ النَّفَقَةِ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْمٍ، وَالْكِسْوَةُ أَوَّلُ كُلِّ صَيْفٍ وَشِتَاءٍ كَمَا سَبَقَ، وَذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ التَّمْكِينِ، وَأَمَّا وَقْتُ ثُبُوتِهَا فِي الذِّمَّةِ، فَلِلنَّفَقَةِ تَعَلُّقٌ بِالْعَقْدِ وَالتَّمْكِينِ، فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَكِنْ تَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ، وَفِيمَا تَجِبُ بِهِ قَوْلَانِ: الْقَدِيمُ: تَجِبُ بِالْعَقْدِ كَالْمَهْرِ، وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّمْكِينِ بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ، لَكِنْ لَوْ نَشَزَتْ سَقَطَتْ فَالْعَقْدُ مُوجِبٌ، وَالنُّشُوزُ مُسْقِطٌ، وَإِذَا حَصَلَ التَّمْكِينُ، اسْتَقَرَّ الْوَاجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا كَالْأُجْرَةِ الْمُعَجَّلَةِ، إِلَّا أَنَّ الْأُجْرَةَ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا بِالْعَقْدِ جُمْلَةً لِلْعِلْمِ بِهَا، وَالنَّفَقَةُ غَيْرُ مَعْلُومَةُ الْجُمْلَةِ، وَالْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ، بَلْ بِالتَّمْكِينِ يَوْمًا فَيَوْمًا، فَلَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَتْ: مُكِّنْتُ مِنْ وَقْتِ كَذَا. وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَلَا بَيِّنَةَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وَإِلَّا فَقَوْلُهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ، وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُهُ قَطْعًا. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى التَّمْكِينِ، وَقَالَ: أَدَّيْتُ نَفَقَةَ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنْكَرَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، سَوَاءٌ كَانَ الزَّوْجُ حَاضِرًا عِنْدَهَا أَمْ غَائِبًا، وَلَوْ لَمْ يُطَالِبْهَا الزَّوْجُ بِالزِّفَافِ، وَلَمْ تَمْتَنِعْ هِيَ مِنْهُ، وَلَا عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَمَضَتْ عَلَى ذَلِكَ مُدَّةٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، وَجَبَتْ نَفَقَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ، فَلَا. وَلَوْ تَوَافَقَا عَلَى التَّمْكِينِ، وَادَّعَى أَنَّهَا بَعْدَهُ نَشَزَتْ، وَأَنْكَرَتْ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْبَرَاءَةُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا
стр. 3607
إِلَى الزَّوْجِ، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ مِنْ وَقْتِ التَّسْلِيمِ. وَلَوْ بَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنِّي مُسَلِّمَةٌ نَفْسِي، فَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، رَفَعَتِ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ، وَأَظْهَرَتْ لَهُ التَّسْلِيمَ وَالطَّاعَةَ، لِيَكْتُبَ إِلَى حَاكِمِ بَلَدِ الزَّوْجِ، فَيُحْضِرُهُ، وَيُعْلِمُهُ الْحَالَ، فَإِنْ سَارَ إِلَيْهَا عِنْدَ إِعْلَامِهِ، أَوْ بَعَثَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ فَتَسَلَّمَهَا، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَمَضَى زَمَنُ الْوُصُولِ إِلَيْهَا، فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ، وَجُعِلَ كَالْمُتَسَلِّمِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْهُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ، كَتَبَ الْحَاكِمُ إِلَى حُكَّامِ الْبِلَادِ الَّتِي تَرِدُهَا الْقَوَافِلُ مِنْ تِلْكَ الْبَلْدَةِ فِي الْعَادَةِ لِيُطْلَبَ وَيُنَادَى بِاسْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ، فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا فِي مَالِهِ الْحَاضِرِ، وَأُخِذَ مِنْهَا كَفِيلًا بِمَا يَصْرِفُ إِلَيْهَا لِاحْتِمَالِ وَفَاتِهِ وَطَلَاقِهِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي وَلَا لِكِتَابِهِ، وَقَالَ: تَجِبُ النَّفَقَةُ مِنْ حِينِ تَصِلُهُ، وَيَمْضِي زَمَنُ إِمْكَانِ الْقُدُومِ عَلَيْهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. أَمَّا إِذَا لَمْ تَعْرِضْ نَفْسَهَا عَلَى الزَّوْجِ الْحَاضِرِ، أَوِ الْغَائِبِ، وَلَا بَعَثَتْ إِلَيْهِ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ تَفْرِيعًا عَلَى الْجَدِيدِ، وَلَا تُؤَثِّرُ غَيْبَةُ الزَّوْجِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ مَا دَامَتْ مُقِيمَةً عَلَى الطَّاعَةِ. وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ عَاقِلَةً بَالِغَةً، فَأَمَّا الْمُرَاهِقَةُ وَالْمَجْنُونَةُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِعَرْضِهِمَا، وَبَذْلِهِمَا الطَّاعَةَ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ فِيهِمَا بِعَرْضِ الْوَلِيِّ. وَلَوْ سَلَّمَتِ الْمُرَاهِقَةُ نَفْسَهَا، فَتَسَلَّمَهَا الزَّوْجُ، وَنَقَلَهَا إِلَى دَارِهِ، وَجَبَتْ النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ سَلَّمَتِ الزَّوْجَةُ نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ الْمُرَاهِقِ بِغَيْرِ إِذْنِ الْوَلِيِّ، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ بِخِلَافِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُرَاهِقِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ أَنْ تَصِيرَ الْيَدُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْيَدُ فِي عَقْدِ الْمُرَاهِقِ لِلْوَلِيِّ لَا لَهُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الْأَصْلُ فَبَيَانُ مَوَانِعِ النَّفَقَةِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ:
الْأَوَّلُ: النُّشُوزُ، فَلَا نَفَقَةَ لِنَاشِزَةٍ، وَإِنْ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى رَدِّهَا
стр. 3608
إِلَى الطَّاعَةِ قَهْرًا، فَلَوْ نَشَزَتْ بَعْضَ النَّهَارِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ لَهَا. وَالثَّانِي: لَهَا بِقِسْطِ زَمَنِ الطَّاعَةِ إِلَّا أَنْ تُسَلِّمَ لَيْلًا وَتَنْشُزَ نَهَارًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، فَلَهَا نِصْفُ النَّفَقَةِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى طُولِ اللَّيْلِ وَقِصَرِهِ، وَبِالْوَجْهِ الثَّانِي قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ وَهُوَ أَوْفَقُ لِمَا سَبَقَ فِيمَا إِذَا سَلَّمَ السَّيِّدُ الْأَمَةَ الْمُزَوَّجَةَ لَيْلًا فَقَطْ، وَنُشُوزُ الْمُرَاهِقَةِ وَالْمَجْنُونَةِ كَالْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ.
فَرْعٌ
امْتِنَاعُهَا عَنِ الْوَطْءِ وَالِاسْتِمْتَاعِ وَالزِّفَافِ بِغَيْرِ عُذْرٍ نُشُوزٌ، فَلَوْ قَالَتْ: سَلِّمِ الْمَهْرَ لِأُسَلِّمَ نَفْسِي، فَإِنْ جَرَى دُخُولٌ، أَوْ كَانَ الْمَهْرُ مُؤَجَّلًا، فَهِيَ نَاشِزَةٌ، إِذْ لَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَإِذَا لَمْ يَجْرِ دُخُولٌ وَالْمَهْرُ حَالٌّ، فَلَهَا النَّفَقَةُ مِنْ حِينِئِذٍ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ. وَلَوْ حَلَّ الْمُؤَجَّلَ، فَهَلْ هُوَ كَالْمُؤَجَّلِ أَمْ كَالْحَالِّ؟ وَجْهَانِ وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يُثْبِتْ هَذَا الِامْتِنَاعَ. وَلَوْ كَانَتْ مَرِيضَةً، أَوْ كَانَ بِهَا قَرْحٌ يَضُرُّهَا الْوَطْءُ، فَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي الِامْتِنَاعِ عَنِ الْوَطْءِ، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ إِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ. وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّجُلُ عَبْلًا، وَهُوَ كَبِيرُ الذَّكَرِ بِحَيْثُ لَا تَحْتَمِلُهُ، فَإِنْ أَنْكَرَ الْقَرْحَ الْمَانِعَ مِنَ الْوَطْءِ، فَلَهَا إِثْبَاتُهُ بِقَوْلِ النِّسْوَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ يَسْقُطُ بِهَا حَقُّ الزَّوْجِ، أَمْ تَكْفِي امْرَأَةٌ وَيُجْعَلُ إِخْبَارًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَبِالثَّانِي قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَكَذَا لَوْ أَنْكَرَ الضَّرَرَ بِسَبَبِ الْعَبَالَةِ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى النِّسْوَةِ وَلَا بَأْسَ بِنَظَرِهِنَّ إِلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا لِيَشْهَدْنَ، وَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ مِنَ الزِّفَافِ بِعُذْرِ عَبَالَتِهِ كَمَا سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّدَاقِ، وَلَهَا الِامْتِنَاعُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ.
стр. 3609
فَرْعٌ
لَوْ قَالَتْ: لَا أُمَكِّنُ إِلَّا فِي بَيْتِي، أَوْ فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ بَلَدِ كَذَا، فَهِيَ نَاشِزَةٌ.
فَرْعٌ
هَرَبُهَا وَخُرُوجُهَا مِنْ بَيْتِ الزَّوْجِ وَسَفَرُهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ نُشُوزٌ، وَيُسْتَثْنَى عَنِ الْخُرُوجِ مَا إِذَا أَشْرَفَ الْمَنْزِلُ عَلَى الِانْهِدَامِ، أَوْ كَانَ الْمَنْزِلُ لِغَيْرِ الزَّوْجِ، فَأُخْرِجَتْ، فَإِنْ سَافَرَتْ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهَا فِي حَاجَتِهِ، وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا، فَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا لِحَاجَتِهَا، فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: لَا نَفَقَةَ قَطْعًا، وَعَنِ ابْنِ الْوَكِيلِ طَرَدَ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مَعَهُ لِحَاجَةِ نَفْسِهَا، وَقَطَعَ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْوُجُوبِ.
فَرْعٌ
تَجِبُ النَّفَقَةُ لِلْمَرِيضَةِ وَالرَّتْقَاءِ وَالْمُضْنَاةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ، سَوَاءٌ حَدَثَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، أَمْ قَارَنَتْهُ، لِأَنَّهَا أَعْذَارٌ دَائِمَةٌ، وَقَدْ سَلَّمَتِ التَّسْلِيمَ الْمُمْكِنَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَكَذَا حُكْمُ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ غُصِبَتْ، فَلَا نَفَقَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً لِخُرُوجِهَا عَنْ قَبْضَتِهِ وَفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ.
قُلْتُ: وَلَوْ حُبِسَتْ ظُلْمًا أَوْ بِحَقٍّ، فَلَا نَفَقَةَ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَاعْتَدَّتْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
نَشَزَتْ، فَغَابَ الزَّوْجُ، فَعَادَتْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَهَلْ يَعُودُ اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ؟ وَجْهَانِ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا يُرْفَعُ الْأَمْرُ إِلَى الْقَاضِي، لِيَقْضِيَ بِطَاعَتِهَا وَيُخْبِرَ الزَّوْجَ بِذَلِكَ، فَإِذَا عَادَ إِلَيْهَا،
стр. 3610
أَوْ بَعَثَ وَكِيلَهُ، فَاسْتَأْنَفَ تَسَلُّمَهَا، عَادَتِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَضَى زَمَنُ إِمْكَانِ الْعَوْدِ وَلَمْ يَعُدْ، وَلَا بَعَثَ وَكِيلَهُ، عَادَتِ النَّفَقَةُ أَيْضًا.
فَرْعٌ
خَرَجَتْ فِي غَيْبَةِ الزَّوْجِ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا لِزِيَارَةٍ أَوْ عِيَادَةٍ، لَا عَلَى وَجْهِ النُّشُوزِ، لَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ.
الْمَانِعُ الثَّانِي: الصِّغَرُ، فَإِذَا كَانَتْ صَغِيرَةً وَهُوَ كَبِيرٌ أَوْ صَغِيرٌ، فَلَا نَفَقَةَ لَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً وَهُوَ صَغِيرٌ، وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: قَطْعًا، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَتْ صِغَرَهُ، فَقَوْلَانِ، وَإِلَّا فَتَجِبُ قَطْعًا. ثُمَّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ مَا إِذَا سَلَّمَتْ إِلَى الزَّوْجِ، أَوْ عَرَضَتْ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ تَسْلِيمٌ وَلَا عَرْضٌ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِي الْكَبِيرَةِ، وَفِي «الْوَسِيطِ» مَا يَقْتَضِي خِلَافَهُ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ صَغِيرًا، كَانَ الْعَرْضُ عَلَى وَلِيِّهِ لَا عَلَيْهِ، وَالْمُرَادُ بِالصَّغِيرَةِ وَالصَّغِيرِ مَنْ لَا يَتَأَتَّى جِمَاعُهُ، وَبِالْكَبِيرِ مَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُ الْجِمَاعُ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُرَاهِقُ.
الْمَانِعُ الثَّالِثُ: الْعِبَادَاتُ، وَفِيهِ مَسَائِلُ إِحْدَاهَا: إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَلَهَا حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تُحْرِمَ بِإِذْنِهِ، فَإِذَا خَرَجَتْ، فَقَدْ سَافَرَتْ فِي غَرَضِ نَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مَعَهَا لَمْ تَسْقُطْ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَتَسْقُطُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَسَوَاءٌ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِهَا، وَلَا أَثَرَ لِنَهْيِهِ عَنِ الْخُرُوجِ لِوُجُودِ الْإِذْنِ فِي الْإِحْرَامِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ: أَنَّهُ إِذَا نَهَاهَا عَنِ الْخُرُوجِ فَلَا نَفَقَةَ قَطْعًا، أَمَّا قَبْلَ الْخُرُوجِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا نَفَقَةَ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ، وَأَصَحُّهُمَا: وَجُوبُهَا، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ، وَتَفْوِيتِ الِاسْتِمْتَاعِ بِسَبَبِ إِذْنٍ فِيهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ أَنَّ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ، وَكَذَا مِنَ الْفَرْضِ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا لَهُ
стр. 3611
التَّحْلِيلَ، فَلَمْ يُحَلِّلْ، فَلَهَا النَّفَقَةُ مَا لَمْ تَخْرُجْ، لِأَنَّهَا فِي قَبْضَتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحْلِيلِهَا وَالِاسْتِمْتَاعِ، وَقِيلَ: لَا نَفَقَةَ، لِأَنَّهَا نَاشِزَةٌ بِالْإِحْرَامِ، وَالنَّاشِزَةُ لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً وَإِنْ قَدَرَ الزَّوْجُ عَلَى رَدِّهَا إِلَى الطَّاعَةِ قَهْرًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. فَإِذَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَلَا نَفَقَةَ، فَإِنْ خَرَجَ مَعَهَا، فَعَلَى مَا سَبَقَ، وَإِنْ أَذِنَ فِي الْخُرُوجِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي السَّفَرِ بِإِذْنِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ التَّحْلِيلُ، فَهِيَ نَاشِزَةٌ مِنْ وَقْتِ الْإِحْرَامِ، وَقِيلَ: لَهَا النَّفَقَةُ مَا دَامَتْ مُقِيمَةً، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَحُكِيَ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّ الْإِحْرَامَ لَا يُسْقِطُ النَّفَقَةَ مُطْلَقًا، لِأَنَّهَا تُسْقِطُ بِهِ فَرْضًا عَلَيْهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الصَّوْمِ، أَمَّا صَوْمُ رَمَضَانَ، فَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِحَالٍ، وَأَمَّا قَضَاءُ رَمَضَانَ، فَإِنْ تَعَجَّلَ لِتَعَدِّيَهَا بِالْإِفْطَارِ لَمْ تُمْنَعْ مِنْهُ، وَلَمْ تَسْقُطْ بِهِ النَّفَقَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ فَاتَ الْأَدَاءُ بِعُذْرٍ، وَضَاقَ وَقْتُ الْقَضَاءِ، بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا قَدَرُ الْقَضَاءِ، فَهُوَ كَأَدَاءِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، فَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِأَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنَ الْمُبَادَرَةِ إِلَيْهِ كَصَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَقِيلَ فِي جَوَازِ مَنْعِهَا وَجْهَانِ، وَفِي جَوَازِ إِلْزَامِهَا الْإِفْطَارَ إِذَا شَرَعَتْ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ الْقَوْلَيْنِ فِي التَّحْلِيلِ مِنَ الْحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ، فَفِي سُقُوطِ النَّفَقَةِ وَجْهَانِ: أَحُدُّهَا: تَسْقُطُ كَالْحَجِّ، وَالثَّانِي: لَا لِقَصِرِ الزَّمَانِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ لَيْلًا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ السُّقُوطُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَلَا تَشْرَعُ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ، فَإِنْ أَذِنَ، لَمْ تَسْقُطْ بِهِ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ شَرَعَتْ فِيهِ بِلَا إِذْنٍ، فَلَهُ مَنْعُهَا وَقَطْعُهُ، فَإِنْ أَفْطَرَتْ، فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ أَبَتْ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَجِبُ، لِأَنَّهَا فِي دَارِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ لَا يُؤَثِّرُ فِي النَّفَقَةِ، وَقِيلَ: إِنْ دَعَاهَا إِلَى الْأَكْلِ، فَأَبَتْ، لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ
стр. 3612
دَعَاهَا إِلَى الْوَطْءِ، فَأَبَتْ سَقَطَتْ لِمَنْعِهَا حَقَّهُ، وَإِذَا قُلْنَا بِسُقُوطِ النَّفَقَةِ بِامْتِنَاعِهَا فَعَنِ «الْحَاوِي» أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا إِذَا أَمَرَهَا بِالْإِفْطَارِ فِي صَدْرِ النَّهَارِ، فَلَوِ اتَّفَقَ فِي آخِرِهِ لَمْ تَسْقُطْ لِفَوْتِ الزَّمَانِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الرُّويَانِيُّ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْجُمْهُورُ لِهَذَا التَّفْصِيلِ. وَلَوْ نَكَحَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يُجْبِرُهَا عَلَى الْإِفْطَارِ، وَفِي النَّفَقَةِ وَجْهَانِ.
وَأَمَّا صَوْمُ النَّذْرِ، فَإِنْ كَانَ نَذْرًا مُطْلَقًا، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ مُوسِعٌ، وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً، نُظِرَ؛ إِنْ نَذَرَ بِهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، أَوْ بَعْدَهُ بِإِذْنِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا، وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَهُ الْمَنْعُ، فَشَرَعَتْ فِيهِ، وَأَبَتْ أَنْ تُفْطِرَ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ. وَأَمَّا صَوْمُ الْكَفَّارَةِ، فَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنْهُ، وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمْنَعْهَا حَتَّى شَرَعَتْ فِيهِ، فَهَلْ لَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ؟ وَجْهَانِ، وَحَيْثُ قُلْنَا: تَسْقُطُ النَّفَقَةُ بِالصَّوْمِ، فَهَلْ تَسْقُطُ جَمِيعُهَا، أَمْ نِصْفُهَا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ لَيْلًا؟ وَجْهَانِ فِي «التَّهْذِيبِ» .
قُلْتُ: أَرْجَحُهُمَا سُقُوطُ الْجَمِيعِ وَقَدْ سَبَقَ قَرِيبًا نَظِيرُهُ فِيمَنْ سَلَّمَتْ لَيْلًا فَقَطْ، أَوْ عَكْسُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَرَائِضُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا مَنْعَ مِنْهَا، وَلَا تُؤَثِّرُ فِي النَّفَقَةِ بِحَالٍ، وَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْمُبَادَرَةِ بِهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ؟ وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ لَيْسَ لَهُ، لِأَنَّ زَمَنَهَا لَا يَمْتَدُّ بِخِلَافِ الْحَجِّ، وَالتَّطَوُّعَاتُ الْمُطْلَقَةُ كَصَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَفِي السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا لِتَأَكُّدِهَا، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنْ تَطْوِيلِهَا، وَصَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ كَرَوَاتِبِ الصَّلَاةِ، وَصَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ كَالتَّطَوُّعِ الْمُطْلَقِ، فَلَهُ مَنْعُهَا قَطْعًا، وَلَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ، وَلَيْسَ
стр. 3613
لَهُ الْمَنْعُ مِنْ فِعْلِهَا فِي الْمَنْزِلِ، وَقَضَاءُ الصَّلَاةِ وَفِعْلُ الْمَنْذُورَةِ كَمِثْلِهِمَا فِي الصَّوْمِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الِاعْتِكَافُ، إِنْ خَرَجَتْ لَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِإِذْنِهِ وَهُوَ مَعَهَا لَمْ تَسْقُطْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي الْخُرُوجِ لِلْحَجِّ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى يَوْمٍ لَمْ يُؤَثِّرْ قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا أَوْ مُعَيَّنًا نَذَرَتْهُ بَعْدَ النِّكَاحِ، سَقَطَتْ نَفَقَتُهَا، وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا نَذَرَتْهُ قَبْلَ النِّكَاحِ، فَلَا مَنْعَ مِنْهُ، وَلَا تَسْقُطُ بِهِ النَّفَقَةُ.
فَصْلٌ
أَجْرَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ إِجَارَةَ عَيْنٍ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُهَا مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْ «الْحَاوِي» أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالْحَالِ لِفَوَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ عَلَيْهِ بِالنَّهَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِأَنْ يَرْضَى الْمُسْتَأْجِرُ بِالِاسْتِمْتَاعِ نَهَارًا، لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ قَدْ يَرْجِعُ فِيهِ.
الْمَانِعُ الرَّابِعُ: الْعِدَّةُ، الْمُعْتَدَّةُ الرَّجْعِيَّةُ تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَسَائِرَ الْمُؤَنِ إِلَّا آلَةَ التَّنَظُّفِ، سَوَاءٌ كَانَتْ أَمَةً أَوْ حُرَّةً، حَامِلًا أَوْ حَائِلًا، وَلَا تَسْقُطُ نَفَقَتُهَا إِلَّا بِمَا تَسْقُطُ بِهِ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ، وَتَسْتَمِرُّ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ غَيْرِهِ. وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا أَمَارَاتُ الْحَمْلِ بَعْدَ الطَّلَاقِ، لَزِمَ الزَّوْجَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا، فَإِذَا أَنْفَقَ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ، فَلَهُ اسْتِرْدَادُ الْمَدْفُوعِ إِلَيْهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَتُسْأَلُ عَنْ قَدْرُ الْأَقْرَاءِ، فَإِنْ عَيَّنَتْ قَدْرَهَا، صَدَّقْنَاهَا بِالْيَمِينِ إِنْ كَذَّبَهَا الزَّوْجُ، وَلَا يَمِينَ إِنْ صَدَّقَهَا، وَإِنْ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُ مَتَى انْقَضَتْ عِدَّتِي، سَأَلْنَاهَا عَنْ عَادَةِ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا، فَإِنْ ذَكَرَتْ عَادَةً مَضْبُوطَةً، عَمِلْنَا عَلَى قَوْلِهَا، وَإِنْ قَالَتْ: عَادَتِي مُخْتَلِفَةٌ، أَخَذْنَا بِأَقَلِّ عَادَاتِهَا، وَرَجَعَ الزَّوْجُ فِيمَا زَادَ،
стр. 3614
لِأَنَّهُ الْمُسْتَيْقِنُ، وَهِيَ لَا تَدَّعِي زِيَادَةً عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَتْ: نَسِيتُ عَادَتِي، فَعَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي نَفَقَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَخْذًا بِغَالِبِ الْعَادَاتِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَرْجِعُ فِيمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ مَا يُمْكِنُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ فِيهِ، وَبِهَذَا قَطَعَ أَبُو الْفَرَجِ، وَإِنِ انْقَطَعَ الْوَلَدُ الَّذِي أَتَتْ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ بِأَنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، إِمَّا مِنْ وَقْتِ الطَّلَاقِ، وَإِمَّا مِنْ وَقْتِ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، سُئِلَتْ عَنْ حَالِ الْوَلَدِ، فَإِنْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ زَوْجٍ نَكَحْتُهُ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ حَصَلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ، فَعَلَيْهَا رَدُّ الْمَأْخُوذِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ. وَإِنْ قَالَتْ: حَصَلَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْأَقْرَاءِ، فَقَدِ انْقَطَعَتْ عِدَّتُهَا بِوَطْءِ الثَّانِي وَإِحْبَالِهِ فَتَعُودُ بَعْدَ الْوَضْعِ إِلَى مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ النَّفَقَةُ فِي الْبَقِيَّةِ، وَأَمَّا فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ، فَتُبْنَى عَلَى أَنَّهُ هَلْ لِلزَّوْجِ الرَّجْعَةُ فِيهَا؟ وَفِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الرَّجْعَةِ وَالْعِدَّةِ، إِنْ قُلْنَا: لَا رَجْعَةَ فَلَا نَفَقَةَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا لَهُ الرَّجْعَةُ، فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَكَيْفَ كَانَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، فَيَسْتَرْجِعُ مَا أَخَذَتْ لَهَا. وَلَوْ قَالَتْ: وَطِئَنِي الزَّوْجُ، وَأَنْكَرَ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَتُسْأَلُ عَنْ وَقْتِ وَطْئِهِ، فَإِنْ قَالَتْ: بَعْدَ انْقِضَاءِ الْأَقْرَاءِ، رَدَّتْ مَا زَادَ، وَإِنْ قَالَتْ، عَقِبَ الطَّلَاقِ، فَقَدْ بَانَ أَنَّهَا لَمْ تَقْضِ عِدَّتَهُ، فَتَرُدَّ مَا أَخَذَتْ وَتَعْتَدَّ بَعْدَ الْوَضْعِ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ، وَلَهَا النَّفَقَةُ فِيهَا، هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَسْتَمِرُّ ذَلِكَ عَلَى قَوْلِنَا: إِنَّ الْعِدَّتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيِ الْجِنْسِ مِنْ شَخْصٍ لَا تَتَدَاخَلَانِ.
فَرْعٌ
ادَّعَتِ الرَّجْعِيَّةُ تَبَاعُدَ الْحَيْضِ، وَامْتِدَادَ الطُّهْرِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُصَدَّقُ فِي اسْتِمْرَارِ النَّفَقَةِ إِلَى أَنْ تُقِرَّ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ، كَمَا تُصَدَّقُ فِي
стр. 3615
ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ، وَقِيلَ: لَا تُصَدَّقُ فِي النَّفَقَةِ، فَإِنَّهَا حَقُّهَا بِخِلَافِ الرَّجْعَةِ.
فَرْعٌ
وَضَعَتْ حَمْلًا، وَطَلَّقَهَا، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ قَبْلَ وَضْعِهِ، وَانْقَضَتْ عِدَّتُكِ، فَلَا نَفَقَةَ الْآنَ، وَقَالَتْ: بَلْ طَلَّقْتَنِي بَعْدَ الْوَضْعِ، فَلِيَ النَّفَقَةُ، فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا النَّفَقَةُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النِّكَاحِ وَلَا رَجْعَةَ لَهُ، لِأَنَّهَا بَائِنٌ بِزَعْمِهِ، وَلَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْوَضْعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَزْعُمُ هُوَ أَنَّهَا مُطَلَّقَةً فِيهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَهْرُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا بِالْعَكْسِ، فَقَالَ: طَلَّقْتُكِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ، فَلِيَ الرَّجْعَةُ، وَقَالَتْ: بَلْ قَبْلَهَا، وَقَدِ انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي بَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَثُبُوتِ الرَّجْعَةِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهَا لِزَعْمِهَا.
فَصْلٌ
الْبَائِنُ بِخُلْعٍ، أَوْ طَلَاقِ الثَّلَاثِ لَا نَفَقَةَ لَهَا وَلَا كِسْوَةَ إِنْ كَانَتْ حَائِلًا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَعَلَى الزَّوْجِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا، وَهَلْ هِيَ لِلْحَمْلِ أَمْ لِلْحَامِلِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا لِلْحَامِلِ بِسَبَبِ الْحَمْلِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَسَائِلُ، إِحْدَاهَا: الْمُعْتَدَّةُ عَنْ فُرْقَةِ فَسْخٍ، فِي اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا طُرُقٌ، أَحَدُهَا: إِنْ حَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بِمَا لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ كَرِدَّةِ الزَّوْجِ، اسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ كَالْمُطَلَّقَةِ، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَدْخَلٌ كَفَسْخِهَا بِالْعِتْقِ، أَوْ بِعَيْبِهِ، أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا، فَقَوْلَانِ: وَالثَّانِي: فِي الْمُعْتَدَّاتِ عَنْ جَمِيعِ الْفُسُوخِ قَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ عَارِضٍ، كَالرَّضَاعِ وَالرِّدَّةِ، فَلَهَا النَّفَقَةُ كَالطَّلَاقِ وَإِنِ اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ قَارَنَ الْعَقْدَ كَالْعَيْبِ وَالْغُرُورِ فَقَوْلَانِ. وَالرَّابِعُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي: تَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ حَيْثُ تَسْتَحِقُّ السُّكْنَى وَإِلَّا فَقَوْلَانِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ السُّكْنَى. وَأَمَّا الْمُفَارَقَةُ بِاللِّعَانِ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا وَلَمْ يَنْفِ حَمْلَهَا، فَفِيهِ الطُّرُقُ،
стр. 3616
وَلَا يَخْفَى عَلَى الطَّرِيقِ الثَّالِثِ أَنَّ اللِّعَانَ سَبَبٌ عَارِضٌ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقِيلَ: هُوَ مِمَّا لَهَا فِيهِ مُدْخَلٌ، لِأَنَّهَا أَحْوَجَتْهُ إِلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَالطَّلَاقِ، وَإِنْ نَفَى حَمْلَهَا لَمْ تَجِبِ النَّفَقَةُ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ أَمْ لِلْحَامِلِ، وَتَسْتَحِقُّ السُّكْنَى عَلَى الْأَصَحِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. وَلَوْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَقُلْنَا: لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ لِنَفْيِهِ فَلَاعَنَ؛ سَقَطَتِ النَّفَقَةُ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: فَإِنْ أَثْبَتْنَا لِلْمُلَاعَنَةِ السُّكْنَى، فَهَذِهِ أَوْلَى، لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ طَلَاقٍ، وَإِلَّا فَتَحْمِلُ وَجْهَيْنِ، وَإِذَا لَاعَنَ وَهِيَ حَامِلٌ وَنَفَاهُ ثُمَّ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، وَاسْتَلْحَقَ الْوَلَدَ، طُولِبَ بِنَفَقَةِ مَا مَضَى، نَصَّ عَلَيْهِ فَقِيلَ: هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَامِلِ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: لِلْحَمْلِ: فَلَا مُطَالَبَةَ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: تَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لِلْحَمْلِ، فَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَى الْحَامِلِ وَهِيَ صَاحِبَةُ حَقٍّ فِيهَا فَتَصِيرُ دَيْنًا كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ. وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا أَرْضَعَتِ الْوَلَدَ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِأُجْرَةِ الرَّضَاعِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ فِي «الْأُمِّ» وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الْوَلَدِ مُدَّةً، ثُمَّ رَجَعَ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَتْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهَا أَنْفَقَتْ عَلَى ظَنِّ وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، فَإِذَا بَانَ خِلَافُهُ، ثَبَتَ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا فَقَضَاهُ، فَبَانَ خِلَافُهُ يَرْجِعُ، وَكَمَا لَوْ أَنْفَقَ عَلَى أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ إِعْسَارِهِ، فَبَانَ مُوسِرًا، يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّعِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَامِلِ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَجْهَانِ، إِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ وَجَبَتْ، وَإِلَّا فَلَا. هَذَا إِذَا كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ غَيْرَ مَنْكُوحَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً وَأَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا عَلَى الْوَاطِئِ، سَقَطَتْ عَنِ الزَّوْجِ قَطْعًا، وَإِلَّا فَعَلَى الْأَصَحِّ وَاسْتَحْسَنَ فِي «الْوَسِيطِ» أَنَّهَا إِنْ وُطِئَتْ نَائِمَةً أَوْ مُكْرَهَةً، فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَإِنْ مَكَّنَتْ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ زَوْجُهَا، فَلَا نَفَقَةَ، لِأَنَّ الظَّنَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْغَرَامَاتِ.
стр. 3617
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُعْتَدَّةُ عَنِ الْوَفَاةِ لَا نَفَقَةَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، سَوَاءٌ قُلْنَا لِلْحَامِلِ أَوْ لِلْحَمْلِ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ.
الرَّابِعَةُ: هَلْ تَتَقَدَّرُ النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ كَنَفَقَةِ صُلْبِ النِّكَاحِ، أَمْ تُعْتَبَرُ كِفَايَتُهَا، سَوَاءٌ زَادَتْ أَمْ نَقَصَتْ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ - وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ - أَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ، وَشَذَّ الْإِمَامُ وَمُتَابِعُوهُ فَحَكَوْا خِلَافًا.
الْخَامِسَةُ: إِذَا مَاتَ زَوْجُ الْبَائِنِ الْحَامِلِ قَبْلَ الْوَضْعِ، إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، سَقَطَتْ، لِأَنَّ نَفَقَةَ الْقَرِيبِ تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: تَسْقُطُ أَيْضًا لِأَنَّهَا كَالْحَاضِنَةِ لِلْوَلَدِ، وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْحَاضِنَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: لَا تَسْقُطُ، لِأَنَّهَا لَا تَنْتَقِلُ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ، بَلْ تُتِمُّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَالطَّلَاقُ مُوجِبٌ.
قُلْتُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَكَمَا تَسْتَحِقُّ الْبَائِنُ الْحَامِلُ النَّفَقَةَ، تَسْتَحِقُّ الْأُدْمَ وَالْكِسْوَةَ سَوَاءٌ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ أَوْ لِلْحَمْلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ النَّفَقَةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْحَمْلِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: هِيَ لِلْحَمْلِ أَمْ لِلْحَامِلِ، فَإِذَا ظَهَرَ هَلْ يَجِبُ تَسْلِيمُهَا يَوْمًا بِيَوْمٍ، أَمْ تُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ تَضَعَ، فَتُسَلِّمَ الْجَمِيعَ دُفْعَةً وَاحِدَةً؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا الْأَوَّلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) . فَإِنْ قُلْنَا: تُؤَخَّرُ، فَقَالَتْ: وَضَعْتُ، فَكَذَّبَهَا، فَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعْجِيلِ، فَادَّعَتْ ظُهُورَ الْحَمْلِ، وَأَنْكَرَ فَكَذَلِكَ وَتُقْبَلُ فِيهِمَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُنَّ إِلَّا بَعْدَ مُضِيِّ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَلَوْ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى ظَنِّ
стр. 3618
الْحَمْلِ، فَبَانَ أَنْ لَا حَمْلَ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّعْجِيلَ، أَوْ أَمَرَهُ بِهِ الْحَاكِمُ، رَجَعَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الْمَدْفُوعَ نَفَقَةً مُعَجَّلَةً لَمْ يَرْجِعْ، وَيَكُونُ مُتَطَوِّعًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ وَشَرَطَ الرُّجُوعَ رَجَعَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: يَرْجِعُ، وَخَرَّجَ الْقَفَّالُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الدَّلَّالَ إِذَا بَاعَ مَتَاعًا لِإِنْسَانٍ، فَأَعْطَاهُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا وَقَالَ: وَهَبْتُهُ لَكَ، أَوْ قَالَ لَهُ الدَّلَّالُ: وَهَبْتَهُ لِي، فَقَالَ: نَعَمْ، فَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، فَلَهُ قَبُولُهُ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَلَا، وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ فِيهِ وَأُجْرَةُ الدَّلَّالِ عَلَى الْبَائِعِ الَّذِي أَمَرَهُ بِالْبَيْعِ.
فَرْعٌ
لَوْ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا حَتَّى وَضَعَتْ، أَوْ لَمْ يُنْفِقْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْمُدَّةِ الْمَاضِيَةِ، بَلْ يَلْزَمُهُ دَفْعُهَا إِلَيْهَا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: فِي سُقُوطِهَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَمْلِ أَمْ لِلْحَامِلِ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ زَوْجُ الْبَائِنِ الْحَامِلِ رَقِيقًا، إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ لَزِمَتْهُ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ. وَلَوْ كَانَ الْحَمْلُ رَقِيقًا فَفِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّوْجِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ لَمْ تَجِبْ، بَلْ هِيَ عَلَى الْمَالِكِ وَإِلَّا فَتَجِبُ.
فَرْعٌ
ذَكَرَ ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَمْلُ مُوسِرًا، وَقُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ وَأَنَّهَا تُؤَخَّرُ إِلَى أَنْ تَضَعَ، فَإِذَا وَضَعَتْ سُلِّمَتِ النَّفَقَةُ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إِلَى الْأُمِّ، كَمَا تُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ مَالِهِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ التَّعْجِيلُ، لَمْ تُؤْخَذْ مِنْ مَالِ الْحَمْلِ، بَلْ يُنْفِقُ الْأَبُ عَلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ، فَفِي رُجُوعِهِ فِي مَالِ الْوَلَدِ وَجْهَانِ.
стр. 3619
فَرْعٌ
اخْتَلَفَا فَقَالَتْ: وَضَعْتُ الْيَوْمَ، وَطَالَبَتْ بِنَفَقَةِ شَهْرٍ قَبْلَهُ، وَقَالَ: بَلْ وَضَعَتْ مِنْ شَهْرٍ قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَضْعِ وَبَقَاءُ النَّفَقَةِ. وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ وَالزَّوْجَةُ رَقِيقَةٌ، فَإِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَضْعِ وَلَا بَعْدَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ، فَهِيَ كَالْحُرَّةِ. وَلَوْ وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ - أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ - وَبَيْنَ الْوَاطِئِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا نَفَقَتَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا، فَلَا مَعْنَى لِلِاخْتِلَافِ، لَكِنْ لَوِ اخْتَلَفَا عَلَى الْعَكْسِ لِنَفَقَةِ الْوَلَدِ، فَقَالَتْ: وَلَدْتُ مِنْ شَهْرٍ، فَعَلَيْكَ نَفَقَةُ الْوَلَدِ لِشَهْرٍ، وَقَالَ: بَلْ وَلَدَتْ أَمْسِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْأُمَّ إِذَا أَنْفَقَتْ عَلَى الْوَلَدِ أَوِ اسْتَدَانَتْ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، هَلْ تَرْجِعُ عَلَى الْأَبِ؟ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ
أَبْرَأَتِ الزَّوْجَ مِنَ النَّفَقَةِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا النَّفَقَةُ لِلْحَامِلِ، سَقَطَتْ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ، فَلَا، وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ كَانَ الْإِبْرَاءُ عَنْ نَفَقَةِ الزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ عَمَّا مَضَى، فَالنَّفَقَةُ مَصْرُوفَةٌ إِلَيْهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّاجِحَ أَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا لَهَا حَتَّى تُصْرَفَ إِلَيْهَا بَعْدَ الْوَضْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إِبْرَاؤُهَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ
ذَكَرَ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ، وَتَرَكَ
стр. 3620
أَبَاهُ وَامْرَأَتَهُ حُبْلَى، لَهَا مُطَالَبَةُ الْجَدِّ بِالنَّفَقَةِ إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لِلْحَمْلِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَامِلِ فَلَا، وَقَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهَا لَا تُطَالِبُ الْجَدَّ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ كَلَامُ الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ.
فَرْعٌ
نَشَزَتِ الزَّوْجَةُ وَهِيَ حَامِلٌ، حَكَى ابْنُ كَجٍّ تَخْرِيجَ سُقُوطِ النَّفَقَةِ عَلَى أَنَّهَا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْحَامِلِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْبَائِنِ لَا فِي الزَّوْجَةِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَنْفَقَ عَلَى مَنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا مُدَّةً، ثُمَّ بَانَ فَسَادُ النِّكَاحِ وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، بَلْ يَجْعَلُ ذَلِكَ فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ حَائِلًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 3621
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْإِعْسَارِ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ
فِيهِ أَرْبَعَةُ أَطْرَافٍ:
الْأَوَّلُ: فِي ثُبُوتِ الْفَسْخِ بِهِ، فَإِذَا عَجَزَ الزَّوْجُ عَنِ الْقِيَامِ بِمُؤَنِ الزَّوْجَةِ الْمُوَظَّفَةِ عَلَيْهِ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي كُتُبِهِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا أَنَّهَا بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ صَبَرَتْ، وَأَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا، أَوِ اقْتَرَضَتْ، وَأَنْفَقَتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَنَفَقَتُهَا فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يُوسِرَ، وَإِنْ شَاءَتْ طَلَبَتْ فَسْخَ النِّكَاحِ، وَقَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا: وَقَدْ قِيلَ: لَا خِيَارَ لَهَا. وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ لَهَا حَقَّ الْفَسْخِ، وَهَذَا أَرْجَحُ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ وَالرُّويَانِيِّ، وَأَصَحُّهُمَا: إِثْبَاتُ قَوْلَيْنِ، الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ، وَالثَّانِي: لَا. فَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ، فَأَمَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ النَّفَقَةِ مَعَ قُدْرَتِهِ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَهَا الْفَسْخُ لِتَضَرُّرِهَا، وَأَصَحُّهُمَا: لَا فَسْخَ لِتَمَكُّنِهَا مِنْ تَحْصِيلِ حَقِّهَا بِالسُّلْطَانِ، وَكَذَا لَوْ قَدَرَتْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، أَوْ غَابَ وَهُوَ مُوسِرٌ فِي غَيْبَتِهِ، وَلَا يُوَفِّيهَا حَقَّهَا، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا فَسْخَ وَكَانَ الْمُؤْثَرُ تَغَيُّبُهُ لِخَرَابِ ذِمَّتِهِ، وَلَكِنْ يَبْعَثُ الْحَاكِمُ إِلَى حَاكِمِ بَلَدِهِ، لِيُطَالِبَهُ إِنْ كَانَ مَوْضِعَهُ مَعْلُومًا، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ: يَجُوزُ الْفَسْخُ إِذَا تَعَذَّرَ تَحْصِيلُهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي الطَّبَرِيُّ وَإِلَيْهِ مَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَابْنُ أُخْتِهِ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْفَتْوَى بِهِ، وَإِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْفَسْخَ، وَالْغَائِبُ مُوسِرٌ، فَجَهِلْنَا يَسَارَهُ وَإِعْسَارَهُ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَحَقَّقْ، وَمَتَى ثَبَتَ إِعْسَارُ الْغَائِبِ عِنْدَ حَاكِمِ بَلَدِهَا، فَهَلْ يَجُوزُ
стр. 3622
الْفَسْخُ، أَمْ لَا يُفْسَخُ حَتَّى يُبْعَثَ إِلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَلَمْ يَبْعَثِ النَّفَقَةَ، فَحِينَئِذٍ يُفْسَخُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي. وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ حَاضِرًا، وَمَالُهُ غَائِبٌ، فَإِنْ كَانَ عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَلَا فَسْخَ، وَيُؤْمَرُ بِتَعْجِيلِ الْإِحْضَارِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَلَهَا الْفَسْخُ وَلَا يَلْزَمُهَا الصَّبْرُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فَلَهَا الْفَسْخُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَجَلُ قَرِيبًا، وَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ الْقُرْبُ بِمُدَّةِ إِحْضَارِ الْمَالِ الْغَائِبِ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا وَهُوَ عَلَى مُعْسِرٍ، فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُوسِرٍ حَاضِرٍ، فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَوَجْهَانِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَأَمَرَهَا بِالْإِنْفَاقِ مِنْهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، فَلَا خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، فَلَهَا الْفَسْخُ، لِأَنَّهَا لَا تَصِلُ إِلَى حَقِّهَا، وَالْمُعْسِرُ مُنْظَرٌ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَوْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ وَنَحْوُهُ لَا يَرْغَبُ فِي شِرَائِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهَا الْخِيَارُ، وَمَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ تَسْتَغْرِقُ مَالَهُ لَا خِيَارَ لِزَوْجَتِهِ حَتَّى يَصْرِفَ مَالَهُ إِلَى الدُّيُونِ.
لَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِأَدَاءِ النَّفَقَةِ عَنِ الْمُعْسِرِ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَبُولُ، وَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى إِنْسَانٍ فَتَبَرَّعَ غَيْرُهُ بِقَضَائِهِ، لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ، لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً لِلْمُتَبَرِّعِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا؛ أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا، لِعَدَمِ تَضَرُّرِهَا بِفَوَاتِ النَّفَقَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ كَانَ بِالنَّفَقَةِ ضَامِنٌ، وَلَمْ نُصَحِّحْ ضَمَانَ النَّفَقَةِ فَالضَّامِنُ كَالْمُتَبَرِّعِ، وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَإِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِ الزَّوْجِ، فَلَا خِيَارَ، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
لَوْ لَمْ يُعْطِهَا الْمُوسِرُ إِلَّا نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ، فَلَا فَسْخَ، وَيَصِيرُ الْبَاقِي دَيْنًا عَلَيْهِ.
стр. 3623
فَصْلٌ
الْقُدْرَةُ بِالْكَسْبِ كَالْقُدْرَةِ بِالْمَالِ، فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ كُلَّ يَوْمٍ قَدْرَ النَّفَقَةِ فَلَا خِيَارَ، وَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِي لِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ لَا يَكْسِبُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ مَا يَكْفِي لِلْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ فَلَا خِيَارَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْسِرٍ، وَلَا تَشُقُّ الِاسْتِدَانَةُ لِمَا يَقَعُ مِنَ التَّأْخِيرِ الْيَسِيرِ. وَكَذَا الْحُكْمُ فِي النَّسَّاجِ الَّذِي يَنْسِجُ فِي الْأُسْبُوعِ ثَوْبًا تَفِي أُجْرَتُهُ بِنَفَقَةِ الْأُسْبُوعِ، كَذَا قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمَالِ الْغَائِبِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، وَقَدْ يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ فِيمَا دُونَ أُسْبُوعٍ، وَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ هُنَا أَنَّهُ لَا خِيَارَ كَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا عَجَزَ الْعَامِلُ عَنِ الْعَمَلِ لِمَرَضٍ، فَلَا فَسْخَ إِنْ رُجِيَ زَوَالُهُ فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ يَطُولُ، فَلَهَا الْفَسْخُ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ فِي بَعْضِ الْأُسْبُوعِ نَفَقَةَ جَمِيعِهِ، فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ فِي أُسْبُوعٍ لِعَارِضٍ فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَعْمِلِ الْبَنَّاءَ وَالنَّجَّارَ، وَتَعَذَّرَتِ النَّفَقَةُ كَذَلِكَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا خِيَارَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ نَادِرًا، وَإِنْ كَانَ يَقَعُ غَالِبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ.
فَرْعٌ
الْقَادِرُ عَلَى الْكَسْبِ إِذَا امْتَنَعَ كَالْمُوسِرِ الْمُمْتَنِعِ إِنْ أَوْجَبْنَا الِاكْتِسَابَ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَنَذْكُرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 3624
فَصْلٌ
إِنَّمَا يَثْبُتُ الْفَسْخُ بِالْعَجْزِ عَنْ نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ، فَلَوْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ الْمُتَوَسِّطِ، فَلَا خِيَارَ. وَلَوْ قَدَرَ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى دُونِ نِصْفِ مُدٍّ، أَوْ يَوْمًا مُدًّا، وَيَوْمًا لَا يَجِدُ شَيْئًا، فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وَجَدَ بِالْغَدَاةِ مَا يُغَدِّيهَا، وَبِالْعَشِيِّ مَا يُعَشِّيهَا، فَلَا خِيَارَ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَصْلٌ
لَوْ أَعْسَرَ بِالْأُدْمِ، فَلَا خِيَارَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الدَّارَكِيُّ: يَثْبُتُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَ الْقُوتُ مِمَّا يَنْسَاغُ دَائِمًا لِلْفُقَرَاءِ بِلَا أُدْمٍ فَلَا خِيَارَ، وَإِلَّا فَيَثْبُتُ.
فَصْلٌ
يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِالْإِعْسَارِ بِالْكِسْوَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِالْمَسْكَنِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَثْبُتُ بِالْإِعْسَارِ بِنَفَقَةِ الْخَادِمِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا.
فَصْلٌ
الْإِعْسَارُ بِالْمَهْرِ فِيهِ طُرُقٌ مُنْتَشِرَةٌ، الْمَذْهَبُ مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ يَثْبُتُ الْفَسْخُ إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ فِيهِمَا قَطْعًا وَرَجَّحَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ بِالْمَنْعِ قَطْعًا، وَقِيلَ قَوْلَانِ، وَقِيلَ: يَثْبُتُ قَبْلَهُ وَفِي بَعْدِهِ قَوْلَانِ، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ بَعْدَهُ، وَفِي قَبْلِهِ قَوْلَانِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُفَوِّضَةِ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ الْمَهْرَ بِالْعَقْدِ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَكِنْ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِالْفَرْضِ، فَإِذَا فَرَضَ صَارَ كَالْمُسَمَّى.
فَصْلٌ
إِذَا لَمْ يُنْفِقْ عَلَى زَوْجَتِهِ مُدَّةً، وَعَجَزَ عَنْ أَدَائِهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا الْفَسْخُ
стр. 3625
بِسَبَبِ مَا مَضَى حَتَّى لَوْ لَمْ يُفْسَخْ فِي يَوْمِ جَوَازِ الْفَسْخِ، فَوَجَدَ نَفَقَةً بَعْدَهُ، فَلَا فَسْخَ لَهَا بِنَفَقَةِ الْأَمْسِ، وَمَا قَبْلَهُ كَسَائِرِ دُيُونِهَا، وَقِيلَ: هُوَ كَالْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ نَفَقَةُ الْمَاضِي لَا تَسْقُطُ، بَلْ تَبْقَى دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، سَوَاءٌ تَرَكَ الْإِنْفَاقَ بِعُذْرٍ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا، أَمْ لَا، وَيَثْبُتُ الْأُدْمُ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّفَقَةِ، وَكَذَا نَفَقَةُ الْخَادِمِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَثْبُتُ الْكِسْوَةُ إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ فِيهَا التَّمْلِيكُ. وَإِنْ قُلْنَا: إِمْتَاعٌ فَلَا، وَلَا تَثْبُتُ مُؤْنَةُ السُّكْنَى عَلَى الْمَذْهَبِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي حَقِيقَةِ هَذِهِ الْفُرْقَةِ، فَإِذَا ثَبَتَ حَقُّ التَّفْرِيقِ بِسَبَبِ الْإِعْسَارِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَجْهًا أَنَّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَوَلَّى الْفَسْخَ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ إِلَى الْقَاضِي، كَفَسْخِ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَلَى هَذَا يَتَوَلَّى الْقَاضِي الْفَسْخَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْذَنُ لَهَا فِيهِ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا. وَقِيلَ: إِنَّمَا يَسْتَقِلُّ بِالْفَسْخِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِعْسَارِ عِنْدَهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَتَكُونُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ فَسْخًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ هِيَ طَلَاقٌ، فَعَلَى هَذَا يَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِالتَّحَمُّلِ فِي الْإِنْفَاقِ، فَإِنْ أَبَى، فَهَلْ يُطَلِّقُ الْحَاكِمُ بِنَفْسِهِ، أَمْ يَحْبِسُهُ لِيُطَلِّقَ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْمَوْلَى، فَإِنْ طَلَّقَ، طَلَّقَ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، فَإِنْ رَاجَعَ، طَلَّقَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً، أَمَّا إِذَا لَمْ تَرْفَعْ إِلَى الْقَاضِي، بَلْ فَسَخَتْ بِنَفْسِهَا لِعِلْمِهَا بِعَجْزِهِ، فَلَا يُنَفَّذُ ظَاهِرًا، وَهَلْ يُنَفَّذُ بَاطِنًا حَتَّى إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْفَسْخِ إِمَّا بِاعْتِرَافِ الزَّوْجِ، وَإِمَّا بِبَيِّنَةٍ يُكْتَفَى بِهِ وَتُحْسَبُ الْعِدَّةُ مِنْهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ فِي «الْبَسِيطِ» : وَلَعَلَّ هَذَا فِيمَا إِذَا قَدَرَتْ عَلَى الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاحِيَةِ قَاضٍ وَلَا مُحَكَّمٌ، فَالْوَجْهُ إِثْبَاتُ الِاسْتِقْلَالِ بِالْفَسْخِ.
стр. 3626
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي وَقْتِ الْفَسْخِ قَدْ سَبَقَ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ تَسَلُّمَ النَّفَقَةِ كُلَّ يَوْمٍ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، فَإِذَا عَجَزَ، فَهَلْ يُنْجِزُ الْفَسْخَ، أَمْ يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: الْإِمْهَالُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ وَادَّعَى ابْنُ كَجٍّ أَنَّهُ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُمْهَلُ ثَلَاثًا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهَا الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْفَسْخِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَقْرَبُهُمَا لَيْسَ لَهَا الْمُبَادَرَةُ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُؤَخَّرُ الْفَسْخُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، أَمْ إِلَى آخِرِهِ، أَمْ إِلَى آخَرِ اللَّيْلَةِ بَعْدَهُ؟ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ: أَرْجَحُهَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ الثَّالِثُ، ثُمَّ هَذَا إِذَا لَمْ يَتَّخِذْ ذَلِكَ عَادَةً، فَأَمَّا إِنِ اعْتَادَ إِحْضَارَ الطَّعَامِ لَيْلًا، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِدِ النَّفَقَةَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ يَجِدُهَا فِي آخِرِهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِذَا قُلْنَا: لَا فَسْخَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَلَوْ قَالَ صَبِيحَةَ الْيَوْمِ: أَنَا عَاجِزٌ لَا أَتَوَقَّعُ شَيْئًا، فَهَلْ لَهَا الْفَسْخُ فِي الْحَالِ لِتَصْرِيحِهِ بِالْعَجْزِ، أَمْ يَلْزَمُ التَّأْخِيرُ، فَقَدْ يُرْزَقُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ: أَرْجَحُهُمَا: الثَّانِي. أَمَّا الْمَذْهَبُ وَهُوَ الْإِمْهَالُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: إِذَا مَضَتِ الثَّلَاثَةُ فَلَهَا الْفَسْخُ صَبِيحَةَ الرَّابِعِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْ نَفَقَتَهُ، وَإِنْ سَلَّمَهَا، لَمْ يَجُزِ الْفَسْخُ لِمَا مَضَى، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَقُولَ: آخُذُ هَذَا عَنْ نَفَقَةِ بَعْضِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَأَفْسَخُ بِتَعَذُّرِ نَفَقَةِ الْيَوْمَ، لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْأَدَاءِ بِقَصْدِ الْمُؤَدِّي، فَلَوْ تَوَافَقَا عَلَى جَعْلِهَا عَمَّا مَضَى، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَهَا الْفَسْخُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُجْعَلَ الْقُدْرَةُ عَلَيْهَا مُبَطِلَةً لِلْمُهْلَةِ، وَلَوْ مَضَى يَوْمَانِ بِلَا نَفَقَةٍ، وَوَجَدَ نَفَقَةَ الثَّالِثِ، وَعَجَزَ فِي الرَّابِعِ، فَهَلْ تُسْتَأْنَفُ الْمَدَّةُ، أَمْ يُبْنَى فَتَصِيرَ يَوْمًا آخَرَ فَقَطْ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا الْبِنَاءُ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ نَفَقَةَ يَوْمٍ وَوَجَدَ نَفَقَةَ الثَّانِي، وَعَجَزَ فِي الثَّالِثِ، وَقَدَرَ فِي الرَّابِعِ، لُفِّقَتْ أَيَّامُ الْعَجْزِ فَإِذَا تَمَّتْ مُدَّةُ الْمُهْلَةِ، فَلَهَا الْفَسْخُ، وَلَوْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْعَجْزِ، وَوَجَدَ نَفَقَةَ الرَّابِعِ، وَعَجَزَ فِي الْخَامِسِ، فَالْأَصَحُّ وَبِهِ
стр. 3627
قَالَ الدَّارَكِيُّ: أَنَّ لَهَا الْفَسْخَ، وَيَكْفِي الْإِمْهَالُ السَّابِقُ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَقِيلَ: يُمْهَلُ مَرَّةً أُخْرَى إِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ فِي مُدَّةِ الْإِمْهَالِ لِتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ بِكَسْبٍ أَوْ تِجَارَةٍ أَوْ سُؤَالٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ، وَقِيلَ: لَهُ مَنْعُهَا، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَتْ عَلَى الْإِنْفَاقِ بِمَالِهَا، أَوْ كَسْبٍ فِي بَيْتِهَا كَالْخِيَاطَةِ وَالْغَزْلِ، فَلَهُ مَنْعُهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُوَفِّ مَا عَلَيْهِ لَا يَمْلِكُ الْحَجْرَ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَعَلَيْهَا أَنْ تَعُودَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِاللَّيْلِ. وَلَوْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَيْسَ لَهَا الْمَنْعُ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَهَا الْمَنْعُ وَهُوَ أَقْرَبُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا إِذَا مَنَعَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ لَا تَسْتَحِقُّ نَفَقَةً مُدَّةَ الِامْتِنَاعِ، فَلَا تُثْبِتُ دَيْنًا عَلَيْهِ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا بِالْإِمْهَالِ، فَمَضَتِ الْمُدَّةُ، فَرَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ وَالْمَقَامِ مَعَهُ، أَوْ لَمْ نَقُلْ بِالْإِمْهَالِ، فَرَضِيَتْ ثُمَّ أَرَادَتِ الْفَسْخَ، فَلَهَا الْفَسْخُ، لِأَنَّ الضَّرَرَ مُتَجَدِّدٌ وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِهَا: رَضِيَتْ بِإِعْسَارِهِ أَبَدًا، لِأَنَّهُ وَعْدٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ، فَلَهَا الْفَسْخُ أَيْضًا، وَإِذَا عَادَتْ إِلَى طَلَبِ الْفَسْخِ بَعْدَ الرِّضَا، جُدِّدَ الْإِمْهَالُ عَلَى قَوْلِنَا: يُمْهَلُ، وَلَا يُعْتَدُّ بِالْمَاضِي، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ وَالرُّويَانِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِذَا اخْتَارَتِ الْمَقَامَ مَعَهُ، لَمْ يَلْزَمْهَا التَّمْكِينُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمَنْزِلِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، فَإِنْ لَمْ تَمْنَعْ نَفْسَهَا مِنْهُ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْسِرِ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَخُرُوجُهَا بِالنَّهَارِ لِلِاكْتِسَابِ لَا يُوجِبُ نُقْصَانَ مَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ.
فَرْعٌ
إِذَا أُعْسِرَ بِالْمَهْرِ، وَمَكَّنَهَا الْحَاكِمُ مِنَ الْفَسْخِ، فَرَضِيَتْ بِالْمَقَامِ مَعَهُ، ثُمَّ أَرَادَتِ الْفَسْخَ، فَلَيْسَ لَهَا، لِأَنَّ الضَّرَرَ لَا يَتَجَدَّدُ هَكَذَا أَطْلَقَهُ
стр. 3628
الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَتِ الْمُحَاكَمَتَانِ مَعًا قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُحَاكَمَةُ الْأُولَى قَبْلَ الدُّخُولِ، وَالْأُخْرَى بَعْدَهُ، فَوَجْهَانِ: وَجْهُ تَجْوِيزِ الْفَسْخِ أَنَّ بِالدُّخُولِ اسْتَقَرَّ مَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِرًّا، فَالْإِعْسَارُ بِهِ يُجَدَّدُ خِيَارًا، وَلَوْ نَكَحَتْهُ عَالِمَةً بِإِعْسَارِهِ بِالصَّدَاقِ، فَلَيْسَ لَهَا الْفَسْخُ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَا لَوْ رَضِيَتْ بِهِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ بَدَا لَهَا، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ، وَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ بَعْدَ الدُّخُولِ إِذَا مَكَّنَّاهَا مِنَ الْفَسْخِ، وَاخْتَارَتِ الْمَقَامَ، وَلَا بُدَّ فِي الْإِعْسَارِ بِالْمَهْرِ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي كَالنَّفَقَةِ، وَالْخِيَارُ فِيهِ بَعْدَ الْمُرَافَعَةِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَوْ أَخَّرَتِ الْفَسْخَ، سَقَطَ، وَلَوْ عَلِمَتْ إِعْسَارَهُ، وَأَمْسَكَتْ عَنِ الْمُحَاكَمَةِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ بَعْدَ طَلَبِهَا الْمَهْرَ، كَانَ رِضًا بِالْإِعْسَارِ، وَسَقَطَ خِيَارُهَا، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ، لَمْ يَسْقُطْ، فَقَدْ تُؤَخَّرُ الْمُطَالِبَةُ لِتَوَقُّعِ الْيَسَارِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِيمَنْ لَهُ حَقُّ الْفَسْخِ، وَهُوَ لِلزَّوْجَةِ إِنْ شَاءَتْ، فَسَخَتْ، وَإِنْ شَاءَتْ صَبَرَتْ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَلِيِّ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ بِغَيْرِ تَوْكِيلِهَا، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَتُهُمَا، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَالٌ فَنَفَقَتُهُمَا عَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا لَوْ كَانَتَا خَلِيَّتَيْنِ، وَتَصِيرُ نَفَقَةُ الزَّوْجَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ يُطَالَبُ بِهِ إِذَا أَيْسَرَ، وَكَذَا لَا يَفْسَخُ الْوَلِيُّ بِإِعْسَارِ الزَّوْجِ بِالْمَهْرِ إِنْ جَعَلْنَاهُ مُثْبِتًا لِلْخِيَارِ، وَلَوْ أُعْسِرَ زَوْجُ الْأَمَةِ بِالنَّفَقَةِ فَلَهَا الْفَسْخُ كَمَا تَفْسَخُ بِجَبِّهِ، وَلِأَنَّهَا صَاحِبَةُ حَقٍّ فِي تَنَاوُلِ النَّفَقَةِ، فَإِنْ أَرَادَتِ الْفَسْخَ، لَمْ يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهَا، فَإِنْ ضَمِنَ النَّفَقَةَ، فَهُوَ كَالْأَجْنَبِيِّ يَضْمَنُهَا، وَلَوْ رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ، أَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ مَجْنُونَةً، فَهَلْ لِلسَّيِّدِ الْفَسْخُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: الْأَصَحُّ: لَيْسَ لَهُ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالْبَغَوِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ السَّيِّدَ نَفَقَةُ الْكَبِيرَةِ الْعَاقِلَةِ، بَلْ يَقُولُ: افْسَخِي أَوِ اصْبِرِي عَلَى الْجُوعِ، وَالثَّانِي: لَهُ، وَالثَّالِثُ: لَهُ فِي الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ.
стр. 3629
وَأَمَّا إِذَا أَعْسَرَ زَوْجُهَا بِالْمَهْرِ، وَقُلْنَا: يَثْبُتُ بِهِ الْفَسْخُ، فَالْفَسْخُ لِلسَّيِّدِ، لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّهِ لَا تَعَلُّقَ لِلْأَمَةِ بِهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهَا فِي فَوَاتِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، وَهُوَ غَلَطٌ.
فَرْعٌ
قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: تَتَعَلَّقُ نَفَقَةُ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ بِالْأَمَةِ وَبِالسَّيِّدِ، أَمَّا السَّيِّدُ فَلِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي مِلْكِهِ، لِأَنَّ الْأَمَةَ لَا تَمْلِكُ، لَكِنَّهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ مَأْذُونٌ لَهَا فِي الْقَبْضِ، وَبِالْعُرْفِ فِي تَنَاوُلِ الْمَقْبُوضِ. وَأَمَّا الْأَمَةُ فَلَهَا مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ، كَمَا كَانَتْ تُطَالِبُ السَّيِّدَ، وَإِذَا أَخَذَتْهَا، فَلَهَا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْمَأْخُوذِ وَلَا تُسَلِّمَ إِلَى السَّيِّدِ حَتَّى تَأْخُذَ بَدَلَهُ، وَلَهُ الْإِبْدَالُ لِحَقِّ الْمِلْكِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ لَهُ حَقَّ الْمِلْكِ وَلَهَا حَقُّ التَّوَثُّقِ، وَلَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ الْإِبْرَاءُ مِنْ نَفَقَتِهَا، وَلَا بَيْعُ الْمَأْخُوذِ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْبَدَلِ إِلَيْهَا، وَفِي «التَّتِمَّةِ» مَا يُخَالِفُ بَعْضَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُ قَالَ: حَقُّ الِاسْتِيفَاءِ لِلسَّيِّدِ، فَلَوْ سَلَّمَهَا الزَّوْجُ إِلَيْهَا بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ لَمْ يَبْرَأْ، وَلِهَذَا لَوْ قَبَضَ النَّفَقَةَ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهَا لَوْ أَبْرَأَتِ الزَّوْجَ عَنْ نَفَقَةِ الْيَوْمِ جَازَ، وَلَيْسَ لَهَا الْإِبْرَاءُ عَمَّا صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، كَمَا فِي الصَّدَاقِ، وَقَدْ تَنَازَعَ قِيَاسَ الْمِلْكِ فِي الْإِبْرَاءِ مِنْ نَفَقَةِ الْيَوْمِ، لَكِنَّ نَفَقَةَ الْيَوْمِ لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ، وَكَانَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلسَّيِّدِ إِلَّا بَعْدَ الْأَخْذِ، وَأَمَّا قَبْلَهُ فَتَمَحُّضُ الْحَقِّ لَهَا، وَلَوِ اخْتَلَفَتِ الْأَمَةُ وَزَوْجُهَا فِي تَسْلِيمِ نَفَقَةِ الْيَوْمِ، أَوْ أَيَّامٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، وَلَا أَثَرَ لِتَصْدِيقِ السَّيِّدِ الزَّوْجَ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ، وَصَدَّقَ السَّيِّدُ الزَّوْجَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كَانَ السَّيِّدُ شَاهِدًا لَهُ، وَلَا يَثْبُتُ الْمُدَّعَى بِتَصْدِيقِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ، وَتَكُونُ الْخُصُومَةُ فِي النَّفَقَةِ الْمَاضِيَةِ لِلسَّيِّدِ، لَا لَهَا كَالْمَهْرِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْمُتَوَلِّي، كَمَا لَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِأَنَّ الْعَبْدَ جَنَى خَطَأً، وَأَنْكَرَ الْعَبْدُ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِنْكَارِهِ. وَلَوْ أَقَرَّتِ الْأَمَةُ
стр. 3630
بِالْقَبْضِ، وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا، لِأَنَّ الْقَبْضَ إِلَيْهَا بِحُكْمِ النِّكَاحِ، أَوْ صَرِيحِ الْإِذْنِ، وَقِيلَ: قَوْلُ السَّيِّدِ، لِأَنَّهُ الْمَالِكُ.
فَصْلٌ
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ثُبُوتُ الْفَسْخِ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ، فَلَهَا الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْكَنِ لِطَلَبِ النَّفَقَةِ إِنِ احْتَاجَتْ إِلَيْهِ لِتَحْصِيلِهَا، وَكَذَا لَوْ أَمْكَنَهَا أَنْ تُنْفِقَ مِنْ مَالِهَا فِي الْمَسْكَنِ، أَوْ أَنْ تَكْسِبَ بِغَزْلٍ وَنَحْوِهِ فِي الْمَسْكَنِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهَا مَنْعُهُ مِنَ الْوَطْءِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ كَوْنَهَا لَمْ تُمَكِّنْ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ الْأَكْثَرُونَ.
فَصْلٌ
إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ لَمْ يُنْفِقْ فِيهَا عَلَى الزَّوْجَةِ، فَاخْتَلَفَا، فَقَالَتْ: كُنْتَ مُوسِرًا فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَقَالَ: كُنْتُ مُعْسِرًا، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ.
فَصْلٌ
قَدْ سَبَقَ أَنَّ نَفَقَةَ زَوْجَةِ الْعَبْدِ مِنْ أَيْنَ تَكُونُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ، وَلَا كَسُوبًا فَقَدْ حَكَيْنَا قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ الْمَهْرَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيَكُونُ بِالْإِذْنِ فِي النِّكَاحِ ضَامِنًا. قَالَ الْخُضَرِيُّ وَغَيْرُهُ:
стр. 3631
وَذَلِكَ الْقَوْلُ يَجِيءُ فِي النَّفَقَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهَا أَمَسَّ. فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، فَعَجَزَ بِزَمَانَةٍ وَغَيْرِهَا، فَعَلَى الْقَدِيمِ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ، وَعَلَى الْأَظْهَرِ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ، أَوْ تَصِيرَ نَفَقَتُهَا دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ.
فَصْلٌ
إِذَا عَجَزَ عَنْ نَفَقَةِ أُمِّ وَلَدِهِ، فَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي زَيْدٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى عِتْقِهَا، أَوْ تَزْوِيجِهَا إِنْ وُجِدَ رَاغِبٌ فِيهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ بَلْ يُخَلِّيهَا لِتَكْسِبَ وَتُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهَا.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ نَفَقَتُهَا بِالْكَسْبِ، فَهِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الضَّمَانِ، ضَمَانُ النَّفَقَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 3632
الْبَابُ الرَّابِعُ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ
سَبَقَ أَنَّ أَحَدَ أَسْبَابِ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَالْمُؤَنِ: الْقَرَابَةُ، وَفِيهِ طَرَفَانِ:
الْأَوَّلُ: فِي مَنَاطِ هَذِهِ النَّفَقَةِ، وَشَرَائِطِ وُجُوبِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: إِنَّمَا تَجِبُ النَّفَقَةُ بِقَرَابَةِ الْبَعْضِيَّةِ، فَتَجِبُ لِلْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ وَبِالْعَكْسِ، وَسَوَاءٌ فِيهِ الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْا، وَالْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ وَالْأَحْفَادُ وَإِنْ نَزَلُوا، الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَالْوَارِثُ وَغَيْرُهُ وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ كَافِرٍ، وَفِي وَجْهٍ: لَا تَجِبُ عَلَى الْأُمِّ نَفَقَةٌ بِحَالٍ، حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ، وَلَا يَلْحَقُ بِالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ سَائِرُ الْأَقَارِبِ كَالْأَخِ وَالْأُخْتِ، وَالْعَمِّ وَالْخَالِ، وَالْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَغَيْرِهِمْ.
الثَّانِيَةُ: لَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ إِلَّا عَلَى مُوسِرٍ، وَهُوَ مَنْ فَضِلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مَا يَصْرِفُهُ إِلَى الْقَرِيبِ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ يَسَارُ الْوَالِدِ فِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَقْرَضُ عَلَيْهِ، وَيُؤْمَرُ بِقَضَائِهِ إِذَا أَيْسَرَ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَيُبَاعُ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ مَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ مِنَ الْعَقَارِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ لَا بَدَلَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الدَّيْنَ، وَفِي كَيْفِيَّةِ بَيْعِ الْعَقَارِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، أَحَدُهُمَا: يُبَاعُ كُلَّ
стр. 3633
يَوْمٍ جُزْءٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَسْبِقُ، فَيَقْتَرِضُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَجْمَعَ مَا يَسْهُلُ بَيْعُ الْعَقَارِ لَهُ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَالٌ، لَكِنَّهُ كَانَ ذَا كَسْبٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْسَبَ مَا يَفْضُلُ عَنْهُ، فَهَلْ يُكَلَّفُ الْكَسْبَ لِنَفَقَةِ الْقَرِيبِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَحَدُهُمَا: لَا كَمَا لَا يُكَلَّفُ الْكَسْبَ لِقَضَاءِ الدُّيُونِ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِحْيَاءُ نَفْسِهِ بِالْكَسْبِ فَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ، وَيُخَالِفُ الدَّيْنَ، فَإِنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ وَالنَّفَقَةُ يَسِيرَةٌ. وَالثَّالِثُ: يُكَلَّفُ لِلْوَلَدِ دُونَ الْوَالِدِ.
فَرْعٌ
يَجِبُ الِاكْتِسَابُ لِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ فِيهِ وَجْهَيْنِ لِالْتِحَاقِهَا بِالدُّيُونِ.
الرَّابِعَةُ: مَنْ لَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ لِنَفَقَتِهِ، أَوْ هُوَ مُكْتَسِبٌ لَا تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلَى الْقَرِيبِ، سَوَاءٌ كَانَ مَجْنُونًا صَغِيرًا زَمَنًا أَوْ بِخِلَافِهِ، وَمَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا هُوَ مُكْتَسِبٌ، يُنْظَرُ، إِنْ كَانَ بِهِ نَقْصٌ فِي الْحُكْمِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، أَوْ فِي الْخِلْقَةِ كَالزَّمِنِ وَالْمَرِيضِ وَالْأَعْمَى، لَزِمَ الْقَرِيبَ نَفَقَتُهُ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ وَالْمَجْنُونُ حَدًّا يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمَ حِرْفَةً، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى الْكَسْبِ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَيْهِ، وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ، لَكِنْ لَوْ هَرَبَ عَنِ الْحِرْفَةِ، أَوْ تَرَكَ الِاكْتِسَابَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، فَعَلَى الْقَرِيبِ نَفَقَتُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ لَا تَلِيقُ بِهِ الْحِرْفَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ نَقْصٌ فِي الْحُكْمِ وَلَا فِي الْخِلْقَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ لَا يَكْتَسِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَسْبِ، فَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُرُوعِ لَمْ تَجِبْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، سَوَاءٌ فِيهِ الِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ وَجَبَتْ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِمُصَاحَبَتِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ مِنَ الْمَعْرُوفِ تَكْلِيفُهُمُ الْكَسْبَ مَعَ كِبَرِ السِّنِّ، وَكَمَا يَجِبُ الْإِعْفَافُ،
стр. 3634
وَيَمْتَنِعُ الْقِصَاصُ، وَلِحُرْمَةِ الْوَالِدَيْنِ. هَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اكْتِسَابٍ وَاكْتِسَابٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ أَوَّلًا فِي اشْتِرَاطِ الْعَجْزِ عَنْ كَسْبٍ يَلِيقُ بِهِ، ثُمَّ قَالُوا: إِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فَفِي اشْتِرَاطِ الْعَجْزِ عَنْ كُلِّ كَسْبٍ يَلِيقُ بِهِ بِالزَّمَانَةِ، وَجْهَانِ، وَرَأَوُا الْأَعْدَلَ الْأَقْرَبَ الِاكْتِفَاءِ بِعَجْزِهِ عَمَّا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الْأَكْسَابِ، وَأَوْجَبُوا النَّفَقَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكَنْسِ وَحَمْلِ الْقَاذُورَاتِ، وَسَائِرِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، وَهَذَا حَسَنٌ.
الْخَامِسَةُ: نَفَقَةُ الْقَرِيبِ لَا تَتَقَدَّرُ، بَلْ هِيَ قَدْرُ الْكِفَايَةِ، وَعَنِ ابْنِ خَيْرَانِ أَنَّهَا تَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِتَزْجِيَةِ الْوَقْتِ وَدَفْعِ حَاجَتِهِ النَّاجِزَةِ، فَتُعْتَبَرُ الْحَاجَةُ وَقَدْرُهَا، حَتَّى لَوِ اسْتَغْنَى فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِضِيَافَةٍ وَغَيْرِهَا، لَمْ تَجِبْ، وَتُعْتَبَرْ حَالُهُ فِي سِنِّهِ وَزَهَادَتِهِ وَرَغْبَتِهِ، فَالرَّضِيعُ تَكْفِي حَاجَتَهُ بِمُؤْنَةِ الْإِرْضَاعِ فِي الْحَوْلَيْنِ، وَالْفَطِيمُ وَالشَّيْخُ مَا يَلِيقُ بِهِمَا، وَلَا يُشْتَرَطُ انْتِهَاءُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ، وَلَا يَكْفِي مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ، بَلْ يُعْطِيهِ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَيَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِنَ التَّرَدُّدِ وَالتَّصَرُّفِ، وَيَجِبُ الْأُدْمُ كَمَا يَجِبُ الْقُوتُ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» نِزَاعٌ فِي الْأُدْمِ، وَتَجِبُ الْكِسْوَةُ وَالسُّكْنَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ، وَإِذَا احْتَاجَ إِلَى الْخِدْمَةِ، وَجَبَتْ مُؤْنَةُ الْخَادِمِ.
السَّادِسَةُ: تَسْقُطُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ تَعَدَّى بِالِامْتِنَاعِ مِنَ الْإِنْفَاقِ أَمْ لَا، وَفِي الصَّغِيرِ وَجْهٌ، أَنَّهَا تَصِيرُ دَيْنًا تَبَعًا لِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَجِبْ فِيهَا التَّمْلِيكُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الِامْتِنَاعُ، وَلَوْ سَلَّمَ النَّفَقَةَ إِلَى الْقَرِيبِ، فَتَلَفَتْ فِي يَدِهِ أَوْ أَتْلَفَهَا، وَجَبَ الْإِبْدَالُ، لَكِنْ إِذَا أَتْلَفَهَا، لَزِمَهُ ضَمَانُهَا إِذَا أَيْسَرَ، وَيُسْتَثْنَى مَا إِذَا أَقْرَضَهَا الْقَاضِي، أَوْ أَذِنَ فِي الِاقْتِرَاضِ لِغَيْبَةٍ أَوِ امْتِنَاعٍ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ.
стр. 3635
السَّابِعَةُ: قَدْ سَبَقَ فِي النِّكَاحِ أَنَّ الِابْنَ يَلْزَمُهُ إِعْفَافُ أَبِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَأَنَّهُ إِذَا أَعَفَّهُ بِزَوْجَةٍ، أَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَةً، لَزِمَهُ نَفَقَتُهَا وَمُؤْنَتُهَا حَيْثُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْأَبِ، فَلَوْ كَانَ لِلْأَبِ أُمُّ وَلَدٍ لَزِمَ الْوَلَدَ أَيْضًا نَفَقَتُهَا، وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرَ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا نَفَقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيَدْفَعُ تِلْكَ النَّفَقَةَ إِلَى الْأَبِ وَهُوَ يُوَزِّعُهَا عَلَيْهِمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ الْفَسْخُ لِفَوَاتِ بَعْضِ حَقِّهَا، فَإِنْ فَسَخَتْ وَاحِدَةٌ تَمَّتِ النَّفَقَةُ لِلْأُخْرَى، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ تَحْتَ الْأَبِ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ، لَمْ يَلْزَمِ الْوَلَدُ لَهُمَا شَيْئًا، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّةَ لَا تَتَعَيَّنُ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَلَوْ كَانَ لِلْأَبِ أَوْلَادٌ فَوَجْهَانِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَلْزَمُ الِابْنَ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُمْ عَلَى الْأَبِ، فَيَتَحَمَّلُهَا الِابْنُ عَنْهُ كَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَيُخَالِفُ الزَّوْجَةَ، فَإِنَّهَا إِنْ لَمْ يُنْفِقْ فَسَخَتْ، فَيَتَضَرَّرُ الْأَبُ، وَلِأَنَّ نَفَقَتَهَا تَجِبُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ الِابْنُ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ، وَلَهُ زَوْجَةٌ، فَوَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُ الْأَبَ نَفَقَتُهَا وَنَفَقَةُ كُلِّ قَرِيبٍ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الْكِفَايَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَأَصَحُّهُمَا: لَا تَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْأَبَ إِعْفَافُ الِابْنِ.
فَرْعٌ
كَمَا تَجِبُ عَلَى الِابْنِ نَفَقَةُ زَوْجَةِ الْأَبِ، تَجِبُ عَلَيْهِ كِسْوَتُهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَا يَلْزَمُ الْأُدْمُ، وَلَا نَفَقَةُ الْخَادِمِ لِأَنَّ فَقْدَهُمَا لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ، لَكِنْ قِيَاسُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِابْنَ يَتَحَمَّلُ مَا لَزِمَ الْأَبَ وُجُوبُهُمَا لِأَنَّهُمَا وَاجِبَانِ عَلَى الْأَبِ مَعَ إِعْسَارِهِ.
стр. 3636
الثَّامِنَةُ: إِذَا امْتَنَعَ الْأَبُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ الصَّغِيرِ، أَوْ كَانَ غَائِبًا، أَذِنَ الْقَاضِي لِأُمِّهِ فِي الْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ، أَوْ الِاسْتِقْرَاضِ عَلَيْهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ بِشَرْطِ أَهْلِيَّتِهَا لِذَلِكَ، وَهَلْ تَسْتَقِلُّ بِالْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ لِقِصَّةِ هِنْدٍ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّهَا لَا تَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِ، وَتُحْمَلُ قِصَّةُ هِنْدٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً، أَوْ إِذْنًا لَهَا لَا إِفْتَاءً وَحُكْمًا عَامًّا، وَفِي اسْتِقْلَالِهَا بِالِاقْتِرَاضِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ تَجِدْ لَهُ مَالًا، وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْمَنْعِ لِخُرُوجِهِ عَنْ صُورَةِ الْحَدِيثِ، وَمُخَالَفَتِهِ الْقِيَاسَ، وَعَنِ الْقَفَّالِ تَجْوِيزُهُ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا اسْتِقْلَالَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ، وَأَشْهَدَتْ، لَزِمَهُ قَضَاءُ مَا اقْتَرَضَتْهُ، وَإِنْ لَمْ تُشْهِدْ، فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَى الطِّفْلِ الْمُوسِرِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذَنْ الْأَبِ وَالْقَاضِي، فَوَجْهَانِ، وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَدَّى مَصْلَحَةَ الطِّفْلِ، وَلَا تَتَصَرَّفُ فِي غَيْرِ مَالِهِ. وَلَوْ أَنْفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهَا بِقَصْدِ الرُّجُوعِ وَأَشْهَدَتْ، رَجَعَتْ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
التَّاسِعَةُ: إِذَا امْتَنَعَ الْقَرِيبُ مِنْ نَفَقَةِ قَرِيبِهِ، فَلِلْمُسْتَحِقِّ أَخَذُ الْوَاجِبِ مِنْ مَالِهِ إِنْ وَجَدَ جِنْسَهُ، وَفِي غَيْرِ الْجِنْسِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي الدَّعَاوَى - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا وَلَا مَالَ لَهُ هُنَاكَ، رَاجَعَ الْقَاضِي لِيَقْتَرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ وَاقْتَرَضَ، نُظِرَ، هَلْ أَشْهَدَ أَمْ لَا؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي اقْتِرَاضِ الْأُمِّ لِلطِّفْلِ.
الْعَاشِرَةُ: إِذَا كَانَ الْأَبُ الَّذِي عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ غَائِبًا، وَالْجَدُّ حَاضِرٌ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِالْإِنْفَاقِ فَذَاكَ، وَإِلَّا فَبِقَرْضِ الْقَاضِي، أَوْ يَأْذَنُ لِلْجَدِّ فِي الْإِنْفَاقِ، لِيَرْجِعَ عَلَى الْأَبِ، وَفِي «الْبَحْرِ» وَجْهٌ ضَعِيفٌ، أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ. وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْجَدُّ بِالِاقْتِرَاضِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ مُرَاجَعَةُ الْقَاضِي فَلَيْسَ عَلَى الْأَبِ قَضَاؤُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا فَيُنْظَرُ فِي الْإِشْهَادِ وَعَدَمِهِ.
стр. 3637
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِذَا وَجَبَتْ نَفَقَةُ الْأَبِ أَوِ الْجَدِّ عَلَى الصَّغِيرِ أَوِ الْمَجْنُونِ، أَخَذَاهَا مِنْ مَالِهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، وَلَهُمَا أَنْ يُؤَاجِرَاهُ لِمَا يُطِيقُهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَيَأْخُذَا مِنْ أُجْرَتِهِ نَفَقَةَ أَنْفُسِهِمَا، وَالْأُمُّ لَا تَأْخُذُ إِلَّا بِإِذْنِ الْحَاكِمِ، وَكَذَا الِابْنُ إِذَا وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأَبِ الْمَجْنُونِ، فَلَوْ كَانَ يَصْلُحُ لِصَنْعَةٍ، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يُوَلِّيَ ابْنَهُ إِجَارَتَهُ، وَأَخْذَ نَفَقَةِ نَفْسِهِ مِنْ أُجْرَتِهِ.
فَصْلٌ
يَجِبُ عَلَى الْأُمِّ أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ، وَلَهَا أَنْ تَأْخُذَ عَلَيْهِ الْأُجْرَةَ إِنْ كَانَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةٌ، وَفِي وَجْهٍ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا أُجْرَةَ لَهَا، لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، كَمَا يَلْزَمُ بَذْلُ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ بِبَدَلِهِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ سَقْيِ اللِّبَأِ مُرْضِعَةٌ غَيْرُهَا، لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يُوجَدْ إِلَّا أَجْنَبِيَّةٌ، لَزِمَهَا الْإِرْضَاعُ، وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهَا وَامْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنَ الْإِرْضَاعِ، لَمْ تُجْبَرْ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي نِكَاحِ الْأَبِ أَمْ بَائِنَةً، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّنْ يُرْضِعُ مِثْلُهَا الْوَلَدَ فِي الْعَادَةِ أَمْ لَا.
وَإِنْ رَغِبَتِ الْأُمُّ فِي الْإِرْضَاعِ، فَلَهَا حَالَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِي نِكَاحِ أَبِي الرَّضِيعِ، فَهَلْ لَهُ مَنْعُهَا مِنْ إِرْضَاعِهِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ فِيهِ إِضْرَارًا بِالْوَلَدِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا فِي أَوْقَاتِ الْإِرْضَاعِ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ الْمَنْعُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِي «الْحِلْيَةِ» وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ فِي «الْمُجَرَّدِ» وَالْمَحَامِلِيُّ وَالْفُورَانِيُّ وَصَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» وَالْجُرْجَانِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ، أَوْ تَوَافَقَا عَلَى الْإِرْضَاعِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَبَرِّعَةً فَذَاكَ، وَهَلْ تُزَادُ نَفَقَتُهَا لِلْإِرْضَاعِ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا قَالَهُ
стр. 3638
أَبُو إِسْحَاقَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ: نَعَمْ، وَيَجْتَهِدُ الْحَاكِمُ فِي قَدْرِ الزِّيَادَةِ، لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ فِي الْإِرْضَاعِ إِلَى زِيَادَةِ الْغِذَاءِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّ قَدْرَ النَّفَقَةِ لَا يَخْتَلِفُ بِحَالِ الْمَرْأَةِ وَحَاجَتِهَا، وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةً، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ هَلْ لَهُ اسْتِئْجَارُ زَوْجَتِهِ لِإِرْضَاعِ وَلَدِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْإِجَارَةِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: لَا يَجُوزُ، وَأَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، فَعَلَى هَذَا حُكْمُهَا إِذَا طَلَبَتِ الْأُجْرَةَ حُكْمُ الْبَائِنِ إِذَا طَلَبَتِ الْإِرْضَاعَ بِأُجْرَةٍ، وَسَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِذَا أَرْضَعَتْ بِالْأُجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ الْإِرْضَاعُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ وَلَا يُنْقِصُهُ فَلَهَا مَعَ الْأُجْرَةِ النَّفَقَةُ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ أَوْ يُنْقِصُ فَلَا نَفَقَةَ لَهَا، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ سَافَرَتْ لِحَاجَتِهَا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ، وَأَرْضَعَتْ عَلَى طَمَعِ الْأُجْرَةِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهَا أُجْرَةَ الْمِثْلِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ خَيْرَانِ: تَسْتَحِقُّ، لِأَنَّهَا لَمْ تَبْذُلْ مَنْفَعَتَهَا مَجَّانًا، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا تَسْتَحِقُّ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُفَارِقَةً، فَإِنْ تَبَرَّعَتْ بِالْإِرْضَاعِ، لَمْ يَكُنْ لِلْأَبِ الْمَنْعُ، وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةً، نُظِرَ، إِنْ طَلَبَتْ أَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِجَابَةُ، وَكَانَ لَهُ اسْتِرْضَاعُ أَجْنَبِيَّةٍ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَإِنْ طَلَبَتْ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، فَهِيَ أَوْلَى مِنَ الْأَجْنَبِيَّةِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ وُجِدَ أَجْنَبِيَّةٌ تَتَبَرَّعُ، أَوْ تَرْضَى بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَهَلْ لِلْأَبِ انْتِزَاعُ الْوَلَدِ مِنْهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أَشْهَرُهُمَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: لَهُ الِانْتِزَاعُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَهُ الِانْتِزَاعُ قَطْعًا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَأَبُو إِسْحَاقَ، وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْإِصْطَخْرِيُّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْأَبُ: أَجِدُ مُتَبَرِّعَةً، وَأَنْكَرَتْ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ أُجْرَةً، الْأَصْلُ عَدَمُهَا، وَلِأَنَّهُ تَشُقُّ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْأُجْرَةَ فَهِيَ فِي مَالِ الطِّفْلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى الْأَبِ كَالنَّفَقَةِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي اجْتِمَاعِ أَقَارِبِ الْمُحْتَاجِ وَالْأَقَارِبِ الْمُحْتَاجِينَ، وَفِيهِ أَرْبَعَةُ فُصُولٍ:
стр. 3639
الْأَوَّلُ: فِي اجْتِمَاعِ الْفُرُوعِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُمُ النَّفَقَةُ لِلْأَصْلِ الْمُحْتَاجِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنَ الْأَوْلَادِ، نُظِرَ؛ إِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ وَالْوِرَاثَةِ أَوْ عَدَمِهَا، وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، سَوَاءٌ اسْتَوَيَا فِي الْيَسَارِ، أَمْ تَفَاوَتَا، وَسَوَاءٌ أَيْسَرَا بِالْمَالِ أَوِ الْكَسْبِ، أَوْ أَحَدُهُمَا بِمَالٍ، وَالْآخِرُ بِكَسْبٍ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا، أُخِذَ قِسْطُهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اقْتُرِضَ عَلَيْهِ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَفِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: النَّظَرُ إِلَى الْقُرْبِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ وَارِثًا أَوْ غَيْرَهُ، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْقُرْبِ، فَفِي التَّقْدِيمِ بِالْإِرْثِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قَدَّمْنَا بِالْإِرْثِ، فَكَانَا وَارِثَيْنِ، فَهَلْ يَسْتَوِيَانِ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ، أَمْ تَتَوَزَّعُ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ: الطَّرِيقُ الثَّانِي: النَّظَرُ إِلَى الْإِرْثِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا وَارِثًا دُونَ الْآخَرِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَارِثِ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ أَقْرَبَ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِرْثِ، قُدِّمَ الْأَقْرَبُ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْقُرْبِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ هَلْ تَسْتَوِي أَمْ تُوَزَّعُ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَإِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ الطَّرِيقَيْنِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ الذَّكَرُ بِالْوُجُوبِ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ وَجْهَانِ: وَأَصَحُّ الطَّرِيقَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمْ: الْأَوَّلُ، دُونَ اعْتِبَارِ الْإِرْثِ وَالذُّكُورَةِ، وَاخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ يُخَالِفُهُمْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا نَذْكُرُهُ فِي الْأَمْثِلَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -.
أَمْثِلَةٌ: ابْنٌ وَبِنْتٌ، النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، أَوْ أَصْلَ الْإِرْثِ، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الذُّكُورَةَ، فَعَلَى الِابْنِ فَقَطْ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ.
بِنْتٌ وَابْنُ ابْنٍ، هِيَ عَلَى الْبِنْتِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، وَعَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، وَعَلَى ابْنِ الِابْنِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الذُّكُورَةَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْعِرَاقِيِّينَ.
стр. 3640
بِنْتٌ وَبِنْتُ ابْنٍ، هِيَ عَلَى الْبِنْتِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، وَعَلَيْهِمَا إِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ.
بِنْتٌ وَابْنُ بِنْتٍ، هِيَ عَلَى الْبِنْتِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، أَوِ الْإِرْثَ، وَعَلَى ابْنِ الْبِنْتِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الذُّكُورَةَ.
ابْنُ ابْنٍ وَابْنُ بِنْتٍ، عَلَيْهِمَا إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالْقُرْبِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ رَجَّحْنَا الْإِرْثَ.
بِنْتُ ابْنٍ وَابْنُ بِنْتٍ، هِيَ عَلَى بِنْتِ الِابْنِ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، وَعَلَى ابْنِ الْبِنْتِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الذُّكُورَةَ، وَعَلَيْهِمَا إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ.
بِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ ابْنِ ابْنٍ، هِيَ عَلَى الْأُولَى إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ.
بِنْتُ بِنْتٍ وَبِنْتُ ابْنٍ، عَلَيْهِمَا إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالِاسْتِوَاءِ فِي الدَّرَجَةِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ إِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ.
ابْنٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى، إِنْ قُلْنَا فِي اجْتِمَاعِ الِابْنِ وَالْبِنْتِ، تَكُونُ عَلَيْهِمَا، فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ قُلْنَا: تَكُونُ عَلَى الِابْنِ، فَهُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الِابْنِ نِصْفُهَا، لِأَنَّهُ الْمُسْتَيْقِنُ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَقْتَرِضُهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا، فَالرُّجُوعُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَعَلَى الِابْنِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُؤْخَذُ الْجَمِيعُ مِنْ الِابْنِ، فَإِنْ بَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا، رَجَعَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ.
بِنْتٌ وَوَلَدٌ خُنْثَى، إِنْ قُلْنَا فِي اجْتِمَاعِ الِابْنِ وَالْبِنْتِ: النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا، فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ قُلْنَا: عَلَى الِابْنِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هِيَ عَلَى الْخُنْثَى، فَإِنْ بَانَتْ أُنُوثَتُهُ، رَجَعَتْ عَلَى أُخْتِهَا بِالنِّصْفِ. وَالثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا النِّصْفُ، لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَيُؤْخَذُ النِّصْفُ الْآخَرُ مِنَ الْبِنْتِ، فَإِنْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ، رَجَعَتْ عَلَيْهِ.
стр. 3641
قُلْتُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ وَجْهُ الِاقْتِرَاضِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْبِنْتِ شَيْءٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: إِذَا اجْتَمَعَ لِلْمُحْتَاجِ قَرِيبَانِ مِنْ أُصُولِهِ، نُظِرَ؛ إِنِ اجْتَمَعَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، فَأَوْجُهٌ: الصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْأَبِ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا كَالْإِرْثِ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْأُمُّ وَوَاحِدٌ مِنْ آبَاءِ الْأَبِ، فَأَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْجَدِّ، وَالثَّانِي: عَلَى الْأُمِّ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا، وَالرَّابِعُ: عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنَ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُدْلِي بِالْآخَرِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ، وَإِلَّا فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ أَرْجَحُهَا: اعْتِبَارُ الْقُرْبِ، وَالثَّانِي: الْإِرْثُ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَسْعُودِيِّ: الِاعْتِبَارُ بِوِلَايَةِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةٌ، وَأَحَدُهُمَا يُدْلِي بِالْوَلِيِّ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِدْلَاءً بِالْوَلِيِّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، اعْتُبِرَ فِيهِ الْقُرْبُ، وَالْمُرَادُ بِالْوِلَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْجِهَةُ الَّتِي تُفِيدُهَا، لَا نَفْسُ الْوِلَايَةِ الَّتِي قَدْ يَمْنَعُ مِنْهَا مَانِعٌ مَعَ وُجُودِ الْجِهَةِ. وَالرَّابِعُ: الِاعْتِبَارُ بِالذُّكُورَةِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الذَّكَرِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدْلِي بِذَكَرٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا، اعْتُبِرَ الْقُرْبُ. وَالْخَامِسُ: يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ وَالذُّكُورَةُ مَعًا، فَإِنِ اخْتَصَّ بِهِمَا أَحَدُهُمَا، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَا فِيهِمَا، أَوْ لَمْ يُوجَدَا، أَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ فِي الْآخَرِ، اعْتُبِرَ الْقُرْبُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُجْبَرُ فَقْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْآخَرِ.
الْأَمْثِلَةُ: أَبُو الْأَبِ، وَأَبُو الْأُمِّ، إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالْقُرْبِ، سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، أَوِ الْوِلَايَةَ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أَبِي الْأَبِ.
أَمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمٍّ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ أَوِ الْإِرْثَ، سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِدْلَاءَ بِالْوَلِيِّ أَوْ بِذَكَرٍ، فَهِيَ عَلَى أُمِّ الْأَبِ.
стр. 3642
أَبُو الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، سَوَّيْنَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، أَوِ الْإِدْلَاءَ بِالْوَلِيِّ فَهِيَ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْخَامِسِ: يُجْبَرُ فُقْدَانُ الْإِرْثِ فِيهِ بِالذُّكُورَةِ، وَفُقْدَانُ الذُّكُورَةِ فِيهَا بِالْوِرَاثَةِ، فَيَسْتَوِيَانِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: إِذَا اجْتَمَعَ لِلْمُحْتَاجِ وَاحِدٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَآخَرُ مَنْ فُرُوعِهِ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فِي وَجْهٍ، وَالْوَارِثُ فِي وَجْهٍ، وَالْوَلِيُّ فِي وَجْهٍ، وَالذَّكَرُ فِي وَجْهٍ، وَيَسْتَوِي الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي وَجْهٍ، وَإِذَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى وَارِثَيْنِ، جَاءَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ التَّوْزِيعَ بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ فَلَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَابْنٌ، فَهَلِ النَّفَقَةُ عَلَى الِابْنِ أَمِ الْأَبِ أَمْ عَلَيْهِمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ لِأَنَّ عُصُوبَتَهُ أَقْوَى، وَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْقِيَامِ بِشَأْنِ الْوَالِدِ، وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي أَبٍ وَبِنْتٍ، وَفِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ، وَتَجْرِي أَيْضًا فِي أُمٍّ وَبِنْتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ بِأَنَّهَا عَلَى الْبِنْتِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي أُمٍّ وَابْنٍ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِتَقْدِيمِ الِابْنِ، لِضَعْفِ الْإِنَاثِ عَنْ تَحَمُّلِ الْمُؤَنِ، وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ فِي جَدٍّ وَابْنٍ، وَفِي أَبٍ وَابْنِ ابْنٍ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأُصُولِ مَا دَامَ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنَ الْفُرُوعِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي ازْدِحَامِ الْآخِذِينَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُحْتَاجُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، نُظِرَ؛ إِنْ وَفَّى مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِمْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ، قَرِيبِهِمْ وَبِعِيدِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ إِلَّا نَفَقَةُ وَاحِدٍ، قَدَّمَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، هَذَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَا بِالْإِعْسَارِ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عِوَضًا، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ بِأَنَّ نَفَقَتَهَا إِذَا
стр. 3643
كَانَتْ كَذَلِكَ، كَانَتْ كَالدُّيُونِ، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ تُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ، وَخَرَّجَ لِذَلِكَ احْتِمَالًا فِي تَقْدِيمِ الْقَرِيبِ، وَأَيَّدَهُ بِالْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَعِي دِينَارٌ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ» فَقَالَ: مَعِي آخَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ» ، فَقَالَ: مَعِي آخَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ» . فَقَدَّمَ نَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَهْلِ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ الطِّفْلِ تُقَدَّمُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ، فَتَعُودُ فِيهِمُ الْأَوْجُهُ فِي أَنَّهُ يَصْرِفُ الْفَاضِلَ إِلَى الْأَقْرَبِ، أَوِ الْوَارِثِ، أَوِ الْوَلِيِّ، وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْقَائِلِ هُنَاكَ أَنَّهَا عَلَى الذَّكَرِ يُصْرَفُ الْفَاضِلُ هُنَا إِلَى الْأُنْثَى لِعَجْزِهَا، وَيُسَوَّى فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى وَارِثِينَ، فَهَلْ يُوَزَّعُ بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ بِالسَّوِيَّةِ، وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ:
ابْنَانِ أَوْ بِنْتَانِ، يَصْرِفُ الْمَوْجُودَ إِلَيْهِمَا، فَإِنِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ عَجْزٍ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا، أَوْ رَضِيعًا، قُدِّمَ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ.
ابْنٌ وَبِنْتٌ، الصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالِابْنَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْبِنْتُ لِضَعْفِهَا. ابْنُ بِنْتٍ، وَبِنْتُ ابْنٍ، ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ تُقَدَّمُ لِضَعْفِهَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُجْعَلَا كَالِابْنِ وَالْبِنْتِ.
أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، قِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ الْأَبِ وَالِابْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدَ زَمَنًا، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُقَدَّمُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ جَدَّانِ فِي دَرَجَةٍ، وَأَحَدُهُمَا عَصَبَةٌ، كَأَبِي الْأَبِ مَعَ أَبِي الْأُمِّ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَتِ الدَّرَجَةُ، وَاسْتَوَيَا فِي الْعُصُوبَةِ
стр. 3644
أَوْ عَدَمِهَا، فَالْأَقْرَبُ مُقَدَّمٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ عَصَبَةً، تَعَارَضَ الْقُرْبُ وَالْعُصُوبَةُ، فَيَسْتَوِيَانِ.
أَبٌ وَابْنٌ، إِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، قُدِّمَ، وَإِلَّا فَهَلْ يُقَدَّمُ الِابْنُ أَمِ الْأَبُ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ، وَتَجْرِي الْأَوْجُهُ فِي الِابْنِ وَالْأُمِّ، وَفِي الْأَبِ وَالْبِنْتِ، وَفِي الْجَدِّ وَابْنِ الِابْنِ.
أَبٌ وَأُمٌّ، تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْأَبُ، وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ.
جَدٌّ وَابْنٌ، قِيلَ بِطَرْدِ الْأَوْجُهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الِابْنُ قَطْعًا، وَعَنْ - الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ إِذَا اجْتَمَعَ جَدَّتَانِ لِإِحْدَاهُمَا وِلَادَتَانِ، وَلِلْأُخْرَى وِلَادَةٌ، فَإِنْ كَانَتَا فِي دَرَجَةٍ، فَذَاتُ الْوِلَادَتَيْنِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ، فَالْأُخْرَى أَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتْ بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ أَبُوهَا ابْنُ ابْنِ بِنْتِهِ وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ لَيْسَ أَبُوهَا مِنْ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ كَانَتَا فِي دَرَجَةٍ، فَصَاحِبَةُ الْقَرَابَتَيْنِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَبْعَدَ، فَالْأُخْرَى أَوْلَى.
فَرْعٌ
مَتَى اسْتَوَى اثْنَانِ، وُزِّعَ الْمَوْجُودُ عَلَيْهِمَا، فَلَوْ كَثَرُوا بِحَيْثُ لَوْ وُزِّعَ، لَمْ يَسُدَّ قِسْطُ كُلِّ وَاحِدٍ مَسَدًّا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
فَرْعٌ
إِذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ عَلَى أَقْرَبِ الْقَرِيبَيْنِ، فَمَاتَ أَوْ أَعْسَرَ، وَجَبَتْ عَلَى الْأَبْعَدِ، فَإِنْ أَيْسَرَ الْأَقْرَبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَرْجِعِ الْأَبْعَدُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ.
ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، وَلَهُ أَبٌ مُوسِرٌ، لَزِمَ الْأَبَ نَفَقَةُ الْآخَرِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْإِنْفَاقِ بِالشَّرِكَةِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا،
стр. 3645
عُمِلَ بِقَوْلِ مَنْ يَدْعُو إِلَى الِاشْتِرَاكِ. وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ ابْنٌ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، وَلِلِابْنِ ابْنٌ مُوسِرٌ، فَعَلَى ابْنِ الِابْنِ بَاقِي نَفَقَتُهُمَا، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهِمَا بِالشَّرِكَةِ، أَوْ يُخَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا، رَجَعْنَا إِلَى اخْتِيَارِ الْأَبَوَيْنِ إِنِ اسْتَوَتْ نَفَقَتُهُمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ، اخْتَصَّ أَكْثَرُهُمَا نَفَقَةً بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ يَسَارًا، وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا، بَلْ يَنْبَغِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُقَالَ: تُخْتَصُّ الْأُمُّ بِالِابْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَإِذَا اخْتَصَّتْ بِهِ، تَعَيَّنَ الْأَبُ لِإِنْفَاقِ ابْنِ الِابْنِ.
فَصْلٌ
لَا تَلْزَمُ الْعَبْدَ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْأُمُّ حُرَّةً، فَالْوَلَدُ حُرٌّ وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، فَهُوَ رَقِيقُ نَفَقَتِهِ عَلَى مَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَأَبَوَاهُ رَقِيقَانِ، فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُرُوعِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ مُكَاتَبَةً، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ صِيَانَةً لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ لِسَيِّدِهِ أَيْضًا، جَازَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ، لِأَنَّهُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مُكَاتَبَةَ السَّيِّدِ، إِنْ جَعَلْنَا الْوَلَدَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ تُعْتَقَ الْمُكَاتَبَةُ وَالْوَلَدُ، وَيَعْجَزُ الْمُكَاتَبُ، فَيَكُونُ قَدْ فَوَّتَ مَالَ سَيِّدِهِ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقٌ بِتَجْوِيزِ الْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوِ اسْتَوْلَدَ الْمُكَاتَبُ جَارِيَةَ نَفْسِهِ، أَوْ كُنَّا لَا نُجَوِّزُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَتَكَاتَبُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ، وَيُنْفِقُ الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْسَابِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ عُتِقَ، فَقَدْ أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى وَلَدِهِ، وَإِنْ رَقَّ، رَقَّ الْوَلَدُ أَيْضًا، فَيَكُونُ قَدْ أَنْفَقَ مَالَ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ.
следующие страницы →