← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

قُلْتُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ وَجْهُ الِاقْتِرَاضِ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنَ الْبِنْتِ شَيْءٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَصْلُ الثَّانِي: إِذَا اجْتَمَعَ لِلْمُحْتَاجِ قَرِيبَانِ مِنْ أُصُولِهِ، نُظِرَ؛ إِنِ اجْتَمَعَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأَبِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، فَأَوْجُهٌ: الصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْأَبِ، وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا كَالْإِرْثِ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنِ اجْتَمَعَتِ الْأُمُّ وَوَاحِدٌ مِنْ آبَاءِ الْأَبِ، فَأَوْجُهٌ، الصَّحِيحُ: أَنَّهَا عَلَى الْجَدِّ، وَالثَّانِي: عَلَى الْأُمِّ، وَالثَّالِثُ: عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا، وَالرَّابِعُ: عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَإِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ مِنَ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يُدْلِي بِالْآخَرِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْقَرِيبِ، وَإِلَّا فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ أَرْجَحُهَا: اعْتِبَارُ الْقُرْبِ، وَالثَّانِي: الْإِرْثُ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَسْعُودِيِّ: الِاعْتِبَارُ بِوِلَايَةِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وِلَايَةٌ، وَأَحَدُهُمَا يُدْلِي بِالْوَلِيِّ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِدْلَاءً بِالْوَلِيِّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الْإِدْلَاءِ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا، اعْتُبِرَ فِيهِ الْقُرْبُ، وَالْمُرَادُ بِالْوِلَايَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْجِهَةُ الَّتِي تُفِيدُهَا، لَا نَفْسُ الْوِلَايَةِ الَّتِي قَدْ يَمْنَعُ مِنْهَا مَانِعٌ مَعَ وُجُودِ الْجِهَةِ. وَالرَّابِعُ: الِاعْتِبَارُ بِالذُّكُورَةِ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى الذَّكَرِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدْلِي بِذَكَرٍ، فَإِنِ اسْتَوَيَا، اعْتُبِرَ الْقُرْبُ. وَالْخَامِسُ: يُعْتَبَرُ الْإِرْثُ وَالذُّكُورَةُ مَعًا، فَإِنِ اخْتَصَّ بِهِمَا أَحَدُهُمَا، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَا فِيهِمَا، أَوْ لَمْ يُوجَدَا، أَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فِي أَحَدِهِمَا، وَالْآخَرُ فِي الْآخَرِ، اعْتُبِرَ الْقُرْبُ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يُجْبَرُ فَقْدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ بِالْآخَرِ. الْأَمْثِلَةُ: أَبُو الْأَبِ، وَأَبُو الْأُمِّ، إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالْقُرْبِ، سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، أَوِ الْوِلَايَةَ، فَالنَّفَقَةُ عَلَى أَبِي الْأَبِ. أَمُّ أَبٍ وَأُمُّ أُمٍّ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ أَوِ الْإِرْثَ، سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِدْلَاءَ بِالْوَلِيِّ أَوْ بِذَكَرٍ، فَهِيَ عَلَى أُمِّ الْأَبِ.

стр. 3642

أَبُو الْأُمِّ، وَأُمُّ الْأَبِ، إِنِ اعْتَبَرْنَا الْقُرْبَ، سَوَّيْنَا، وَإِنِ اعْتَبَرْنَا الْإِرْثَ، أَوِ الْإِدْلَاءَ بِالْوَلِيِّ فَهِيَ عَلَى أُمِّ الْأَبِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْخَامِسِ: يُجْبَرُ فُقْدَانُ الْإِرْثِ فِيهِ بِالذُّكُورَةِ، وَفُقْدَانُ الذُّكُورَةِ فِيهَا بِالْوِرَاثَةِ، فَيَسْتَوِيَانِ. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: إِذَا اجْتَمَعَ لِلْمُحْتَاجِ وَاحِدٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَآخَرُ مَنْ فُرُوعِهِ، فَفِيهِ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ، فَيُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فِي وَجْهٍ، وَالْوَارِثُ فِي وَجْهٍ، وَالْوَلِيُّ فِي وَجْهٍ، وَالذَّكَرُ فِي وَجْهٍ، وَيَسْتَوِي الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي وَجْهٍ، وَإِذَا وَجَبَتِ النَّفَقَةُ عَلَى وَارِثَيْنِ، جَاءَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ التَّوْزِيعَ بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ فَلَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ وَابْنٌ، فَهَلِ النَّفَقَةُ عَلَى الِابْنِ أَمِ الْأَبِ أَمْ عَلَيْهِمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ لِأَنَّ عُصُوبَتَهُ أَقْوَى، وَلِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْقِيَامِ بِشَأْنِ الْوَالِدِ، وَتَجْرِي هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي أَبٍ وَبِنْتٍ، وَفِي جَدٍّ وَابْنِ ابْنٍ، وَتَجْرِي أَيْضًا فِي أُمٍّ وَبِنْتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ بِأَنَّهَا عَلَى الْبِنْتِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي أُمٍّ وَابْنٍ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِتَقْدِيمِ الِابْنِ، لِضَعْفِ الْإِنَاثِ عَنْ تَحَمُّلِ الْمُؤَنِ، وَيَجْرِي الطَّرِيقَانِ فِي جَدٍّ وَابْنٍ، وَفِي أَبٍ وَابْنِ ابْنٍ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ عَلَى الْأُصُولِ مَا دَامَ يُوجَدُ وَاحِدٌ مِنَ الْفُرُوعِ، قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا، ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى. الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي ازْدِحَامِ الْآخِذِينَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُحْتَاجُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، نُظِرَ؛ إِنْ وَفَّى مَالُهُ أَوْ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِمْ، فَعَلَيْهِ نَفَقَةُ الْجَمِيعِ، قَرِيبِهِمْ وَبِعِيدِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ إِلَّا نَفَقَةُ وَاحِدٍ، قَدَّمَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ عَلَى نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، هَذَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ، فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَا بِالْإِعْسَارِ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عِوَضًا، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ بِأَنَّ نَفَقَتَهَا إِذَا

стр. 3643

كَانَتْ كَذَلِكَ، كَانَتْ كَالدُّيُونِ، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ تُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ، وَخَرَّجَ لِذَلِكَ احْتِمَالًا فِي تَقْدِيمِ الْقَرِيبِ، وَأَيَّدَهُ بِالْحَدِيثِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : مَعِي دِينَارٌ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ» فَقَالَ: مَعِي آخَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ» ، فَقَالَ: مَعِي آخَرُ؟ فَقَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ» . فَقَدَّمَ نَفَقَةَ الْوَلَدِ عَلَى الْأَهْلِ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ الطِّفْلِ تُقَدَّمُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَأَمَّا الَّذِينَ يُنْفَقُ عَلَيْهِمْ بِالْقَرَابَةِ، فَتَعُودُ فِيهِمُ الْأَوْجُهُ فِي أَنَّهُ يَصْرِفُ الْفَاضِلَ إِلَى الْأَقْرَبِ، أَوِ الْوَارِثِ، أَوِ الْوَلِيِّ، وَعَلَى الْوَجْهِ الرَّابِعِ الْقَائِلِ هُنَاكَ أَنَّهَا عَلَى الذَّكَرِ يُصْرَفُ الْفَاضِلُ هُنَا إِلَى الْأُنْثَى لِعَجْزِهَا، وَيُسَوَّى فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَإِذَا صُرِفَ إِلَى وَارِثِينَ، فَهَلْ يُوَزَّعُ بِالسَّوِيَّةِ، أَمْ بِحَسَبِ الْإِرْثِ؟ وَجْهَانِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ بِالسَّوِيَّةِ، وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ بِصُوَرٍ: ابْنَانِ أَوْ بِنْتَانِ، يَصْرِفُ الْمَوْجُودَ إِلَيْهِمَا، فَإِنِ اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ عَجْزٍ، بِأَنْ كَانَ مَرِيضًا، أَوْ رَضِيعًا، قُدِّمَ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ. ابْنٌ وَبِنْتٌ، الصَّحِيحُ أَنَّهَا كَالِابْنَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الْبِنْتُ لِضَعْفِهَا. ابْنُ بِنْتٍ، وَبِنْتُ ابْنٍ، ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ بِنْتَ الِابْنِ تُقَدَّمُ لِضَعْفِهَا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُجْعَلَا كَالِابْنِ وَالْبِنْتِ. أَبٌ وَجَدٌّ، أَوِ ابْنٌ وَابْنُ ابْنٍ، قِيلَ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْأَصَحُّ: تَقْدِيمُ الْأَبِ وَالِابْنِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدَ زَمَنًا، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُقَدَّمُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ جَدَّانِ فِي دَرَجَةٍ، وَأَحَدُهُمَا عَصَبَةٌ، كَأَبِي الْأَبِ مَعَ أَبِي الْأُمِّ، فَالْعَصَبَةُ أَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوِ اخْتَلَفَتِ الدَّرَجَةُ، وَاسْتَوَيَا فِي الْعُصُوبَةِ

стр. 3644

أَوْ عَدَمِهَا، فَالْأَقْرَبُ مُقَدَّمٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَبْعَدُ عَصَبَةً، تَعَارَضَ الْقُرْبُ وَالْعُصُوبَةُ، فَيَسْتَوِيَانِ. أَبٌ وَابْنٌ، إِنْ كَانَ الِابْنُ صَغِيرًا، قُدِّمَ، وَإِلَّا فَهَلْ يُقَدَّمُ الِابْنُ أَمِ الْأَبُ، أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: ثَالِثُهَا: اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ، وَتَجْرِي الْأَوْجُهُ فِي الِابْنِ وَالْأُمِّ، وَفِي الْأَبِ وَالْبِنْتِ، وَفِي الْجَدِّ وَابْنِ الِابْنِ. أَبٌ وَأُمٌّ، تُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: الْأَبُ، وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ. جَدٌّ وَابْنٌ، قِيلَ بِطَرْدِ الْأَوْجُهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الِابْنُ قَطْعًا، وَعَنْ - الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ إِذَا اجْتَمَعَ جَدَّتَانِ لِإِحْدَاهُمَا وِلَادَتَانِ، وَلِلْأُخْرَى وِلَادَةٌ، فَإِنْ كَانَتَا فِي دَرَجَةٍ، فَذَاتُ الْوِلَادَتَيْنِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ، فَالْأُخْرَى أَوْلَى، وَأَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَتْ بِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ أَبُوهَا ابْنُ ابْنِ بِنْتِهِ وَبِنْتُ بِنْتِ بِنْتٍ لَيْسَ أَبُوهَا مِنْ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ كَانَتَا فِي دَرَجَةٍ، فَصَاحِبَةُ الْقَرَابَتَيْنِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ هِيَ أَبْعَدَ، فَالْأُخْرَى أَوْلَى. فَرْعٌ مَتَى اسْتَوَى اثْنَانِ، وُزِّعَ الْمَوْجُودُ عَلَيْهِمَا، فَلَوْ كَثَرُوا بِحَيْثُ لَوْ وُزِّعَ، لَمْ يَسُدَّ قِسْطُ كُلِّ وَاحِدٍ مَسَدًّا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ. فَرْعٌ إِذَا أَوْجَبْنَا النَّفَقَةَ عَلَى أَقْرَبِ الْقَرِيبَيْنِ، فَمَاتَ أَوْ أَعْسَرَ، وَجَبَتْ عَلَى الْأَبْعَدِ، فَإِنْ أَيْسَرَ الْأَقْرَبُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَرْجِعِ الْأَبْعَدُ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ. ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ، وَلَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، وَلَهُ أَبٌ مُوسِرٌ، لَزِمَ الْأَبَ نَفَقَةُ الْآخَرِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْإِنْفَاقِ بِالشَّرِكَةِ، أَوْ عَلَى أَنْ يَخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا،

стр. 3645

عُمِلَ بِقَوْلِ مَنْ يَدْعُو إِلَى الِاشْتِرَاكِ. وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجَيْنِ ابْنٌ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى نَفَقَةِ أَحَدِهِمَا، وَلِلِابْنِ ابْنٌ مُوسِرٌ، فَعَلَى ابْنِ الِابْنِ بَاقِي نَفَقَتُهُمَا، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهِمَا بِالشَّرِكَةِ، أَوْ يُخَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ بِوَاحِدٍ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَلَفَا، رَجَعْنَا إِلَى اخْتِيَارِ الْأَبَوَيْنِ إِنِ اسْتَوَتْ نَفَقَتُهُمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ، اخْتَصَّ أَكْثَرُهُمَا نَفَقَةً بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ يَسَارًا، وَهَذَانِ الْجَوَابَانِ فِي الصُّورَتَيْنِ مُخْتَلِفَانِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمَا، بَلْ يَنْبَغِي فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ أَنْ يُقَالَ: تُخْتَصُّ الْأُمُّ بِالِابْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ تَقْدِيمُ الْأُمِّ عَلَى الْأَبِ، وَإِذَا اخْتَصَّتْ بِهِ، تَعَيَّنَ الْأَبُ لِإِنْفَاقِ ابْنِ الِابْنِ. فَصْلٌ لَا تَلْزَمُ الْعَبْدَ نَفَقَةُ وَلَدِهِ، بَلْ إِنْ كَانَتِ الْأُمُّ حُرَّةً، فَالْوَلَدُ حُرٌّ وَعَلَيْهَا نَفَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ رَقِيقَةً، فَهُوَ رَقِيقُ نَفَقَتِهِ عَلَى مَالِكِهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، وَأَبَوَاهُ رَقِيقَانِ، فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي فُرُوعِهِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ نَفَقَةُ وَلَدِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً أَوْ مُكَاتَبَةً، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ صِيَانَةً لِحَقِّ السَّيِّدِ، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ الْأَمَةُ لِسَيِّدِهِ أَيْضًا، جَازَ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى وَلَدِهِ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ، لِأَنَّهُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ مُكَاتَبَةَ السَّيِّدِ، إِنْ جَعَلْنَا الْوَلَدَ مِلْكًا لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَتَكَاتَبُ عَلَيْهَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ تُعْتَقَ الْمُكَاتَبَةُ وَالْوَلَدُ، وَيَعْجَزُ الْمُكَاتَبُ، فَيَكُونُ قَدْ فَوَّتَ مَالَ سَيِّدِهِ، هَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقٌ بِتَجْوِيزِ الْإِنْفَاقِ عَلَى مِلْكِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَوِ اسْتَوْلَدَ الْمُكَاتَبُ جَارِيَةَ نَفْسِهِ، أَوْ كُنَّا لَا نُجَوِّزُ لَهُ ذَلِكَ، فَيَتَكَاتَبُ الْوَلَدُ عَلَيْهِ، وَيُنْفِقُ الْمُكَاتَبُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْسَابِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ عُتِقَ، فَقَدْ أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى وَلَدِهِ، وَإِنْ رَقَّ، رَقَّ الْوَلَدُ أَيْضًا، فَيَكُونُ قَدْ أَنْفَقَ مَالَ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ.

стр. 3646

فَرْعٌ هَلْ تَجِبُ نَفَقَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى وَلَدِهِ الْحُرِّ؟ عَنْ «الْحَاوِي» أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: لَا، لِبَقَاءِ أَحْكَامِ الرِّقِّ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِانْقِطَاعِ النَّفَقَةِ عَنْ سَيِّدِهِ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، فَيُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ، عَجَّزَ نَفْسَهُ، وَالنَّفَقَةُ عَلَى سَيِّدِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ، وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، قَالَ فِي «الْبَسِيطِ» : الظَّاهِرُ أَنَّهُ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ، لِأَنَّهَا كَالْغَرَامَاتِ، وَهَلْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةٌ تَامَّةٌ أَمْ نِصْفُهَا؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ نَفَقَةٌ كَامِلَةٌ، لِأَنَّهُ كَالْحُرِّ كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ كَانَ مَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ مُحْتَاجًا، هَلْ يُلْزِمُهُ قَرِيبُهُ الْحُرُّ نَفَقَتَهُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ. قُلْتُ: الرَّاجِحُ الْوُجُوبُ، وَيُمْكِنُ بِنَاؤُهُمَا عَلَى أَنَّهُ هَلْ يُوَرَّثُ؟ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُوَرَّثُ كَالْأَحْرَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3647

الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْحَضَانَةِ هِيَ الْقِيَامُ بِحِفْظِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ بِمَا يُصْلِحُهُ، وَوِقَايَتِهِ عَمَّا يُؤْذِيهِ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ وِلَايَةٍ وَسَلْطَنَةٍ، لَكِنَّهَا بِالْإِنَاثِ أَلْيَقُ، لِأَنَّهُنَّ أَشْفَقَ، وَأَهْدَى إِلَى التَّرْبِيَةِ، وَأَصْبَرُ عَلَى الْقِيَامِ بِهَا، وَأَشَدُّ مُلَازَمَةً لِلْأَطْفَالِ. وَمُؤْنَةُ الْحَضَانَةِ عَلَى الْأَبِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ الْكِفَايَةِ، كَالنَّفَقَةِ، وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأُمِّ طَلَبُ الْأُجْرَةِ بَعْدَ الْفِطَامِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَأَمَّا أُجْرَةُ الرَّضَاعِ فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا، وَفِي الْبَابِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي صِفَاتِ الْحَاضِنِ وَالْمَجْنُونِ، فَإِنْ كَانَ أَبُو الطِّفْلِ عَلَى النِّكَاحِ، فَالطِّفْلُ مَعَهُمَا يَقُومَانِ بِكِفَايَتِهِ، الْأَبُ بِالْإِنْفَاقِ، وَالْأُمُّ بِالْحَضَانَةِ وَالتَّرْبِيَةِ، وَإِنَّ تَفَرَّقَا بِفَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ، فَالْحَضَانَةُ لِلْأُمِّ إِنْ رَغِبَتْ فِيهَا، لَكِنْ لِاسْتِحْقَاقِهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: كَوْنُهَا مُسْلِمَةً، إِنْ كَانَ الطِّفْلُ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبِيهِ، فَلَا حَضَانَةَ لِكَافِرَةٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَهَا الْحَضَانَةُ، وَقِيلَ: الْأُمُّ الذِّمِّيَّةُ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْأَبِ الْمُسْلِمِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْوَلَدُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ الْأَبُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ الْأَصْحَابُ: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَعَلَى هَذَا حَضَانَتُهُ لِأَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ التَّرْتِيبُ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَحَضَانَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُؤْنَةُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَإِلَّا فَهُوَ مِنْ مَحَاوِيجِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَلَدُ

стр. 3648

الذِّمِّيِّينَ فِي الْحَضَانَةِ كَوَلَدِ الْمُسْلِمِينَ، فَالْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا، وَلَوْ وَصَفَ صَبِيٌّ مِنْهُمُ الْإِسْلَامَ، نَزَعَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ صَحَّحْنَا إِسْلَامَهُ أَمْ لَا، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ كَفَالَتِهِ، وَالطِّفْلُ الْكَافِرُ وَالْمَجْنُونُ تَثْبُتُ لِقَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ حَضَانَتُهُ وَكَفَالَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً لَهُ. الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُهَا عَاقِلَةً، فَلَا حَضَانَةَ لِمَجْنُونَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ جُنُونُهَا مُطْبِقًا، أَوْ مُنْقَطِعًا، إِلَّا إِذَا كَانَ لَا يَقَعُ إِلَّا نَادِرًا، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ، كَيَوْمٍ فِي سِنِينَ، فَلَا يَبْطُلُ الْحَقُّ بِهِ، كَمَرَضٍ يَطْرَأُ وَيَزُولُ، وَالْمَرَضُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، كَالسُّلِّ وَالْفَالِجِ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ يُؤْلِمُ أَوْ يُشْغِلُ الْأَلَمُ عَنْ كَفَالَتِهِ وَتَدْبِيرِ أَمْرِهِ، سَقَطَ حَقُّ الْحَضَانَةِ، وَإِنْ كَانَ تَأْثِيرُهُ يُعَسِّرُ الْحَرَكَةَ وَالتَّصَرُّفَ، سَقَطَتِ الْحَضَانَةُ فِي حَقِّ مَنْ يُبَاشِرُهَا بِنَفْسِهِ دُونَ مَنْ يُشِيرُ بِالْأُمُورِ وَيُبَاشِرُهَا غَيْرُهُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: كَوْنُهَا حُرَّةً، فَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقَةٍ وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، فَحَضَانَتُهُ لِمَنْ لَهُ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْأُمِّ مِنَ الْأَبِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا، فَحَضَانَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَهَلْ لَهُ نَزْعُهُ مِنَ الْأَبِ وَتَسْلِيمُهُ إِلَى غَيْرِهِ؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ التَّفْرِيقِ، وَلَوْ كَانَتِ الْأُمُّ حُرَّةً وَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، بِأَنْ سُبِيَ طِفْلٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ أُمُّهُ، أَوْ قَبِلَتِ الذِّمَّةَ، فَحَضَانَتُهُ لِلسَّيِّدِ، وَفِي الِانْتِزَاعِ مِنْهَا الْوَجْهَانِ، وَالْمُدَبَّرَةُ، وَالْمُكَاتَبَةُ، وَالْمُعْتَقُ بَعْضُهَا، لَا حَضَانَةَ لَهُنَّ، لَكِنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبَةِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَهَا تَسْتَعِينُ بِهِ فِي الْكِتَابَةِ، سُلِّمَ إِلَيْهَا، لَا لِأَنَّ لَهَا حَضَانَةٌ، بَلْ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا. وَوَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًا لَهُ حُكْمُهَا، يُعْتَقُ بِمَوْتِ السَّيِّدِ وَحَضَانَتُهُ لِسَيِّدِهِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَهَلْ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ فِي وَلَدِهَا مِنَ السَّيِّدِ؟ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ: لَا حَضَانَةَ لَهَا لِنَقْصِهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَهَا الْحَضَانَةُ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ السَّيِّدُ أَوْلَى بِالْوَلَدِ بَعْدَ السَّبْعِ، وَلَوْ كَانَ وُلِدَ نِصْفُهُ حُرٌّ وَنِصْفُهُ رَقِيقٌ، فَنِصْفُ حَضَانَتِهِ لِسَيِّدِهِ، وَنِصْفُهَا لِمَنْ

стр. 3649

يَلِي حَضَانَتَهُ مِنْ أَقَارِبِهِ الْأَحْرَارِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ، أَوْ عَلَى اسْتِئْجَارِ حَاضِنَةٍ، أَوْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَمَانَعَا، اسْتَأْجَرَ الْحَاكِمُ حَاضِنَةً، وَأَوْجَبَ الْمُؤْنَةَ عَلَى السَّيِّدِ وَعَلَى مَنْ يَقْتَضِي الْحَالُ الْإِيجَابَ عَلَيْهِ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: كَوْنُهَا أَمِينَةً، فَلَا حَضَانَةَ لِفَاسِقَةٍ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: كَوْنُهَا فَارِغَةً خَلِيَّةً، فَلَوْ نَكَحَتْ أَجْنَبِيًّا، سَقَطَتْ حَضَانَتُهَا لِاشْتِغَالِهَا بِحُقُوقِ الزَّوْجِ، فَلَوْ رَضِيَ الزَّوْجُ، لَمْ يُؤَثِّرْ، كَمَا لَا يُؤَثِّرُ رِضَا السَّيِّدِ بِحَضَانَةِ الْأَمَةِ، فَقَدْ يَرْجِعَانِ فَيَتَضَرَّرُ الْوَلَدُ، فَلَوْ نَكَحَتْ عَمَّ الطِّفْلِ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا تَبْطُلُ حَضَانَتُهَا لِأَنَّ الْعَمَّ صَاحِبُ حَقِّ الْحَضَانَةِ، وَشَفَقَتُهُ تَحْمِلُهُ عَلَى رِعَايَةِ الطِّفْلِ، فَيَتَعَاوَنَانِ عَلَى كَفَالَتِهِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْقَفَّالُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَيُقَالُ: إِنَّ صَاحِبَ التَّلْخِيصِ خَرَّجَهُ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ الْجَدَّةَ إِذَا نَكَحَتْ جَدَّ الطِّفْلِ لَا يَبْطُلُ حَقُّهَا مِنَ الْحَضَانَةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ، ثَبَتَ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحِ أَجْنَبِيٍّ، وَالثَّانِي: يَبْطُلُ حَقُّ الْأُمِّ، وَلَيْسَ الْعَمُّ كَالْجَدِّ لِأَنَّ الْجَدَّ وَلِيٌ تَامُّ الشَّفَقَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ فِي نِكَاحِ الْأُمِّ الْعَمَّ، يَطَّرِدَانِ فِي كُلِّ مَنْ لَهَا حَضَانَتُهُ، نَكَحَتْ قَرِيبًا لِلطِّفْلِ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ، بِأَنْ نَكَحَتْ أُمُّهُ ابْنَ عَمِّ الطِّفْلِ، أَوْ عَمَّ أَبِيهِ، أَوْ نَكَحَتْ خَالَتُهُ الَّتِي لَهَا حَضَانَةٌ عَمَّ الطِّفْلِ، أَوْ نَكَحَتْ عَمَّتُهُ خَالَهُ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ، ثُمَّ إِنَّمَا يَبْقَى الْحَقُّ إِذَا نَكَحَتِ الْجَدَّةُ جَدَّ الطِّفْلِ، أَوِ الْأُمُّ عَمَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ إِذَا رَضِيَ الَّذِي نَكَحَتْهُ بِحَضَانَتِهَا، فَإِنْ أَبَى، فَلَهُ الْمَنْعُ، وَعَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ. فَرْعٌ إِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ لَهَا الْحَضَانَةُ إِذَا كَانَ الْأَبَوَانِ مُقِيمَيْنِ فِي بَلَدٍ، فَإِنْ سَافَرَ أَحَدُهُمَا، فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 3650

وَهَلْ يُشْرَطُ اسْتِحْقَاقُهَا أَنْ تُرْضِعَ الْوَلَدَ إِنْ كَانَ رَضِيعًا؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ لَهَا الْحَضَانَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ، أَوِ امْتَنَعَتْ مِنَ الْإِرْضَاعِ، وَعَلَى الْأَبِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مُرْضِعَةً تُرْضِعُهُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: يُشْتَرَطُ لِعُسْرِ اسْتِئْجَارِ مُرْضِعَةٍ تُخَلِّي بَيْتَهَا، وَتَنْتَقِلُ إِلَى مَسْكَنِ الْأُمِّ، وَعَلَى هَذَا لَا تُمْنَعُ الْأُمُّ مِنْ زِيَارَتِهِ. فَرْعٌ لَوْ أَسْلَمَتِ الْكَافِرَةُ، أَوْ أَفَاقَتِ الْمَجْنُونَةُ، أَوْ عَتَقَتِ الْأَمَةُ، أَوْ رَشَدَتِ الْفَاسِقَةُ، أَوْ طُلِّقَتِ الَّتِي سَقَطَ حَقُّهَا بِالنِّكَاحِ، تَثْبُتُ لَهَا الْحَضَانَةُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا، هَذَا هُوَ نَصُّ الْمَذْهَبِ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِلرَّجْعِيَّةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ، وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيُّ لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: إِنِ اعْتَدَّتْ فِي بَيْتِ الزَّوْجِ فَإِنَّمَا تَثْبُتُ لَهَا الْحَضَانَةُ إِذَا رَضِيَ الزَّوْجُ بِأَنْ يَدْخُلَ الْوَلَدُ بَيْتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُدْخِلَهُ بَيْتَهُ، وَكَذَا فِي الْبَائِنِ، وَإِذَا رَضِيَ، ثَبَتَ حَقُّهَا بِخِلَافِ رِضَاهُ فِي صُلْبِ النِّكَاحِ، لِأَنَّ الْمَنْعَ هُنَاكَ لِاسْتِحْقَاقِهِ الِاسْتِمْتَاعَ، وَاسْتِهْلَاكَ مَنَافِعِهَا فِيهِ، وَهُنَا لِلْمَسْكَنِ، فَإِذَا أَذِنَ صَارَ مُعِيرًا. فَرْعٌ إِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنَ الْحَضَانَةِ، أَوْ غَابَتْ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ: أَنَّهَا تَنْتَقِلُ إِلَى الْجَدَّةِ، كَمَا لَوْ مَاتَتْ، أَوْ جُنَّتْ، وَالثَّانِي: تَنْتَقِلُ إِلَى الْأَبِ، وَالثَّالِثُ: إِلَى السُّلْطَانِ لِبَقَاءِ أَهْلِيَّةِ الْأُمِّ كَمَا لَوْ غَابَ الْوَلِيُّ فِي النِّكَاحِ، أَوْ عَضَلَ، يُزَوِّجُ السُّلْطَانُ لَا الْأَبْعَدُ، فَعَلَى الصَّحِيحِ مَتَى امْتَنَعَ الْأَقْرَبُ مِنَ الْحَضَانَةِ، كَانَتْ لِمَنْ يَلِيهِ لَا لِلسُّلْطَانِ، لِأَنَّهَا لِلْحِفْظِ، وَالْقَرِيبُ الْأَبْعَدُ أَشْفَقُ مِنَ السُّلْطَانِ.

стр. 3651

فَصْلٌ أَمَّا الْمَجْنُونُ، فَهُوَ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِمُرَاعَاةِ نَفْسِهِ، وَلَا يَهْتَدِي إِلَى مَصَالِحِهِ لِصِغَرٍ أَوْ جُنُونٍ، أَوْ خَبَلٍ وَقِلَّةِ تَمْيِيزٍ، وَمَتَى بَلَغَ الْغُلَامُ رَشِيدًا، وُلِّيَ أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَى كَوْنِهِ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يُفَارِقَهُمَا لِيَخْدِمَهُمَا وَيَصِلَهُمَا بِرُّهُ، وَإِنْ بَلَغَ عَاقِلًا غَيْرَ رَشِيدٍ، فَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ كَالصَّبِيِّ، لَا يُفَارِقُ الْأَبَوَيْنِ، وَتُدَامُ حَضَانَتُهُ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: إِنْ لَمْ يُحْسِنْ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ اخْتِلَالُ الرَّشِيدِ لِعَدَمِ الصَّلَاحِ فِي الدِّينِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْكُنُ حَيْثُ يَشَاءُ، وَلَا يُجْبَرُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَقِيلَ: تُدَامُ حَضَانَتُهُ إِلَى ارْتِفَاعِ الْحَجْرِ عَنْهُ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ حَسَنٌ. وَأَمَّا الْأُنْثَى إِذَا بَلَغَتْ، فَإِنْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً، فَهِيَ عِنْدَ زَوْجِهَا، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَعِنْدَ أَبَوَيْهَا أَوْ أَحَدِهِمَا إِنِ افْتَرَقَا، وَتَخْتَارُ مَنْ شَاءَتْ مِنْهُمَا، وَهَلْ تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ، وَالثَّانِي: لَا، بَلْ لَهَا السُّكْنَى حَيْثُ شَاءَتْ، لَكِنْ يُكْرَهُ لَهَا مُفَارَقَتُهُمَا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَصَحَّحَ ابْنُ كَجٍّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ صَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْوِلَايَةِ بِالْأَبِ وَالْجَدِّ، كَوِلَايَةِ الْإِجْبَارِ فِي النِّكَاحِ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ فِي ثُبُوتِهَا أَيْضًا لِلْأَخِ وَالْعَمِّ وَجْهَيْنِ. قُلْتُ: أَرْجَحُهُمَا ثُبُوتُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ عِنْدَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلَا تُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ اخْتِيَارٍ وَمُمَارَسَةٍ، وَبَعِيدَةٌ عَنِ الْخَدِيعَةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ تَكُنْ تُهْمَةٌ، وَلَمْ تُذْكَرْ بِرِيبَةٍ، فَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلِلْأَبِ وَالْجَدِّ وَمَنْ يَلِي تَزْوِيجَهَا مِنَ الْعَصَبَاتِ مَنْعُهَا مِنْ الِانْفِرَادِ، ثُمَّ الْمَحْرَمُ مِنْهُمْ يَضُمُّهَا إِلَى نَفْسِهِ إِنْ رَأَى ذَلِكَ، وَغَيْرُ

стр. 3652

الْمَحْرَمِ يُسْكِنُهَا مَوْضِعًا يَلِيقُ بِهَا، وَيُلَاحِظُهَا دَفْعًا لِلْعَارِ عَنِ النَّسَبِ، كَمَا يَمْنَعُونَهَا نِكَاحَ غَيْرِ الْكُفْءِ، وَأَثْبَتَ الْبَغَوِيُّ لِلْأُمِّ ضَمَّهَا إِلَيْهَا عِنْدَ الرِّيبَةِ، كَمَا أَثْبَتَهَا لِلْعَصَبَةِ، وَلَوْ فُرِضَتِ التُّهْمَةُ فِي حَقِّ الْبِكْرِ، فَهِيَ أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ، فَتُمْنَعُ مِنْ الِانْفِرَادِ بِلَا خِلَافٍ، وَنَقَلَ فِي «الْعُدَّةِ» عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْأَمْرَدَ إِذَا خِيفَ مِنِ انْفِرَادِهِ فِتْنَةٌ، وَانْقَدَحَتْ تُهْمَةٌ، مُنِعَ مِنْ مُفَارَقَةِ الْأَبَوَيْنِ. قُلْتُ: الْجَدُّ كَالْأَبَوَيْنِ فِي حَقِّ الْأَمْرَدِ، وَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَخُ وَالْعَمُّ وَنَحْوُهُمَا لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ رِيبَةً، وَأَنْكَرَتْ، فَقَدْ ذُكِرَ احْتِمَالَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْحُرَّةِ الْعَاقِلَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بَعِيدٌ، وَأَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ وَيُحْتَاطُ بِلَا بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ إِسْكَانَهَا فِي مَوْضِعِ الْبَرَاءَةِ أَهْوَنُ مِنَ الْفَضِيحَةِ لَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً. فَصْلٌ إِنَّمَا يُحْكَمُ بِأَنَّ الْأُمَّ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنَ الْأَبِ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ أَصْلًا، وَهُوَ الصَّغِيرُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَالْمَجْنُونُ، فَأَمَّا إِذَا صَارَ الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا افْتَرَقَا، وَيَكُونُ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، وَسَوَاءٌ فِي التَّخْيِيرِ الِابْنُ وَالْبِنْتُ، وَسِنُّ التَّمْيِيزِ غَالِبًا سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانٍ تَقْرِيبًا، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَقَدْ يَتَقَدَّمُ التَّمْيِيزُ عَنِ السَّبْعِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنِ الثَّمَانِ، وَمَدَارُ الْحُكْمِ عَلَى نَفْسِ التَّمْيِيزِ، لَا عَلَى سِنِّهِ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِمَا شُرُوطُ الْحَضَانَةِ، بِأَنْ يَكُونَا مُسْلِمَيْنِ حُرَّيْنِ عَاقِلَيْنِ عَدْلَيْنِ مُقِيمَيْنِ فِي وَطَنٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -،

стр. 3653

وَأَنْ تَكُونَ الْأُمُّ خَلِيَّةً، فَإِنِ اخْتَلَّ فِي أَحَدِهِمَا بَعْضُ الشُّرُوطِ، فَلَا تَخْيِيرَ، وَالْحَضَانَةُ لِلْآخَرِ، فَإِنْ زَالَ الْخَلَلُ، أُنْشِئَ التَّخْيِيرُ، وَلَوْ وُجِدَتِ الشُّرُوطُ فِيهِمَا، وَاخْتُصَّ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةٍ فِي الدِّينِ أَوِ الْمَالِ أَوْ مَحَبَّةِ الْوَلَدِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ أَمْ يَجْرِي التَّخْيِيرُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَيَجْرِي التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ، وَيَجْرِي أَيْضًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ، عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِهِ الْأُمُّ، وَفِي ابْنِ الْعَمِّ مَعَ الْأُمِّ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، إِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، فَإِنْ كَانَ أُنْثَى، فَالْأُمُّ أَحَقُّ قَطْعًا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُخْتِ وَالْخَالَةِ إِذَا قَدَّمْنَاهَا عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، حَوَّلْنَاهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ وَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أَعَدْنَاهُ إِلَى الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ سَبَبَهُ نُقْصَانُهُ وَقِلَّةُ تَمْيِيزِهِ، جُعِلَ عِنْدَ الْأُمِّ كَمَا قَبْلَ التَّمْيِيزِ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَ عَلَى نُقْصَانِهِ وَخَبَلِهِ. فَرْعٌ إِذَا اخْتَارَ الْأَبَ وَسُلِّمَ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا، لَمْ يَمْنَعْهُ الْأَبُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ وَلَا يُحْوِجُهَا إِلَى الْخُرُوجِ لِزِيَارَتِهِ، وَإِنْ زَارَتْهُ، لَمْ يَمْنَعْهَا مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ، وَلَهُ مَنْعُ الْأُنْثَى مِنْ زِيَارَةِ الْأُمِّ، فَإِنْ شَاءَتِ الْأُمُّ، خَرَجَتْ إِلَيْهَا لِلزِّيَارَةِ، لِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْخُرُوجِ لِسِنِّهَا وَخِبْرَتِهَا، ثُمَّ الزِّيَارَةُ تَكُونُ فِي الْأَيَّامِ عَلَى الْعَادَةِ، لَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ، لَا تُطِيلُ الْمُكْثَ، وَلَوْ مَرِضَ الْوَلَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، فَالْأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِ، فَإِنَّهَا أَشْفَقُ وَأَهْدَى إِلَيْهِ، فَإِنْ رَضِيَ بِأَنْ تُمَرِّضَ فِي بَيْتِهِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيَنْقُلُ الْوَلَدَ إِلَى بَيْتِ الْأُمِّ، وَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْخَلْوَةِ إِذَا كَانَتْ تُمَرِّضُهُ فِي بَيْتِ الْأَبِ، وَكَذَا إِذَا زَارَتِ الْوَلَدَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ثَالِثٌ، خَرَجَ حَتَّى تَدْخُلَ، وَإِذَا مَاتَ، لَمْ تُمْنَعْ مِنْ حُضُورِ غُسْلِهِ وَتَجْهِيزِهِ إِلَى أَنْ يُدْفَنَ، وَإِنْ مَرِضَتِ الْأُمُّ، لَمْ

стр. 3654

يَكُنْ لِلْأَبِ مَنْعُ الْوَلَدِ مِنْ عِيَادَتِهَا، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَلَا يُمَرِّضُهَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: إِلَّا إِذَا أَحْسَنَتِ الْأُنْثَى التَّمْرِيضَ. فَرْعٌ إِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ، فَإِنْ كَانَ ابْنًا، أَوَى إِلَيْهَا لَيْلًا، وَكَانَ عِنْدَ الْأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُعَلِّمُهُ أُمُورَ الدِّينِ وَالْمَعَاشِ وَالْحِرْفَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِنْتًا، كَانَتْ عِنْدَ الْأُمِّ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الْأَبُ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَا يَطْلُبُ إِحْضَارَهَا عِنْدَهُ، وَهَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا كَانَ الْوَلَدُ عِنْدَ الْأُمِّ قَبْلَ سِنِّ التَّخْيِيرِ. فَرْعٌ إِذَا اخْتَارَ الْأُمَّ، فَلَيْسَ لِلْأَبِ إِهْمَالُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ بِتَأْدِيبِهِ وَتَعْلِيمِهِ، إِمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِغَيْرِهِ وَيَتَحَمَّلُ مُؤْنَتَهُ، وَكَذَا الْمَجْنُونُ الَّذِي لَا تَسْتَقِلُّ الْأُمُّ بِضَبْطِهِ يَلْزَمُ الْأَبُ رِعَايَتَهُ، وَإِنَّمَا تُقَدَّمُ الْأُمُّ فِيمَا يَتَأَتَّى مِنْهَا وَمَا هُوَ شَأْنُهَا. قُلْتُ: تَأْدِيبُهُ وَتَعْلِيمُهُ وَاجِبٌ عَلَى وَلِيِّهِ أَبًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا، وَتَكُونُ أُجْرَةُ ذَلِكَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، وَقِيلَ: إِنَّ أُجْرَةَ مَا لَا يَلْزَمُهُ تَعَلُّمُهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ فِي مَالِ الْوَلِيِّ مَعَ يَسَارِ الْوَلَدِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَدْ سَبَقَ بَعْضُ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ خَيَّرْنَاهُ فَاخْتَارَهُمَا، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَأَصَحُّهُمَا: الْأُمُّ أَحَقُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ غَيْرَهَا، وَكَانَتِ الْحَضَانَةُ لَهَا فَيَسْتَصْحِبُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الْبَسِيطِ» .

стр. 3655

قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَوْ تَرَكَ أَحَدُ الْأَبَوَيْنِ فِي وَقْتِ التَّخْيِيرِ كَفَالَتَهُ لِلْآخَرِ، كَانَ الْآخَرُ أَحَقَّ بِهِ، وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْوَلَدِ، فَإِنْ عَادَ وَطَلَبَ الْكَفَالَةَ، عُدْنَا إِلَى التَّخْيِيرِ، قَالَ: وَلَوْ تَدَافَعَ الْأَبَوَانِ كَفَالَتَهُ، وَامْتَنَعَا مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُمَا مَنْ يَسْتَحِقُّ الْحَضَانَةَ، كَالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، خُيِّرَ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ الْوَلَدُ، وَيُجْبَرُ مَنِ اخْتَارَهُ عَلَى كَفَالَتِهِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ امْتَنَعَا مِنَ الْحَضَانَةِ قَبْلَ سِنِّ التَّمْيِيزِ، يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَيُجْبَرُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عَلَى حَضَانَتِهِ، وَالثَّانِي: يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأُمَّ أَوْلَى مِنَ الْأَبِ قَبْلَ التَّمْيِيزِ، وَأَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ تَمْيِيزِهِ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْأَبَوَانِ مُقِيمَيْنِ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، فَأَمَّا إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرًا، أَوْ أَرَادَا سَفَرًا يَخْتَلِفُ فِيهِ بَلَدُهُمَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ سَفَرَ حَاجَةٍ، كَحَجٍّ وَغَزْوٍ وَتِجَارَةٍ، لَمْ يُسَافِرْ بِالْوَلَدِ، لِمَا فِي السَّفَرِ مِنَ الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ، بَلْ يَكُونُ مَعَ الْمُقِيمِ إِلَى أَنْ يَعُودَ الْمُسَافِرُ، سَوَاءٌ طَالَتْ مُدَّةُ السَّفَرِ أَمْ قَصُرَتْ، وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَجْهٌ أَنَّ لِلْأَبِ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ إِذَا طَالَ سَفَرُهُ. وَإِنْ كَانَ سَفَرَ نُقْلَةٍ، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَلِلْأَبِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنَ الْأُمِّ وَيَسْتَصْحِبَهُ مَعَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُنْتَقِلُ الْأَبُ أَوِ الْأُمُّ، أَوْ أَحَدُهُمَا إِلَى بَلَدٍ وَالْآخَرُ إِلَى آخَرَ، احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ، فَإِنَّ النَّسَبَ يَتَحَفَّظُ بِالْأَبَاءِ، وَلِمَصْلَحَةِ التَّأْدِيبِ وَالتَّعْلِيمِ، وَسُهُولَةِ الْقِيَامِ بِنَفَقَتِهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَسَوَاءٌ نَكَحَهَا فِي بَلَدِهَا أَوْ فِي الْغُرْبَةِ، فَلَوْ رَافَقَتْهُ الْأُمُّ فِي طَرِيقِهِ، دَامَ حَقُّهَا، وَكَذَا فِي الْمَقْصِدِ، وَلَوْ عَادَ مِنْ سَفَرِ النُّقْلَةِ إِلَى بَلَدِهَا، عَادَ حَقُّهَا، وَلَوْ كَانَ الطَّرِيقُ الَّذِي يَسْلُكُهُ مَخُوفًا، أَوِ الْبَلَدُ الَّذِي يَقْصِدُهُ

стр. 3656

غَيْرَ مَأْمُونٍ لِغَارَةٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ انْتِزَاعُ الْوَلَدِ، وَإِنْ كَانَ الِانْتِقَالُ إِلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُؤَثِّرُ، وَيَكُونَانِ كَالْمُقِيمَيْنِ فِي مَحَلَّتَيْنِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَمَسَافَةِ الْقَصْرُ، وَلَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ: أُرِيدُ الِانْتِقَالَ، فَقَالَتْ: بَلِ التِّجَارَةَ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: يُصَدَّقُ بِلَا يَمِينٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَتْ، وَأَمْسَكَتِ الْوَلَدَ، وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ مِنَ الْمَحَارِمِ كَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ فِي انْتِزَاعِ الْوَلَدِ وَنَقْلِهِ إِذَا أَرَادُوا الِانْتِقَالَ، احْتِيَاطًا لِلنَّسَبِ، وَكَذَا غَيْرُ الْمَحَارِمِ، كَابْنِ الْعَمِّ، إِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى، لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِلَّا إِذَا لَمْ تَبْلُغْ حَدًّا يُشْتَهَى مِثْلُهَا، وَفِي «الشَّامِلِ» أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ تُرَافِقُهُ، سُلِّمَتْ إِلَى بِنْتِهِ، وَأَمَّا الْمَحْرَمُ الَّذِي لَا عُصُوبَةَ لَهُ، كَالْخَالِ وَالْعَمِّ لِلْأُمِّ، فَلَيْسَ لَهُ نَقْلُ الْوَلَدِ إِذَا انْتَقَلَ، لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِي النَّسَبِ. فَرْعٌ إِنَّمَا يَثْبُتُ حَقُّ النَّقْلِ لِلْأَبِ وَغَيْرِهِ، إِذَا اسْتَجْمَعَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْحَضَانَةِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ كَانَ لِلْوَلَدِ جَدٌّ مُقِيمٌ، وَأَرَادَ الْأَبُ الِانْتِقَالَ، كَانَ لَهُ أَنْ يَنْقُلَ الْوَلَدَ، وَلَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ إِقَامَةُ الْجَدِّ، وَكَذَا حُكْمُ الْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ، وَلَا تَمْنَعُهُ إِقَامَةُ الْأَخِ أَوِ الْعَمِّ، لَكِنْ لَوْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ وَلَا جَدٌّ، وَأَرَادَ الْأَخُ الِانْتِقَالَ، وَهُنَاكَ ابْنُ أَخٍ أَوْ عَمٌّ يُقِيمَانِ، فَلَيْسَ لِلْأَخِ انْتِزَاعُهُ مِنَ الْأُمِّ لِنَقْلِهِ، بِخِلَافِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، لِكَمَالِ عِنَايَتِهِمَا وَتَقَارُبِ عِنَايَةِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْعَصَبَاتِ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ يُسَافِرُ لِحَاجَةٍ، وَاخْتَلَفَ طَرِيقُهُمَا وَمَقْصِدُهُمَا، فَيُشْبِهُ أَنْ يُدَامَ حَقُّ الْأُمِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الَّذِي مَقْصِدُهُ أَقْرَبُ، أَوْ مُدَّةُ سَفَرِهِ أَقْصَرُ.

стр. 3657

قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُدَامُ مَعَ الْأُمِّ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي تَرْتِيبِ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْحَضَانَةِ، فَمَتَى اجْتَمَعَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا مِنْ مُسْتَحَقِّي الْحَضَانَةِ، نُظِرَ؛ إِنْ تَرَاضَوْا بِوَاحِدٍ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَدَافَعُوا، وَجَبَتْ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ، وَقِيلَ: يُقْرَعُ، وَتَجِبُ عَلَى مَنْ خَرَجَتْ قُرَعَتُهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ طَلَبَهَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ فِيهِ شُرُوطُهَا، فَهُمْ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: مَحْضُ الْإِنَاثِ، فَأَوْلَاهُنَّ الْأُمُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِالْإِنَاثِ، تُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ، وَتُقَدَّمُ الْبُعْدَى مِنْهُنَّ عَلَى الْقُرْبَى مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَبِ، ثُمَّ بَعْدَ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ، قَوْلَانِ: الْجَدِيدُ: تُقَدَّمُ أُمُّ الْأَبِ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِالْإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي الْأَبِ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِالْإِنَاثِ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي الْجَدِّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا كَذَلِكَ، وَتُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُنَّ فَالْأَقْرَبُ، وَيَتَأَخَّرُ عَنْهُنَّ الْأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ، وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُنَّ جَدَّاتٌ وَارِثَاتٌ فَقُدِّمْنَ عَلَى الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ، وَعَلَى أَنَّ الْخَالَاتِ يُقَدَّمْنَ عَلَى بَنَاتِ الْأَخَوَاتِ، وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ، وَالْعَمَّاتِ، لِأَنَّهُنَّ يُشَارِكْنَهُنَّ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ وَالدَّرَجَةِ وَعَدَمِ الْإِرْثِ، وَيَتَمَيَّزُونَ بِالْإِدْلَاءِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ تَقْدِيمُ الْخَالَةِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، ثُمَّ الْحَضَانَةُ بَعْدَ الْخَالَاتِ لِبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ، وَبَنَاتِ الْإِخْوَةِ يُقَدَّمْنَ عَلَى الْعَمَّاتِ، هَكَذَا رَتَّبَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ هَذَا وَجْهًا، وَادَّعَى أَنَّ الْأَصَحَّ تَقْدِيمُ الْعَمَّاتِ عَلَى بَنَاتِ الْإِخْوَةِ وَبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ، ثُمَّ حَكَى وَجْهَيْنِ فِيمَنْ يُقَدَّمُ بَعْدَ الْعَمَّاتِ، أَحَدُهُمَا:

стр. 3658

بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ وَالْإِخْوَةِ، ثُمَّ بَنَاتُ سَائِرِ الْعَصَبَاتِ بَعْدَ الْإِخْوَةِ، ثُمَّ بَنَاتُ الْخَالَاتِ، ثُمَّ بَنَاتُ الْعَمَّاتِ، ثُمَّ خَالَاتُ الْأُمِّ، ثُمَّ خَالَاتُ الْأَبِ، ثُمَّ عَمَّاتُهُ. وَالثَّانِي: تُقَدَّمُ بَعْدَ الْعَمَّاتِ خَالَاتُ الْأُمِّ، ثُمَّ خَالَاتُ الْأَبِ، ثُمَّ عَمَّاتُهُ، وَلَا حَضَانَةَ لِعَمَّاتِ الْأُمِّ لِإِدْلَائِهِنَّ بِذَكَرٍ غَيْرِ وَارِثٍ، ثُمَّ خَالَاتُ الْجَدِّ، ثُمَّ عَمَّاتُهُ، وَهَكَذَا، فَإِنْ فُقِدْنَ جَمِيعًا، فَالْحَضَانَةُ لِبَنَاتِ الْأَخَوَاتِ وَالْإِخْوَةِ، وَفِي أَيِّ رُتْبَةٍ وَقَعْنَ، تُقَدَّمُ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ عَلَى بَنَاتِ الْإِخْوَةِ، كَمَا تُقَدَّمُ الْأُخْتُ عَلَى الْأَخِ. فَرْعٌ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، تُقَدَّمُ عَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَعَلَى الْأُخْتِ مِنَ الْأُمِّ، وَأَمَّا الْأُخْتُ مِنَ الْأَبِ، وَالْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، فَأَيُّهُمَا تُقَدَّمُ عَلَى صَاحِبَتِهَا؟ وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ: تَقْدِيمُ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ سُرَيْجٍ: تُقَدَّمُ الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ، وَأَمَّا الْخَالَةُ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْخَالَةِ مِنَ الْأُمِّ وَالْعَمَّةِ، فَإِنْ قَدَّمْنَا الْأُخْتَ لِلْأُمِّ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ، فَكَذَا هُنَا، وَإِنْ قَدَّمْنَا الْأُخْتَ لِلْأَبِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تُقَدَّمُ الْخَالَةُ لِلْأُمِّ وَالْعَمَّةُ لِلْأُمِّ، وَأَصَحُّهُمَا: يُقَدَّمُ الَّتِي هِيَ لِأَبٍ، وَفِي الْخَالَةِ لِأَبٍ وَجْهٌ، أَنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ حَضَانَةً أَصْلًا، لِأَنَّهَا تُدْلِي بِأَبِي أُمٍّ. فَرْعٌ الْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِكُلِّ جَدَّةٍ تَسْقُطُ فِي الْمِيرَاثِ، وَهِيَ مَنْ تُدْلِي بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، وَقِيلَ: لَهُنَّ الْحَضَانَةُ، لَكِنْ يَتَأَخَّرْنَ عَنْ جَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ أَوَّلًا، وَقِيلَ: يَتَقَدَّمْنَ عَلَى الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ، لِأَنَّهُنَّ أُصُولٌ، وَيَتَأَخَّرْنَ عَنِ الْجَدَّاتِ الْوَارِثَاتِ، وَفِي مَعْنَى الْجَدَّةِ السَّاقِطَةِ، كُلُّ مَحْرَمٍ يُدْلِي بِذَكَرٍ لَا يَرِثُ، كَبِنْتِ ابْنِ الْبِنْتِ وَبِنْتِ الْعَمِّ لِلْأُمِّ.

стр. 3659

الْأُنْثَى الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْرَمٍ، كَابْنَيِ الْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، وَبِنْتَيِ الْخَالِ وَالْعَمِّ، لَهُنَّ الْحَضَانَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا، اسْتَمَرَّتْ حَضَانَتُهُنَّ حَتَّى يَبْلُغَ حَدًّا يُشْتَهَى مِثْلُهُ، وَتُقَدَّمُ بَنَاتُ الْخَالَاتِ عَلَى بَنَاتِ الْأَخَوَاتِ، وَبَنَاتُ الْعَمَّاتِ عَلَى بَنَاتِ الْأَعْمَامِ، وَتُقَدَّمُ بَنَاتُ الْخُئُولَةِ عَلَى بَنَاتِ الْعُمُومَةِ. فَرْعٌ لِبِنْتِ الْمَجْنُونِ حَضَانَتُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَوْ كَانَ لِلْمَحْضُونِ زَوْجَةٌ كَبِيرَةٌ، وَكَانَ لَهُ بِهَا اسْتِمْتَاعٌ، أَوْ لَهَا بِهِ اسْتِمْتَاعٌ، فَهِيَ أَوْلَى بِكَفَالَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَقَارِبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتِمْتَاعٌ، فَالْأَقَارِبُ أَوْلَى، وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْمَحْضُونَةِ زَوْجٌ كَبِيرٌ، وَهُنَاكَ اسْتِمْتَاعٌ، فَهُوَ أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْأَقَارِبُ، فَإِنْ كَانَ لَهَا قَرَابَةٌ أَيْضًا، فَهَلْ يُرَجَّحُ بِالزَّوْجِيَّةِ؟ وَجْهَانِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَحْضُ الذُّكُورِ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْأَوَّلُ: مَحْرَمٌ وَارِثٌ، كَالْأَبِ وَالْجَدِّ وَالْأَخِ وَابْنِ الْأَخِ وَالْعَمِّ، فَلَهُمُ الْحَضَانَةُ، وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَجْهًا، أَنَّهُ لَا حَضَانَةَ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ مِنَ الرِّجَالِ، وَقِيلَ: لَا حَضَانَةَ لِلْأَخِ مِنَ الْأُمِّ خَاصَّةً لِعَدَمِ الْعُصُوبَةِ وَالْوِلَايَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَيُقَدَّمُ الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ وَإِنْ عَلَا، يُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأُمِّ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأَبِ، ثُمَّ عَمُّ الْأَبِ، ثُمَّ عَمُّ الْجَدِّ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِي وَجْهٍ يُقَدَّمُ الْأَخُ لِلْأُمِّ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ، وَفِي وَجْهٍ يَتَقَدَّمُ الْعَمُّ عَلَى الْأَخِ لِلْأُمِّ لِعُصُوبَتِهِ، وَفِي وَجْهٍ، يَتَقَدَّمُ الْأَعْمَامُ عَلَى بَنِي الْإِخْوَةِ مِنَ الْأُمِّ.

стр. 3660

الصِّنْفُ الثَّانِي: وَارِثٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ، كَابْنِ الْعَمِّ وَابْنِهِ، وَابْنِ عَمِّ الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَلَهُمُ الْحَضَانَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِمُ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى لَا تُشْتَهَى، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ بَلَغَتْ حَدًّا تُشْتَهَى لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ تَسْلِيمَهَا إِلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَتُعْطَى أُجْرَتَهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ بِنْتٌ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَفِي ثُبُوتِ الْحَضَانَةِ لِلْمُعْتِقِ، وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَالْإِرْثِ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَتَحَمُّلِ الدِّيَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِعَدَمِ الْقَرَابَةِ الَّتِي هِيَ مَظِنَّةُ الشَّفَقَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ لَهُ قَرَابَةٌ وَهُنَاكَ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، فَهَلْ يُرَجَّحُ لِانْضِمَامِ عُصُوبَةِ الْقَرَابَةِ إِلَى عُصُوبَةِ الْوَلَاءِ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ، مِثَالُهُ: عَمٌّ وَعَمُّ أَبٍ مُعْتِقٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ لَا يُرَجَّحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الصِّنْفُ الثَّالِثُ: مَحْرَمٌ غَيْرُ وَارِثٍ، كَأَبِي الْأُمِّ، وَالْخَالِ، وَالْعَمِّ لِلْأُمِّ، وَابْنِ الْأُخْتِ، وَابْنِ الْأَخِ لِلْأُمِّ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ، فَإِنْ قُلْنَا: لَهُمْ حَضَانَةٌ، تَأَخَّرُوا عَنِ الْمَحَارِمِ الْوَارِثِينَ، وَعَنِ الْوَارِثِينَ الَّذِينَ لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُمْ. الصِّنْفُ الرَّابِعُ: مَنْ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ وَلَا وَارِثٍ مِنَ الْأَقَارِبِ، كَابْنِ الْخَالِ وَالْخَالَةِ وَالْعَمَّةِ، فَلَا حَضَانَةَ لَهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَإِذَا أَثْبَتْنَا الْحَضَانَةَ لِجَمِيعِ الْمَذْكُورِينَ مِنَ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ، تَفْرِيعًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِي بَعْضِهِمْ، وَعَلَى الضَّعِيفِ فِي بَعْضِهِمْ، وَتَرَكْنَا التَّقْسِيمَ، قُلْنَا: يُقَدَّمُ الْأَبُ، ثُمَّ أَبُ الْأَبِ وَإِنْ عَلَا، ثُمَّ الْإِخْوَةُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ الْأَعْمَامُ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ أَعْمَامُ الْأَبِ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ أَعْمَامُ الْجَدِّ، ثُمَّ بَنُوهُمْ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأُمِّ، وَكُلُّ جَدٍّ يُدْلِي بِذَكَرٍ بَيْنَ أُنْثَيَيْنِ، يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الْخَالُ، ثُمَّ الْعَمُّ لِلْأُمِّ، ثُمَّ ابْنُ الْخَالِ، ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ لِلْأُمِّ،

стр. 3661

ثُمَّ الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ تَأَخُّرَ بَنِي الْعَمِّ عَنْ أَعْمَامِ الْأَبِ وَالْجَدِّ، لِأَنَّ لَهُمْ مَحْرَمِيَّةً مَعَ الْإِرْثِ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: فِي اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، فَتُقَدَّمُ الْأُمُّ عَلَى جَمِيعِهِمْ، حَتَّى عَلَى الْأَبِ، ثُمَّ أُمُّ الْأُمِّ وَإِنْ عَلَتْ، تُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ نَكَحَتِ الْأُمُّ وَرَضِيَ أَبُو الْوَلَدِ وَزَوْجُهَا بِكَوْنِهِ عِنْدَهَا، سَقَطَ حَقُّ الْجَدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْأَبُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ جِهَتِهِ، قُدِّمَ عَلَيْهِنَّ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، لِأَنَّهُنَّ يُدْلِينَ بِهِ، وَقِيلَ: يَتَقَدَّمْنَهُ لِوِلَادَتِهِنَّ وَصَلَاحِيَتِهِنَّ، وَطُرِدَ هَذَا الْخِلَافُ فِي الْأُخْتِ لِلْأَبِ مَعَ الْأَبِ وَإِنْ كَانَتْ فَرْعًا لَهُ، لِصَلَاحِيَتِهَا، وَأَمَّا الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ وَقَدَّمْنَاهُنَّ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَبِ، قَدَّمْنَاهُنَّ عَلَى الْأَبِ، وَإِنْ قَدَّمْنَا أُمَّهَاتِ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ وَالْخَالَةِ، يُقَدَّمُ الْأَبُ هُنَا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: يَتَقَدَّمَانِ عَلَيْهِ لِأُنُوثَتِهِمَا وَإِدْلَائِهِمَا بِالْأُمِّ، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ مَعَ الْأَبِ أَوِ الْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْخَالَةِ أُمُّ الْأَبِ، فَوَجْهَانِ، قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: الْحَضَانَةُ لِلْأَبِ، لِأَنَّ الْأُخْتَ تَسْقُطُ بِأُمِّ الْأَبِ، وَهِيَ تَسْقُطُ بِالْأَبِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْحَضَانَةُ لِلْأُخْتِ، لِأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تُفَرَّعُ عَلَيْهِ، وَتَسْقُطُ أُمُّ الْأَبِ بِالْأَبِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ الْأَبُ وَالْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُخْتُ لِلْأُمِّ، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّ الْأُخْتَ لِلْأُمِّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأَبِ، فَهَلِ الْحَضَانَةُ لِلْأَبِ، أَمْ لِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ؟ فِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ فِي تَقْدِيمِ الْأَبِ عَلَى أُمَّهَاتِهِ، وَبِالْأَصَحِّ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى الْأُخْتِ لِلْأُمِّ وَالْخَالَةِ، فَالْمُقَدَّمُ بَعْدَ أُمَّهَاتِ الْأُمِّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ الْمُدْلِيَاتُ بِالْإِنَاثِ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، وَفِيهِ مَعَ أُمَّهَاتِهِ مَا فِي الْأَبِ، ثُمَّ أَبُو الْجَدِّ وَأُمَّهَاتُهُ كَذَلِكَ، وَيَتَقَدَّمُونَ جَمِيعًا عَلَى الْأَقَارِبِ الْوَاقِعِينَ عَلَى حَوَاشِي النَّسَبِ، وَأَمَّا الْجَدَّاتُ السَّاقِطَاتُ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِي اسْتِحْقَاقِهِنَّ، وَفِي زِينَتِهِنَّ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَضَانَةِ مِنَ الْأَجْدَادِ

стр. 3662

وَالْجَدَّاتِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: نِسَاءُ الْقَرَابَةِ وَإِنْ بَعُدْنَ أَوْلَى مِنَ الذُّكُورِ، وَإِنْ كَانُوا عَصَبَاتٍ، لِصَلَاحِيَّتِهِنَّ، فَعَلَى هَذَا تُقَدَّمُ الْأَخَوَاتُ وَالْعَمَّاتُ وَالْخَالَاتُ وَبَنَاتُهُنَّ عَلَى الْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ، وَالثَّانِي: الْعَصَبَاتُ أَوْلَى، لِقُوَّةِ نَسَبِهِمْ وَقِيَامِهِمْ بِالتَّأْدِيبِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ: لَا يُرَجَّحُ وَاحِدٌ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، بَلْ يُقَدَّمُ مِنْهُمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ، قُدِّمَ بِالْأُنُوثَةِ، فَعَلَى هَذَا تُقَدَّمُ بَعْدَ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ، وَتُقَدَّمُ الْأَخَوَاتُ عَلَى الْإِخْوَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الْإِخْوَةِ بَنَاتُ الْأَخَوَاتِ، ثُمَّ بَنُو الْإِخْوَةِ، وَتُقَدَّمُ بِنْتُ الْأَخِ عَلَى ابْنِ الْأُخْتِ اعْتِبَارًا بِمَنْ يَحْضُنُ لَا بِمَنْ يُدْلِي بِهِ، فَإِنْ فُقِدُوا كُلُّهُمْ، فَالْحَضَانَةُ لِلْخُئُولَةِ، ثُمَّ الْعُمُومَةِ، وَتُقَدَّمُ الْخَالَاتُ عَلَى الْأَخْوَالِ، وَالْعَمَّاتُ عَلَى الْأَعْمَامِ، فَإِنْ فُقِدُوا، فَالْحَضَانَةُ لِأَوْلَادِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أُصُولِهِمْ ثُمَّ لِخُئُولَةِ الْأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِعُمُومَتِهِمَا، عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَإِذَا اسْتَوَى اثْنَانِ، كَأَخَوَيْنِ أَوْ خَالَتَيْنِ، وَتَنَازَعًا، أَقْرَعْنَا، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ الْقَرَابَةِ وَلَا مِنَ الْعَصَبَاتِ، وَهُنَاكَ رِجَالٌ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ، فَحُكْمُهُمْ مَا ذَكَرْنَا فِي الصِّنْفِ الرَّابِعِ. فَرْعٌ الْأُخْتُ مَعَ الْجَدِّ كَهِيَ مَعَ الْأَبِ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ فِي أَهْلِ الْحَضَانَةِ خُنْثَى، هَلْ يَتَقَدَّمُ عَلَى الذَّكَرِ فِي مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ أُنْثَى لَتَقَدَّمَ لِاحْتِمَالِ الْأُنُوثَةِ، أَمْ لَا لِعَدَمِ الْحُكْمِ بِهَا؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3663

وَإِذَا أَخْبَرَ عَنْ ذُكُورَتِهِ أَوْ أُنُوثَتِهِ، عَمِلَ بِقَوْلِهِ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ، وَهَلْ يُعْمَلُ بِهَا فِي اسْتِحْقَاقِهَا، أَمْ لَا يُعْمَلُ لِلتُّهْمَةِ؟ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: يُعْمَلُ وَهُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ فِي نَظَائِرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3664

الْبَابُ السَّادِسُ فِي نَفَقَةِ الْمَمْلُوكِ تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ رَقِيقِهِ، قُوتًا وَأُدْمًا، وَكِسْوَتُهُ، وَسَائِرُ مَئُونَاتِهِ، قِنًّا كَانَ أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، سَوَاءٌ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالزَّمِنُ وَالْأَعْمَى وَالسَّلِيمُ، وَالْمَرْهُونُ وَالْمُسْتَأْجَرُ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ كَسُوبًا، فَكَسْبُهُ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنْ شَاءَ، أَنَفَقَ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ بِهَا، فَالْبَاقِي عَلَى السَّيِّدِ، وَإِنْ زَادَ فَالزِّيَادَةُ لِلسَّيِّدِ، وَلَوِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي رَقِيقٍ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ، وَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ. قُلْتُ: وَهَلْ يَلْزَمُ السَّيِّدَ شِرَاءُ الْمَاءِ لِطَهَارَةِ رَقِيقِهِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَفِطْرَتِهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّ لَهُ بَدَلًا وَهُوَ التَّيَمُّمُ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ بِتَمَتُّعِهِ بَلْ يَصُومُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ لَا تَتَقَدَّرُ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ، بَلْ تُعْتَبَرُ الْكِفَايَةُ، وَفِيمَا تُعْتَبَرُ بِهِ الْكِفَايَةُ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: تُعْتَبَرُ كِفَايَتُهُ فِي نَفْسِهِ، وَتُرَاعَى رَغْبَتُهُ وَزَهَادَتُهُ، وَإِنْ زَادَ ذَلِكَ عَلَى كِفَايَةِ مِثْلِهِ غَالِبًا، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ مَا يَكْفِي مِثْلَهُ فِي الْغَالِبِ، وَلَا يُعْتَبَرُ نَفْسُهُ، وَعَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» إِنْ كَانَ يُؤَثِّرُ فَقْدُ الزِّيَادَةِ فِي قُوتِهِ وَبَدَنِهِ، لَزِمَتِ السَّيِّدَ، وَإِلَّا فَلَا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَجِيءَ هَذِهِ الْأَوْجُهُ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ.

стр. 3665

فَصْلٌ وَأَمَّا جِنْسُ نَفَقَةِ الرَّقِيقِ، فَغَالِبَ الْقُوتِ الَّذِي يُطْعَمُ مِنْهُ الْمَمَالِيكُ فِي الْبَلَدِ، مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَذَا الْأُدْمُ الْغَالِبُ، وَالْكِسْوَةُ مِنَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالصُّوفِ وَغَيْرِهَا، وَتُرَاعَى حَالُ السَّيِّدِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ، فَيَجِبُ مَا يَلِيقُ بِحَالِهِ مِنْ رَفِيعِ الْجِنْسِ الْغَالِبِ وَخَسِيسِهِ، وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الْكِسْوَةِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَأَذَّى بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ، وَلَوْ تَنَعَّمَ السَّيِّدُ فِي الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ وَالْكِسْوَةِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ، بَلْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ يَأْكُلُ وَيَلْبَسُ دُونَ الْمُعْتَادِ غَالِبًا، إِمَّا بُخْلًا وَإِمَّا رِيَاضَةً، لَزِمَهُ رِعَايَةُ الْغَالِبِ لِلرَّقِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ. فَصْلٌ إِذَا كَانَ لَهُ عَبِيدٌ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ فِي الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ، وَيُفَضِّلُ النَّفِيسَ عَلَى الْخَسِيسِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَفِي الْجَوَارِي وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ كَالْعَبِيدِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُفَضِّلُ ذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْفَرَاهَةِ لِلْعَادَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَسَوَاءٌ فِيهِ السِّرِّيَّةُ وَغَيْرُهَا، وَالْمُرَادُ بِالتَّسْوِيَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّفْضِيلُ، وَبِالتَّفْضِيلِ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ. فَصْلٌ إِذَا وَلِيَ رَقِيقُهُ مُعَالَجَةَ طَعَامِهِ، فَجَاءَهُ بِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْلِسَهُ مَعَهُ لِيَتَنَاوَلَ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ السَّيِّدُ، أَوِ امْتَنَعَ الرَّقِيقُ تَوْقِيرًا لِلسَّيِّدِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرُوغَ لَهُ السَّيِّدُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، ثُمَّ يُنَاوِلُهُ، وَالتَّرْوِيغُ: أَنْ

стр. 3666

يَرْوِيَهَا دَسَمًا، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْوِيغُ وَالْمُنَاوَلَةُ، فَإِنْ أَجْلَسَهُ مَعَهُ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَالْأَمْرُ بِهِمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ نَدْبًا إِلَى التَّوَاضُعِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِنَفْيِ الْوُجُوبِ وَذَكَرَ قَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْإِجْلَاسَ أَفْضَلُ، أَمْ هُمَا مُتَسَاوِيَانِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَأَصْلُ هَذَا الِاسْتِحْبَابُ فِي مُنَاوَلَةِ الطَّعَامِ اللَّذِيذِ، يَشْمَلُ مَنْ عَالَجَهُ وَغَيْرَهُ، لَكِنَّهُ فِيمَنْ عَالَجَهُ آكَدُ، وَرِعَايَتُهُ فِي حَقِّ الْحَاضِرِينَ أَهَمُّ، وَالْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ مُخْتَصٌّ بِمَنْ عَالَجَهُ، وَلْيَكُنْ مَا يُنَاوِلُهُ لُقْمَةً كَبِيرَةً تَسُدُّ مَسَدًّا، لَا صَغِيرَةً تُهَيِّجُ الشَّهْوَةَ، وَلَا تَقْضِي النَّهْمَةَ. فَصْلٌ نَفَقَةُ الرَّقِيقِ لَا تَصِيرُ دَيْنًا، بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ، وَلَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ طَعَامًا ثُمَّ أَرَادَ إِبْدَالَهُ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَكْلِ، وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّهُ إِنْ تَضَمَّنَ الْإِبْدَالُ تَأَخُّرَ الْأَكْلِ، لَمْ يَجُزْ. فَصْلٌ إِذَا وَلَدَتْ أَمَتُهُ، أَوْ أُمُّ وَلَدِهُ مِنْهُ، فَلَهُ أَنْ يُجْبِرَهَا عَلَى إِرْضَاعِهِ، لِأَنَّ لَبَنَهَا وَمَنَافِعَهَا لَهُ، وَلَوْ أَرَادَ تَسْلِيمَ الْوَلَدِ إِلَى غَيْرِهَا، وَأَرَادَتْ هِيَ إِرْضَاعَهُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ، وَقَدْ يُرِيدُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا وَاسْتِخْدَامَهَا، وَأَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الْوَجِيزِ» لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَضُمَّهُ فِي أَوْقَاتِ الِاسْتِمْتَاعِ إِلَى غَيْرِهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُكَلِّفَهَا إِرْضَاعَ غَيْرِ وَلَدِهَا مَعَهُ بِأُجْرَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا،

стр. 3667

إِلَّا أَنْ يَفْضُلَ لَبَنُهَا عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا، لِقِلَّةِ شُرْبِهِ، أَوْ لِكَثْرَةِ اللَّبَنِ، أَوْ لِاجْتِزَائِهِ بِغَيْرِ اللَّبَنِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ، وَلَوْ مَاتَ وَلَدُهَا أَوِ اسْتَغْنَى عَنِ اللَّبَنِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى فِطَامِهِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ إِذَا اجْتَزَأَ الْوَلَدُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ، وَعَلَى الْإِرْضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَجْتَزِئُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ، إِلَّا إِذَا تَضَرَّرَتْ بِهِ، وَلَيْسَ لَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْفِطَامِ وَلَا الْإِرْضَاعِ. فَرْعٌ الْحُرَّةُ صَاحِبَةُ حَقٍّ فِي تَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ الِاسْتِقْلَالُ بِالْفِطَامِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ، وَعَلَى الْأَبِ الْأُجْرَةُ إِذَا امْتَنَعَتِ الْأُمُّ مِنَ الْفِطَامِ، إِمَّا لَهَا وَإِمَّا لِغَيْرِهَا، وَذُكِرَ فِيهِ احْتِمَالٌ إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ جَازَ، إِذَا لَمْ يَتَضَرَّرِ الْوَلَدُ، وَأَمَّا بَعْدُ الْحَوْلَيْنِ فَيَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِطَامُ إِذَا اجْتَزَأَ بِالطَّعَامِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِي الْإِرْضَاعِ عَلَى الْحَوْلَيْنِ إِذَا اتَّفَقَا. فَرْعٌ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَدُ الْأَمَةِ مِنَ السَّيِّدِ، بَلْ مَمْلُوكٌ لَهُ مَنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى، فَحَضَانَتُهُ عَلَى السَّيِّدِ، وَحُكْمُ الْإِرْضَاعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا، فَلَهُ طَلَبُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْإِرْضَاعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّبَرُّعُ بِهِ كَمَا لَا يَلْزَمُ الْحُرَّةَ التَّبَرُّعُ، وَلَوْ رَضِيَ بِأَنْ تُرْضِعَهُ مَجَّانًا، لَمْ يَكُنْ لَهَا الِامْتِنَاعُ. فَصْلٌ تَجُوزُ الْمُخَارَجَةُ وَهِيَ ضَرْبُ خَرَاجٍ مَعْلُومٍ عَلَى الرَّقِيقِ يُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ مِمَّا يَكْتَسِبُهُ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارُ الْعَبْدِ عَلَيْهَا، وَلَا لِلْعَبْدِ إِجْبَارُ السَّيِّدِ، كَالْكِتَابَةِ، وَحُكِيَ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أَنَّ لِلسَّيِّدِ إِجْبَارَهُ كَمَا

стр. 3668

يَنْقُلُ مَنَافِعَهُ قَهْرًا إِلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِذَا تَرَاضَيْنَا عَلَى خَرَاجٍ، فَلْيَكُنْ لَهُ كَسْبٌ دَائِمٌ يَفِي بِذَلِكَ الْخَرَاجِ، فَاضِلًا عَنْ نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ، إِنْ جَعَلَهُمَا فِي كَسْبِهِ، وَإِذَا وَفَّى وَزَادَ كَسْبُهُ، فَالزِّيَادَةُ بِرٌّ مِنَ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَتَوْسِيعٌ لِلنَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَإِذَا ضَرَبَ عَلَيْهِ خَرَاجًا أَكْثَرَ مِمَّا يَلِيقُ، وَأَلْزَمَهُ تَأْدِيَتَهُ، مَنَعَهُ السُّلْطَانُ، وَيُجْبَرُ النَّقْصُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِالزِّيَادَةِ فِي بَعْضِهَا، وَالْمُخَارَجَةُ غَيْرُ لَازِمَةٍ. فَصْلٌ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ رَقِيقَهُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُ عَمَلًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَعْجَزُ عَنْهُ، وَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ نَهَارًا، أَرَاحَهُ لَيْلًا، وَكَذَا بِالْعَكْسِ، وَيُرِيحُهُ فِي الصَّيْفِ فِي وَقْتِ الْقَيْلُولَةِ، وَيَسْتَعْمِلُهُ فِي الشِّتَاءِ النَّهَارَ مَعَ طَرَفَيِ اللَّيْلِ، وَيَتَّبِعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ الْعَادَةَ الْغَالِبَةَ، وَعَلَى الْعَبْدِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ، وَتَرْكُ الْكَسَلِ. فَصْلٌ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ النَّفَقَةِ عَلَى مَمْلُوكِهِ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ فِي نَفَقَتِهِ، وَهَلْ يَبِيعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، أَمْ يَسْتَدِينُ عَلَيْهِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ شَيْءٌ صَالِحٌ، بَاعَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا، أَمَرَهُ بِأَنْ يَبِيعَهُ، أَوْ يُؤَجِّرَهُ، أَوْ يُعْتِقَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ أَوْ أَجَّرَهُ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ، أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَالٌ، فَهُوَ مِنْ مَحَاوِيجِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِمُ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِ.

стр. 3669

فَصْلٌ مَنْ مَلَكَ دَابَّةً، لَزِمَهُ عَلْفُهَا، وَسَقْيُهَا، وَيَقُومُ مَقَامَ الْعَلْفِ وَالسَّقْيِ تَخْلِيَتُهَا لِتَرْعَى، وَتَرِدَ الْمَاءَ إِنْ كَانَتْ مِمَّا يَرْعَى وَيَكْتَفِي بِهِ، لِخِصْبِ الْأَرْضِ وَنَحْوِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَانِعُ ثَلْجٍ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ وَلَمْ يَكْفِهَا الرَّعْيُ، لَزِمَهُ أَنْ يُضِيفَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَلَفِ مَا يَكْفِيهَا، وَيَطَّرِدُ هَذَا فِي كُلِّ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ، وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَالِكُ مِنْ ذَلِكَ، أَجْبَرَهُ السُّلْطَانُ فِي الْمَأْكُولَةِ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ صِيَانَتِهَا عَنِ الْهَلَاكِ بِالْعَلْفِ أَوِ التَّخْلِيَةِ لِلرَّعْيِ أَوْ ذَبْحِهَا، وَفِي غَيْرِ الْمَأْكُولَةِ عَلَى الْبَيْعِ أَوِ الصِّيَانَةِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، نَابَ الْحَاكِمُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ أَنَّهُ لَا يُخَلِّيهَا لِخَوْفِ الذِّئْبِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، بَاعَ الْحَاكِمُ الدَّابَّةَ، أَوْ جُزْءًا مِنْهَا، أَوْ أَكْرَاهَا، فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهَا لِعَمًى أَوْ زَمَانَةٍ، أَنْفَقَ عَلَيْهَا بَيْتُ الْمَالِ كَالرَّقِيقِ. فَرْعٌ يَجُوزُ غَصْبُ الْعَلَفِ لِلدَّابَّةِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلَمْ يَبِعْهُ صَاحِبُهُ، وَكَذَا غَصْبُ الْخَيْطِ لِجِرَاحَتِهَا، وَفِيهِمَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ. فَرْعٌ يَحْرُمُ تَكْلِيفُ الدَّابَّةِ مَا لَا تُطِيقُهُ، مِنْ تَثْقِيلِ الْحِمْلِ، وَإِدَامَةِ السَّيْرِ وَغَيْرِهِمَا. قُلْتُ: يَحْرُمُ تَحْمِيلُهَا مَا لَا تُطِيقُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ تُطِيقُهُ يَوْمًا وَنَحْوَهُ، كَمَا سَبَقَ فِي الرَّقِيقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ نَزْفُ لَبَنِ الدَّابَّةِ بِحَيْثُ يَضُرُّ وَلَدَهَا، وَإِنَّمَا يُحْلَبُ مَا فَضَلَ

стр. 3670

عَنْ رَيِّ وَلَدِهَا، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَيَعْنِي بِالرَّيِّ: مَا يُقِيمُهُ حَتَّى لَا يَمُوتَ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَا يَجُوزُ الْحَلْبُ إِذَا كَانَ يَضُرُّ الْبَهِيمَةَ لِقِلَّةِ الْعَلَفِ، قَالَ: وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْحَلْبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِضْرَارٌ بِهَا، لِأَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، قَالَ: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَسْتَقْصِيَ فِي الْحَلْبِ، وَيَدَعَ فِي الضَّرْعِ شَيْئًا، وَأَنْ يَقُصَّ الْحَالِبُ أَظْفَارَهُ لِئَلَّا يُؤْذِيَهَا. فَرْعٌ يُبْقِي لِلنَّحْلِ شَيْئًا مِنَ الْعَسَلِ فِي الْكُوَّارَةِ، فَإِنْ كَانَ أَخْذُهُ الْعَسَلَ فِي الشِّتَاءِ، وَزَمَنَ تَعَذُّرِ خُرُوجِ النَّحْلِ، كَانَ الْمُتَبَقِّي أَكْثَرُ، وَإِنْ أَقَامَ شَيْئًا مَقَامَ الْعَسَلِ لِغِذَائِهَا، لَمْ يَتَعَيَّنْ إِبْقَاءُ الْعَسَلِ. فَرْعٌ دُودُ الْقَزِّ يَعِيشُ بِوَرَقِ التُّوتِ، فَعَلَى مَالِكِهِ تَخْلِيَتُهُ لِأَكْلِهِ، فَإِنْ عَزَّ الْوَرَقُ، وَلَمْ يَعْتَنِ الْمَالِكُ بِهِ، بِيعَ مَالُهُ فِي تَحْصِيلِ الْوَرَقِ لِئَلَّا يَهْلَكَ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ، جَازَ تَجْفِيفُهُ بِالشَّمْسِ، وَإِنْ كَانَ يَهْلَكُ لِتَحْصُلَ فَائِدَتُهُ. فَرْعٌ مَا لَا رُوحَ فِيهِ كَالْعَقَارِ وَالْقُنِيِّ وَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، لَا يَجِبُ الْقِيَامُ بِعِمَارَتِهَا، وَلَا يُكْرَهْ تَرْكُ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ، لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُ سَقْيِ الزَّرْعِ وَالْأَشْجَارِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَرْكُ عِمَارَةِ الدَّارِ إِلَى أَنْ تَخْرُبَ، وَلَا يُكْرَهُ عِمَارَاتُ الدُّورِ وَسَائِرِ الْعَقَارِ لِلْحَاجَةِ، وَالْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ، وَرُبَّمَا قِيلَ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. كِتَابُ الْجِنَايَاتِ

стр. 3671

وَهِيَ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يُزْهِقُ وَلَا يَبِينُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ. قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ: هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الْكُفْرِ، وَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ «الْمُخْتَصَرِ» وَتُقْبَلُ التَّوْبَةُ مِنْهُ. وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، لَا يَتَحَتَّمُ دُخُولُهُ النَّارِ، بَلْ هُوَ فِي خَطَرِ الْمَشِيئَةِ كَسَائِرِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ دَخَلَهَا لَمْ يَخْلُدْ فِيهَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ الَّذِي هُوَ لَيْسَ مُبَاحًا سِوَى عَذَابِ الْآخِرَةِ مُؤَاخَذَاتٌ فِي الدُّنْيَا: الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، لَكِنْ لَا يَجْتَمِعُ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، لَا وُجُوبًا وَلَا اسْتِيفَاءً، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَأَعَمُّ مِنْهُمَا، فَتَجِبُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ تَنْفَرِدُ عَنْهُمَا. قُلْتُ: وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْضًا التَّعْزِيرُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا: إِذَا قَتَلَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ صِبْيَانِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْقِصَاصُ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّفْسِ، بَلْ يَجْرِي فِي غَيْرِ النَّفْسِ مِنَ الْأَطْرَافِ وَغَيْرِهَا، وَالْكَلَامُ فِيهِ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي مُوجِبِ الْقِصَاصِ، وَالثَّانِي: فِي حُكْمِهِ، اسْتِيفَاءً وَعَفْوًا، وَالْأَوَّلُ نَوْعَانِ: قِصَاصُ نَفْسٍ وَقِصَاصُ طَرَفٍ وَجِرَاحَاتٍ، فَنَذْكُرُ مُوجِبَ الْقِصَاصِ وَوَاجِبَهُ فِي النَّفْسِ ثُمَّ فِي الطَّرَفِ، أَمَّا مُوجِبُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْقَتْلُ وَالْقَتِيلُ وَالْقَاتِلُ. الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: الْقَتْلُ وَهُوَ كُلُّ فِعْلِ عَمْدٍ مَحْضٍ مُزْهِقٍ

стр. 3672

لِلرُّوحِ عُدْوَانٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُزْهِقًا، فَهَذَا هُوَ الْقَتْلُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَقَوْلُنَا: كُلُّ فِعْلٍ، لِيَشْمَلَ الْجُرْحَ وَغَيْرَهُ، وَقَوْلُنَا: عُدْوَانٍ، احْتِرَازٌ مِنَ الْقَتْلِ الْجَائِزِ، وَقَوْلُنَا: مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُزْهِقًا، احْتِرَازٌ عَمَّا إِذَا اسْتَحَقَّ حَزَّ رَقَبَتِهِ قِصَاصًا فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ، وَإِنْ كَانَ عُدْوَانًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعُدْوَانٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُزْهِقًا، وَإِنَّمَا هُوَ عُدْوَانٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ عَدْلٌ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَحِقِّ فَيَحْتَاجُ إِلَى بَيَانِ الْعَمْدِيَّةِ وَالْمُزْهِقِ وَتَعَلُّقِ الْقِصَاصِ بِالْمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ، وَحُكْمِ اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَبَيَانِ حَكَمِ اجْتِمَاعِ الْمُبَاشَرَتَيْنِ، وَبَيَانِ اجْتِمَاعِ السَّبَبَيْنِ، فَأَمَّا اجْتِمَاعُ السَّبَبَيْنِ، فَمُؤَخَّرٌ إِلَى كِتَابِ الدِّيَاتِ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ، فَنَعْقِدُ فِيهَا أَطْرَافًا: الطَّرَفُ الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ الْعَمْدِيَّةِ، وَتَمْيِيزِ الْعَمْدِ مِنَ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، فَإِذَا صَدَرَ مِنْهُ فِعْلٌ قَتَلَ غَيْرَهُ، نُظِرَ؛ إِنْ لَمْ يُقْصِدْ أَصْلَ الْفِعْلِ بِأَنْ زَلِقَ، فَسَقَطَ عَلَى غَيْرِهِ، فَمَاتَ بِهِ، أَوْ تَوَلَّدَ الْهَلَاكُ مِنَ اضْطِرَابِ يَدِ الْمُرْتَعِشِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدِ الشَّخْصُ وَإِنْ قَصَدَ الْفِعْلَ، بِأَنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ رَجُلًا، أَوْ قَصَدَ رَجُلًا، فَأَصَابَ غَيْرَهُ، فَهَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ، وَإِنْ قَصَدَ الْفِعْلَ وَالشَّخْصَ مَعًا، فَهَذَا قَدْ يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا، وَقَدْ يَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ، وَفِي التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا عِبَارَاتٌ لِلْأَصْحَابِ يَجْمَعُهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ الْقَصْدَانِ وَعَلِمْنَا حُصُولَ الْمَوْتِ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ، سَوَاءٌ قَصَدَ الْإِهْلَاكِ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ الْفِعْلُ مُهْلِكًا غَالِبًا، أَمْ نَادِرًا، كَقَطْعِ الْأُنْمُلَةِ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي حُصُولِ الْمَوْتِ بِهِ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَالثَّانِي: إِنْ ضَرَبَهُ بِجَارِحٍ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمُثْقِلٍ، اعْتُبِرَ مَعَ ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ عَمْدًا أَنْ يَكُونَ مُهْلِكًا غَالِبًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكًا غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَاعْتَرَضَ الْغَزَالِيُّ عَلَى الْأَوَّلِ، بِأَنَّهُ لَوْ

стр. 3673

ضَرَبَ كُوعَهُ بِعَصًا، فَتَوَرَّمَ الْمَوْضِعُ، وَدَامَ الْأَلَمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَدْ عَلِمْنَا حُصُولَ الْمَوْتِ بِهِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَعَلَى الثَّانِي بِأَنَّ الْعَمْدِيَّةَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ لَا يَخْتَلِفُ بِالْجَارِحِ وَالْمُثْقِلِ، وَكَمَا يُؤَثِّرُ الْجَارِحُ فِي الظَّاهِرِ بِالشَّقِّ يُؤَثِّرُ الْمُثْقِلُ فِي الْبَاطِنِ بِالتَّرْضِيضِ، وَفِي كَلَامِ الْإِمَامِ نَحْوُ هَذَا، وَالْوَجْهُ الثَّالِثِ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ لِإِفْضَاءِ الْفِعْلِ إِلَى الْهَلَاكِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: غَالِبٌ وَكَثِيرٌ وَنَادِرٌ، وَالْكَثِيرُ: هُوَ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالنَّادِرِ، وَمِثَالُهُ، الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ وَالْجُذَامُ، فَالصِّحَّةُ هِيَ الْغَالِبَةُ فِي النَّاسِ، وَالْمَرَضُ كَثِيرٌ لَيْسَ بِغَالِبٍ، وَالْجُذَامُ نَادِرٌ، فَإِنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، جَارِحًا كَانَ أَوْ مُثْقِلًا، فَعَمْدٌ، وَإِنْ كَانَ يَقْتُلُ كَثِيرًا فَهُوَ عَمْدٌ إِنْ كَانَ جَارِحًا كَالسِّكِّينِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ كَانَ مُثْقِلًا، كَالسَّوْطِ وَالْعَصَا، فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ يَقْتُلُ نَادِرًا، فَلَا قِصَاصَ، مُثْقِلًا كَانَ أَوْ جَارِحًا، كَغَرْزِ إِبْرَةٍ لَا يَعْقُبُهُ أَلَمٌ وَلَا وَرَمٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَارِحِ وَالْمُثْقِلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْجِرَاحَةَ لَهَا أَثَرٌ فِي الْبَاطِنِ قَدْ يَخْفَى، وَلِأَنَّ الْجُرْحَ وَهُوَ طَرِيقُ الْإِهْلَاكِ غَالِبًا بِخِلَافِ الْمُثْقِلِ، وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّهُ إِنْ ضَرَبَهُ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَعَمْدٌ مَحْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا، فَشِبْهُ عَمْدٍ، فَهَذِهِ عِبَارَاتُ الْأَصْحَابِ فِي التَّمْيِيزِ، وَالْقِصَاصُ مُخْتَصٌّ بِالْعَمْدِ الْمَحْضِ دُونَ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ. فَرْعٌ جَرَحَهُ بِمُحَدَّدٍ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ زُجَاجٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَمَاتَ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ بِسِرَايَةِ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَالطَّعْنُ بِالسِّنَانِ، وَغَرْزُ الْمِسَلَّةِ كَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ، وَهَذَا فِي الْجِرَاحَاتِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ، فَأَمَّا إِبَانَةُ فِلْقَةٍ مِنَ اللَّحْمِ خَفِيفَةٍ فَهُوَ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ كَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَإِذَا غَرَزَ إِبْرَةً فَمَاتَ، نُظِرَ؛ إِنْ غَرَزَهَا

стр. 3674

فِي مَقْتَلٍ، كَالدِّمَاغِ وَالْعَيْنِ وَأَصْلِ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ وَثُغْرَةِ النَّحْرِ وَالْأَخْدَعِ، وَهُوَ عِرْقُ الْعُنُقِ، وَالْخَاصِرَةِ وَالْإِحْلِيلِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْمَثَانَةِ وَالْعِجَانِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ الْخُصْيَةِ وَالدُّبُرِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ غَرَزَهَا فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، نُظِرَ؛ إِنْ ظَهَرَ أَثَرُ الْغَرْزِ بِأَنْ تَوَرَّمَ الْمَوْضِعُ، لِلْإِمْعَانِ فِي الْغَرْزِ، وَالتَّوَغُّلِ فِي اللَّحْمِ، وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ فِيهِ وَجْهَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ، وَمَاتَ فِي الْحَالِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَكِنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ، فَيَجِبُ الدِّيَةُ، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَالثَّالِثُ: لَا يَجِبُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَفِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ أَنَّ الْغَرْزَ فِي بَدَنِ الصَّغِيرِ وَالشَّيْخِ الْهَرِمِ وَنِضْوِ الْخَلْقِ، يُوجِبُ الْقِصَاصَ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةً فِي جِلْدَةِ الْعَقِبِ وَنَحْوِهَا، وَلَمْ يَتَأَلَّمْ بِهِ، فَمَاتَ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، لِعِلْمِنَا بِأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ بِهِ، وَالْمَوْتُ عَقِبَهُ مُوَافَقَةُ قَدَرٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ ضَرَبَهُ بِقَلَمٍ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ خِرْقَةً، فَمَاتَ فِي الْحَالِ. فَرْعٌ لَوْ ضَرَبَهُ بِمُثْقِلٍ كَبِيرٍ يَقْتُلُ غَالِبًا كَحَجَرٍ، أَوْ دَبُّوسٍ كَبِيرَيْنِ، أَوْ أَحْرَقَهُ، أَوْ صَلَبَهُ، أَوْ هَدَمَ عَلَيْهِ حَائِطًا، أَوْ سَقْفًا، أَوْ أَوْطَأَهُ دَابَّةً، أَوْ دَفْنَهُ حَيًّا، أَوْ عَصَرَ خُصْيَتَهُ عَصْرًا شَدِيدًا، فَمَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ، أَوْ عَصًا خَفِيفَةٍ، أَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ صَغِيرٍ، نُظِرَ؛ إِنْ وَالَى بِهِ الضَّرْبَ حَتَّى مَاتَ، أَوِ اشْتَدَّ الْأَلَمُ، وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يُوَالِ وَاقْتَصَرَ عَلَى سَوْطٍ أَوْ سَوْطَيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَقْتَلٍ، أَوْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوِ الْبَرْدِ الْمُعِينَيْنِ عَلَى الْهَلَاكِ، أَوْ كَانَ الْمَضْرُوبُ صَغِيرًا أَوْ ضَعِيفًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ بِعَارِضٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ مُهْلِكٌ غَالِبًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ خَنَقَهُ، أَوْ وَضَعَ عَلَى فَمِهِ يَدَهُ، أَوْ مِخَدَّةً وَنَحْوَهَا حَتَّى مَاتَ بِانْقِطَاعِ

стр. 3675

النَّفَسِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ خَلَّاهُ وَهُوَ حَيٌّ، وَجَبَ الْقِصَاصُ أَيْضًا إِنِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، أَوْ ضَعُفَ وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، وَإِنْ زَالَ الضَّعْفُ وَالْأَلَمُ، ثُمَّ مَاتَ، فَقَدِ انْقَطَعَ أَثَرُ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الْإِمْسَاكِ عَلَى الْفَمِ قَصِيرَةً لَا يَمُوتُ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهَا غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ. فَرْعٌ لَوْ ضَرَبَهُ الْيَوْمَ ضَرْبَةً، وَغَدًا ضَرْبَةً، وَهَكَذَا فَرَّقَ الضَّرَبَاتِ حَتَّى مَاتَ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ عِنْدَ تَفْرِيقِ الضَّرَبَاتِ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ: لَوْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً وَقَصَدَ أَنْ لَا يَزِيدَ، فَشَتَمَهُ، فَضَرَبَهُ ثَانِيَةً، ثُمَّ شَتَمَهُ، فَضَرَبَهُ ثَالِثَةً حَتَّى قَتَلَهُ، فَلَا قِصَاصَ لِعَدَمِ الْمُوَالَاةِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُنْظَرَ إِلَى صُورَةِ الْمُوَالَاةِ وَلَا تُقَدَّرُ مُدَّةُ التَّفْرِيقِ، بَلْ يُعْتَبَرُ أَثَرُ الضَّرْبَةِ السَّابِقَةِ وَالْآلَامُ الْحَاصِلَةُ بِهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ ثُمَّ ضَرَبَهُ أُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَالَى. فَرْعٌ الضَّرْبُ بِجَمْعِ الْكَفِّ، كَالضَّرْبِ بِالْعَصَا الْخَفِيفَةِ. فَرْعٌ لَوْ سَقَاهُ دَوَاءً أَوْ سُمًّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، لَكِنَّهُ يَقْتُلُ كَثِيرًا، فَهُوَ كَغَرْزِ الْإِبْرَةِ فِي غَيْرِ مَقْتَلٍ، لِأَنَّ فِي الْبَاطِنِ أَغْشِيَةً رَقِيقَةً تَنْقَطِعُ بِهِ، وَفِي إِلْحَاقِهِ بِالْمُثْقِلِ احْتِمَالٌ. فَرْعٌ حَبَسَهُ فِي بَيْتٍ فَمَاتَ جُوعًا، أَوْ عَطَشًا، نُظِرَ؛ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ خَوْفًا أَوْ حُزْنًا، أَوْ أَمْكَنَهُ طَلَبُهُ وَلَوْ بِالسُّؤَالِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَجِبْ عَلَى حَابِسِهِ قِصَاصٌ وَلَا ضَمَانٌ، لِأَنَّ الْمَحْبُوسَ قَتَلَ نَفْسَهُ، وَإِنْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَمَنَعَهُ الطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ، نُظِرَ؛ إِنْ

стр. 3676

مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا بِالْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَحْبُوسِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَالزَّمَانِ حَرًّا وَبَرْدًا، وَإِنْ لَمْ تَمْضِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَمَاتَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ أَوْ عَطَشٌ سَابِقٌ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَعْضُ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْحَابِسُ جُوعَهُ السَّابِقَ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالَيْنِ، وَالثَّالِثُ: عَكْسُهُ، وَشَبَّهُوا الْجَاهِلَ بِمَنْ دَفَعَ رَجُلًا دَفْعًا خَفِيفًا، فَسَقَطَ عَلَى سِكِّينٍ وَرَاءَهُ، وَالدَّافِعُ جَاهِلٌ بِهَا، لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ وَجَبَتْ دِيَةُ عَمْدٍ بِكَمَالِهَا إِنْ كَانَ عَالِمًا، وَدِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ إِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الدِّيَةُ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، وَأَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: تَجِبُ نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعُمَدِ. وَلَوْ مَنَعَهُ الشَّرَابَ دُونَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَأْكُلِ الْمَحْبُوسُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَمَاتَ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجِبُ، وَلَوْ حَبَسَهُ، وَرَاعَاهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا، ضَمِنَهُ بِالْيَدِ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِانْهِدَامِ سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ بِلَسْعِ حَيَّةٍ وَنَحْوِهَا. وَلَوْ حَبَسَهُ وَعَرَّاهُ حَتَّى مَاتَ بِالْبَرْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَبَسَهُ، وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَلَوْ أَخَذَ طَعَامَهُ، أَوْ شَرَابَهُ، أَوْ ثِيَابَهُ فِي مَفَازَةٍ، فَمَاتَ جُوعًا، أَوْ عَطَشًا، أَوْ بَرْدًا، فَلَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ صُنْعًا. فَرْعٌ لَوْ سَحَرَ رَجُلًا، فَمَاتَ، سَأَلْنَاهُ، فَإِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي، وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ يَقْتُلُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ، فَهُوَ

стр. 3677

إِقْرَارٌ بِشُبْهَةِ الْعَمْدِ، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ غَيْرَهُ، فَتَأَثَّرَ بِهِ لِمُوَافَقَةِ الِاسْمِ الِاسْمَ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالْخَطَأِ، وَفِي الْحَالَيْنِ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأُ يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ، وَسَيَعُودُ ذِكْرُ السِّحْرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ، ثُمَّ فِي كِتَابِ دَعْوَى الدَّمِ، وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ هُنَاكَ، أَنَّ السِّحْرَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمُزْهِقِ. فَالْفِعْلُ الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ فِي الزُّهُوقِ، إِمَّا أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي حُصُولِ الزُّهُوقِ، وَلَا فِي حُصُولِ مَا يُؤَثِّرُ فِي الزُّهُوقِ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الزُّهُوقِ وَيُحَصِّلُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَثِّرَ فِي حُصُولِ مَا يُؤَثِّرُ فِي الزُّهُوقِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَكَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرَدِّي أَوِ التَّرْدِيَةِ، وَكَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْقَتْلِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَكَالْقَدِّ، وَحَزِّ الرَّقَبَةِ، وَالْجِرَاحَاتِ السَّارِيَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَكَالْإِكْرَاهِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْقَدِّ، فَالْأَوَّلُ شَرْطٌ، وَالثَّانِي عِلَّةٌ، وَالثَّالِثُ سَبَبٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِالشَّرْطِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ، وَكَذَا بِالسَّبَبِ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ سَنَرَاهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. ثُمَّ السَّبَبُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: مَا يُوَلِّدُ الْمُبَاشِرَةَ تَوْلِيدًا حِسِّيًّا، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، فَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمَأْمُورُ مُبَاشِرٌ آثِمٌ بِفِعْلِهِ، وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْإِكْرَاهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقُ، وَالَّذِي مَالَ إِلَيْهِ الْمُعْتَبِرُونَ هُنَا وَرَجَّحُوهُ، أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْلِ، أَوْ مَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، كَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَحُكْمِ الْإِكْرَاهِ الصَّادِرِ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَوِ الْمُتَغَلِّبِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُوَلِّدُهَا شَرْعًا وَهُوَ الشَّهَادَةُ، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى

стр. 3678

رَجُلٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلُهُ قِصَاصًا، أَوْ بِرِدَّةٍ، أَوْ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَحَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ وَقَتَلَهُ بِمُقْتَضَاهَا، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا، لَزِمَهُمُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ شَهِدُوا بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ قِصَاصًا، أَوْ فِي سَرِقَةٍ، فَقُطِعَ، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا، لَزِمَهُمُ الْقَطْعُ، وَإِنْ سَرَى فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ وَقَالُوا: لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا، أَوْ رَجَعَ الْمُزَكِّي أَوِ الْقَاضِي أَوِ الْوَالِي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الشُّهُودِ، فَسَيَأْتِي بَيَانُ كُلِّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالتَّعَمُّدِ، لَا بِكَذِبِهِمْ، حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَّا كَذِبَهُمْ بِأَنْ شَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا، وَلَا يَلْزَمُهُمُ الْقِصَاصُ بِالرُّجُوعِ إِلَّا إِذَا أَخْرَجَتْ شَهَادَتُهُمْ مُبَاشَرَةَ الْوَلِيِّ عَنْ كَوْنِهَا عُدْوَانًا، أَمَّا إِذَا اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِكَوْنِهِ عَالِمًا بِكَذِبِهِمْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ، رَجَعُوا أَمْ لَمْ يَرْجِعُوا. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يُوَلِّدُهَا تَوْلِيدًا عُرْفِيًّا، كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ، فَإِذَا أَوْجَرُوهُ سُمًّا صِرْفًا، أَوْ مَخْلُوطًا وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، سَوَاءٌ كَانَ مُوحِيًا أَوْ غَيْرَ مُوحٍ، فَمَاتَ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَقَدْ يَقْتُلُ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا: إِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ لِلسُّمِّ نِكَايَةً فِي الْبَاطِنِ كَالْجُرْحِ، فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، لَكِنْ أَوْجَرَهُ ضَعِيفًا بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمِثْلُهُ يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَالَ الْمُؤْجِرُ: كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤْجِرِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ سَاعَدَتْهُ بَيِّنَةٌ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْوَلِيُّ بَيِّنَةً عَلَى مَا يَقُولُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ هَذَا السُّمِّ الْحَاضِرِ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ، فَهَلْ يُصَدَّقُ الْمُؤْجِرُ؟ قَوْلَانِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ:

стр. 3679

فِيمَا إِذَا قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ كَوْنَهُ قَاتِلًا، أَظْهَرُهُمَا: لَا يُصَدَّقُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ لَمْ يُوجِرْهُ السُّمَّ الْقَاتِلَ، لَكِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ، فَشَرِبَهُ، قَالَ الدَّارَكِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَإِكْرَاهِهِ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ. لَوْ. نَاوَلَهُ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ وَقَالَ: كُلْهُ، أَوْ قَدَّمَهُ إِلَيْهِ وَضَيَّفَهُ بِهِ، فَأَكَلَهُ، وَمَاتَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُمَا: هُوَ مَسْمُومٌ أَمْ لَا، وَذَكَرُوا مِثْلَهُ فِي الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الطَّاعَةِ فِي كُلِّ مَا يُشَارُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، وَلَا نَظَرُوا إِلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ، وَلِلنَّظَرَيْنِ مَحَالٌّ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَإِنْ عَلِمَ حَالَ الطَّعَامِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُنَاوِلِ وَالْمُقَدِّمِ، بَلِ الْأَكِلُ هُوَ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَإِلَّا فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ، وَهُمَا جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ غَطَّى رَأْسَ بِئْرٍ فِي دِهْلِيزِهِ، وَدَعَا إِلَى دَارِهِ ضَيْفًا، وَكَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِذَا أَتَاهُ، فَأَتَاهُ وَهَلَكَ بِهَا، أَظْهَرُهُمَا: لَا قِصَاصَ. وَطَرَدَ الْبَغَوِيُّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ: كُلْ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ السُّمِّ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ، وَفِيمَا إِذَا جُعِلَ السُّمُّ فِي جَرَّةِ مَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَمَاتَ. وَلْتَكُنِ الصُّورَةُ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْعَمْدِيَّةُ. فَإِذَا قُلْنَا: لَا قِصَاصَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنَّ هَذَا أَقْوَى مِنْ حَفْرِ الْبِئْرِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا تَجِبُ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ دَسَّ السُّمَّ فِي طَعَامِ رَجُلٍ، فَأَكَلَهُ صَاحِبُهُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَمَاتَ، فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ

стр. 3680

عَلَى الْقَوْلَيْنِ، إِذَا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَغْرِيرٌ، وَلَا حَمْلٌ عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ إِتْلَافُ طَعَامِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَلَوْ دَسَّهُ فِي طَعَامِ نَفْسِهِ فَدَخَلَ شَخْصٌ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَأَكَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ. فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَهُ، وَيَأْكُلُ انْبِسَاطًا، فَهَلْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي الْقِصَاصِ، أَمْ يُقْطَعُ بِنَفْيِهِ؟ طَرِيقَانِ. فَصْلٌ فِيمَا إِذَا جَرَى سَبَبٌ وَقَدَرَ الْمَقْصُودُ عَلَى دَفْعِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: جَرَحَهُ جِرَاحَةً مُهْلِكَةً، فَلَمْ يُعَالِجْهَا الْمَجْرُوحُ حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَارِحِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْجِرَاحَةِ مُهْلِكٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَبَسَهُ وَالطَّعَامُ عِنْدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ، لَأَنَّ الْحَبْسَ بِمَجْرَدِهِ لَيْسَ مُهْلِكًا. الثَّانِيَةُ: غَرَّقَهُ فِي مَاءٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ فِيهِ حَتَّى مَاتَ، أَوْ تَرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ، وَلَكِنْ تَأَلَّمَ بِهِ، وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَمَاتَ بِهِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ الْمَاءُ بِحَيْثُ لَا يُتَوَقَّعُ الْخَلَاصُ مِنْهُ كَلُجَّةِ الْبَحْرِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ فِيهَا السِّبَاحَةُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْقَى يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ يُتَوَقَّعُ الْخَلَاصُ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ مُغْرِقًا، بِأَنْ كَانَ رَاكِدًا فِي مَوْضِعٍ مُنْبَسِطٍ، فَمَكَثَ الْمُلْقَى فِيهِ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُسْتَلْقِيًا حَتَّى هَلَكَ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، فَإِنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ فَصَدَهُ فَلَمْ يَعْصِبْ نَفْسَهُ حَتَّى مَاتَ، لَأَنَّ الدَّفْعَ مَوْثُوقٌ بِهِ، لَكِنْ لَوْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ مُغْرِقًا كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ الَّتِي لَا يَخْلُصُ مِنْهَا إِلَّا بِالسِّبَاحَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُلْقَى مَكْتُوفًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ
следующие страницы →