← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ عَتَقَ الْمَجْرُوحُ، فَجَرَحَهُ حُرٌّ وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ بِجِنَايَتِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا، بِأَنْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ وَمُسْلِمٌ مُسْلِمًا، وَمَاتَ مِنْهُمَا، أَوْ قُطِعَتْ يَدُ إِنْسَانٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ، ثُمَّ جَرَحَهُ رَجُلٌ عُدْوَانًا، أَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَجَرَحَهُ غَيْرُهُ، أَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، ثُمَّ عُقِدَتِ الذِّمَّةُ لِلْمَجْرُوحِ، فَجَرَحَهُ ذِمِّيٌّ آخَرُ، أَوْ جَرَحَ صَائِلًا، ثُمَّ جَرَحَهُ غَيْرُهُ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الصُّوَرِ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ كَشَرِيكِ الْأَبِ، وَالثَّانِي: لَا، بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَهُ سَبُعٌ، أَوْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ أَوْ حَيَّةٌ، وَجَرَحَهُ مَعَ ذَلِكَ رَجُلٌ، فَطَرِيقَانِ، أَشْهَرُهُمَا: طَرَدَ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنْ لَا قِصَاصَ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ. وَمَوْضِعُ الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَنْ يَقْصِدَ السَّبُعُ الْجِرَاحَةَ، فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ السَّبُعُ عَلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَهُ السَّبُعُ بِالْجُرْحِ أَمْ لَا، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ. ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ جُرْحُ السَّبُعِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا، وَإِلَّا فَشَرِيكُهُ شَرِيكُ الْجَارِحِ شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ جَرَحَ رَجُلٌ عَبْدَهُ، وَجَرَحَهُ عَبْدٌ، أَوْ عُتِقَ، فَجَرَحَهُ عَبْدٌ، أَوْ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُمَا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِ السَّيِّدِ طَرِيقَانِ أَشْهَرُهُمَا، طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، لِأَنَّ فِعْلَ السَّيِّدِ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَشَرِيكُهُ شَرِيكٌ عَامِدٌ ضَامِنٌ، كَشَرِيكِ الْأَبِ، وَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟ . إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَشَرِيكِ السَّيِّدِ، وَإِلَّا فَكَشَرِيكِ الْحَرْبِيِّ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ، وَلَوْ رَمَى اثْنَانِ سَهْمَيْنِ إِلَى مُسْلِمٍ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ، وَقَدْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَعْلَمِ

стр. 3712

الْآخَرُ أَنَّ هُنَاكَ مُسْلِمًا، فَوُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْعَالِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي شَرِيكِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْجَاهِلِ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ. فَرْعٌ. وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْعَامِدَيْنِ، يُبْنَى عَلَى أَنَّ عَمْدَهُمَا عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ؟ إِنْ قُلْنَا: عَمْدٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا، كَذَا أَطْلَقَهُ مُطْلِقُونَ. وَعَنِ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي صَبِيٍّ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ، وَفِي مَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزِ، فَأَمَّا مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِحَالِ، فَعَمْدُهُ خَطَأٌ، وَشَرِيكُهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْأَئِمَّةُ، مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ. فَرْعٌ. إِذَا جَرَحَ شَخْصٌ شَخْصًا جِرَاحَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: عَمْدٌ، وَالْأُخْرَى: خَطَأٌ، فَمَاتَ بِهِمَا، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّ الزُّهُوقَ لَمْ يَحْصُلْ بِعَمْدٍ مَحْضٍ. وَتَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي مَالِهِ، وَنَصِفُ الْمُخَفَّفَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِجِرَاحَةِ الْعَمْدِ، بِأَنْ تَكُونَ قَطْعُ طَرَفٍ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ، فَجَرَحَهُ ثَانِيًا، أَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ قِصَاصًا، أَوْ بِسَرِقَةٍ، ثُمَّ جَرَحَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى ظُلْمًا، أَوْ قَطَعَ الصَّائِلَ دَفْعًا، فَلَمَّا وَلَّى، جَرَحَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ. وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الْجِرَاحَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ جَرَحَهُ بَعْدَهُ، أَوِ السَّيِّدُ عَبْدَهُ ثُمَّ جَرَحَهُ بَعْدَ عَتْقٍ، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ، وَجَرَحَهُ ثَانِيًا. وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، أَوْ حَرٌّ يَدَ عَبْدٍ، فَعُتِقَ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ.

стр. 3713

وَيَجِبُ قِصَاصُ الطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِنِ اقْتَصَّ فِي الطَّرَفِ، أَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا، أَخَذَ دِيَةَ حُرٍّ مُسْلِمٍ. وَلَوْ قَطَعَ ذِمِّيٌّ يَدَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ الْقَاطِعُ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَيَجِبُ قِصَاصُ الطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ أَوَّلًا، فَإِنْ عَفَا الْمُسْتَحِقُّ، أَخَذَ دِيَةَ ذِمِّيٍّ. فَرْعٌ. إِذَا دَاوَى الْمَجْرُوحُ نَفْسَهُ بِسُمٍّ قَاتِلٍ، بِأَنْ شَرِبَهُ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ السُّمُّ مُذَفَّفًا، فَالْمَجْرُوحُ قَاتِلُ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَارِحِ قِصَاصٌ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ أَوِ الْقِصَاصُ إِنْ تَعَلَّقَ بِهَا قِصَاصُ طَرَفٍ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَالْجَارِحُ شَرِيكٌ لِصَاحِبِ شِبْهِ عَمْدٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، أَوِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إِنِ اقْتَضَتْهُ. وَإِنْ كَانَ السُّمُّ قَاتِلًا غَالِبًا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَجْرُوحُ ذَلِكَ، فَهُوَ كَالْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ عَلِمَهُ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَشَرِيكِ جَارِحِ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ، لِكَوْنِهِ قَصَدَ التَّدَاوِيَ لَا الْإِهْلَاكَ. فَرْعٌ. لَوْ خَاطَ جُرْحَهُ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ، لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْلِمُ، وَعَلَى الْجَارِحِ الْقِصَاصُ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَاطَهُ تَدَاوِيًا فِي لَحْمِ حَيٍّ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ الطَّرِيقَانِ فِي التَّدَاوِي بِالسُّمِّ الْقَاتِلِ غَالِبًا. وَفِي الصُّورَتَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ الْمَجْرُوحُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَوِ اسْتَقَلَّ بِهِ غَيْرُهُ، فَهُوَ وَالْأَوَّلُ جَارِحَانِ مُتَعَدِّيَانِ. وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْإِمَامُ فِي مَجْرُوحٍ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا رَشِيدًا، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا،

стр. 3714

فَدَاوَاهُ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمَاتَ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْإِمَامِ قَوْلَانِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، فَمَاتَ مِنْهُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا قِصَاصَ، وَجَبَ نِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَهَلْ هِيَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَعْرُوفَانِ. وَحُكْمُ الْجَارِحِ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا تَوَلَّاهُ الْمَجْرُوحُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ جَعَلْنَا وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُشَارَكَةِ الْعَامِدِ الَّذِي لَا يَضْمَنُ، لَمْ يَجِبْ هُنَا الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ فِعْلُهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ، أَوِ الدِّيَةِ. وَإِنْ نَزَّلْنَا الْمَجْرُوحَ مَنْزِلَةَ الْمُخْطِئِ لِقَصْدِهِ التَّدَاوِيَ، وَلَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَكَذَا هُنَا، وَلَوْ قَصَدَ الْخِيَاطَةَ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَغَلِطَ وَخَاطَ فِي حَيٍّ، فَالْجَارِحُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ قَطْعًا. قَالَ الْقَفَّالُ: وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الْخِيَاطَةَ فِي الْجِلْدِ فَغَلِطَ وَأَصَابَتِ الْإِبْرَةُ اللَّحْمَ، وَأَمَّا الْكَيُّ فَكَالْخِيَاطَةِ، فَيَنْظُرُ أَكَوَى لَحْمًا مَيِّتًا أَوْ حَيًّا يُؤْلِمُ وَلَهُ سِرَايَةٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمُدَاوَاةِ بِمَا لَا يَضُرُّ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ هَلَاكٌ، وَلَا بِمَا عَلَى الْمَجْرُوحِ مِنْ قُرُوحٍ، وَلَا بِمَا بِهِ مِنْ مَرَضٍ وَضَنًى. فَرْعٌ. قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ، فَتَآكَلَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، فَقَطَعَ الْمَقْطُوعُ كَفَّهُ خَوْفًا مِنَ السِّرَايَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَتَآكَلْ إِلَّا مَوْضِعُ الْقَطْعِ، فَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي إِلَّا الْقِصَاصُ فِي الْأُصْبُعِ، أَوْ أَرْشُهَا إِنْ لَمْ يَسْرِ إِلَى النَّفْسِ. فَإِنْ سَرَى، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَانِي فِي النَّفْسِ، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْخِيَاطَةِ، وَإِنْ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى الْكَفِّ، ثُمَّ قَطَعَهَا، نُظِرَ، أَقَطَعَ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ أَمْ فِي حَيٍّ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخِيَاطَةِ. وَلَوْ جَرَحَ عُضْوًا، فَدَاوَاهُ الْمَجْرُوحُ فَتَآكَلَ الْعُضْوُ، فَسَقَطَ، فَإِنْ كَانَ مَا دَاوَاهُ بِهِ لَا يُورِثُ التَّآكُلَ، فَعَلَى الْجَارِحِ ضَمَانُ الْعُضْوِ. وَإِنْ كَانَ يُورِثُ التَّآكُلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ، فَلَوْ قَالَ الْجَانِي: دَاوَيْتُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ التَّآكُلُ، وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مَعْلُومَةٌ، وَغَيْرُهَا

стр. 3715

مِنَ الْأَسْبَابِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُصَدَّقُ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ، فَقَالَ الْوَارِثُ: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، وَقَالَ الْجَانِي: بَلْ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَيُّهُمَا الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوَارِثُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» . فَرْعٌ. ضَرَبَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا بِسِيَاطٍ، أَوْ عَصًى خَفِيفَةٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ ضَرَبَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلَةً لَوِ انْفَرَدَتْ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ، فَهَلْ تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، أَمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَوْلَانِ، أَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ. لِأَنَّ الضَّرَبَاتِ تُلَاقِي ظَاهِرَ الْبَدَنِ، فَلَا يَعْظُمُ فِيهَا التَّفَاوُتُ بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ قَاتِلًا، بِأَنْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ ضَرْبَةً، فَمَاتَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ، وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ الْقِصَاصُ، لِئَلَّا يَصِيرَ ذَرِيعَةً إِلَى الْقَتْلِ، وَأَصَحُّهَا: أَنَّهُمْ إِنْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوهُ تِلْكَ الضَّرَبَاتِ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ وَقَعَتِ اتِّفَاقًا، فَلَا. وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ قَطْعًا، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ سَوْطَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، وَآخَرُ خَمْسِينَ سَوْطًا، أَوْ مِائَةً قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَوَاطُؤٌ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ ضَرْبَ الْأَوَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ. وَالثَّانِي شَرِيكٌ لَهُ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَبِضَرْبِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ خَمْسِينَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الْآخَرُ سَوْطَيْنِ قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي عَالِمًا بِضَرْبِ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ لِظُهُورِ قَصْدِ الْإِهْلَاكِ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْإِهْلَاكِ مِنَ الثَّانِي. وَالْأَوَّلُ شَرِيكُهُ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ

стр. 3716

دِيَةِ الْعَمْدِ، وَبِضَرْبِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَفَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا ضَرَبَ مَرِيضًا سَوْطَيْنِ، جَاهِلًا مَرَضَهُ، حَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، بِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُحِيلُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ سِوَى الضَّارِبِ، وَلْيَكُنِ الْحُكْمُ بِتَنْصِيفِ الدِّيَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ التَّوْزِيعَ عَلَى الرُّءُوسِ دُونَ الضَّرَبَاتِ. فَرْعٌ. جَرَحَهُ رَجُلٌ، وَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَالْجَارِحُ شَرِيكُ الْحَيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْقِصَاصِ، وَإِذَا آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَهُ مَعَ ذَلِكَ سَبُعٌ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: عَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ وَالثَّانِي: نَصِفُهَا، وَيَجْعَلُ غَيْرَ الْآدَمِيِّ جِنْسًا. بَابٌ . تَغَيُّرُ حَالِ الْمَجْرُوحِ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ. لِلتَّغَيُّرِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَطْرَأَ الْمُضَمِّنُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا جَرَحَ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا بِقَطْعِ يَدٍ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ عُقِدَتْ لِلْحَرْبِيِّ ذِمَّةٌ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَلَا دِيَةَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: لَا دِيَةَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ قَطْعٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَلَمْ تُضْمَنْ سِرَايَتَهُ، كَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ. الثَّانِيَةُ: جَرَحَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، أَوْ عُقِدَتْ لَهُ ذِمَّةٌ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ، قَطَعَ الْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ، وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ لُزُومَ الضَّمَانِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الْحَالَيْنِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا ضَمَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: جَرَحَ عَبْدٌ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، فَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، ثَانِيهِمَا: وُجُوبُ الدِّيَةِ. الرَّابِعَةُ: رَمَى مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ، فَلَا

стр. 3717

قِصَاصَ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ فِي أَوَّلِ أَجْزَاءِ الْجِنَايَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ، وَقِيلَ: تَجِبُ فِي الْمُرْتَدِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ قَتْلُهُ، وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ وَلَا يُرْشَقُ بِالنِّشَابِ، فَرَشْقُهُ مَمْنُوعٌ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا رَمَى إِلَى قَاتِلِ أَبِيهِ، ثُمَّ عَفَا عَنْهُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنَ الْمُرْتَدِّ، وَفِيمَا إِذَا رَمَى إِلَى عَبْدِ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْصُومٌ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ. الْخَامِسَةُ: حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ، فَتَرَدَّى فِيهَا مُسْلِمٌ كَانَ مُرْتَدًّا وَقْتَ الْحَفْرِ، أَوْ حُرٌّ كَانَ عَبْدًا، وَجَبَتِ الدِّيَةُ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّ الْحَفْرَ لَيْسَ سَبَبًا ظَاهِرًا لِلْإِهْلَاكِ، وَلَا يَتَوَجَّهُ نَحْوَ مُعَيَّنٍ فَلَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهُ فِي زَمَنِ الْإِهْدَارِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ. فَرْعٌ. لَوْ تَغَيَّرَ حَالُ الرَّامِي، بِأَنْ رَمَى حَرْبِيٌّ إِلَى مُسْلِمٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ. إِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِيمَا إِذَا جَرَحَ حَرْبِيًّا، فَأَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، وَفِيمَا إِذَا جَرَحَ عَبْدٌ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فَمَاتَ، فَالْوَاجِبُ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَكَذَلِكَ فِي مِثْلِهِمَا مِنْ صُوَرِ الرَّمْيِ. ثُمَّ الَّذِي رَأَى الْإِمَامُ الْقَطْعُ بِهِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الدِّيَةَ فِي طَرَيَانِ الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ بَعْدَ الْجُرْحِ تَكُونُ مُخَفَّفَةً، وَعَلَى الْعَاقِلَةِ، كَمَا لَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ، فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَأَمَّا فِي طَرَيَانِهِمَا بَعْدَ الرَّمْيِ، فَفِي الدِّيَةِ الْوَاجِبَةِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الدِّيَاتِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَطْرَأَ الْمُهْدَرُ، فَإِذَا جَرَحَ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، أَوْ ذِمِّيًّا، فَنَقَضَ الْعَهْدَ، ثُمَّ مَاتَ، فَلَا يَجِبُ قِصَاصُ النَّفْسِ، وَلَا دِيَتُهَا، وَلَا الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهَا تَلِفَتْ وَهِيَ مُهْدَرَةٌ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِرَاحَةِ، فَفِيهِ صُورَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مِمَّا يُوجِبُ الْقِصَاصَ،

стр. 3718

كَالْمُوضِحَةِ وَقَطْعِ الْيَدِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ وَالطَّرَفِ، قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ. فَعَلَى هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لِوَلِيِّهِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقْتَصَّ، فَقِيلَ: أَرَادَ بِالْوَلِيِّ، السُّلْطَانَ، لِأَنَّهُ وَارِثٌ لِلْمُرْتَدِّ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَسْتَوْفِيهِ قَرِيبُهُ الَّذِي كَانَ يَرِثُهُ لَوْلَا الرِّدَّةُ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ لِلتَّشَفِّي، وَذَلِكَ يَتَعَلَّقُ بِالْقَرِيبِ دُونَ السُّلْطَانِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْقَرِيبُ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا انْتَظَرَ بُلُوغَهُ وَإِفَاقَتَهُ لِيَسْتَوْفِيَ. الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوجِبَةٌ لِلْمَالِ دُونَ الْقِصَاصِ، كَالْجَائِفَةِ وَالْهَاشِمَةِ، أَوْ مِنْ جِنْسِ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَقُلْنَا: لَا قِصَاصَ، أَوْ عُفِيَ عَنْهُ، فَهَلْ يَجِبُ الْمَالُ؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ. فَعَلَى هَذَا فِيمَا يَجِبُ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَيُحْكَى عَنِ النَّصِّ: أَنَّهُ يَجِبُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الْجِرَاحَةُ وِدِيَةُ النَّفْسِ، وَالثَّانِي، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَجِبُ أَرْشُ الْجِرَاحَاتِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، فَيَجِبُ فِيمَا إِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دِيَتَانِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْوَاجِبُ فَيْءٌ لَا يَأْخُذُ الْقَرِيبُ مِنْهُ شَيْئًا. هَذَا إِذَا طَرَأَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْجُرْحِ، فَلَوْ طَرَأَتْ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الْإِصَابَةِ، فَلَا ضَمَانَ بِاتِّفَاقِهِمْ. فَرْعٌ. قَطَعَ يَدَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَقْطُوعُ، وَانْدَمَلَ جُرْحُهُ، فَلَهُ قِصَاصُ الْيَدِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ، اقْتَصَّ وَلِيُّهُ، وَمَنِ الْوَلِيُّ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. فَإِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ تُوجِبُ الْمَالَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ قُلْنَا: مِلْكُهُ بَاقٍ، أَخَذَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: زَائِلٌ، وُقِفَ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَخَذَهُ، وَإِلَّا، أَخَذَهُ الْإِمَامُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَتَخَلَّلَ الْمُهْدَرُ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالْمَوْتِ، فَإِذَا جَرَحَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ قَطْعًا، وَأَمَّا الْقِصَاصُ، فَنَصَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَنَصَّ فِيمَا إِذَا جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا،

стр. 3719

أَوْ مُسْتَأْمَنًا فَنَقَضَ الْعَهْدَ، وَالْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ جَدَّدَ الْعَهْدَ، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، أَنَّ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَيْنِ، وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ فِي حَالَتَيِ الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ، وَالثَّانِي: لَا، لِتَخَلُّلِ حَالَةِ الْإِهْدَارِ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: تَنْزِيلُ النَّصَّيْنِ عَلَى حَالَيْنِ، فَحَيْثُ قَالَ: لَا قِصَاصَ، أَرَادَ إِذَا طَالَتْ مُدَّةُ الْإِهْدَارِ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُ السِّرَايَةِ، وَحَيْثُ قَالَ: يَجِبُ، فَذَلِكَ إِذَا قَصُرَتِ الْمُدَّةُ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ لِلسِّرَايَةِ أَثَرٌ، وَإِذَا قُلْنَا بِطَرِيقَةِ الْقَوْلَيْنِ، فَفِي مَوْضِعِهِمَا طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: تَخْصِيصُهُمَا بِمَا إِذَا قَصُرَتِ الْمُدَّةُ، فَإِنْ طَالَتْ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ قَطْعًا، وَالثَّانِي: طَرَدَهُمَا فِي الْحَالَيْنِ قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ وَابْنُ سَلِمَةَ وَابْنُ الْوَكِيلِ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: تَخْصِيصُ الْقَوْلَيْنِ بِقَصْرِ الْمُدَّةِ، وَالْأَظْهَرُ مِنْهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَفِيهَا أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يَجِبُ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَالثَّانِي: نَصِفُهَا، وَالثَّالِثُ: ثُلُثَاهَا، وَالرَّابِعُ: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ وَأَرْشُ الْجِرَاحَةِ، وَهَذَانَ الْأَخِيرَانِ مُخْرَجَانِ. ثُمَّ قَالَ الْجُمْهُورُ: تَخْتَصُّ الْأَقْوَالُ بِمَا إِذَا طَالَتْ مُدَّةُ الْإِهْدَارِ، فَإِنْ قَصُرَتْ، وَجَبَ كُلُّ الدِّيَةِ قَطْعًا، وَقِيلَ بِطَرْدِهَا فِي الْحَالَيْنِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَعُفِيَ، وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا لَمْ نُوجِبْ قِصَاصًا، وَهَذَا أَرْجَحُ. فَرْعٌ. رَمَى إِلَى مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ وَعَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجِيءُ فِيهِ قَوْلٌ. الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَطْرَأَ مَا يُغَيِّرُ قَدْرَ الدِّيَةِ، فَيَجِبُ مَا يَقْتَضِيهِ يَوْمَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ الضَّمَانَ بَدَلُ التَّالِفِ، فَيُعْتَبَرُ وَقْتَ التَّلَفِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّغَيُّرُ

стр. 3720

مِنَ الْأَكْثَرِ إِلَى الْأَقَلِّ، وَقَدْ يَنْعَكِسُ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: جَنَى عَلَى نَصْرَانِيٍّ، فَتَمَجَّسَ ثُمَّ مَاتَ، فَإِنْ قُلْنَا: يُقِرُّ النَّصْرَانِيُّ إِذَا تَمَجَّسَ عَلَى التَّمَجُّسِ، فَعَلَى الْجَانِي دِيَةُ مَجُوسِيٍّ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقِرُّ، فَهُوَ كَمَا لَوِ ارْتَدَّ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ. فَعَلَى الْأَصَحِّ: يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ عَلَى نَصْرَانِيٍّ وِدِيَةُ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْإِصْطَخْرِيِّ: يَجِبُ الْأَرْشُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَوْ جَرَحَ نَصْرَانِيًّا، فَنَقَضَ الْمَجْرُوحُ الْعَهْدَ، وَالْتَحَقَ بِالْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ. وَيَجِبُ قِصَاصُ الطَّرَفِ إِنْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ بِقَطْعِ طَرَفٍ، وَإِنْ أَرَادَ الْمُسْتَحِقُّ الْمَالَ، فَفِيمَا يَجِبُ، قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أَرْشِ جِنَايَتِهِ حُرًّا، وَكَمَالُ قِيمَتِهِ عَبْدًا، وَعَلَى هَذَا هُوَ لِوَرَثَتِهِ النَّصَارَى، سَوَاءٌ كَانُوا عِنْدَنَا أَمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَالرُّويَانِيُّ، وَفِي قَوْلٍ غَرِيبٍ، يَكُونُ لِبَيْتِ الْمَالِ. قُلْتُ: قَدْ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لِسَيِّدِهِ، لِأَنَّهُ بَدَّلَ رُوحَهُ وَكَانَتْ مِلْكَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْوَاجِبَ قِيمَتُهُ بَالِغَةٌ مَا بَلَغَتْ، وَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَقَلَّ، فَالْوَاجِبُ لِلْوَارِثِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيمَةُ أَكْثَرُ، فَقَدْرُ الْأَرْشِ لِلْوَارِثِ، وَالْبَاقِي لِلسَّيِّدِ، وَلَوْ أَنَّ الَّذِي مَلَكَهُ أَعْتَقَهُ، فَمَاتَ حُرًّا فَقَوْلَانِ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ وَدِيَةِ حُرٍّ ذِمِّيٍّ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالْوَاجِبُ لِوَرَثَتِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ وَعَتَقَ وَمَاتَ، فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ، وَفِي الْمَالِ الْوَاجِبِ قَوْلَانِ. هَلْ هُوَ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، أَمْ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ وِدِيَةِ حُرٍّ مُسْلِمٍ؟ وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ. مِثَالُ الْعَكْسِ: جَرَحَ ذِمِّيًّا، فَأَسْلَمَ، أَوْ عَبْدًا لِغَيْرِهِ، فَعَتَقَ، ثُمَّ مَاتَ، نَظَرَ، إِنْ مَاتَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، وَجَبَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ، وَيَكُونُ الْوَاجِبُ فِي الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ، أَوْ فَقَأَ عَيْنَيْهِ، لَزِمَهُ كَمَالُ قِيمَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْعِتْقُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ أَمْ بَعْدَهُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الِانْدِمَالُ

стр. 3721

بَعْدَ الْعِتْقِ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ حُرٍّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، لَمْ يَجِبْ قِصَاصُ النَّفْسِ إِذَا كَانَ جَارِحُ الذِّمِّيِّ مُسْلِمًا، وَجَارِحُ الْعَبْدِ حُرًّا، وَتَجِبُ فِيهِ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، لِأَنَّهُ كَانَ مَضْمُونًا أَوَّلًا، وَهُوَ فِي الِانْتِهَاءِ حُرٌّ مُسْلِمٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنَ الدِّيَةِ، أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى لَوْ فَقَأَ عَيْنَيْ عَبْدٍ قِيمَتُهُ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ، لَمْ يَجِبْ إِلَّا مِائَةٌ. ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الدِّيَةُ مِثْلَ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ، فَالْجَمِيعُ لِلسَّيِّدِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ، فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْقِيمَةِ لِلْوَرَثَةِ، لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِالْحُرِّيَّةِ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ، وَجَبَتْ بِكَمَالِهَا لِلسَّيِّدِ، وَلَوْ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ، فَعَتَقَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، أَوْجَبْنَا كَمَالَ الدِّيَةِ، وَفِيمَا لِلسَّيِّدِ مِنْهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ، وَكُلُّ الْقِيمَةِ، وَأَظْهَرُهُمَا: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كُلِّ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ، وَهُوَ أَرْشُ الطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ فِي مِلْكِهِ. فَصْلٌ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، أَوْ رِجْلَهُ، نُظِرَ، إِنِ انْدَمَلَتِ الْجِرَاحَتَانِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ حَرًّا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمَا، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ فِي النَّفْسِ، وَلَا فِي الطَّرَفِ إِنْ كَانَ حُرًّا. وَأَمَّا الثَّانِي، فَلِلْوَارِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ، وَكَذَا فِي النَّفْسِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: لَا قِصَاصَ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ كَشَرِيكِ الْمَبِيعِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَعَفَا الْمُسْتَحِقُّ، فَعَلَيْهِمَا كُلُّ الدِّيَةِ لِلسَّيِّدِ، أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ. وَيَكُونُ حَقُّهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي، وَإِنِ اقْتَصَّ الْوَارِثُ مِنَ الثَّانِي، بَقِيَ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ، فَإِنْ كَانَ قَدْرَ نِصْفِ الْقِيمَةِ أَوْ أَقَلَّ، أَخَذَهُ السَّيِّدُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ،

стр. 3722

فَالزِّيَادَةُ لِلْوَارِثِ وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، فَمَاتَ مِنْهُمَا، فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ الثَّانِي وَلَا يَجِبُ قِصَاصُ النَّفْسِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَلَوْ عَفَا الْمُسْتَحِقُّ عَنْ قِصَاصِ الطَّرَفِ، فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَإِنِ اسْتَوْفَاهُ، بَقِيَ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَحُكِمَ مَا لِلسَّيِّدِ فِي الْحَالَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْقَاطِعُ غَيْرَهُ. وَلَوْ قَطَعَ إِصْبَعَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ قَطَعَ آخِرَ يَدِهِ، وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَلِلسَّيِّدِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ: الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ، وَعَلَى الْأَظْهَرِ: الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَعُشْرُ الْقِيمَةِ. فَرْعٌ. قَطَعَ إِحْدَى يَدَيْ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ جَرَحَهُ رَجُلَانِ، بِأَنْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ الْأُخْرَى، وَالْآخَرُ رِجْلَهُ، وَمَاتَ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ، لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الطَّرَفِ إِنْ كَانَ حُرًّا، وَعَلَى الْآخَرَيْنِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، وَيَجِبُ أَيْضًا فِي النَّفْسِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَتَجِبُ عَلَى الثَّلَاثَةِ أَثْلَاثًا، وَلَا حَقَّ لِلسَّيِّدِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْآخَرِينِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِمَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِيمَا يَسْتَحِقُّهُ الْقَوْلَانِ. فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَثُلُثُ الْقِيمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي: الْأَقَلُّ مِنْ ثُلُثِ الدِّيَةِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ فِي مِلْكِهِ وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ بِحَالِهَا، فَعَادَ الْأَوَّلُ وَجَرَحَ بَعْدَ الْعِتْقِ جِرَاحَةً أُخْرَى وَمَاتَ بِسِرَايَةِ الْجَمِيعِ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا لِمَا سَبَقَ أَنَّا نَنْظُرُ إِلَى عَدَدِ الْجَارِحِينَ، لَا إِلَى الْجِرَاحَاتِ. ثُمَّ الثُّلُثُ الْوَاجِبُ عَلَى الْجَانِي الْأَوَّلِ وَاجِبٌ عَنْ جِنَايَتَيْهِ، فَتُقَابِلُ الْجِنَايَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الرِّقِّ سُدُسَ الدِّيَةِ، فَلِلسَّيِّدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ الْوَاجِبِ بِالْجِنَايَةِ فِي مِلْكِهِ، أَوْ سُدُسُ الْقِيمَةِ. وَعَلَى الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ سُدُسِ الدِّيَةِ أَوْ نِصْفُ الْقِيمَةِ وَهُوَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ

стр. 3723

فِي مِلْكِهِ. وَلَوْ قَطَعَ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، فَجَرَحَهُ آخَرُ جِرَاحَةً، فَعَادَ الْأَوَّلُ، فَجَرَحَهُ أُخْرَى، فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ نِصْفَيْنِ، وَالنِّصْفُ الْوَاجِبُ عَلَى الْأَوَّلِ وَجَبَ بِجِنَايَتَيِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ. فَحِصَّةُ الْجِنَايَةِ الْأُولَى رُبُعُ الدِّيَةِ، فَلِلسَّيِّدِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ رُبُعِ الدِّيَةِ وَرُبُعُ الْقِيمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ رُبُعِ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ، وَبِهِ أَجَابَ ابْنُ الْحَدَّادِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ، وَلَوْ جَنَى اثْنَانِ عَلَى عَبْدٍ مُعْتَقٍ، ثُمَّ جَنَى عَلَيْهِ ثَالِثٌ، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ أَثْلَاثًا، وَلِلسَّيِّدِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ وَثُلُثَيِ الْقِيمَةِ، وَفِي الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ وَأَرْشُ جِنَايَتَيِ الرِّقِّ، وَلَوْ جَنَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ فِي الرِّقِّ، فَعَتَقَ، ثُمَّ جَنَى رَابِعٌ وَمَاتَ، فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ أَرْبَاعًا، لِلسَّيِّدِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ. وَفِي الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ وَأَرْشِ جِنَايَاتِ الرِّقِّ، وَلَوْ جَنَى اثْنَانِ فِي الرِّقِّ، وَثَلَاثَةٌ بَعْدَ مَا عَتَقَ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ أَخْمَاسًا، لِلسَّيِّدِ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ خُمُسَيِ الدِّيَةِ وَخُمُسَيِ الْقِيمَةِ. وَفِي الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ خُمُسَيِ الدِّيَةِ وَأَرْشِ جِنَايَتَيِ الرِّقِّ، وَلَوْ أَوْضَحَ عَبْدًا، فَعَتَقَ، فَقَطَعَ آخَرُ يَدَهُ، وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ، وَلِلسَّيِّدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ، وَعَلَى الثَّانِي الْأَقَلُّ مَنْ نِصْفِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ. وَلَوْ أَوْضَحَهُ، فَعَتَقَ، فَجَاءَ تِسْعَةٌ فَجَرَحُوهُ وَمَاتَ، فَعَلَيْهِمُ الدِّيَةُ أَعْشَارًا، وَلِلسَّيِّدِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْأَقَلُّ مِنْ عُشْرِ الدِّيَةِ وَعُشْرُ الْقِيمَةِ. وَعَلَى الثَّانِي الْأَقَلُّ مِنْ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ أَرْشُ الْمُوضِحَةِ وَلَوْ جَرَحَهُ الْأَوَّلُ جُرْحًا آخَرَ مَعَ

стр. 3724

التِّسْعَةِ، فَالدِّيَةُ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ لِلسَّيِّدِ، الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ عُشْرِ الْقِيمَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ بِالْجِنَايَةِ وَاقِفَةٌ وَسَارِيَةٌ إِلَّا نِصْفُ عُشْرِ الضَّمَانِ. وَهَكَذَا يَتَّفِقُ الْقَوْلَانِ إِذَا اتَّفَقَ قَدْرُ الضَّمَانِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، كَمَا إِذَا جَنَى خَمْسَةٌ فِي الرِّقِّ، وَأَرْشُ جِنَايَاتِهِمْ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَخَمْسَةٌ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَلِلسَّيِّدِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ. فَرْعٌ. قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، فَحَزَّ آخَرُ رَقَبَتَهُ، فَقَدْ أَبْطَلَ الْحَزُّ السِّرَايَةَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ لِلْوَارِثِ. وَلَوْ قَطَعَ حُرٌّ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتَقَ، ثُمَّ قَطَعَ آخَرُ يَدَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ حُزَّتْ رَقَبَتُهُ، فَإِنْ حَزَّهُ ثَالِثٌ، فَقَدْ بَطَلَتْ سِرَايَةُ الْقَطْعَيْنِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَعَلَى الثَّانِي الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ، أَوْ نِصْفُ الدِّيَةِ لِلْوَارِثِ. وَعَلَى الثَّالِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ حَزَّهُ الْأَوَّلُ، نُظِرَ، إِنْ حَزَّهُ بَعْدَ انْدِمَالِ قَطْعِهِ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ، وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ لِلْوَارِثِ. وَعَلَى الثَّانِي نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنْ حَزَّهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ إِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ: إِنَّ بَدَلَ الطَّرَفِ يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ، فَإِنِ اقْتَصَّ الْوَارِثُ، سَقَطَ حَقُّ السَّيِّدِ، وَإِنْ عَفَا، وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، لِلسَّيِّدِ مِنْهُ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَنِصْفُ الْقِيمَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا سَبَقَ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: عِنْدِي يَسْقُطُ حَقُّ السَّيِّدِ وَإِنْ عَفَا الْوَارِثُ، لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ حُكْمُ الطَّرَفِ، صَارَ الْحُكْمُ لِلنَّفْسِ. وَكَانَ الْمَأْخُوذُ بَدَلَ النَّفْسِ الْمُفَوَّتَةِ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ السَّيِّدِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالْإِصْطَخْرِيِّ: أَنَّ بَدَلَ الطَّرَفِ لَا يَدْخُلُ فِي النَّفْسِ، يَكُونُ

стр. 3725

لِلسَّيِّدِ عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ حَزَّ الثَّانِيَ، بَطَلَتْ سِرَايَةُ الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الْقِيمَةِ لِلسَّيِّدِ. وَالثَّانِي قَطْعُ طَرَفٍ حُزَّ ثُمَّ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، فَلِلْوَارِثِ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ فِي الطَّرَفِ وَالنَّفْسِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ لِلْيَدِ، وَدِيَةً كَامِلَةً لِلنَّفْسِ، فَإِنْ شَاءَ، اقْتَصَّ فِيهِمَا، وَإِنْ شَاءَ، أَخَذَ بَدَلَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ، بَدَلَ أَحَدِهِمَا وَقِصَاصَ الْآخَرِ. وَإِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ بِقَطْعِ الْيَدِ، وَلَهُ أَخْذُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ. فَرْعٌ. قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيمَا إِذَا جَنَى عَلَى عَبْدٍ، فَعَتَقَ، وَسَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى نَفْسِهِ، إِنَّمَا هُوَ الدِّيَةُ، وَالدِّيَةُ الْإِبِلُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: تُؤْخَذُ الدِّيَةُ، وَتُصْرَفُ إِلَى السَّيِّدِ حِصَّتُهُ عَلَى التَّفْصِيلِ السَّابِقِ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَقُولَ: أَسْتَوْفِي الْإِبِلَ، وَأَدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ، أَوِ الدَّنَانِيرِ، زَاعِمًا أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْقِيمَةَ، وَالْقِيمَةُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ. لِأَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ عَيْنِ الدِّيَةِ الَّتِي هِيَ الْوَاجِبَةُ وَلَيْسَتْ مَرْهُونَةً بِحَقِّهِ، بِخِلَافِ الدَّيْنِ مَعَ التَّرِكَةِ، وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَلِّفَ الْجَانِيَ تَسْلِيمَ الدَّرَاهِمِ، وَلَوْ أَتَى الْجَانِي بِالدَّرَاهِمِ، فَفِي إِجْبَارِ السَّيِّدِ عَلَى قَبُولِهَا وَجْهَانِ، أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: نَعَمْ. وَحَاصِلُهُ تَخْيِيرُ الْجَانِي بَيْنَ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ وَالدَّرَاهِمِ، وَلَوْ أَبْرَأَ السَّيِّدُ الْجَانِيَ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ، بَرِئَ، وَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ. فَرْعٌ. رَمَى إِلَى ذَمِّيٍ، فَأَسْلَمَ، أَوْ عَبْدٍ، فَعُتِقَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، وَجَبَ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ، وَلَا قِصَاصَ إِذَا كَانَ الرَّامِي حُرًّا مُسْلِمًا، وَكَذَا لَوْ رَمَى ذَمِّيٌّ

стр. 3726

إِلَى ذَمِّيٍّ، أَوْ إِلَى عَبْدٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الرَّامِي، أَوْ عَتَقَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ. فَرْعٌ. قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ مَسَائِلِ الْبَابِ فِي تَغَيُّرِ الْحَالِ بَيْنَ الْجَرْحِ وَالْمَوْتِ، وَبَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ، فَيُقَالُ: كُلُّ جُرْحٍ أَوَّلُهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لَا يَنْقَلِبُ مَضْمُونًا بِتَغَيُّرِ الْحَالِ فِي الِانْتِهَاءِ. وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا فِي الْحَالَيْنِ، اعْتُبِرَ فِي قَدْرِ الضَّمَانِ الِانْتِهَاءُ، وَفِي الْقِصَاصِ تُعْتَبَرُ الْكَفَاءَةُ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، وَكَذَا إِذَا تَبَدَّلَ الْحَالُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ، اعْتُبِرَ فِي الْقِصَاصِ الْكَفَاءَةُ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَسَطِ، وَكَذَا يُعْتَبَرُ الطَّرَفَانِ وَالْوَسَطُ فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 3727

بَابٌ . الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ. فِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ: الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِهِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ: الْقَطْعُ وَالْقَاطِعُ وَالْمَقْطُوعُ، وَكَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقَتْلِ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا مَحْضًا عُدْوَانًا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي الطَّرَفِ، فَلَا يَجِبِ الْقِصَاصُ بِالْجِرَاحَاتِ، وَإِبَانَةِ الْأَطْرَافِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ. وَمِنْ صُوَرِ شِبْهِ الْعَمْدِ: أَنْ يَضْرِبَ رَأْسَهُ بِلَطْمَةٍ أَوْ حَجَرٍ لَا يَشُجُّ غَالِبًا لِصِغَرِهِ، فَيَتَوَرَّمُ الْمَوْضِعُ، وَيَتَّضِحُ الْعَظْمُ، وَقَدْ يَكُونُ الضَّرْبُ بِالْعَصَا الْخَفِيفَةِ، وَالْحَجَرِ الْمُحَدَّدِ عَمْدًا فِي الشِّجَاجِ، لِأَنَّهُ يُوضِحُ غَالِبًا. وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَلَوْ أَوْضَحَهُ بِمَا يُوضِحُ غَالِبًا، وَلَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَمَاتَ مِنْ تِلْكَ الْمُوضِحَةِ، فَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَلَا يَجِبُ فِي النَّفْسِ، وَاسْتَبْعَدَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآلَةُ تُوضِحُ فِي الْغَالِبِ كَانَتْ كَالْحَدِيدَةِ، وَفَقْءُ الْعَيْنِ بِالْأُصْبُعِ عَمْدٌ، لِأَنَّهَا فِي الْعَيْنِ تَعْمَلُ عَمَلَ السِّلَاحِ وَيُعْتَبَرُ فِي الْقَاطِعِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ. وَفِي الْمَقْطُوعِ كَوْنُهُ مَعْصُومًا كَمَا ذَكَرْنَا فِي النَّفْسِ، وَمَنْ قُتِلَ بِهِ الشَّخْصُ، قُطِعَ بِهِ، وَمَنْ لَا، فَلَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِي قِصَاصِ الطَّرَفِ التَّسَاوِي فِي الْبَدَلِ، فَيُقْطَعُ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةُ بِالرَّجُلِ وَبِالْعَكْسِ، وَالذِّمِّيُّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْعَبْدُ بِالْحُرِّ، وَلَا عَكْسَ فِيهِمَا. وَتُقْطَعُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ إِذَا اشْتَرَكُوا بِأَنْ وَضَعُوا السِّكِّينَ عَلَى الْيَدِ، وَتَحَامَلُوا عَلَيْهَا دُفْعَةً وَاحِدَةً حَتَّى أَبَانُوهَا، أَوْ ضَرَبُوهُ ضَرْبَةً اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، وَلَوْ تَمَيَّزَ فِعْلُ الشُّرَكَاءِ، بِأَنْ قَطَعَ هَذَا مِنْ جَانِبٍ، وَهَذَا مِنْ جَانِبٍ حَتَّى الْتَقَتِ الْحَدِيدَتَانِ، أَوْ قَطَعَ أَحَدُهُمَا بَعْضَ الْيَدِ، وَأَبَانَهَا الْآخَرُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَيَلْزَمُ كُلُّ

стр. 3728

وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكُومَةٌ تَلِيقُ بِجِنَايَتِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْلُغَ مَجْمُوعُ الْحُكُومَتَيْنِ دِيَةَ الْيَدِ، وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» حِكَايَةُ قَوْلِ: إِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ مَا قَطَعَ إِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ جَزَّا حَدِيدَةً جَزَّ الْمِنْشَارِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُمَا فِعْلَانِ مُتَمَيِّزَانِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: هُوَ اشْتِرَاكٌ مُوجِبٌ لِلْقِصَاصِ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا يُصَوِّرُ صُورَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَعَاوَنَا فِي كُلِّ جَذْبَةٍ وَإِرْسَالَةٍ، فَتَكُونُ مِنْ صُوَرِ الِاشْتِرَاكِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَجْذِبَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى جِهَةِ نَفْسِهِ، وَيَفْتُرُ عَنِ الْإِرْسَالِ فِي جِهَةِ صَاحِبِهِ، فَيَكُونُ الْبَعْضُ مَقْطُوعُ هَذَا، وَالْبَعْضُ مَقْطُوعُ ذَاكَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ. الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يُوجِبُ قِصَاصَ الطَّرَفِ. الْجِنَايَاتُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: جُرْحٌ يَشُقُّ، وَقَطْعٌ يُبِينُ، وَإِزَالَةُ مَنْفَعَةٍ بِلَا شَقٍّ وَلَا إِبَانَةٍ. النَّوْعُ الْأَوَّلُ: الْجُرْحُ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي الْجُمْلَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ) [الْمَائِدَةُ: ٤٥] ثُمَّ تَنْقَسِمُ إِلَى وَاقِعَةٍ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَإِلَى غَيْرِهَا. الضَّرْبُ الْأَوَّلُ: الْوَاقِعَةُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَتُسَمَّى الشِّجَاجُ، وَهِيَ عَشْرٌ، إِحْدَاهَا: الْحَارِصَةُ وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ قَلِيلًا نَحْوَ الْخَدْشِ، وَتُسَمَّى الْحَرْصَةُ أَيْضًا. الثَّانِيَةُ: الدَّامِيَةُ: وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي مَوْضِعَهَا مِنَ الشَّقِّ وَالْخَدْشِ، وَلَا يَقْطُرُ مِنْهَا دَمٌ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ اللُّغَةِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: فَإِنْ سَالَ مِنْهَا دَمٌ، فَهِيَ الدَّامِعَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: سَيَلَانُ الدَّمِ وَهُوَ خِلَافُ الصَّوَابِ.

стр. 3729

الثَّالِثَةُ: الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ بَعْدَ الْجِلْدِ، أَيْ: تَقْطَعُهُ. الرَّابِعَةُ: الْمُتَلَاحِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَغُوصُ فِي اللَّحْمِ، وَلَا تَبْلُغُ الْجِلْدَةَ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَتُسَمَّى الْلَاحِمَةُ أَيْضًا. الْخَامِسَةُ: السِّمْحَاقُ وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ تِلْكَ الْجِلْدَةَ، وَتُسَمَّى تِلْكَ الْجِلْدَةُ السِّمْحَاقُ، وَقَدْ تُسَمَّى هَذِهِ الشَّجَّةُ: الْمِلْطَى وَالْمِلْطَاةُ وَاللَّاطِئَةُ. السَّادِسَةُ: الْمُوضِحَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ السِّمْحَاقَ، وَتُوضِحُ الْعَظْمَ، السَّابِعَةُ: الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تَهْشِمُ الْعَظْمَ، أَيْ: تَكْسِرُهُ. الثَّامِنَةُ: الْمُنَقِّلَةُ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَيُقَالُ: هِيَ الَّتِي تَكْسِرُ وَتَنْقُلُ، وَيُقَالُ: هِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهَا فِرَاشُ الْعِظَامِ. وَالْفَرَاشَةُ: كُلُّ عَظْمٍ رَقِيقٍ، وَفَرَاشُ الرَّأْسِ: عِظَامٌ رِقَاقٌ تَلِي الْقِحْفَ. التَّاسِعَةُ: الْمَأْمُومَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ أُمَّ الرَّأْسِ، وَهِيَ خَرِيطَةُ الدِّمَاغِ الْمُحِيطَةُ بِهِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْآمَّةُ أَيْضًا. الْعَاشِرَةُ: الدَّامِغَةُ وَهِيَ الَّتِي تَخْرِقُ الْخَرِيطَةَ وَتَصِلُ الدِّمَاغَ وَهِيَ مُذَفَّفَةٌ. فَهَذِهِ الْعَشَرَةُ هِيَ الْمَشْهُورَةُ، وَذُكِرَ فِيهَا أَلْفَاظٌ أُخَرُ تَئُولُ إِلَى هَذِهِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الشِّجَاجِ تُتَصَوَّرُ فِي الْجَبْهَةِ كَمَا تُتَصَوَّرُ فِي الرَّأْسِ، وَكَذَلِكَ تُتَصَوَّرُ مَا عَدَا الْمَأْمُومَةَ وَالدَّامِغَةَ فِي الْخَدِّ، وَفِي قَصَبَةِ الْأَنْفِ، وَاللَّحْيِ الْأَسْفَلِ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا، فَالْقِصَاصُ وَاجِبٌ فِي الْمُوضِحَةِ، لِتَيَسُّرِ ضَبْطِهَا، وَاسْتِيفَاءِ مِثْلِهَا. وَلَا قِصَاصَ فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْهَاشِمَةِ

стр. 3730

وَالْمُنَقِّلَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَمَّا مَا قَبْلَهَا، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَارِصَةِ قَطْعًا، وَلَا فِي الْبَاضِعَةِ وَالْمُتَلَاحِقَةِ وَالسِّمْحَاقِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالدَّامِيَةُ كَالْحَارِصَةِ، وَقِيلَ: كَالْبَاضِعَةِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي الْمُتَلَاحِمَةِ وَالْبَاضِعَةِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ مُوضِحَةٌ، تَيَسَّرَتْ مَعْرِفَةُ النِّسْبَةِ بِهِمَا. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ، رَاجَعْنَا أَهْلَ الْخِبْرَةِ لِيَنْظُرُوا فِي الْمَقْطُوعِ وَالْبَاقِي، وَيَحْكُمُوا بِأَنَّهُ نِصْفٌ، أَوْ ثُلُثٌ بِالِاجْتِهَادِ بَعْدَ غَمْرِ رَأْسِ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ وَيَحْكُمُونَ أَيْضًا عِنْدَ الْقِصَاصُ، وَيُعْمَلُ بِاجْتِهَادِهِمْ، فَإِنْ شَكُّوا فِي أَنَّ الْمَقْطُوعَ نِصْفٌ أَوْ ثُلُثٌ أُخِذَ بِالْيَقِينِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِرَاحَاتُ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ، فَمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ إِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ لَا قِصَاصَ فِيهِ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الْمُوِضِحَةُ الَّتِي تُوضِحُ عَظْمَ الصَّدْرِ، أَوِ الْعُنُقِ، أَوِ السَّاعِدِ أَوِ الْأَصَابِعِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَا يَجِبُ فِيهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ لِتَيَسُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَثَلِ. وَإِذَا اخْتَصَرْتَ، وَأَجَبْتَ فِي الْجِرَاحَاتِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالْمُخْتَارِ، قُلْتَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحَةِ عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ بِشَرْطِ أَنْ تَنْتَهِيَ إِلَى عَظْمٍ وَلَا تَكْسِرَهُ. النَّوْعُ الثَّانِي: قَطْعُ الطَّرَفِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِقَطْعِ الطَّرَفِ بِشَرْطِ إِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ، وَأَمْنِ اسْتِيفَاءِ الزِّيَادَةِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ لِلْعُضْوِ مَفْصِلٌ تُوضَعُ عَلَيْهِ الْحَدِيدَةُ وَتُبَانُ، وَالْمَفْصِلُ مَوْضِعُ اتِّصَالِ عُضْوٍ بِعُضْوٍ عَلَى مُنْقَطَعِ عَظْمَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِمُجَاوَرَةٍ مَحْضَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ دُخُولِ عُضْوٍ فِي عُضْوٍ، كَالْمِرْفَقِ وَالرُّكْبَةِ، فَمِنَ الْمَفَاصِلِ الْأَنَامِلُ وَالْكُوعُ وَالْمِرْفَقُ وَمَفْصِلُ الْقَدَمِ وَالرُّكْبَةِ. فَإِذَا وَقَعَ

стр. 3731

الْقَطْعُ عَلَى بَعْضِهَا، اقْتُصَّ مِنَ الْجَانِي. قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ عَنْ شَيْخِي حِكَايَةُ وَجْهٍ بَعِيدٍ فِي الْمِرْفَقِ وَالرُّكْبَةِ، قَالَ: وَأَظُنُّهُ غَلَطًا مِنَ الْمُعَلِّقِ، وَمِنَ الْمَفَاصِلِ أَصْلُ الْفَخِذِ وَالْمَنْكِبِ، فَإِنْ أَمْكَنَ الْقِصَاصُ بِلَا إِجَافَةٍ، اقْتَصَّ، وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ كَانَ الْجَانِي أَجَافَ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْجَوَائِفَ لَا تَنْضَبِطُ. وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَجْرِي الْقِصَاصُ إِذَا كَانَ الْجَانِي أَجَافَ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: يُمْكِنُ أَنْ يَقْطَعَ، وَيُجَافَ مِثْلَ تِلْكَ الْجَائِفَةِ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لِلْعُضْوِ حَدٌّ مَضْبُوطٌ يَنْقَادُ لِآلَةِ الْإِبَانَةِ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ فِي فَقْءِ الْعَيْنِ، وَفِي الْأُذُنِ، وَالْجَفْنِ، وَالْمَارِنِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ قَطْعًا، وَفِي الشَّفَةِ وَاللِّسَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الشُّفْرَيْنِ وَالْإِلْيَتَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَلَا قِصَاصَ فِي إِطَارِ الشَّفَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَهُوَ الْمُحِيطُ بِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مُقَدَّرٌ، وَالْكَلَامُ فِي قَدْرِ الشَّفَتَيْنِ وَالشَّفْرَيْنِ وَالْإِلْيَتَيْنِ يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ. لَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْأُذُنِ، أَوْ بَعْضَ الْمَارِنِ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِإِحَاطَةِ الْهَوَاءِ بِهِمَا، وَإِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِمَا مِنْ

стр. 3732

الْجَانِبَيْنِ، وَيُقَدَّرُ الْمَقْطُوعُ بِالْجُزْئِيَّةِ، كَالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، لَا بِالْمِسَاحَةِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ الْكُوعِ، أَوْ مَفْصِلَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ، وَلَمْ يُبِنْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْعُرُوقَ وَالْأَعْصَابَ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْوَضْعِ تَسَفُّلًا وَتَصَعُّدًا، فَلَا يُوثَقُ بِالْمُمَاثَلَةِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَارِنِ، وَلَوْ قَطَعَ فِلْقَةً مِنَ الْأُذُنِ، أَوِ الْمَارِنِ، أَوِ اللِّسَانِ، أَوِ الْحَشَفَةِ، أَوِ الشَّفَةِ، وَأَبَانَهَا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الصَّحِيحِ وَتُضْبَطُ بِالْجُزْئِيَّةِ. وَلَوْ أَبَانَ قِطْعَةً مِنَ الْفَخِذِ، فَلَا قِصَاصَ، كَذَا جَزَمَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ خِلَافٌ كَالْبَاضِعَةِ. فَرْعٌ. قَطَعَ يَدًا أَوْ عُضُوًا، وَبَقِيَ الْمَقْطُوعُ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدِهِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ أَبْطَلَ فَائِدَةَ الْعُضْوِ، ثُمَّ إِذَا انْتَهَى الْعُضْوُ فِي الِاقْتِصَاصِ إِلَى تِلْكَ الْجَلْدَةِ، فَقَدْ فَصَلَ الْقِصَاصُ، وَيُرَاجِعُ الْجَانِي أَهْلَ الْخِبْرَةِ فِي تِلْكَ الْجِلْدَةِ، وَيَفْعَلُ مَصْلَحَتَهُ مِنَ الْقَطْعِ وَالتَّرْكِ. فَرْعٌ. لَا قِصَاصَ فِي كَسْرِ الْعِظَامِ، لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِالْمُمَاثَلَةِ، لَكِنْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ أَقْرَبَ مَفْصِلٍ إِلَى مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَيَأْخُذُ الْحُكُومَةَ لِلْبَاقِي، وَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ، وَيَعْدِلَ إِلَى الْمَالِ. وَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ مَعَ الْهَشْمِ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ فِي الْمُوضِحَةِ، وَيَأْخُذَ الْهَشْمَ مَا بَيْنَ أَرْشِ الْهَاشِمَةِ وَالْمُوضِحَةِ، وَهُوَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَوْ أَوْضَحَ وَنَقَلَ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ فِي الْمُوضِحَةِ، وَيَأْخُذَ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ، وَهُوَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَلَوْ أَوْضَحَ وَأَمَّ، فَلَهُ أَنْ يُوضِحَ، وَيَأْخُذَ مَا بَيْنَ الْمُوضِحَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ بَعِيرًا وَثُلُثُ بَعِيرٍ، لِأَنَّ فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ.

стр. 3733

فَرْعٌ. قَطَعَهُ مِنَ الْكُوعِ، فَأَرَادَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَنْ يَلْقُطَ أَصَابِعَهُ، فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَوْ بَادَرَ وَفَعَلَهُ، عُزِّرَ، وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ إِتْلَافَ الْجُمْلَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ بِإِتْلَافِ الْبَعْضِ غُرْمٌ، كَمَا أَنَّ مُسْتَحِقَّ قَتْلِ النَّفْسِ لَوْ قَطَعَ طَرَفَ الْجَانِي، لَا غُرْمَ عَلَيْهِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعُودَ وَيَقْطَعَ الْكَفَّ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ مُسْتَحِقَّ النَّفْسِ لَوْ قَطَعَ يَدَ الْجَانِي لَهُ أَنْ يَعُودَ وَيَحُزَّ رَقَبَتَهُ، وَلَوْ طَلَبَ حُكُومَتَهَا، لَمْ يُجَبْ، لِأَنَّ الْكَفَّ تَدْخُلُ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ وَقَدِ اسْتَوْفَى الْأَصَابِعَ الْمُقَابِلَةَ بِالدِّيَةِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنَ الْمِرْفَقِ، فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ مِنَ الْكُوعِ، أَوْ يَقْطَعَ أُصْبُعًا، وَيَرْضَى بِهَا قِصَاصًا وَمَالًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ بِلَا مَالٍ، جَازَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ خَالَفَنَا فَقَطَعَ مِنَ الْكُوعِ، عُزِّرَ وَلَا غُرْمَ لِمَا سَبَقَ. وَلَوْ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقْطَعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا يُمْكِنُهُ، وَجَعَلَهُ الْبَغَوِيُّ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ طَلَبَ حُكُومَةَ السَّاعِدِ لَمْ نُثْبِتْهَا لَهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ أَيْضًا، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدِي أَنَّهَا تَثْبُتُ. فَرْعٌ. لَوْ كَسَرَ عَظْمَ الْعَضُدِ، وَأَبَانَ الْيَدَ مِنْهُ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْطَعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، وَيَأْخُذَ الْحُكُومَةَ لِمَا بَقِيَ، وَإِنْ عَفَا، فَلَهُ دِيَةُ الْكَفِّ، وَحُكُومَةٌ لِلسَّاعِدِ، وَحُكُومَةٌ لِلْمَقْطُوعِ مِنَ الْعَضُدِ، فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَتْرُكَ الْمِرْفَقَ، وَيَقْطَعَ مِنَ الْكُوعِ، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ. أَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: يَجُوزُ، لِعَجْزِهِ عَنْ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، وَمُسَامَحَتِهِ، وَأَرْجَحُهُمَا عِنْدَ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرُهُ لَا، لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَمَّا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى مَحَلِّ الْجِنَايَةِ وَلَوْ أَرَادَ الْتِقَاطَ الْأَصَابِعِ، لَمْ يُمْكِنْ قَطْعًا، وَلَوْ أَرَادَ أَخْذَ أُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَطْعِ الْكُوعِ. فَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الْقَطْعُ مِنَ الْكُوعِ،

стр. 3734

فَقَطَعَ، ثُمَّ أَرَادَ الْقَطْعَ مِنَ الْمِرْفَقِ، لَمْ يَكُنْ وَلَيْسَ لَهُ حُكُومَةُ السَّاعِدِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الْقَطْعُ مِنَ الْكُوعِ، فَقَطَعَ، فَلَهُ حُكُومَةُ السَّاعِدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَتَجِبُ لَهُ حُكُومَةُ الْمَقْطُوعِ مِنَ الْعَضُدِ، هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ تِلْكَ الْبَقِيَّةِ مُتَعَذِّرٌ شَرْعًا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِيهَا تَقْصِيرٌ وَعُدُولٌ، وَلَمْ أَجِدْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لِغَيْرِ الْغَزَالِيِّ. فَرْعٌ. لَوْ قَطَعَهُ مِنْ نِصْفِ السَّاعِدِ، قُطِعَ مِنَ الْكُوعِ وَأُخِذَتْ حُكُومَةُ نِصْفِ السَّاعِدِ، فَلَوْ عَفَا، فَلَهُ دِيَةُ الْكَفِّ، وَحُكُومَةٌ لِنِصْفِ السَّاعِدِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَلْتَقِطَ أَصَابِعَهُ، لَمْ يَكُنْ، فَلَوْ فَعَلَ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَيْسَ لَهُ حُكُومَةُ الْكَفِّ، وَلَهُ حُكُومَةُ نِصْفِ السَّاعِدِ، وَيَجِيءُ فِي حُكُومَةِ نِصْفِ السَّاعِدِ الْخِلَافُ. فَرْعٌ. لَوْ قَطَعَ يَدَهُ مِنْ نِصْفِ الْكَفِّ، لَمْ يَقْتَصَّ فِي الْكَفِّ، وَلَهُ الْتِقَاطُ الْأَصَابِعِ. وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْجِرَاحَةُ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى إِهْمَالِهِ، وَلَيْسَ بَعْدَ مَوْضِعِ الْجِرَاحَةِ إِلَّا مَفَاصِلَ مُتَعَدِّدَةً، وَهَلْ تَجِبُ مَعَ قَطْعِهَا حُكُومَةُ نِصْفِ الْكَفِّ، أَمْ تَدْخُلُ الْحُكُومَةُ فِي قَطْعِهَا، كَدُخُولِهَا فِي اسْتِيفَاءِ الدِّيَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ. فَرْعٌ. مِنَ «الْأُمِّ» : لَوْ شَقَّ كَفَّهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَفْصِلٍ، ثُمَّ قَطَعَ مِنَ

стр. 3735

الْمَفْصِلِ أَوْ لَمْ يَقْطَعِ، اقْتَصَّ مِنْهُ إِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: يُمْكِنُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ مِثْلُهُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: إِبْطَالُ الْمَنَافِعِ وَهِيَ لَا تُبَاشَرُ بِالتَّفْوِيتِ، وَإِنَّمَا تُفَوَّتُ تَبَعًا لِمَحَلِّهَا، وَقَدْ تَرِدُ الْجِنَايَةُ عَلَى غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَتَفُوتُ هِيَ بِالسِّرَايَةِ لِارْتِبَاطٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَحَلِّ الْجِنَايَةِ، فَلَوْ أَوْضَحَ رَأْسَهُ، فَذَهَبَ ضَوْءُ عَيْنَيْهِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الضَّوْءِ كَمَا يَجِبُ فِي الْمُوضِحَةِ، وَنَصَّ فِيمَا إِذَا قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَسَرَى إِلَى الْكَفِّ، أَوْ إِلَى أُصْبُعٍ أُخْرَى بِتَآكُلٍ أَوْ شَلَلٍ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصَ فِي مَحَلِّ السِّرَايَةِ. فَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الضَّوْءَ وَنَحْوَهُ مِنَ اللَّطَائِفِ لَا تُبَاشَرُ بِالْجِنَايَةِ، وَإِنَّمَا تُقْصَدُ بِالْجِنَايَةِ عَلَى مَحَلِّهَا، أَوْ مَحَلِّ آخِرِهِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي الضَّوْءِ بِالسِّرَايَةِ، فَالَّذِي صَحَّحَهُ الْإِمَامُ نَقْلًا وَمَعْنًى أَنَّ السَّمْعَ كَالْبَصَرِ. وَحَكَى فِيمَا إِذَا أَبْطَلَ بَطْشَ عُضْوٍ بِالسِّرَايَةِ تَرَدُّدَ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ مَنْ أَلْحَقَهُ بِالضَّوْءِ، وَبِهِ قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْبَطْشَ عُسْرُ الْإِزَالَةِ، كَالْأَجْسَامِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ، وَفِي الْعَقْلِ أَيْضًا تَرَدَّدَ لِبُعْدِهِ عَنِ التَّنَاوُلِ بِالسِّرَايَةِ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ إِلْحَاقُ الْكَلَامِ بِالْبَصَرِ، وَرَتَّبَهَا فَجَعَلَ الْبَصَرَ وَالسَّمْعَ فِي دَرَجَةٍ، وَيَلِيهِمَا الْكَلَامُ، وَيَلِيهِ الْبَطْشُ، وَيَلِيهِ الْعَقْلُ. وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» أَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى رَأْسِهِ، فَذَهَبَ عَقْلُهُ، أَوْ عَلَى أَنْفِهِ، فَذَهَبَ شَمُّهُ، أَوْ عَلَى أُذُنِهِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْعَقْلِ وَالشَّمِّ وَالسَّمْعِ، وَالْأَقْرَبُ مَنْعُ الْقِصَاصِ فِي الْعَقْلِ، وَوُجُوبُهُ فِي الشَّمِّ وَالْبَطْشِ وَالذَّوْقِ، لِأَنَّ لَهَا مَحَالٌّ مَضْبُوطَةٌ. وَلِأَهْلِ الْخِبْرَةِ طُرُقٌ فِي إِبْطَالِهَا، وَإِذَا ذَهَبَ الضَّوْءُ بِالْمُوضِحَةِ، وَاقْتَصَصْنَا فِي الْمُوضِحَةِ، فَلَمْ يَذْهَبْ ضَوْءُ الْجَانِي، أُذْهِبَ بِأَخَفِّ مَا يُمْكِنُ، كَتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مُحْمَاةٍ مِنْ عَيْنَيْهِ، أَوْ طَرْحِ كَافُورٍ فِيهَا وَنَحْوِهِمَا، وَإِنْ ذَهَبَ ضَوْءُ الْجَانِي، حَصَلَ الْقِصَاصُ

стр. 3736

وَفِيهِ شَيْءٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ هَشَمَ رَأْسَهُ، فَذَهَبَ ضَوْؤُهُ، عُولِجَ بِمَا يُزِيلُ الضَّوْءَ وَلَا يُقَابَلُ الْهَشْمُ بِالْهَشْمِ، وَلَوْ لَطَمَهُ، فَذَهَبَ ضَوْؤُهُ وَاللَّطْمَةُ بِحَيْثُ تُذْهِبُ الضَّوْءَ غَالِبًا، فَالْمَنْقُولُ عَنْ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ يُلْطَمُ مِثْلَ لَطْمَتِهِ، فَإِنْ ذَهَبَ الضَّوْءُ فَعَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُوضِحَةِ، وَإِلَّا أُزِيلُ بِالْمُعَالَجَةِ، وَإِنِ ابْيَضَّتِ الْحَدَقَةُ، أَوْ شَخَصَتْ، فُعِلَ بِهِ مَا يُفْضِي إِلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَنَسَبَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» هَذَا الْمَنْقُولَ عَنِ النَّصِّ إِلَى بَعْضِ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقْتَصَّ فِي اللَّطْمَةِ كَمَا لَا يَقْتَصُّ بِالْهَاشِمَةِ، لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي اللَّطْمَةِ لَوِ انْفَرَدَتْ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَجَعَلَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَجْهًا، وَقَالَ: هُوَ الْأَصَحُّ. فَرْعٌ. إِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْأَجْسَامِ بِالسِّرَايَةِ، فَقُطِعَ أُصْبُعُهُ، فَسَرَى الْقَطْعُ إِلَى الْكَفِّ وَسَقَطَتْ، فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إِلَّا فِي تِلْكَ الْأُصْبُعِ، وَإِذَا اقْتُصَّ فِي الْأُصْبُعِ، فَسَرَى إِلَى الْكَفِّ فَالنَّصُّ أَنَّ السِّرَايَةَ لَا تَقَعُ قِصَاصًا، بَلْ يَجِبُ عَلَى الْجَانِي دِيَةَ بَاقِي الْيَدِ. وَنَصَّ فِيمَا إِذَا أَوْضَحَهُ فَذَهَبَ ضَوْؤُهُ وَشَعْرُ رَأْسِهِ، فَاقْتَصَّ فِي الْمُوضِحَةِ، فَذَهَبَ ضَوْءُ الْجَانِي وَشَعْرُ رَأْسِهِ أَيْضًا، أَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ، وَلَوْ لَمْ يَذْهَبْ ضَوْءُ الْجَانِي، وَنَبَتَ شَعْرُهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةُ الْبَصَرِ وَحُكُومَةُ الشَّعْرِ. وَفِي هَذَا النَّصِّ إِيقَاعُ الشَّعْرِ مُقَابِلًا لِلشَّعْرِ وَهُوَ مِنَ الْأَجْسَامِ، فَاقْتَضَى وُقُوعُ السِّرَايَةِ فِي الْأَجْسَامِ قِصَاصًا، فَقِيلَ: قَوْلَانِ فِي أَنَّ السِّرَايَةَ فِي الضَّوْءِ وَالْكَفِّ هَلْ تَقَعُ قِصَاصًا؟ وَقِيلَ: فِي الْكَفِّ قَوْلَانِ، وَيَقَعُ الضَّوْءُ قَطْعًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ السِّرَايَةَ لَا تَقَعُ قِصَاصًا فِي الْكَفِّ وَلَا فِي الشَّعْرِ. وَلَوْ عَفَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَنْ قِصَاصِ الْأُصْبُعِ، فَلَهُ دِيَةُ الْيَدِ، وَإِنِ اقْتَصَّ، فَلَمْ يَسْرِ الْقَطْعُ إِلَى غَيْرِ تِلْكَ الْأُصْبُعِ، أَوْ سَرَى وَقُلْنَا: لَا يَقَعُ قِصَاصًا، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ دِيَةِ الْكَفِّ لِلْأَصَابِعِ الْأَرْبَعِ، وَلَا تَجِبُ لِمَنَابِتِهَا مِنَ الْكَفِّ حُكُومَةٌ، بَلْ

стр. 3737

تَدْخُلُ فِي دِيَتِهَا، وَفِي دُخُولِ حُكُومَةِ خُمُسِ الْكَفِّ فِي قِصَاصِ الْأُصْبُعِ، وَجْهَانِ سَيَعُودَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا يَجِبُ مِنَ الدِّيَةِ يَجِبُ مُغَلَّظًا فِي مَالِ الْجَانِي، لِأَنَّهُ وَجَبَ بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبَةٍ لِلْقَوَدِ، وَقِيلَ: عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ عَقِبَ قَطْعِ الْأُصْبُعِ. وَفِي صُورَةِ الْمُوضِحَةِ الْمُذْهِبَةِ لِلْبَصَرِ، لَوْ أَوْضَحَهُ، فَلَمْ يَذْهَبْ ضَوْؤُهُ فِي الْحَالِ، لَا يُطَالَبُ بِالدِّيَةِ، بَلْ يَنْتَظِرُ، فَلَعَلَّهُ يَسْرِي إِلَى الْبَصَرِ فَيَحْصُلُ الِاقْتِصَاصُ، وَكَذَا فِي النَّفْسِ، لَوْ قَطَعَ أُصْبُعَهُ فَسَرَى إِلَى نَفْسِهِ، فَقَطَعَ الْوَلِيُّ أُصْبُعَ الْجَانِي، يَنْتَظِرُ السِّرَايَةَ وَلَا يُطَالِبُ بِالدِّيَةِ فِي الْحَالِ. فَرْعٌ. لَهُ تَعَلُّقٌ بِالسِّرَايَةِ. لَوْ قَتَلَ مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ الْجَانِي خَطَأً، أَوْ ضَرَبَهُ بِسَوْطٍ خَفِيفٍ، فَهَلْ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَمِثْلُهُ: لَوْ وَثَبَ الصَّبِيُّ، أَوِ الْمَجْنُونُ عَلَى قَاتِلِ مُورِثِهِ فَقَتَلَهُ، هَلْ يَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا. فَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ حَقُّهُ إِلَى الدِّيَةِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ بِقَتْلِ الْجَانِي، وَهَلْ تَكُونُ عَلَيْهِ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ عَمْدَهُمَا عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ، وَيَجْرِي فِيمَا إِذَا ثَبَتَ قِصَاصٌ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، فَوَثَبَ عَلَى الْقَاطِعِ فَقَطَعَ طَرَفَهُ، هَلْ يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ؟ ثُمَّ مَوْضِعُ الْخِلَافِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنَ الْجَانِي تَمْكِينٌ، فَأَمَّا إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ إِلَى الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ فَقَطَعَهُ، فَلَا يَكُونُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَكُونُ قَطْعُهُ هَدَرًا. الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْمُمَاثَلَةِ. وَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ، كَالْكَفَاءَةِ فِي النَّفْسِ، فَلَا يُقَابَلُ طَرَفٌ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، كَالْيَدِ بِالرَّجْلِ، وَإِذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ، لَمْ

стр. 3738

يُؤَثِّرِ التَّفَاوُتُ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ، كَمَا لَا تُعْتَبَرُ مُمَاثَلَةُ النَّفْسَيْنِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ، وَكَذَلِكَ تُقْطَعُ يَدُ الصَّانِعِ بِيَدِ الْأَخْرَقِ، كَمَا يُقْتَلُ الْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ التَّفَاوُتُ فِي أُمُورٍ: أَحَدُهَا: تَفَاوَتُ الْمَحِلِّ وَالْقَدْرِ، أَمَّا الْمَحَلُّ، فَلَا تُقْطَعُ الْيَدُ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى، وَلَا الْيُسْرَى بِالْيُمْنَى، وَكَذَا الرِّجْلُ وَالْعَيْنُ وَالْأُذُنُ، وَلَا يُقْطَعُ مِنَ الْجِنْسِ الْأَعْلَى بِالْأَسْفَلِ، وَكَذَا الْعَكْسُ، وَكَذَا فِي الشَّفَةِ، وَلَا أُصْبُعٌ وَلَا أُنْمُلَةٌ بِغَيْرِهَا، وَلَا أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ بِزَائِدَةٍ أُخْرَى، إِذَا اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا، بِأَنْ كَانَتْ زَائِدَةٌ بِجَنْبِ الْخِنْصَرِ، وَزَائِدَةُ الْجَانِي بِجَنْبِ الْإِبْهَامِ. وَأَمَّا الْقَدْرُ، فَالتَّفَاوُتُ فِي الْحَجْمِ صِغَرًا وَكِبَرًا، وَطُولًا وَقِصَرًا لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَصْلِيَّةِ قَطْعًا، وَكَذَا فِي الزَّائِدَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ قُلْنَا: تُؤَثِّرُ، وَكَانَتْ زَائِدَةُ الْجَانِي أَكْبَرَ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ. وَإِنْ كَانَتْ زَائِدَةُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَكْبَرَ، اقْتُصَّ، وَأَخَذَ حُكُومَةً قَدْرَ النُّقْصَانِ، ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا رَأَى الْإِمَامُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ تَفَاوُتُ الْحَجْمِ فِي الْحُكُومَةِ. فَإِنْ أَثَّرَ، فَلَا قِصَاصَ، قَالَ: وَالِاخْتِلَافُ فِي الْكَوْنِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ التَّسَاوِي فِي الْحُكُومَةِ. وَتُقْطَعُ الزَّائِدَةُ بِالْأَصْلِيَّةِ إِذَا اتَّفَقَ مَحَلُّهُمَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ لِنُقْصَانِ الزَّائِدَةِ، كَمَا لَوْ رَضِيَ بِالشَّلَّاءِ عَنِ السَّلِيمَةِ. فَرْعٌ. نَقَلُوا عَنِ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ زَائِدَةُ الْجَانِي أَتَمَّ، بِأَنْ كَانَ لِأُصْبُعِهِ الزَّائِدَةِ ثَلَاثُ مَفَاصِلٍ، وَلِزَائِدَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَفْصِلَانِ، لَمْ تُقْطَعْ بِهَا، لِأَنَّ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمَحَلِّ.

стр. 3739

فَرْعٌ. الْكَلَامُ فِي قِصَاصِ الْمُوضِحَةِ يَتَعَلَّقُ بِالْمِسَاحَةِ وَالْمَحَلِّ، أَمَّا الْمِسَاحَةُ، فَمُعْتَبَرَةٌ طُولًا وَعَرْضًا، فَلَا تُقَابَلُ ضَيِّقَةٌ بِوَاسِعَةٍ، وَلَا يَقْنَعُ بِضَيِّقَةٍ عَنْ وَاسِعَةٍ، فَتُذْرَعُ مُوضِحَةُ الْمَشْجُوجِ بِخَشَبَةٍ أَوْ خَيْطٍ، وَيُحْلَقُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَنْ رَأْسِ الشَّاجِّ، إِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَعْرٌ. وَيُخَطُّ عَلَيْهِ بِسَوَادٍ أَوْ حُمْرَةٍ، وَيَضْبُطُ الشَّاجُّ حَتَّى لَا يَضْطَرِبَ، وَيُوضِحُ بِحَدِيدَةٍ حَادَّةٍ كَالْمُوسَى، وَلَا يُوضِحُ بِالسَّيْفِ. وَإِنْ كَانَ أَوْضَحَ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا تُؤْمَنُ الزِّيَادَةُ، وَكَذَا لَوْ أَوْضَحَ بِحَجَرٍ، أَوْ خَشَبٍ، يَقْتَصُّ مِنْهُ بِالْحَدِيدَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ، وَتَرَدَّدَ فِيهِ الرُّويَانِيُّ، ثُمَّ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ مِنَ الشِّقِّ دُفْعَةً وَاحِدَةً، أَوْ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَرْفُقُ فِي مَوْضِعِ الْعَلَامَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِتَفَاوُتِ الشَّاجِّ وَالْمَشْجُوجِ فِي غِلَظِ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ. وَأَمَّا الْمَحَلُّ، فَإِنْ أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَرَأْسَاهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْمِسَاحَةِ، أَوْضَحَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَصْغَرَ، اسْتَوْعَبْنَاهُ إِيضَاحًا، وَلَا يَكْفِي بِهِ وَلَا يَنْزِلُ لِإِتْمَامِ الْمِسَاحَةِ إِلَى الْوَجْهِ، وَلَا إِلَى الْقَفَا، بَلْ يُؤْخَذُ قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَرْشِ إِذَا وُزِّعَ عَلَى جَمِيعِ الْمُوضِحَةِ. وَإِنْ كَانَ رَأْسُ الشَّاجِّ أَكْبَرُ، لَمْ يُوضِحْ جَمِيعَهُ، بَلْ بِقَدْرِهِ بِالْمِسَاحَةِ وَالِاخْتِيَارِ فِي مَوْضِعِهِ إِلَى الْجَانِي، وَقِيلَ: إِلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَبْتَدِئُ مِنْ حَيْثُ بَدَأَ الْجَانِي، وَيَذْهَبُ بِهِ فِي الْجِهَةِ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا إِلَى أَنْ يَتِمَّ الْقَدْرُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، فَإِنْ كَانَ فِي رَأْسِ الْجَانِي مُوضِحَةٌ، وَالْبَاقِي بِقَدْرِ مَا فِيهِ الْقِصَاصُ، تَعَيَّنَ، وَصَارَ كَأَنَّهُ كُلُّ الرَّأْسِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَ حَقِّهِ مِنْ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، وَبَعْضَهُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مُوضِحَتَيْنِ بَدَلَ مُوضِحَةٍ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْبَعْضَ وَيَأْخُذَ لِلْبَاقِي قِسْطَهُ مِنَ الْأَرْشِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ اسْتِيفَاءِ الْبَاقِي، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْضَحَ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَإِنَّ

стр. 3740

لَهُ أَنْ يَقْتَصَّ فِي أَحَدِهِمَا، وَيَأْخُذَ أَرْشَ الْآخَرِ، لِأَنَّهُمَا جِنَايَتَانِ، وَلَوْ أَوْضَحَ الْجَانِي بَعْضَ الرَّأْسِ، كَالْقَذَالِ وَالنَّاصِيَةِ، أَوْضَحْنَا ذَلِكَ الْقَدْرَ وَتَمَّمْنَاهُ مِنَ الرَّأْسِ إِنْ بَقِيَ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَةُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، وَلَوْ أَوْضَحَ جَبْهَتَهُ، وَجَبْهَةُ الْجَانِي أَصْغَرُ، لَمْ يَرْتَقِ إِلَى الرَّأْسِ، وَلِيَجِيءَ فِي مُجَاوَزَةِ مَوْضِعٍ مِنَ الْوَجْهِ إِلَى مَوْضِعٍ يُلَاصِقُهُ الْوَجْهَانِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي مُوضِحَةِ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَأَوْضَحَ سَاعِدَهُ وَسَاعِدُ الْجَانِي أَصْغَرُ، لَمْ يُجَاوِزْهُ إِلَى الْعَضُدِ وَلَا إِلَى الْكَتِفِ، كَمَا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ. فَرْعٌ. لَوْ زَادَ الْمُقْتَصُّ فِي الْمُوضِحَةِ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ، نُظِرَ، إِنْ زَادَ بِاضْطِرَابِ الْجَانِي، فَلَا غُرْمَ، وَإِنْ زَادَ عَمْدًا، اقْتُصَّ مِنْهُ فِي الزِّيَادَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ انْدِمَالِ الْمُوضِحَةِ الَّتِي فِي رَأْسِهِ، وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، أَوْ أَخْطَأَ بِاضْطِرَابِ يَدِهِ، وَجَبَ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُوَزَّعُ الْأَرْشُ عَلَيْهِمَا، فَيَجِبُ قِسْطُ الزِّيَادَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَرْشٌ كَامِلٌ، وَلَوْ قَالَ الْمُقْتَصُّ: أَخْطَأْتُ بِالزِّيَادَةِ، فَقَالَ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ: بَلْ تَعَمَّدْتَهَا، صَدَقَ الْمُقْتَصُّ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَ: تَوَلَّدَتِ الزِّيَادَةُ بِاضْطِرَابِكَ، وَأَنْكَرَ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَعَدَمُ الِاضْطِرَابِ. فَرْعٌ. اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي مُوضِحَةٍ، بِأَنْ تَحَامَلُوا عَلَى الْآلَةِ وَحَزُّوهَا مَعًا، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، أَحَدُهُمَا: يُوَزِّعُ عَلَيْهِمْ، وَيُوضِحُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرَ حِصَّتِهِ لِإِمْكَانِ التَّجْزِئَةِ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ. وَالثَّانِي: يُوضِحُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِثْلَ تِلْكَ الْمُوضِحَةِ، كَالشُّرَكَاءِ فِي الْقَطْعِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ،

стр. 3741

وَيَجْرِي الِاحْتِمَالَانِ فِيمَا لَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، هَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشٌ كَامِلٌ أَمْ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا الثَّانِي أَقْرَبُ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ. فَرْعٌ. مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَحْلِقُ شَعْرَ رَأْسِ الشَّاجِّ عِنْدَ الِاقْتِصَاصِ، مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا شَعْرٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشَّاجِّ شَعْرٌ، فَلَا حَلْقَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِ الْمَشْجُوجِ شَعْرٌ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ الشَّاجِّ شَعْرٌ، لَمْ يُمَكَّنْ مِنَ الْقِصَاصِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَافِ شَعْرٍ لَمْ يُتْلِفْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» وَلَا يَضُرُّ التَّفَاوُتُ فِي خِفَّةِ الشَّعْرِ وَكَثَافَتِهِ. فَرْعٌ. لَوْ شَكَّ هَلْ أَوْضَحَ بِالشَّجَّةِ أَمْ لَا، لَمْ يَقْتَصَّ مَعَ الشَّكِّ، وَيَبْحَثُ عَنِ الْحَالِ بِمِسْمَارٍ حَتَّى يَعْرِفَ، وَيَشْهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ، أَوْ يَعْتَرِفَ بِهِ الْجَانِي، لِأَنَّ حُكْمَ الْإِيضَاحِ يَتَعَلَّقُ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى الْعَظْمِ حَتَّى لَوْ غَرَزَ إِبْرَةً فَانْتَهَتْ إِلَى الْعَظْمِ، كَانَ ذَلِكَ مُوضِحَةٌ وَإِنْ كَانَ لَا يَظْهَرُ الْعَظْمُ لِلنَّاظِرِ. التَّفَاوُتُ الثَّانِي فِي الصِّفَاتِ الَّتِي يُؤَثِّرُ التَّفَاوُتُ فِيهَا وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: مُطْلَقُ التَّفَاوُتِ لَا يُؤَثِّرُ، بَلْ تُقْطَعُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ بِالسَّوْدَاءِ، وَالسَّلِيمَةُ بِالْبَرْصَاءِ، وَيَدُ الصَّانِعِ بِيَدِ الْأَخْرَقِ. الثَّانِيَةُ: لَا تُقْطَعُ يَدٌ أَوْ رِجْلٌ صَحِيحَةٌ بِشَلَّاءَ وَإِنْ رَضِيَ بِهِ الْجَانِي، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ فِي الطَّرَفِ الْأَشَلِّ الْحُكُومَةُ، كَمَا لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَإِنْ رَضِيَ الْجَانِي، فَلَوْ خَالَفَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ الصَّحِيحَةَ، لَمْ تَقَعْ قِصَاصًا، بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ. وَلَوْ سَرَى فَعَلَيْهِ

стр. 3742

الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، فَإِنْ كَانَ قَطَعَ بِإِذْنِ الْجَانِي، فَلَا قِصَاصَ عِنْدَ السِّرَايَةِ، لِأَنَّهُ بِإِذْنِهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ، إِنَّ قَالَ الْجَانِي: اقْطَعْ يَدِيَ، وَأَطْلَقَ، جُعِلَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّهِ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَإِنْ قَالَ: اقْطَعْهَا عِوَضًا عَنْ يَدِكَ، أَوْ قِصَاصًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَعَلَى الْجَانِي الْحُكُومَةُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْهَا مَجَّانًا. وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ الْجَانِيَ أَدَّى الْجَيِّدَ عَنِ الرَّدِيءِ، وَقَبَضَهُ الْمُسْتَحِقُّ. الثَّالِثَةُ: الْيَدُ الشَّلَّاءُ، وَالرِّجْلُ الشَّلَّاءُ، هَلْ تُقْطَعَانِ بِالصَّحِيحَتَيْنِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِالْقِصَاصِ فِيهَا. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّهُ يُرَاجِعُ أَهْلَ الْبَصَرِ، فَإِنْ قَالُوا: لَوْ قُطِعَتْ لَمْ يَنْسَدَّ فَمُ الْعُرُوقِ بِالْحَسْمِ، وَلَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ، لَمْ تُقْطَعْ بِهَا، وَتَجِبُ دِيَةُ يَدِهِ. وَإِنْ قَالُوا: تَنْقَطِعُ، فَلَهُ قَطْعُهَا، وَتَقَعُ قِصَاصًا، كَقَتْلِ الذِّمِّيِّ بِالْمُسْلِمِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَطْلُبَ بِسَبَبِ الشَّلَلِ أَرْشًا. الرَّابِعَةُ: هَلْ تُقْطَعُ الشَّلَّاءُ بِالشَّلَّاءِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ الشَّلَلَ عِلَّةٌ، وَالْعِلَلُ يَخْتَلِفُ تَأْثِيرُهَا فِي الْبَدَنِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُمَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الشَّلَلِ، أَوْ كَانَ شَلَلُ يَدِ الْقَاطِعِ أَكْثَرَ، قُطِعَتْ بِهَا، وَالشَّرْطُ أَنْ لَا يَخَافَ نَزْفَ الدَّمِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَإِنْ كَانَ الشَّلَلُ فِي يَدِ الْمَقْطُوعِ أَكْثَرَ، لَمْ يُقْطَعْ بِهَا. فَرْعٌ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْمُرَادُ بِالشَّلَلِ فِي الْيَدِ وَالرَّجْلِ زَوَالُ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا يُشْتَرَطُ زَوَالُ الْحِسِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا الشَّلَلُ بُطْلَانُ الْعَمَلِ. الْخَامِسَةُ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتِ الْبَطْشِ، بَلْ تُقْطَعُ يَدُ الْقَوِيِّ بِيَدِ الشَّيْخِ

стр. 3743

الَّذِي ضَعُفَ بَطْشُهُ، لَكِنْ لَوْ كَانَ النَّقْصُ بِجِنَايَةٍ، بِأَنْ ضَرَبَ رَجُلٌ يَدَهُ فَنَقَصَ بَطْشَهَا، وَأَلْزَمْنَاهُ الْحُكُومَةَ، ثُمَّ قَطَعَ تِلْكَ الْيَدَ كَامِلَةَ الْبَطْشِ؛ فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهَذَا كَمَا سَبَقَ أَنَّ مَنْ صَارَ إِلَى حَالَةِ الْمُحْتَضِرِ بِلَا جِنَايَةٍ، لَوْ حَزَّ إِنْسَانٌ رَقَبَتَهُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَلَوِ انْتَهَى إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ بِجِنَايَةٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى حَازِّهِ. السَّادِسَةُ: تُقْطَعُ يَدُ السَّلِيمِ وَرِجْلُهُ بِيَدِ الْأَعْسَمِ وَرِجْلِ الْأَعْرَجِ، لِأَنَّهُ لَا خَلَلَ فِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ، وَالْعَسَمُ: تَشَنُّجٌ فِي الْمِرْفَقِ، أَوْ قِصَرٌ فِي السَّاعِدِ أَوِ الْعَضُدِ. السَّابِعَةُ: لَا اعْتِبَارَ بِاخْضِرَارِ الْأَظْفَارِ وَاسْوِدَادِهَا وَزَوَالِ نَضَارَتِهَا، فَإِنَّهَا عِلَّةٌ وَمَرَضٌ فِي الْأَظْفَارِ، وَالطَّرَفُ السَّلِيمُ يُسْتَوْفَى بِالْعَلِيلِ، وَأَمَّا الَّتِي لَا أَظْفَارَ لَهَا، فَالصَّحِيحُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ بِهَا سَلِيمَةُ الْأَظْفَارِ، وَأَنَّهَا تُقْطَعُ بِالسَّلِيمَةِ. وَكَذَا حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْهُمْ وَنَسَبَهُ إِلَى النَّصِّ، لَكِنْ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ تُكَمَّلُ فِيهَا الدِّيَةُ، وَلِلْإِمَامِ احْتِمَالٌ فِي جَرَيَانِ الْقِصَاصِ وَإِنْ عَدِمَتِ الْأَظْفَارَ. لِأَنَّهَا زَوَائِدٌ، وَلَوْ لَمْ يَجْرِ الْقِصَاصُ لَمَا تَمَّتْ دِيَةُ الْيَدِ وَالْأُصْبُعِ السَّاقِطِ ظُفْرُهَا، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْقُصُ مِنَ الدِّيَةِ شَيْءٌ. الثَّامِنَةُ: لَا تُقْطَعُ يَدٌ صَحِيحَةٌ بِيَدٍ فِيهَا أُصْبُعٌ شَلَّاءُ، وَلَا تُقْطَعُ مِنَ الْكُوعِ يَدٌ مُسَبِّحَتُهَا شَلَّاءُ بِيَدٍ وُسْطَاهَا شَلَّاءُ، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الشَّلَلِ، فَهُمَا كَالشَّلَاوَيْنِ. التَّاسِعَةُ: إِذَا قَطَعَ سَلِيمُ الْيَدِ يَدًا شَلَّاءَ، ثُمَّ شُلَّتْ يَدُهُ، فَعَنِ الْقَفَّالِ أَنَّهُ خَرَّجَ فِي الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ قَوْلَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَطْعَ بِالْمَنْعِ، وَهُوَ الَّذِي رَآهُ الْإِمَامُ مَذْهَبًا، وَالْمَذْكُورُ فِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُقْتَصُّ مُنْهُ، وَكَذَا لَوْ قَطَعَ يَدًا نَاقِصَةً أُصْبُعًا، ثُمَّ سَقَطَتْ تِلْكَ الْأُصْبُعُ مِنَ الْقَاطِعِ، بِخِلَافِ

стр. 3744

مَا لَوْ قَطَعَ حُرٌّ ذِمِّيٌّ يَدَ عَبْدٍ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ، وَسُبِيَ وَاسْتُرِقَ لَا يُقْطَعُ، وَلَوْ قَتَلَهُ لَا يُقْتَلُ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْقِصَاصَ هُنَاكَ سَقَطَ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ، وَالْكَفَاءَةُ تُرَاعَى حَالَ الْجِنَايَةِ، وَالِامْتِنَاعُ هُنَا لِزِيَادَةٍ حِسِّيَّةٍ فِي يَدِ الْقَاطِعِ وَالِاعْتِبَارُ فِيهَا بِحَالِ الِاسْتِيفَاءِ فَإِذَا زَالَتْ، قَطَعَ. وَلِهَذَا لَوْ قَطَعَ الْأَشَلُّ يَدًا شَلَّاءَ، ثُمَّ صَحَّتْ يَدُ الْقَاطِعِ، لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ لِوُجُودِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ الِاسْتِيفَاءِ، قَالَ: وَكَذَا الْيَدُ ذَاتُ الْأَظْفَارِ لَا تُقْطَعُ بِمَا لَا أَظْفَارَ لَهَا. فَلَوْ سَقَطَتْ أَظْفَارُ الْقَاطِعِ، قُطِعَتْ بِهَا، وَالَّتِي لَا أَظْفَارَ لَهَا تُقْطَعُ بِمِثْلِهَا، فَلَوْ نَبَتَتْ أَظْفَارُ الْقَاطِعِ لَمْ تُقْطَعْ لِحُدُوثِ الزِّيَادَةِ. الْعَاشِرَةُ: يَجِبُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ، وَفِي قَطْعِ الْأُنْثَيَيْنِ وَإِشْلَالِهَا الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ قَطَعَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعًا، أَوْ قَدَّمَ الذَّكَرَ، أَوِ الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَوْ دَقَّ خَصْيَيْهِ، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يَقْتَصُّ بِمِثْلِهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا وَجَبَتِ الدِّيَةُ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الدَّقُّ كَكَسْرِ الْعِظَامِ، وَلَوْ قَطَعَ، أَوْ أَشَلَّ إِحْدَى الْأُنْثَيَيْنِ وَقَالَ أَهْلُ الْبَصَرِ: يُمْكِنُ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ إِتْلَافِ الْأُخْرَى، اقْتَصَّ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ الْمَاسَرْجِسِيَّ قَالَ: إِنَّهُ مُمْكِنٌ وَإِنَّهُ وَقَعَ فِي عَهْدِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ فَرَاوَةَ. وَالْقَوْلُ فِي قَطْعِ الذَّكَرِ الصَّحِيحِ بِالْأَشَلِّ وَبِالْعَكْسِ، وَالْأَشَلِّ بِالْأَشَلِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْيَدِ وَالرَّجْلِ، وَشَلَلُ الذَّكَرِ أَنْ يَكُونَ مُنْقَبِضًا لَا يَنْبَسِطُ، أَوْ مُنْبَسِطًا لَا يَنْقَبِضُ، هَذِهِ عِبَارَةُ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي لَا يَتَقَلَّصُ فِي الْبَرْدِ وَلَا يَسْتَرْسِلُ فِي الْحَرِّ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْعِبَارَةِ الْأُولَى، وَلَا اعْتِبَارَ بِالِانْتِشَارِ وَعَدَمِهِ، وَلَا بِالتَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، بَلْ يُقْطَعُ ذَكَرُ الْفَحْلِ الشَّابِّ بِذَكَرِ الْخَصِيِّ وَالشَّيْخِ وَالصَّبِيِّ وَالْعِنِّينِ، لِأَنَّهُ لَا خَلَلَ فِي نَفْسِ الْعُضْوِ وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ الِانْتِشَارُ لِضَعْفٍ فِي الْقَلْبِ أَوِ الدِّمَاغِ وَسَوَاءٌ الْأَقْلَفُ وَالْمَخْتُونُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تُقْطَعُ أُذُنُ السَّمِيعِ بِأُذُنِ الْأَصَمِّ وَبِالْعَكْسِ، وَهَلْ

стр. 3745

تُقْطَعُ الْأُذُنُ الصَّحِيحَةُ بِالْمُسْتَحْشِفَةِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، لِبَقَاءِ الْجَمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ مِنْ جَمْعِ الصَّوْتِ وَرَدِّ الْهَوَامِّ بِخِلَافِ الْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَبَيَانُ الِاسْتِحْشَافِ يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَسَوَاءٌ الْمَثْقُوبَةُ وَغَيْرُهَا إِذَا كَانَ الثُّقْبُ لِلزِّينَةِ وَلَمْ يُورِثْ شَيْنًا وَنَقْصًا. فَإِنْ أَوْرَثَ نَقْصًا فَلْتَكُنِ الْمَثْقُوبَةُ كَالْمَخْرُومَةِ، وَلَا تُقْطَعُ صَحِيحَةٌ بِمَخْرُومَةٍ، وَهِيَ الَّتِي قُطِعَ بَعْضُهَا، وَلَكِنْ يُقْطَعُ مِنْهَا بِقَدْرِ مَا كَانَ بَقِيَ مِنَ الْمَخْرُومَةِ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي بَعْضِ الْأُذُنِ كَمَا سَبَقَ. فَإِنْ شُقَّتْ وَلَمْ يَبِنْ مِنْهَا شَيْءٌ، فَنَقَلَ الْإِمَامُ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ الصَّحِيحَةُ بِهَا أَيْضًا، لِفَوَاتِ الْجَمَالِ، قَالَ: وَلَسْتُ أَرَى الْأَمْرَ كَذَلِكَ لِبَقَاءِ الْجِرْمِ بِصِفَةِ الصِّحَّةِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتُقَطَعُ الْمَخْرُومَةُ بِالصَّحِيحَةِ وَيُؤْخَذُ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا ذَهَبَ مِنَ الْمَخْرُومَةِ، وَسَوَاءٌ فِي الْمَثْقُوبَةِ وَالْمَخْرُومَةِ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: يُقْطَعُ أَنْفُ الصَّحِيحِ بِأَنْفِ الْأَخْشَمِ، لِأَنَّ الشَّمَّ لَيْسَ فِي جِرْمِ الْأَنْفِ، وَهَلْ يُقْطَعُ الْأَنْفُ السَّلِيمُ بِالْمَجْذُومِ؟ . قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ فِي حَالِ الِاحْمِرَارِ، قُطِعَ بِهِ، وَإِنِ اسْوَدَّ، فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي حَدِّ الْبِلَى، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ الْحُكُومَةُ، وَلَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَ الِاحْمِرَارِ وَالِاسْوِدَادِ، وَقَالُوا: يَجِبُ الْقِصَاصُ مَا لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ. فَإِنْ سَقَطَ، لَمْ يُقْطَعْ بِهِ الصَّحِيحُ، لَكِنْ يُقْطَعُ مِنْهُ مَا كَانَ بَقِيَ مِنَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ بِأَنْفِ الْجَانِي نَقْصٌ كَنَقْصِ الْمَجْذُومِ جَرَى الْقِصَاصُ وَفِيهِ وَجْهٌ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ غَلَطٌ.

стр. 3746

الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَا تُؤْخَذُ الْعَيْنُ السَّلِيمَةُ بِالْحَدَقَةِ الْعَمْيَاءِ، وَالصُّورَةُ الْقَائِمَةُ مِنَ الْحَدَقَةِ كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَتُؤْخَذُ الْقَائِمَةُ بِالصَّحِيحَةِ إِذَا رَضِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَيُقْطَعُ جَفْنُ الْبَصِيرِ بِجَفْنِ الْأَعْمَى لِتَسَاوِي الْجِرْمَيْنِ، وَفَقْدُ الْبَصَرِ لَيْسَ فِي الْجَفْنِ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: لَا يُقْطَعُ لِسَانُ نَاطِقٍ بِأَخْرَسَ وَيَجُوزُ الْعَكْسُ بِرِضَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَيُقْطَعُ لِسَانُ الْمُتَكَلِّمِ بِلِسَانِ الرَّضِيعِ إِنْ ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُ النُّطْقِ بِالتَّحْرِيكِ عِنْدَ الْبُكَاءِ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ بَلَغَ أَوَانَ التَّكَلُّمِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، لَمْ يُقْطَعْ بِهِ الْمُتَكَلِّمُ. فَرْعٌ. قَطَعَ أُذُنَ شَخْصٍ، فَأَلْصَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فِي حَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَصَقَتْ، لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ وَلَا الدِّيَةُ عَنِ الْجَانِي، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْإِبَانَةِ وَقَدْ وُجِدَتْ، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْمُلْصَقِ لِتَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَسَبَبُهُ نَجَاسَةُ الْأُذُنِ إِنْ قُلْنَا: مَا يُبَانُ مِنَ الْآدَمِيِّ نَجِسٌ، وَإِلَّا فَسَبَبُهُ الدَّمُ الَّذِي ظَهَرَ فِي مَحَلِّ الْقَطْعِ فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ فَلَا تَزُولُ بِالِاسْتِبْطَانِ وَيَجِيءُ فِيهِ مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي الْوَصْلِ بِعَظْمٍ نَجِسٍ. وَالتَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَنْبُتَ اللَّحْمُ عَلَى مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، أَوْ لَا يَنْبُتُ، وَبَيْنَ أَنْ يُخَافَ التَّلَفَ مِنَ الْقَطْعِ أَوْ لَا يُخَافَ، وَلَوْ قَطَعَهَا قَاطِعٌ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا مُسْتَحِقَّةُ الْإِزَالَةِ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ إِزَالَتَهَا لِخَوْفِ التَّلَفِ مَثَلًا. فَلَوْ سَرَى قَطْعُ الْقَاطِعِ إِلَى النَّفْسِ، حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ عَلَيْهِ الْقِصَاصَ، قَالَ: وَلَا يَبْعُدُ خِلَافُهُ، ثُمَّ هِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحِقَّةُ الْإِزَالَةِ فَلَيْسَ لِلْجَانِي أَنْ يَقُولَ: أَزِيلُوهَا ثُمَّ اقْطَعُوا أُذُنِيَ، لِأَنَّ إِزَالَتَهَا مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِهِ، وَالنَّظَرُ فِي مِثْلِهِ إِلَى الْإِمَامِ، وَلَوِ اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ فَأَلْصَقَ الْجَانِي أُذُنَهُ،

стр. 3747

فَالْقِصَاصُ حَاصِلٌ بِالْإِبَانَةِ، وَأَمَّا قَطْعُ مَا أَلْصَقَ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَطَعَ بَعْضَ أُذُنِهِ وَلَمْ يُبِنْهُ، فَفِي الْقِصَاصِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ خِلَافٌ سَبَقَ. وَذَلِكَ إِذَا بَقِيَ غَيْرَ مُلْتَصِقٍ، فَأَمَّا إِذَا أَلْصَقَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، فَالْتَصَقَ، فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ عَنِ الْجَانِي، وَيَرْجِعُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ إِلَى الْحُكُومَةِ، كَالْإِفْضَاءِ إِذَا انْدَمَلَ يُسْقِطُ الدِّيَةَ، وَلِذَلِكَ نَقُولُ: لَوْ جَاءَ رَجُلٌ وَقَطَعَ الْأُذُنَ بَعْدَ الِالْتِصَاقِ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ الْكَامِلَةُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ. وَقِيلَ: لَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ فِي الْقَدْرِ الْمَقْطُوعِ، كَمَا لَا يَسْقُطُ قِصَاصُ الْمُوضِحَةِ بِالِانْدِمَالِ، وَلَا يَجِبُ قَطْعُ الْمُلْصَقِ قَبْلَ تَمَامِ الْإِبَانَةِ، وَهَكَذَا أَطْلَقُوهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إِنْ عَلَّلْنَا بِظُهُورِ الدَّمِ. وَلَوِ اسْتَأْصَلَ أُذُنَهُ، وَبَقِيَتْ مُعَلَّقَةً بِجِلْدَةٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوْ أَلْصَقَهَا الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، لَمْ يَجِبْ قَطْعُهَا، وَفِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ عَنِ الْجَانِي هَذَا الْخِلَافُ. وَلَوْ أَبَانَ أُذُنَهُ، فَقَطَعَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بَعْضَ أُذُنِهِ مُقْتَصًّا، فَأَلْصَقَهُ الْجَانِي، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ، وَيَقْطَعَهُ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْإِبَانَةَ. فَرْعٌ. رَبَطَ السِّنَّ الْمَقْلُوعَةَ فِي مَكَانِهَا، وَثُبُوتُهَا، كَإِلْصَاقِ الْأُذُنِ الْمَقْطُوعَةِ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. فَصْلٌ فِي السِّنِّ الْقِصَاصُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ إِذَا قَلَعَهَا، فَلَوْ كَسَرَهَا، فَلَا قِصَاصَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ إِذَا كَسَرَ بَعْضَ سِنِّهِ يُرَاجِعُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا صَدْعٍ فِي الْبَاقِي، اقْتُصَّ مِنْهُ. وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَلَا تُؤْخَذُ السِّنُّ الصَّحِيحَةُ بِالْمَكْسُورَةِ، وَتُؤْخَذُ الْمَكْسُورَةُ بِالصَّحِيحَةِ مَعَ قِسْطِ الذَّاهِبِ مِنَ الْأَرْشِ، وَتُؤْخَذُ الزَّائِدَةُ

стр. 3748

بِالزَّائِدَةِ بِالشَّرْطِ السَّابِقِ، وَلَوْ قَلَعَ سِنَّ رَجُلٍ، وَلَيْسَ لِلْجَانِي تِلْكَ السِّنُّ، فَلَا قِصَاصَ، وَتُؤْخَذُ الدِّيَةُ، فَلَوْ نَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةٌ حَالَ الْجِنَايَةِ. فَرْعٌ. إِذَا قَلَعَ مَثْغُورٌ - وَهُوَ الَّذِي سَقَطَتْ رَوَاضِعُهُ - سِنَّ صَبِيٍّ لَمْ يَثْغَرْ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ وَلَا دِيَةَ، لِأَنَّهَا تَعُودُ غَالِبًا، فَإِنْ نَبَتَتْ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْحُكُومَةُ إِنْ نَبَتَتْ سَوْدَاءَ، أَوْ مُعْوَجَّةً، أَوْ خَارِجَةً عَنْ سَمْتِ الْأَسْنَانِ، أَوْ بَقِيَ شَيْنٌ بَعْدَ النَّبَاتِ. وَإِنْ نَبَتَتْ أَطْوَلَ مِمَّا كَانَتْ، أَوْ نَبَتَ مَعَهَا سِنٌّ شَاغِيَةٌ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ نَبَتَتْ أَقْصَرَ مِمَّا كَانَتْ، وَجَبَ بِقَدْرِ النَّقْصِ مِنَ الْأَرْشِ، وَإِنْ جَاءَ وَقْتُ نَبَاتِهَا، بِأَنْ سَقَطَ سَائِرُ الْأَسْنَانِ، وَعَادَتْ، وَلَمْ تَنْبُتِ الْمَقْلُوعَةُ، أَرَيْنَاهُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: يُتَوَقَّعُ نَبَاتُهَا إِلَى وَقْتِ كَذَا، تَوَقَّفْنَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ تَنْبُتْ، أَوْ قَالُوا: فَسَدَ الْمَنْبَتُ وَلَا يُتَوَقَّعُ النَّبَاتُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِيهِ قَوْلَيْنِ، لِأَنَّ سِنَّ الصَّغِيرِ نَاقِصَةٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْخِلَافَ غَيْرُ الْغَزَالِيِّ، ثُمَّ إِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَالِاسْتِيفَاءُ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَإِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، اقْتَصَّ وَارِثُهُ فِي الْحَالِ، أَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ حُصُولِ الْيَأْسِ، وَقَبْلَ تَبَيُّنِ الْحَالِ، فَلَا قِصَاصَ، وَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ يَأْتِيَانِ فِي الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 3749

فَرْعٌ. قَلَعَ مَثْغُورٌ سِنَّ مَثْغُورٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، فَلَوْ نَبَتَ سِنُّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَفِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ، لِأَنَّ الْعَائِدَ قَائِمٌ مُقَامَ الْأَوَّلِ، كَمَا فِي غَيْرِ الْمَثْغُورِ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَسْقُطُ، لِأَنَّ هَذَا هِبَةٌ جَدِيدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ لَا نَنْتَظِرُ الْعَوْدَ، بَلْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ، أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ فِي الْحَالِ. وَقِيلَ: يُرَاجِعُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ يَعُودُ إِلَى مُدَّةِ كَذَا، انْتَظَرَ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي غَيْرِ الْمَثْغُورِ، وَلَوِ الْتَأَمَتِ الْمُوضِحَةُ وَالْتَحَمَتْ، لَمْ تَسْقُطِ الدِّيَةُ وَلَا الْقِصَاصُ، لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهَا الِالْتِحَامُ، وَكَذَا حُكْمُ الْجَائِفَةِ. وَعَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَجْهٌ أَنَّهَا إِذَا الْتَحَمَتْ زَالَ حُكْمُهَا، وَرَأَى الْإِمَامُ تَخْصِيصَ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى ضَعْفِهِ بِمَا إِذَا نَفَذَتِ الْحَدِيدَةُ إِلَى الْجَوْفِ، وَحَصَلَ خَرْقٌ مِنْ غَيْرِ زَوَالِ لَحْمٍ دُونَ مَا إِذَا زَالَ شَيْءٌ، وَنَبَتَ لَحْمٌ جَدِيدٌ، وَرَأَى طَرْدَهُ فِي مِثْلِهَا فِي الْمُوضِحَةِ. وَلَوْ قَطَعَ لِسَانًا فَنَبَتَ، فَفِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: قَوْلَانِ كَالسِّنِّ. وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّ عَوْدَهُ بَعِيدٌ جِدًّا، فَهُوَ هِبَةٌ مَحْضَةٌ، وَجِنْسُ السَّنِّ مُعْتَادُ الْعَوْدِ، التَّفْرِيعُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي عَوْدِ السَّنِّ، فَإِذَا اقْتَصَّ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، أَوْ أَخَذَ الْأَرْشَ، ثُمَّ نَبَتَتْ سِنُّهُ، فَلَيْسَ لِلْجَانِي قَلْعُهَا. وَهَلْ يَسْتَرِدُّ الْأَرْشَ إِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَخَذَهُ؟ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ. إِنْ قُلْنَا: الْعَائِدُ كَالْأَوَّلِ، اسْتَرَدَّ، وَإِنْ قُلْنَا: هِبَةٌ، فَلَا، وَإِنْ كَانَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ اقْتَصَّ، فَهَلْ يُطَالِبُهُ الْجَانِي بِأَرْشِ السِّنِّ؟ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ، وَقَالَ ابْنُ سَلِمَةَ: لَا يُطَالِبُ هُنَا قَطْعًا لِتَعَذُّرِ اسْتِرْدَادِ الْقِصَاصِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَلَوْ تَعَدَّى الْجَانِي، فَقَلَعَ الْعَائِدَ وَقَدِ اقْتُصَّ مِنْهُ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَائِدُ كَالْأَوَّلِ، لَزِمَهُ الْأَرْشُ بِهَذَا الْقَلْعِ لِتَعَذُّرِ الْقِصَاصِ وَقَدْ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْأَرْشُ بِالْعَوْدِ فَفِيهِ الْكَلَامُ فِي الْتَّقَاصِّ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ هِبَةً، لَزِمَهُ الْأَرْشُ بِالْقَلْعِ الثَّانِي، وَعَلَى

стр. 3750

هَذَا الْقَوْلِ لَوْ لَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ أَوَّلًا وَأَخَذَ الْأَرْشَ، فَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَصَّ لِلْقَلْعِ الثَّانِي. فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اقْتُصَّ لِلْأَوَّلِ وَلَا أُخِذَ الْأَرْشُ، لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَأَرْشٌ، أَوْ أَرْشَانِ بِلَا قِصَاصٍ، أَمَّا إِذَا اقْتَصَصْنَا مِنَ الْجَانِي فَعَادَ سِنُّهُ دُونَ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْعَائِدُ كَالْأَوَّلِ، فَهَلْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ الْقَلْعُ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ قَابَلَ قَلْعًا بِقَلْعٍ فَلَا تُثَنَّى عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ، لَكِنْ لَهُ الْأَرْشُ لِخُرُوجِ الْقَلْعِ الْأَوَّلِ عَنْ كَوْنِهِ قِصَاصًا، وَكَأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ بِسَبَبٍ. وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْجَانِيَ أَفْسَدَ مَنْبَتَهُ، فَيُكَرَّرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْسُدَ مَنْبَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هِبَةٌ، فَلَا شَيْءَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ بِمَا سَبَقَ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ. وَلَوِ اقْتَصَّ، فَعَادَ سِنُّ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مَعًا، فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ. فَرْعٌ. قَلَعَ غَيْرُ مَثْغُورٍ سِنَّ مَثْغُورٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْشَ إِنْ شَاءَ، وَيَقْتَصَّ إِنْ شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ مَعَ الْقِصَاصِ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا فِي أَخْذِ الشَّلَّاءِ بِالصَّحِيحَةِ، هَذَا إِذَا كَانَ غَيْرُ الْمَثْغُورِ بَالِغًا، وَإِلَّا فَلَا قِصَاصَ. وَفِي أَمَالِيِّ أَبِي الْفَرَجِ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: إِنْ قَلَعْتَ سِنَّهُ الْآنَ، فَالظَّاهِرُ مِنْهَا الْعَوْدُ، فَاصْبِرْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ مَثْغُورًا، فَإِنِ اسْتَعْجَلَ، أُجِيبَ وَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيمَا يَعُودُ. فَرْعٌ. قَلَعَ غَيْرُ مَثْغُورٍ سِنَّ غَيْرَ مَثْغُورٍ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ نَبَتَتْ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، وَإِنْ لَمْ تَنْبُتْ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُهُ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ يَأْخُذُ الْأَرْشَ أَوْ يَقْتَصُّ، فَإِنِ اقْتَصَّ وَلَمْ يَعُدْ سِنُّ الْجَانِي فَذَاكَ، وَإِنْ عَادَتْ، فَهَلْ يُقْلَعُ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، قَالَهُ الْإِمَامُ.
следующие страницы →