← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.

стр. 3676

مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا بِالْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَتَخْتَلِفُ الْمُدَّةُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَحْبُوسِ قُوَّةً وَضَعْفًا، وَالزَّمَانِ حَرًّا وَبَرْدًا، وَإِنْ لَمْ تَمْضِ هَذِهِ الْمُدَّةُ، وَمَاتَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوعٌ أَوْ عَطَشٌ سَابِقٌ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بِهِ بَعْضُ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ الْحَابِسُ جُوعَهُ السَّابِقَ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِي: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْحَالَيْنِ، وَالثَّالِثُ: عَكْسُهُ، وَشَبَّهُوا الْجَاهِلَ بِمَنْ دَفَعَ رَجُلًا دَفْعًا خَفِيفًا، فَسَقَطَ عَلَى سِكِّينٍ وَرَاءَهُ، وَالدَّافِعُ جَاهِلٌ بِهَا، لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ وَجَبَتْ دِيَةُ عَمْدٍ بِكَمَالِهَا إِنْ كَانَ عَالِمًا، وَدِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ إِنْ كَانَ جَاهِلًا، وَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، فَقَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ الدِّيَةُ بِكَمَالِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِلشُّبْهَةِ، وَأَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: تَجِبُ نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ أَوْ شِبْهِ الْعُمَدِ. وَلَوْ مَنَعَهُ الشَّرَابَ دُونَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَأْكُلِ الْمَحْبُوسُ خَوْفًا مِنَ الْعَطَشِ، فَمَاتَ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَلَا ضَمَانَ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، لِأَنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَجِبُ، وَلَوْ حَبَسَهُ، وَرَاعَاهُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَمَاتَ فِي الْحَبْسِ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا، ضَمِنَهُ بِالْيَدِ، وَإِنْ كَانَ حُرًّا، فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا، سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ بِانْهِدَامِ سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ عَلَيْهِ، أَوْ بِلَسْعِ حَيَّةٍ وَنَحْوِهَا. وَلَوْ حَبَسَهُ وَعَرَّاهُ حَتَّى مَاتَ بِالْبَرْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَبَسَهُ، وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَلَوْ أَخَذَ طَعَامَهُ، أَوْ شَرَابَهُ، أَوْ ثِيَابَهُ فِي مَفَازَةٍ، فَمَاتَ جُوعًا، أَوْ عَطَشًا، أَوْ بَرْدًا، فَلَا ضَمَانَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ صُنْعًا. فَرْعٌ لَوْ سَحَرَ رَجُلًا، فَمَاتَ، سَأَلْنَاهُ، فَإِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ بِسِحْرِي، وَسِحْرِي يَقْتُلُ غَالِبًا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَالَ: قَدْ يَقْتُلُ، وَالْغَالِبُ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ، فَهُوَ

стр. 3677

إِقْرَارٌ بِشُبْهَةِ الْعَمْدِ، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ غَيْرَهُ، فَتَأَثَّرَ بِهِ لِمُوَافَقَةِ الِاسْمِ الِاسْمَ، فَهُوَ إِقْرَارٌ بِالْخَطَأِ، وَفِي الْحَالَيْنِ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَالْخَطَأُ يَكُونُ فِي مَالِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةُ إِلَّا أَنْ يُصَدِّقُوهُ، وَسَيَعُودُ ذِكْرُ السِّحْرِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ، ثُمَّ فِي كِتَابِ دَعْوَى الدَّمِ، وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ هُنَاكَ، أَنَّ السِّحْرَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَلَا قِصَاصَ فِيهِ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمُزْهِقِ. فَالْفِعْلُ الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ فِي الزُّهُوقِ، إِمَّا أَنْ لَا يُؤَثِّرَ فِي حُصُولِ الزُّهُوقِ، وَلَا فِي حُصُولِ مَا يُؤَثِّرُ فِي الزُّهُوقِ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الزُّهُوقِ وَيُحَصِّلُهُ، وَإِمَّا أَنْ يُؤَثِّرَ فِي حُصُولِ مَا يُؤَثِّرُ فِي الزُّهُوقِ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ، فَكَحَفْرِ الْبِئْرِ مَعَ التَّرَدِّي أَوِ التَّرْدِيَةِ، وَكَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْقَتْلِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَكَالْقَدِّ، وَحَزِّ الرَّقَبَةِ، وَالْجِرَاحَاتِ السَّارِيَةِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَكَالْإِكْرَاهِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْقَدِّ، فَالْأَوَّلُ شَرْطٌ، وَالثَّانِي عِلَّةٌ، وَالثَّالِثُ سَبَبٌ، وَلَا يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِالشَّرْطِ، وَيَتَعَلَّقُ بِالْعِلَّةِ، وَكَذَا بِالسَّبَبِ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلَافٍ سَنَرَاهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. ثُمَّ السَّبَبُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: الْأَوَّلُ: مَا يُوَلِّدُ الْمُبَاشِرَةَ تَوْلِيدًا حِسِّيًّا، وَهُوَ الْإِكْرَاهُ، فَإِذَا أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ، وَالْمَأْمُورُ مُبَاشِرٌ آثِمٌ بِفِعْلِهِ، وَالْمُبَاشَرَةُ مُقَدَّمَةٌ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حَقِيقَةِ الْإِكْرَاهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقُ، وَالَّذِي مَالَ إِلَيْهِ الْمُعْتَبِرُونَ هُنَا وَرَجَّحُوهُ، أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْقَتْلِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْلِ، أَوْ مَا يُخَافُ مِنْهُ التَّلَفُ، كَالْقَطْعِ وَالْجُرْحِ وَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَحُكْمِ الْإِكْرَاهِ الصَّادِرِ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَوِ الْمُتَغَلِّبِ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُوَلِّدُهَا شَرْعًا وَهُوَ الشَّهَادَةُ، فَإِذَا شَهِدُوا عَلَى

стр. 3678

رَجُلٌ بِمَا يُوجِبُ قَتْلُهُ قِصَاصًا، أَوْ بِرِدَّةٍ، أَوْ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ، فَحَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمْ وَقَتَلَهُ بِمُقْتَضَاهَا، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا وَعَلِمْنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ بِشَهَادَتِنَا، لَزِمَهُمُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ شَهِدُوا بِمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ قِصَاصًا، أَوْ فِي سَرِقَةٍ، فَقُطِعَ، ثُمَّ رَجَعُوا وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا، لَزِمَهُمُ الْقَطْعُ، وَإِنْ سَرَى فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ رَجَعَ الشُّهُودُ وَقَالُوا: لَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِقَوْلِنَا، أَوْ رَجَعَ الْمُزَكِّي أَوِ الْقَاضِي أَوِ الْوَالِي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الشُّهُودِ، فَسَيَأْتِي بَيَانُ كُلِّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ بِالرُّجُوعِ وَاعْتِرَافِهِمْ بِالتَّعَمُّدِ، لَا بِكَذِبِهِمْ، حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَّا كَذِبَهُمْ بِأَنْ شَاهَدْنَا الْمَشْهُودَ بِقَتْلِهِ حَيًّا، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا، وَلَا يَلْزَمُهُمُ الْقِصَاصُ بِالرُّجُوعِ إِلَّا إِذَا أَخْرَجَتْ شَهَادَتُهُمْ مُبَاشَرَةَ الْوَلِيِّ عَنْ كَوْنِهَا عُدْوَانًا، أَمَّا إِذَا اعْتَرَفَ الْوَلِيُّ بِكَوْنِهِ عَالِمًا بِكَذِبِهِمْ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الْوَلِيِّ الْقِصَاصُ، رَجَعُوا أَمْ لَمْ يَرْجِعُوا. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا يُوَلِّدُهَا تَوْلِيدًا عُرْفِيًّا، كَتَقْدِيمِ الطَّعَامِ الْمَسْمُومِ، فَإِذَا أَوْجَرُوهُ سُمًّا صِرْفًا، أَوْ مَخْلُوطًا وَهُوَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، سَوَاءٌ كَانَ مُوحِيًا أَوْ غَيْرَ مُوحٍ، فَمَاتَ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا وَقَدْ يَقْتُلُ فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا: إِنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ، لِأَنَّ لِلسُّمِّ نِكَايَةً فِي الْبَاطِنِ كَالْجُرْحِ، فَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ كَانَ السُّمُّ لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، لَكِنْ أَوْجَرَهُ ضَعِيفًا بِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ وَمِثْلُهُ يَقْتُلُ مِثْلَهُ غَالِبًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَالَ الْمُؤْجِرُ: كَانَ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُؤْجِرِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ سَاعَدَتْهُ بَيِّنَةٌ، فَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَقَامَ الْوَلِيُّ بَيِّنَةً عَلَى مَا يَقُولُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ هَذَا السُّمِّ الْحَاضِرِ، وَشَهِدَ عَدْلَانِ أَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ سُمٌّ، أَوْ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ يَقْتُلُ غَالِبًا، وَنَازَعَهُ الْوَلِيُّ، فَهَلْ يُصَدَّقُ الْمُؤْجِرُ؟ قَوْلَانِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ:

стр. 3679

فِيمَا إِذَا قَالَ: لَمْ أَعْلَمْ كَوْنَهُ قَاتِلًا، أَظْهَرُهُمَا: لَا يُصَدَّقُ، فَيَجِبُ الْقِصَاصُ، وَلَوْ لَمْ يُوجِرْهُ السُّمَّ الْقَاتِلَ، لَكِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِهِ، فَشَرِبَهُ، قَالَ الدَّارَكِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا كَإِكْرَاهِهِ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ. لَوْ. نَاوَلَهُ الطَّعَامَ الْمَسْمُومَ وَقَالَ: كُلْهُ، أَوْ قَدَّمَهُ إِلَيْهِ وَضَيَّفَهُ بِهِ، فَأَكَلَهُ، وَمَاتَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ قَالَ لَهُمَا: هُوَ مَسْمُومٌ أَمْ لَا، وَذَكَرُوا مِثْلَهُ فِي الْأَعْجَمِيِّ الَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الطَّاعَةِ فِي كُلِّ مَا يُشَارُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِهِ، وَلَا نَظَرُوا إِلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ، وَلِلنَّظَرَيْنِ مَحَالٌّ، وَإِنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا، فَإِنْ عَلِمَ حَالَ الطَّعَامِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُنَاوِلِ وَالْمُقَدِّمِ، بَلِ الْأَكِلُ هُوَ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَإِلَّا فَفِي الْقِصَاصِ قَوْلَانِ، وَهُمَا جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ غَطَّى رَأْسَ بِئْرٍ فِي دِهْلِيزِهِ، وَدَعَا إِلَى دَارِهِ ضَيْفًا، وَكَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَمُرُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إِذَا أَتَاهُ، فَأَتَاهُ وَهَلَكَ بِهَا، أَظْهَرُهُمَا: لَا قِصَاصَ. وَطَرَدَ الْبَغَوِيُّ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَوْ قَالَ: كُلْ، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنَ السُّمِّ، لَكِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ، وَفِيمَا إِذَا جُعِلَ السُّمُّ فِي جَرَّةِ مَاءٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَمَاتَ. وَلْتَكُنِ الصُّورَةُ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، إِمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَإِلَّا فَلَا تَتَحَقَّقُ الْعَمْدِيَّةُ. فَإِذَا قُلْنَا: لَا قِصَاصَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنَّ هَذَا أَقْوَى مِنْ حَفْرِ الْبِئْرِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا تَجِبُ تَغْلِيبًا لِلْمُبَاشَرَةِ، وَلَوْ دَسَّ السُّمَّ فِي طَعَامِ رَجُلٍ، فَأَكَلَهُ صَاحِبُهُ جَاهِلًا بِالْحَالِ، وَمَاتَ، فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ

стр. 3680

عَلَى الْقَوْلَيْنِ، إِذَا كَانَ الْغَالِبُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ تَغْرِيرٌ، وَلَا حَمْلٌ عَلَى الْأَكْلِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ إِتْلَافُ طَعَامِهِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ، وَلَوْ دَسَّهُ فِي طَعَامِ نَفْسِهِ فَدَخَلَ شَخْصٌ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَأَكَلَهُ، فَلَا ضَمَانَ. فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَدْخُلُ دَارَهُ، وَيَأْكُلُ انْبِسَاطًا، فَهَلْ يَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي الْقِصَاصِ، أَمْ يُقْطَعُ بِنَفْيِهِ؟ طَرِيقَانِ. فَصْلٌ فِيمَا إِذَا جَرَى سَبَبٌ وَقَدَرَ الْمَقْصُودُ عَلَى دَفْعِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: جَرَحَهُ جِرَاحَةً مُهْلِكَةً، فَلَمْ يُعَالِجْهَا الْمَجْرُوحُ حَتَّى مَاتَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْجَارِحِ، لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْجِرَاحَةِ مُهْلِكٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَبَسَهُ وَالطَّعَامُ عِنْدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ، لَأَنَّ الْحَبْسَ بِمَجْرَدِهِ لَيْسَ مُهْلِكًا. الثَّانِيَةُ: غَرَّقَهُ فِي مَاءٍ، فَإِنْ أَمْسَكَهُ فِيهِ حَتَّى مَاتَ، أَوْ تَرَكَهُ وَفِيهِ حَيَاةٌ، وَلَكِنْ تَأَلَّمَ بِهِ، وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا حَتَّى مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ أَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَمَاتَ بِهِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ الْمَاءُ بِحَيْثُ لَا يُتَوَقَّعُ الْخَلَاصُ مِنْهُ كَلُجَّةِ الْبَحْرِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ فِيهَا السِّبَاحَةُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُلْقَى يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ أَمْ لَا، وَإِنْ كَانَ يُتَوَقَّعُ الْخَلَاصُ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ مُغْرِقًا، بِأَنْ كَانَ رَاكِدًا فِي مَوْضِعٍ مُنْبَسِطٍ، فَمَكَثَ الْمُلْقَى فِيهِ مُضْطَجِعًا، أَوْ مُسْتَلْقِيًا حَتَّى هَلَكَ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ، فَإِنَّهُ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَمِثْلُهُ لَوْ فَصَدَهُ فَلَمْ يَعْصِبْ نَفْسَهُ حَتَّى مَاتَ، لَأَنَّ الدَّفْعَ مَوْثُوقٌ بِهِ، لَكِنْ لَوْ كَتَّفَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى هَيْئَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يُعَدُّ مُغْرِقًا كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ الَّتِي لَا يَخْلُصُ مِنْهَا إِلَّا بِالسِّبَاحَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُلْقَى مَكْتُوفًا، أَوْ صَبِيًّا، أَوْ

стр. 3681

زَمِنًا، أَوْ ضَعِيفًا، أَوْ قَوِيًّا لَا يُحْسِنُ السِّبَاحَةَ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهَا، فَمَنَعَهُ مِنْهَا عَارِضُ مَوْجٍ، أَوْ رِيحٍ، فَلَا قِصَاصَ، وَلَكِنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ تَرَكَ السِّبَاحَةَ بِلَا عُذْرٍ، حُزْنًا أَوْ لَجَاجًا، فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ وَجْهَانِ أَوْ قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا تَجِبُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ قَطْعًا، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: يَجِبُ إِنْ أَوْجَبْنَا الدِّيَةَ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: لَوْ أَلْقَاهُ فِي نَارٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنْهَا، لِعِظَمِهَا أَوْ كَوْنِهَا فِي وَهْدَةٍ، أَوْ كَوْنِهِ مَكْتُوفًا، أَوْ زَمِنًا، أَوْ صَغِيرًا، فَمَاتَ فِيهَا، أَوْ خَرَجَ مِنْهَا مُتَأَثِّرًا مُتَأَلِّمًا، وَبَقِيَ مُتَأَلِّمًا إِلَى أَنْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّخَلُّصُ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى هَلَكَ، فَلَا تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَلَا قِصَاصَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ يَجِبُ ضَمَانُ مَا تَأَثَّرَ بِالنَّارِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ قَبْلَ تَقْصِيرِهِ فِي الْخُرُوجِ، سَوَاءٌ كَانَ أَرْشَ عُضْوٍ أَوْ حُكُومَةً قَطْعًا. فَرْعٌ. قَالَ الْمُلْقِي: كَانَ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِمَّا أَلْقَيْتُهُ فِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ نَارٍ، فَقَصَّرَ، وَقَالَ الْوَلِيُّ: لَمْ يُمْكِنْهُ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ؟ وَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، لِتَعَارُضِ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَوْ تَمَكَّنَ لَخَرَجَ. قُلْتُ: الرَّاجِحُ تَصْدِيقُ الْوَلِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. كَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ عَلَى السَّاحِلِ، فَزَادَ الْمَاءُ وَهَلَكَ بِهِ، إِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ يُعْلَمُ زِيَادَةُ الْمَاءِ فِيهِ، كَالْمَدِّ بِالْبَصْرَةِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ

стр. 3682

يَزِيدُ، وَقَدْ لَا يَزِيدُ، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يُتَوَقَّعُ زِيَادَتُهُ، فَاتَّفَقَ سَيْلٌ نَادِرٌ، فَخَطَأٌ مَحْضٌ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي اجْتِمَاعِ السَّبَبِ وَالْمُبَاشَرَةِ، أَوِ الشَّرْطِ. أَمَّا الشَّرْطُ وَالْمُبَاشَرَةُ إِذَا اجْتَمَعَا، فَالْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ يَتَعَلَّقَانِ بِالْمُبَاشِرَةِ فَقَطْ، فَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَرَدَّى رَجُلٌ فِيهَا شَخْصًا، فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُرْدِي دُونَ الْحَافِرِ، وَلَوْ أَمْسَكَ رَجُلًا، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُمْسِكِ، إِلَّا أَنَّهُ يَأْثَمُ إِذَا أَمْسَكَهُ لِلْقَتْلِ، وَيُعَزَّرُ. هَذَا فِي الْحَرِّ، أَمَّا لَوْ كَانَ الْمَقْتُولُ عَبْدًا، فَيُطَالَبُ الْمُمْسِكُ بِالضَّمَانِ بِالْيَدِ وَالْقَرَارِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَوْ أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا، فَقَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ، وَتَتَوَجَّهُ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْمُمْسِكِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْحَجِّ. وَلَوْ قَدَّمَ صَبِيًّا إِلَى هَدَفٍ، فَأَصَابَهُ سَهْمٌ كَانَ أَرْسَلَهُ الرَّامِي قَبْلَ تَقْدِيمِ الصَّبِيِّ، فَقَتَلَهُ، فَالرَّامِي كَالْحَافِرِ، وَالْمُقَدِّمُ كَالْمُرْدِي، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَمَّا إِذَا اجْتَمَعَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَهُوَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَغْلِبَ السَّبَبُ الْمُبَاشَرَةَ، بِأَنْ أَخْرَجَهَا عَنْ كَوْنِهَا عُدْوَانًا مَعَ تَوْلِيدِهِ لَهَا، مِثْلَ أَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَقَتَلَهُ الْقَاضِي، أَوْ جَلَّادُهُ، أَوْ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَقَتَلَهُ الْوَلِيُّ أَوْ وَكِيلُهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الشُّهُودِ، دُونَ الْقَاضِي وَالْوَلِيِّ وَنَائِبِهِمَا. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَصِيرَ السَّبَبُ مَغْلُوبًا، بِأَنْ رَمَاهُ مِنْ شَاهِقٍ، فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ بِسَيْفٍ، فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ، أَوْ ضَرَبَ رَقَبَتَهُ قَبْلَ وُصُولِهِ الْأَرْضَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَادِّ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْقِي، سَوَاءٌ عَرَفَ الْحَالَ أَمْ لَا. وَفِي وَجْهٍ: يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ بِالْمَالِ، لَا بِالْقِصَاصِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ، كَلُجَّةِ بَحْرٍ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ، فَعَلَى الْمُلْقِي الْقِصَاصُ

стр. 3683

عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ، وَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلًا: إِنَّهُ لَا قِصَاصَ، لَكِنْ تَجِبُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، وَقِيلَ: إِنِ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَاءِ، فَلَا قِصَاصَ، كَمَسْأَلَةِ الْقَادِّ، وَإِلَّا فَيَجِبُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الِالْتِقَامِ قَبْلَ وُصُولِهِ الْمَاءَ، وَالْقَطْعُ بِوُجُوبِ الْقِصَاصِ إِذَا كَانَ بَعْدَهُ. وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْقَدِّ وَالِالْتِقَامِ، بِأَنَّ الْقَدَّ قَتْلٌ صَدَرَ مِنْ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ بِفِعْلٍ وَرَوِيَّةٍ، فَيَقْطَعُ أَثَرَ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَالْحُوتُ يَلْتَقِمُ بِطَبْعِهِ كَالسَّبُعِ الضَّارِي، فَلَمْ يَقْطَعْ أَثَرَ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا: لَوْ أَمْسَكَهُ، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ دُونَ الْمُمْسِكِ. وَلَوْ أَمْسَكَهُ وَهَدَفَهُ لِوَثْبَةِ سَبُعٍ ضَارٍ، فَافْتَرَسَهُ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُمْسِكِ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ الضَّارِيَ يَفْعَلُ بِطَبْعِهِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ، وَكَأَنَّهُ آلَةٌ لِصَاحِبِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ وَكَانَ فِي سُفْلِهَا نَصْلٌ مَنْصُوبٌ فَمَاتَ بِهِ. فَالْقِصَاصُ عَلَى الْمُلْقِي، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الطَّارِئُ فِعْلَ صَاحِبِ رَأْيٍ، فَإِنَّهُ يَبْعُدُ تَنْزِيلُهُ مَنْزِلَةَ الْآلَةِ، وَبُنِيَ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي سُفْلِ الْبِئْرِ حَيَّةٌ عَادِيَةٌ بِطَبْعِهَا، أَوْ نَمِرٌ ضَارٍ، فَقَتَلَهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُرْدِي، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَجْنُونٌ ضَارٍ عَلَى طَبْعِ السِّبَاعِ، فَكَذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَارِيًا، كَانَ كَالْعَاقِلِ فِي إِسْقَاطِ الضَّمَانِ عَنِ الْمُرْدِي، فَلَمْ يَجْعَلِ الْهَلَاكَ الْحَاصِلَ بِالسَّبُعِ الضَّارِي كَالتَّلَقِّي بِالسَّيْفِ، وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ نَفْيَ الضَّمَانِ إِذَا افْتَرَسَهُ السَّبُعُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْأَرْضِ. وَلَا فَرْقَ فِي مَسْأَلَةِ الْقَدِّ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَادُّ مِمَّنْ يَضْمَنُ أَوْ مِمَّنْ لَا يَضْمَنُ، كَالْحَرْبِيِّ، وَلَوْ رَفَعَ الْحُوتُ رَأْسَهُ، فَأَلْقَمَهُ فَاهُ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ غَيْرِ مُغْرِقٍ، فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِهْلَاكَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِسَبَبِ الْهَلَاكِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ رَجُلًا دَفْعًا خَفِيفًا، فَأَلْقَاهُ، فَجَرَحَهُ بِسِكِّينٍ كَانَ هُنَاكَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الدَّافِعُ،

стр. 3684

فَلَا قِصَاصَ، وَلَكِنْ تَجِبُ فِي الصُّورَتَيْنِ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَحَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ عَنِ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَتَعَلَّقَ بِهِ دِيَةٌ كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قِصَاصٌ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَدِلَ السَّبَبُ وَالْمُبَاشَرَةُ، كَالْإِكْرَاهِ، فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْلِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ، كَمَا سَبَقَ، وَفِي الْمَأْمُورِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: وُجُوبُ الْقِصَاصِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ آثِمٌ بِالِاتِّفَاقِ بِخِلَافِ قَتْلِ الصَّائِلِ، وَسَوَاءٌ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ كَانَ الْمُكْرِهُ سُلْطَانًا أَوْ مُتَغَلِّبًا، وَقِيلَ: هُمَا فِي السُّلْطَانِ، فَإِنْ كَانَ مُتَغَلِّبًا، وَجَبَ الْقِصَاصُ قَطْعًا. فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ عَلَيْهِمَا كَالشَّرِيكَيْنِ، وَلِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَيَأْخُذَ نِصْفَ الدِّيَةِ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى الْمَأْمُورِ، فَفِي وُجُوبِ نِصْفِ الدِّيَةِ، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْآلَةِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ، وَحَرُمَ الْمِيرَاثُ، وَهَلْ تَكُونُ نِصْفُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ. قُلْتُ: الْأَرْجَحُ أَنَّهُ فِي مَالِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا دِيَةَ، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ آثِمٌ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ، حُرِمَ الْإِرْثُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْحِرْمَانُ. فَرْعٌ. إِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُكَافِئًا لِلْمَقْتُولِ دُونَ الْآخَرِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكَافِئِ دُونَ الْآخَرِ، كَشَرِيكِ الْأَبِ، فَإِذَا أَكْرَهَ عَبْدٌ حُرًّا عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ، أَوْ ذَمِّيٌّ مُسْلِمًا عَلَى قَتْلِ ذِمِّيٍّ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ دُونَ الْمَأْمُورِ، وَلَوْ أَكْرَهَ حُرٌّ عَبْدًا

стр. 3685

عَلَى قَتْلِ عَبْدٍ، أَوْ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا عَلَى قَتْلٍ ذِمِّيٍّ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَوْ أَكْرَهَ الْأَبُ أَجْنَبِيًّا عَلَى قَتْلِ الْوَلَدِ، أَوِ الْأَجْنَبِيُّ الْأَبَ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ. فَرْعٌ. إِذَا أَكْرَهَ بَالِغٌ صَبِيًّا مُرَاهِقًا عَلَى قَتْلٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الصَّبِيِّ، وَأَمَّا الْمُكْرَهُ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: عَمْدٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، فَلَا، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ. قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ، وَجَعَلْنَاهُمَا كَالشَّرِيكَيْنِ، فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: لَا قِصَاصَ عَلَى الْمُكْرَهِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ مَعَ قَوْلِنَا عَمْدُ الصَّبِيِّ خَطَأٌ، وَجْهَانِ. وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَجَمِيعُهَا عَلَى الْمُكْرِهِ إِنْ لَمْ نُوجِبْ عَلَى الْمُكْرَهِ شَيْئًا، وَإِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ نِصْفَهَا، فَنِصْفُهَا عَلَى الْمُكْرَهِ، وَنِصْفُهَا فِي مَالِ الصَّبِيِّ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُهُ عَمْدٌ، وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ. وَلَوْ أَكْرَهَ مُرَاهِقٌ بَالِغًا، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمُرَاهِقِ، وَفِي الْبَالِغِ: الْقَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ. فَرْعٌ. أَكْرَهَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ إِلَى طَلَلٍ عَلِمَ الْآمِرُ أَنَّهُ إِنْسَانٌ، وَظَنَّهُ الْمَأْمُورُ حَجَرًا أَوْ صَيْدًا، أَوْ عَلَى أَنْ يَرْمِيَ سُتْرَةً وَرَاءَهَا إِنْسَانٌ، وَعَلِمَهُ الْآمِرُ دُونَ الْمَأْمُورِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ آلَةٌ لَهُ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ. فَإِنْ آلَ الْآمِرُ إِلَى الدِّيَةِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: تَجِبُ كُلُّهَا عَلَى الْآمِرِ وَاخْتَارَهُ الْبَغَوِيُّ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ نِصْفُهَا وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمَأْمُورِ نِصْفُهَا، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى أَنْ يَرْمِيَ إِلَى صَيْدٍ، فَرَمَى، وَأَصَابَ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى

стр. 3686

وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدَا، وَأَمَّا الدِّيَةُ فَجَمِيعُهَا عَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ إِنْ لَمْ نَضْمَنِ الْمُكْرَهَ، وَإِلَّا فَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهَا، وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ، أَوْ نُزُولِ بِئْرٍ، فَفَعَلَ، فَزَلِقَ وَهَلَكَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شِبْهُ عَمْدٍ، فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقَتْلَ غَالِبًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَجِبُ الْقِصَاصُ. فَرْعٌ. لَوْ قَالَ: اقْتُلْ نَفْسَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ عَلَى مَالٍ، وَجَبَ جَمِيعُ الدِّيَةِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ إِنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ عَلَى الْمُكْرِهِ. وَجَمِيعُهَا إِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ، فِيمَا لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى شُرْبِ سُمٍّ، فَشَرِبَهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَعَلَى الْمُكْرِهِ الْقِصَاصُ قَطْعًا، وَلَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدَكَ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَهُوَ إِكْرَاهٌ قَطْعًا، ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ. فَرْعٌ. قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَهَذَا إِذَنٌ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ وَإِكْرَاهٌ، وَلَوْ تَجَرَّدَ الْإِذْنُ، فَقَتَلَهُ الْمَأْذُونُ لَهُ، فَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ لِلْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً عَقِبَ هَلَاكِ الْمَقْتُولِ، أَمْ تَجِبُ لِلْمَقْتُولِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَيْهِمْ؟ . إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَجَبَتْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ إِذْنُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا الثَّانِي أَظْهَرُ، كَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا، لِأَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْهَا دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْوَرَثَةِ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَعَنْ سَهْلٍ

стр. 3687

الصُّعْلُوكِيِّ طَرْدُ الْخِلَافِ فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: اقْطَعْ يَدِيَ، فَقَطَعَهَا، فَلَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ قَطْعًا، لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَصَارَ كَإِتْلَافِ مَالِهِ بِإِذْنِهِ، وَلَوْ أَذِنَ عَبْدٌ فِي الْقَتْلِ، أَوِ الْقَطْعِ، لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ، وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ إِذَا كَانَ الْمَأْذُونُ لَهُ عَبْدًا، وَجْهَانِ. أَمَّا إِذَا انْضَمَّ الْإِكْرَاهُ إِلَى الْإِذْنِ، فَسُقُوطُ الْقِصَاصِ أَقْوَى، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عِنْدَ تَجَرُّدِ الْإِذْنِ فَمَعَ الْإِكْرَاهِ أَوْلَى، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهَا، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ هَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَعَلَيْهِ نِصْفُهَا، وَإِلَّا فَلَا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ نَقَلُوا أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى قَتْلِهِ، يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الْآمِرِ وَالْمَأْمُورِ جَمِيعًا، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا قَتَلَهُمَا، وَأَنَّ لِلْمَأْمُورِ دَفْعَ الْآمِرِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا أَتَى الدَّفْعُ عَلَى نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا قَتَلَهُ دَفْعًا يَنْبَغِي أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ وَلَا دِيَةَ بِلَا تَفْصِيلٍ وَلَا خِلَافٍ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ فَقَالَ: إِذَا قَالَ: اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَهُوَ اسْتِسْلَامٌ، وَإِنْ قَتَلَهُ، فَهُوَ دَفْعٌ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَوْضِعُ التَّفْصِيلِ وَالْخِلَافِ مَا إِذَا أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، وَإِنَّمَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ: اقْذِفْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَقَذَفَهُ، فَقِيلَ: لَا حَدَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: اقْطَعْنِي، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ يَسْتَعِينُ بِالْغَيْرِ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ وَقَطْعِهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي الْقَذْفِ، فَجَعَلَ الْقَاذِفَ مُبْتَدِئًا. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ عَجَبٌ، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. لَوْ قَالَ: اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا وَإِلَّا قَتَلْتُكَ، فَهَذَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، بَلْ تَخْيِيرٌ، فَمَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمَا كَانَ مُخْتَارًا لِقَتْلِهِ، وَإِنَّمَا الْمُكْرَهُ مَنْ حُمِلَ عَلَى

стр. 3688

قَتْلِ مُعَيَّنٍ لَا يَجِدُ عَنْهُ مَحِيصًا، وَفِي «الرَّقْمِ» وَجْهٌ أَنَّهُ إِكْرَاهٌ، وَنَقَلَهُ الْمُتَوَلِّي عَنِ اخْتِيَارِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَلَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي الطَّلَاقِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. فَعَلَى هَذَا مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمَا، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ غَيْرُ الْإِثْمِ. فَرْعٌ. لَوْ أَكْرَهَ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُكْرِهَ ثَالِثًا عَلَى قَتْلِ رَابِعٍ، فَفَعَلَا، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْآمِرِ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ: الْقَوْلَانِ، لِأَنَّهُمَا مُكْرَهَانِ. فَصْلٌ إِذَا أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا، فَقَتَلَهُ الْمَأْمُورُ، نُظِرَ إِنْ ظَنَّ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ بِحَقٍّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَأْمُورِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَقٍّ، وَلِأَنَّ طَاعَةَ السُّلْطَانِ وَاجِبَةٌ فِيمَا لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنْ يُكَفِّرَ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ، وَأَمَّا الْآمِرُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَإِنْ عَلِمَ الْمَأْمُورُ أَنَّهُ يَقْتُلُهُ ظُلْمًا، فَهَلْ يُنَزَّلُ أَمْرُهُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ؟ وَجْهَانِ وَيُقَالُ: قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، وَإِنَّمَا الْإِكْرَاهُ بِالتَّهْدِيدِ صَرِيحًا كَمَا فِي غَيْرِ السُّلْطَانِ، فَعَلَى هَذَا لَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ سِوَى الْإِثْمِ، وَيَلْزَمُ الْمَأْمُورَ الْقِصَاصُ، أَوِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ. وَالثَّانِي: يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ لِعِلَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالَةِ السَّطْوَةِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ، فَيَنْتَهِضُ ذَلِكَ شُبْهَةً. فَإِذَا نَزَّلْنَاهُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ، فَعَلَى الْآمِرِ الْقِصَاصُ، وَفِي الْمَأْمُورِ، الْقَوْلَانِ فِي الْمُكْرَهِ، وَلَوْ أَمَرَهُ صَاحِبُ الشَّوْكَةِ مِنَ الْبُغَاةِ، كَانَ كَأَمْرِ إِمَامِ الْعَدْلِ، لِأَنَّ أَحْكَامَهُ نَافِذَةٌ. وَلَوْ أَمَرَهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ بِالْقَتْلِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، كَالزَّعِيمِ وَالْمُتَغَلِّبِ، فَقِيلَ: نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ مُخَالَفَتِهِ الْمَحْذُورَ، فَعَلَى الْمَأْمُورِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ عَلَى الْآمِرِ إِلَّا الْإِثْمُ، وَلَا

стр. 3689

فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْتَقِدَهُ حَقًّا، أَوْ يَعْرِفَ كَوْنَهُ ظُلْمًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ الطَّاعَةِ، وَإِنْ كَانَ يَخَافُ مِنْ مُخَالَفَتِهِ الْمَحْذُورَ، بِأَنِ اعْتِيدَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِمَامِ أَنَّ الْمَعْلُومَ هَلْ يُجْعَلُ كَالْمَلْفُوظِ بِهِ. وَالْقِيَاسُ جَعْلُهُ كَالْمَلْفُوظِ، وَإِلَى تَرْجِيحِهِ مَالَ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ، وَفِي أَمْرِ السُّلْطَانِ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ تَصْرِيحًا وَدَلَالَةً لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِكْرَاهِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ أَمْرَ السُّلْطَانِ مِنْ حَيْثُ هُوَ سُلْطَانٌ لَا أَثَرَ لَهُ، وَإِنَّمَا النَّظَرُ إِلَى خَوْفِ الْمَحْذُورَ. فَرْعٌ. لَوْ أَمَرَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ بِقَتْلِ رَجُلٍ ظُلْمًا فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُمَيِّزًا لَا يَرَى طَاعَةَ السَّيِّدِ وَاجِبَةً فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ، فَالْقِصَاصُ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّيِّدِ سِوَى الْإِثْمِ. فَإِنْ عَفَا، أَوْ كَانَ مُرَاهِقًا، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ، وَكَذَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِتْلَافِ مَالٍ، فَأَتْلَفَهُ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ، أَوْ مَجْنُونًا ضَارِيًا، أَوْ أَعْجَمِيًّا يَرَى طَاعَةَ السَّيِّدِ وَاجِبَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَهُوَ كَالْآلَةِ، وَالْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ عَلَى السَّيِّدِ. وَفِي تَعَلُّقِ الْمَالِ بِرَقَبَةِ مِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ مُتْلِفٌ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ كَالْآلَةِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَغْرَى بَهِيمَتَهُ عَلَى إِنْسَانٍ فَقَتَلَتْهُ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ضَمَانٌ. وَلَوْ أَمَرَ عَبْدَ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ كَانَ الْعَبْدُ بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ أَمْرِ سَيِّدِهِ وَغَيْرِهِ، وَيُسَارِعُ إِلَى مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ الضَّمَانُ بِرَقَبَتِهِ، فَبِيعَ فِيهِ، فَعَلَى الْآمِرِ قِيمَتُهُ لِلسَّيِّدِ، وَإِذَا لَمْ تَفِ قِيمَتُهُ بِالْوَاجِبِ، فَعَلَى الْآمِرِ الْبَاقِي. وَكَذَا لَوْ كَانَ الْآمِرُ السَّيِّدَ، وَلَيْسَ هَذَا التَّعَلُّقُ كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ سَائِرِ الْعَبِيدِ، وَلَوْ أَمَرَ أَجْنَبِيٌّ هَذَا الْعَبْدَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ، فَفَعَلَ، فَعَلَى الْآمِرِ الضَّمَانُ إِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، وَلَا يَجِبُ إِنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا، لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ وُجُوبَ الطَّاعَةِ فِي قَتْلِ

стр. 3690

نَفْسِهِ بِحَالٍ، لَكِنْ لَوْ أَمَرَهُ بِبَطِّ جِرَاحَةٍ أَوْ فَتْحِ عِرْقٍ عَلَى مَقْتَلٍ، وَجَبَ الضَّمَانُ، لِأَنَّهُ لَا يَظُنُّهُ قَاتِلًا، فَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ وُجُوبَ الطَّاعَةِ، هَكَذَا حُكِيَ عَنِ النَّصِّ، فَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ الْآمِرُ عَبْدًا، فَلْيَكُنِ الْقِصَاصُ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ، كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ. لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا حُرًّا بِقَتْلِ شَخْصٍ، فَقَتَلَهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ لَهُمَا تَمْيِيزٌ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْآمِرِ سِوَى الْإِثْمِ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي مَالِ الْمَأْمُورِ مُغَلَّظَةً، إِنْ قُلْنَا: عُمْدُهُ عَمْدٌ، وَإِنْ قُلْنَا: خَطَأٌ، فَعَلَى عَاقِلَتِهِ مُخَفَّفَةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا تَمْيِيزٌ، وَكَانَا يُسَارِعَانِ إِلَى مَا أُغْرِيَا بِهِ، أَوْ كَانَ الْمَجْنُونُ ضَارِيًا، فَالْقِصَاصُ أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الْآمِرِ، وَلِيًّا كَانَ، أَوْ أَجْنَبِيًّا، وَلَوْ أَمَرَ أَحَدَهُمَا بِقَتْلِ نَفْسِهِ، فَفَعَلَ، فَعَلَى الْآمِرِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الصَّبِيِّ أَوِ الْمَجْنُونِ قَتَلَ، أَوْ أَتْلَفَ مَالًا مِنْ غَيْرِ أَمْرِ أَحَدٍ، فَفِي تَعَلُّقِ الضَّمَانِ بِهِمَا الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي التَّعَلُّقِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ إِتْلَافَ الْبَهِيمَةِ الْعَادِيَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَمَرَ صَبِيًّا لَا يُمَيِّزُ بِصُعُودِ شَجَرَةٍ، أَوْ نُزُولِ بِئْرٍ، فَفَعَلَ، فَسَقَطَ فَهَلَكَ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْآمِرِ الدِّيَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. لَوْ أَكْرَهَ رَجُلٌ عَبْدًا صَغِيرًا مُمَيِّزًا عَلَى قَتْلٍ، فَقَتَلَ، فَهَلْ تَتَعَلَّقُ الدِّيَةُ بِرَقَبَتِهِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: يُبْنَى عَلَى أَنَّ الْمُكْرَهَ الْحُرَّ هَلْ تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَنَعَمْ، وَإِلَّا فَفِي التَّعَلُّقِ بِرَقَبَتِهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي التَّعْلِيقِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْأَعْجَمِيِّ، لِنُزُولِهِ مَنْزِلَةَ الْآلَةِ. فَرْعٌ. لَوْ أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِصُعُودِ شَجَرَةٍ، أَوْ نُزُولِ بِئْرٍ، فَامْتَثَلَ، فَهَلَكَ بِهِ،

стр. 3691

فَإِنْ قُلْنَا: أَمْرُهُ لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، فَلَا ضَمَانَ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِكْرَاهٌ، فَإِنْ كَانَ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَعْرُوفَانِ فِي نَظَائِرِهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ خَاصَّةً، فَالضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. فَصْلٌ فِيمَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ. الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ لَا يُبِيحُهُ، بَلْ يَأْثَمُ بِالِاتِّفَاقِ إِذَا قَتَلَ، وَكَذَا لَا يُبَاحُ الزِّنَى بِالْإِكْرَاهِ، وَيُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَالْإِفْطَارُ فِي رَمَضَانَ، وَالْخُرُوجُ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ، وَإِتْلَافُ مَالِ الْغَيْرِ، وَيُبَاحُ أَيْضًا كَلِمَةُ الْكُفْرِ، وَفِي وُجُوبِ التَّلَفُّظِ بِهِمَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ حِفْظًا لِنَفْسِهِ، كَمَا يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ. وَالثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيحُ: لَا يَجِبُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ عَلَى الدِّينِ، وَاقْتِدَاءً بِالسَّلَفِ، فَعَلَى هَذَا: الْأَفْضَلُ أَنْ يَثْبُتَ وَلَا يَتَلَفَّظَ، وَإِنْ قُتِلَ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ النِّكَايَةُ فِي الْعَدُوِّ، أَوِ الْقِيَامُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَلَفَّظَ، وَإِلَّا، فَالْأَفْضَلُ الِامْتِنَاعُ، وَلَا يَجِبُ شُرْبُ الْخَمْرِ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ مِثْلُهُ فِي الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ، وَلَا يَكَادُ يَجِيءُ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى إِتْلَافِ الْمَالِ. ثُمَّ إِذَا أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِالْإِكْرَاهِ، فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الْمُكْرِهِ الْآمِرِ بِالضَّمَانِ، وَفِي مُطَالَبَةِ الْمَأْمُورِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يُطَالَبُ، لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ مُبَاحٌ لَهُ بِالْإِكْرَاهِ، وَأَصَحُّهُمَا: يُطَالَبُ، لَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَغْرُومِ عَلَى الْآمِرِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: إِنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَقِيلَ: يَتَقَرَّرُ الضَّمَانُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ، كَالشَّرِيكَيْنِ، وَالْقَوْلُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ إِذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ مُكْرَهًا، كَالْقَوْلِ فِي ضَمَانِ الْمَالِ.

стр. 3692

فَرْعٌ. ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ قَبْلَ كِتَابِ الدِّيَاتِ. يَجُوزُ لِلْمُكْرَهِ عَلَى إِتْلَافِ مَالٍ، وَلِصَاحِبِ الْمَالِ دَفْعُ الْمُكْرَهِ بِمَا أَمْكَنَهُمَا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْمَالِ دَفْعُ الْمُكْرِهِ، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقِيَ رُوحَهُ بِمَالِهِ، كَمَا يُنَاوَلُ الْمُضْطَرُّ طَعَامَهُ. فَصْلٌ إِذَا أَنْهَشَهُ حَيَّةً، أَوْ أَلَدَغَهُ عَقْرَبًا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَقَتَلَتْهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ غَالِبًا، فَهَلْ هُوَ عَمْدٌ، أَمْ شِبْهُ عَمْدٍ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَنْهَشْهَا، وَلَكِنْ أَلْقَى الْحَيَّةَ عَلَيْهِ، أَوْ أَلْقَاهُ عَلَيْهَا، أَوْ قَيَّدَهُ وَطَرَحَهُ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبٌ، فَقَتَلَتْهُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا ضَمَانَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَوْضِعُ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُلْجِئْهَا إِلَى قَتْلِهِ، بَلْ هِيَ قَتَلَتْهُ بِاخْتِيَارِهَا، فَهُوَ كَالْمُمْسَكِ مَعَ الْقَاتِلِ. وَلَوْ عَرَّضَهُ لِافْتِرَاسِ سَبُعٍ يَقْتُلُ غَالِبًا، كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ، وَهَدَفَهُ لَهُ حَتَّى صَارَ السَّبُعُ كَالْمُضْطَرِّ إِلَى قَتْلِهِ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ السَّبُعُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَهُوَ كَالْحَيَّةِ الَّتِي لَا تَقْتُلُ غَالِبًا، وَإِنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ السَّبُعَ، أَوْ أَغْرَى بِهِ كَلْبًا عَقُورًا فِي مَوْضِعٍ وَاسِعٍ كَالصَّحْرَاءِ، فَقَتَلَهُ، أَوْ طَرَحَهُ فِي مَسْبَعَةٍ أَوْ بَيْنَ يَدَيْ سَبُعٍ فِي الصَّحْرَاءِ مَكْتُوفًا، أَوْ غَيْرَ مَكْتُوفٍ، فَقَتَلَهُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا ضَمَانَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْرُوحُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا. لِأَنَّهُ لَمْ يُلْجِئْهُ إِلَى قَتْلِهِ، وَالَّذِي وُجِدَ مِنْهُ لَيْسَ بِمُهْلِكٍ، وَهُوَ كَالْمُمْسِكِ مَعَ الْقَاتِلِ، وَفِي الصَّبِيِّ وَجْهٌ، أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ، وَلَوْ أَغْرَاهُ بِهِ فِي مَوْضِعٍ ضَيِّقٍ، أَوْ حَبَسَهُ مَعَهُ فِي بِئْرٍ، أَوْ بَيْتٍ، فَقَتَلَهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ، مَكْتُوفًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَكْتُوفٍ، لِأَنَّهُ إِلْجَاءُ السَّبُعِ إِلَى قَتْلِهِ، وَلَيْسَ السَّبُعُ كَالْحَيَّةِ،

стр. 3693

حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهَا بَيْنَ الْمَوْضِعِ الْوَاسِعِ وَالضَّيِّقِ، لِأَنَّ الْحَيَّةَ تَنْفِرُ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَالسَّبُعَ يَقْصِدُهُ فِي الْمَضِيقِ وَيَتَوَثَّبُ. وَفِي الْمَوْضِعِ الْوَاسِعِ لَا يَقْصِدُهُ قَصْدَهُ فِي الْمَضِيقِ، إِنَّمَا يَقْصِدُهُ دَفْعُهُ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَالْفِرَارُ، فَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَالْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْحَيَّةَ إِنْ كَانَتْ تَقْصِدُ وَلَا تَنْفِرُ، فَهِيَ كَالسَّبُعِ، وَأَنَّهَا أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّبَاعِ، وَأَنَّ السَّبُعَ إِذَا كَانَ ضَارِيًا شَدِيدَ الْعَدْوِ وَلَا يَتَأَتَّى الْهَرَبُ مِنْهُ فِي الصَّحْرَاءِ. وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَجَعَلَ الْإِمَامُ هَذَا بَيَانًا لِمَا أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ وَاسْتِدْرَاكًا، وَأَمَّا الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ فَجَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ مُخْتَلَفًا فِيهَا، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ قَوْلًا أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَيَّةٍ فِي بَيْتٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ كَالسَّبُعِ، وَقَوْلًا أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي السَّبُعِ، وَهُمَا غَرِيبَانِ. وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ فِي الْحَيَّةِ وَالسَّبُعِ فَذَلِكَ إِذَا قَتَلَ فِي الْحَالِ، أَوْ جَرَحَ جِرَاحَةً تَقْتُلُ غَالِبًا، أَمَّا إِذَا جَرَحَهُ جُرْحًا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ غَالِبًا، فَهُوَ شِبْهُ عَمْدٍ، وَكَأَنَّ تِلْكَ الْجِرَاحَةَ صَدَرَتْ مِنَ الْمُغْرِي. وَإِذَا أَمْكَنَ الْمُغْرَى عَلَيْهِ الْفِرَارُ، فَلَمْ يَفِرَّ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ كَتَرْكِ السِّبَاحَةِ، وَالْمَجْنُونُ الضَّارِي فِي ذَلِكَ كَالسَّبُعِ، وَلَوْ رَبَطَ فِي دَارِهِ كَلْبًا عَقُورًا، وَدَعَا إِلَيْهَا رَجُلًا، فَافْتَرَسَهُ الْكَلْبُ، فَلَا قِصَاصَ وَلَا ضَمَانَ. وَلَمْ يُجْعَلْ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الدِّهْلِيزِ وَتَغْطِيَةِ رَأْسِهَا، لِأَنَّ الْكَلْبَ يَفْتَرِسُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلِأَنَّهُ ظَاهِرٌ يُمْكِنُ دَفْعُهُ بِعَصًا وَسِلَاحٍ. الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي اجْتِمَاعِ مُبَاشَرَتَيْنِ: فَإِذَا صَدَرَ فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مِنْ شَخْصَيْنِ، نُظِرُ، إِنْ وُجِدَا مَعًا، فَهُمَا قَاتِلَانِ، سَوَاءٌ كَانَا مُذَفَّفَيْنِ بِأَنْ حَزَّ أَحَدُهُمَا رَقَبَتَهُ، وَقَدَّهُ الْآخَرُ

стр. 3694

نِصْفَيْنِ، أَوْ لَمْ يَكُونَا، بِأَنْ أَجَافَ كُلٌّ مِنْهُمَا، أَوْ قَطَعَا عُضْوَيْنِ، وَمَاتَ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُذَفَّفًا دُونَ الْآخَرِ، فَقِيَاسُ مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ الْمُذَفَّفُ هُوَ الْقَاتِلُ، وَإِنْ طَرَأَ فِعْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَهُ حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُوجَدَ فِعْلُ الثَّانِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، إِمَّا عَقِبَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ مُذَفَّفًا، وَإِمَّا لِسِرَايَتِهِ وَتَأْثِيرِهِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الثَّانِي سِوَى التَّعْزِيرِ، لِأَنَّهُ هَتَكَ حُرْمَةَ مَيِّتٍ، فَعُزِّرَ، كَمَا لَوْ قَطَعَ عُضْوَ مَيِّتٍ. وَالْمُرَادُ بِحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا يَبْقَى مَعَهَا الْإِبْصَارُ وَالْإِدْرَاكُ، وَالنُّطْقُ وَالْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّانِ، وَقَدْ يُقَدُّ الشَّخْصُ، وَتُتْرَكُ أَحْشَاؤُهُ فِي النِّصْفِ الْأَعْلَى فَيَتَحَرَّكُ وَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَاتٍ لَكِنَّهَا لَا تَنْتَظِمُ. وَإِنِ انْتَظَمَتْ، فَلَيْسَتْ صَادِرَةً عَنْ رَوِيَّةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَالْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى حَالَةُ الْيَأْسِ، لَا يَصِحُّ فِيهَا الْإِسْلَامُ، وَلَا شَيْءَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، وَيَصِيرُ فِيهَا الْمَالُ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ مَاتَ قَرِيبٌ لِمَنِ انْتَهَى إِلَيْهَا، لَمْ يُورَثْ مِنْهُ. وَلَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ عَتَقَ رَقِيقٌ فِيهَا، لَمْ يُزَاحِمْ سَائِرَ الْوَرَثَةِ، وَكَمَا لَا يَصِحُّ فِيهَا الْإِسْلَامُ، لَا تَصِحُّ فِيهَا الرِّدَّةُ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ: أَنَّهَا تَصِحُّ، لِأَنَّ الْكَافِرَ يُوقِنُ حِينَئِذٍ، فَإِعْرَاضُ الْمُسْلِمِ قَبِيحٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَمَنْ قُطِعَ حُلْقُومُهُ وَمَرِيُّهُ، أَوْ أُبُيِنَتْ حَشْوَتُهُ مِنْ جَوْفِهِ، فَقَدِ انْتَهَى إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، وَلَوْ أَصَابَ الْحَشْوَةَ حَرْقٌ، أَوْ قَطْعٌ، وَتُيُقِّنَ مَوْتُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ فِي ذَلِكَ الْحَالِ.

стр. 3695

الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يُوجَدَ فِعْلُ الثَّانِي قَبْلَ انْتِهَائِهِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ الثَّانِي مُذَفَّفًا بِأَنْ جَرَحَهُ الْأَوَّلُ، وَحَزَّ الثَّانِي رَقَبَتَهُ، أَوْ قَدَّهُ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الثَّانِي، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقِصَاصُ فِي الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، أَوِ الْمَالِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُتَوَقَّعَ الْبُرْءُ مِنَ الْجُرْحِ السَّابِقِ لَوْ لَمْ يَطْرَأِ الْحَزُّ، وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَيْقِنَ الْهَلَاكَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لِأَنَّ حَيَاتَهُ فِي الْحَالِ مُسْتَقِرَّةٌ، وَتَصَرُّفَاتِهِ نَافِذَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الثَّانِي مُذَفَّفًا أَيْضًا، وَمَاتَ بِسِرَايَتِهِمَا، بِأَنْ أَجَافَاهُ، أَوْ قَطَعَ الْأَوَّلُ يَدَهُ مِنَ الْكُوعِ، وَالثَّانِي مِنَ الْمِرْفَقِ، فَمَاتَ، فَهُمَا قَاتِلَانِ، لِأَنَّ الْقَطْعَ الْأَوَّلَ قَدِ انْتَشَرَتْ سِرَايَتُهُ وَأَلَمُهُ وَلَوْ شَكَّ فِي الِانْتِهَاءِ إِلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِينَ، عَمِلَ فِيهِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ. فَرْعٌ. الْمَرِيضُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى قَاتِلِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: سَوَاءٌ انْتَهَى إِلَى حَالَةِ النَّزْعِ أَمْ لَا، وَلَفْظُ الْإِمَامِ: أَنَّ الْمَرِيضَ لَوِ انْتَهَى إِلَى سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَبَدَتْ أَمَارَاتُهُ، وَتَعَثَّرَتِ الْأَنْفَاسُ فِي الشَّرَاسِيفِ، لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْمَوْتِ، بَلْ يَلْزَمُ قَاتِلَهُ الْقِصَاصُ. وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ فِي مِثْلِ حَالِ الْمَقْدُودِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِنْهَاءَ الْمَرِيضِ إِلَى تِلْكَ الْحَالَةِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَقَدْ يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُشْفَى، بِخِلَافِ الْمَقْدُودِ، وَلِأَنَّ الْمَرِيضَ لَمْ يَسْبِقْ فِعْلٌ بِحَالِ الْقَتْلِ وَأَحْكَامِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يُهْدَرَ الْفِعْلُ الثَّانِي وَالْقَدُّ وَنَحْوُهُ بِخِلَافِهِ. فَصْلٌ فِيمَا إِذَا قَتَلَ إِنْسَانًا يَظُنُّهُ عَلَى حَالٍ وَكَانَ بِخِلَافِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: قَتَلَ مَنْ ظَنَّهُ كَافِرًا، بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ زِيُّ الْكُفَّارِ، أَوْ رَآهُ يُعَظِّمُ آلِهَتَهُمْ، فَبَانَ مُسْلِمًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَلَا

стр. 3696

قِصَاصَ قَطْعًا، وَلَا دِيَةَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ قَطْعًا. وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ قَطْعًا، وَكَذَا الْقِصَاصُ عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، فَهَلِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ أَمْ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ؟ قَوْلَانِ. الثَّانِيَةُ: قَتَلَ مَنْ ظَنَّهُ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَإِنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًّا، أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وَكَانَ أَسْلَمَ، فَالنَّصُّ وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَنَصَّ فِيمَا لَوْ عَهِدَهُ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا، فَقَتَلَهُ ظَانًّا أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ، وَلَمْ يُعْتَقْ، فَبَانَ خِلَافُهُ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ، فَقِيلَ: فِي الْجَمِيعِ قَوْلَانِ. وَقِيلَ: بِظَاهِرِ النَّصَّيْنِ، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُحْبَسُ فَلَا يُخَلَّى، فَقَاتِلُهُ مُقَصِّرٌ بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ ظَنٌّ لَا يُبِيحُ الْقَتْلَ. وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ أَثْبَتْنَا الْخِلَافَ، كَمَا لَوْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الْقَتْلِ، وَجَهِلَ وُجُوبَ الْقِصَاصِ، وَلَوْ عَهِدَهُ حَرْبِيًّا فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ، فَقِيلَ: كَالْمُرْتَدِّ. وَقِيلَ: لَا قِصَاصَ قَطْعًا، لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُخَلَّى، وَالْحَرْبِيُّ يُخَلَّى بِالْمُهَادَنَةِ، وَيُخَالِفُ الْعَبْدَ وَالذِّمِّيَّ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ وَالْإِهْدَارَ، بِخِلَافِ الْحَرْبِيِّ، وَلَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ، فَقَتَلَهُ، فَبَانَ غَيْرُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ التَّثَبُّتُ، وَلَمْ يَعْهَدْهُ قَاتِلًا حَتَّى يَسْتَصْحِبَهُ، وَلَوْ قَالَ: تَبَيَّنْتُ أَنَّ أَبِي كَانَ حَيًّا حِينَ قَتَلْتُهُ، وَجَبَ الْقِصَاصُ قَطْعًا. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا قِصَاصَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَقَالَ: ظَنَنْتُهُ كَافِرًا أَوْ رَقِيقًا، فَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ عَلِمْتَهُ مُسْلِمًا حُرًّا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاتِلِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ، وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ فِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا قَالَ: ظَنَنْتُهُ قَاتِلَ أَبِي، طَرِيقَيْنِ. أَحَدُهُمَا: مَوْضِعُهُمَا إِذَا تَنَازَعَا، أَمَّا إِذَا صَدَّقَهُ الْوَلِيُّ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَالثَّانِي: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ.

стр. 3697

الثَّالِثَةُ: ضَرَبَ مَرِيضًا ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ دُونَ الصَّحِيحِ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَإِنْ عَلِمَ مَرَضَهُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ جَهِلَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ جَهْلَهُ لَا يُبِيحُ الضَّرْبَ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْقَتِيلُ. وَشَرْطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ كَوْنُهُ مَعْصُومَ الدَّمِ بِالْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، أَوِ الْأَمَانِ، فَالْحَرْبِيُّ مُهْدَرٌ، وَالْمُرْتَدُّ مُهْدَرٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ ذِمِّيٍّ وَمُرْتَدٍّ آخَرَ، فَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ إِذَا قَتَلَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقِّهِ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ، فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ: الْخِلَافُ إِذَا قَتَلَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ الْإِمَامُ بِقَتْلِهِ، فَإِنْ قَتَلَ بَعْدَ أَمْرِ الْإِمَامِ بِقَتْلِهِ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا، وَكَانَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا، فَلَا يَفْعَلُهَا، فَقَتَلَهُ إِنْسَانٌ، فَلَا قِصَاصَ، وَلْيَكُنْ هَذَا جَوَابًا عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ فِي الزَّانِي الْمُحْصَنِ، قَالَ: فَلَوْ جُنَّ قَبْلَ فِعْلِهَا، لَمْ يُقْتَلْ فِي حَالِ الْجُنُونِ. فَلَوْ قَتَلَهُ حِينَئِذٍ رَجُلٌ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، وَكَذَا لَوْ سَكِرَ، وَلَوْ جُنَّ الْمُرْتَدُّ، أَوْ سَكِرَ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ، فَلَا قِصَاصَ لِقِيَامِ الْكُفْرِ.

стр. 3698

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْقَاتِلُ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِلْأَحْكَامِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، كَمَا لَا قِصَاصَ عَلَى النَّائِمِ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى شَخْصٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا أَهْلِيَّةُ الِالْتِزَامِ، وَمَنْ يُقْطَعُ جُنُونُهُ لَهُ حُكْمُ الْمَجْنُونِ فِي حَالِ جُنُونِهِ وَحُكْمُ الْعَاقِلِ فِي حَالِ عَقْلِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ بِإِقْرَارٍ، أَوْ بَيِّنَةٍ، ثُمَّ جُنَّ، اسْتُوفِيَ مِنْهُ حَالَ جُنُونِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِحَدٍّ، ثُمَّ جُنَّ، لَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى السَّكْرَانِ، وَمَنْ تَعَدَّى بِشُرْبِ دَوَاءٍ مُزِيلٍ لِلْعَقْلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الطَّلَاقِ. فَرْعٌ. لَوْ قَالَ الْقَاتِلُ: كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْلِ صَغِيرًا، وَقَالَ الْوَلِيُّ: بَلْ بَالِغًا، صَدَقَ الْقَاتِلُ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الصِّغَرُ، وَهَذَا بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا الْآنَ صَغِيرٌ، صَدَقَ، وَلَا قِصَاصَ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ لِإِثْبَاتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ ثَبَتَ صِبَاهُ، لَبَطَلَتْ يَمِينُهُ، وَلَوْ قَالَ: كُنْتُ مَجْنُونًا عِنْدَ الْقَتْلِ، وَكَانَ عُهِدَ لَهُ جُنُونٌ، صَدَقَ، وَإِلَّا فَلَا، لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ زَائِلَ الْعَقْلِ، وَقَالَ الْقَاتِلُ: كُنْتُ مَجْنُونًا، وَقَالَ الْوَارِثُ: بَلْ سَكْرَانَ، صَدَقَ الْقَاتِلُ، وَلَوْ أَقَامَ الْقَاتِلُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْقَتْلِ مَجْنُونًا، وَأَقَامَ الْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ عَاقِلًا تَعَارَضَتَا. فَرْعٌ. يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى الْمُرْتَدِّ، وَالْمَعْصُومِ، لِالْتِزَامِهِ الْأَحْكَامَ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْحَرْبِيِّ، كَمَا لَا يَضْمَنُ الْمَالَ لِعَدَمِ الْتِزَامِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ،

стр. 3699

وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الِاسْفَرَايِينِي: يَلْزَمُ الْحَرْبِيَّ ضَمَانُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرْعِ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ: وَيُعْزَى هَذَا إِلَى الْمُزَنِيِّ فِي الْمَنْثُورِ. بَابُ مَا يُشْتَرَطُ مُسَاوَاةُ الْقَتِيلِ الْقَاتِلَ فِيهِ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَمَا لَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُهُمَا فِيهِ . الْخِصَالُ الَّتِي يَفْضُلُ الْقَاتِلُ الْقَتِيلَ بِهَا كَثِيرَةٌ، وَلَا يُؤَثِّرُ مِنْهَا فِي مَنْعِ الْقِصَاصِ إِلَّا ثَلَاثٌ وَهِيَ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْوِلَادَةُ. فَإِنِ اسْتَوَى الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي عَدَمِ الثَّلَاثَةِ، أَوْ وُجُودِ مَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا قُتِلَ الْمَفْضُولُ بِالْفَاضِلِ وَلَا عَكْسَ. الْخَصْلَةُ الْأُولَى: الْإِسْلَامُ، فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا، أَوْ مُعَاهِدًا، وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهِدُ بِالْمُسْلِمِ، وَيُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالذِّمِّيِّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، كَيَهُودِيٍّ وَنَصْرَانِيٍّ، وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ اقْتُصَّ مِنْهُ، وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، أَوْ مُعَاهِدًا، وَأَسْلَمَ الْجَارِحُ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالسِّرَايَةِ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي قِصَاصِ النَّفْسِ. فَإِنْ جَرَحَ جُرْحًا يُوجِبُ قِصَاصًا، كَقَطْعِ طَرَفٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْقَاطِعُ، ثُمَّ سَرَى، وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ قَطْعًا، ثُمَّ إِذَا طَرَأَ إِسْلَامُ الْقَاتِلِ بَعْدَ الْقَتْلِ، أَوْ بَعْدَ قَطْعِ الطَّرْفِ، اسْتَوْفَى الْإِمَامُ الْقِصَاصَ بِطَلَبِ الْوَارِثِ، وَلَا يُفَوِّضُهُ إِلَيْهِ حِذَارًا مِنْ تَسْلِيطِ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ، إِلَّا أَنْ يُسْلِمَ، فَيُفَوِّضَهُ إِلَيْهِ. وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا، ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ جَرَحَهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ، فَلَا قِصَاصَ، لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ حَالَةَ الْجِنَايَةِ، وَلَوْ قَتَلَ ذِمِّيٌّ مُسْلِمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِصَاصُ. وَلَوْ قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ عَبْدًا مُسْلِمًا لِكَافِرٍ، فَهَلْ يَثْبُتُ الْقِصَاصُ، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ

стр. 3700

الْقِصَاصِ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْقَفَّالِ: لَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِجُزْءِ الْحُرِّيَّةِ جُزْءُ الْحَرِّيَّةِ، وَبِجُزْءِ الرِّقِّ جُزْءُ الرِّقِّ، بَلْ يُقْتَلُ جَمِيعُهُ بِجَمِيعِهِ. وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً، أَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، وَأَوْجَبْنَا نِصْفَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الْقِيمَةِ مَثَلًا، لَا نَقُولُ: نِصْفَ الدِّيَةِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَنِصْفَ الْقِيمَةِ فِي رَقَبَتِهِ، بَلْ يَجِبُ رُبُعُ الدِّيَةِ، وَرُبُعُ الْقِيمَةِ فِي مَالِهِ، وَرُبُعُ الدِّيَةِ وَرُبُعُ الْقِيمَةِ فِي رَقَبَتِهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ وَقَعَ الِاسْتِيفَاءُ شَائِعًا، لَزِمَ قَتْلُ الْبَعْضِ الْحُرِّ بِالْبَعْضِ الْحُرِّ وَالرَّقِيقِ مَعًا. فَرْعٌ. قَتَلَ عَبْدٌ مُسْلِمٌ حُرًّا ذِمِّيًّا، أَوْ حُرٌّ ذِمِّيٌّ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ قَتَلَ كَافِرٌ ابْنَهُ الْمُسْلِمَ، أَوِ الِابْنُ الْمُسْلِمُ أَبَاهُ الْكَافِرَ، لَا قِصَاصَ، لِأَنَّ الْحُرَّ وَالْمُسْلِمَ وَالْأَبَ لَا يُقْتَلُ بِمَفْضُولِهِ. فَرْعٌ. قَتَلَ الْمَكَاتَبُ أَبَاهُ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَتَلَ عَبْدًا لَهُ غَيْرَ أَبِيهِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. قُلْتُ: إِذَا أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، اسْتَوْفَاهُ سَيِّدُ الْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُمَا عَبْدَانِ لِلسَّيِّدِ، قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: الْوِلَادَةُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَالِدٍ يَقْتُلُ وَلَدَهُ، وَالْأُمُّ كَالْأَبِ وَكَذَلِكَ الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ وَإِنْ عَلَوْا مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ جَمِيعًا، وَحَكَى ابْنُ الْقَاصِّ وَابْنُ سَلِمَةَ قَوْلًا فِي الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ،

стр. 3701

وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا لَا يَقْبَلُهُ الْأَصْحَابُ مَنْصُوصًا وَلَا مُخْرَجًا، وَلَوْ حَكَمَ قَاضٍ بِقَتْلِ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُنْقَضُ حُكْمُهُ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِيمَا يُوَافِقُنَا فِيهِ مَالِكٌ ﵀. فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إِنْ أَضَجْعَهُ وَذَبَحَهُ، فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَإِنْ حَذَفَهُ بِالسَّيْفِ، فَلَا، لِاحْتِمَالِ قَصْدِهِ التَّأْدِيبَ، وَعِنْدَنَا: لَا فَرْقَ. فَرْعٌ. يُقْتَلُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، وَكَذَا سَائِرُ الْمَحَارِمِ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. فَرْعٌ. قَتَلَ الْأَبُ الرَّقِيقُ عَبْدَ ابْنِهِ، فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّ قِصَاصَهُ لِابْنِهِ، وَلَوْ قَتَلَ الِابْنُ الرَّقِيقُ عَبْدَ أَبِيهِ، فَلِلْأَبِ الْقِصَاصُ. فَرْعٌ. لَوْ قَتَلَ مَنْ يَرِثُهُ وَلَدُ الْقَاتِلِ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ، مِثَالُهُ: قَتَلَ زَوْجَةَ ابْنِهِ، أَوْ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، أَوْ قَتَلَتْ أَمُّ الْوَلَدِ سَيِّدَهَا وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ، فَوَرِثَ وَلَدُهُ الْقِصَاصَ، أَوْ بَعْضَهُ، بِأَنْ قَتَلَ أَبَا زَوْجَتِهِ، ثُمَّ مَاتَتِ الزَّوْجَةُ، وَلَهَا مِنْهُ وَلَدٌ، أَوْ قَتَلَ ابْنَ عَتِيقِ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ الْعَتِيقُ وَوَرِثَهُ الْوَلَدُ، فَلَا قِصَاصَ. وَكَذَا لَوْ وَرِثَ الْقَاتِلُ الْقِصَاصَ، بِأَنْ قَتَلَ أَحَدَ الِابْنَيْنِ أَبَاهُ، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ الْآخَرُ، فَوَرِثَهُ الْقَاتِلُ. فَرْعٌ. تَدَاعَى رَجُلَانِ مَوْلُودًا مَجْهُولًا، ثُمَّ قَتَلَهُ أَحَدُهُمَا، أَوْ قَتَلَاهُ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، وَكَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي

стр. 3702

الْقَتْلِ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الَّذِي أُلْحِقَ بِهِ، وَيُقْتَصُّ مِنَ الْآخَرِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنَ الْآخَرِ، لِأَنَّ إِلْحَاقَ الْقَائِفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَشْبَاهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَلَا يُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ الَّذِي يَسْقُطُ بِالشُّبَهَاتِ. وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ أَحَدُهُمَا، فَأَلْحَقَهُ بِالْآخَرِ، اقْتُصَّ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَهُ بِغَيْرِهِمَا، وَيَعُودُ فِيهِ وَجْهُ ابْنِ كَجٍّ، وَإِنْ رَجَعَا عَنِ الدَّعْوَةِ، لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُمَا، لِأَنَّهُ صَارَ ابْنًا لِأَحَدِهِمَا، وَفِي رُجُوعِهِ إِبْطَالُ حَقِّ الْوَلَدِ. وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا، وَأَصَرَّ الْآخَرُ، فَهُوَ ابْنُ الْآخَرِ، فَيَقْتَصُّ مِنَ الرَّاجِعِ إِنِ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِهِ، أَوْ إِنِ انْفَرَدَ هُوَ بِقَتْلِهِ، هَذَا إِذَا لَحِقَ الْمَوْلُودُ أَحَدَهُمَا بِالدَّعْوَةِ، أَمَّا إِذَا لَحِقَ بِالْفِرَاشِ، بِأَنْ نُكِحَتْ مُعْتَدَّةٌ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنَ الْأَوَّلِ وَمِنَ الثَّانِي، أَوْ فُرِضَ وَطْءُ شُبْهَةٍ، فَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ، أَوْ بِانْتِسَابِ الْمَوْلُودِ بَعْدَ بُلُوغِهِ، فَلَوْ نَفَاهُ أَحَدُهُمَا، فَهَلْ يَتَعَيَّنُ لِلثَّانِي، أَمْ يَبْقَى الْإِبْهَامُ حَتَّى يُعْرَضَ عَلَى الْقَائِفِ، أَوْ يَنْتَسِبَ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: ثَانِيهِمَا، فَإِذَا أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، اقْتَصَّ مِنَ الْآخَرِ إِنِ انْفَرَدَ بِقَتْلِهِ، أَوْ شَارَكَ فِيهِ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمَا، أَوِ انْتَسَبَ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَقَتَلَهُ الَّذِي لَحِقَهُ، لَمْ يُقْتَصَّ مِنْهُ، فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِنَسَبِهِ، لَحِقَهُ وَاقْتُصَّ مِنَ الْأَوَّلِ. فَرْعٌ. أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، قَتَلَ أَحَدُهُمَا الْأَبَ وَالْآخَرُ الْأُمَّ، فَلَهُمَا حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَاهُمَا مَعًا، وَالثَّانِي: عَلَى التَّعَاقُبِ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْمَعِيَّةِ وَالتَّعَاقُبِ بِزُهُوقِ الرُّوحِ لَا بِالْجُرْحِ. الْحَالُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَقْتُلَاهُمَا مَعًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ يَسْتَحِقُّ الْقِصَاصَ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا، فَلِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْعَافِي، وَإِنْ لَمْ

стр. 3703

يَعْفُ، قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، وَإِذَا اسْتَوْفَى أَحَدُهُمَا بِقُرْعَةٍ، أَوْ بِالْمُبَادَرَةِ بِلَا قُرْعَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: الْقَاتِلُ بِحَقٍّ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُقْتَصُّ مَحْجُوبًا، سَقَطَ الْقِصَاصُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ وَرِثَ الْقِصَاصَ الْمُسْتَحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ بَعْضَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْرُمُ الْمِيرَاثُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْجُبُهُ، فَلِوَارِثِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْمُبَادِرِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَتَعَاقَبَ الْقَتْلَانِ، فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِلِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الثَّانِي، فَإِذَا اقْتَصَّ الْقَاتِلُ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِي، وَقُلْنَا: الْقَاتِلُ بِحَقٍّ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ، أَوْ كَانَ الْمُقْتَصُّ مَحْجُوبًا، فَلِوَرَثَةِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ الْقَتِيلِ الْأَوَّلِ يُطَالِبُونَ بِهِ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ. وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةٌ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الْقِصَاصِ عَلَى الْآخَرِ، وَهَلْ يُقَدَّمُ بِالْقُرْعَةِ، أَمْ يُقْتَصُّ مِنَ الْمُبْتَدِئِ بِالْقَتْلِ؟ وَجْهَانِ. مَيْلُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْإِمَامُ إِلَى الْأَوَّلِ، وَبِالثَّانِي أَجَابَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ. قُلْتُ: لَمْ يُعَبَّرْ عَنْ تَرْجِيحِ الْوَجْهَيْنِ بِمَا يَنْبَغِي، فَقَدْ قَطَعَ بِالْإِقْرَاعِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَطَعَ بِالثَّانِي الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ، مَعَ أَنَّهُ رَجَّحَ الْإِقْرَاعَ، وَالْأَرْجَحُ مَا نَقَلَهُ عَنِ الْأَصْحَابِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ بَادَرَ مَنْ أَرَدْنَا الِاقْتِصَاصَ مِنْهُ بِالْقُرْعَةِ أَوْ لِابْتِدَائِهِ بِالْقَتْلِ، عَادَ النَّظَرُ فِي أَنَّ الْقَاتِلَ هَلْ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَأَنَّهُ هَلْ خَلَفَ الْمَقْتُولَ مَنْ يَحْجُبُهُ كَمَا سَبَقَ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْقَتْلَانِ مَعًا، وَأَقْرَعْنَا لِلِابْتِدَاءِ، فَخَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِأَحَدِهِمَا، أَنَّهُ لَوْ وَكَّلَ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ وَكِيلًا، جَازَ، لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْآخَرُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ يَقْتَصُّ لَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ، وَلَا تَبْقَى الْوِكَالَةُ حِينَئِذٍ، قَالَ:

стр. 3704

وَعِنْدِي أَنَّ تَوْكِيلَهُ صَحِيحٌ أَيْضًا، وَلِهَذَا لَوْ بَادَرَ وَكِيلُهُ، فَقَتَلَ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لَكِنْ إِذَا قَتَلَ مُوَكِّلَهُ، بَطَلَتِ الْوَكَالَةُ. قُلْتُ: وَلَوْ وَكَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَخَوَيْنِ وَكِيلًا قَبْلَ الْإِقْرَاعِ، صَحَّ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الْوَكِيلَيْنِ، فَإِذَا اقْتَصَّ أَحَدُهُمَا، انْعَزَلَ الْآخَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ، قَتَلَ الثَّانِي أَكْبَرَهُمْ، ثُمَّ الثَّالِثُ أَصْغَرَهُمْ، وَلَمْ يُخَلِّفِ الْقَتِيلَانِ غَيْرَ الْقَاتِلَيْنِ، فَلِلثَّانِي أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الثَّالِثِ، وَيَسْقُطَ عَنِ الثَّانِي الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ وَرِثَ مَا كَانَ الصَّغِيرُ يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ. فَرْعٌ. قَتَلَ زَيْدٌ ابْنًا لِعَمْرٍو، وَعَمْرٌو ابْنًا لِزَيْدٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَبَوَيْنِ مُتَفَرِّدٌ بِالْإِرْثِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْقِصَاصُ عَلَى الْآخَرِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الْقَطَّانِ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا، بَلْ يَقَعُ التَّقَاصُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَا بُدَّ مِنْ مَجِيءِ هَذَا الْوَجْهِ فِي الْأَخَوَيْنِ. قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ الْبَيَانِ بِنَقْلِ الْوَجْهِ فِي الْأَخَوَيْنِ عَنِ ابْنِ اللَّبَّانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ. لَوْ شَهِدَ الِابْنُ عَلَى أَبِيهِ بِمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ. فَرْعٌ. يُكْرَهُ لِلْجَلَّادِ قَتْلُ وَالِدِهِ حَدًّا وَقِصَاصًا.

стр. 3705

فَصْلٌ فِيمَا لَا يُؤَثِّرُ اخْتِلَافُ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ فِيهِ، وَفِيهِ مَسَائِلٌ. إِحْدَاهَا: يُقْتَلُ الذِّمِّيُّ بِالْمُعَاهَدِ وَبِالْعَكْسِ، كَمَا يَسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ، وَفِي الْأَوَّلِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، وَلَوْ أَسَرَ الْإِمَامُ حَرْبِيًّا بَالِغًا، فَقَتَلَهُ ذِمِّيٌّ قَبْلَ أَنْ يَرَى الْإِمَامُ إِرْقَاقَهُ أَوْ غَيْرَهُ، فَلَا قِصَاصَ، لِأَنَّهُ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي كَانَ حَتَّى يَرِقَّهُ الْإِمَامُ. الثَّانِيَةُ: يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ، وَبِالْخُنْثَى، وَبِالْعَكْسِ، كَمَا يُقْتَلُ الْعَالِمُ بِالْجَاهِلِ، وَالشَّرِيفُ بِالْخَسِيسِ، وَالشَّيْخُ بِالصَّبِيِّ، وَالشَّابِّ وَبِالْعَكْسِ. فَرْعٌ. فِيمَا لَوْ قَطَعَ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَاهُ وَشُفْرَاهُ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعُضْوَ الْأَصْلِيَّ لَا يُقْطَعُ بِزَائِدٍ، وَيُقْطَعُ الزَّائِدُ بِالزَّائِدِ إِذَا اتَّحَدَ الْمَحَلُّ، وَسَنَذْكُرُ الْأَصْلَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِذَا قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ امْرَأَةٌ ثُمَّ إِنْ صَبَرَ الْمَقْطُوعُ إِلَى التَّبَيُّنِ فَذَاكَ. فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا اقْتَصَّ فِي الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَأَخَذَ حُكُومَةَ الشُّفْرَيْنِ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى، فَلَا قِصَاصَ، وَلَهُ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ، وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنَ الْمَالِ، أُعْطِي الْمُسْتَيْقِنُ، وَهُوَ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ إِنْ بَانَ أُنْثَى، فَمَعَهُ حَقُّهُ، وَإِنْ بَانَ ذَكَرًا، فَلَهُ مِائَتَانِ مِنَ الْإِبِلِ عَنِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَلَهُ حُكُومَةُ الشُّفْرَيْنِ فَيُحْسَبُ مَا كَانَ مَعَهُ وَيُعْطَى الْبَاقِي. وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا أَنَّهُ

стр. 3706

إِنَّمَا يُعْطَى فِي الِابْتِدَاءِ حُكُومَةُ كُلُّ عُضْوٍ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ، فَلَا نُوجِبُ دِيَةَ الشُّفْرَيْنِ، قَالَ: وَهَذَا ضَعِيفٌ، لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ مُتَيَقَّنٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَحَقَّقْ جِهَتُهُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ إِذَا تَعَدَّدَ الْجَانِي، فَقَطَعَ قَاطِعٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، وَآخَرُ شُفْرَيْهِ، وَعَفَا عَنِ الْقِصَاصَ، فَلَا نُوجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ إِلَّا حُكُومَةَ مَا قَطَعَهُ. وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْفُ عَنِ الْقِصَاصِ وَطَلَبَ مَا يَجِبُ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَعَ الْقِصَاصِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا نُعْطِي شَيْئًا، قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْقَفَّالُ، لِأَنَّا لَا نَدْرِي مَا الْوَاجِبُ، وَأَصَحُّهَا: يُعْطَى الْمُسْتَيْقَنُ مَعَ الْقِصَاصِ. وَفِي قَدْرِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَقَلُّ الْحُكُومَتَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشُّفْرَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأُنُوثَةِ. وَالثَّانِي: حُكُومَةُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ آخِرًا، لِأَنَّهُ قَطَعُهُ وَالدَّمُ سَائِلٌ مِنَ الْأَوَّلِ، فَحُكُومَتُهُ أَقَلُّ، وَأَصَحُّهُمَا: يُعْطَى أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حُكُومَةِ الشُّفْرَيْنِ بِتَقْدِيرِ الذُّكُورَةِ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ مَعَ دِيَةِ الشُّفْرَيْنِ. أَمَّا إِذَا قَطَعَتِ امْرَأَةٌ ذَكَرَ الْخُنْثَى وَأُنْثَيَيْهِ وَشُفْرَيْهِ، فَإِنْ صَبَرَ إِلَى التَّبَيُّنِ، تَوَقَّفْنَا كَمَا فِي الرَّجُلِ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا، فَلَهُ دِيَتَانِ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَحُكُومَةُ الشُّفْرَيْنِ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى، فَلَهَا حُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ وَالْقِصَاصُ فِي الشُّفْرَيْنِ، إِنْ أَجْرَيْنَا فِيهِمَا الْقِصَاصَ، وَإِلَّا فَلَهَا دِيَتُهُمَا أَيْضًا. وَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْقِصَاصَ هَلْ يَجْرِي فِي الشُّفْرَيْنِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، قِيسَتِ الصُّورَةُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الرَّجُلِ، فَإِنْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ، سَلَّمَ إِلَيْهِ دِيَةَ الشُّفْرَيْنِ وَحُكُومَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَعْفُ، فَفِي وَجْهٍ، لَا يُعْطَى شَيْئًا، وَفِي وَجْهٍ، يُعْطَى أَقَلَّ الْحُكُومَتَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ، حُكُومَةَ الْمَقْطُوعِ آخِرًا، وَفِي وَجْهٍ، حُكُومَةَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ لِيُوقِعَ الْقِصَاصَ فِي الشُّفْرَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَجْرِي الْقِصَاصُ فِيهِمَا، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ أَجْرَيْنَاهُ، فَعَفَا، وَلَوْ قَطَعَ رَجُلٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، وَامْرَأَةٌ شُفْرَيْهِ، وَلَمْ يَعْفُ، لَمْ يُطَالَبْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا

стр. 3707

بِمَالٍ لِتَوَقُّعِ الْقِصَاصِ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ بِنَاءً عَلَى جَرَيَانِ الْقِصَاصِ فِي الشُّفْرَيْنِ. فَإِنْ مَنَعَ، فَلَا يُوقِعُ فِيهِمَا، فَتَجِبُ حُكُومَتُهُمَا عَلَى الْمَرْأَةِ، وَإِنْ قَطَعَ رَجُلٌ شُفْرَيْهِ، وَامْرَأَةٌ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ، فَلَا مَجَالَ لِلْقِصَاصِ، فَيُطَالَبُ كُلُّ وَاحِدٍ بِحُكُومَةِ مَا قَطَعَ. وَلَوْ قَطَعَ مُشْكِلٌ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنْ مُشْكِلٍ، فَلَا قِصَاصَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ بَانَا ذَكَرَيْنِ، أَوْ أُنْثَيَيْنِ، قُطِعَ الْأَصْلِيُّ بِالْأَصْلِيِّ، وَالزَّائِدُ بِالزَّائِدِ إِنْ تَسَاوَى الزَّائِدَانِ، وَإِلَّا فَفِي الزَّائِدِ الْحُكُومَةُ. وَإِنْ بَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَلَوْ عَفَا الْمَقْطُوعُ قَبْلَ التَّبَيُّنِ، دَفَعَ إِلَيْهِ الْمُتَيَقَّنُ، وَهُوَ دِيَةُ الشُّفْرَيْنِ، وَحُكُومَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَعْفُ، فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ وَأَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ: أَنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ أَقَلَّ الْحُكُومَتَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُتَوَقَّعٌ فِي الْجَمِيعِ. وَبَيَانُ حَالِ الْخُنْثَى قَدْ يَكُونُ بِشَيْءٍ مِنَ الْعَلَامَاتِ الْحِسِّيَّةِ، كَالْبَوْلِ وَالْمَنِيِّ وَنَحْوِهِمَا، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ يَكُونُ بِالرُّجُوعِ إِلَى قَوْلِهِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ مَيْلِهِ إِلَى الرِّجَالِ أَوِ النِّسَاءِ، فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ، ثُمَّ جُنِيَ عَلَيْهِ، اعْتَمَدْنَا قَوْلَهُ. فَإِذَا قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، ثُمَّ قَطَعَهُ رَجُلٌ، أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، وَإِنْ جُنِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ، فَهَلْ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِإِيجَابِ الْقِصَاصِ وَلِإِيجَابِ دِيَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا قَبْلَ الْجِنَايَةَ، وَأَصَحُّهُمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَالْإِمَامُ: الْمَنْعُ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ، وَشَبَّهُوا بِمَا إِذَا شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ أَكَلَ، لَا يُعَزَّرُ، وَلَوْ أَكَلَ ثُمَّ شَهِدَ، عُزِّرَ لِلتُّهْمَةِ، وَبِمَا لَوْ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَنَّهُ غُصِبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ كُنْتُ غُصِبْتُ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، يَقَعُ الطَّلَاقُ. وَلَوْ قَالَ أَوَّلًا: إِنْ غُصِبْتُ فَهِيَ طَالِقٌ، فَشَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ بِغَصْبِهِ، لَا تُطَلَّقُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوِ اخْتَلَفَ الْجَانِي وَالْمَقْطُوعُ، فَقَالَ الْجَانِي: أَقْرَرْتُ بِأَنَّكَ امْرَأَةٌ، فَلَا قِصَاصَ لَكَ، وَقَالَ: بَلْ قُلْتَ: إِنِّي رَجُلٌ، فَقَوْلَانِ وَأَظْهَرُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْجَانِي، لِأَنَّ

стр. 3708

الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ مِنَ الْقِصَاصِ، وَهَذَا نَصُّهُ فِي مَوَاضِعَ، وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمَقْطُوعِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِحَالِهِ. فَرْعٌ. لَوْ قَطَعَ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ ذَكَرَ رَجُلٍ وَأُنْثَيَيْهِ، وُقِفَ، فَإِنْ بَانَ ذَكَرًا، اقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِنْ بَانَ أُنْثَى، فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ وَلَا قِصَاصَ، فَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ مَالًا قَبْلَ التَّبَيُّنِ وَلَمْ يَعْفُ، لَمْ يُعْطَ، لِأَنَّ الْقِصَاصَ مُتَوَقَّعٌ. فَرْعٌ. لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْخُنْثَى، وَجَبَ الْقِصَاصُ، سَوَاءٌ قَطَعَهَا رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ، فَلَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، لَمْ يُؤْخَذْ إِلَّا الْيَقِينُ، وَهُوَ نِصْفُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَكَذَا لَوْ قُتِلَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا دِيَةُ امْرَأَةٍ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَتَلَتِ الْجَمَاعَةُ وَاحِدًا، قُتِلُوا بِهِ، سَوَاءٌ قَتَلُوهُ بِمُحَدَّدٍ أَوْ مُثَقَّلٍ، أَوْ أَلْقَوْهُ مِنْ شَاهِقٍ، أَوْ فِي بَحْرٍ، أَوْ جَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ مُجْتَمِعَةٍ أَوْ مُتَفَرِّقَةٍ، وَأَثْبَتَ ابْنُ الْوَكِيلِ قَوْلًا أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ. وَنَقَلَ الْمَاسَرْجِسِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ قَوْلًا قَدِيمًا أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْتُلُ وَاحِدًا مِنَ الْجَمَاعَةِ أَيَّهُمْ شَاءَ، وَيَأْخُذُ حِصَّةَ الْآخَرِينَ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَا يَقْتُلُ الْجَمِيعَ، وَيَكْفِي لِلزَّجْرِ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَائِفًا مِنَ الْقَتْلِ. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ شَاذَّانِ وَاهِيَانِ، وَالْمَشْهُورُ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، ثُمَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَقْتُلَ جَمِيعَهُمْ، وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضَهُمْ، وَيَأْخُذَ حِصَّةَ الْبَاقِينَ مِنَ الدِّيَةِ، وَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الدِّيَةِ، فَتَكُونَ عَلَى جَمِيعِهِمْ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ مُوَزَّعَةٌ عَلَى عَدَدِهِمْ، سَوَاءٌ كَانَتْ جِرَاحَةُ بَعْضِهِمْ أَفْحَشُ أَوْ عَدَدُ جِرَاحَاتِ بَعْضِهِمْ أَكْثَرُ، أَمْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَسَوَاءٌ كَانَ لِجِرَاحَةِ بَعْضِهِمْ أَرْشٌ مُقَدَّرٌ، أَمْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْجَمَاعَةُ عَشَرَةً مَثَلًا، فَالْوَلِيُّ يَسْتَحِقُّ دَمَ كُلِّ وَاحِدٍ بِكَمَالِهِ، وَعَنِ الْحَلِيمِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عُشْرَ دَمِ كُلِّ

стр. 3709

وَاحِدٍ، لَكِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إِلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْبَاقِي، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، قَالَ الْإِمَامُ: قَوْلُ الْحَلِيمِيِّ بَعِيدٌ، وَكَيْفَ يُرِيقُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ دَمٍ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ لِتَحْصِيلِ عُشْرٍ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا قَتَلَ وَاحِدٌ جَمَاعَةً، يُقْتَلُ بِأَحَدِهِمْ وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْبَاقِينَ فِي مَالِهِ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيمَنْ يُقْتَلُ بِهِ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ قَطَعَ أَيْدِيَ جَمَاعَةٍ، قُطِعَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ الدِّيَةُ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ إِذَا وَقَعَتِ الْجِنَايَاتُ مَعًا، قُتِلَ، أَوْ قُطِعَ بِهِمْ جَمِيعًا، وَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ إِلَى حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. هَذَا إِذَا كَانَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَقَتَلَ الْجَمَاعَةَ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبَةِ، فَإِنْ كَانَ عَبْدًا، أَوْ قَتَلَ فِي الْمُحَارَبَةِ، فَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَصْلٌ فِي اجْتِمَاعِ سَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي اقْتِضَاءِ الْقِصَاصِ. الْجِنَايَاتُ الصَّادِرَةُ مِنْ جَمَاعَةٍ الْوَارِدَةُ عَلَى وَاحِدٍ الْمُسْتَعْقِبَةُ مَوْتَهُ إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ يَجِبُ الْقِصَاصُ لَوِ انْفَرَدَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ، وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الشُّرَكَاءِ كَمَا سَبَقَ، وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ لَا يَجِبَ الْقِصَاصُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا لِتَقَاعُدِ الْفِعْلِ عَنْ إِيجَابِ الْقِصَاصِ بِأَنْ قَتَلُوهُ خَطَأً أَوْ لِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ بِأَنْ قَتَلَ حُرَّانِ عَبْدًا، فَلَا قِصَاصَ. وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ بِبَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ، وَلِعَدَمِ الْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْبَعْضِ أَسْبَابٌ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ جِنَايَةُ بَعْضِهِمْ ضَعِيفَةً لَا تُؤَثِّرُ فِي الزُّهُوقِ كَالْخَدْشَةِ الْخَفِيفَةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا، وَكَأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ سِوَى الْجِنَايَاتِ الْبَاقِيَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَغْلِبَ بَعْضُهَا بِقُوَّتِهِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ نِسْبَةَ الزُّهُوقِ إِلَى سَائِرِ الْجِنَايَاتِ، بِأَنْ جَرَحَهُ جَمَاعَةٌ، ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ آخَرُ، فَقِصَاصُ النَّفْسِ عَلَى الْحَازِّ، وَأَمَّا الْأَوَّلُونَ، فَجَارِحُونَ، يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِمْ مُقْتَضَاهُ مِنْ قِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ أَوْ مُخَفَّفَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الطَّرَفِ

стр. 3710

الرَّابِعِ مِنَ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّ مِنْ نَظَائِرِهِ أَنْ يَصْعَدَ بِهِ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَيَرْبِطَ فِي عُنُقِهِ حَبْلًا، وَيَشُدَّهُ إِلَى فَوْقٍ، فَيَجِيءُ آخَرُ فَيُنَحِّي مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَالْقَاتِلُ هُوَ الْمُنَحِّي. الثَّالِثُ: أَنْ تَنْدَمِلَ بَعْضُ الْجِرَاحَاتِ، ثُمَّ يُوجَدُ الْبَاقِي، فَعَلَى مَنِ انْدَمَلَتْ جِرَاحَتُهُ مَا تَقْتَضِيهِ جِرَاحَتُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ قِصَاصُ النَّفْسِ، لِأَنَّ الْقَتْلَ هُوَ الْجِرَاحَةُ السَّارِيَةُ. وَإِذَا جَرَحَهُ اثْنَانِ مُتَعَاقِبَانِ، وَادَّعَى الْأَوَّلُ الِانْدِمَالَ، وَأَنْكَرَ الْوَلِيُّ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَإِذَا عَفَا عَنِ الثَّانِي، لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ إِلَّا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَمَالَ الدِّيَةِ إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالِانْدِمَالِ. الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ فِعْلُ أَحَدِهِمَا خَطَأٌ، بِأَنْ جَرَحَهُ أَحَدُهُمَا عَمْدًا، وَالْآخَرُ خَطَأً، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَلَى عَاقِلَةِ الْمُخْطِئِ نِصْفُ دِيَةِ الْخَطَأِ، وَفِي مَالِ الْعَامِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ إِنْ كَانَتْ جِنَايَةٌ لَا تُوجِبُ قِصَاصًا، أَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ. فَإِنْ قَطَعَ طَرَفًا، فَعَلَيْهِ قِصَاصُهُ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ أَحَدُهُمَا عَمْدًا، وَالْآخَرُ شِبْهَ عَمْدٍ، لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتَجِبُ نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ عَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِهِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» أَنَّهُ قِيلَ: إِنَّ لِلشَّافِعِيِّ ﵀ قَوْلًا أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ عَلَى شَرِيكِ الْمُخْطِئِ، ذَكَرَهُ الْمُزَنِيُّ فِي الْعَقَارِبِ وَتَمَنَّى الْإِمَامُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ، وَالْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، أَنَّهُ لَا قِصَاصَ. الْخَامِسُ: أَنْ يَمْتَنِعَ الْقِصَاصُ مِنْ بَعْضِهِمْ لِمَعْنًى فِيهِ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِعْلُ مَنْ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ مَضْمُونًا، بِأَنْ شَارَكَ الْأَبُ أَجْنَبِيًّا فِي قَتْلِ الْوَلَدِ، فَعَلَى الْأَجْنَبِيِّ الْقِصَاصُ، وَعَلَى الْأَبِ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، وَمِثْلُهُ لَوْ شَارَكَ حُرٌّ عَبْدًا فِي قَتْلِ عَبْدٍ أَوْ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا فِي قَتْلِ ذِمِّيٍّ، لَا قِصَاصَ عَلَى الْحَرِّ وَالْمُسْلِمِ، وَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ، وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْمَجْرُوحُ، فَجَرَحَهُ مُسْلِمٌ، أَوْ

стр. 3711

جَرَحَ عَبْدٌ عَبْدًا، ثُمَّ عَتَقَ الْمَجْرُوحُ، فَجَرَحَهُ حُرٌّ وَمَاتَ مِنْهُمَا، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَوِ انْفَرَدَ بِجِنَايَتِهِ لَزِمَهُ الْقِصَاصُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَضْمُونًا، بِأَنْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ وَمُسْلِمٌ مُسْلِمًا، وَمَاتَ مِنْهُمَا، أَوْ قُطِعَتْ يَدُ إِنْسَانٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ قِصَاصٍ، ثُمَّ جَرَحَهُ رَجُلٌ عُدْوَانًا، أَوْ جَرَحَ مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا أَوْ حَرْبِيًّا، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَجَرَحَهُ غَيْرُهُ، أَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا، ثُمَّ عُقِدَتِ الذِّمَّةُ لِلْمَجْرُوحِ، فَجَرَحَهُ ذِمِّيٌّ آخَرُ، أَوْ جَرَحَ صَائِلًا، ثُمَّ جَرَحَهُ غَيْرُهُ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الصُّوَرِ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ كَشَرِيكِ الْأَبِ، وَالثَّانِي: لَا، بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَرَحَهُ سَبُعٌ، أَوْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ أَوْ حَيَّةٌ، وَجَرَحَهُ مَعَ ذَلِكَ رَجُلٌ، فَطَرِيقَانِ، أَشْهَرُهُمَا: طَرَدَ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنْ لَا قِصَاصَ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ. وَمَوْضِعُ الطَّرِيقَيْنِ فِيمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَنْ يَقْصِدَ السَّبُعُ الْجِرَاحَةَ، فَأَمَّا إِذَا وَقَعَ السَّبُعُ عَلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ، فَلَا قِصَاصَ قَطْعًا، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَهُ السَّبُعُ بِالْجُرْحِ أَمْ لَا، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ. ثُمَّ الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ جُرْحُ السَّبُعِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَوْتُ غَالِبًا، وَإِلَّا فَشَرِيكُهُ شَرِيكُ الْجَارِحِ شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ جَرَحَ رَجُلٌ عَبْدَهُ، وَجَرَحَهُ عَبْدٌ، أَوْ عُتِقَ، فَجَرَحَهُ عَبْدٌ، أَوْ حُرٌّ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُمَا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِ السَّيِّدِ طَرِيقَانِ أَشْهَرُهُمَا، طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، لِأَنَّ فِعْلَ السَّيِّدِ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ، فَشَرِيكُهُ شَرِيكٌ عَامِدٌ ضَامِنٌ، كَشَرِيكِ الْأَبِ، وَلَوْ جَرَحَ نَفْسَهُ، وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ نَفْسِهِ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟ . إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَشَرِيكِ السَّيِّدِ، وَإِلَّا فَكَشَرِيكِ الْحَرْبِيِّ، وَكَيْفَ كَانَ فَالْمَذْهَبُ الْوُجُوبُ، وَلَوْ رَمَى اثْنَانِ سَهْمَيْنِ إِلَى مُسْلِمٍ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ، وَقَدْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَعْلَمِ

стр. 3712

الْآخَرُ أَنَّ هُنَاكَ مُسْلِمًا، فَوُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْعَالِمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي شَرِيكِ السَّيِّدِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْجَاهِلِ مَضْمُونٌ بِالْكَفَّارَةِ. فَرْعٌ. وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى شَرِيكِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْعَامِدَيْنِ، يُبْنَى عَلَى أَنَّ عَمْدَهُمَا عَمْدٌ أَمْ خَطَأٌ؟ إِنْ قُلْنَا: عَمْدٌ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا، كَذَا أَطْلَقَهُ مُطْلِقُونَ. وَعَنِ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي صَبِيٍّ يَعْقِلُ عَقْلَ مِثْلِهِ، وَفِي مَجْنُونٍ لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزِ، فَأَمَّا مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِحَالِ، فَعَمْدُهُ خَطَأٌ، وَشَرِيكُهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ قَطْعًا، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْأَئِمَّةُ، مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ. فَرْعٌ. إِذَا جَرَحَ شَخْصٌ شَخْصًا جِرَاحَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: عَمْدٌ، وَالْأُخْرَى: خَطَأٌ، فَمَاتَ بِهِمَا، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، لِأَنَّ الزُّهُوقَ لَمْ يَحْصُلْ بِعَمْدٍ مَحْضٍ. وَتَجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ فِي مَالِهِ، وَنَصِفُ الْمُخَفَّفَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْقِصَاصُ بِجِرَاحَةِ الْعَمْدِ، بِأَنْ تَكُونَ قَطْعُ طَرَفٍ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ، فَجَرَحَهُ ثَانِيًا، أَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ قِصَاصًا، أَوْ بِسَرِقَةٍ، ثُمَّ جَرَحَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى ظُلْمًا، أَوْ قَطَعَ الصَّائِلَ دَفْعًا، فَلَمَّا وَلَّى، جَرَحَهُ، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ. وَيَثْبُتُ مُوجِبُ الْجِرَاحَةِ الْوَاقِعَةِ فِي حَالِ الْعِصْمَةِ مِنْ قِصَاصٍ، أَوْ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَكَذَا لَوْ جَرَحَ الْعَادِلُ الْبَاغِيَ فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ جَرَحَهُ بَعْدَهُ، أَوِ السَّيِّدُ عَبْدَهُ ثُمَّ جَرَحَهُ بَعْدَ عَتْقٍ، أَوْ جَرَحَ حَرْبِيٌّ مُسْلِمًا، ثُمَّ أَسْلَمَ الْجَارِحُ، وَجَرَحَهُ ثَانِيًا. وَلَوْ قَطَعَ مُسْلِمٌ يَدَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، أَوْ حَرٌّ يَدَ عَبْدٍ، فَعُتِقَ، فَقَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ.

стр. 3713

وَيَجِبُ قِصَاصُ الطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ، فَإِنِ اقْتَصَّ فِي الطَّرَفِ، أَخَذَ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ عَفَا، أَخَذَ دِيَةَ حُرٍّ مُسْلِمٍ. وَلَوْ قَطَعَ ذِمِّيٌّ يَدَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ الْقَاطِعُ، ثُمَّ قَطَعَ يَدَهُ الْأُخْرَى، وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَلَا قِصَاصَ فِي النَّفْسِ، وَيَجِبُ قِصَاصُ الطَّرَفِ الْمَقْطُوعِ أَوَّلًا، فَإِنْ عَفَا الْمُسْتَحِقُّ، أَخَذَ دِيَةَ ذِمِّيٍّ. فَرْعٌ. إِذَا دَاوَى الْمَجْرُوحُ نَفْسَهُ بِسُمٍّ قَاتِلٍ، بِأَنْ شَرِبَهُ، أَوْ وَضَعَهُ عَلَى الْجُرْحِ، فَإِنْ كَانَ السُّمُّ مُذَفَّفًا، فَالْمَجْرُوحُ قَاتِلُ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْجَارِحِ قِصَاصٌ فِي النَّفْسِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ أَرْشُ جِرَاحَتِهِ أَوِ الْقِصَاصُ إِنْ تَعَلَّقَ بِهَا قِصَاصُ طَرَفٍ، وَإِنْ كَانَ السُّمُّ مِمَّا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَالْجَارِحُ شَرِيكٌ لِصَاحِبِ شِبْهِ عَمْدٍ، فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، بَلْ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ، أَوِ الْقِصَاصُ فِي الطَّرَفِ إِنِ اقْتَضَتْهُ. وَإِنْ كَانَ السُّمُّ قَاتِلًا غَالِبًا فَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَجْرُوحُ ذَلِكَ، فَهُوَ كَالْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ عَلِمَهُ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَشَرِيكِ جَارِحِ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ قَطْعًا، لِأَنَّهُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ، لِكَوْنِهِ قَصَدَ التَّدَاوِيَ لَا الْإِهْلَاكَ. فَرْعٌ. لَوْ خَاطَ جُرْحَهُ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ، لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْلِمُ، وَعَلَى الْجَارِحِ الْقِصَاصُ، أَوْ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ خَاطَهُ تَدَاوِيًا فِي لَحْمِ حَيٍّ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَارِحِ الطَّرِيقَانِ فِي التَّدَاوِي بِالسُّمِّ الْقَاتِلِ غَالِبًا. وَفِي الصُّورَتَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ الْمَجْرُوحُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَأْمُرَ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَوِ اسْتَقَلَّ بِهِ غَيْرُهُ، فَهُوَ وَالْأَوَّلُ جَارِحَانِ مُتَعَدِّيَانِ. وَلَوْ تَوَلَّاهُ الْإِمَامُ فِي مَجْرُوحٍ، فَإِنْ كَانَ بَالِغًا رَشِيدًا، فَكَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا،

стр. 3714

فَدَاوَاهُ لِمَصْلَحَتِهِ، فَمَاتَ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْإِمَامِ قَوْلَانِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ سِلْعَةً مِنْ صَغِيرٍ، أَوْ مَجْنُونٍ، فَمَاتَ مِنْهُ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا قِصَاصَ، وَجَبَ نِصْفُ دِيَةٍ مُغَلَّظَةٍ، وَهَلْ هِيَ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمَعْرُوفَانِ. وَحُكْمُ الْجَارِحِ يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا تَوَلَّاهُ الْمَجْرُوحُ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ جَعَلْنَا وُجُوبَ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ عَلَى الْخِلَافِ فِي مُشَارَكَةِ الْعَامِدِ الَّذِي لَا يَضْمَنُ، لَمْ يَجِبْ هُنَا الْقِصَاصُ، لِأَنَّهُ شَارَكَ مَنْ فِعْلُهُ مَضْمُونٌ بِالْقِصَاصِ، أَوِ الدِّيَةِ. وَإِنْ نَزَّلْنَا الْمَجْرُوحَ مَنْزِلَةَ الْمُخْطِئِ لِقَصْدِهِ التَّدَاوِيَ، وَلَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَكَذَا هُنَا، وَلَوْ قَصَدَ الْخِيَاطَةَ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ، فَغَلِطَ وَخَاطَ فِي حَيٍّ، فَالْجَارِحُ شَرِيكٌ مُخْطِئٌ قَطْعًا. قَالَ الْقَفَّالُ: وَكَذَا لَوْ قَصَدَ الْخِيَاطَةَ فِي الْجِلْدِ فَغَلِطَ وَأَصَابَتِ الْإِبْرَةُ اللَّحْمَ، وَأَمَّا الْكَيُّ فَكَالْخِيَاطَةِ، فَيَنْظُرُ أَكَوَى لَحْمًا مَيِّتًا أَوْ حَيًّا يُؤْلِمُ وَلَهُ سِرَايَةٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْمُدَاوَاةِ بِمَا لَا يَضُرُّ، وَلَا يُخْشَى مِنْهُ هَلَاكٌ، وَلَا بِمَا عَلَى الْمَجْرُوحِ مِنْ قُرُوحٍ، وَلَا بِمَا بِهِ مِنْ مَرَضٍ وَضَنًى. فَرْعٌ. قَطَعَ أُصْبُعَ رَجُلٍ، فَتَآكَلَ مَوْضِعُ الْقَطْعِ، فَقَطَعَ الْمَقْطُوعُ كَفَّهُ خَوْفًا مِنَ السِّرَايَةِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَتَآكَلْ إِلَّا مَوْضِعُ الْقَطْعِ، فَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي إِلَّا الْقِصَاصُ فِي الْأُصْبُعِ، أَوْ أَرْشُهَا إِنْ لَمْ يَسْرِ إِلَى النَّفْسِ. فَإِنْ سَرَى، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَانِي فِي النَّفْسِ، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْخِيَاطَةِ، وَإِنْ سَرَتِ الْجِنَايَةُ إِلَى الْكَفِّ، ثُمَّ قَطَعَهَا، نُظِرَ، أَقَطَعَ فِي لَحْمٍ مَيِّتٍ أَمْ فِي حَيٍّ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْخِيَاطَةِ. وَلَوْ جَرَحَ عُضْوًا، فَدَاوَاهُ الْمَجْرُوحُ فَتَآكَلَ الْعُضْوُ، فَسَقَطَ، فَإِنْ كَانَ مَا دَاوَاهُ بِهِ لَا يُورِثُ التَّآكُلَ، فَعَلَى الْجَارِحِ ضَمَانُ الْعُضْوِ. وَإِنْ كَانَ يُورِثُ التَّآكُلَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا أَرْشُ الْجِرَاحَةِ، فَلَوْ قَالَ الْجَانِي: دَاوَيْتُ بِمَا يَحْدُثُ مِنْهُ التَّآكُلُ، وَأَنْكَرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، صُدِّقَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ مَعْلُومَةٌ، وَغَيْرُهَا

стр. 3715

مِنَ الْأَسْبَابِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: الْمُصَدَّقُ الْجَانِي بِيَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ وَمَاتَ الْمَقْطُوعُ، فَقَالَ الْوَارِثُ: مَاتَ بِالسِّرَايَةِ، وَقَالَ الْجَانِي: بَلْ قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَيُّهُمَا الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْوَارِثُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» . فَرْعٌ. ضَرَبَ جَمَاعَةٌ رَجُلًا بِسِيَاطٍ، أَوْ عَصًى خَفِيفَةٍ حَتَّى قَتَلُوهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ ضَرَبَاتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلَةً لَوِ انْفَرَدَتْ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ، فَهَلْ تُوَزَّعُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَدَدِ الضَّرَبَاتِ، أَمْ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ؟ قَوْلَانِ، أَرْجَحُهُمَا الْأَوَّلُ. لِأَنَّ الضَّرَبَاتِ تُلَاقِي ظَاهِرَ الْبَدَنِ، فَلَا يَعْظُمُ فِيهَا التَّفَاوُتُ بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرْبُ كُلِّ وَاحِدٍ قَاتِلًا، بِأَنْ ضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ ضَرْبَةً، فَمَاتَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: لَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ، وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ الْقِصَاصُ، لِئَلَّا يَصِيرَ ذَرِيعَةً إِلَى الْقَتْلِ، وَأَصَحُّهَا: أَنَّهُمْ إِنْ تَوَاطَئُوا عَلَى أَنْ يَضْرِبُوهُ تِلْكَ الضَّرَبَاتِ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَإِنْ وَقَعَتِ اتِّفَاقًا، فَلَا. وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الْقِصَاصَ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ قَطْعًا، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ سَوْطَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، وَآخَرُ خَمْسِينَ سَوْطًا، أَوْ مِائَةً قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ، وَلَا تَوَاطُؤٌ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّ ضَرْبَ الْأَوَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ. وَالثَّانِي شَرِيكٌ لَهُ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَبِضَرْبِ الثَّانِي نِصْفُ دِيَةِ الْعَمْدِ، وَأَنَّهُ لَوْ ضَرَبَهُ وَاحِدٌ خَمْسِينَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الْآخَرُ سَوْطَيْنِ قَبْلَ زَوَالِ أَلَمِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي عَالِمًا بِضَرْبِ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِمَا الْقِصَاصُ لِظُهُورِ قَصْدِ الْإِهْلَاكِ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْإِهْلَاكِ مِنَ الثَّانِي. وَالْأَوَّلُ شَرِيكُهُ، وَيَجِبُ بِضَرْبِ الْأَوَّلِ نِصْفُ
следующие страницы →