← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فَرْعٌ يَجِبُ عَلَى مُفْسِدِ الْحَجِّ [بِالْجِمَاعِ] بَدَنَةٌ. وَعَلَى مُفْسِدِ الْعُمْرَةِ أَيْضًا بَدَنَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَ [عَلَى] الثَّانِي: شَاةٌ. وَلَوْ جَامَعَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ، وَقُلْنَا: لَا يَفْسُدُ، لَزِمَهُ شَاةٌ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبَدَنَةٌ عَلَى الثَّانِي. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ. وَلَوْ أَفْسَدَ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيًا، فَفِيهِ خِلَافٌ تَجْمَعُهُ أَقْوَالٌ. أَظْهَرُهَا: يَجِبُ بِالْجِمَاعِ الثَّانِي شَاةٌ. وَالثَّانِي: بَدَنَةٌ. وَالثَّالِثُ: لَا شَيْءَ فِيهِ. وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، فَدَى الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا. وَالْخَامِسُ: إِنْ طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ، أَوِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ فَدَى [عَنِ] الثَّانِي، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ يَجِبُ عَلَى مُفْسِدِ الْحَجِّ الْقَضَاءُ بِالِاتِّفَاقِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا أَوْ تَطَوُّعًا، وَيَقَعُ الْقَضَاءُ عَنِ الْمُفْسِدِ. فَإِنْ كَانَ فَرْضًا وَقَعَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَعَنْهُ. وَلَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ بِالْجِمَاعِ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَلَزِمَهُ قَضَاءٌ وَاحِدٌ. وَيُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِي عَامِ الْإِفْسَادِ، بِأَنْ يُحْصَرَ بَعْدَ الْإِفْسَادِ وَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِي الْفَاسِدِ، فَيَتَحَلَّلَ ثُمَّ يَزُولُ الْحَصْرُ وَالْوَقْتُ بَاقٍ، فَيَشْتَغِلُ بِالْقَضَاءِ. وَفِي وَقْتِ الْقَضَاءِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: عَلَى الْفَوْرِ. وَالثَّانِي: عَلَى التَّرَاخِي. فَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ فِي الْأَدَاءِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. فَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ دَمٌ. كَالْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ. وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ مِنَ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ مِنْهُ فِي الْقَضَاءِ. وَإِنْ كَانَ أَحْرَمَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ، نُظِرَ إِنْ جَاوَزَهُ مُسِيئًا لَزِمَهُ فِي الْقَضَاءِ الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسِئَ ثَانِيًا. وَهَذَا

стр. 947

مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ: يُحْرِمُ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَغْلَظِ الْمَوْضِعَيْنِ مِنَ الْمِيقَاتِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ فِي الْأَدَاءِ. وَإِنْ جَاوَزَهُ غَيْرَ مُسِيءٍ، بِأَنْ لَمْ يُرِدِ النُّسُكَ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَفْسَدَ فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ فِي الْقَضَاءِ مِنَ الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ. وَالثَّانِي: لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِيَسْلُكَ بِالْقَضَاءِ مَسْلَكَ الْأَدَاءِ. وَلِهَذَا لَوِ اعْتَمَرَ مِنَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، وَأَفْسَدَهُ كَفَاهُ فِي الْقَضَاءِ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ نَفْسِ مَكَّةَ. وَلَوْ أَفْرَدَ الْحَجَّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ، ثُمَّ أَفْسَدَهَا، كَفَاهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي قَضَائِهَا مِنْ أَدْنَى الْحِلِّ. وَالْوَجْهَانِ فِيمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْمِيقَاتِ. أَمَّا لَوْ رَجَعَ ثُمَّ عَادَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْقَضَاءِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي أَحْرَمَ مِنْهُ بِالْأَدَاءِ، بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْمَكَانِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ اعْتِنَاءَ الشَّرْعِ بِالْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَكْمَلُ، فَإِنَّ مَكَانَ الْإِحْرَامِ يَتَعَيَّنُ بِالنَّذْرِ، وَزَمَانَهُ لَا يَتَعَيَّنُ. حَتَّى لَوْ نَذَرَ الْإِحْرَامَ فِي شَوَّالٍ لَهُ تَأْخِيرُهُ. وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا الِاسْتِشْهَادَ لَا يَخْلُو مِنْ نِزَاعٍ. قُلْتُ: وَلَا يَلْزَمُهُ فِي الْقَضَاءِ، أَنْ يَسْلُكَ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكَهُ فِي الْأَدَاءِ بِلَا خِلَافٍ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ إِذَا سَلَكَ غَيْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ قَدْرِ مَسَافَةِ الْإِحْرَامِ فِي الْأَدَاءِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مُحْرِمَةً أَيْضًا، نُظِرَ إِنْ جَامَعَهَا مُكْرَهَةً أَوْ نَائِمَةً، لَمْ يَفْسُدْ حَجُّهَا. وَإِنْ كَانَتْ طَائِعَةً عَالِمَةً فَسَدَ. وَحِينَئِذٍ، هَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ؟ أَمْ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ فَقَطْ بَدَنَةٌ عَنْ نَفْسِهِ؟ أَمْ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ عَنْهُ وَعَنْهَا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، كَالصَّوْمِ. وَقَطَعَ قَاطِعُونَ بِإِلْزَامِهَا الْبَدَنَةَ. وَإِذَا خَرَجَتِ الزَّوْجَةُ لِلْقَضَاءِ

стр. 948

، فَهَلْ يَلْزَمُ الزَّوْجَ مَا زَادَ مِنَ النَّفَقَةِ بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ. وَإِذَا خَرَجَا لِلْقَضَاءِ مَعًا، اسْتُحِبَّ أَنْ يَفْتَرِقَا مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ. فَإِذَا وَصَلَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ، فَقَوْلَانِ. قَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَا تَجِبُ الْمُفَارَقَةُ. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ. فَرْعٌ ذَكَرْنَا فِي كَوْنِ الْقَضَاءِ عَلَى الْفَوْرِ وَجْهَيْنِ. قَالَ الْقَفَّالُ: هُمَا جَارِيَانِ فِي كُلِّ كَفَّارَةٍ وَجَبَتْ بِعُدْوَانٍ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ، عَلَى التَّرَاخِي كَالْحَجِّ. وَالْكَفَّارَةُ بِلَا عُدْوَانٍ، عَلَى التَّرَاخِي قَطْعًا. وَأَجْرَى الْإِمَامُ الْخِلَافَ فِي الْمُتَعَدِّي بِتَرْكِ الصَّوْمِ. وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الصَّوْمِ انْقِسَامُ قَضَاءِ الصَّوْمِ إِلَى الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي. قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمُتَعَدِّي بِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ بِلَا خِلَافٍ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ وَجْهَيْنِ. أَصَحُّهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: أَنَّهَا عَلَى التَّرَاخِي. وَرُبَّمَا رَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمُتَعَدِّي، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْأَصْحَابُ. وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَجْهٌ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ : «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» . فَرْعٌ يَجُوزُ لِلْمُفْرِدِ بِأَحَدِ النُّسُكَيْنِ إِذَا أَفْسَدَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مَعَ الْآخَرِ قَارِنًا، وَأَنْ يَتَمَتَّعَ. وَيَجُوزُ لِلْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ الْقَضَاءُ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ. وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ بِالْقَضَاءِ عَلَى سَبِيلِ الْإِفْرَادِ. وَإِذَا جَامَعَ الْقَارِنُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، فَسَدَ نُسُكَاهُ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَاحِدَةٌ، لِاتِّحَادِ الْإِحْرَامِ، وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْقِرَانِ مَعَ الْبَدَنَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ

стр. 949

، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. ثُمَّ إِذَا اشْتَغَلَ بِقَضَائِهِمَا، فَإِنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ آخَرُ، وَإِلَّا فَقَدْ أَشَارَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى خِلَافٍ فِيهِ، وَمَالَ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: وُجُوبُ دَمٍ آخَرَ إِذَا أَفْرَدَ فِي الْقَضَاءِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَمِمَّنْ قَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابَيْهِ، وَالْمُتَوَلِّي، وَخَلَائِقُ آخَرُونَ، وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ بِقَوْلِهِ فِي أَوَائِلِ هَذَا الْفَرْعِ: لَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ، لَكِنَّهُ نَاقَضَهُ بِهَذِهِ الْحِكَايَةِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، لَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْ نُسُكَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ أَتَى بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، أَمْ لَا. وَفِيهِ وَجْهٌ قَالَهُ الْأَوْدَنِيُّ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ، كَسَدَتْ عُمْرَتُهُ. وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ فِي الْقِرَانِ تَتْبَعُ الْحَجَّ. وَلِهَذَا يَحِلُّ لِلْقَارِنِ مُعْظَمُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَعْمَالِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ قَدِمَ الْقَارِنُ مَكَّةَ، وَطَافَ وَسَعَى، ثُمَّ جَامَعَ بَطَلَ نُسُكَاهُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ. فَرْعٌ إِذَا فَاتَ الْقَارِنَ الْحَجُّ لِفَوَاتِ الْوُقُوفِ، فَهَلْ يَحْكُمُ بِفَوَاتِ عُمْرَتِهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، تَبَعًا لِلْحَجِّ، كَمَا تَفْسُدُ بِفَسَادِهِ. وَالثَّانِي: لَا لِأَنَّهُ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِهَا. فَإِنْ قُلْنَا بِفَوَاتِهَا، فَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِلْفَوَاتِ، وَلَا يَسْقُطُ دَمُ الْقِرَانِ. وَإِذَا قَضَاهُمَا، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي قَضَائِهِمَا عِنْدَ الْإِفْسَادِ. إِنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ فَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ.

стр. 950

فَرْعٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِي جِمَاعِ الْعَامِدِ الْعَالِمِ بِالتَّحْرِيمِ. فَأَمَّا إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فَقَوْلَانِ. الْأَظْهَرُ: الْجَدِيدُ: لَا يَفْسُدُ. وَالْقَدِيمُ: يَفْسُدُ. وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْوَطْءِ، فَقِيلَ: وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى النَّاسِي، وَقِيلَ: يَفْسُدُ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ إِكْرَاهَ الرَّجُلِ عَلَى الْوَطْءِ مُمْتَنِعٌ. وَلَوْ أَحْرَمَ عَاقِلًا ثُمَّ جُنَّ فَجَامَعَ، فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي النَّاسِي. فَرْعٌ لَوْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا. فَأَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يَنْعَقِدُ صَحِيحًا. فَإِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ، فَذَاكَ وَإِلَّا فَسَدَ نُسُكُهُ، وَعَلَيْهِ الْبَدَنَةُ، وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ وَالْقَضَاءُ. وَالثَّانِي: يَنْعَقِدُ فَاسِدًا وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ سَوَاءٌ مَكَثَ، أَوْ نَزَعَ. وَلَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ إِنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ وَإِنْ مَكَثَ وَجَبَتْ شَاةٌ فِي قَوْلٍ، وَبَدَنَةٌ فِي قَوْلٍ كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا كَمَا لَا تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ مَعَ الْحَدَثِ. قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ: أَصَحُّهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَصْلٌ إِذَا ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ حَجِّهِ أَوْ عُمْرَتِهِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَفْسُدُ، كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَالثَّانِي: لَا يَفْسُدُ، لَكِنْ لَا يُعْتَدُّ بِالْمَفْعُولِ فِي الرِّدَّةِ. وَلَا فَرْقَ عَلَى

стр. 951

الْوَجْهَيْنِ بَيْنَ طُولِ زَمَنِهَا وَقِصَرِهِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْفَسَادِ فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَبْطُلُ النُّسُكُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَا يَمْضِي فِيهِ لَا فِي الرِّدَّةِ، وَلَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْإِفْسَادِ بِجِمَاعٍ، فَيَمْضِي فِي فَاسِدِهِ إِنْ أَسْلَمَ، لَكِنْ لَا كَفَّارَةَ. النَّوْعُ السَّادِسُ: مُقَدِّمَاتُ الْجِمَاعِ. فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرَمِ الْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ، كَالْمُفَاخَذَةِ، وَالْقُبْلَةِ، وَاللَّمْسِ بِالْيَدِ بِشَهْوَةٍ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. وَفِي حُكْمِهَا بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ. وَمَتَى ثَبَتَ التَّحْرِيمُ فَبَاشَرَ عَمْدًا لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ. وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ مَحْضٌ. وَلَا يُفْسِدُ شَيْءٌ مِنْهَا نُسُكَهُ، وَلَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ بِحَالٍ وَإِنْ كَانَ عَمْدًا، سَوَاءٌ أَنَزَلَ أَمْ لَا. وَالِاسْتِمْنَاءُ بِالْيَدِ، يُوجِبُ الْفِدْيَةَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ ثُمَّ جَامَعَ، هَلْ تَدْخُلُ الشَّاةُ فِي الْبَدَنَةِ، أَمْ تَجِبَانِ مَعًا؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: تَدْخُلُ. وَلَا يَحْرُمُ اللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي «الْوَسِيطِ» وَ «الْوَجِيزِ» : تَحْرُمُ كُلُّ مُبَاشَرَةٍ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَشَاذٌّ، بَلْ غَلَطٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ، وَلَا إِنْكَاحُهُ، وَلَا نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ. وَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُ الْخِطْبَةِ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ. وَتَمَامُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ. النَّوْعُ السَّابِعُ: الِاصْطِيَادُ. فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلُّ صَيْدٍ مَأْكُولٍ، أَوْ فِي أَصْلِهِ مَأْكُولٌ لَيْسَ مَائِيًّا، وَحْشِيًّا كَانَ أَوْ فِي أَصْلِهِ وَحْشِيٌّ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَأْنَسِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمَمْلُوكِ وَغَيْرِهِ. وَيَجِبُ فِي الْمَمْلُوكِ مَعَ الْجَزَاءِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ حَيًّا وَمَذْبُوحًا لِمَالِكِهِ، إِذَا رَدَّهُ إِلَيْهِ مَذْبُوحًا.

стр. 952

قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: [هَذَا إِذَا قُلْنَا] : ذَبِيحَةُ الْمُحْرِمِ حَلَالٌ، فَإِنْ قُلْنَا: مَيْتَةٌ، لَزِمَهُ لَهُ كُلُّ الْقِيمَةِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ هَذَا بِقَلِيلٍ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ: وَإِذَا قُلْنَا: مَيْتَةٌ فَالْجِلْدُ لِلْمَالِكِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا جَزَاءَ فِي الْمَمْلُوكِ. وَلَوْ تَوَحَّشَ حَيَوَانٌ إِنْسِيٌّ لَمْ يَحْرُمْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ. وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَاءِ الصَّيْدِ، بِالْجَرْحِ وَالْقَطْعِ. وَلَوْ جَرَحَهُ فَنَقَصَتْ قِيمَتُهُ، فَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا يَجِبُ بِنَقْصِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ بَرَأَ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ وَلَا أَثَرٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؟ وَجْهَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ فِي جِرَاحَةِ الْآدَمِيِّ إِذَا انْدَمَلَتْ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ وَلَا شَيْنٌ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ نُتِفَ رِيشُهُ فَعَادَ كَمَا كَانَ. وَبَيْضُ الطَّائِرِ الْمَأْكُولُ مَضْمُونٌ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَذَرَةً، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بِكَسْرِهَا، إِلَّا بَيْضَةَ النَّعَامَةِ، فَفِيهَا قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّ قِشْرَهَا قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ. وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا عَنْ بَيْضَتِهِ الَّتِي حَضَنَهَا، فَفَسَدَتْ لَزِمَهُ قِيمَتُهَا. وَلَوْ أَخَذَ بَيْضَ دَجَاجَةٍ، فَأَحْضَنَهُ صَيْدًا، فَفَسَدَ بَيْضُ الصَّيْدِ، أَوْ لَمْ يَحْضُنْهُ ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ فَسَادَ بَيْضِهِ بِسَبَبِ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إِلَيْهِ. وَلَوْ أَخَذَ بَيْضَ صَيْدٍ وَأَحْضَنَهُ دَجَاجَةً، فَهُوَ فِي ضَمَانَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ الْفَرْخُ وَيَسْعَى. فَلَوْ خَرَجَ وَمَاتَ قَبْلَ الِامْتِنَاعِ لَزِمَهُ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ. وَلَوْ كَسَرَ بَيْضَةً فِيهَا فَرْخٌ لَهُ رُوحٌ، فَطَارَ وَسَلِمَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ مَاتَ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ وَلَوْ حَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ ضَمِنَهُ، قَالَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَضْمَنُ. فَصْلٌ مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَالطُّيُورِ ضَرْبَانِ. مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مَأْكُولٌ، وَمَا أَحَدُ أَصْلَيْهِ مَأْكُولٌ.

стр. 953

فَالْأَوَّلُ: لَا يَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ بِالْإِحْرَامِ، وَلَا جَزَاءَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِقَتْلِهِ ثُمَّ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ: مَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ الْمُؤْذِيَاتُ، كَالْحَيَّةِ، وَالْعَقْرَبِ، وَالْفَأْرَةِ، وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَالْغُرَابِ، وَالْحِدَأَةِ، وَالذِّئْبِ، وَالْأَسَدِ، وَالنَّمِرِ، وَالدُّبِّ، وَالنَّسْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالْبُرْغُوثِ، وَالْبَقِّ، وَالزُّنْبُورِ. وَلَوْ ظَهَرَ الْقَمْلُ عَلَى بَدَنِ الْمُحْرِمِ أَوْ ثِيَابِهِ، لَمْ يُكْرَهْ تَنْحِيَتُهُ. وَلَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَفْلِيَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ. فَإِنْ فَعَلَ فَأَخْرَجَ مِنْهُمَا قَمْلَةً وَقَتَلَهَا، تَصَدَّقَ وَلَوْ بِلُقْمَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀. قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هَذَا التَّصَدُّقُ مُسْتَحَبٌّ. وَقِيلَ: وَاجِبٌ، لِمَا فِيهِ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى عَنِ الرَّأْسِ. قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَعَالَى: وَلِلصِّئْبَانِ حُكْمُ الْقَمْلِ، وَهُوَ بَيْضُ الْقَمْلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمِنْهُ: مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ، كَالْفَهْدِ، وَالصَّقْرِ، وَالْبَازِي، فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهَا لِنَفْعِهَا وَلَا يُكْرَهُ لِضَرَرِهَا. وَمِنْهُ: مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ وَلَا ضَرَرٌ، كَالْخَنَافِسِ وَالْجِعْلَانِ وَالسَّرَطَانِ، وَالرَّخَمِ وَالْكَلْبِ الَّذِي لَيْسَ بِعَقُورٍ، فَيُكْرَهُ قَتْلُهَا. وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلِ، وَالنَّحْلِ، وَالْخُطَّافِ، وَالضُّفْدَعِ. وَفِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِ الْهُدْهُدِ وَالصُّرَدِ خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ أَكْلِهِمَا. قُلْتُ: قَوْلُهُ: إِنَّ الْكَلْبَ الَّذِي لَيْسَ بِعَقُورٍ يُكْرَهُ قَتْلُهُ، مُرَادُهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. وَفِي كَلَامِ غَيْرِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. وَالْمُرَادُ: الْكَلْبُ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مُبَاحَةٌ. فَأَمَّا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ فَلَا يَجُوزُ قَتْلُهُ بِلَا شَكٍّ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَغَيْرُهُ. وَالْأَمْرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ مَنْسُوخٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا أَحَدُ أَصْلَيْهِ مَأْكُولٌ كَالْمُتَوَلَّدِ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ، وَبَيْنَ حِمَارَيِ الْوَحْشِ وَالْإِنْسِ، فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لَهُ، وَيَجِبُ الْجَزَاءُ فِيهِ.

стр. 954

قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: فَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا، فَلَمْ يَدْرِ أَخَالَطَهُ وَحْشِيٌّ مَأْكُولٌ، أَمْ لَا، اسْتُحِبَّ فِدَاؤُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ: كَالنَّعَمِ، وَالْخَيْلِ، وَالدَّجَاجِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ ذَبْحُهَا، وَلَا جَزَاءَ. وَالْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الْإِنْسِيِّ وَالْوَحْشِيِّ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الظَّبْيِ وَالشَّاةِ، أَوْ بَيْنَ الْيَعْقُوبِ وَالدَّجَاجَةِ، يَجِبُ فِيهِ الْجَزَاءُ كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ. فَرْعٌ صَيْدُ الْبَحْرِ حَلَالٌ لِلْمُحْرِمِ، وَهُوَ مَا لَا يَعِيشُ إِلَّا فِي الْبَحْرِ. أَمَّا مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَحَرَامٌ كَالْبَرِّيِّ. وَأَمَّا الطُّيُورُ الْمَائِيَّةُ الَّتِي تَغُوصُ فِي الْمَاءِ وَتَخْرُجُ، فَبَرِّيَّةٌ. وَالْجَرَادُ بَرِّيٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ. ب فَصْلٌ جِهَاتُ ضَمَانِ الصَّيْدِ ثَلَاثٌ: الْمُبَاشَرَةُ، وَالتَّسَبُّبُ، وَالْيَدُ. فَالْمُبَاشَرَةُ مَعْرُوفَةٌ. وَأَمَّا التَّسَبُّبُ، فَمَوْضِعُ ضَبَطِهِ كِتَابُ الْجِنَايَاتِ. وَيُذْكَرُ هُنَا صُوَرٌ: إِحْدَاهَا: لَوْ نَصَبَ الْحَلَالُ شَبَكَةً فِي الْحَرَمِ، أَوْ نَصَبَهَا الْمُحْرِمُ حَيْثُ كَانَ، فَتَعَقَّلَ بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ، سَوَاءٌ نَصَبَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ غَيْرِهِ.

стр. 955

قُلْتُ: وَلَوْ نَصَبَ الشَّبَكَةَ، أَوِ الْأُحْبُولَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، ثُمَّ أَحَرَمَ فَوَقَعَ بِهَا صَيْدٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ، وَصَاحِبُ «الْبَحْرِ» وَغَيْرُهُمَا. وَهُوَ مَعْنَى نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، أَوْ حَلَّ رِبَاطَهُ وَلَمْ يُرْسِلْهُ، فَأَتْلَفَ صَيْدًا، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ. وَلَوِ انْحَلَّ الرِّبَاطُ لِتَقْصِيرِهِ فِيهِ، ضَمِنَ عَلَى الْمَذْهَبِ، هَذَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ صَيْدٌ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَأَرْسَلَ الْكَلْبَ أَوْ حَلَّ رِبَاطَهُ، فَظَهَرَ صَيْدٌ، ضِمِنَهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ حَمْلُ الْبَازِيِّ وَكُلِّ صَائِدٍ. فَإِنْ حَمَلَهُ فَأَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فَلَا جَزَاءَ، لَكِنْ يَأْثَمُ. وَلَوِ انْفَلَتَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ نَفَّرَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا فَعَثَرَ وَهَلَكَ بِهِ، أَوْ أَخَذَهُ سَبْعٌ، أَوِ انْصَدَمَ بِشَجَرَةٍ، أَوْ جَبَلٍ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، سَوَاءً قَصَدَ تَنْفِيرَهُ، أَمْ لَا، وَيَكُونُ فِي عُهْدَةِ التَّنْفِيرِ حَتَّى يَعُودَ الصَّيْدُ إِلَى عَادَتِهِ فِي السُّكُونِ. فَإِنْ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ هَلَكَ قَبْلَ سُكُونِ النِّفَارِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَمْ يَتْلَفْ بِسَبَبِهِ وَلَا فِي يَدِهِ. وَوَجْهُ الثَّانِي: اسْتِدَامَةُ أَثَرِ النِّفَارِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ حَفَرَ الْمُحْرِمُ بِئْرًا حَيْثُ كَانَ، أَوْ حَفَرَهَا حَلَالٌ فِي الْحَرَمِ فِي مَحَلِّ عُدْوَانٍ، فَهَلَكَ فِيهَا صَيْدٌ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَلَوْ حَفَرَهَا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: يَضْمَنُ فِي الْحَرَمِ دُونَ الْإِحْرَامِ. قُلْتُ: وَقِيلَ: إِنْ حَفَرَهَا لِلصَّيْدِ، ضَمِنَ، وَإِلَّا فَلَا، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 956

فَرْعٌ لَوْ دَلَّ الْحَلَالُ مُحْرِمًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، وَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْحَلَالِ، سَوَاءً كَانَ فِي يَدِهِ، أَمْ لَا، لَكِنَّهُ يَأْثَمُ. وَلَوْ دَلَّ الْمُحْرِمُ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُحْرِمِ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ حِفْظَهُ وَهُوَ وَاجِبٌ، فَصَارَ كَالْمُودَعِ إِذَا دَلَّ السَّارِقَ، وَإِلَّا فَلَا جَزَاءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَوْ أَمْسَكَ مُحْرِمٌ صَيْدًا حَتَّى قَتَلَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ حَلَالًا، وَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْحَلَالِ؟ وَجْهَانِ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ حَرَامٍ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: نَعَمْ، وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّهْذِيبِ» كَمَا لَوْ غَصَبَ شَيْئًا فَأَتْلَفَهُ إِنْسَانٌ فِي يَدِهِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا أَيْضًا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَزَاءُ كُلُّهُ عَلَى الْقَاتِلِ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْمُمْسِكَ يَضَمَنُهُ بِالْيَدِ، وَالْقَاتِلَ بِالْإِتْلَافِ. فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُمْسِكُ الضَّمَانَ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُتْلِفُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُمْسِكِ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ رَمَى حَلَالٌ صَيْدًا، ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ أَصَابَهُ ضَمِنَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ رَمَى مُحْرِمٌ ثُمَّ تَحَلَّلَ، بِأَنَّ قَصَّرَ شَعْرَهُ، ثُمَّ أَصَابَهُ، فَوَجْهَانِ. وَلَوْ رَمَى صَيْدًا، فَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى صَيْدٍ آخَرَ، فَقَتَلَهُمَا، ضَمِنَهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 957

الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: الْيَدُ. فَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ ابْتِدَاءً، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمِلْكُ، وَإِذَا أَخَذَهُ، ضَمِنَهُ كَالْغَاصِبِ. بَلْ لَوْ حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبٍ فِي يَدِهِ، بِأَنْ كَانَ رَاكِبَ دَابَّةٍ، فَتَلَفَ صَيْدٌ بِعَضِّهَا، أَوْ رَفْسِهَا، أَوْ بَالَتْ فِي الطُّرُقِ، فَزَلِقَ بِهِ صَيْدٌ فَهَلَكَ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَلَوِ انْفَلَتَ بَعِيرُهُ فَأَتْلَفَ صَيْدًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. نَصَّ عَلَى هَذَا كُلِّهِ. وَلَوْ تَقَدَّمَ ابْتِدَاءُ الْيَدِ عَلَى الْإِحْرَامِ، بِأَنْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ مَمْلُوكٌ لَهُ، لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ قَطْعًا، بَلْ يُسْتَحَبُّ. فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْإِرْسَالَ، فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، لَهُ بَيْعُهُ وَهِبْتُهُ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ. فَإِنْ قَتَلَهُ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ. كَمَا لَوْ قَتَلَ عَبْدَهُ، تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ قَتَلَهُ، لَزِمَهُ قِيمَتُهُ لِلْمَالِكِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَالِكِ. وَإِنْ أَوْجَبْنَا الْإِرْسَالَ، فَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: يَزُولُ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ أَرْسَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ قَتَلَهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَرْسَلَهُ الْمُحْرِمُ، فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ، مَلَكَهُ. وَلَوْ لَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَحَلَّلَ، لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. وَحَكَى الْإِمَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ بِنَفْسِ الْإِحْرَامِ، أَمِ الْإِحْرَامُ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْإِرْسَالَ، فَإِذَا أَرْسَلَ، زَالَ حِينَئِذٍ؟ وَأَوَّلُهُمَا: أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْجُمْهُورِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَزُولُ مِلْكُهُ، فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، فَلَوْ أَخَذَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ. وَلَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَهُ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ بَعْدَ إِمْكَانِ الْإِرْسَالِ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، لِأَنَّهُمَا مُفَرَّعَانِ عَلَى وُجُوبِ الْإِرْسَالِ، وَهُوَ مُقَصِّرٌ بِالْإِمْسَاكِ. وَلَوْ مَاتَ الصَّيْدُ قَبْلَ إِمْكَانِ الْإِرْسَالِ، وَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَقْدِيمُ الْإِرْسَالِ عَلَى الْإِحْرَامِ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 958

فَرْعٌ لَوِ اشْتَرَى الْمُحْرِمُ صَيْدًا، أَوِ اتَّهَبَهُ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ، فَقَبِلَ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ. فَإِنْ قُلْنَا: يَزُولُ مِلْكُهُ عَنِ الصَّيْدِ بِالْإِحْرَامِ، لَمْ يَمْلِكْهُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَإِلَّا فَفِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ قَوْلَانِ، كَشِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحْ هَذِهِ الْعُقُودَ فَلَيْسَ لَهُ الْقَبْضُ. فَإِنْ قَبَضَ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ، وَلَزِمَهُ الْقِيمَةُ لِلْبَائِعِ. فَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ سَقَطَتِ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَسْقُطْ ضَمَانُ الْجَزَاءِ إِلَّا بِالْإِرْسَالِ. وَإِذَا أَرْسَلَ، كَانَ كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا مُرْتَدًّا فَقُتِلَ فِي يَدِهِ. وَفِيمَنْ يُتْلَفُ مِنْ ضَمَانِهِ، خِلَافٌ مَوْضِعُهُ كِتَابُ الْبَيْعِ. قُلْتُ: كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هُنَا، أَنَّهُ إِذَا هَلَكَ فِي يَدِهِ، ضَمِنَهُ بِالْقِيمَةِ لِلْآدَمِيِّ مَعَ الْجَزَاءِ، وَهَذَا فِي الشِّرَاءِ صَحِيحٌ، أَمَّا فِي الْهِبَةِ، فَلَا يَضْمَنُ الْقِيمَةَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ كَالصَّحِيحِ فِي الضَّمَانِ، وَالْهِبَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِي كِتَابِ «الْهِبَةِ» : وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ مَاتَ لِلْمُحْرِمِ قَرِيبٌ يَمْلِكُ صَيْدًا، وَرِثَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالشِّرَاءِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَرِثُ، قَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ: يَزُولُ مِلْكُهُ عَقِبَ ثُبُوتِهِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ يَزُولُ عَنِ الصَّيْدِ بِالْإِحْرَامِ. وَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ، خِلَافُهُ. لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِذَا وَرِثَهُ لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ. فَإِنْ بَاعَهُ صَحَّ بَيْعُهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُ الْجَزَاءِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي وَجَبَ الْجَزَاءُ عَلَى الْبَائِعِ. وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا

стр. 959

أَرْسَلَهُ الْمُشْتَرِي. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرِثُ، فَالْمِلْكُ فِي الصَّيْدِ لِبَاقِي الْوَرَثَةِ. وَإِحْرَامُهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الصَّيْدِ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ، كَذَا قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: إِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، فَيُوقَفُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ فَيَتَمَلَّكَهُ. قُلْتُ: هَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْكَرْخِيِّ هُوَ الصَّحِيحُ، بَلِ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ فِي الطَّرِيقَيْنِ. فَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ، وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَاحِبُ «الْحَاوِي» ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَصَاحِبَا «الْعُدَّةِ» وَ «الْبَيَانِ» . قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ مَاتَ الْوَارِثُ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوِ اشْتَرَى صَيْدًا، فَوَجَدَهُ مَعِيبًا وَقَدْ أَحْرَمَ الْبَائِعُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِالْإِرْثِ، رَدَّهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ الرَّدِّ إِضْرَارٌ بِالْمُشْتَرِي. وَلَوْ بَاعَ صَيْدًا وَهُوَ حَلَالٌ، فَأَحْرَمَ ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ كَالشِّرَاءِ، بِخِلَافِ الْإِرْثِ، فَإِنَّهُ قَهْرِيٌّ. فَرْعٌ لَوِ اسْتَعَارَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، أَوْ أُودِعَ عِنْدَهُ، كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْجَزَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُ. فَإِنْ أَرْسَلَهُ، سَقَطَ عَنْهُ الْجَزَاءُ وَضَمِنَ الْقِيمَةَ لِلْمَالِكِ. فَإِنْ رُدَّ إِلَى الْمَالِكِ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجَزَاءُ مَا لَمْ يُرْسِلْهُ الْمَالِكُ.

стр. 960

قُلْتُ: نَقَلَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» فِي بَابِ الْعَارِيَةِ، عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ: أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا اسْتَوْدَعَ صَيْدًا لِحَلَالٍ، فَتَلَفَ فِي يَدِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْجَزَاءُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْسِكْهُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ حَيْثُ صَارَ الصَّيْدُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْجَزَاءِ، فَإِنْ قَتَلَهُ حَلَالٌ فِي يَدِهِ، فَالْجَزَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ. وَإِنْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، فَهَلِ الْجَزَاءُ عَلَيْهِمَا أَمْ عَلَى الْقَاتِلِ وَمَنْ فِي يَدِهِ؟ طَرِيقٌ فِيهِ وَجْهَانِ: قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ خَلَّصَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مِنْ فَمِ سَبْعٍ، أَوْ هِرَّةٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا، وَأَخَذَهُ لِيُدَاوِيَهُ وَيَتَعَهَّدَهُ، فَمَاتَ فِي يَدِهِ، لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَظْهَرِ. فَرْعٌ النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، وَلَا يَأْثَمُ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ. وَالْمَذْهَبُ: الْوُجُوبُ. وَلَوْ أَحَرَمَ ثُمَّ جُنَّ، فَقَتَلَ صَيْدًا، فَفِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ قَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا.

стр. 961

قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: لَا تَجِبُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ صَالَ صَيْدٌ عَلَى مُحْرِمِ، أَوْ فِي الْحَرَمِ، فَقَتَلَهُ دَفْعًا، فَلَا ضَمَانَ، وَلَوْ رَكِبَ إِنْسَانٌ صَيْدًا، وَصَالَ عَلَى مُحْرِمٍ، وَلَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ إِلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ، فَقَتَلَهُ، فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْجَزَاءِ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ؛ لِأَنَّ الْأَذَى لَيْسَ مِنَ الصَّيْدِ. وَحَكَى الْإِمَامُ أَنَّ الْقَفَّالَ ذَكَرَ فِيهِ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: الضَّمَانُ عَلَى الرَّاكِبِ، وَلَا يُطَالِبُ بِهِ الْمُحْرِمَ. وَالثَّانِي: يُطَالِبُ الْمُحْرِمَ، وَيَرْجِعُ بِمَا غَرِمَ عَلَى الرَّاكِبِ. فَرْعٌ لَوْ ذَبَحَ صَيْدًا فِي مَخْمَصَةٍ وَأَكَلَهُ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ أَهْلَكَهُ لِمَنْفَعَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِيذَاءٍ مِنَ الصَّيْدِ. وَلَوْ أُكْرِهَ مُحْرِمٌ عَلَى قَتْلِ صَيْدٍ، فَقَتَلَهُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْجَزَاءُ عَلَى الْآمِرِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْمُحْرِمِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْآمِرِ، سَوَاءٌ صَيْدُ الْحَرَمِ أَوِ الْإِحْرَامِ. قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَرَادَ وَبَيْضَهُ مَضْمُونَانِ بِالْقِيمَةِ. فَلَوْ وَطِئَهُ عَامِدًا أَوْ جَاهِلًا، ضَمِنَ. وَلَوْ عَمَّ الْمَسَالِكَ وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ وَطْئِهِ، فَوَطِئَهُ، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ. وَقِيلَ:

стр. 962

لَا ضَمَانَ قَطْعًا، وَلَوْ بَاضَ صَيْدٌ فِي [فِرَاشِهِ] وَلَمْ يُمْكِنْهُ رَفْعُهُ إِلَّا بِالتَّعَرُّضِ لِلْبَيْضِ، فَفَسَدَ بِذَلِكَ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. فَرْعٌ إِذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ. وَهَلْ يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَمْ يَكُونُ مَيْتَةً؟ فِيهِ قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: أَنَّهُ مَيْتَةٌ. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مَمْلُوكًا وَجَبَ مَعَ الْجَزَاءِ قِيمَتُهُ لِلْمَالِكِ. وَالْقَدِيمُ: لَا يَكُونُ مَيْتَةً، فَيَحِلُّ لِغَيْرِهِ. فَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، لَزِمَهُ مَعَ الْجَزَاءِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ مَذْبُوحًا وَحَيًّا. وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ زَوَالِ الْإِحْرَامِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. وَفِي صَيْدِ الْحَرَمِ إِذَا ذُبِحَ: طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : قَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ، فَحُكْمُ الْبَيْضِ حُكْمُ الصَّيْدِ إِذَا ذَبَحَهُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ قَطْعًا. وَفِي غَيْرِهِ الْقَوْلَانِ. وَكَذَا إِذَا كَسَرَهُ فِي الْحَرَمِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَذَا لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْجَرَادَ، قَالَ: وَقِيلَ: يَحِلُّ الْبِيضُ لِغَيْرِهِ قَطْعًا، بِخِلَافِ الصَّيْدِ الْمَذْبُوحِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ إِبَاحَتَهُ تَقِفُ عَلَى الذَّكَاةِ، بِخِلَافِ الْبَيْضِ. وَعَلَى هَذَا لَوْ بَلَعَهُ إِنْسَانٌ قَبْلَ كَسْرِهِ، لَمْ يَحْرُمْ. وَهَذَا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْقَاضِي الطَّبَرِيِّ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 963

فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْجَزَاءِ الصَّيْدُ ضَرْبَانِ، مِثْلِيٌّ وَهُوَ مَا لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وَغَيْرُ مِثْلِيٍّ. فَالْمِثْلِيُّ: جَزَاؤُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ وَالتَّعْدِيلِ، فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ مِثْلَهُ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إِمَّا بِأَنْ يُفَرِّقَ اللَّحْمَ عَلَيْهِمْ، وَإِمَّا بِأَنْ يُمْلِّكَهُمْ جُمْلَتَهُ مَذْبُوحًا. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَهُ حَيًّا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلَ دَرَاهِمَ. ثُمَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالدَّرَاهِمِ، لَكِنْ إِنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا حَيْثُ كَانَ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، فَفِيهِ قِيمَتُهُ، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا دَرَاهِمَ، بَلْ يَجْعَلُهَا طَعَامًا، ثُمَّ إِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. فَإِنِ انْكَسَرَ مُدٌّ فِي الضَّرْبَيْنِ صَامَ يَوْمًا. فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ فِي الْمِثْلِيِّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ، وَفِي غَيْرِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الطَّعَامِ وَالصَّوْمِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ. وَرَوَى أَبُو ثَوْرٍ قَوْلًا: أَنَّهَا عَلَى التَّرْتِيبِ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا، فَالْمُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الْإِتْلَافِ، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ بِمَكَّةَ وَيَوْمَئِذٍ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ ذَبْحِهِ مَكَّةُ. فَإِذَا عَدَلَ عَنْ ذَبْحِهِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ بِمَحَلِّ الذَّبْحِ. هَذَا نَصُّهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ. وَحَيْثُ اعْتَبَرْنَا مَحَلَّ الْإِتْلَافَ، فَلِلْإِمَامِ احْتِمَالَانِ، فِي أَنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي الْعُدُولِ إِلَى الطَّعَامِ سِعْرَ الطَّعَامِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، أَمْ سِعْرَهُ بِمَكَّةَ؟ وَالظَّاهِرُ مِنْهُمَا: الثَّانِي.

стр. 964

فَرْعٌ فِي بَيَانِ الْمِثْلِيِّ اعْلَمْ أَنَّ الْمِثْلَ لَيْسَ مُعْتَبَرًا عَلَى التَّحْقِيقِ، بَلْ يُعْتَبَرُ عَلَى التَّقْرِيبِ. وَلَيْسَ مُعْتَبَرًا فِي الْقِيمَةِ، بَلْ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ. وَالْكَلَامُ فِي الدَّوَابِّ ثُمَّ الطُّيُورِ. أَمَّا الدَّوَابُّ: فَمَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ - أَوْ حَكَمَ فِيهِ صَحَابِيَّانِ، أَوْ عَدْلَانِ مِنَ التَّابِعِينَ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُمْ - مِنَ النَّعَمِ أَنَّهُ مِثْلُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ، اتُّبِعَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَحْكِيمِ غَيْرِهِمْ. وَقَدْ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الضَّبْعِ بِكَبْشٍ وَحَكَمَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ فِي النَّعَّامَةِ بِبَدَنَةٍ، وَفِي حِمَارِ الْوَحْشِ وَبَقَرَتِهِ بِبَقَرَةٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّهُ حَكَمَ فِي أُمِّ حُبَيْنٍ بِحُلَّانٍ. وَعَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ: أَنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْوَبْرِ بِشَاةٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ كَانَتِ الْعَرَبُ تَأْكُلُهُ فَفِيهِ جَفْرَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْبَرَ بَدَنًا مِنْهَا. وَعَنْ عَطَاءٍ: فِي الثَّعْلَبِ شَاةٌ. وَعَنْ عُمَرَ ﵁: فِي الضَّبِّ جَدْيٌ. وَعَنْ بَعْضِهِمْ: فِي الْإِبِلِ بَقَرَةٌ. أَمَّا الْعَنَاقُ: فَالْأُنْثَى مِنَ الْمَعْزِ مِنْ حِينِ تُولَدُ إِلَى حِينِ تَرْعَى. وَالْجَفْرَةُ: الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ تُفْطَمُ وَتُفْصَلُ عَنْ أُمِّهَا، فَتَأْخُذُ فِي الرَّعْيِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَالذَّكَرُ جَفْرٌ، هَذَا مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجَفْرِ هُنَا مَا دُونُ الْعِنَاقِ، فَإِنَّ الْأَرْنَبَ خَيْرٌ مِنَ الْيَرْبُوعِ. أَمَّا أَمُّ حُبَيْنٍ، فَدَابَّةٌ عَلَى خِلْقَةِ الْحِرْبَاءِ عَظِيمَةُ الْبَطْنِ. وَفِي حِلِّ أَكْلِهَا خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الْأَطْعِمَةِ. وَوُجُوبُ الْجَزَاءِ يَخْرُجُ عَلَى الْخِلَافِ. وَأَمَّا الْحُلَّانُ، وَيُقَالُ الْحُلَّامُ. فَقِيلَ: هُوَ الْجَدْيُ. وَقِيلَ: الْخَرُوفُ.

стр. 965

وَوَقَعَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْأَصْحَابِ: فِي الظَّبْيِ كَبْشٌ. وَفِي الْغَزَالِ عَنْزٌ. وَكَذَا قَالَهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيِّ، وَزَعَمَ أَنَّ الظَّبْيَ: ذَكَرُ الْغِزْلَانِ، وَأَنَّ الْأُنْثَى غَزَالٌ. قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا وَهْمٌ، بَلِ الصَّحِيحُ: أَنَّ فِي الظَّبْيِ عَنْزًا، وَهُوَ شَدِيدُ الشَّبَهِ بِهَا، فَإِنَّهُ أَجْرَدُ الشَّعْرِ، مُتَقَلِّصُ الذَّنَبِ. وَأَمَّا الْغَزَالُ، فَوَلَدُ الظَّبْيِ، فَيَجِبُ فِيهِ مَا يَجِبُ فِي الصِّغَارِ. قُلْتُ: قَوْلُ الْإِمَامِ هُوَ الصَّوَابُ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْغَزَالُ وَلَدُ الظَّبْيَةِ إِلَى حِينِ يَقْوَى وَيَطْلُعُ قَرْنَاهُ، ثُمَّ هِيَ ظَبْيَةٌ، وَالذَّكَرُ: ظَبْيٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا بَيَانُ مَا فِيهِ حُكْمٌ. أَمَّا مَا لَا نَقْلَ فِيهِ عَنِ السَّلَفِ، فَيَرْجِعُ فِيهِ إِلَى قَوْلِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ فَطِنَيْنِ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَاتِلُ الصَّيْدِ أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ، أَوْ يَكُونُ قَاتِلَاهُ الْحَكَمَيْنِ؟ نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْقَتْلُ عُدْوَانًا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَفْسُقُ. وَإِنْ كَانَ خَطَأً، أَوْ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ حَكَمَ عَدْلَانِ أَنَّ لَهُ مِثْلًا، وَعَدْلَانِ أَنْ لَا مِثْلَ لَهُ، فَهُوَ مِثْلِيٌّ. قُلْتُ: وَلَوْ حَكَمَ عَدْلَانِ بِمِثْلٍ، وَعَدْلَانِ بِمِثْلٍ آخَرَ، فَوَجْهَانِ فِي «الْحَاوِي» وَ «الْبَحْرِ» . أَصَحُّهُمَا: يَتَخَيَّرُ. وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِأَعْظَمِهِمَا، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمُفْتِيَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الطُّيُورُ فَحَمَامٌ وَغَيْرُهُ. فَالْحَمَامَةُ فِيهَا شَاةٌ وَغَيْرُهَا إِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهَا جُثَّةً، كَالزُّرْزُورِ، وَالصَّعْوَةِ، وَالْبُلْبُلِ، وَالْقُبَّرَةِ، وَالْوَطْوَاطِ فَفِيهِ الْقِيمَةُ. وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنَ الْحَمَامِ أَوْ مِثْلَهُ فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْقَدِيمِ: الْوَاجِبُ الْقِيمَةِ. وَالثَّانِي: شَاةٌ، وَالْمُرَادُ بِالْحَمَامِ: كُلُّ مَا عَبَّ فِي الْمَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَشْرَبَهُ جَرْعًا، وَغَيْرُ الْحَمَامِ يَشْرَبُ قَطْرَةً قَطْرَةً. وَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَلَا حَاجَةَ فِي وَصْفِ الْحَمَامِ، إِلَى ذِكْرِ الْهَدِيرِ مَعَ الْعَبِّ؛ فَإِنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ. وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ عَلَى الْعَبِّ، وَيَدْخُلُ فِي اسْمِ الْحَمَامِ الْيَمَامُ الَّتِي تَأْلَفُ الْبُيُوتَ، وَالْقُمْرِيُّ، وَالْفَاخِتَةُ، وَالدُّبْسِيُّ، وَالْقَطَاةُ.

стр. 966

فَرْعٌ يُفْدَى الْكَبِيرُ مِنَ الصَّيْدِ بِالْكَبِيرِ مِنْ مِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، وَالصَّغِيرُ بِالصَّغِيرِ، وَالْمَرِيضُ بِالْمَرِيضِ، وَالْمَعِيبُ بِالْمَعِيبِ، إِذَا اتَّحَدَ جِنْسُ الْعَيْبِ، كَالْعَوَرِ وَالْعَوَرِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ، كَالْعَوَرِ وَالْجَرَبِ فَلَا. وَإِنْ كَانَ عَوَرُ أَحَدِهِمَا فِي الْيَمِينِ، وَالْآخَرُ فِي الْيَسَارِ، فَفِي إِجْزَائِهِ، وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: الْإِجْزَاءُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، لِتَقَارُبِهِمَا. وَلَوْ قَابَلَ الْمَرِيضَ بِالصَّحِيحِ، أَوِ الْمَعِيبَ بِالسَّلِيمِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ فَدَى الذَّكَرَ بِالْأُنْثَى، فَطُرُقٌ: أَصَحُّهَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: الْإِجْزَاءُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ أَرَادَ الذَّبْحَ لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ أَرَادَ التَّقْوِيمَ جَازَ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الْأُنْثَى أَكْثَرُ، وَلَحْمَ الذَّكَرِ أَطْيَبُ. وَالرَّابِعُ: إِنْ لَمْ تَلِدِ الْأُنْثَى جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. فَإِنْ جَوَّزْنَا الْأُنْثَى فَهَلْ هِيَ أَفْضَلُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: تَفْضِيلُ الذَّكَرِ؛ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ فَدَى الْأُنْثَى بِالذَّكَرِ فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْإِجْزَاءُ، وَصَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، وَجَدْتَهُمْ طَارِدِينَ الْخِلَافَ مَعَ نَقْصِ اللَّحْمِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْقُصِ اللَّحْمُ فِي الْقِيمَةِ وَلَا فِي الطِّيبِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ مِنْ هَذَيْنِ النَّقْصَيْنِ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 967

فَرْعٌ لَوْ قَتَلَ صَيْدًا حَامِلًا، قَابَلْنَاهُ بِمِثْلِهِ حَامِلًا. وَلَا يَذْبَحُ الْحَامِلَ، بَلْ يُقَوِّمُ الْمِثْلَ حَامِلًا وَيَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُ حَامِلٍ نَفِيسَةٍ بِقِيمَةِ حَامِلٍ وَسَطٍ، وَيَجْعَلُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا، كَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ صَيْدٍ حَامِلٍ، فَأَلْقَى جَنِينًا مَيِّتًا، نُظِرَ، إِنْ مَاتَتِ الْأُمُّ أَيْضًا، فَهُوَ كَقَتْلِ الْحَامِلِ، وَإِلَّا، ضَمِنَ مَا نَقَصَتِ الْأُمُّ، وَلَا يَضْمَنُ الْجَنِينَ، بِخِلَافِ جَنِينِ الْأَمَةِ، يُضْمَنُ بِعُشْرِ قِيمَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يُزِيدُ فِي قِيمَةِ الْبَهَائِمِ، وَيُنْقِصُ الْآدَمِيَّاتِ، فَلَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ التَّفَاوُتِ فِي الْآدَمِيِّاتِ، وَإِنْ أَلْقَتْ جَنِينًا حَيًّا، ثُمَّ مَاتَا، ضَمِنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ وَعَاشَتِ الْأُمُّ، ضَمِنَ الْوَلَدَ بِانْفِرَادٍ، وَضَمِنَ نَقْصَ الْأُمِّ. فَرْعٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : إِنْ جَرَحَ ظَبْيًا نَقَصَ عُشْرُ قِيمَتِهِ، فَعَلَيْهِ عُشْرُ قِيمَةِ شَاةٍ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ تَخْرِيجًا عَلَيْهِ: عُشْرُ شَاةٍ. قَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: الْحُكْمُ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ الْقِيمَةَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَجِدُ شَرِيكًا فِي ذَبْحِ شَاةٍ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى مَا هُوَ أَسْهَلُ، فَإِنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ. فَعَلَى هَذَا، هُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ أَخْرَجَ الْعُشْرَ، وَإِنْ شَاءَ صَرَفَ قِيمَتَهُ فِي طَعَامٍ وَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وَمِنْهُمْ مَنْ جَرَى عَلَى ظَاهِرِ النَّصِّ، وَقَالَ: الْوَاجِبُ عُشْرُ الْقِيمَةِ. وَجَعَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ: الْمَنْصُوصُ، وَتَخْرِيجُ الْمُزَنِيِّ. فَعَلَى هَذَا إِذَا قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ، فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: تَتَعَيَّنُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ. وَالثَّانِي، لَا تُجْزِئَهُ الدَّرَاهِمُ، بَلْ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ، أَوْ يَصُومُ.

стр. 968

وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ عُشْرِ الْمِثْلِ، وَبَيْنَ إِخْرَاجِ الدَّرَاهِمِ. وَالرَّابِعُ: إِنْ وَجَدَ شَرِيكًا فِي الدَّمِ، أَخْرَجَهُ وَلَمْ تُجْزِئْهُ الدَّرَاهِمُ، وَإِلَّا، أَجْزَأَتْهُ. هَذَا فِي الصَّيْدِ الْمِثْلِيِّ. وَأَمَّا غَيْرُ الْمِثْلِيِّ، فَالْوَاجِبُ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ قَطْعًا. قُلْتُ: لَوْ قَتَلَ نَعَامَةً فَأَرَادَ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْبَدَنَةِ إِلَى بَقَرَةٍ، أَوْ سَبْعِ شِيَاهٍ، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي «الْبَحْرِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ جَرَحَ صَيْدًا، فَانْدَمَلَ جُرْحُهُ وَصَارَ زَمِنًا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، كَمَا لَوْ أَزْمَنَ عَبْدًا، لَزِمَهُ كُلُّ قِيمَتِهِ. وَالثَّانِي: أَرْشُ النَّقْصِ. وَعَلَى هَذَا، يَجِبُ قِسْطٌ مِنَ الْمِثْلِ، أَوْ مِنْ قِيمَةِ الْمِثْلِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ. وَلَوْ جَاءَ مُحْرِمٌ آخَرُ، فَقَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، أَوْ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ زَمِنًا، وَيَبْقَى الْجَزَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ بِحَالِهِ. وَقِيلَ: إِنْ أَوْجَبْنَا جَزَاءً كَامِلًا، عَادَ هُنَا إِلَى قَدْرِ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ إِيجَابُ جَزَاءَيْنِ لِمُتْلِفٍ وَاحِدٍ. وَلَوْ عَادَ الْمُزْمِنُ فَقَتَلَهُ، نُظِرَ، إِنْ قَتَلَهُ قَبْلَ الِانْدِمَالِ، لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَيْ رَجُلٍ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَعَلَيْهِ دِيَةٌ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّ أَرْشَ الطَّرَفِ يَنْفَرِدُ عَنْ دِيَةِ النَّفْسِ، فَيَجِيءُ مِثْلُهُ هُنَا. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ بِحُكْمِهِ. فَفِي الْقَتْلِ جَزَاؤُهُ زَمِنًا، وَفِيمَا يَجِبُ بِالْإِزْمَانِ، الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا بِالْإِزْمَانِ جَزَاءً كَامِلًا، وَكَانَ لِلصَّيْدِ امْتِنَاعَانِ، كَالنَّعَامَةِ، تَمْتَنِعُ بِالْعَدْوِ وَبِالْجَنَاحِ، فَأُبْطِلُ أَحَدُ امْتِنَاعَيْهِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ، لِتَعَدُّدِ الِامْتِنَاعِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِاتِّحَادِ الْمُمْتَنِعِ. وَعَلَى هَذَا، فَمَا الْوَاجِبُ؟ قَالَ الْإِمَامُ: الْغَالِبُ عَلَى الظَّنِّ، أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا نَقَصَ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ النَّعَامَةِ فِي الْحَقِيقَةِ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالرِّجْلِ وَالْجَنَاحِ، فَالزَّائِلُ، بَعْضُ الِامْتِنَاعِ.

стр. 969

فَرْعٌ جَرَحَ صَيْدًا فَغَابَ، ثُمَّ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ بِجِرَاحَتِهِ أَمْ بِحَادِثٍ فَهَلْ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ كَامِلٌ، أَمْ أَرْشُ الْجُرْحِ فَقَطْ؟ قَوْلَانِ. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا اشْتَرَكَ مُحْرِمُونَ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، حَرَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، لَزِمَهُمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَلَوْ قَتَلَ الْقَارِنُ صَيْدًا، لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَكَذَا لَوِ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا آخَرَ، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَوِ اشْتَرَكَ مُحْرِمٌ وَحَلَالٌ فِي قَتْلِ صَيْدٍ، لَزِمَ الْمُحْرِمَ نِصْفُ الْجَزَاءِ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْحَلَالِ. فَرْعٌ قَدْ سَبَقَ، أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ أَكْلُ الصَّيْدِ الَّذِي ذَبَحَهُ، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَكْلُ مَا اصْطَادَهُ لَهُ حَلَالٌ، أَوْ بِإِعَانَتِهِ، أَوْ بِدَلَالَتِهِ بِلَا خِلَافٍ. فَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ. وَالْقَدِيمُ: يَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ. وَلَوْ أَكَلَ الْمُحْرِمُ مَا ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ لِأَكْلِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ شَيْءٌ آخَرُ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَا يَلْزَمُهُ فِي أَكْلِ صَيْدِ الْمُحْرِمِ بَعْدَ الذَّبْحِ شَيْءٌ آخَرُ.

стр. 970

فَرْعٌ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَكْلُ صَيْدٍ ذَبَحَهُ الْحَلَالُ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لَهُ، وَلَا [كَانَ] بِدَلَالَتِهِ أَوْ إِعَانَتِهِ، وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ قَطْعًا. فَصْلٌ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ. وَبَيَانُ الْمُحْرِمِ مِنْهُ وَمَا يَجِبُ بِهِ الْجَزَاءُ وَقَدْرُ الْجَزَاءِ، يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي صَيْدِ الْإِحْرَامِ. وَلَوْ أَدْخَلَ حَلَالٌ الْحَرَمَ صَيْدًا مَمْلُوكًا، كَانَ لَهُ إِمْسَاكُهُ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ كَالنَّعَمِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدُ حِلٍ. وَلَوْ رَمَى مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، أَوْ مِنَ الْحَرَمِ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، أَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الصُّورَتَيْنِ، أَوْ رَمَى صَيْدًا بَعْضُهُ فِي الْحِلِّ وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ - وَالِاعْتِبَارُ بِقَوَائِمِهِ لَا بِالرَّأْسِ - أَوْ رَمَى حَلَالٌ إِلَى صَيْدٍ فَأَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ، أَوْ رَمَى مُحْرِمٌ إِلَيْهِ، فَتَحَلَّلَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ فِي كُلِّ ذَلِكَ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ، فِيمَا إِذَا كَانَ بَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ، هُوَ الْأَصَحُّ. وَذَكَرَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: لَا يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ حَرَمِيًّا. وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُ فِي الْحِلِّ، فَلَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ، ضَمِنَهُ، وَإِنْ كَانَ عَكْسُهُ، فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 971

وَلَوْ رَمَى مِنَ الْحِلِّ صَيْدًا فِي الْحِلِّ، فَقَطَعَ السَّهْمُ فِي مُرُورِهِ هَوَاءَ الْحَرَمِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَضْمَنُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا فِي الْحِلِّ عَلَى صَيْدٍ فِي الْحِلِّ، فَتَخَطَّى طَرَفَ الْحَرَمِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ. وَأَصَحُّهُمَا: يَضْمَنُ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ؛ لِأَنَّ لِلْكَلْبِ اخْتِيَارًا، بِخِلَافِ السَّهْمِ. وَلِهَذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: لَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَعَدَا الصَّيْدُ، فَدَخَلَ الْحَرَمَ، فَأَصَابَهُ السَّهْمُ، وَجَبَ الضَّمَانُ. وَبِمِثْلِهِ، لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، لَا يَجِبُ. وَلَوْ رَمَى صَيْدًا فِي الْحِلِّ فَلَمْ يُصِبْهُ، وَأَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ، وَجَبَ الضَّمَانُ. وَبِمِثْلِهِ لَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا، لَا يَجِبُ. ثُمَّ فِي مَسْأَلَةِ إِرْسَالِ الْكَلْبِ وَتَخَطِّيهِ طَرَفَ الْحَرَمِ، إِنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا كَانَ لِلصَّيْدِ مَفَرٌّ آخَرُ. فَأَمَّا إِذَا تَعَيَّنَ دُخُولُهُ الْحَرَمَ عِنْدَ الْهَرَبِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ قَطْعًا، سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْسِلُ عَالِمًا بِالْحَالِ، أَوْ جَاهِلًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ الْجَاهِلُ. فَرْعٌ لَوْ أَخَذَ حَمَامَةً فِي الْحِلِّ، أَوْ أَتْلَفَهَا، فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحَرَمِ، ضَمِنَهُ، وَلَا يَضْمَنُهَا. وَلَوْ أَخَذَ الْحَمَامَةَ مِنَ الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَهَا، فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الْحِلِّ، ضَمِنَ الْحَمَامَةَ وَالْفَرْخَ جَمِيعًا، كَمَا لَوْ رَمَى مِنَ الْحَرَمِ إِلَى الْحِلِّ. وَلَوْ نَفَّرَ صَيْدًا حَرَمِيًّا، عَامِدًا، أَوْ غَيْرَ عَامِدٍ، تَعَرَّضَ لِلضَّمَانِ. حَتَّى لَوْ مَاتَ بِسَبَبِ التَّنْفِيرِ بِصَدْمَةٍ، أَوْ أَخْذِ سَبْعٍ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْحِلَّ فَقَتَلَهُ حَلَالٌ، فَعَلَى الْمُنَفِّرِ الضَّمَانُ. بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ مُحْرِمٌ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ عَلَيْهِ، تَقْدِيمًا لِلْمُبَاشَرَةِ.

стр. 972

فَرْعٌ لَوْ دَخَلَ الْكَافِرُ الْحَرَمَ، وَقَتَلَ صَيْدًا، لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» : يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ. فَصْلٌ قَطْعُ نَبَاتِ الْحَرَمِ حَرَامٌ، كَاصْطِيَادِ صَيْدِهِ. وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ الضَّمَانُ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ. وَالْقَدِيمُ: لَا. ثُمَّ النَّبَاتُ: شَجَرٌ وَغَيْرُهُ. أَمَّا الشَّجَرُ، فَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ بِالْقَلْعِ وَالْقَطْعِ لِكُلِّ شَجَرٍ رَطْبٍ غَيْرِ مُؤْذٍ حَرَمِيٍّ. فَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الرَّطْبِ الْيَابِسُ، فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّ صَيْدًا مَيِّتًا نِصْفَيْنِ. وَبِقَيْدٍ غَيْرِ مُؤْذٍ: الْعَوْسَجُ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، فَإِنَّهَا كَالْحَيَوَانِ الْمُؤْذِي، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِهَا ضَمَانٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَفِي وَجْهٍ اخْتَارَهُ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَيُخَالِفُ الْحَيَوَانَ، فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِالْأَذِيَّةِ. وَيَخْرُجُ بِقَيْدِ الْحَرَمِيِّ أَشْجَارُ الْحِلِّ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْلَعَ شَجَرَةً مِنْ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى الْحِلِّ، مُحَافَظَةً عَلَى حُرْمَتِهَا. وَلَوْ نَقَلَ، فَعَلَيْهِ رَدُّهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَلَ مِنْ بُقْعَةٍ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى أُخْرَى، لَا يُؤْمَرُ بِالرَّدِّ. وَسَوَاءً نَقَلَ أَشْجَارَ الْحَرَمِ، أَوْ أَغْصَانَهَا، إِلَى الْحِلِّ، أَوْ إِلَى الْحَرَمِ، يُنْظَرُ، إِنْ يَبِسَتْ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ. وَإِنْ نَبَتَتْ فِي الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، فَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَلَعَهَا قَالِعٌ، لَزِمَهُ الْجَزَاءُ إِبْقَاءً لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ. وَلَوْ قَلَعَ شَجَرَةً مِنَ الْحِلِّ وَغَرَسَهَا فِي الْحَرَمِ فَنَبَتَتْ، لَمْ يَثْبُتْ لَهَا حُكْمُ الْحَرَمِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ يَدْخُلُ الْحَرَمَ، فَيَجِبُ الْجَزَاءُ بِالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ لَيْسَ بِأَصْلٍ ثَابِتٍ، فَاعْتَبَرَ مَكَانَهُ. وَالشَّجَرُ أَصْلٌ ثَابِتٌ، فَلَهُ حُكْمُ مَنْبَتِهِ.

стр. 973

حَتَّى لَوْ كَانَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ فِي الْحَرَمِ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحِلِّ، فَقَطَعَ مِنْ أَغْصَانِهَا شَيْئًا، وَجَبَ الضَّمَانُ لِلْغُصْنِ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ، فَلَا ضَمَانَ. وَعَكْسُهُ: لَوْ كَانَ أَصْلُهَا فِي الْحِلِّ، وَأَغْصَانُهَا فِي الْحَرَمِ، فَقَطَعَ غُصْنًا مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَأَخْذَهُ، لَزِمَهُ ضَمَانُهُ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : لَوْ كَانَ بَعْضُ أَصْلِ الشَّجَرَةِ فِي الْحِلِّ، وَبَعْضُهُ فِي الْحَرَمِ، فَلِجَمِيعِهَا حُكْمُ الْحَرَمِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَوِ انْتَشَرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ الْحَرَمِيَّةِ، وَمَنَعَتِ النَّاسَ الطَّرِيقَ، أَوْ آذَتْهُمْ، جَازَ قَطْعُ الْمُؤْذِي مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا أَخَذَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ حَرَمِيَّةٍ، وَلَمْ يُخْلِفْ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النُّقْصَانِ، وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ جَرْحِ الصَّيْدِ. وَإِنْ أَخْلَفَ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِكَوْنِ الْغُصْنِ لَطِيفًا، كَالسِّوَاكِ، وَغَيْرِهِ، فَلَا ضَمَانَ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَنَبَتَ وَكَانَ الْمَقْطُوعُ مِثْلَهُ، فَفِي سُقُوطِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ، كَالْقَوْلَيْنِ فِي السِّنِّ إِذَا نَبَتَ بَعْدَ الْقَلْعِ. فَرْعٌ يَجُوزُ أَخْذُ أَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ، لَكِنْ لَا يَخْبِطُهَا، مَخَافَةً مِنْ أَنْ يُصِيبَ قُشُورَهَا. فَرْعٌ يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِبَقَرَةٍ، وَإِنْ شَاءَ بِبَدَنَةٍ، وَمَا دُونَهَا بِشَاةٍ، وَالْمَضْمُونَةُ

стр. 974

بِشَاةٍ مَا كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْ سُبْعِ الْكَبِيرَةِ، فَإِنْ صَغُرَتْ جِدًّا، فَالْوَاجِبُ الْقِيمَةُ. ثُمَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى التَّعْدِيلِ وَالتَّخْيِيرِ كَالصَّيْدِ. فَرْعٌ هَلْ يَعُمُّ التَّحْرِيمُ وَالضَّمَانُ مِنَ الْأَشْجَارِ، مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَمَا يَسْتَنْبِتُ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ: التَّعْمِيمُ. وَالثَّانِي: التَّخْصِيصُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالتَّعْمِيمِ. فَإِذَا قُلْنَا: بِالتَّخْصِيصِ زَادَ قَيْدٌ آخَرُ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّجَرِ مِمَّا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ. وَعَلَى هَذَا، يَحْرُمُ الْأَرَاكُ وَالطَّرْفَاءُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْجَارِ الْبَوَادِي. وَأَدْرَجَ الْإِمَامُ فِيهِ الْعَوْسَجَ، لَكِنَّهُ ذُو شَوْكٍ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَلَا تَحْرُمُ الْمُسْتَنْبَتَاتُ مُثْمِرَةً كَانَتْ، كَالنَّخْلِ وَالْعِنَبِ، أَوْ غَيْرَ مُثْمِرَةٍ، كَالْخِلَافِ. وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنْبَتُ أَوْ عَكْسُهُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْجِنْسِ، فَيَجِبُ الضَّمَانُ فِي الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِالْقَصْدِ، فَيَنْعَكِسُ. أَمَّا غَيْرُ الْأَشْجَارِ، فَكَلَأُ الْحَرَمِ يَحْرُمُ قَطْعُهُ. فَإِنْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الْقِيمَةُ، إِنْ لَمْ يُخْلِفْ. فَإِنْ أَخْلَفَ، فَلَا قِيمَةَ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ هُنَا الْإِخْلَافُ كَسِنِّ الصَّبِيِّ. فَلَوْ كَانَ يَابِسًا، فَلَا شَيْءَ فِي قَطْعِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الشَّجَرِ. فَلَوْ قَلَعَهُ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْلَعْ، لَنَبَتَ ثَانِيًا، ذَكَرَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَيَجُوزُ تَسْرِيحُ الْبَهَائِمِ فِي حَشِيشِهِ لِتَرْعَى. وَلَوْ أُخِذَ الْحَشِيشُ لِعَلْفِ الْبَهَائِمِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمَنْعِ، الْإِذْخِرُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِحَاجَةِ السُّقُوفِ وَغَيْرِهَا، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِ الْحَرَمِ لِلدَّوَاءِ، جَازَ قَطْعُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.

стр. 975

فَرْعٌ يُكْرَهُ نَقْلُ تُرَابِ الْحَرَمِ وَأَحْجَارِهِ إِلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ، وَلَا يُكْرَهُ نَقْلُ مَاءِ زَمْزَمِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانٍ: وَلَا يَجُوزُ قَطْعُ شَيْءٍ مِنْ سِتْرِ الْكَعْبَةِ، وَنَقْلُهُ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، خِلَافَ مَا تَفْعَلُهُ الْعَامَّةُ، يَشْتَرُونَهُ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعُوهُ فِي أَوْرَاقِ الْمَصَاحِفِ. وَمَنْ حَمَلَ مِنْهُ شَيْئًا، لَزِمَهُ رَدُّهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ تُرَابِ الْحَرَمِ، وَلَا أَحْجَارِهِ إِلَى الْحِلِّ. وَيُكْرَهُ إِدْخَالُ تُرَابِ الْحِلِّ وَأَحْجَارِهِ الْحَرَمَ. وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَأَمَّا سِتْرُ الْكَعْبَةِ، فَقَدْ قَالَ الْحَلِيمِيُّ، ﵀، أَيْضًا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ. وَقَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ [﵀] بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ ابْنِ عَبْدَانَ وَالْحَلِيمِيِّ: الْأَمْرُ فِيهَا إِلَى الْإِمَامِ، يَصْرِفُهَا فِي بَعْضِ مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعًا وَعَطَاءً، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ الْأَزْرَقِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ «مَكَّةَ» : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، كَانَ يَنْزِعُ كُسْوَةَ الْبَيْتِ كُلَّ سَنَةٍ، فَيُقَسِّمُهَا عَلَى الْحَاجِّ. وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّيْخُ حَسَنٌ مُتَعَيَّنٌ، لِئَلَّا يُتْلَفَ بِالْبِلَى، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ [﵃] قَالُوا: وَيُلْبِسُهَا مَنْ صَارَتْ إِلَيْهِ مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ طِيبِ الْكَعْبَةِ، فَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ، أَتَى بِطِيبٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَسَحَهَا بِهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ لَا يَتَعَرَّضُ لِصَيْدِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ وَشَجَرِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحُكِيَ قَوْلٌ

стр. 976

وُوَجْهٌ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ. فَإِذَا حَرَّمْنَاهُ، فَفِي الضَّمَانِ قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: لَا يَضْمَنُ. وَالْقَدِيمُ: يَضْمَنُ. وَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: كَحَرَمِ مَكَّةَ. وَأَصَحُّهُمَا: أَخْذُ سَلْبِ الصَّائِدِ وَقَاطِعِ الشَّجَرِ. وَفِي الْمُرَادِ بِالسَّلْبِ: وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: كَسَلْبِ الْقَتِيلِ مِنَ الْكُفَّارِ. وَالثَّانِي: ثِيَابُهُ فَقَطْ. وَفِي مَصْرِفِهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لِلسَّالِبِ كَالْقَتِيلِ. وَالثَّانِي: لِفُقَرَاءِ الْمَدِينَةِ. وَالثَّالِثُ: لِبَيْتِ الْمَالِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ، وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يُسْلَبُ إِذَا اصْطَادَ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِتْلَافُ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا أَدْرِي أَيُسْلَبُ إِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، أَمْ لَا يُسْلَبُ حَتَّى يُتْلِفَهُ؟ قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» وَجْهَيْنِ: فِي أَنَّهُ هَلْ يَتْرُكُ لِلْمَسْلُوبِ مِنْ ثِيَابِهِ مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ؟ وَاخْتَارَ: أَنَّهُ يَتْرُكُ، وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبِ «الْحَاوِي» ، وَهُوَ الْأَصْوَبُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَجٌّ: وَادٍ بِصَحْرَاءِ الطَّائِفِ، وَصَيْدُهُ حَرَامٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي تَحْرِيمِهِ وَكَرَاهَتِهِ خِلَافٌ. فَعَلَى التَّحْرِيمِ، قِيلَ: حُكْمُهُ فِي الضَّمَانِ كَحَرَمِ الْمَدِينَةِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» وَالْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا ضَمَّ فِيهِ قَطْعًا. فَصْلٌ النَّقِيعُ - بِالنُّونِ وَقِيلَ: بِالْبَاءِ - لَيْسَ بِحَرَمٍ، وَلَكِنْ حَمَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ، فَلَا يَحْرُمُ صَيْدُهُ، لَكِنْ لَا تُمْلَكُ أَشْجَارُهُ وَلَا حَشِيشُهُ.

стр. 977

وَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِمَا عَلَى مُتْلِفِهِمَا، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَصَيْدِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ. فَعَلَى هَذَا، ضَمَانُهُمَا بِالْقِيمَةِ، وَمَصْرِفُهُمَا مَصْرِفُ نَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَصْرِفُهُ بَيْتَ الْمَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ الْمَحْظُورَاتُ، تَنْقَسِمُ إِلَى اسْتِهْلَاكٍ، كَالْحَلْقِ، وَإِلَى اسْتِمْتَاعٍ، كَالطِّيبِ. وَإِذَا بَاشَرَ مَحْظُورَيْنِ. فَلَهُ أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا اسْتِهْلَاكًا، وَالْآخَرُ اسْتِمْتَاعًا، فَيَنْظُرُ، إِنْ لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَحَلْقِ الرَّأْسِ، وَلِبْسِ الْقَمِيصِ، تَعَدَّدَتِ الْفِدْيَةُ كَالْحُدُودِ الْمُخْتَلِفَةِ. وَإِنِ اسْتَنَدَ إِلَى سَبَبٍ، كَمَنْ أَصَابَتْ رَأَسَهُ شَجَّةٌ وَاحْتَاجَ إِلَى حَلْقِ جَوَانِبِهَا وَسَتْرِهَا بِضِمَادٍ فِيهِ طِيبٌ، تَعَدَّدَتْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: تَتَدَاخَلُ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَا اسْتِهْلَاكًا، وَهَذَا ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَهُوَ الصَّيُودُ فَتَعَدُّدُ الْفِدْيَةِ، سَوَاءً فَدَى عَنِ الْأَوَّلِ، أَمْ لَا، اتَّحَدَ الْمَكَانُ، أَوِ اخْتَلَفَ، وَالَى بَيْنَهُمَا أَوْ فَرَّقَ، كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مِمَّا يُقَابَلُ بِمِثْلِهِ، وَالْآخَرُ لَيْسَ مُقَابَلًا، كَالصَّيْدِ وَالْحَلْقِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ بِلَا خِلَافٍ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُقَابَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَيَنْظُرُ، إِنِ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا، كَالْحَلْقِ وَالْقَلَمِ، تَعَدَّدَتْ، سَوَاءً فَرَّقَ أَوْ وَالَى فِي مَكَانٍ أَوْ مَكَانَيْنِ، بِفِعْلَيْنِ أَمْ بِفِعْلٍ، كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِدْيَتَانِ. وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ.

стр. 978

قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا وَطَلَى رَأْسَهُ بِطِيبٍ سَتَرَهُ بِكَفَّيْهِ، [فَعَلَيْهِ] فَدِيَةٌ وَاحِدَةٌ، لِاتِّحَادِ الْفِعْلِ وَتَبَعِيَّةِ الطِّيبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، بِأَنْ حَلَقَ فَقَطْ، فَقَدْ سَبَقَ، أَنَّ حَلْقَ ثَلَاثِ شَعْرَاتٍ، فِيهِ فِدْيَةٌ كَامِلَةٌ. وَلَوْ حَلَقَ جَمِيعَ الرَّأْسِ دُفْعَةً فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَفِدْيَةٌ فَقَطْ. وَلَوْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مُتَوَاصِلًا، فَفِدْيَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: فِدْيَتَانِ. وَلَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي مَكَانَيْنِ أَوْ مَكَانٍ، فِي زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ، فَالْمَذْهَبُ: التَّعَدُّدُ. وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ نَوْعُ الِاسْتِمْتَاعِ، وَاخْتَلَفَ الْمَكَانُ أَوِ الزَّمَانُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعْرَاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ، أَوْ ثَلَاثَةِ أَزْمِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: كُلُّ شَعْرَةٍ تُقَابَلُ بِثُلُثِ دَمٍ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَلْقِهَا دُفْعَةً أَوْ دُفْعَاتٍ. وَإِنْ قُلْنَا: الشَّعْرَةُ بِمُدٍّ أَوْ دِرْهَمٍ، وَالشَّعْرَتَانِ بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، بُنِيَ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الْآنَ. فَإِنْ لَمْ نُعَدِّدِ الْفِدْيَةَ فِيمَا إِذَا حَلَقَ الرَّأْسَ فِي دُفْعَاتٍ، وَلَمْ نَجْعَلْ لِتُفَرُّقِ الزَّمَانِ أَثَرًا، فَالْوَاجِبُ دَمٌ. وَإِنْ عَدَّدْنَا وَجَعَلْنَا التَّفْرِيقَ مُؤَثِّرًا، قَطَعْنَا حُكْمَ كُلِّ شَعْرَةٍ عَنِ الْأُخْرَيَيْنِ، وَأَوْجَبْنَا ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ فِي قَوْلٍ، وَثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي قَوْلٍ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ اسْتِمْتَاعًا. فَإِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، بِأَنْ تَطَيَّبَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الطِّيبِ، أَوْ لَبِسَ أَنْوَاعًا، كَالْعِمَامَةِ، وَالْقَمِيصِ، وَالسَّرَاوِيلِ، وَالْخُفِّ، أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، نُظِرَ، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ عَلَى التَّوَالِي، لَمْ تَتَعَدَّدِ الْفِدْيَةُ، وَلَا يَقْدَحْ فِي التَّوَالِي طُولَ الزَّمَانِ فِي مُضَاعَفَةِ الْقُمُصِ وَتَكْوِيرِ الْعِمَامَةِ. وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَكَانَيْنِ، أَوْ مَكَانٍ، وَتَخَلَّلَ زَمَانٌ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَتَخَلَّلِ التَّكْفِيرُ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: يَجِبُ لِلثَّانِي فِدْيَةٌ أُخْرَى. وَالْقَدِيمُ: يَتَدَاخَلُ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ فَجَمَعَهُمَا سَبَبٌ وَاحِدٌ، بِأَنْ تَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ مِرَارًا لِمَرَضٍ وَاحِدٍ، فَوَجْهَانِ.

стр. 979

أَصَحُّهُمَا: التَّعَدُّدُ. وَإِنْ تَحَلَّلَ، وَجَبَتْ فِدْيَةٌ أُخْرَى بِلَا خِلَافٍ. فَإِنْ [كَانَ] نَوَى بِمَا أَخْرَجَهُ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلُ جَمِيعًا، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَنْثِ الْمَحْظُورِ. إِنْ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ، فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ النِّيَّةِ. وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفِدْيَةَ كَالْكَفَّارَةِ فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ، فَلَا يَلْزَمُهُ لِلثَّانِي شَيْءٌ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ. أَمَّا إِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعُ، بِأَنْ لَبِسَ وَتَطَيَّبَ، فَالْأَصَحُّ: التَّعَدُّدُ، وَإِنِ اتَّحَدَ الزَّمَانُ، وَالْمَكَانُ، وَالسَّبَبُ. وَالثَّانِي: التَّدَاخُلُ. وَالثَّالِثُ: إِنِ اتَّحَدَ السَّبَبُ، تَدَاخَلَ، وَإِلَّا فَلَا. هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْجِمَاعِ، فَإِنْ تَكَرَّرَ الْجِمَاعُ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ. قُلْتُ: لَا يَتَعَدَّدُ الْجَزَاءُ، بِتَعَدُّدِ جِهَةِ التَّحْرِيمِ إِذَا اتَّحَدَ الْفِعْلُ كَمَا سَبَقَ فِي مُحْرِمٍ قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا وَأَكَلَهُ، لَزِمَهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ. وَلَوْ بَاشَرَ امْرَأَتَهُ مُبَاشَرَةً تُوجِبُ شَاةً لَوِ انْفَرَدَتْ، ثُمَّ جَامَعَهَا، فَفِي وَجْهٍ: يَكْفِيهِ الْبَدَنَةُ عَنْهُمَا. وَوَجْهٌ: تَجِبُ شَاةٌ وَبَدَنَةٌ. وَوَجْهٌ: إِنْ قَصَدَ بِالْمُبَاشِرَةِ الشُّرُوعَ فِي الْجِمَاعِ، فَبَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَشَاةٌ وَبَدَنَةٌ. وَوَجْهٌ: إِنْ طَالَ الْفَصْلُ، فَشَاةٌ وَبَدَنَةٌ، وَإِلَّا فَبَدَنَةٌ. وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابُ مَوَانِعِ إِتْمَامِ الْحَجِّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ هِيَ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ. الْأَوَّلُ: الْإِحْصَارُ، فَإِذَا أَحْصَرَ الْعَدُوُّ الْمُحْرِمِينَ عَنِ الْمُضِيِّ فِي الْحَجِّ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَتَحَلَّلُوا. فَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا، فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُعَجَّلَ التَّحَلُّلُ، فَرُبَّمَا زَالَ الْمَنْعُ فَأُتِمَّ الْحَجُّ. وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ ضَيِّقًا، فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُ التَّحَلُّلِ، لِئَلَّا يَفُوتَ الْحَجُّ. وَيَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ بِالْعُمْرَةِ، التَّحَلُّلُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ. وَلَوْ

стр. 980

مُنِعُوا وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ الْمُضِيِّ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ، فَلَهُمُ التَّحَلُّلُ، وَلَا يَبْذِلُونَ الْمَالَ وَإِنْ قَلَّ، بَلْ يُكْرَهُ الْبَذْلُ إِنْ كَانَ الطَّالِبُونَ كُفَّارًا، لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّغَارِ. وَإِنِ احْتَاجُوا إِلَى قِتَالٍ لِيَسِيرُوا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْمَانِعُونَ مُسْلِمِينَ، فَلَهُمُ التَّحَلُّلُ، وَلَا يَلْزَمُهُمُ الْقِتَالُ وَإِنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا، فَقِيلَ: يَلْزَمُهُمْ قِتَالُهُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ، بَلْ شَرْطُهُ وِجْدَانُهُمُ السِّلَاحَ، وَأُهْبَةَ الْقِتَالِ. فَإِنْ وَجَدُوا، فَلَا سَبِيلَ إِلَى التَّحَلُّلِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِتَالُ، وَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْ كَافِرَيْنَ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ، نُصْرَةً لِلْإِسْلَامِ، وَإِتْمَامًا لِلْحَجِّ. وَإِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَتَحَلَّلُوا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ لَوْ قَاتَلُوا، فَلَهُمْ لِبْسُ الدُّرُوعِ وَالْمَغَافِرِ، وَعَلَيْهِمِ الْفِدْيَةُ كَمَنْ لَبِسَ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ. فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَوَازِ التَّحَلُّلِ بِلَا خِلَافٍ، هُوَ فِيمَا إِذَا مَنَعُوا الْمُضِيَّ، دُونَ الرُّجُوعِ. فَأَمَّا لَوْ أَحَاطَ بِهِمُ الْعَدُوُّ مِنَ الْجَوَانِبِ كُلِّهَا، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: جَوَازُ التَّحَلُّلِ أَيْضًا. وَالثَّانِي: لَا، إِذْ لَا يَحْصُلُ بِهِ أَمْنٌ. فَصْلٌ لَيْسَ لِلْمُحْرِمِ التَّحَلُّلُ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، بَلْ يَصْبِرُ حَتَّى يَبْرَأَ. فَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ، أَتَمَّهَا. وَإِنْ كَانَ بِحَجٍّ وَفَاتَهُ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ الْمَرَضِ، بِخِلَافِ الْمُحْصَرِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَشْرِطِ التَّحَلُّلَ بِالْمَرَضِ. فَإِنْ شَرَطَ أَنَّهُ إِذَا مَرِضَ تَحَلَّلَ، فَطَرِيقَانِ. قَالَ الْجُمْهُورُ: يَصِحُّ الشَّرْطُ

стр. 981

فِي الْقَدِيمِ. وَفِي الْجَدِيدِ: قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الصِّحَّةُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ. وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ لِغَرَضٍ آخَرَ، كَضَلَالِ الطَّرِيقِ. وَفَرَاغِ النَّفَقَةِ، وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا وَحَيْثُ صَحَّحْنَا الشَّرْطَ، فَتَحَلَّلَ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ، لَزِمَهُ الْهَدْيُ. وَإِنْ كَانَ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا هَدْيٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْهَدْيُ. وَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ، فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ شَرْطِ التَّحَلُّلِ، وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: إِذَا مَرِضْتُ، فَأَنَا حَلَالٌ، فَيَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنَ التَّحَلُّلِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الْمَنْصُوصُ: الْأَوَّلُ. فَصْلٌ يَلْزَمُ مَنْ تَحَلَّلَ بِالْإِحْصَارِ، دَمُ شَاةٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ مِنْهُ شَرْطٌ. فَإِنْ كَانَ شَرَطَ عِنْدَ إِحْرَامِهِ، أَنَّهُ يَتَحَلَّلُ إِذَا أُحْصِرَ، فَفِي تَأْثِيرِ هَذَا الشَّرْطِ فِي إِسْقَاطِ الدَّمِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ تَحَلَّلَ بِشَرْطِ الْمَرَضِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ بِلَا شَرْطٍ، فَشَرْطُهُ لَاغٍ. فَرْعٌ اخْتَلَفَ الْقَوْلُ فِي أَنَّ دَمَ الْإِحْصَارِ، هَلْ لَهُ بَدَلٌ وَمَا بَدَلُهُ؟ وَهُوَ عَلَى

стр. 982

التَّرْتِيبِ، أَمِ التَّخْيِيرِ؟ وَسَيَأْتِي إِيضَاحُ هَذَا كُلِّهِ فِي الْبَابِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ، وَكَانَ وَاجِدًا لِدَمٍ، ذَبَحَهُ، وَنَوَى التَّحَلُّلَ عِنْدَهُ. وَإِنَّمَا اشْتُرِطَتِ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّ الذَّبْحَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّحَلُّلِ وَلِغَيْرِهِ، فَيَشْتَرِطُ قَصْدَ صَارِفٍ. وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ لِإِعْسَارِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهَلْ يَتَحَلَّلُ فِي الْحَالِ، أَمْ يَتَوَقَّفُ التَّحَلُّلُ عَلَى وُجُودِهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: التَّحَلُّلُ فِي الْحَالِ، وَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ التَّحَلُّلِ. وَهَلْ يَجِبُ الْحَلْقُ؟ إِنْ قُلْنَا: هُوَ نُسُكٌ، فَنَعَمْ، وَإِلَّا، فَلَا. وَالْحَاصِلُ: أَنَّا إِنِ اعْتَبَرْنَا الذَّبْحَ وَالْحَلْقَ مَعَ النِّيَّةِ، فَالتَّحَلُّلُ بِالثَّلَاثَةِ. وَإِنْ لَمْ نَعْتَبِرِ الذَّبْحَ، حَصَلَ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْحَلْقِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا عَلَى الْآخَرِ، وَهُوَ قَوْلُنَا: الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ. وَإِنْ قُلْنَا: لِدَمِ الْإِحْصَارِ بَدَلٌ، فَإِنْ كَانَ يُطْعَمُ، تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَيْهِ، كَتَوَقُّفِهِ عَلَى الذَّبْحِ. وَإِنْ كَانَ يَصُومُ، فَكَذَلِكَ مَعَ تَرَتُّبِ الْخِلَافِ. وَمَنْعُ التَّوَقُّفِ هُنَا أَوْلَى لِلْمَشَقَّةِ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْإِحْرَامِ، لِطُولِ مُدَّةِ الصَّوْمِ. فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ بَعْثُ دَمِ الْإِحْصَارِ إِلَى الْحَرَمِ، بَلْ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَيَتَحَلَّلُ، وَكَذَا مَا لَزِمَهُ مِنْ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ قَبْلَ الْإِحْصَارِ، وَمَا مَعَهُ مِنْ هَدْيٍ، وَيُفَرِّقُ لُحُومَهَا عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. هَذَا إِنْ صُدَّ عَنِ الْحَرَمِ. فَإِنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ دُونَ أَطْرَافِ الْحَرَمِ، فَهَلْ لَهُ الذَّبْحُ فِي الْحِلِّ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ. الْمَانِعُ الثَّانِي: الْحَصْرُ الْخَاصُّ الَّذِي يَتَّفِقُ لِوَاحِدٍ، أَوْ شِرْذِمَةٍ مِنَ الرُّفْقَةِ. فَيَنْظُرُ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْرِمُ مَعْذُورًا فِيهِ، كَمَنْ حُبِسَ فِي دَيْنٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ وَيَمْضِيَ فِي حَجِّهِ. فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فِي الْحَبْسِ، لَزِمَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ وَيَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ. وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، كَمَنْ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا، أَوْ بِدَيْنٍ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَائِهِ، جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَقَالَ الْمَرَاوِزَةُ: فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ.

стр. 983

الْمَانِعُ الثَّالِثُ: الرِّقُّ. فَإِحْرَامُ الْعَبْدِ يَنْعَقِدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ. فَإِنْ أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ، سَوَاءً بَقِيَ نُسُكُهُ صَحِيحًا أَوْ أَفْسَدَهُ. وَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ، وَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ جَهِلَ إِحْرَامَهُ، فَإِنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي إِتْمَامِ نُسُكِهِ. فَإِنْ حَلَّلَهُ، جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ بِالشُّرُوعِ، تَخْرِيجًا مِنْ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الزَّوْجَةِ إِذَا أَحْرَمَتْ بِحَجِّ التَّطَوُّعِ، وَهَذَا شَاذٌّ مُنْكَرٌ. قُلْتُ: قَالَ الْجُرْجَانِيُّ فِي الْمُعَايَاةِ: وَلَوْ بَاعَهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَلِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ كَالْبَائِعِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ. فَإِنْ رَجَعَ وَلَمْ يَعْلَمِ الْعَبْدُ، فَأَحْرَمَ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي الْعُمْرَةِ، فَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ تَحْلِيلُهُ. قَالَهُ فِي «التَّهْذِيبِ» . وَظَنِّيٌّ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ عَنِ الْخِلَافِ. قُلْتُ: ذَكَرَ الدَّارِمِيُّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَجْهَيْنِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ قَوْلُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَذِنَ لَهُ فِي التَّمَتُّعِ، فَلَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْحَجِّ بَعْدَ تَحَلُّلِهِ مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيلُهُ عَنِ الْعُمْرَةِ، وَلَا عَنِ الْحَجِّ، بَعْدَ الشُّرُوعِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي الْحَجِّ أَوِ التَّمَتُّعِ، فَقَرَنَ، لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُ. وَلَوْ أَذِنَ أَنْ يُحْرِمَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَأَحْرَمَ فِي شَوَّالٍ، فَلَهُ تَحْلِيلُهُ قَبْلَ دُخُولِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَبَعْدَ دُخُولِهِ، فَلَا. وَإِذَا أَفْسَدَ الْعَبْدُ حَجَّهُ بِالْجِمَاعِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ. وَهَلْ يُجْزِئُهُ الْقَضَاءُ فِي الرِّقِّ؟ فِيهِ قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الصَّبِيِّ: فَإِنْ قُلْنَا: يُجْزِئُ، لَمْ يُلْزَمُ السَّيِّدُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَكُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، كَاللِّبَاسِ، وَالصَّيْدِ، أَوْ بِالْفَوَاتِ، لَمْ يُلْزَمِ السَّيِّدُ بِحَالٍ سَوَاءً أَحَرَمَ بِإِذْنِهِ أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ

стр. 984

ثُمَّ الْعَبْدُ، لَا مِلْكَ لَهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ بِذَبْحٍ. فَإِنْ مَلَكَهُ السَّيِّدُ، فَعَلَى الْقَدِيمِ: يَمْلِكُ، فَيَلْزَمُ إِخْرَاجُهُ. وَعَلَى الْجَدِيدِ، لَا يَمْلِكُ، فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، وَلِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْهُ فِي حَالِ الرِّقِّ إِنْ كَانَ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَكَذَا بِإِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِي مُوجِبِهِ. وَلَوْ قَرَنَ، أَوْ تَمَتَّعَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَحُكْمُ دَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ حُكْمُ دِمَاءِ الْمَحْظُورَاتِ. وَإِنْ قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ بِإِذْنِهِ، فَهَلْ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى السَّيِّدِ؟ الْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ. وَفِي الْقَدِيمِ قَوْلَانِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّ السَّيِّدَ يَكُونُ ضَامِنًا لِلْمَهْرِ عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لِلْمَهْرِ، وَلِلدَّمِ بَدَلٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ، وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِهِ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ أَحْرَمَ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، فَأُحْصِرَ وَتَحَلَّلَ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ، صَارَ السَّيِّدُ ضَامِنًا عَلَى الْقَدِيمِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ بَدَلٌ، فَفِي صَيْرُورَتِهِ ضَامِنًا لَهُ فِي الْقَدِيمِ، قَوْلَانِ. وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ الدَّمَ عَلَى السَّيِّدِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الصَّوْمُ، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ مِنْهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأِذْنِهِ فِي سَبَبِهِ. وَلَوْ مَلَكَ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُهُ، أَرَاقَهُ، وَإِلَّا، لَمْ تَجُزْ إِرَاقَتُهُ. وَلَوْ أَرَاقَهُ السَّيِّدُ عَنْهُ فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَلَوْ أَرَاقَ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، جَازَ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ تَكْفِيرِهِ. وَالتَّمْلِيكُ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَلِهَذَا، لَوْ تَصَدَّقَ عَنْ مَيِّتٍ جَازَ. وَلَوْ عَتَقَ الْعَبْدَ قَبْلَ صَوْمِهِ وَوَجَدَ هَدْيًا، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ إِنِ اعْتَبَرْنَا فِي الْكَفَّارَةِ حَالَ الْأَدَاءِ أَوِ الْأَغْلَظِ. وَإِنِ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْوُجُوبِ، فَلَهُ الصَّوْمُ. وَهَلْ لَهُ الْهَدْيُ؟ قَوْلَانِ. فَرْعٌ حَيْثُ جَوَّزْنَا لِلسَّيِّدِ تَحْلِيلَهُ، أَرَدْنَا أَنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَلُّلِ، لَا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِمَا يَحْصُلُ

стр. 985

بِهِ التَّحَلُّلُ، إِذْ غَايَتُهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيَمْنَعَهُ الْمُضِيَّ، وَيَأْمُرَهُ بِفِعْلِ الْمَحْظُورَاتِ، أَوْ يَفْعَلُهَا بِهِ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْإِحْرَامُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا. وَإِذَا جَازَ لِلْعَبْدِ تَحْلِيلُهُ، جَازَ لِلْعَبْدِ التَّحَلُّلُ. ثُمَّ إِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وَقُلْنَا: يَمْلِكُ، ذَبَحَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ، أَوْ حَلَقَ وَنَوَى التَّحَلُّلَ، وَإِلَّا فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَالْحُرِّ، فَيَتَوَقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلَى وُجُودِ الْهَدْيِ، إِنْ قُلْنَا: لَا بَدَلَ لِدَمِ الْإِحْصَارِ، أَوْ عَلَى الصَّوْمِ، إِنْ قُلْنَا: لَهُ بَدَلٌ. كُلُّ هَذَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَعَلَى أَظْهَرِهِمَا: لَا يَتَوَقَّفُ، بَلْ يَكْفِيهِ نِيَّةُ التَّحَلُّلِ وَالْحَلْقِ إِنْ قُلْنَا: نُسُكٌ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي، الْقَطْعُ بِهَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي. وَهَذَا الطَّرِيقُ، هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِعِظَمِ الْمَشَقَّةِ فِي انْتِظَارِ الْعِتْقِ، وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُ لِسَيِّدِهِ، وَقَدْ يَسْتَعْمِلُهُ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ. فَرْعٌ أُمُّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، كَالْقِنِّ. وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْمَوْلَى، فَقِيلَ: فِي جَوَازِ تَحْلِيلِهِ قَوْلَانِ، كَمَنْعِهِ مِنْ سَفَرِ التِّجَارَةِ. وَقِيلَ: لَهُ تَحْلِيلُهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ مَنْفَعَةٌ فِي سَفَرِ التِّجَارَةِ. فَرْعٌ يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْحَجِّ مِنَ الْعَبْدِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ السَّيِّدُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ. فَلَوْ أَتَى بِهِ فِي حَالِ الرِّقِّ، هَلْ يُجْزِئُهُ؟ وَجْهَانِ. [قُلْتُ: الْأَصَحُّ. يُجْزِئُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.] الْمَانِعُ الرَّابِعُ: الزَّوْجِيَّةُ. يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تُحْرِمَ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا،
следующие страницы →