← История

История · id 49

قصة الحياة

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (447 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

إِلْيَاسُ ﵇ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِلَ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَاخْتَفَى عَنْهُمْ.

стр. 107

الْيَسَعُ ﵇ وكَانَ الْيَسَعُ بَعْدَ إِلْيَاسَ ﵉ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ؛ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ مُسْتَمْسِكًا بِمِنْهَاجِ إِلْيَاسَ وَشَرِيعَتِهِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ، ، إِلَيْهِ، ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمُ الْخُلُوفُ، وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْخَطَايَا، وَكَثُرَتِ الْجَبَابِرَةُ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَلَكٌ جَبَّارٌ عَنِيدٌ طَاغٍ.

стр. 108

من الأنبياء والأقوام الذين أشير إليهم وقد ذكر بعض الأنبياء ولم تذكر أحداث وتفاصيل قصصهم، ومنهم شِيثُ (١) بن آدم ﵉، ومن بعده أَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ ﵇. ومنهم ذو الْكِفْلِ، زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ ابْنُ أَيُّوبَ ﵇. والظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا. وأَصْحَابُ الرَّسِّ، والرَّسُّ بِئْرٌ رَسُّوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ. أَيْ: دَفَنُوهُ فِيهَا. وَكان عهدهم قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾. وأَصْحَابُ الْقَرْيَةِ -وهم الذين جاءت قصتهم في سورة يس- واشْتُهِرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَنْطَاكِيَةُ، وقد أرسل اللهُ إليهم أولًا رسولين ليدعواهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوهما، فقواهما الله بإرسال رسول ثالث معهم، وجاء من أقصى القرية رجل مسرع خوفًا على قومه من تكذيب الرسل وتهديدهم بالقتل والإيذاء، ونصح قومه باتباع الرسل، فما كان من قومه إلا أن قتلوه، فأدخله الله الجنة. وقال متمنيًا: يا ليت قومي الذين كذبوني وقتلوني يعلمون بما حصل لي من مغفرة الذنوب، وبما أكرمني به ربي؛ ليؤمنوا مثلما آمنت.

стр. 109

قصة أصحاب الكهف وكانَ فتيةٌ مِنْ أَبْنَاءِ مُلُوكِ الرُّومِ وَسَادَتِهِمْ، خَرَجُوا يَوْمًا فِي بَعْضِ أَعْيَادِ قَوْمِهِمْ، حيثُ كَانَ لَهُمْ مُجْتَمَعٌ فِي السَّنَةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَكَانَ قومُهم يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالطَّوَاغِيتَ، وَيَذْبَحُونَ لَهَا، وَكَانَ لَهُمْ مَلِكٌ جَبَّارٌ عَنِيدٌ يُقَالُ لَهُ: "دَقْيَانُوسُ"، وَكَانَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ لِمُجْتَمَعِهِمْ ذَلِكَ، وَخَرَجَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ مَعَ آبَائِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، وَنَظَرُوا إِلَى مَا يَصْنَعُ قَوْمُهُمْ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِمْ، عَرَفُوا أَنَّ هَذَا الَّذِي يَصْنَعُهُ قَوْمُهُمْ مِنَ السُّجُودِ لِأَصْنَامِهِمْ وَالذَّبْحِ لَهَا، لَا يَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ. فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَتَخَلَّصُ مِنْ قَوْمِهِ، وَيَنْحَازُ مِنْهُمْ وَيَتَبَرَّزُ عَنْهُمْ نَاحِيَةً. فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ جَلَسَ مِنْهُمْ وَحْدَهُ أَحَدَهُمْ، جَلَسَ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَجَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ عِنْدَهُ، وَجَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، وَجَاءَ الْآخَرُ فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، وَجَاءَ الْآخَرُ، وَجَاءَ الْآخَرُ، وَجَاءَ الْآخَرُ، وَلَا يَعْرِفُ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الْآخَرَ، وَإِنَّمَا جَمَعَهُمْ هُنَاكَ الَّذِي جَمَعَ قُلُوبَهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ، والْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدة، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. وجَعَلَ كُلَّ أَحَدٍ مِنْهُمْ يَكْتُمُ مَا هُوَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِهِ، خَوْفًا مِنْهُمْ، وَلَا يَدْرِي أَنَّهُمْ مِثْلُهُ، حَتَّى قَالَ أَحَدُهُمْ: تَعْلَمُونَ -وَاللَّهِ يَا قَوْمِ- إِنَّهُ مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ وَأَفْرَدَكُمْ عَنْهُمْ، إِلَّا شَيْءٌ فليظهر كل واحد منكم بِأَمْرِهِ. فَقَالَ آخَرُ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي وَاللَّهِ رَأَيْتُ مَا قَوْمِي عَلَيْهِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ هُوَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ: السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ وَقَعَ لِي كَذَلِكَ. وَقَالَ الْآخَرُ كَذَلِكَ، حَتَّى تَوَافَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً وَإِخْوَانَ صِدْقٍ، فَاتَّخَذُوا لَهُمْ مَعْبَدًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ، فَعَرَفَ بِهِمْ قَوْمُهُمْ، فَوَشَوْا بِأَمْرِهِمْ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَاسْتَحْضَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَمْرِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ فَأَجَابُوهُ بِالْحَقِّ، وَدَعَوْهُ إِلَى اللَّهِ ؛ وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ أَيْ: لَا يَقَعُ مِنَّا هَذَا أَبَدًا؛ لِأَنَّا لَوْ فَعَلْنَا ذَلِكَ لَكَانَ بَاطِلًا وَكَذِبًا وَبُهْتَانًا. فَيُقَالُ: إِنَّ مَلِكَهُمْ لَمَّا دَعَوْهُ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، أَبَى عَلَيْهِمْ، وتَهَدّدهم وَتَوَعَّدَهُمْ، وَأَمَرَ بِنَزْعِ لِبَاسِهِمْ عَنْهُمُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ زِينَةِ قَوْمِهِمْ، وأجَّلهم لِيَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِمْ، لَعَلَّهُمْ يُرَاجِعُونَ دِينَهُمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ.

стр. 110

وَكَانَ هَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ فِي تِلْكَ النَّظْرَةِ (١) تَوَصَّلُوا إِلَى الْهَرَبِ مِنْهُ. وَالْفِرَارِ بِدِينِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ. وأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ وَدَخَلَ الْفِتْيَةُ الْكَهْفَ سَائِلِينَ اللَّهَ تَعَالَى رَحْمَتَهُ وَلُطْفَهُ بِهِمْ، فصَبَّرهم اللهُ عَلَى مُخَالَفَةِ قَوْمِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ، وَمُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ وَالسَّعَادَةِ وَالنِّعْمَةِ، وَضَرَبَ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مَنْ يُقَلِّبُهُمْ وَحَوَّلَ الشَّمْسَ عَنْهُمْ فَلَوْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمْ لَأَحْرَقَتْهُمْ وَلَوْلَا أَنَّهُمْ يُقَلَّبُونَ لَأَكَلَتْهُمُ الْأَرْضُ، ورَبَضَ كَلْبُهُمْ عَلَى الْبَابِ كأنه يَحْرُسُهُمْ كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْكِلَابِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ كَلْبَ صَيْدٍ لِأَحَدِهِمْ. وَكَانَ جُلُوسُهُ خَارِجَ الْبَابِ؛ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ. وَشَمَلَتْ كَلْبَهُمْ بَرَكَتُهُمْ، فَأَصَابَهُ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ النَّوْمِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. وَهَذَا فَائِدَةُ صُحْبَةِ الْأَخْيَارِ؛ فَإِنَّهُ صَارَ لِهَذَا الْكَلْبِ ذِكْرٌ وَخَبَرٌ وَشَأْنٌ. وأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَهَابَةَ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ نَظَرُ أَحَدٍ عَلَيْهِمْ إِلَّا هَابَهُمْ؛ لِمَا أُلْبِسُوا مِنَ الْمَهَابَةِ وَالذُّعْرِ، لِئَلَّا يَدْنُوَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَلَا تَمَسَّهُمْ يَدُ لَامِسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَتَنْقَضِيَ رَقْدَتُهُمُ الَّتِي شَاءَ ﵎ فِيهِمْ، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحُجَّةِ وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ. فَجَاءَ أَهَالِيهِمْ يَطْلُبُونَهُمْ فَفَقَدُوهُمْ فَأَخْبَرُوا الْمَلِكَ، وتَطَلَّبهم الْمَلِكُ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، وعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِ خَبَرَهُمْ. فَأَمَرَ بِكِتَابَةِ أَسْمَائِهِمْ فِي لَوْحٍ مِنْ رَصَاصٍ -وهو الرقيم- وَجَعَلَهُ فِي خِزَانَتِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ ذَلِكَ الْمَلِكُ وَجَاءَ آخَرُ فَكَسَّرَ الْأَوْثَانَ وَعَبَدَ اللَّهَ وَعَدَلَ، فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ صَحِيحَةً أَبْدَانُهُمْ وَأَشْعَارُهُمْ وَأَبْشَارُهُمْ، لَمْ يَفْقِدُوا مِنْ أَحْوَالِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ شَيْئًا، وَذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ؛ وَلِهَذَا تَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾؟ أَيْ: كَمْ رَقَدْتُمْ؟، وكَانَ دُخُولُهُمْ إِلَى الْكَهْفِ فِي أَوَّلِ نَهَارٍ، وَاسْتِيقَاظُهُمْ كَانَ فِي آخِرِ نَهَارٍ؛ فقَالُوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، ثم قَالُوا: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، وحصل احْتِيَاجُهُمْ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَأَرْسَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ يَأْتِيهِمْ بِمَا يَأْكُلُونَ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ مُسْتَخْفِيًا فَرَأَى هَيْئَةً وَنَاسًا أَنْكَرَهُمْ لِطُولِ الْمُدَّةِ فَدَفَعَ دِرْهَمًا إِلَى خَبَّازٍ فَاسْتَنْكَرَ ضَرْبَهُ وَهَمَّ بِأَنْ يَرْفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: أَتُخَوِّفُنِي بِالْمَلِكِ وَأَبِي دِهْقَانُهُ (٢). فَقَالَ: من أَبوك؟! قَالَ: فُلَانٌ. فَلَمْ يَعْرِفْهُ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَرَفَعُوهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِاللَّوْحِ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ بِهِ، فَسَمَّى أَصْحَابَهُ فَعَرَفَهُمْ مِنَ اللَّوْحِ، فَكَبَّرَ النَّاسُ وَانْطَلَقُوا إِلَى الْكَهْفِ، وَسَبَقَ الْفَتَى لِئَلَّا يَخَافُوا مِنَ الْجَيْشِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ؛ عَمَّى اللَّهُ عَلَى الْمَلِكِ وَمَنْ مَعَهُ الْمَكَانَ، فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ الْفَتَى، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَبْنُوا عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، فَجَعَلُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُم وَيدعونَ لَهُم.

стр. 111

قصة أصحاب السبت و كان أَهْلُ أَيْلَةَ -بَيْنَ مَدْيَنَ وَالطُّورِ- مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ التَّوْرَاةِ فِي تَحْرِيمِ السَّبْتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ قَدْ أَلِفَتْ مِنْهُمُ السَّكِينَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ فِي مِثْلِ يَوْمِ السَّبْتِ يَكْثُرُ غَشَيَانُهَا لِمَحِلَّتِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ ; فَتَأْتِي مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ظَاهِرَةً آمِنَةً مُسْتَرْسِلَةً فَلَا يُهَيِّجُونَهَا وَلَا يَذْعَرُونَهَا، ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَادُونَهَا فِيمَا عَدَا السَّبْتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أَيْ: نَخْتَبِرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أَيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ احْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، بِأَنْ نَصَبُوا الْحِبَالَ وَالشِّبَاكَ وَالشُّصُوصَ، وَحَفَرُوا الْحُفَرَ الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا الْمَاءُ إِلَى مَصَانِعَ قَدْ أَعَدُّوهَا، إِذَا دَخَلَهَا السَّمَكُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْحِيتَانُ مُسْتَرْسِلَةً يَوْمَ السَّبْتِ، عَلِقَتْ بِهَذِهِ الْمَصَايِدِ، فَإِذَا خَرَجَ سَبْتُهُمْ أَخَذُوهَا، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ; لَمَّا احْتَالُوا عَلَى خِلَافِ أَمْرِهِ، وَانْتَهَكُوا مَحَارِمَهُ بِالْحِيَلِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ لِلنَّاظِرِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ افْتَرَقَ الَّذِينَ لَمْ يَفْعَلُوا فِرْقَتَيْنِ ; فِرْقَةٌ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صَنِيعَهُمْ هَذَا وَاحْتِيَالَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَفِرْقَةٌ أُخْرَى لَمْ يَنصحُوا وَلَمْ يَنْهَوْا، واكتفوا بإنكار قلوبهم ذلك الفعل، وَقَالُوا للناصحين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ مَا الْفَائِدَةُ فِي نَهْيِكُمْ هَؤُلَاءِ وَقَدِ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لَا مَحَالَةَ؟، فَأَجَابَتْهُمُ الطَّائِفَةُ الناصِحةُ بِأَنْ قَالُوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أَيْ: فِيمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَنَقُومُ بِهِ خَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أَيْ: وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الصَّنِيعِ، فَيَقِيهِمُ اللَّهُ عَذَابَهُ وَيَعْفُو عَنْهُمْ إِذَا هُمْ رَجَعُوا وَاسْتَمَعُوا.

стр. 112

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ فلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الشَّنِيعِ الْفَظِيعِ أنجى اللهُ ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وَهُمُ الْفِرْقَةُ الْآمِرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَةُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَخَذَ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وَهُمُ الْمُرْتَكِبُونَ المعصية الْفَاحِشَةَ ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمُؤْلِمُ الْمُوجِعُ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ وقال لَهُمْ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فأَهْلَكَ اللهُ الظَّالِمِينَ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْكِرِينَ (١).

стр. 113

قصة طالوت وجالوت ثم إن بني إسرائيل لَمَّا أَنْهَكَتْهُمُ الْحُرُوبُ، وَقَهْرَهُمُ الْأَعْدَاءُ، سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (١) وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُنَصِّبَ لَهُمْ مَلِكًا يَكُونُونَ تَحْتَ طَاعَتِهِ؛ لِيُقَاتِلُوا مِنْ وَرَائِهِ وَمَعَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْأَعْدَاءَ. فخشي عليهم ألا يَفُوا بما وعَدوا من القيام بالجهاد، فأصروا وأجابوا بأنَّه لا شيء يحولُ بينهم وبين الجهاد في سبيل الله، وخاصة أنهم أُخرجوا من ديارهم، وسُبي أبناؤهم. فلمَّا فرَض الله عليهم القتالَ؛ لمْ يفوا بالوعد! بل أدْبروا ناكلينَ عن الجهاد إلَّا عددًا قليلًا منهم، والله تعالى يعلم مَن ظلم منهم، وأخلف وعده، وسيجازيه على ظلمه. ثمَّ أعلمهم نبيُّهم أنَّ الله قد أجابهم إلى ما طلَبوا، وعيَّن لهم طالوتَ ملِكًا عليهم، وكان طالوت رجلًا من عامَّتهم، لا ينتمي إلى سِبط ملوكِ بني إسرائيل، فلم يُسلِّموا لما اختاره الله لهم! بل اعترضوا على ذلك فقالوا: كيف يكون ملِكًا علينا وهو دُوننا في الشَّرف، وهو مع ذلك ليس من أصحاب الأموال، كما هو حال الملوك؟! فأخبرهم نبيُّهم ﵇ عند ذلك أنَّ الله هو الذي اختاره لهم، واختصَّه مِن بينهم، وأعطاه زيادةً في العِلم، وطولَ قامةٍ، وقوَّةً في الجسد، ثم إنَّ المُلك لله وحْده يؤتيه مَن يشاء، وهو سبحانه واسعُ الفضل والكرم، لا يخصُّ بكرمه شريفًا عن وضيع، أو غنيًّا عن فقير، عليمٌ بكلِّ شيء، ومن ذلك عِلمُه بمَن يَصْلُح للمُلك من غيره. وقال لهم نبيُّهم أيضًا: إنَّ العلَامةَ الدالَّة على صحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليهم هي أن يُردَّ إليهم التابوتُ -الذي سُلِب منهم- حاويًا ما يُهدِّئ نفوسهم فتطمئنَّ به قلوبهم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تَرِكة موسى وهارون ﵉، يحمل هذا التابوتَ إليهم الملائكةُ ﵈، وإنَّ في هذا الأمر لعلامةً واضحة لكم على اختيار الله لطالوت؛ ليكونَ ملِكًا عليكم، إنْ كنتم مؤمنين بالله، ومصدِّقين لما أخبرتكم به. فلمَّا أَذعنوا أخيرًا لِمُلْك طالوت عليهم بعد أنْ جاءهم التابوت؛ انضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم.

стр. 114

فلمَّا جاوَزوا موطنهم في طريقهم إلى ملاقاة العدوِّ، أعلمهم طالوت أنَّ الله مختبرُهم بنَهَرٍ؛ ليُظهِر الكاذب من الصادق، ويتميَّز الصابر من الجازع، وأَعلن طالوتُ براءتَه مِن كلِّ مَن يَشربُ منه، وأنَّه لن يَصحبَه مع الجيش إلى القِتال، وأنَّ مَن لم يَطْعَمه- إلَّا أن يَغترِفَ بكفِّه غرفةً واحدة- فإنَّه منه، فشَرِب معظمُهم، ولم يُطعِ الأمر إلا قليلٌ منهم ممَّن وفقهم الله تعالى وثبَّتهم. فلمَّا تعدَّى طالوت النهر ومَن آمن معه، ممَّن أطاعوه فلم يشربوا من النهر أو شربوا غرفة واحدة- قال بعضُهم لَمَّا رأَوا من كثرة أعدائهم مقارنة بعددهم القليل: لا قُدرةَ لنا هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عددِهم وعَتادهم، فحينها قال لهم الموقِنون برُجوعهم إلى الله تعالى: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلة الجماعةَ الكثيرة! وذلك بمشيئة الله ؛ فلا تفيد الكثرةُ مَن خَذَله الله، ولا تضرُّ القِلَّةُ مَن وفَّقه الله، والله سبحانه مع الصَّابرين. ولَمَّا ظهَر المؤمنون- طالوتُ وجُنوده- لجالوتَ وجُنودِه، دعا أهلُ الإيمان ربَّهم أن يُلهِمَهم الصَّبر، ويثبِّت أقدامَهم، وأنْ ينصرَهم على أهل الكفر، فاستجاب الله دُعاءَهم، وغلَب المؤمنون عدوَّهم، وكان داودُ ﵇ من جنود طالوت، فسلَّطه اللهُ على جالوت فقتله، وأعطا الله داودَ المُلكَ والنبوَّة وآتاه من العِلم ما يشاء سبحانه.

стр. 115

داود ﵇ وكَانَ دَاوُدُ ﵇ أَعْبَدَ الْبَشَرِ، وأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ؛ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى، وَكَانَ لَا يَأكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ. وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ على داود لِثَمَانِ عَشْرَةَ ليلة خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وخفف على داود قراءته، فكان ما بين أن يسرج دابته على أن يركبها يقرأ قرآنه وهو الزبور. وآتى اللهُ داوودَ نبوة وملكًا، وقوى ملكه بما وهبه من الهيبة والنصر، وجعله ذا قوة على مقارعة أعدائه والصبر على طاعة الله، وأعطاه الحكمة والفصل في الكلام والحُكْم. وجعل الجبال والطير ترجّع معه التسبيح، وصيّر له الحديد ليِّناً ليصنع منه ما يشاء من أدوات، وعلمه الله أن يصنع دروعًا واسعة تقي مقاتليه بأس عدوّهم، ويُصيّر المسامير مناسبة للحِلَق فلا تكون دقيقة بحيث لا تستقرّ فيها، ولا غليظة بحيث لا تدخل فيها. وإِنَّ لُقْمَانَ كَانَ عِنْدَ دَاوُدَ وَهُوَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَجَعَلَ يَفْتِلُهُ بِيَدِهِ ولُقْمَانُ يَتَعَجَّبُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ وَتَمْنَعُهُ حِكْمَتُهُ أَنْ يَسْأَلَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا صَبَّهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: نِعْمَ دِرْعُ الْحَرْبِ هَذِهِ، فَقَالَ لُقْمَانُ: الصَّمْتُ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ، كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ فَسَكَتُّ حَتَّى كَفَيْتَنِي.

стр. 116

سليمان ﵇ ووُهِبَ لداود ابنُه سليمان إنعامًا من الله عليه وتفضلًا لتقر عينه به، وكان سليمانُ كثير التوبة والرجوع إلى الله والإنابة إليه، ورُفِعَت لداود وابنه سليمان ﵉ قضية بشأن خصمين؛ لأحدهما غنم انتشرت ليلًا في حَرْث (زرع) الآخر فأفسدته، وكَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا نَفَشَتْ فِيهِ الْغَنَمُ، أَيْ: رَعَتْ لَيْلًا، فَقَضَى دَاوُدُ بِالْغَنَمِ لَهُمْ، فَمَرُّوا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: لَا، وَلَكِنْ أَقْضِي بَيْنَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْغَنَمَ فَيَكُونَ لَهُمْ لَبَنُهَا وَصُوفُهَا وَمَنْفَعَتُهَا، وَيَقُومُ هَؤُلَاءِ عَلَى حَرْثِهِمْ حَتَّى إِذَا عَادَ كَمَا كَانَ رَدُّوا عَلَيْهِمْ غَنَمَهُمْ. وخَرَجَتْ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا صَبِيَّانِ لَهُمَا، فَعَدَا الذِّئْبُ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ وَلَدَهَا. فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ ﵇ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَقْطَعُهُ بَيْنَكُمَا نِصْفَيْنِ، لِهَذِهِ نِصْفٌ، وَلِهَذِهِ نِصْفٌ، فَقَالَتْ الْكُبْرَى: نَعَمْ، اقْطَعُوهُ، وَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا تَقْطَعْهُ يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَالَ: هُوَ ابْنُكِ. فَقَضَى بِهِ لِلَّتِي أَبَتْ أَنْ يَقْطَعَهُ. وورِثَ سليمانُ أباهُ داودَ في النبوة والعلم والملك، وقال متحدثاً بنعمة الله عليه وعلى أبيه: يا أيها الناس، عَلَّمنا الله فهم أصوات الطير، وأعطانا من كل شيء أعطاه الأنبياء والملوك، إن هذا لهو الفضل المبين. وكَانَ لِنَبِيِّ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵇ مِائَةُ امْرَأَةٍ. فَقَالَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى نِسَائِي، فَلَتَحْمِلْنَّ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ وَلَتَلِدَنَّ فَارِسًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ.

стр. 117

فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِنِصْفِ إِنْسَانٍ (١). وعرضت عليه عصرًا الخيول الأصيلة السريعة، تقف على ثلاث قوائم، وترفع الرابعة، فلم تزل تُعْرض عليه تلك الخيول الأصيلة حتى غربت الشمس. فقال سليمان: إني آثرت حب المال -ومنه هذه الخيل- على ذكر ربي حتى غابت الشمس وتأخرتُ عن صلاة العصر، ردوا علي هذه الخيل. فردوها عليه، فبدأ يضرب بالسيف سوقها وأعناقها (٢). ولما فرغ سليمان بن داود ﵇ من بناء بيت المقدس سأل الله خلالاً ثلاثة: سأل الله حكماً يصادف حكمه؛ فأعطاه الله إياه. وسأل الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؛ فأعطاه إياه. وألا يأتي هذا المسجد (٣) أحد لا يريد إلا الصلاة فيه؛ أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه. قال نبينا محمد ﷺ : وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة. وطوّع الله لسليمان الريح شديدة الهبوب تجري بأمره إذا أمرها إلى أرض الشام. تسير في الصباح مسافة شهر، وتسير في المساء مسافة شهر، وتنقاد بأمره لينة لا زعزعة فيها مع قوتها وسرعة جريها، تحمله حيث أراد. وسيّل اللهُ له عين النحاس ليصنع من النحاس ما يشاء، وسخر له من الجن من يعمل بين يديه بأمر ربه، وذلل له الشياطين يأتمرون بأمره، فمنهم البناؤون يعملون له ما أراد من مساجد للصلاة ومن قصور، وما يشاء من صور، وما يشاء من قصاع مثل حياض الماء الكبيرة، وقدور الطبخ الثابتات فلا يُحرَّكْنَ لعِظَمِهِن. ومنهم الغواصون الذين يغوصون في البحار، فيستخرجون الدرر منها. والذي يميل من الجن عمَّا أُمِر به من العمل يناله عذاب أليم. ومن الشياطين أيضاً مردة سُخِّروا له، فهم بأمره موثقون في الأغلال لا يستطيعون التحرك. وقيل له: يا سليمان، هذا عطاؤنا الذي أعطيناكه استجابة لما طلبت منا، فأعط من شئت، وامنع من شئت، فلن تحاسب في إعطاء أو منع. وقيل: اعملوا - يا آل داود - شكرَاً لله على ما أنعم به عليكم، وقليل من عباد الله هم الشكورون على ما أنعم الله عليهم.

стр. 118

وجُمِع لسليمان جنوده من البشر والجن والطير، فهم يُسَاقون بنظام، حتَّى إذا جاؤوا إلى وادي النمل (موضع بالشام) قالت نملة من النمل: يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم؛ حتَّى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون بكم، إذ لو علموا بكم لما داسوكم. فلما سمع سليمان كلامها تبسّم ضاحكًا من قولها هذا، وقال داعيًا ربه سبحانه: ربّ وفقني وألهمني أن أشكر نعمتك التي أنعمت بها عليّ وعلى والديَّ، ووفقني أن أعمل عملًا صالحًا ترتضيه، وأدخلني برحمتك في جملة عبادك الصالحين. وتعَهَّد سليمان الطيرَ وتفقّدهم فلم ير الهدهد، فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أمنعني من رؤيته مانع؟ أم كان من الغائبين؟، فلما تبين له غيابه قال: لأعذبنّه عذابًا شديدًا، أو لأذبحنّه عقابًا له على غيابه، أو ليأتيني بحجة واضحة تبين عذره في الغياب. فمكث الهدهد في غيابه زمنًا غير بعيد، فلما جاء قال لسليمان ﵇: اطلعت على ما لم تطلع عليه، وجئتك من أهل سبأ بخبر صادق لا شك فيه. إني وجدت امرأة تحكمهم، وأُعطِيت هذه المرأة من كل شيء من أسباب القوة والملك، ولها سرير عظيم تدير مِن عليه شؤون قومها. وقد وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ، وحسَّن لهم الشيطان ما هم عليه من أعمال الشرك والمعاصي، فصرفهم عن طريق الحق، فهم لا يهتدون إليه. وأضلهم لئلا يسجدوا لله الَّذي يُخْرِج ما ستره في السماء من المطر، وفي الأرض من النبات، ويعلم ما يخفيه الناس من الأعمال وما يظهرونه، لا يخفى عليه من ذلك شيء. الله الذي لا معبود بحق غيره، هو رب العرش العظيم. فقال سليمان ﵇ للهدهد: سننظر أصدقت فيما تدعيه عن مملكة سبأ، أم كنت من الكاذبين. ثم كتب سليمان كتابًا، وسلمه للهدهد، وقال له: اذهب بكتابي هذا فارمه إلى أهل سبأ وسلّمهم إياه، وتنحّ عنهم جانبًا بحيث تسمع ما يرددون بشأنه.

стр. 119

واستلمت الملكة الكتاب، وقالت: يا أيها الأشراف إني ألقي إلي كتاب كريم جليل. مضمون هذا الكتاب المرسل من سليمان المفتتح بـ "بسم الله الرحمن الرحيم": ألا تتكبروا، وأتوني منقادين مستسلمين لما أدعوكم إليه من توحيد الله وترك ما أنتم عليه من الشرك به، حيث عبدتم الشمس. ثم قالت الملكة: يا أيها الأشراف والسادة، بيِّنوا لي وجه الصواب في أمري، ما كنت قاضية أمرًا حتَّى تَحضروني، وتظهروا رأيكم فيه. فقال لها الأشراف من قومها: نحن أصحاب قوة عظيمة، وأصحاب بأس قوي في الحرب، والرأي ما ترينه فانظري ماذا تأمريننا به فنحن قادرون على تنفيذه. قالت الملكة: إن الملوك إذا دخلوا قرية من القرى أفسدوها بما يقومون به من القتل والسَّلْب والنَّهْب، وصيَّروا سادتها وأشرافها أذلاء بعد ما كانوا فيه من العزة والمنعة، وكذلك يفعل الملوك دائمًا إذا تغلبوا على أهل قرية؛ ليزرعوا الهيبة والرعب في النفوس. وإني مرسلة إلى صاحب الكتاب وقومه هدية، وأنظر ماذا تأتي به الرسل بعد إرسال هذه الهدية. فلما جاء رسولها ومن معه يحملون الهدية إلى سليمان أنكر عليهم سليمان إرسال الهدية قائلًا: أتمدونني بالأموال لتثنوني عنكم، فما أعطاني الله من النبوة والملك والمال خير مما أعطاكم، بل أنتم الذين تفرحون بما يُهْدَى إليكم من حطام الدنيا. ثم قال سليمان ﵇ لرسولها: ارجع إليهم بما جئت من هدية، فلنأتينها وقومها بجنود لا طاقة لهم بمواجهتهم، ولنخرجنهم من سبأ وهم أذلة مهانون بعد ما كانوا فيه من العزة إن لم يأتوني منقادين.

стр. 120

وقال سليمان ﵇ مخاطبًا أعيان أهل ملكه: يا أيها الملأ، أيكم يأتيني بسرير ملكها قبل أن يأتوني منقادين؟، فأجابه مارد من الجن قائلًا: أنا آتيك بسريرها قبل أن تقوم من مجلسك هذا الَّذي أنت فيه، وإني لقوي على حمله أمين على ما فيه، فلن أنقص منه شيئًا. وقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك بسريرها قبل أن ترمش عينك؛ فلما رأى سليمان سريرها مستقرًّا عنده قال: هذا من فضل ربي سبحانه؛ ليختبرني أأشكر نعمه أم أكفرها؟ ومن شكر الله فإنما نَفْع شكره عائد إليه، فالله غني لا يزيده شكر العباد، ومن جحد نعم الله فلم يشكره له فإن ربي غني كريم. ثم قال سليمان ﵇: غيِّروا لها سرير ملكها عن هيئته التي كان عليها ننظر: هل تهتدي إلى معرفة أنَّه سريرها، أم تكون من الذين لا يهتدون إلى معرفة أشيائهم؟ فلما جاءت ملكة سبأ إلى سليمان قيل لها اختبارًا لها: أهذا مثل عرشك؟ فأجابت طبق السؤال: كأنه هو، فقال سليمان: وأعطانا الله العلم من قبلها لقدرته على مثل هذه الأمور، وكنا منقادين لأمر الله مطيعين له، وصرفها عن توحيد الله ما كانت تعبد من دون الله اتباعًا لقومها، وتقليدًا لهم، إنها كانت من قوم كافرين بالله، فكانت كافرة مثلهم. ثم قيل لها: ادخلي الصرح وهو كهيئة السطح، فلما رأته ظنته ماءً فكشفت عن ساقيها لتخوضه، قال سليمان ﵇: إنه صرح مُمَلَّس من زجاج، ودعاها إلى الإسلام، فأجابته إلى ما دعاها إليه قائلة: رب إني ظلمت نفسي بعبادة غيرك معك، وانقدت مع سليمان لله رب المخلوقات جميعها. ولما مات سليمان ﵇ مَكَثَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ -وَهِيَ مِنْسَأَتُه- مُدَّةً طَوِيلَةً لم تحدد (١)، فَلَمَّا أَكَلَتْهَا دابةُ الْأَرْضِ، وَهِيَ الْأَرَضَةُ (٢)، ضَعُفَتْ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ،

стр. 121

وَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ فتَبَيَّنَتِ الْجِنُّ -وَالْإِنْسُ أَيْضًا- أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ، كَمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ وَيُوهِمُونَ النَّاسَ ذلك؛ إذ لو كانوا يعلمونه لما مكثوا في العذاب المذلّ لهم، وهو ما كانوا عليه من الأعمال الشاقة التي يعملونها لسليمان ﵇ ظنًّا منهم أنه حيٌّ يراقبهم أو أنه في غفوة أو في سِنَةٍ من النوم. وإنَّ اليهودَ لما نبذوا كتاب الله تعالى، وانحرفوا عن عبادة الله وحده، ابتلوا بعبادة الشياطين والتقرب إليهم بالكفر وتعلم السحر منهم، واتبعوا ما تدعيه الشياطين التي كفرت وعَلَّمت الناسَ السحرَ وادّعت أن سليمان كان ساحراً وأن ملكه قام على السحر، والحقيقة أن سليمان ﵇ لم يكن ساحراً ولم يكفر، بل كان نبياً صالحاً آتاه الله ملكاً عظيماً، ولكن الشياطين هم الذين كفروا بتعلّم وتعليم الناس السحر (١). كما ادعى اليهود كذلك أن سليمان بنى هيكلاً مزعوماً، وإنما الذي بناه سليمان هو مسجد بيت المقدس -كما تقدم-.

стр. 122

يونس ﵇ وبَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ ﵇ (١)، إِلَى أَهْلِ نِينَوَى؛ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وزيادة، فَكَذَّبُوهُ وَتَمَرَّدُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَنْ أَمْرِهُمْ، خَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهَرِهِمْ، وَوَعَدَهُمْ حُلُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ وَتَحَقَّقُوا نُزُولَ الْعَذَابِ بِهِمْ، قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَة وَالْإِنَابَةَ، وَنَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَى نَبِيِّهِمْ، فَلَبِسُوا الْمُسُوحَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ عَجُّوَا إِلَى اللَّهِ ، وَصَرَخُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ، وَتَمَسْكَنُوا لَدَيْهِ، وَبَكَى الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَالْبَنُونَ وَالْبَنَاتُ، وَالْأُمَّهَاتُ، وَجَأَرَتِ الْأَنْعَامُ وَالدَّوَابُّ وَالْمَوَاشِي، وَرَغَتِ الْإِبِلُ وَفُصْلَانُهَا، وَخَارَتِ الْبَقَرُ وَأَوْلَادُهَا، وَثَغَتِ الْغَنَمُ وَحُمْلَانُهَا، وَكَانَتْ سَاعَةً عَظِيمَةً هَائِلَةً، فَكَشَفَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي كَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِهِمْ بِسَبَبِهِ. وَلَمَّا ذَهَبَ ﵇ مُغَاضِبًا بِسَبَبِ قَوْمِهِ ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أَيْ؛ نُضَيِّقَ (٢). رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّتْ بِهِمْ وَاضْطَرَبَتْ، وَمَاجَتْ بِهِمْ وَثَقُلَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَادُوا يَغْرَقُونَ، فَاشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتَرِعُوا، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَوْهُ مِنَ السَّفِينَةِ؛ لِيَتَخَفَّفُوا مِنْهُ، فَلَمَّا اقْتَرَعُوا وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ، فَلَمْ يَسْمَحُوا بِهِ، فَأَعَادُوهَا ثَانِيَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَشَمَّرَ لِيَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَالِثَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، ولَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ، وَبَعَثَ اللَّهُ، ، حُوتًا عَظِيمًا مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ فَالْتَقَمَهُ، فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ -ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ-: ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾. فلَوْلَا أَنَّهُ سَبَّحَ اللَّهَ هُنَالِكَ، وَقَالَ مَا قَالَ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ، وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، لَلَبِثَ هُنَالِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَبُعِثَ مِنْ جَوْفِ ذَلِكَ الْحُوتِ. وكَانَ مِنْ قَبْلِ أَخْذِ الْحُوتِ لَهُ مِنَ الْمُسَبِّحِينِ أَيِ؛ الْمُطِيعِينَ الْمُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا.

стр. 123

فألقاه الحوت بِالْعَرَاءِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْقَفْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْجَارِ، بَلْ هُوَ عَارٍ مِنْهَا ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ ضَعِيفُ الْبَدَنِ. كَهَيْئَةِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، وَهُوَ الْمَنْفُوسُ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ وهي شَجَرَةُ الْقَرْعُ (الدُّبَّاءِ). وفِي إِنْبَاتِ الْقَرْعِ عَلَيْهِ حِكَمٌ جَمَّةٌ؛ مِنْهَا أَنَّ وَرَقَهُ فِي غَايَةِ النُّعُومَةِ، وَكَثِيرٌ وَظَلِيلٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ ذُبَابٌ، وَيُؤْكَلُ ثَمَرُهُ مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِهِ إِلَى آخِرِهِ، نِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَبِقِشْرِهِ وَبِبِزْرِهِ أَيْضًا، وَفِيهِ نَفْعٌ كَثِيرٌ، وَتَقْوِيَةٌ لِلدِّمَاغِ. ولمّا طُرِحَ يُونُسُ بِالْعَرَاءِ؛ هَيَّأَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَرْوِيَةً (١) وَحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِنْ حَشِيشِ الأَرْضِ، فَتَجِيءُ، فَتَفْشِجُ لَهُ (٢)، وَتَرْوِيهِ مِنْ لَبَنِهَا كُلَّ عَشِيَّةٍ وبُكْرَةٍ، حَتَّى نَبَتَ (٣). وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أَيِ؛ الْكَرْبِ وَالضِّيقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى؛ أَصَابَ ذَنْبًا، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ. و نِعَمْ دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ﴿لَا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كنت من الظَّالِمين﴾ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا اسْتَجَابَ لَهُ.

стр. 124

قصة النبي شِعْيَا بْنُ أَمْصِيَا وكان شِعْيَا بْنُ أَمْصِيَا من أنبياء بني إسرائيل قَبْلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَهُوَ مِمَّنْ بَشَّرَ بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ مَلِكٌ اسْمُهُ (صَدِيقَةُ) (١) عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ سَامِعًا مُطِيعًا لِشِعْيَا فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَكَانَتِ الْأَحْدَاثُ قَدْ عَظُمَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَرِضَ الْمَلِكُ وَخَرَجَتْ فِي رِجْلِهِ قُرْحَةٌ وَقَصَدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَلِكُ بَابِلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ سَنْحَارِيبُ، بجيش عظيم. وَفَزِعَ النَّاسُ فَزَعًا عَظِيمًا شَدِيدًا، وَقَالَ الْمَلِكُ لِلنَّبِيِّ شِعْيَا: مَاذَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ فِي أَمْرِ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ؟ فَقَالَ: لَمْ يُوحِ إِلَيَّ فِيهِمْ شَيْئًا بَعْدُ. ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِالْأَمْرِ لِلْمَلِكِ صَدِيقَةَ بِأَنْ يُوصِيَ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى مُلْكِهِ مَنْ يَشَاءُ؛ فَإِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ أَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى وَسَبَّحَ وَدَعَا وَبَكَى، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَا أَنْ يُبَشِّرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَحِمَ بُكَاءَهُ، وَقَدْ أَخَّرَ فِي أَجَلِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ سَنْحَارِيبَ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ ذَهَبَ مِنْهُ الْوَجَعُ وَانْقَطَعَ عَنْهُ الشَّرُّ وَالْحُزْنُ، وَخَرَّ سَاجِدًا. فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَا أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَاءَ التِّينِ فَيَجْعَلَهُ عَلَى قُرْحَتِهِ، فَيَشْفَى وَيُصْبِحَ قَدْ بَرِئَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَشُفِيَ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَيْشِ سَنْحَارِيبَ الْمَوْتَ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ هَلَكُوا كُلُّهُمْ سِوَى سَنْحَارِيبَ وَخَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَأَرْسَلَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَاءَ بِهِمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَطَافَ بِهِمْ فِي الْبِلَادِ عَلَى وَجْهِ التَّنْكِيلِ بِهِمْ وَالْإِهَانَةِ لَهُمْ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَيُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شِعْيَا أَنْ يَأْمُرَ الْمَلِكَ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ مَا قَدْ حَلَّ بِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعُوا جَمَعَ سَنْحَارِيبُ قَوْمَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ السَّحَرَةُ وَالْكَهَنَةُ: إِنَّا أَخْبَرْنَاكَ عَنْ شَأْنِ رَبِّهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ فَلَمْ تُطِعْنَا، وَهِيَ أُمَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُهَا أَحَدٌ مِنْ رَبِّهِمْ. فَكَانَ أَمْرُ سَنْحَارِيبَ مِمَّا خَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ مَاتَ سَنْحَارِيبُ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ. ثُمَّ لَمَّا مَاتَ صَدِيقَةُ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ مَرَجَ أَمَرُهُمْ وَاخْتَلَطَتْ أَحْدَاثُهُمْ، وَكَثُرَ شَرُّهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شِعْيَا، فَقَامَ فِيهِمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَأَنْذَرَهُمْ بَأْسَهُ وَعِقَابَهُ إِنْ خَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ عَدَوْا عَلَيْهِ وَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا، وَأَدْرَكَهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَ بِهُدْبَةِ ثَوْبِهِ فَأَبْرَزَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ جَاءُوا بِالْمِنْشَارِ فَوَضَعُوهُ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَنَشَرُوهَا وَنَشَرُوهُ مَعَهَا.

стр. 125

الخراب الأول لبيت المقدس وقد كَانَ الْيَهُودُ مَعَ مُوسَى عِزّة ولَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ يَدٌ، واسْتَمَرُّوا مَعَ مُوسَى، ﵇، طَالِبِينَ إِلَى بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهِيَ بِلَادُ الْخَلِيلِ ﵇ وَكَانَ فِيهِا قَوْمٌ مِنَ الْعَمَالِقَةِ، فَنَكَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَنْ قِتَالِ الْعَمَالِقَةِ فَشَرَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَاتَ فِيهِ هَارُونُ، ثُمَّ مُوسَى، ﵉، ثُمَّ خَرَجُوا بَعْدَهُمَا مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَاسْتَقَرَّتْ أَيْدِيهِمْ عَلَيْهَا بَعْدَهُ إِلَى زَمَنِ دَاوُدَ، وَمَلَكَ سُلَيْمَانُ الَّذِي لَمْ يُؤْتَ أَحَدٌ مِثْلَ مُلْكِه، ثم تمردوا على شريعتهم وعَبَدُوا الْأَصْنَامَ مَرَّاتٍ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ. وكان فِيهِمْ مِنَ التَّنَقُّصِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي سَبِّهِمْ، وَذِكْرِ عُيُوبٍ نَزَّهَهُمُ اللَّهُ عَنْهَا، مَا هُوَ مَعْرُوفٌ. حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا، وَأنَّ دَاوُدَ كَانَ مُنَجِّمًا لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. والْأَنْبِيَاءَ أَخْبَرُوا أَهْلَ الْكِتَابِ بِمَا سَيَكُونُ مِنْهُمْ مِنَ الْإِحْدَاثِ، وَمَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ وَيُخَرِّبُونَ بِلَادَهُمْ وَيَسْبُونَهُمْ. وَقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا. ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾. فحصل الْخَرَابُ الْأَوَّلُ لبيت المقدس لَمَّا جَاءَ بُخَتُنَصَّرُ في عهد إرميا النبي، ودانيال، وحنانيا، وعزاريا، وميشائيل، بعد أن قتل بنو إسرائيل نبيهم شَعْيَا فِي الشَّجَرَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مات ملكهم (صِدْقِيَةُ) مرج أمرهم وَتَنَافَسُوا عَلَى الْمُلْكِ وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ مِنْ نَبِيِّهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ قُمْ فِي قَوْمِكَ أُوحِ عَلَى لِسَانِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِمَّا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ عَدَوْا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ فَانْفَلَقَتْ لَهُ شَجَرَةٌ فَدَخَلَ فِيهَا، وَأَدْرَكَهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهِ فَأَرَاهُمْ إِيَّاهَا، فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ فِي وَسَطِهَا فَنَشَرُوهَا حَتَّى قَطَعُوهَا وَقَطَعُوهُ فِي وَسَطِهَا. وكذبوا إرميا وَجَرَحُوهُ وَحَبَسُوهُ. فغزاهم بُخَتُنَصَّرُ وخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَأَمَرَ بِهِ أَنْ تُطْرَحَ فِيهِ الْجِيَفُ، وَأَتْبَعَهُمْ إِلَى مِصْرَ. وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا وَسَبَاهُمْ إِلَى بَابِلَ، وَكَانَ مِنْ أُولَئِكَ دَانْيَالُ النَّبِيُّ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلُ، وَبَقِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ خَرَابًا سَبْعِينَ سَنَةً.

стр. 126

قصة بختنصر مع دانيال ﵇ ثُمَّ إِنَّ بُخْتُنَصَّرَ عَادَ إِلَى بَابِلَ وَأَقَامَ فِي سُلْطَانِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ. ثُمَّ رَأَى رُؤْيَا، فَبَيْنَمَا هُوَ قَدْ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى إِذْ رَأَى شَيْئًا أَنْسَاهُ مَا رَأَى، فَدَعَا دَانْيَالَ، وَحَنَانِيَا، وَعَزَارِيَا، وَمِيشَائِيلَ، وَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيَا رَأَيْتُهَا فَأُنْسِيتُهَا. وَلَئِنْ لَمْ تُخْبِرُونِي بِهَا وَبِتَأْوِيلِهَا لَأَنْزِعَنَّ أَكْتَافَكُمْ! فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَدَعَوُا اللَّهَ وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ إِيَّاهَا، فَأَعْلَمَهُمُ الَّذِي سَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَجَاءُوا إِلَى بُخْتُنَصَّرَ فَقَالُوا رَأَيْتَ تِمْثَالًا. قَالَ: صَدَقْتُمْ. فَمَا تَأْوِيلُهَا؟، قَالَ دَانْيَالُ: " أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدَاكَ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُمَا دُونَكَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمَا مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُمَا، وَهِيَ شِبْهُ النُّحَاسِ، وَالْمَمْلَكَةُ الرَّابِعَةُ تَكُونُ قَوِيَّةً مِثْلَ الْحَدِيدِ الَّذِي يَدُقُّ كُلَّ شَيْءٍ، فَأَمَّا الرِّجْلَانِ الَّتِي رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ وَكَلِمَتُهَا مُشَتَّتَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي رَأَيْتَ قَدْ صَكَّ ذَلِكَ الصَّنَمَ الْعَظِيمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ اللَّهُ إِلَهُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ قَبِيلَةٍ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى تَمْتَلِئَ مِنْهُ الْأَرْضُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا (١)، فَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنْ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ". فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرُ: صَدَقَ. فَلَمَّا عَبَرَ دَانْيَالُ وَمَنْ مَعَهُ رُؤْيَا بُخْتُنَصَّرَ قَرَّبَهُمْ وَأَدْنَاهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي أَمْرِهِ، فَحَسَدَهُمْ أَصْحَابُهُ، وَسَعَوْا بِهِمْ إِلَيْهِ، وَقَالُوا عَنْهُمْ مَا أَوْحَشَهُ مِنْهُمْ فَأَمَرَ، فَحُفِرَ لَهُمْ أُخْدُودٌ، وَأَلْقَاهُمْ فِيهِ، وَهُمْ سِتَّةُ رِجَالٍ، وَأَلْقَى مَعَهُمْ سَبُعًا ضَارِيًا لِيَأْكُلَهُمْ، فَلَمْ يَخْدِشْ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَقِيلَ فِي سَبَبِ موت بختنصر إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ وَصَعِدَتْ إِلَى رَأْسِهِ، فَكَانَ لَا يَقَرُّ وَلَا يَسْكُنُ حَتَّى يُدَقَّ رَأْسُهُ، إلى أن مات.

стр. 127

وَأَمَّا دَانْيَالُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِأَرْضِ بَابِلَ، وَانْتَقَلَ عَنْهَا، وَمَاتَ وَدُفِنَ بِالسُّوسِ مِنْ أَعْمَالِ خُوزِسْتَانَ (١). ثُمَّ فِي عَهْدِ «كيرش بن أخشويرش» مَلِك بابل عَادَ بنو إسرائيل إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وكانت عِمَارَتُهُ آنذاك. ثُمَّ مِنْ بَعْدِ عِمَارَتِهِ إِلَى ظُهُورِ الإسكندر على بيت الْمَقْدِسِ ثَمَانِيَةً وَثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَمْلَكَةِ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى مَوْلِدِ يَحْيَى بن زكريا ثَلَاثَمَائَةٍ وَثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً.

стр. 128

قصة عُزَيْر ﵇ وإِنَّ عُزَيْرًا كَانَ عَبْدًا صَالِحًا حَكِيمًا خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ يَتَعَاهَدُهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ انْتَهَى إِلَى خَرِبَةٍ (١) حِينَ قَامَتِ الظَّهِيرَةُ وَأَصَابَهُ الْحَرُّ، وَدَخَلَ الْخَرِبَةَ وَهُوَ عَلَى حِمَارِهِ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَمَعَهُ سَلَّةٌ فِيهَا تِينٌ، وَسَلَّةٌ فِيهَا عِنَبٌ، فَنَزَلَ فِي ظِلِّ تِلْكَ الْخَرِبَةِ وَأَخْرَجَ قَصْعَةً مَعَهُ، فَاعْتَصَرَ مِنَ الْعِنَبِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ، ثُمَّ أَخْرَجَ خُبْزًا يَابِسًا مَعَهُ، فَأَلْقَاهُ فِي تِلْكَ الْقَصْعَةِ فِي الْعَصِيرِ؛ لِيَبْتَلَّ لِيَأْكُلَهُ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَأَسْنَدَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْحَائِطِ فَنَظَرَ سَقْفَ تِلْكَ الْبُيُوتِ وَرَأَى مَا فِيهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَقَدْ بَادَ أَهْلُهَا، وَرَأَى عِظَامًا بَالِيَةً فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِيهَا وَلَكِنْ قَالَهَا تَعَجُّبًا، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، فَلَمَّا أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ، وَكَانَتْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أُمُورٌ وَأَحْدَاثٌ. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَى عُزَيْرٍ مَلَكًا فَخَلَقَ قَلْبَهُ لِيَعْقِلَ بِهِ، وَعَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ بِهِمَا؛ فَيَعْقِلَ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، ثُمَّ رَكَّبَ خَلْقَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، ثُمَّ كَسَى عِظَامَهُ اللَّحْمَ، وَالشَّعْرَ، وَالْجِلْدَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، كُلُّ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى وَيَعْقِلُ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾، قَالَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَامَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، وَبُعِثَ فِي آخِرِ النَّهَارِ وَالشَّمْسُ لَمْ تَغِبْ، فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، وَلَمْ يَتِمَّ لِي يَوْمٌ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ﴾ يَعْنِي الطَّعَامَ؛ الْخُبْزَ الْيَابِسَ، وَشَرَابَهُ؛ الْعَصِيرَ الَّذِي كَانَ اعْتَصَرَ فِي الْقَصْعَةِ، فَإِذَا هُمَا عَلَى حَالِهِمَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْعَصِيرُ وَالْخُبْزُ يَابِسٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يَعْنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَكَذَلِكَ التِّينُ وَالْعِنَبُ غَضٌّ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَالِهِمَا، فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَنْكَرْتَ مَا قُلْتُ لَكَ؟ انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ. فَنَظَرَ فَإِذَا حِمَارُهُ قَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ وَصَارَتْ نَخِرَةً، فَنَادَى الْمَلَكُ عِظَامَ الْحِمَارِ، فَأَجَابَتْ وَأَقْبَلَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى رَكَّبَهُ الْمَلَكُ، وَعُزَيْرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهَا الْعُرُوقَ وَالْعَصَبَ، ثُمَّ كَسَاهَا اللَّحْمَ، ثُمَّ أَنْبَتَ عَلَيْهَا الْجِلْدَ وَالشَّعْرَ،

стр. 129

ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الْمَلَكُ، فَقَامَ الْحِمَارُ رَافِعًا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، نَاهِقًا يَظُنُّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾؛ يَعْنِي انْظُرْ إِلَى عِظَامِ حِمَارِكَ كَيْفَ نُرَكِّبُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي أَوْصَالِهَا، حَتَّى إِذَا صَارَتْ عِظَامًا مُصَوَّرًا حِمَارًا بِلَا لَحْمٍ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ نَكْسُوهَا لَحْمًا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهِ. فَرَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى أَتَى مَحِلَّتَهُ فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ، وَأَنْكَرَ النَّاسَ، وَأَنْكَرَ مَنَازِلَهُمْ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَهَمٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، كَانَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ عُزَيْرٌ وَهِيَ بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، كَانَتْ عَرَفَتْهُ وَعَقَلَتْهُ، فَلَمَّا أَصَابَهَا الْكِبَرُ أَصَابَهَا الزَّمَانَةُ فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: يَا هَذِهِ أَهَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ. فَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا وَقَدْ نَسِيَهُ النَّاسُ. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ، كَانَ اللَّهُ أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي. قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْنَاهُ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ. قَالَتْ: فَإِنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، يَدْعُو لِلْمَرِيضِ وَلِصَاحِبِ الْبَلَاءِ بِالْعَافِيَةِ وَالشِّفَاءِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتَّى أَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ. قَالَ: فَدَعَا رَبَّهُ وَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى عَيْنَيْهَا فَصَحَّتَا وَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ: قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ. فَأَطْلَقَ اللَّهُ رِجْلَيْهَا، فَقَامَتْ صَحِيحَةً كَأَنَّمَا نَشِطَتْ مِنْ عِقَالٍ، فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ وَانْطَلَقَتْ إِلَى مَحِلَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَمَانِي عَشْرَ سَنَةً وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَنَادَتْهُمْ فَقَالَتْ: هَذَا عُزَيْرٌ قَدْ جَاءَكُمْ. فَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةٌ مَوْلَاتُكُمْ دَعَا لِي رَبَّهُ، فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَأَطْلَقَ رِجْلَيَّ، وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. فَنَهَضَ النَّاسُ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَقَالَ ابْنُهُ: كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِينَا أَحَدٌ حَفِظَ التَّوْرَاةَ فِيمَا حُدِّثْنَا غَيْرُ عُزَيْرٍ، وَقَدْ حَرَّقَ بُخْتُ نَصَّرَ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا مَا حَفِظَتِ الرِّجَالُ؛ فَاكْتُبْهَا لَنَا. وَكَانَ أَبُوهُ سَرُوخَا قَدْ دَفَنَ التَّوْرَاةَ أَيَّامَ بُخْتُ نَصَّرَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُزَيْرٍ، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَحَفَرَهُ فَاسْتَخْرَجَ التَّوْرَاةَ، وَكَانَ قَدْ عَفِنَ الْوَرَقُ، وَدَرَسَ الْكِتَابُ.

стр. 130

فَجَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ حَوْلَهُ، فَجَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ، وَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ شِهَابَانِ، حَتَّى دَخَلَا جَوْفَهُ، فَتَذَكَّرَ التَّوْرَاةَ، فَجَدَّدَهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - جَلَّ اللَّهُ وَعَزَّ - لِلَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ الشِّهَابَيْنِ وَتَجْدِيدِهِ التَّوْرَاةَ وَقِيَامِهِ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فقال بَنُو إِسْرَائِيلَ: لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَنَا بِالتَّوْرَاةِ إِلَّا فِي كِتَابٍ، وَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ جَاءَنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ. فَرَمَاهُ طَوَائِفُ مِنْهُمْ، وَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَكَانَ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ بِأَرْضِ السَّوَادِ بِدَيْرِ حَزْقِيلَ. وَالْقَرْيَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا يُقَالُ لَهَا: سَايْرَابَاذَ. فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ يَعْنِي لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ مَعَ بَنِيهِ وَهُمْ شُيُوخٌ وَهُوَ شَابٌّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَبَعَثَهُ اللَّهُ شَابًّا، كَهَيْئَةِ يَوْمَ مَاتَ (١). والْمَشْهُورُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ كَانَ فِيمَا بَيْنَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبَيْنَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى.

стр. 131

اختلاف بني إسرائيل ثم إنَّ بني إسرائيل اخْتَلَفُوا وتفرقوا فِي اتباع الْحَقِّ بَعْدَ أن هَدَاهُمْ الله وَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقَّ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، وفضلهم على أهل زمانهم من الأمم المعاصرة لهم وبَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ وأخذ عليهم الميثاق، ولَمْ يَكُنْ اخْتِلَافُهُمْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ؛ بَلْ عَلِمُوا الْحَقَّ وَلَكِنْ بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا يَبْغِي الْحَاسِدُ عَلَى الْمَحْسُودِ. وكان اختلافهم لِتَحَاسُدِهِمْ وَتَبَاغُضُهِمْ وَتَدَابُرِهِمْ، إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية والدنيوية لها دون غيرها، وحَمَلَهم البغيُ والعنادُ لغيرهم عَلَى مُخَالَفَتِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا، فَيَتَّبِعُ بعضهم هَوَاهُ وَيُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ وَهو يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَزِيغُ عَنْهُ.

стр. 132

تحريف اليهود التوراة وكَانَ كُفْرُ الْيَهُودِ بِتَبْدِيلِهِمْ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ قَبْلَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَتَصَرَّفُوا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا تَصَرَّفُوا فِي مَعَانِيهَا (١). وكما فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ: (اذْبَحِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ)؛ أضافوا فِي نُسْخَةٍ: (بِكْرَكَ إِسْحَاقُ)، ولَفْظَةُ "إِسْحَاقَ" محرفة بلا شك؛ لِأَنَّ الْوَحِيدَ وَهُوَ الْبِكْرُ إِسْمَاعِيلُ لأنه ولد قبل إسحاق بأربع عشر سَنَةً فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَحِيدُ الْبِكْرَ إِسْحَاقُ. وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَسَدُ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ أبوهم إسماعيل هو الذَّبِيحُ، فَأَرَادُوا أَنْ يَذْهَبُوا بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لَهُمْ فَزَادُوا ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ افْتِرَاءً عَلَى الله وعلى رسوله ﵇. واليهود بأيديهم نسخة من التوراة تغاير نسخة السامرة -وهم فرقة من اليهود-، والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعان أيضاً، وَهَكَذَا فِي تَوْرَاةِ السَّامِرَةِ فِي الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ زِيَادَةُ الْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الطُّورِ فِي الصَّلَاةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ نُسَخِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وليس في توراة السامرة حرف الهمزة ولا حرف الياء، والنصارى أيضا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة، وهي مخالفة لنسختي اليهود والسامرة، وَأَمَّا التَّوْرَاةِ الْمُعَرَّبَةِ فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي تَبْدِيلِهَا وَتَحْرِيفِ كَثِيرٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا وَتَغْيِيرِ الْقَصَصِ وَالْأَلْفَاظِ وَالزِّيَادَاتِ وَالنَّقْصِ الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ وَفِيهَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ وَالْخَطَأِ الْفَاحِشِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا (٢). وإنّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا مَاتَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، يُقِيم أَمْرَهُمْ وَيُزِيل مَا غَيَّرُوا مِنْ أَحْكَام التَّوْرَاة.

стр. 133

زكريا ويحيى وآل عمران وكَانَ عِمْرَانُ بْنُ مَاثَانَ مِنْ وَلَدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، وَكَانَ آلُ مَاثَانَ رُءُوسَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارَهُمْ، وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِحَنَّةَ بَنْتِ فَاقُودَ، وَكَانَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ بَرْخِيَّا ﵇-نجّاراً (١)، مُتَزَوِّجًا من إيشَاعَ بِنْتِ عِمْرَانَ (٢) أخت مريم، وَكَانَتْ حَنَّةُ -امرأة عمران- قَدْ كَبِرَتْ واشْتَهَتِ الْوَلَدَ، فَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهَا وَلَدًا وَنَذَرَتْ إِنْ يَرْزُقْهَا وَلَدًا أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ سَدَنَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَخَدَمِهِ، فَحَرَّرَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ مَا هُوَ، وَكَانَ النَّذْرُ الْمُحَرَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُجْعَلَ لِلْكَنِيسَةِ يَقُومُ بِخِدْمَتِهَا وَلَا يَبْرَحُ مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ الْحُلُمَ، فَإِذَا بَلَغَ خُيِّرَ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا أَقَامَ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ. وَلَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ إِلَّا الْغِلْمَانُ، لِأَنَّ الْإِنَاثَ لَا يَصْلُحْنَ لِذَلِكَ لِمَا يُصِيبُهُنَّ مِنَ الْحَيْضِ وَالْأَذَى. ثُمَّ مَاتَ عِمْرَانُ وَحَنَّةُ حَامِلٌ بِمَرْيَمَ، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا إِذَا هِيَ أُنْثَى، فَقَالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ وَالْعِبَادِ الَّذِينَ فِيهَا، ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾، وَهِيَ بِلُغَتِهِمُ الْعِبَادَةُ. ثُمَّ لَفَّتْهَا فِي خِرْقَةٍ وَحَمَلَتْهَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَوَضَعَتْهَا عِنْدَ الْأَحْبَارِ أَبْنَاءِ هَارُونَ، وَهُمْ يَلُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَا يَلِي بَنُو شَيْبَةَ مِنَ الْكَعْبَةِ. فَقَالَتْ: دُونَكُمْ هَذِهِ الْمَنْذُورَةَ، فَتَنَافَسُوا فِيهَا لِأَنَّهَا بِنْتُ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ قُرْبَانِهِمْ. فَقَالَ زَكَرِيَّاءُ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، فَقَالُوا: لَكِنَّا نَقْتَرِعُ عَلَيْهَا. فَأَلْقَوْا أَقْلَامَهُمْ فِي نَهْرٍ جَارٍ، قِيلَ هُوَ نَهْرُ الْأُرْدُنِّ، فَأَلْقَوْا فِيهِ أَقْلَامَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَكْتُبُونَ بِهَا التَّوْرَاةَ، فَارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيَّاءَ فَوْقَ الْمَاءِ وَرَسَبَتْ أَقْلَامُهُمْ، فَأَخَذَهَا وَكَفِلَهَا وَضَمَّهَا إِلَى أختها (إيشاع) أُمِّ يَحْيَى وَاسْتَرْضَعَ لَهَا حَتَّى كَبِرَتْ، فَبَنَى لَهَا غُرْفَةً فِي الْمَسْجِدِ لَا يُرْقَى إِلَيْهَا إِلَّا بِسُلَّمٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَيْهَا غَيْرُهُ، وَكَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، فَيَقُولُ: أَنَّى لَكِ هَذَا؟

стр. 134

فَتَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيَّاءُ ذَلِكَ مِنْهَا؛ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَرَجَا الْوَلَدَ حَيْثُ رَأَى فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا بِمَرْيَمَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتِي حَتَّى تَلِدَ. فَـ ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي فِي الْمَذْبَحِ الَّذِي لَهُمْ إِذَا هُوَ بَرْجَلٍ شَابٍّ، وَهُوَ جَبْرَائِيلُ، فَفَزِعَ زَكَرِيَّاءُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. (١) وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى (يَحْيَى) وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مَنْ تَسَمَّى هَذَا الِاسْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٢)، وَكَانَ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَلَا يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ. قَالَ زكريا: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾؟ فَقِيلَ لَهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ اسْتِخْبَارًا هَلْ يُرْزَقُ الْوَلَدَ مِنِ امْرَأَتِهِ الْعَاقِرِ أَمْ غَيْرِهَا، لَا إِنْكَارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٣). فأَمْسَكَ اللَّهُ لِسَانَهُ عن الكلام مع الناس. فَلَمَّا وُلِدَ رَآهُ أَبُوهُ حَسَنَ الصُّورَةِ، قَلِيلَ الشَّعَرِ، قَصِيرَ الْأَصَابِعِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، دَقِيقَ الصَّوْتِ، قَوِيًّا فِي طَاعَةِ اللَّهِ مُذْ كَانَ صَبِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (٤). قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ يَوْمًا الصِّبْيَانُ أَمْثَالُهُ: يَا يَحْيَى اذْهَبْ بِنَا نَلْعَبْ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا لِلَّعِبِ خُلِقْتُ. ومَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا قَدْ أَخْطَأَ، أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ، لَيْسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا.

стр. 135

المسيح عيسى بن مريم ﵇ ووُلِد المسيح عيسى ابن مريم الصدِّيقة بمعجزة إلهية؛ فقد خُلق بكلمة من الله، من غير أب، حيث تنحّت مريم ﵍ عن أهلها (١)، وانفردت بمكان على جهة الشرق منهم. (٢) فاتخذت لنفسها من دون قومها ساترًا يسترها حتى لا يروها حال عبادتها لربها، فبعث الله إليها جبريل ﵇، فتمثل لها في صورة إنسان سَوِيّ الخِلقة، فخافت أنه يريدها بسوء. فلما رأته في صورة إنسان سَوِيّ الخَلْق يتّجه إليها قالت: إني أستجير بالرحمن منك أن ينالني منك سوء -يا هذا- إن كنت تقيًّا تخاف الله. فقال لها: أنا لست بشرًا، إنما أنا رسول من ربك أرسلني إليك لأهب لك ولدًا طيّبًا طاهرًا. قالت مريم متعجبة: كيف يكون لي ولد ولم يقربني زوج ولا غيره، ولست زانية حتى يكون لي ولد؟! فقال لها جبريل: الأمر كما ذكرت من أنك لم يمسسك زوج ولا غيره ولم تكوني زانية، لكن ربك سبحانه قال أن الخلق من غير أب هيّن عليه، وليكون الولد الموهوب لك علامة للناس على قدرة الله، ورحمة منه لك ولمن آمن به، وكان خَلْق ولدك هذا قضاء من الله مقدّرًا، مكتوبًا في اللوح المحفوظ. فَأَخَذَ بِكُمِّهَا فَنَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا وَكَانَ مَشْقُوقًا مِنْ قُدَّامِهَا فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ صَدْرَهَا فَحَمَلَتْ به بعد نفخ الملَك. فَأَتَتْهَا أُخْتُهَا امْرَأَةُ زَكَرِيَّا (٣) لَيْلَةً تَزُورُهَا فَلَمَّا فَتَحَتْ لَهَا الْبَابَ الْتَزَمَتْهَا فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا: يَا مَرْيَمُ أَشَعَرْتِ أَنِّي حُبْلَى؟ فَقَالَتْ مَرْيَمُ أَيْضًا: أَشَعَرْتِ أَنِّي حُبْلَى؟، فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا: فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكِ (٤). فَوَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا يَحْيَى (٥)، وَلَمَّا بَلَغَ أَنْ تَضَعَ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ فتنحت بحملها إلى مكان بعيد عن الناس. فألجأها المخاض إلى ساق نخلة، فقالت -اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ-: يا ليتني متّ قبل هذا اليوم، وكنت شيئًا لا يُذْكَر حتى لا يُظَن بي السوء. فناداها جبريل (٦) من تحتها في أسفل الوادي: لا تحزني، قد جعل ربك تحتك جدول ماءٍ تشربين منه.

стр. 136

وأمسكي بجذع النخلة وهزيه تساقط عليك رطبًا طريًّا يُجنى من ساعته. فكلي من الرطب، واشربي من الماء، وطيبي نفسًا بمولودك (١) ولا تحزني، فإن رأيت من الناس أحدًا فسألك عن خبر المولود فقولي له: إني أوجبت على نفسي لربي صمتًا عن الكلام، فلن أكلم اليوم أحدًا من الناس. فجاءت مريم بابنها إلى قومها تحمله، فقال لها قومها مستنكرين: يا مريم، لقد جئت أمرًا عظيمًا مفترى، حيث جئت بولد من غير أب. يا شبيهة هارون في العبادة (٢) ما كان أبوك زانيًا، ولا كانت أمك زانية، فأنت من بيت طاهر معروف بالصلاح، فكيف تأتين بولد من غير أب؟! فأشارت إلى ابنها عيسى ﵇ وهو في المهد، فقال لها قومها متعجبين: كيف نكلّم صبيًّا وهو في المهد؟! فقال عيسى ﵇: إني عبد الله، قد قضى أن ينزل عليّ كتابه الإنجيل، وجعلني نبيًّا من أنبيائه. وجعلني مباركاً كثير النفع للعباد أينما كنت، وأمرني بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة طيلة حياتي. وجعلني بارًّا بأمي، ولم يجعلني متكبرًا عن طاعة ربي، ولا عاصيًا له. والسلام عليّ والأمان من الشيطان وأعوانه يوم ميلادي ويوم موتي ويوم أُبعَثُ حيًّا يوم القيامة، فلا يتخبّطْني الشيطان ولا يضرني. وقد بعثه الله نبياً ورسولاً إلى بني إسرائيل، يدعو إلى توحيد الله، ويبشر بمقدم خاتم النبيين، وأيّده بالمعجزات العظيمة، فكان يصنع من الطين ما يشبه الطيور ثمَّ ينفخ فيها فتصبح طيوراً بإذن الله وقدرته، ويمسح الأكمه -وهو من وُلد أعمى- فيبرأ بإذن الله، ويمسح الأبرص فيذهب الله عنه برصه، ويمرُّ على الموتى فيناديهم فيحييهم الله تعالى، واستجاب الله له بإنزال المائدة من السماء عندما طلب الحواريون (٣) من عيسى إنزالها، وكانت على الحال التي طلبها عيسى عيداً لأولهم وآخرهم، وكان يخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم من طعام. ورَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟، قَالَ: كَلَّا، وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا سَرَقْتُ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِي.

стр. 137

نزول الإنجيل على المسيح ابن مريم وقد أُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ على المسيح عيسى ابن مريم ﵇ لِثَلَاث عَشْرَةَ ليلة مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، مصدقاً ومتمماً لما في التوراة وناسخاً لبعض شرائعها، وجاء فيه البشارة برسول الله محمد ﷺ (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) وجاء فيه صفة محمد ﷺ وأصحابه: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ).

стр. 138

ميثاق الأنبياء بالإيمان بمحمد ونصرته ومَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ وَلَا تَكْتَفُوا بِمَا عِنْدَكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ مَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ عَلَى أَنْ تَتْرُكُوا مُتَابَعَتَهُ بَلْ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَتَنْصُرُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ فَلَا يُغْنِيكُمْ مَا آتَيْتُكُمْ عَمَّا جَاءَ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ (١).

стр. 139

كفر اليهود بالمسيح ابن مريم ﵇ ثُمَّ أن اليهود كذّبوا الْمَسِيحَ ﵇ وكانوا يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَسِيحَ سَاحِرٌ كَذَّابٌ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وَلَدُ غَيَّةٍ (١)، وقالوا على أمه بهتاناً عظيماً، وحرّضوا عليه وسعوا في قتله، و (كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ) وقالوا: إن النصارى ليسوا على شيء من الدين الصحيح. (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا)، وزعموا مع ذلك أنهم (أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) وأنَّ عزيراً ابنُ الله، وأن يد الله مغلولة، وأن الله فقير وهم أغنياء، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 140

قتل يحيى بن زكريا ﵇ وإِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵇ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى ﵇: إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا، وَتَأمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ (١)، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ، أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ (٢) فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا عَمَلِي، فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ، فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟، وَإِنَّ اللهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَلَاةِ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فلَا تَلْتَفِتُوا، فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ (٣) مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ، وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ؟، فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ، وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللهِ كَثِيرًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا (٤) فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا (٥) فَتَحَصَّنَ فِيهِ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ (٦)، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ". وبُعِثَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ. وَكَانَ فِيمَا يَنْهَوْنَهُمْ عَنْهُ نِكَاحُ ابْنَةِ الْأَخِ.

стр. 141

وَكَانَتْ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجُهَا فَكَانَتْ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَةٌ يَقْضِيهَا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا؛ قَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ عَلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَكِ حَاجَتَكِ؛ فَقُولِي حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ لِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ سَأَلَهَا حَاجَتَهَا فَقَالَتْ: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَقَالَ: سَلِينِي غَيْرَ هَذَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْأَلُكَ إِلَّا هَذَا. فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ؛ دَعَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَدُعِي بِطَشْتٍ فَذَبَحَهُ (١).

стр. 142

قصة رفع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ إلى السماء واستمر المسيح ﵇ في دعوته مراغماً لليهود الذين أرادوا قتله، جرياً على عادتهم في قتل الأنبياء. واسْتَعَانَتِ الْيَهُودُ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ -عَلَى مُعَادَاةِ عِيسَى، ﵇، بِمُلُوكِ الْيُونَانِ، وَوَشَوْا عِنْدَهُمْ، وَأَوْحَوْا إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا يُفْسِدُ عَلَيْكُمُ الرَّعَايَا فَبَعَثُوا مَنْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ. ولَمَّا أراد اليهود قتل المسيح عِيسَى بن مريم ﵇ وأَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَه إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ المسيح إِلَى أَصْحَابِهِ - وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا - مِنْ عين (١) فيِ الْبَيْتِ، وَرَأسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ سَيَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ سَيُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكَانِي، وَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟، فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ عِيسَى: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى، وَرُفِعَ عِيسَى ﵇ مِنْ رَوْزَنَةٍ (٢) كَانَتْ فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. وسيعود ﵇ وينزل من السماء قبيل قيام الساعة حاكماً بالإسلام (٣).

стр. 143

زعم اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه وبعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء جَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخَذُوا الشَّبِيهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ، ثم زعم اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه وقالوا: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)، وحقيقة الأمر أنهم (مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).

стр. 144

الخراب الثاني لبيت المقدس ثم كان َالْخَرَابُ الثَّانِي بَعْدَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَالْمَسِيحِ بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وقَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيَّ. بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ: خَردُوسُ (١)، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِأَهْلِ بَابِلَ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالشَّأْمِ، وَقَدْ قِيلَ: هَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. وبَعْدَ الْخَرَابِ الثَّانِي تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَالَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ. وَالْمَسِيحُ جَاءَ بِالْحَقِّ فكان نَسْخُ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ مَنْ جَاءَ بِشَرْعٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ أَوْ أَرَادَ اتِّبَاعَ شَرْعِهِ بَعْدَ النَّسْخِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِهِمْ وَأَزَالَ دَوْلَتَهُمْ (٢).

стр. 145

شاؤول اليهودي (بولس) يحرف دين النصارى ثم جاء بولس (شاؤول اليهودي) وهو أول من حرف الديانة النصرانية، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولم تثبت له رؤية المسيح ﵇ في حياته، وكان بولس عارفاً بالفلسفة الإغريقية ومدرسة الإسكندرية متأثراً بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم وتعتبرهما شرّاً وخبثاً، وبالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، حسب عقيدة بلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان. وكان بولس من أشدّ الناس اضطهاداً وتعذيباً لأتباع المسيح ﵇، ثم تظاهر بالنصرانية وادعى أنه التقى مع المسيح وأن المسيح ظهر له فجأة في الطريق، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى مغيّر لرسالة المسيح، واختلق عقيدة التثليث للنصارى، ودعا إلى تأليه المسيح وأنه ابن الله، وزعم أن المسيح صلب تكفيراً عن خطيئة آدم وفداء عن البشرية وإثمها الذي تحملته بعد ذلك، لكي يجد مبرراً لصلب المسيح حسب ما توهمه، وكتب كتاباً يحوي أربع عشرة رسالة ادعى أتباعه أنه كتبها بالإلهام، وهي التي تشكلت منها الديانة النصرانية المحرفة، وأضيفت إلى ما يسمونه بـ (العهد الجديد) في الكتاب المقدس، وكذلك نَسَخَ الختان، واستبدل السبت بالأحد، وغير ذلك من تحريفاته، كما زعم بولس أن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة. وعقيدة التثليث التي ابتدعها بولس لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، ولم ترد في التوراة، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم.
следующие страницы →