Полный текст (447 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وَكَانَتْ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجُهَا فَكَانَتْ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَةٌ يَقْضِيهَا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا؛ قَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ عَلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَكِ حَاجَتَكِ؛ فَقُولِي حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ لِي يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ سَأَلَهَا حَاجَتَهَا فَقَالَتْ: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فَقَالَ: سَلِينِي غَيْرَ هَذَا، فَقَالَتْ: مَا أَسْأَلُكَ إِلَّا هَذَا. فَلَمَّا أَبَتْ عَلَيْهِ؛ دَعَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، وَدُعِي بِطَشْتٍ فَذَبَحَهُ (١) . الحواشي
(١) وكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى ﵇. وكان يحيى بن زكريا من ذرية سليمان بن داود ﵈. وقيل أن زكريا قُتل أيضاً بعد ابنه يحيى- ﵉. وقيل: أن زكريا مات موتاً ولم يقتل. وأن الذي نشر بالمنشار هو شعيا ﵇.стр. 142
قصة رفع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ إلى السماء
واستمر المسيح ﵇ في دعوته مراغماً لليهود الذين أرادوا قتله، جرياً على عادتهم في قتل الأنبياء. واسْتَعَانَتِ الْيَهُودُ -قَبَّحَهُمُ اللَّهُ -عَلَى مُعَادَاةِ عِيسَى، ﵇، بِمُلُوكِ الْيُونَانِ، وَوَشَوْا عِنْدَهُمْ، وَأَوْحَوْا إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا يُفْسِدُ عَلَيْكُمُ الرَّعَايَا فَبَعَثُوا مَنْ يَقْبِضُ عَلَيْهِ. ولَمَّا أراد اليهود قتل المسيح عِيسَى بن مريم ﵇ وأَرَادَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَه إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ المسيح إِلَى أَصْحَابِهِ - وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا - مِنْ عين (١) فيِ الْبَيْتِ، وَرَأسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ سَيَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ سَيُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكَانِي، وَيَكُونُ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟، فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ عِيسَى: اجْلِسْ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا، فَقَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى، وَرُفِعَ عِيسَى ﵇ مِنْ رَوْزَنَةٍ (٢) كَانَتْ فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. وسيعود ﵇ وينزل من السماء قبيل قيام الساعة حاكماً بالإسلام (٣) . الحواشي
(١) يعني: عين الماء، مكان الاغتسال.(٢) الروزنة: الطاق في أعلى الجدار. أي: النافذة الصغيرة القريبة إلى السقف في أعلى الجدار.(٣) كما سيأتي بيان ذلك بمشيئة الله في فصول هذا الكتاب.стр. 143
زعم اليهود أنهم قتلوا المسيح وصلبوه
وبعد رفع عيسى ﵇ إلى السماء جَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخَذُوا الشَّبِيهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ، ثم زعم اليهود أنهم قتلوا عيسى وصلبوه وقالوا: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)، وحقيقة الأمر أنهم (مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ).
стр. 144
الخراب الثاني لبيت المقدس
ثم كان َالْخَرَابُ الثَّانِي بَعْدَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَالْمَسِيحِ بِنَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً، لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وقَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا الَّذِي يُسَمِّيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيَّ. بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ: خَردُوسُ (١) ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِأَهْلِ بَابِلَ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ بِالشَّأْمِ، وَقَدْ قِيلَ: هَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾.
وبَعْدَ الْخَرَابِ الثَّانِي تَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ حِينِئِذٍ زَالَ مُلْكُهُمْ وَقَطَّعَهُمُ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، وَكَانُوا تَحْتَ حُكْمِ الرُّومِ وَالْفُرْسِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ مُلْكٌ.
وَالْمَسِيحُ جَاءَ بِالْحَقِّ فكان نَسْخُ شَرْعِ التَّوْرَاةِ، وَمَنِ اتَّبَعَ الْمَسِيحَ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمَسِيحُ فَإِنَّهُ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ مَنْ جَاءَ بِشَرْعٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْمَسِيحُ أَوْ أَرَادَ اتِّبَاعَ شَرْعِهِ بَعْدَ النَّسْخِ؛ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَسَخَ اللَّهُ مَا نَسَخَهُ مِنْ شَرْعِهِمْ وَأَزَالَ دَوْلَتَهُمْ (٢) . الحواشي
(١) وفي بعض الكتب اسمه: (جُودَرْسُ). وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَذْكُورِينَ بِالْعِلْمِ يَظُنُّ أَنَّ (بُخْتَ نَصَّرَ) هُوَ الَّذِي قَدِمَ الشَّامَ لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَهَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعِنْدَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بَاطِلٌ، وَالْمُتَوَاتِرُ أَنَّ (بُخْتَ نَصَّرَ) هُوَ الَّذِي قَدِمَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى بعد مقتل شعيا ﵇. ويحتمل أن الملك الذي دمر بيت المقدس بعد زمن يحيى ﵇ كان يلقب بـ "بختنصر"، لمشابهته لبختنصر الأول في القسوة والشدة والتخريب.(٢) وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالنَّصَارَى لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ ولم يتبعوه؛ فأَزَالَ دَوْلَتَهُمْ عَنْ وَسَطِ الْأَرْضِ وَخِيَارِهَا.стр. 145
شاؤول اليهودي (بولس) يحرف دين النصارى
ثم جاء بولس (شاؤول اليهودي) وهو أول من حرف الديانة النصرانية، ولم يكن من تلاميذ المسيح، ولم تثبت له رؤية المسيح ﵇ في حياته، وكان بولس عارفاً بالفلسفة الإغريقية ومدرسة الإسكندرية متأثراً بالفلسفة الأفلاطونية والرواقية التي تنبذ المادة والجسم وتعتبرهما شرّاً وخبثاً، وبالطقوس الوثنية في التضحية الفدائية للتكفير عن خطايا الناس، حسب عقيدة بلاد اليونان التي تؤمن بالآلهة التي ماتت لتفتدي بموتها بني الإنسان.
وكان بولس من أشدّ الناس اضطهاداً وتعذيباً لأتباع المسيح ﵇، ثم تظاهر بالنصرانية وادعى أنه التقى مع المسيح وأن المسيح ظهر له فجأة في الطريق، وتحول بولس من عدو لأتباع المسيح إلى مغيّر لرسالة المسيح، واختلق عقيدة التثليث للنصارى، ودعا إلى تأليه المسيح وأنه ابن الله، وزعم أن المسيح صلب تكفيراً عن خطيئة آدم وفداء عن البشرية وإثمها الذي تحملته بعد ذلك، لكي يجد مبرراً لصلب المسيح حسب ما توهمه، وكتب كتاباً يحوي أربع عشرة رسالة ادعى أتباعه أنه كتبها بالإلهام، وهي التي تشكلت منها الديانة النصرانية المحرفة، وأضيفت إلى ما يسمونه بـ (العهد الجديد) في الكتاب المقدس، وكذلك نَسَخَ الختان، واستبدل السبت بالأحد، وغير ذلك من تحريفاته، كما زعم بولس أن المسيح سيحاسب الناس يوم القيامة.
وعقيدة التثليث التي ابتدعها بولس لم يأت بها نبي من الأنبياء، ولا نزلت في كتاب من الكتب السماوية، ولم ترد في التوراة، وعلماء اليهود من عهد موسى ﵇ إلى هذا الزمان لا يعترفون بعقيدة التثليث، ولا يرضون بنسبتها إلى كتبهم.
стр. 146
إنجيل برنابا ينقض تحريفات بولس
وأدت انحرافات بولس إلى افتراق برنابا (١) الحواري عنه في رحلاته وكتابته لإنجيل برنابا والذي صرح فيه بتوحيد الله تعالى وبالبشارة بالنبي محمد ﵌ وقال ببشرية عيسى ﵇ وأنكر صلبه، وذكر أنه ألقي الشبه على يهوذا الإسخريوطي؛ كما ذكر أن الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق (٢) . الحواشي
(١) برنابا هو أحد الحواريين تلامذة عيسى ﵇.(٢) وأقدم خبر عن (إنجيل برنابا) كان قريباً من عام(٤٩٢) م، حين أصدر البابا (جلاسيوس) الأول أمراً يحرم فيه مطالعة عدد من الكتب، كان منها كتاب يسمَّى (إنجيل برنابا) وهذا كان قبل مبعث النبي محمد ﷺ ، ثم لم يظهر له خبر بعد ذلك إلا في أواخر القرن السادس عشر الميلادي حيث عثر الراهب اللاتيني (فرامرينو) على رسائل (لإريانوس) يندد فيها ببولس، وأسند (إريانوس) تنديده هذا إلى إنجيل برنابا، فحرص هذا الراهب على الاطِّلاع على هذا الإنجيل وبحث عنه إلى أن وجده في مكتبة البابا (سكتس) الخامس، وطالعه بشغف شديد ثم أسلم.
كما عثر (كريمر) أحد مستشاري ملك بروسيا على نسخة لإنجيل برنابا باللغة الايطالية عند أحد وجهاء مدينة أمستردام، وأهداها (كريمر) إلى الأمير (إيوجين سافوي) ثم انتقلت إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا، حيث هي موجودة الآن، وقد ترجمت إلى الإنجليزية وغيرها. وقد كان في الأصل الأول للإنجيل التعبير في البشارات عن اسم النبي بكلمة «البارقليط» واللفظ الأصلي «بيركلي طوس»، ولكنه لما ترجم إلى العربية فسرها بعضهم (بالمخلص)، وفسرها اخرون (بالمعزي)، وأصل معنى البارقليط في اليونانية القديمة: الذي له حمد كثير، قال الألوسي: إنه لفظ يؤذن بالحمد.стр. 147
تحريف الإنجيل واختلاف نُسَخه
وكان الإنجيل كتاباً موجوداً ومعروفاً لدى النصارى الأوائل بأنه (إنجيل الله) أو (إنجيل المسيح)، وقد ذكره بولس في رسائله، لكن النصارى لا يعرفون شيئاً عن مصير ذلك الإنجيل، ولا أين ذهب، وقد صار عند النصارى -بدل ذلك الإنجيل الواحد- أناجيل كثيرة مختلفة ومتناقضة، أشهرها أربعة أناجيل مِنْ طريق مُرْقُسٍ وَلُوقَا وَمَتَّى وَيُوحَنَّا، وليس لها سند متصل، وهي أَشَدُّ اخْتِلَافًا وتحريفاً وَأَكْثَرُ زِيَادَةً وَنَقْصًا وَأَفْحَشُ تَفَاوُتًا مِنَ التَّوْرَاةِ المحرفة (١) . الحواشي
(١) والأناجيل الأربعة الموجودة اليوم لا توجد فيها أحكام شرعية وقد اضطر النصارى المتأخرون ليأخذوا بعض أحكام الميراث الإسلامية من شرح مجلة الأحكام العدلية.стр. 148
بنو إسرائيل كتبوا كتاباً فاتبعوه وتركوا التوراة
ثم إنّ بني إسرائيل كتبوا كتاباً، فاتبعوه، وتركوا التوراة التي أنزلت على موسى، والكتاب المقدس عند اليهود والنصارى (البايبل) يتكون من قسمين:
القسم الأول: العهد القديم، وهو التوراة التي لم تسلم من التحريف والتبديل والتي يؤمن بها اليهود والنصارى وتتكون من الأسفار الخمسة المنسوبة لموسى، وأضيف معها الأسفار التاريخية المنسوبة لعدد من الأنبياء، وأسفار الشعر والحكمة وتنسب في غالبها إلى داود وسليمان، ومن المزامير ما ينسب إلى آخرين مجهولين، والأسفار النبوية وتتكون من سبع عشرة سفراً، وأسفار الأبوكريفا السبعة وبعض الكنائس المسيحية تزيد أسفاراً أخرى.
والقسم الثاني: العهد الجديد، هو مجموعة الأناجيل الأربعة والرسائل الملحقة بها، وينسب إلى ثمانية من المحررين ينتمون إلى الجيل الأول والثاني من النصرانية، وهم متى ومرقس ولوقا ويوحنا أصحاب الأناجيل، ثم بولس صاحب الأربع عشرة رسالة، ثم بطرس ويعقوب ويهوذا، تلاميذ المسيح الذين تنسب إليهم القليل من الرسائل (١) .
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا هُوَ من عِنْد الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ)، (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قليلاً)، (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، وَيلبسُونَ الْحق بِالْبَاطِلِ ويكتمون الْحق وهم يعلمُونَ.
ودل على تحريف كتبهم التي بين أيديهم: انقطاع سندها، والتناقض الواضح بين نصوصها، واختلاف نُسخها وعدد أسفارها، وشهادة بعض علماء اليهود والنصارى على وقوع التحريف في كتبهم؛ وخاصة من رجع منهم إلى الحق واتبع شريعة محمد ﷺ . الحواشي
(١) ومما كتبه اليهود أيضاً كتاب التلمود، ومنه تلمود بابل وتلمود القدس.стр. 149
تحريف النصارى دينهم وتفرقهم
ثم إنّ النَّصَارَى -بعد فتنة بولس وتحريفه لدين المسيح ﵇ تفرقوا واختلفوا (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، فَتَفَرَّقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَت فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا اللهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَّةِ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ (الأرثدوكس)، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ النَّسْطُورِيَّةِ أَصْحَابُ نَسْطُورَسَ (الكاثوليك)، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ هم الْمُسْلِمُونَ المتبعون للمسيح ﵇، ومنهم الْأَرْيُوسِيَّةِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْيُوسَ.
فأما النسطورية والعقوبية وما تفرع عنهم من فرق كافرة؛ فكلُّ فِرْقَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى وَتَعْتَقِدُ تَخْلِيدَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَلَا ترى مُجَامَعَتَهُمْ فِي الْمَعَابِدِ وَالْكَنَائِسِ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ بالتثليث، وَلَكِنْ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِيمَا بَيْنُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ هَلْ تَدَرَّعَهُ؟ أَوْ حَلَّ فِيهِ؟ أَوِ اتَّحَدَ بِه؟ ِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ شَدِيدٌ وَكُفْرُهُمْ بِسَبَبِهِ غَلِيظٌ.
стр. 150
تغيير الملك قسطنطين دين النصارى
وبَعْدَ رفع الْمَسِيحِ ﵇ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ اختلف البتاركة الْأَرْبَعَةُ وَجَمِيعُ الْأَسَاقِفَةِ وَالْقَسَاوِسَةُ وَالشَّمَامِسَةُ وَالرَّهَابِينُ فِي الْمَسِيحِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا تَنْضَبِطُ وَاجْتَمَعُوا وَتَحَاكَمُوا إِلَى الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ -بَانِي القسطنطينة- فلجؤوا للتصويت وقرروا عقيدة التثليث في مجمع نيقية سنة ٣٢٥ م وصَارَ الْمَلِكُ إِلَى قَوْلِ أَكْثَرِ فِرْقَةٍ اتَّفَقَتْ عَلَى قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْمَقَالَاتِ، فَسُمُّوا: الْمَلَائِكَةَ، وسموا أيضاً: الْمَلَكِيَّةِ نسبة إلى المَلِك، فنصرهم وبنى لهم آلاف الكنائس ذات التصاوير والتماثيل وَدَحَضَ مَنْ عَدَاهُمْ.
وخَالَفَ أغلبُ النصارى أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي أشياء كثيرة شَرَعُوهُا لِأَنْفُسِهِمْ، فَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُمْ إِلَى الشَّرْقِ وَلَيْسَتْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا وَلَا مَأْمُورًا بِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ، وعَمَدُوا في بناء كنائسهم إِلَى مَا كَانَ مِنْ بِنَاءِ الْيُونَانِ وَحَوَّلُوا مَحَارِيبَهَا إِلَى الشَّرْقِ لِأَنَّهَا مَطْلِعُ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ وَقَدْ كَانَتْ تلك الأبنية إِلَى الشَّمَالِ إِلَى الْجَدْيِ، وَصَلَّوْا إِلَى الشَّرْقِ وَلَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ صَلَّى إِلَّا إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهَكَذَا تَصْوِيرُهُمْ الصور والأصنام في كَنَائِسَهُمْ وَلَمْ تَكُنْ مُصَوَّرَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُمُ الْخِتَانَ، وَنَقْلُهُمْ صِيَامَهُمْ إِلَى زمن الربيع، وزيادته إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، وَأَحَلُّوا أَشْيَاءَ هِيَ حَرَامٌ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ وَمِنْ ذَلِكَ أكل الْخِنْزِيرُ، وَوَضْعُهُمُ عقيدة التثليث المتناقضة الَّتِي يحفظها أطفالهم ونساؤهم وَرِجَالُهُمُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِـ (الْأَمَانَةِ) وَيَخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِيرِهَا وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَكْبَرُ الْكُفْرِ وَالْخِيَانَةِ، وَابتدعوا (الرَّهْبَانِيَّةُ) وَهِيَ تَرْكُ التَّزْوِيجِ لِمَنْ أَرَادَ التَّعَبُّدَ وَتَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ، وَكَتبوا الْقَوَانِينَ الَّتِي وَضَعَتْهَا لَهُمُ الْأَسَاقِفَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَر، فَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ابْتَدَعُوهَا وَوَضَعُوهَا فِي أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قسطن بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ باتفاق معه، (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) يُحَرِّمُونَ لهم مَا أَحَلَّ اللهُ، وَيُحِلُّونَ لهم مَا حَرَّمَ اللهُ فيتبعونهم (١) . الحواشي
(١) ويدعي البابوات في العصور الوسطى واليوم أنهم يملكون حق التحليل والتحريم ولو خالف ذلك شريعة التوراة؛ اتباعاً لما ادعاه بولس وما ينسبونه إلى بطرس، ثم في المجمع المسكوني الذي عقده البابوات في الستينيات من القرن العشرين أعلنوا براءة اليهود من دم المسيح!! فخالفوا بذلك حتى أناجيلهم ودينهم.стр. 151
اضطهاد الآريوسيين الموحدين
ثُمَّ تَظَاهَرَت الفرقُ الْكَافِرَة (الْمَلَكِيَّةِ والنَّسْطُورِيَّةِ والْيَعْقُوبِيَّةِ) عَلَى الْمُسْلِمَةِ (الْأَرْيُوسِيَّةِ)، فَقَاتَلُوهَا وحرضوا عليها الملك.
وكَانَ فِي الْأَرْيُوسِيِّين النصارى مُؤْمِنُونَ موحدون يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ، فَقِيلَ للملك قسطنطين: مَا نَجِدُ شَتْمًا أَشَدَّ مِنْ شَتْمِ هَؤُلَاءِ، إِنَّهُمْ يَقْرَءُونَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ وَهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ يَعِيبُونَ بِهَا أَعْمَالَنَا فِي قِرَاءَتِهِمْ، فَادْعُهُمْ فَلْيَقْرَءُوا كَمَا نَقْرَأُ، وَلْيُؤْمِنُوا كَمَا آمَنَّا، فَدَعَاهُمْ فَجَمَعَهُمْ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلَ، أَوْ يَتْرُكُوا قِرَاءَةَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ إِلَّا مَا بَدَّلُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: مَا تُرِيدُونَ إِلَى ذَلِكَ؟، دَعُونَا. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: ابْنُوا لَنَا أُسْطُوَانَةً، ثُمَّ ارْفَعُونَا إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْطُونَا شَيْئًا نَرْفَعُ بِهِ طَعَامَنَا وَشَرَابَنَا، فلَا نَرِدُ عَلَيْكُمْ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا نَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَنَهِيمُ، وَنَشْرَبُ كَمَا يَشْرَبُ الْوَحْشُ، فَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْنَا فِي أَرْضِكُمْ فَاقْتُلُونَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مِنْهُمْ ابْنُوا لَنَا دُورًا فِي الْفَيَافِي وَنَحْتَفِرُ الْآبَارَ، وَنَحْتَرِثُ الْبُقُولَ، فلَا نَرِدُ عَلَيْكُمْ وَلَا نَمُرُّ بِكُمْ، -وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْقَبَائِلِ إِلَّا وَلَهُ حَمِيمٌ فِيهِمْ- فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وتفرق أصحابها فَسَكَنُوا الْبَرَارِيَ وَالْبَوَادِيَ وَبَنَوُا الصَّوَامِعَ وَالدِّيَارَاتِ وَالْقَلَّايَاتِ وَقَنِعُوا بِالْعَيْشِ الزَّهِيدِ، وقد قال الله فيهم: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ، فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ وَالْآخَرُونَ (١) قَالُوا: نَتَعَبَّدُ كَمَا تَعَبَّدَ فُلَانٌ، وَنَسِيحُ كَمَا سَاحَ فُلَانٌ، وَنَتَّخِذُ دُورًا كَمَا اتَّخَذَ فُلَانٌ، وَهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ، لَا عِلْمَ لَهُمْ بِإِيمَانِ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِ. الحواشي
(١) يعني: قلدهم آخرون -من النصارى المشركين- في الرهبنة دون أن يأخذوا منهم عقيدة التوحيد.стр. 152
فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللهُ النَّبِيَّ محمد ﷺ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ؛ انْحَطَّ رَجُلٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، وَجَاءَ سَائِحٌ مِنْ سِيَاحَتِهِ، وَصَاحِبُ الدَّيْرِ مِنْ دَيْرِهِ، فَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يَعْنِي: الطَّائِفَةَ الَّتِي آمَنَتْ فِي زَمَنِ عِيسَى ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ يَعْنِي: الطَّائِفَةَ الَّتِي كَفَرَتْ فِي زَمَنِ عِيسَى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم الموحدّون من النصارى ﴿عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ بِإِظْهَارِ مُحَمَّدٍ ﷺ بدين التوحيد عَلَى دِينِ الْمشركين من أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (١) . الحواشي
(١) النَّصَارَى كانوا مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ مُبَدَّدِينَ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى ظَهَرَ قُسْطَنْطِينُ -وهو أَحَدُ مُلُوكِ الْيُونَانِ- بَعْدَ رفع المسيح ﵇ بنحو من ثلثمائة سَنَةٍ، وَكَانَ فَيْلَسُوفًا قَبْلَ ذَلِكَ. فَدَخَلَ فِي دِينِ النَّصَارَى قِيلَ: تَقِيَّةً، وَقِيلَ: حِيلَةً لِيُفْسِدَهُ، فَوَضَعَتْ لَهُ الْأَسَاقِفَةُ مِنْهُمْ قَوَانِينَ وَشَرِيعَةً وَبِدَعًا أَحْدَثُوهَا، فَبَنَى لَهُمُ الْكَنَائِسَ والبيَع الْكِبَارَ وَالصِّغَارَ، وَالصَّوَامِعَ وَالْهَيَاكِلَ، وَالْمَعَابِدَ، وَالْقَلَايَاتِ. وَأَقَامَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ. لَكِنْ أَظْهَرَ دِينًا مُبَدَّلًا مُغَيَّرًا لَيْسَ هُوَ دِينَ الْمَسِيحِ ﵇، وَانْتَشَرَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ المحرّف فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَاشْتَهَرَ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَبْدِيلٍ وَتَغْيِيرٍ وَتَحْرِيفٍ، وَوَضْعٍ وَكَذِبٍ، وَمُخَالَفَةٍ لِدِينِ الْمَسِيحِ.
وَلَمْ يَبْقَ عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ عَلَى الْحَقِيقَةِ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ الرُّهْبَانِ، فَاتَّخَذُوا لَهُمُ الصَّوَامِعَ فِي الْبَرَارِي وَالْمَهَامَّةَ وَالْقِفَارِ، وَاسْتَحْوَذَتْ يدُ النَّصَارَى عَلَى مَمْلَكَةِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَبِلَادِ الرُّومِ، وَبَنَى هَذَا الْمَلِكُ الْمَذْكُورُ مَدِينَةَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، والقُمَامة، وَبَيْتَ لَحْمٍ، وَكَنَائِسَ بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمُدُنَ حَوْران كبُصرى وَغَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ بِنَاءَاتٍ هَائِلَةً مَحْكَمَةً، وَعَبَدُوا الصَّلِيبَ مِنْ حِينَئِذٍ، وَصَلَّوْا إِلَى الشَّرْقِ، وَصَوَّرُوا الْكَنَائِسَ، وَأَحَلُّوا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَحْدَثُوهُ مِنَ الْفُرُوعِ فِي دِينِهِمْ وَالْأُصُولِ، وَوَضَعُوا لَهُ الْأَمَانَةَ الْحَقِيرَةَ، الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْكَبِيرَةَ، وَصَنَّفُوا لَهُ الْقَوَانِينَ، وَعَظُمَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ جِدًّا بِسَبَبِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ وَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْهِمْ فَسَادًا لَا صَلَاحَ لَهُ وَلَا نَجَاحَ مَعَهُ وَلَا فَلَاحَ عِنْدِهِ.
وَمَعَ هَذَا فَكَانَتْ أَرْضُ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ كُفَّارًا مَجُوسًا وَمُشْرِكِينَ. وَكَانُوا فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ يَقْهَرُونَ النَّصَارَى عَلَى بِلَادِهِمْ، وَأَمَّا أَرْضُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَفِيهِمَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمُشْرِكِينَ أُمَمٌ، وَكَانَ الشِّرْكُ وَالْكُفْرُ ظَاهِرًا فِي أَرْضِ الْيَمَنِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ.
فَأَهْلُ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانُوا خَيْرًا مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا قَائِمِينَ بِمَا يَجِبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا شَرَائِعِ دِينِهِ، وَلَا كَانُوا قَاهِرِينَ لِأَكْثَرِ الْكُفَّارِ، وَلَا كَانُوا مَنْصُورِينَ عَلَيْهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا؛ الَّذِي دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ حَيْثُ قَالَا: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَظْهَرَ بِهِ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ظُهُورًا لَمْ يُعْرَفْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مِثْلُهُ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَظْهَرَ بِهِ مِنْ تَصْدِيقِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ مَا لَمْ يَكُنْ ظَاهِرًا لَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا غَيْرِهِمْ.
وصَارَ يَدُ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ سُلْطَانٌ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، وَقَهَرُوا فَارِسَ وَالرُّومَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَقَهَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالصَّابِئِينَ. فَظَهَرَ بِذَلِكَ تَحْقِيقُ قَوْلِهِ فِي التَّوْرَاةِ " وَتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الْجَمِيعِ وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ ". وَقَول: دَانْيَالُ ﵇، لما َذَكَرَ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِاسْمِهِ، فَقَالَ: " سَتَنْزِعُ فِي قَسِيِّكَ إِغْرَاقًا، وَتَرْتَوِي السِّهَامُ بِأَمْرِكَ يَا مُحَمَّدُ ارْتِوَاءً ".
وَقد قَالَ: دَانْيَالُ النَّبِيُّ - أَيْضًا - حِينَ سَأَلَهُ بُخْتُ نَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيَا رَآهَا، ثُمَّ نَسِيَهَا: " رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا، قَائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ، رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَسَاعِدَاهُ مِنَ الْفِضَّةِ، وَبَطْنُهُ وَفَخْذَاهُ مِنَ النُّحَاسِ، وَسَاقَاهُ مِنَ الْحَدِيدِ، وَرِجْلَاهُ مِنَ الْخَزَفِ، وَرَأَيْتَ حَجَرًا لَمْ تَقْطَعْهُ يَدُ إِنْسَانٍ، قَدْ جَاءَ وَصَكَّ ذَلِكَ الصَّنَمَ فَتَفَتَّتَ وَتَلَاشَى وَعَادَ رُفَاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّيَاحُ، فَذَهَبَ وَتَحَوَّلَ ذَلِكَ الْحَجَرُ فَصَارَ جَبَلًا عَظِيمًا حَتَّى مَلَأَ الْأَرْضَ كُلَّهَا، فَهَذَا مَا رَأَيْتَ أَيُّهَا الْمَلِكُ؟ ".
فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرُ: صَدَقَ؛ فَمَا تَأْوِيلُهَا؟
قَالَ دَانْيَالُ: " أَنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأَيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقُومُ بَعْدَكَ وَلَدَاكَ اللَّذَانِ رَأَيْتَ مِنَ الْفِضَّةِ، وَهُمَا دُونَكَ، وَيَقُومُ بَعْدَهُمَا مَمْلَكَةٌ أُخْرَى هِيَ دُونَهُمَا، وَهِيَ شِبْهُ النُّحَاسِ، وَالْمَمْلَكَةُ الرَّابِعَةُ تَكُونُ قَوِيَّةً مِثْلَ الْحَدِيدِ الَّذِي يَدُقُّ كُلَّ شَيْءٍ، فَأَمَّا الرِّجْلَانِ الَّتِي رَأَيْتَ مِنْ خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ وَكَلِمَتُهَا مُشَتَّتَةٌ، وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي رَأَيْتَ قَدْ صَكَّ ذَلِكَ الصَّنَمَ الْعَظِيمَ فَفَتَّتَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ يُقِيمُهُ اللَّهُ إِلَهُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنْ قَبِيلَةٍ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى تَمْتَلِئَ مِنْهُ الْأَرْضُ وَمِنْ أُمَّتِهِ، وَيَدُومُ سُلْطَانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، فَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنْ رُؤْيَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ".
فَهَذَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، وَدَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الْأَرْضِ وَأُمَمِهَا، حَتَّى امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ مِنْهُ وَمِنْ أُمَّتِهِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَسُلْطَانُهُ دَائِمٌ، لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُزِيلَهُ كَمَا زَالَ مِلْكُ الْيَهُودِ وَزَالَ مِلْكُ النَّصَارَى ودَوْلَتَهُمْ عَنْ خِيَارِ الْأَرْضِ وَأَوْسَطِهَا وَحَيْثُ بُعِثَتِ الْأَنْبِيَاءُ كَأَرْضِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فانْتَزَعَهَا مِنْهُمُ الصَّحَابَةُ، ﵃، وَكَانَ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.стр. 153
قصة سبأ وسد مأرب
وكَانَت مملكة سبأ -في اليمن- فِي غِبْطَةٍ عَظِيمَةٍ وَأَرْزَاقٍ دَارَّةٍ وَثِمَارٍ وَزُرُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَالسَّدَادِ وَطَرِيقِ الرَّشَادِ فَلَمَّا بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا؛ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ لَمَّا عَدَلُوا عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، وأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.
وذلك أَنَّ سَدَّ مَأْرِبَ كَانَ صَنْعَتَهُ؛ أَنَّ الْمِيَاهَ تَجْرِي مِنْ بَيْنِ جَبَلَيْنِ فَعَمَدُوا فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ فَسَدُّوا مَا بَيْنَهُمَا بِبَنَاءٍ مُحْكَمٍ جِدًّا حَتَّى ارْتَفَعَ الْمَاءُ فَحَكَمَ عَلَى أَعَالِي الْجَبَلَيْنِ، وَغَرَسُوا فِيهِمَا الْبَسَاتِينَ وَالْأَشْجَارَ الْمُثْمِرَةَ الْأَنِيقَةَ، وَزَرَعُوا الزُّرُوعَ الْكَثِيرَةَ. وكَانُوا فِي غِبْطَةٍ عَظِيمَةٍ وَعَيْشٍ رَغِيدٍ وَأَيَّامٍ طَيِّبَةٍ حَتَّى ذُكِرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تَمُرُّ بِالْمِكْتَلِ عَلَى رَأْسِهَا فَيَمْتَلِئُ مِنَ الثِّمَارِ مَا يَتَسَاقَطُ فِيهِ مِنْ نُضْجِهِ وَكَثْرَتِهِ، وأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْبَرَاغِيثِ وَلَا الدَّوَابِّ الْمُؤْذِيَةِ لِصِحَّةِ هَوَائِهِمْ وَطِيبِ فِنَائِهِمْ.
فَلَمَّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ، وَبَطَرُوا نِعْمَتَهُ، وَسَأَلُوا -بَعْدَ تَقَارُبِ مَا بَيْنَ قُرَاهُمْ، وَطِيبِ مَا بَيْنَهَا مِنَ الْبَسَاتِينِ، وَأَمْنِ الطُّرُقَاتِ- سَأَلُوا أَنْ يُبَاعَدَ بَيْنَ أَسْفَارِهِمْ، وَأَنْ يَكُونَ سَفَرُهُمْ فِي مَشَاقٍّ وَتَعَبٍ، وَطَلَبُوا أَنْ يُبَدَّلُوا بِالْخَيْرِ شَرًّا، كَمَا سَأَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَدَلَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى الْبُقُولَ وَالْقِثَّاءَ وَالْفُومَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ؛ فَسُلِبُوا تِلْكَ النِّعْمَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْحَسَنَةَ الْعَمِيمَةَ بِتَخْرِيبِ الْبِلَادِ وَالشَّتَاتِ عَلَى وُجُوهِ الْعِبَادِ، وأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى أَصْلِ السَّدِّ الْفَأرَ وَهُوَ الْجُرَذُ، وَيُقَالُ: الْخُلْدُ. فَلَمَّا فَطِنُوا لِذَلِكَ أَرْصَدُوا عِنْدَهَا السَّنَانِيرَ (القطط) فَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا إِذْ قَدْ حُمَّ الْقَدَرُ، وَلَمْ يَنْفَعِ الْحَذَرُ كَلَّا لَا وَزَرَ، فَلَمَّا تَحَكَّمَ فِي أَصْلِهِ الْفَسَادُ سَقَطَ وَانْهَارَ، فَسَلَكَ الْمَاءُ الْقَرَارَ، فَقُطِعَتْ تِلْكَ الْجَدَاوِلُ وَالْأَنْهَارُ، وَانْقَطَعَتْ تِلْكَ الثِّمَارُ، وَبَادَتْ تِلْكَ الزُّرُوعُ وَالْأَشْجَارُ، وَتَبَدَّلُوا بَعْدَهَا بِرَدِيءِ الْأَشْجَارِ وَالْأَثْمَارِ.
стр. 154
ولَمَّا هَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَخَرِبَتْ بِلَادُهُمُ احْتَاجُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْهَا، وَيَنْتَقِلُوا عَنْهَا، فَتَفَرَّقُوا فِي غَوْرِ الْبِلَادِ وَنَجْدِهَا أَيْدِيَ سَبَأٍ شَذَرَ مَذَرَ، فَنَزَلَتْ طَوَائِفُ مِنْهُمُ الْحِجَازَ، وَهُمْ خُزَاعَةُ نَزَلُوا ظَاهِرِ مَكَّةَ، وَمِنْهُمُ من نزل الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ وهم الأوس والخزرج فَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ سَكَنَهَا، ثُمَّ نَزَلَتْ عِنْدَهُمْ ثَلَاثُ قَبَائِلَ مِنَ الْيَهُودِ؛ بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَبَنُو النَّضِيرِ، فَحَالَفُوا الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ وَأَقَامُوا عِنْدَهُمْ، وَنَزَلَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِنْهُمُ الشَّامَ، وَهُمُ الَّذِينَ تَنَصَّرُوا فِيمَا بَعْدُ، وَهُمْ غَسَّانُ وَعَامِلَةُ وَبَهْرَاءُ وَلَخْمٌ وَجُذَامٌ وَتَنُوخُ وَتَغْلِبُ وَغَيْرُهُمْ.
وَلَيْسَ جَمِيعُ سَبَأٍ خَرَجُوا مِنَ الْيَمَنِ لَمَّا أُصِيبُوا بِسَيْلِ الْعَرِمِ؛ بَلْ أَقَامَ أَكْثَرُهُمْ بِهَا، وَذَهَبَ أَهْلُ مَأْرِبٍ الَّذِينَ كَانَ لَهُمُ السَّدُّ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ، وَبَقِيَ بِالْيَمَنِ مَذْحِجٌ وَكِنْدَةُ وَأَنْمَارٌ وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَنْمَارٌ هُوَ أَبُو خَثْعَمٍ وَبَجِيلَةَ وَحِمْيَرُ. فَهَؤُلَاءِ سِتُّ قَبَائِلَ مِنْ سَبَأٍ أَقَامُوا بِالْيَمَنِ، وَاسْتَمَرَّ فِيهِمُ الْمُلْكُ وَالتَّبَابِعَةُ.
стр. 155
قِصَّةُ تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ
ثم كانت قِصَّةُ تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ، وهو تُبَّانِ أَسْعَدَ، مَلِكِ الْيَمَنِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ مَعَ الشِّحْرِ وَحَضْرَمَوْتَ تُبَّعًا، كَمَا يُسَمُّونَ مَنْ مَلَكَ الشَّامَ مَعَ الْجَزِيرَةِ قَيْصَرَ، وَمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ كِسْرَى، وَمَنْ مَلَكَ مِصْرَ فِرْعَوْنَ، وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ النَّجَاشِيَّ، وَمَنْ مَلَكَ الْهِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مُلُوكِ حِمْيَرَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ بِلْقِيسُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا قِصَّتَهَا مَعَ سُلَيْمَانَ ﵇.
ومر تُبَّعٍ أَبِي كَرِبٍ بجيشه على المدينة وقاتل أهلها، فَبَيْنَما هوعَلَى ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ إِذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ عَالِمَانِ رَاسِخَانِ حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إِهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا مَا تُرِيدُ حِيَلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَا: هِيَ مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ تَكُونُ دَارَهُ وَقَرَارَهُ فَتَنَاهَى وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا فَانْصَرَفَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا. وقد كَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا فَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ إِلَى الْيَمَنِ حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجٍ، أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَلَا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ دَاثِرٍ أَغْفَلَتْهُ الْمُلُوكُ قَبْلَكَ فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ؟ قَالَ: بَلَى قَالُوا بَيْتٌ بِمَكَّةَ؛ يَعْبُدُهُ أَهْلُهُ وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْهُذَلِيُّونَ هَلَاكَهُ بِذَلِكَ لَمَّا عَرَفُوا مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَرَادَهُ مِنَ الْمُلُوكِ وَبَغَا عِنْدَهُ فَلَمَّا أَجْمَعَ لِمَا قَالُوا أَرْسَلَ إِلَى الْحَبْرَيْنِ فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا لَهُ مَا أَرَادَ الْقَوْمُ إِلَّا هَلَاكَكَ، وَهَلَاكَ جُنْدَكَ مَا نَعْلَمُ بَيْتًا لِلَّهِ اتَّخَذَهُ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُ، وَلَئِنْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إِلَيْهِ لَتَهْلِكَنَّ، وَلَيَهْلِكَنَّ مَنْ مَعَكَ جَمِيعًا فَمَاذَا تَأْمُرَانِنِي أَنْ أَصْنَعَ إِذَا أَنَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ؟ قَالَا: تَصْنَعُ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ تَطُوفُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ وَتُكْرِمُهُ، وَتَحْلِقُ رَأْسَكَ عِنْدَهُ، وَتَذِلُّ لَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْتُمَا مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَا: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَبَيْتُ أَبِينَا ابْرَاهِيمَ ﵇، وَإِنَّهُ لَكَمَا أَخْبَرْنَاكَ، وَلَكِنَّ أَهْلَهُ حَالُوا بَيْنَنَا، وَبَيْنَهُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا حَوْلَهُ، وَبِالدِّمَاءِ الَّتِي يُهْرِيقُونَ عِنْدَهُ، وَهُمْ نَجَسٌ أَهْلُ شِرْكٍ أَوْ كَمَا قَالَا لَهُ فَعَرَفَ نُصْحَهُمَا وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا، وَقَرَّبَ النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَنَحَرَ عِنْدَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَنْحَرُ بِهَا لِلنَّاسِ، وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا، وَيَسْقِيَهُمُ الْعَسَلَ.
стр. 156
وكَانَ تُبَّعٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ، وَأَنْ لَا يُقَرِّبُوهُ دَمًا وَلَا مَيْتَةً وَلَا مِئْلَاةً وَهِيَ الْمَحَايِضُ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا، وَمِفْتَاحًا، ثُمَّ خَرَجَ تُبَّعٌ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِهِ، وَبِالْحَبْرَيْنِ حَتَّى إِذَا دَخَلَ الْيَمَنَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ تُّبَّعٌ حِينَ أَخْبَرَهُ الْحَبْرَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شِعْرًا:
شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ ** رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمْ
فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ ** لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وَابْنَ عَمْ
وَجَاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أَعْدَاءَهُ ** وَفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ هَمْ
وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الشِّعْرُ تَتَوَارَثُهُ الْأَنْصَارُ وَيَحْفَظُونَهُ بَيْنَهُمْ وَكَانَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁، وَأَرْضَاهُ.
стр. 157
قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ بنجران
ثم كان المُلك لذي نواس ابن تبّع المذكور ولم يكن مؤمناً (١) ، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبُرَ السَّاحِرُ، قَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَحَضَرَ أَجَلِي فَادْفَعْ إِلَيَّ غُلَامًا فَلْأُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلَامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ وَكَانَ بَيْنَ الْمَلِكِ وَبَيْنَ السَّاحِرِ رَاهِبٌ فَأَتَى الْغُلَامُ عَلَى الرَّاهِبِ فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَأَعْجَبَهُ نَحْوُهُ وَكَلَامُهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ وَقَالَ: مَا حَبَسَكَ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ أَنْ يَضْرِبَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ.
قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ فَظِيعَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرَ السَّاحِرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرَ الرَّاهِبِ قَالَ: فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ، وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى فَأَخْبَرَ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ. فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَسَائِرَ الْأَدْوَاءِ وَيَشْفِيهِمْ بإذن الله حين يدعو الله لهم.
وَكَانَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَعَمِيَ فَسَمِعَ بِهِ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا أَجْمَعُ. فَقَالَ: مَا أَنَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ؛ شَفَاكَ. فَآمَنَ فَدَعَا اللَّهَ فَشَفَاهُ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ؟ فَقَالَ: رَبِّي قَالَ: أَنَا قَالَ: لَا. رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. قَالَ: وَلَكَ رَبُّ غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبْهُ، حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَهَذِهِ الْأَدْوَاءَ، قَالَ: مَا أَشْفِي أَنَا أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ ، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ قَالَ: فَأَخَذَهُ أَيْضًا بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَأُتِيَ بِالرَّاهِبِ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. الحواشي
(١) ذُو نُوَاسٍ، وَاسْمُهُ: زُرْعَةُ، ويسمَّى فِي زَمَانِ مَمْلَكَتِهِ بِيُوسُفَ، وَهُوَ ابْنُ (تُبَّع) تِبَان أَسْعَدُ أَبِي كَرب الَّذِي غَزَا الْمَدِينَةَ وَكَسَى الْكَعْبَةَ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ حِبْرَيْنِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ.стр. 158
وَقَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَدَهْدِهُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوُا الْجَبَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ. فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ. وَجَاءَ الْغُلَامُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ فِي قُرْقُورٍ فَقَالَ: إِذَا لَجَجْتُمُ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَأَغْرِقُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّجُوا بِهِ الْبَحْرَ فَقَالَ الْغُلَامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ.
ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرَكَ بِهِ فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي، وَإِلَّا فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلِي. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ قُلْ: "بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ"، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَفَعَلَ وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ رَمَاهُ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ. فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ. فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ!. فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَحَفَرَ فِيهَا الْأَخَادِيدَ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ، وَإِلَّا فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا. فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا، وَيَتَدَافَعُونَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النَّارِ، فَقَالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهُ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. (١) الحواشي
(١) وأيضاً ثبت في الصحيح كلام ثلاثة آخرين في المهد غير هذا الرضيع، وهم: المسيح عيسى بن مريم ﵇ وورد ذكره في القرآن، ومبرئ الراهب جريج حين اتهم بالزنا فتكلم الرضيع وأخبر أن أباه هو الراعي، والرابع الصَبِيٌّ الذي كان يرْضعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارةٍ حَسَنَةٍ فَقالت أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَل ابْنِي مثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلهُ.
هذا ما ثبت وصح إسناده.
ورويت أقوال أخرى في: شاهد يوسف، وابْنُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ ويحيى ﵇، ومُبَارَكُ الْيَمَامَةِ، والخليلان ﵉.стр. 159
تسلط الأحباش النصارى على اليمن
ولما قَتَلَ ذو نُوَاس أَصْحَابَ الْأُخْدُودِ، وَكَانُوا نَصَارَى، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا دَوس ذُو ثَعْلَبَانِ، فَذَهَبَ فَاسْتَغَاثَ بِقَيْصَرَ مَلَكِ الشَّامِ -وَكَانَ نَصْرَانِيًّا-فَكَتَبَ لَهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلَكِ الْحَبَشَةِ؛ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ إِلَيْهِمْ، فَبَعَثَ مَعَهُ أَمِيرَيْنِ: أَرِيَاطَ وَأَبْرَهَةَ بْنَ الصَّبَاحِ أَبَا يَكْسُومَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَدَخَلُوا الْيَمَنَ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، وَاسْتَلَبُوا الْمُلْكَ مِنْ حِمْيَرَ، وذهب ذو نواس هاربًا فَلَجَّج فِي الْبَحْرِ، فَغَرِقَ. وَاسْتَقَلَّ الْحَبَشَةُ بِمُلْكِ الْيَمَنِ وَعَلَيْهِمْ هَذَانَ الْأَمِيرَانِ: أَرِيَاطُ وَأَبْرَهَةُ، فَاخْتَلَفَا فِي أَمْرِهِمَا وَتَصَاوَلَا وَتَقَاتَلَا وَتَصَافَّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: إِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى اصْطِدَامِ الْجَيْشَيْنِ بَيْنَنَا، وَلَكِنْ ابْرُزْ إِلَيَّ وَأَبْرُزُ إِلَيْكَ، فَأَيُّنَا قَتَلَ الْآخَرَ، اسْتَقَلَّ بَعْدَهُ بِالْمُلْكِ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ فَتَبَارَزَا، وخَلَفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَتَاهُ، فَحَمَلَ أَرِيَاطُ عَلَى أَبَرْهَةَ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَشَرَمَ أَنْفَهُ وَفَمَهُ وَشَقَّ وَجْهَهُ، وَحَمَلَ عَتَوْدَة مَوْلَى أَبَرْهَةَ عَلَى أَرِيَاطَ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ أَبَرْهَةُ جَرِيحًا، فَدَاوَى جُرْحَهُ فَبَرأ، وَاسْتَقَلَّ بِتَدْبِيرِ جَيْشِ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ يَلُومُهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَيَتَوَعَّدُهُ وَيَحْلِفُ لَيَطَأَنَّ بِلَادَهُ وَيَجِزَّنَّ نَاصِيَتَهُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبَرْهَةُ يَتَرَقَّقُ لَهُ وَيُصَانِعُهُ، وَبَعَثَ مَعَ رَسُولِهِ بِهَدَايَا وَتُحَفٍ، وَبِجِرَابٍ فِيهَا مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ، وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ فَأَرْسَلَهَا مَعَهُ، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ: لِيَطَأَ الْمَلِكُ عَلَى هَذَا الْجِرَابِ فَيَبِرُّ قَسَمَهُ، وَهَذِهِ نَاصِيَتِي قَدْ بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ. فَلَمَّا وَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ أَعْجَبَهُ مِنْهُ، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ. وَأَرْسَلَ أَبَرْهَةُ يَقُولُ لِلنَّجَاشِيِّ: إِنِّي سَأَبْنِي لَكَ كَنِيسَةً بِأَرْضِ الْيَمَنِ لَمْ يُبْنَ قَبْلَهَا مِثْلُهَا. فَشَرَعَ فِي بِنَاءِ كَنِيسَةٍ هَائِلَةٍ بِصَنْعَاءَ، رَفِيعَةَ الْبِنَاءِ، عَالِيَةَ الْفِنَاءِ، مُزَخْرَفَةَ الْأَرْجَاءِ. سَمَّتْهَا الْعَرَبُ القُلَّيس؛ لِارْتِفَاعِهَا؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ إِلَيْهَا تَكَادُ تَسْقُطُ قُلُنْسُوَتُهُ عَنْ رَأْسِهِ مِنَ ارْتِفَاعِ بِنَائِهَا. وَعَزَمَ أَبَرْهَةُ الأشرمُ عَلَى أَنْ يَصْرِفَ حَجّ الْعَرَبِ إِلَيْهَا كَمَا يُحَج إِلَى الْكَعْبَةِ بِمَكَّةَ، وَنَادَى بِذَلِكَ فِي مَمْلَكَتِهِ، فَكَرِهَتِ الْعَرَبُ الْعَدْنَانِيَّةُ وَالْقَحْطَانِيَّةُ ذَلِكَ، وَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ لِذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، حَتَّى قَصَدَهَا بَعْضُهُمْ، وَتَوَصَّلَ إِلَى أَنْ دَخْلَهَا لَيْلًا. فَأَحْدَثَ فِيهَا وَكَرَّ رَاجِعًا. فَلَمَّا رَأَى السَّدَنَةُ ذَلِكَ الْحَدَثَ، رَفَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَى مَلِكِهِمْ أَبَرْهَةَ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا صَنَعَ هَذَا بَعْضُ قُرَيْشٍ غَضَبًا لِبَيْتِهِمُ الَّذِي ضَاهَيْتَ هَذَا بِهِ، فَأَقْسَمَ أَبَرْهَةُ لَيَسِيرَنَّ إِلَى بَيْتِ مَكَّةَ، وَلَيُخَرِّبَنَّهُ حَجَرًا حَجَرًا.
стр. 160
قصة أصحاب الفيل
وتَأَهَّبَ أَبَرْهَةُ لهدم الكعبة وَصَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ عَرَمرم؛ لِئَلَّا يَصُدَّهُ أَحَدٌ عَنْهُ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا كَبِيرَ الْجُثَّةِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، يُقَالُ لَهُ: مَحْمُودٌ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ لِذَلِكَ. -وَيُقَالُ: كَانَ مَعَهُ أَيْضًا أَفْيَالٍ أخرى - لِيَهْدِمَ الْكَعْبَةَ، بِأَنْ يَجْعَلَ السَّلَاسِلَ فِي الْأَرْكَانِ، وَتُوضَعَ فِي عُنُق الْفِيلِ، ثُمَّ يُزْجَرَ لِيُلْقِيَ الْحَائِطَ جُمْلَةً وَاحِدَةً. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْعَرَبُ بِمَسِيرِهِ أَعْظَمُوا ذَلِكَ جِدًّا، وَرَأَوْا أَنَّ حَقًا عَلَيْهِمُ الْمُحَاجَبَةُ دُونَ الْبَيْتِ، وَرَد مَنْ أَرَادَهُ بِكَيْدٍ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ، يُقَالُ لَهُ "ذُو نَفْر" فَدَعَا قَوْمَهُ وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إِلَى حَرْبِ أَبَرْهَةَ، وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ، وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَخَرَابِهِ. فَأَجَابُوهُ وَقَاتَلُوا أَبَرْهَةَ، فَهَزَمَهُمْ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْ كَرَامَةِ الْبَيْتِ وَتَعْظِيمِهِ، وَأُسِرَ "ذُو نُفْر" فَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ. ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَمٍ، عَرَض لَهُ نُفَيل بْنُ حَبيب الخَشْعمي فِي قَوْمِهِ: شَهْرَانُ وَنَاهِسُ، فَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ أَبَرْهَةُ، وَأُسِرَ نُفَيل بْنُ حَبِيبٍ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ ثُمَّ عَفَا عَنْهُ، وَاسْتَصْحَبَهُ مَعَهُ لِيَدُلَّهُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ، خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا ثَقِيفٌ وَصَانَعُوهُ خِيفَةً عَلَى بَيْتِهِمْ، الَّذِي عِنْدَهُمْ، الَّذِي يُسَمُّونَهُ اللَّاتَ. فَأَكْرَمَهُمْ وَبَعَثُوا مَعَهُ "أَبَا رغَال" دَلِيلًا. فَلَمَّا انْتَهَى أَبَرْهَةُ إِلَى المُغَمْس -وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ- نَزَلَ بِهِ وَأَغَارَ جَيْشُهُ عَلَى سَرْح أَهْلِ مَكَّةَ مِنَ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا، فَأَخَذُوهُ. وَكَانَ فِي السَّرْحِ مِائَتَا بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَكَانَ الَّذِي أَغَارَ عَلَى السَّرْحِ بِأَمْرِ أَبَرْهَةَ أَمِيرِ الْمُقَدِّمَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: "الْأَسْوَدُ بْنُ مَفْصُودٍ" فَهَجَاهُ بَعْضُ الْعَرَبِ، وَبَعَثَ أَبَرْهَةُ حُنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إِلَى مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِأَشْرَفِ قُرَيْشٍ، وَأَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يَجِئْ لِقِتَالِكُمْ إِلَّا أَنْ تَصُدوه عَنِ الْبَيْتِ. فَجَاءَ حُنَاطَةُ فَدُل عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَبَلَّغَهُ عَنْ أَبَرْهَةَ مَا قَالَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ، هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ، وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ، وَإِنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَوَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْع عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ حُنَاطَةُ: فَاذْهَبْ مَعِي إِلَيْهِ. فَذَهَبَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ أَبَرْهَةُ أَجَلَّهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَجُلًا جَمِيلًا حَسَنَ الْمَنْظَرِ، وَنَزَلَ أَبَرْهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ، وَجَلَسَ مَعَهُ عَلَى الْبِسَاطِ، وَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ لِلتُّرْجُمَانِ: إِنَّ حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي. فَقَالَ أَبَرْهَةُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدت فِيكَ حِينَ كَلَّمْتَنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكِ قَدْ جئتُ لِهَدْمِهِ، لَا تُكَلِّمُنِي فِيهِ؟! فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ، وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رِبًّا سَيَمْنَعُهُ. قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي! قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ.
стр. 161
وَرَدَّ أَبَرْهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِبِلَهُ، فَلَمَّا قَبَضَهَا قَلَّدَها النِّعَالَ وأشْعَرَهَا وجَعَلَهَا هَدْيًا، وَبَثَّهَا فِي الحَرَمِ كَيْ يُصَابَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَغْضَبَ رَبُّ الحَرَمِ، وَرَجَعَ عَبْدُالْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَصُّنِ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَخْذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبَرْهَةَ وَجُنْدِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبَرْهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهَيَّأَ فِيلَهُ -وَكَانَ اسْمُهُ مَحْمُودًا- وَعَبَّأَ جَيْشَهُ، فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ نَحْوَ مَكَّةَ أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ وَقَالَ: ابْرُكْ مَحْمُودُ وَارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ. ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ، فَبَرَكَ الْفِيلُ. وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشتد حَتَّى أُصْعِدَ فِي الْجَبَلِ. وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى. فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَامَ يُهَرْوِلُ. وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَوَجَّهُوهُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجَّهُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ. وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ جَمَاعَات يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، أَمْثَالُ الْحُمُّصِ وَالْعَدَسِ، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ. وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلٍ لِيَدُلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ. هَذَا وَنُفَيْلٌ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ مَعَ قُرَيْشٍ وَعَرَبِ الْحِجَازِ، يَنْظُرُونَ مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ مِنَ النِّقْمَةِ، وَجَعَلَ نُفَيْلٌ يقول:
أينَ المَفَرُّ والإلهُ الطَّالبْ *** والأشرمُ المغلوبُ غَيْرُ الْغَالِبْ
стр. 162
ولَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَهُ الْعَذَابُ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ سَرِيعًا، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ يَتَسَاقَطُ عُضْوًا عُضْوًا وَهُمْ هَارِبُونَ، وَكَانَ أَبَرْهَةُ مِمَّنْ يَتَسَاقَطُ عُضْوًا عُضْوًا، حَتَّى مَاتَ وأصابت قريشٌ مَالًا جَزِيلًا مِنْ أَسْلَابِهِمْ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ، وأعْظَمَتِ العَرَبُ قُرَيْشًا، وقَالُوا: هُمْ أهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وكَفَاهُمُ العَدُوَّ، وازْدادُوا تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ الحَرَامِ، وإيمَانًا بِمَكَانِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. وأرَّخُوا بِهِ، وقَالُوا: وَقَعَ هَذَا فِي عَامِ الفِيلِ، ووُلِدَ فُلَانُ في عَامِ الفِيلِ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ فِيمَا يَعُد بِهِ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نعْمتَه عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ، مَا رَدَّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ، لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ، فَقَالَ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أَيْ: لِئَلَّا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ لَوْ قَبِلُوهُ. (١)
وفَضَّلَ اللهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ: فَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبَدُوا اللهَ عَشْرَ سِنِينَ، لَا يَعْبُدُهُ إِلَّا قُرَشِيٌّ، وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُ نَصَرَهُمْ يَوْمَ الْفِيلِ وَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ، لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ غَيْرُهُمْ - لإِيلافِ قُرَيْشٍ -وَفَضَّلَهُمْ بِأَنَّ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ، وَالْخِلافَةَ، وَالْحِجَابَةَ، وَالسِّقَايَةَ (٢) . الحواشي
(١) ومَلَكَ بعد أبرهة في اليمن ابنه يَكْسُومُ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبَرْهَةَ، حتى خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَن الْحِمْيَرِيُّ إِلَى كِسْرَى فَاسْتَغَاثَهُ عَلَى الْحَبَشَةِ، فَأَنْفَذَ مَعَهُ مِنْ جُيُوشِهِ فَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، وَمَا كَانَ فِي آبَائِهِمْ مِنَ الْمُلْكِ، وَجَاءَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ لِلتَّهْنِئَةِ بعودة مُلْكِ اليمن إلى حِمْيَر. وكان سيف بن ذي يزن قد اصطفى جماعة من الأحباش، وجعلهم من خاصته، فاغتالوه وقتلوه، فأرسل كسرى حاكماً له على اليمن، واستمر حكّام كسرى على اليمن إلى أن كان آخرهم باذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، وأسلم، ثم صارت اليمن للإسلام.(٢) الحجابة: أي سدانة الكعبة وتولى حفظها ومفتاحها. والسِّقَايَةُ: هي جَمْعُ المَاءِ مِنْ آبَار مكَّةَ المُخْتَلِفَةِ، ووضْعُهَا قُرْبَ الكَعْبَةِ، وقَدْ تُحَلَّى بشَيْءٍ من التَّمْرِ أو الزَّبِيبِ فيَشْرَبُ الحَجِيجُ منها. وكَانَتْ إِلَى قُصَيٍّ سِقَايَةُ الْحَجِيجِ فَلَا يَشْرَبُونَ إِلَّا مِنْ مَاءِ حِيَاضِهِ، ثم كَانَ هَاشِمُ بنُ عَبْدِ مَنَافٍ -واسْمُهُ عَمْرٌو- رَجُلًا مُوسِرًا ذَا شَرَفٍ كَبِيرٍ، وقَدْ تَوَلَّى هَاشِمٌ السِّقَايَةَ والرِّفَادَةَ، ثُمَّ أوْصَى هَاشِمٌ عِنْدَ وَفَاتِهِ إِلَى أخِيهِ المُطَّلِبِ فَصَارَتِ السِّقَايَةُ والرِّفَادَةُ إلَيْهِ. والرِّفَادَةُ: هو طعامٌ يُوضَعُ للحُجَّاجِ على سَبِيلِ الضِّيَافَةِ. ولَمَّا صَارَ شَيْبَةُ بنُ هَاشِمٍ غلاماً رَحَلَ المُطَّلِبُ في طَلَبِهِ، فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ مُرْدِفَهُ عَلَى بَعِيرِهِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هذا المُطَّلِبُ اشْترَى عَبْدًا فُسُمِّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ المُطَّلِبِ. فَقَالَ المُطَّلِبُ: وَيْحَكُمْ! إنَّمَا هُوَ ابْنُ أخِي هَاشِمٍ قَدِمْتُ بِهِ مِنَ المَدِينَةِ.
وكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ جَسِيمًا أبْيَضَ، وَسِيمًا طِوَالًا فَصِيحًا، مَا رَآهُ أَحَدٌ قَطُّ إلَّا أَحَبَّهُ، وَشَرُفَ في قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وأحَبَّهُ قَوْمُهُ، حَتَّى عُرِفَ بَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ: "بِشَيْبَةَ الحَمْدِ" لِكَثْرَةِ حَمْدِ النَّاسِ إيَّاهُ. ثُمَّ وَليَ عَبْدُالمُطَّلِبِ السِّقَايَةَ والرِّفَادَةَ بعد عمه المطلب فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ. وَكَانَتْ زَمْزَمُ إِذْ ذَاكَ مَطْمُوسَةً مِنْ زَمَنِ جُرْهُمٍ قَدْ تَنَاسَوْا أَمْرَهَا مِنْ تَقَادُمِ عَهْدِهَا وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَوْضِعِهَا. حيث إنّ جرهم عفّت أثر بئر زمزم وطمّتها لما أخرجت من مكة، فلم تزل دارسة إلى أيام عبدالمطلب. ثم إنّ عبدالمطلب أري في المنام مكان زمزم فجدّد حفرها، فنازعته قريش فيها، فنذر عبدالمطلب لئن رزق بعشر من البنين يمنعونه من الناس ليذبحن أحدهم قرباناً، فخرج القدح على عبدالله، ففداه عبدالمطلب بمائة من الإبل. وزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ، بنِ زُهْرَةَ، بنِ كِلَابِ، بنِ مُرَّةَ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ أفْضَلُ امْرَأَةٍ في قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا، وأبُوهَا سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وشَرَفًا.стр. 163
ولادة رسول الله محمد ونشأته
وُلد محمد ﷺ في عام الفيل، وهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ، بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ، بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعبِ، بْنِ لؤَيِّ بْنِ غالِبِ، بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ، بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ، بْنِ مُضَرَ، بْنِ نِزَارِ، بْنِ مَعَدِّ، بْنِ عَدْنَانَ.
وهو مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ والْمَاحِي، الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِه الْكُفْرَ، وَالْحَاشِرُ، الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِه، وَالْمُقَفِّي والْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ، وَنَبِيُّ الْمَلَاحِمِ والنَّبِيُّ الْمُصْطَفَى وخاتم النبيين.
وقد ولد ﵊ في مكة يوم الإثنين من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بثلاث وخمسين سنة (٥٣ ق هـ - ٥٧١ م تقريباً) وحَبَسَ اللهُ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ عام مولده ﷺ ، ومات أبوه عبدالله وهو حمل (١) ، وخُتِنَ يَوْمَ سَابِعِهِ عَلَى يَدِ عَبْدِالْمُطَّلِبِ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ، وعَقَّ عَنْهُ بِكَبْشٍ، وجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً، وسَمَّاهُ مُحَمَّدًا (٢) . وأرضعته أُمُّهُ آمِنَةُ، ثُمَّ أرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أبي لهَبٍ (٣) ، ثم حليمة السعدية ورأت بركته عليها وعلى أهلها، حتَّى بَلَغَ ﷺ سَنَتَيْنِ، فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لا يَشِبُّهُ الغِلْمَانُ، وَلَمَّا بَلَغَ أرْبَعَ سِنِينَ كَانَ يَغْدُو مَعَ أَخِيهِ وأُخْتِهِ فِي الْبَهْمِ، ولَمَّا بَلَغَ ﷺ سِتَّ سِنِينَ تُوُفِّيَتْ وَالِدَتُهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ بِالْأَبْوَاءَ، وهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مَكَّةَ بَعْدَ زِيَارَةٍ قَامَتْ بِهَا مَعَهُ ﷺ إلَي أَخْوَالِ جَدِّهِ عَبْدِالمُطَّلِبِ بِالْمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ. فكفله جده عبدالمطلب حتى كان عُمُرُ النَبيِّ ﷺ ثَمَانِ سِنِينَ، ثم مات عبدالمطلب وأَوْصَى عند موته وَلَدَهُ أبَا طَالِبٍ (٤) بِكَفَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحِفْظِهِ، وحِيَاطَتِهِ؛ الحواشي
(١) خَرَجَ عَبْدُاللَّهِ بنُ عَبْدِالمُطَّلِبِ إِلَى الشَّامِ في عِيرٍ فَفَرَغُوا مِنْ تِجَارَاتِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَمَرُّوا بالمَدِينَةِ وعَبْدُاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ، فمكث عِنْدَ أخْوَالِ أبيه بَنِي عَدِيِّ بنِ النَّجَّارِ، فأقَامَ عِنْدَهُمْ مَرِيضًا شَهْرًا ثم تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ابنَ شَهْرَيْنِ. وَجَمِيعُ مَا خَلَّفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَمْسَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَقِطْعَةَ غَنَمٍ، وَجَارِيَةً حَبَشِيَّةً اسْمُهَا: "بَرَكَةُ" وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ ﵂.(٢) وألهَمَهُمُ اللَّه أن سمُّوه محمدًا؛ لما فيه من الصِّفات الحَمِيدة؛ ليَلْتَقِي الاسم والفعل، ويتطابَقَ الاسم والمُسَمَّى في الصُّورة والمعنى، كما قال حسَّان بن ثابت ﵁:
وشَقَّ لهُ مِنِ اسمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فذُو العرشِ مَحْمُودٌ وهذا محمدُ(٣) فَكانَ الرَّسُولُ ﷺ ، وعَمُّهُ حَمْزَةُ، وأبُو سَلَمَةَ إِخْوَةً مِنَ الرَّضَاعَةِ.(٤) واسمُهُ عَبْدُمَنَافٍ.стр. 164
وذَلِكَ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهَ وَالِدَ الرَّسُولِ ﷺ وأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، أُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بنِ عَائِذٍ، فكفله عمه أبو طالب (١) . الحواشي
(١) ويروى أنه أخذه في تجارة إلى الشام وهو صغير فرآه بحيرا الراهب وعرفه بأوصافه وإظلال الغمامة له وميل أغصان الشجرة لإظلاله حتى نظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه وقبّل موضعه، وصححها بعض المحققين وأنكرها الإمام الذهبي.стр. 165
وَقَدِ اشْتَغَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صِبَاهُ بِرَعْي الغَنَمِ، وَرَعَاهَا لِبَعْضِ أَهْلِ مَكَّةَ (١) . الحواشي
(١) في جزيرة العرب -وهي أكبر جزيرة في العالم- ولد ﷺ وبعث فيها وهاجر فيها وغزا فيها ومات فيها، لتكون إسلامية صرفة لا يجتمع فيها دينان ولا قبلتان ولا يجوز بناء الكنائس فيها ولا بيوتاً للنار، وفيها مركز الدنيا الذي هو مكة المكرمة وقبلة المسلمين، وفيها الحرمان اللذان لا يجوز تنفير الطير منها، ولا يعضد شوكهما، ولا يختلى خلاهما، وهما أسبق بيئة في العالم لحماية الحياة الفطرية، وسكانها هم أفصح الناس لساناً ومنطقاً، والقرآن الكريم نزل فيها وبلغة ساكنيها، وحدد الخليفة الراشد العادل عمر بن الخطاب مدة بقاء المشركين فيها بثلاثة أيام فقط لكي يشتري منهم المسلمون حاجتهم، وهي موطن الأمم القوية مثل عاد وثمود وسبأ، وهي مهد اللغة العربية القديمة (السامية)، وهي موطن قريش أشرف قبائل الدنيا والتي هي الأولى بالخلافة مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ، فالْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وأهل الشورى من المسلمين يختارون الإمام العادل العالم المجتهد والخبير المستنبط للأمور ويبايعونه من طريق الشورى وتعقد البيعة ببيان ماله وما عليه، وأهل الشورى هم أهل الشوكة ورؤساء الجند وشيوخ القبائل وأشراف الناس، وإن تولى على المسلمين حاكم فله السمع والطاعة في المعروف، ولو لم يكن من قريش، ولو كان عبداً. وكان عند العرب في الجاهلية من الأخلاق ما هو أنبل من أخلاق أهل الحضارة الغربية اليوم، فكان عندهم الكرم والنصرة والشجاعة، ولم يكن عند مشركي العرب نكاح المحارم الذي يفعله المجوس ولا نظام الطبقات كما عند الهنود، ولا ادعاء أن المسيح ابن مريم خلق السموات والأرض كما يقول النصارى، ولم يكن عندهم زنا المرأة الحرة. واختار الله لأمة الإسلام أفضل الرسل وأفضل الكتب، وأفضل اللغات والمواقع الجغرافية، وأفضل الكنوز والثروات والألوان وأفضل المقاييس والمعايير.стр. 166
يقول عن نفسه ﵊: إِنِّي عَبْدُ اللهِ، وَمَكْتُوبٌ فِي أُمِّ الْكِتَابِ: (خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) -وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ (١) فِي طِينَتِهِ-، أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ، وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ، مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي فَلَمْ يُصِبْنِي مِنْ سِفَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ. إِنَّ اللهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَاني مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ (٢) ، وَاسْتُرْضِعْتُ فَكَانَتْ حَاضِنَتِي مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ (٣) ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا (٤) ، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَادًا (٥) ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي، اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا، فَانْطَلَقَ أَخِي وَمَكَثْتُ عِنْدَ الْبَهْمِ، فَأَتَانِي رَجُلانِ -عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ- بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟، فَقَالَ الْآخَرُ: نَعَمْ، فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي لِلْقَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي فَشَقَّاهُ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: ائْتِنِي بِمَاءِ ثَلْجٍ، فَغَسَلَ بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِمَاءِ بَرَدٍ، فَغَسَلَ بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: ائْتِنِي بِالسَّكِينَةِ، فَذَرَّهَا فِي قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حُصْهُ، فَحَاصَهُ (٦) ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ (٧) ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اجْعَلْهُ فِي كِفَّةٍ، وَاجْعَلْ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِهِ فِي كِفَّةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَإِذَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْأَلْفِ فَوْقِي أُشْفِقُ أَنْ يَخِرَّ عَلَيَّ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ أُمَّتَهُ وُزِنَتْ بِهِ لَمَالَ بِهِمْ. ثُمَّ انْطَلَقَا وَتَرَكَانِي، إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ.
ولما وقع حلف الفضول في ذِي الْقَعْدَةِ -وهو من الأشهر الحرُم- عام (٣٣ ق هـ) تداعت إليه قبائل من قريش: بنو هاشم، وبنو المطلب، وأسد بن عبدالعزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فاجتمعوا في دار عبدالله بن جُدْعان التيمي؛ لسنِّه وشرفه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، الحواشي
(١) يعني طريحاً ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه.(٢) قالَ ابنُ كَثِيرٍ: وتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ ﷺ إشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِيِنِهِ وَثُبُوتِهِ بِبِلَادِ الشَّام، ولِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وأهْلِهِ، وبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﵇.(٣) وهي حليمة السعدية.(٤) يعني خرج في رعاية الغنم.(٥) طعاماً.(٦) حاصه: خاطه. يعني يخيط الجرح.(٧) خَاتَمُ النُّبُوَّةِ: هُوَ قِطْعَةِ لَحْمٍ نَاتِئَةٍ، عَلَيْهَا شَعْرٌ عِنْدَ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ ﷺ ، حَجْمُهَا قَدْرُ بَيْضَةِ الحَمَامَةِ.стр. 167
وقد شهدَ هذا الحلفَ رسولُ الله ﷺ . وقال بعد أن أكرمه الله بالرسالة: "لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" (١) . الحواشي
(١) وروي أنه لَمَّا بَلَغَ الرَّسُولُ ﷺ عِشْرينَ سَنَةً، هَاجَتْ حَرْبُ الفِجَارِ وَشَهِدَ رسول الله- ﷺ بعض أَيّامِهِمْ، أَخْرَجَهُ أَعْمَامُهُ مَعَهُمْ، وَأنه قَالَ ﷺ : "كُنْت أَنْبُلُ عَلَى أعمامي"، أى: أردّ عنهم، نَبْلَ عَدُوّهِمْ، إذَا رَمَوْهُمْ بِهَا. وكان حلف الفضول بعد الفجار، وذلك أن حرب الفجار كانت في شعبان، وكان حلف الفضول في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة.стр. 168
زواج النبي من خديجة بنت خويلد
وفِي الخَامِسَةِ والعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ تاجِرًا إِلَي الشَّامِ في مَالِ خَدِيجَةَ ﵂، وسمعت خديجة ﵂ بالنبي ﷺ وبأمانته وأخلاقه الكريمة، وإن أخت خديجة قد استكرت (استأجرت) إبلاً من رسول الله ﷺ ، وشريكه، فلما قضوا السفر بقي لهما عليها شيء، فجعل شريكه يأتيهم ويتقاضاهم، ويقول لمحمد ﷺ : انطلق. فيقول: اذهب أنت، فإني أستحيي. فقالت مرة - وقد أتاهم شريكه -: أين محمد لا يجيء معك؟ قال: قد قلت له، فزعم أنه يستحيي، فذكرت ذلك لأختها خديجة، فقالت: ما رأيت رجلاً قط أشد حياء ولا أعف من محمد، فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه (١) ، فقالت: ائت أبي فاخطب إليه، فقال: أبوك (٢) رجل كثير المال وهو لا يفعل، قالت: انطلق فالقه وكلمه، ثم أنا أكفيك. وقد تزوجها النبي ﷺ وهي ثيب في سنة ٢٨ ق هـ. وكَانَ عُمُرُ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ ﵂ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ منَ الشَّامِ بِشَهْرَيْنِ، وكَانَ عُمُرُهَا ﵂ يَوْمَئِذٍ أرْبَعِينَ سَنَةً، وَوَلَدَتْ لَهُ القَاسِمُ ثُمَّ زَيْنَبُ، ثمَّ رُقَيَّةُ، ثمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ وُلِدَ لهُ فِي الإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ بالطَّيِّبِ والطَّاهِرِ؛ لأَنَّهُ وُلدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ﵃ أجْمَعِينَ. وقَدْ مَاتَ بَنُوهُ ﷺ من خديجة وهُمْ صِغَارٌ، فَمَاتَ القَاسِمُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ سِنًّا تُمَكِّنُهُ مِنَ المَشْيِ، وقِيلَ سِنًّا تُمَكِّنُهُ مِنْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، وهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ.
وَأَمَّا بَنَاتُ الرَّسُولِ ﷺ فَكُلّهُنَّ من خديجة وقد أَدْرَكْنَ الإِسْلَامَ، وأَسْلَمْنَ، وعِشْنَ حَتَّى تَزَوَّجْنَ، وَكُلُّهُنَّ مِتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَا عَدَا فَاطِمَةَ ﵂، فَقَدْ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. الحواشي
(١) قيل أنها بعثت صَدِيقَتِهَا نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنَيَّةَ، فَذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ فَرَضِيَ ﷺ بِذَلِكَ.(٢) قول الجمهور: أن ولي خديجة ﵂ في زواجها من رسول اللَّه ﷺ هو: عمُّها عمرو بن أسد. وذكر بعضهم: أن أباها خُوَيْلد كان قد هَلك قبْلَ حَرْبِ الفِجَار. وقد تطلق العرب على العم أباً، فيكون المراد بالأب في الروايتين عم خديجة، إذا ثبت أن أباها كان متوفى وقتذاك، والله أعلم.стр. 169
وضع الحجر الأسود في مكانه
وفي عام (١٨ ق هـ) أعادت قريش بناء الكعبة في الجاهلية بعد أن تهدم جزء منها من سَيْلٌ عَرِمٌ انْحَدَرَ إِلَى البَيْتِ الحَرَامِ، فَأَوْشَكَتِ الكَعْبَةُ مِنْهُ عَلَى الِانْهِيَارِ، وكَانَ قَدْ أَصَابَهَا مِنْ قَبْلُ حَرِيقٌ بِسَبَبِ امْرَأَةٍ كَانَتْ تُجَمِّرُهَا، فَهَدَمَتْهَا قُرَيْشٌ وقَدِ اتَّفَقوا عَلَى أَنْ لَا يُدْخِلُوا في بِنَاءِ الكَعْبَةِ مِنْ كَسْبِهِمْ إِلَّا طَيِّبًا، فَلَا يُدْخِلُوا فِيهَا مَهْرَ بغِيٍّ ولا بَيع رِبًا، وَلَا مَظْلَمَةَ أَحَدٍ مِنَ النَّاس، وَجَعَلُوا يَبْنُونَهَا بِحِجَارَةِ الْوَادِي وقدْ شَارَكَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أعْمَامِهِ في البِنَاءِ، ونَقْلِ الحِجَارَةِ، وكَانَ عُمُرُهُ ﷺ إذْ ذَاكَ خَمْسًا وثَلَاثِينَ سَنَةً، وبلغوا موضع الحجر الأسود وما يرى الحجر أحد، فإذا هو وسط حجارتهم مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكماً. قالوا: أول رجل يطلع من الفج (١) ، فجاء النبي ﷺ . فقالوا: أتاكم الأمين. وكانوا يسمونه الأمين، ولم يجربوا عليه كذبة قط. فقالوا له، فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم (٢) فأخذوا بنواحيه معه، فوضعه هو ﷺ بيديه.
لكنهم لما قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالْخَشَبُ؛ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ فلم يصلوا بركنين إلى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وأنشؤوا الحِجْر (٣) مكان تتمة البنيان، وجعلوا بَابَ الكعبة مُرْتَفِعًا لَا يُصْعَدُ إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، تَعَزُّزًا أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ (٤) . الحواشي
(١) وفي رواية: أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ. ويسمى اليوم: باب السلام. والفج: الطريق الواسع.(٢) البطن: الجماعة من الأقارب، والبطن دون القبيلة، والفخذ دون البطن.(٣) وسُمِّيَ بذلك لأنَّهُ حُجِرَ، أي اقْتُطِعَ مِنَ الكَعْبَةِ. و لا يَصِحُّ الطَّوَافُ إلا مِنْ ورائِهِ.(٤) قالت عائشة ﵂: كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه، فقلت للنبي ﷺ : ألا أدخل البيت؟، فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر، فقال: إذا أردت دخول البيت، فصلي هاهنا، فإنما هو قطعة من البيت، فقلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟، فقال رسول الله ﷺ : " إن قومك لما بنوا الكعبة، قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ وَالْخَشَبُ، فاقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فأخرجوه من البيت. فقلت: فما شأن بابه مرتفعاً، لا يصعد إليه إلا بسلم؟، قال: " فعل ذلك قومك لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ. فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟، فقال: " لولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية بِالشِّرْكِ بِالكُفْرِ لَفَعَلْتُ، فأخاف أن تنكر (تَنْفِرَ) قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ؛ لأمرت بالبيت فهدم، ثم لبنيته على أساس إبراهيم ﵇ وأَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَزِدْتُ فِيهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ (وفي رواية خَمْسَ أَذْرُعٍ) مِنَ الْحِجْرِ فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ. وَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابٌ خَلْفًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، ولأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهُ"، فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ. وقال لها: إِذَا أَرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ فَصَلِّي هَا هُنَا، صَلِّي فِي الحِجْرِ، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ البَيْتِ. قَالَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، مَا أُرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحِجْرَ، إِلَاّ أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵀، لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ الْحِجْرُ مِنَ الْبَيْتِ جَمِيعَ الْحِجْرِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بَعْضَهُ عَلَى مَا خَبَّرَتْ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ الْحِجْرِ مِنَ الْبَيْتِ لَا جَمِيعَهُ. قَالَ يَزِيدُ: وَشَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ، وَبَنَاهُ، وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً، كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ مُتَلَاحِكَةً.стр. 170
حال الأرض قبل بعثته ﵊
وكانَ العربُ عَلَى أمور باقية من الحنيفية ملة إبراهيم ودين إسماعيل ﵉. وكانوا على أمور من الفِطْرَةِ كنصرة المظلوم والشجاعة والكرم والضيافة، وكانوا أفصح الناس، واعْتَادُوا القَوْلَ السَّدِيدَ دون فَلْسَفَاتٍ فِكْرِيَّةٌ، وبِمَعْزِلٍ عَنْ أدْوَاءِ المَدَنِيَّةِ والتَّرَفِ. إلا أنه دخل فيهم الشرك بالله وعبادة الأصنام التي أحضرها عمرو بن لحي الخزاعي من الشام، وتبع ذلك عبادات شركية قولية وفعلية كالذبح للأصنام وغيرها، وظهرت فيهم العصبية القبلية، وشُرْبُ الخَمْرِ والقِمَارُ وتَعَاطِي الرِّبَا وأكل أموال الناس بالباطل وزِّنَى البغايا والإماء، وقَتْلُ الأَوْلَادِ خَشْيَةَ الفَقْرِ، ووَأْدُ البَنَاتِ خشية العارِ، والطواف بالبيت عراة، وغير ذلك من الأمور المنكرة. وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ (١) . الحواشي
(١) يعني بقايا الموحّدين منهم، المستمسكين بالدين الحق. وكان في تلك الفترة أقليات يهودية مشتتة في الشام والعراق والحجاز وقد تحرفت تعاليم موسى ﵇، ودخل فيها آراء كتبها الأحبار ونسبوها إلى الدين، فجعلوا الله-سبحانه- إلهاً قومياً خاصاً باليهود وافتروا على أنبيائهم ما يشوه سمعتهم، وأحلوا التعامل مع غيرهم من الأميين بالربا والغش وحرموه بينهم، وأبوا دعوة الناس إلى دينهم لئلا يحظوا- في زعمهم- بشرف الانتماء إلى شعب الله المختار.
وفي بلاد الروم وحُكْم النصارى كان الربا والاحتكار هما أساسا النظام، وفرض هرقل ضرائب جديدة على أهالي الولايات المستاءين من الحكم الروماني لتسديد الدين الكبير لحروبه مع فارس، وكانت طبقات المجتمع البيزنطي جميعاً تؤمن بالتنجيم، والتنبؤ بالغيب، والعرافة، والاتصال بالشياطين، والتمائم. وكان الامبراطور وقادة الجيش وكبار رجال الكنيسة يعيشون في أعلى السلم الاجتماعي، في حين يقبع آلاف العبيد في المزارع الضخمة حيث يعانون من سوء التغذية وتدني مستوى المعيشة. ويقرب من مستواهم المعيشي: الأحرار الذين يشتغلون في الصناعات، وهذه الطبقات من الفقراء كانوا يحسون بسوء حالهم وكثيراً ما حاولوا القيام بثورات لم يوفقوا فيها. وكان أصحاب الأعمال الذين يستخدمونهم يؤلفون من بينهم طبقة وسطى كبيرة العدد.
وكانت البوذية تنتشر في الصين، فكانت التماثيل الخزفية المزججة التي تمثل الخدم والذل والجمال تدفن مع الأموات في القبور، ثم تحولت هذه العادة إلى ذبح العبيد والخيول الحيَّة ودفنها مع الملوك والرؤساء لخدمتهم في عالم ما بعد الموت. وكانت تماثيل بوذا (٥٦٣ -(٤٨٣) ق. م) تنتشر في الهند أيضاً، وتعتقد بخلود الحياة المستمرة في دورة لانهائية من تناسخ الأرواح. وفي الهند سادت البرهمية بعد أن زاحمت الديانة البوذية، والبرهمية تقوم على نظام الطبقات، وزعامة البراهمة، وتقديس البقرة، وتناسخ الأرواح، وعبادات وحشية مثل التضحية بأفراد من الإنسان، وإحراق الأرملة عند وفاة زوجها. وكان اليابانيون قبل البوذية يعبدون إلهاً يدعونه كامي، ويتمثل في عبادة ظواهر من الطبيعة كالشمس أو الأجداد الأسطوريين الذين هم ظواهر من الطبيعة حسب معتقدهم وتعرف ديانتهم باسم (الشنتو) أي الطريق إلى الآلهة، وعند ظهور الإسلام كانت البوذية قد انتصرت على الشنتو.стр. 171
وقد كان نفر من قريش على مخالفة للمشركين في عبادة الأصنام، ففي تلك الفترة خَرَجَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ القرشي من مكة إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتَّبِعُهُ. فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ، فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ، فَقَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ؟ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟، قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا، فَقَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟، قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ. (١) فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللهِ، وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ؟، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟، قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ، قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَرَجَ، فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَ مَئُونَتَهَا، فَيَأخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا، وقد لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ (٢) قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ (٣) ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، وقدمها إلى زيد، فَأَبَى زَيْدٌ أَنْ يَأكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زيد (٤) لقريش: "إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ". وَكَانَ زَيْدٌ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: "الشَّاةُ خَلَقَهَا اللهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنْ السَّمَاءِ الْمَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنْ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللهِ؟! " إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ. وإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ، وله في الجنة درجتان. الحواشي
(١) وذكر أهل السير أنّ أَحْبَارُ اليَهُودِ كانُوا يَذْكُرُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ أَخْبَرُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، يُخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبَ. وقَالَ أَحَدُهُمْ لزَيْدِ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ لمّا رحل إلى الشام يبحث عن الدين الحق: قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ أَوْ هُوَ خَارِجٌ، قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ، فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ، وَاتَّبِعْهُ.(٢) واد في طريق التنعيم إلى مكة.(٣) (سفرة) طعام يتخذه المسافر وأكثر ما يحمل في جلد مستدير ولذلك أصبح يطلق لفظ سفرة على ما يوضع فيه الطعام أو عليه.(٤) وجه كلامه لقريش الذين قدموا السفرة إلى النبى ﷺ .стр. 172
وكان محمد ﷺ قبل مبعثه لا يقدس الأصنام ويبغض ذلك، وكان يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ العُزَّى أَبَدًا". قَالَ: فتَقُولُ خَدِيجَةُ ﵂: خَلِّ اللَّاتَ، خَلِّ العُزَّى. ولَمْ يَشْرَبْ رسُولُ اللَّهِ ﷺ خَمْرًا، وَلَا قَرُبَ مِنْ فَاحِشَةٍ. وَلَمْ يَكُنْ يطُوفُ عُرْيَانًا، وكانَ يَقِفُ مَعَ النَّاسِ بَعَرَفَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، ولا يَصْنَعُ ما تَصْنَعُ قُرَيْشٌ مِنْ عَدَمِ وُقُوفِهَا مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، ووُقُوفُهَا بِالمُزْدَلِفَةِ. وكَانَ يَسْمَعُ صَوْتُ هَاتِفٍ به مِنَ المَلائِكَةِ، ويرى ضَوْءَاً من نُورَ المَلائِكَةِ. وَيَسْمَعُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّه قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. ثُمَّ صارَ يَهْجُرُ مَكَّةَ كُلَّ عَامٍ لِيَقْضيَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي غَارِ حِرَاءٍ -وهو مطل على الكعبة-، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا تَحَنَّثُ بِهِ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَظَلَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْوَحْيُ وَهُوَ فِي إِحْدَى خَلَوَاتِهِ تِلْكَ. قال ﵊:" إِنَّ اللَّهَ اصْطفَى كنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، واصْطفَى قُرَيْشًا مِنْ كنَانَةَ، واصْطفَى مِنْ قُريْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، واصْطفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ".
стр. 173
بعثة محمد ﵊
وكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ (١) ؛ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ فَمَكَثَ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلْوَةُ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَخْلُوَ فَكَانَ يَلْحَقُ بِغَارِ حِرَاءٍ (٢) ، فَيَتَحَنَّثُ (٣) فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ (٤) فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ (٥) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، وعُمُرُه آنَذاك أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ (٦) فَقَالَ: إقْرَأ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (٧) حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: إقْرَأ، قُلْتُ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: إقْرَأ، قُلْتُ: " مَا أَنَا بِقَارِئٍ "، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿إقْرَأ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي (٨) "، فَزَمَّلُوهُ، حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. (٩) قَالَ لِخَدِيجَةَ: "أَيْ خَدِيجَةُ، مَا لِي؟، لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي"، فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، فَوَاللهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ (١٠) وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ (١١) وَتَقْرِي (١٢) الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (١٣) ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، الحواشي
(١) ثم بعد البعثة تنوعت صور الوحي إما بالرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، أو بمَا كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ في رُوعِهِ وقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ، أو يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلاً، فيُخَاطِبُهُ حتَّى يَعِي عَنْهُ ما يَقُولُ لهُ، أو يَأْتِيهِ الوحي في مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وكَانَ أشَدُّهُ عَلَيْهِ، فيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حتَّى إِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحتَّى إِنَّ نَاقَتَهُ لَتَبْرُكُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ إِذَا كَانَ رَاكِبَهَا، ولَقَدْ جَاءَهُ ﷺ الوَحْيُ كَذَلِكَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا. وكَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخَافُ مِنْ نِسْيَانِ الوَحْي، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ. . فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ أي: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ وَتَقْرَأهُ،. . ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. .، أي: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، بأَنْ تَقْرَأَهُ.(٢) وفيه كان يُمْكِنُهُ رُؤيةُ الكعبةِ، فيجتَمِعُ لِمنْ يَخْلُو فيه ثلاثُ عِبَادَاتٍ: الخَلْوة، والتَّعَبُّدُ، والنَّظَرُ إلى البيتِ.(٣) أَي يفعل فعلا يطْرَح عَنهُ الْحِنْث أَي الْإِثْم. فإذا قضى شهره ذاك (رمضان) انصرف إلى الكعبة فطاف بها سبعاً ثم عاد إلى بيته.(٤) في بعض مروايات السير أن خديجة ﵂ خرجت معه إلى الغار في السنة التي بعث فيها: (حَتَّى إذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِيهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، مِنْ السّنة الَّتِي بَعثه اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَذَلِكَ الشَّهْرُ شَهْرُ رَمَضَانَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَمَعَهُ أَهْلُهُ).(٥) أَيْ: الْأَمْر الْحَقّ، وَسُمِّيَ حَقًّا لِأَنَّهُ وَحْي مِنْ الله تَعَالَى. وكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ، لقَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ولأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ".(٦) جاءت رواية مرسلة أن ذلك كان في منامه: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ .. ".(٧) أَيْ: ضَمَّنِي وَعَصَرَنِي، وَالْغَطُّ: حَبْسُ النَّفَسِ.(٨) غَطُّونِي بِالثِّيَابِ وَلُفُّونِي بِهَا.(٩) الخوف.(١٠) الكَلُّ: الثقيل من كل شيء في المؤُونة والجسم. واليتيم، ومن لَا يقدر على الْعَمَل، ومَنْ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.(١١) تُكسب الفقير مالاً.(١٢) تكرم.(١٣) تعين الناس في حاجاتهم ومصائبهم.стр. 174
فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ (١) الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى (٢) يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، فَقَالَ وَرَقَةُ: نَعَمْ، لَمْ يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ، أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ. وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً، ليذهب ما كان ﷺ وجده من الروع، وليحصل له التشوف إلى العود، فلما حصل له ذلك، وأخذ يرتقب مجيء الوحي؛ أكرمه الله بالوحي مرة ثانية. الحواشي
(١) النَّامُوسُ فِي اللُّغَةِ: صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ، وأَرَادَ بهِ جِبْرِيلَ ﵇؛ لأنَّ اللَّه تَعَالَى خصَّهُ بالوَحْيِ والغَيْبِ اللَّذَيْنِ لا يَطَّلعُ عليهمَا غيرُه.(٢) قال ابن حجر: وَقَوْلُهُ عَلَى مُوسَى وَلَمْ يَقُلْ عَلَى عِيسَى مَعَ كَوْنِهِ نَصْرَانِيًّا لِأَنَّ كِتَابَ مُوسَى ﵇ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ .. أَوْ لِأَنَّ مُوسَى بُعِثَ بِالنِّقْمَةِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ .. أَوْ قَالَهُ تَحْقِيقًا لِلرِّسَالَةِ لِأَنَّ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَى مُوسَى مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِخِلَافِ عِيسَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْيَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّتَهُ ... نَعَمْ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذِه الْقِصَّة أَن خَدِيجَة أَولا أَتَت ابن عَمِّهَا وَرَقَةَ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: "لَئِنْ كُنْتِ صَدَقْتِنِي إِنَّهُ لَيَأْتِيهِ نَامُوسُ عِيسَى الَّذِي لَا يُعَلِّمُهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَبْنَاءَهُمْ". فَعَلَى هَذَا فَكَانَ وَرَقَةُ يَقُولُ تَارَةً نَامُوسُ عِيسَى وَتَارَةً نَامُوسُ مُوسَى، فَعِنْدَ إِخْبَارِ خَدِيجَةَ لَهُ بِالْقِصَّةِ قَالَ لَهَا نَامُوسُ عِيسَى بِحَسَبِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَعِنْدَ إِخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ قَالَ لَهُ نَامُوسُ مُوسَى لِلْمُنَاسَبَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، وَكُلٌّ صَحِيحٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.стр. 175
إرسال النبي للناس كافة
وأمر الله نبيه أن يدعو الناس كافة -ومنهم أهل الكتاب اليهود والنصارى- إلى الهدى فقال جل وعلا: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعّامَ) (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا).
وأخبر الله نبيه أنّ من النصارى قوم هم أقرب مودة للذين آمنوا لأن منهم علماء وعبادًا متواضعون غير متكبرين كالنجاشي وأصحابه- قلوبهم لَيِّنَة، يبكون خشوعًا عند سماع ما أُنْزِلَ من القرآن لَمَّا عرفوا أنه من الحق؛ لمعرفتهم بما جاء به عيسى ﵇، يقولون: يا ربنا آمنا بما أنزلت على رسلك محمد وعيسى ﵉، فاكتبنا يا ربنا مع أمة محمد ﷺ التي تكون حجة على الناس يوم القيامة.
وأنّ مِنْ أَحْبَارِ أهل الكتاب كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلام وأسَد بْنِ عُبَيْد وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْية وأسَيد بْنِ سعْية وَغَيْرِهِمْ ﵃ (لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ).
وبيّن الله جل وعلا في كتابه أنّ كثيراً من الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى هم من المستكبرين على التحريف والكفر والكذب على الله وعلى الرسل وعلى الناس، وأكل أموال الناس بالباطل (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
стр. 176
نزول وحي القرآن عليه
وقال ﵊: مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ (١) ؛ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). الحواشي
(١) يعني: (القرآن)، وهو المعجزة الباقية؛ لإثباته عجز البشر عن الإتيان بمثله أو بمثل بعضه، في ألفاظه ومعانيه.
وهذه الخصوصيّة جعلت القرآن أعظم الأدلّة على صدق النّبيّ ﷺ في رسالته، والحجّة الباقية على النّاس إلى أن تقوم السّاعة. وقد قال الله : (وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فقد كان الله يجري على أيدي رسله وأنبيائه ويسوق لهم من البراهين ما يدلّ على صدقهم أنّهم مبعوثون من عند الله، ممّا لا يقع مثله في العادة لغيرهم من البشر، وهو معجزاتهم، كعصا موسى، وإحياء عيسى للموتى، والإسراء والمعراج لنبيّنا ﷺ ، لكنّ تلك المعجزات كانت أدلّة لمن شهدها، ونصيب من لم يشهدها إنّما هو الخبر الواجب التّصديق، بخلاف القرآن، فإنّه المعجزة الباقية، الّتي لم تزل حيّة بين النّاس، لم يتبدّل ولم يتغيّر، ولن يكون ذلك في يوم من الدّهر.
وتحدّى الله أرباب الفصاحة والبيان، بل جميع بني الإنسان، بل حتّى لو ظاهرهم عليه الجانّ، ولم يزل يتحدّى: أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بمثل بعضه، فما فعلوا، ولن يفعلوا.
كما قال جلّ وعلا: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)، وقال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ).
تحدّاهم بأن يأتوا بأقصر سورة من مثله، على مثاله في النّظم والتّأليف والإحكام، وفي المعاني والدّلالات والأحكام، فعجزوا عن معارضته في كلّ ذلك، عن مماثلته بعباراتهم، أو مجاراته ببيانهم، أو مسابقته بقوانينهم وشرائعهم.
ذلك؛ لأنّه كلام ربّ العالمين ﵎، وكلامه سبحانه من صفاته، وهو الّذي لا مثل له في ذاته ولا في صفاته، كما قال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)، فكما لا مثل له سبحانه في سمعه، ولا مثل له في بصره، ولا مثل له في سائر صفاته، فكذلك لا مثل له في كلامه.
فهذه- والله- هي العلّة الّتي فارق بها كلامه سائر الكلام، وعجز لأجله الخلق عن معارضته، فليس كشعرهم ولا كنثرهم، ولا كقوانينهم وشرائعهم، مع أن حروفه من حروف كلامهم، ومفرداته من مفردات قاموسهم، فلم يجدوا له في ألسنتهم مع الفصاحة، ولا في عقولهم مع الرّجاحة، ما يمكنهم به أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه، فقد أبت قوانين الشّعر وأساليب النّثر ولوائح الأنظمة أن يقايس بها ويجري عليها.
(وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ).
ويعسر أن تحدّ وجوه الإعجاز في القرآن العظيم، فكلّ شيء منه لا نظير له، فهو باهر في ألفاظه وأسلوبه، في تأليفه ونظمه، في بيانه وبلاغته، في تشريعه وحكمه الّتي حيّرت الألباب، في أنبائه وأخباره، في تاريخه وحفظه، في علومه الّتي لا تنقطع ولا تقف عند غاية. وقد أجمل وصفه وأحسنه من قال: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم، هو الّذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة؛ فإنّه تتلوه ألسنة لم تفتق بالعربيّة، بل ربّما تعسّر عليها قراءة سواه من الكلام العربيّ، أمّا هو فتنطلق به الألسنة مع عجمتها، فهو مُيَسَّر لِلذِّكْرِ، ولا يشبع منه العلماء، ولا تذهب لذّته بكثرة التكرار، بل هو في كل مرّة جديد، مهما تكرّرت تلاوته، ولا تنقضي عجائبه، هو الّذي لم تنته الجنّ إذ سمعته حتّى قالوا: "إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ"، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم».
ومن الإعجاز القرآني:
الإعجاز اللّغويّ: وهو أبرز ما تحدّى به القرآن العرب في حياة النّبيّ ﷺ ، وهو التّحدّي في أبرز خصائصهم، فمع أنّه بلسانهم، وأتى بما لا يخرج عن وجوه فصاحتهم وأساليب بيانهم، وهم يومئذ في الذّروة في ذلك نثراً ونظماً.
ومنه الإعجاز الإخباريّ: فيما تضمّنه القرآن من الأنباء، ومنها:
١ - الإخبار عن الغيب المطلق، كالخبر عن الله وأسمائه وصفاته، والملائكة، وصفة الجنّة وصفة النّار.
٢ - الإخبار عن الأمور السّابقة، كالخبر عن بدء الخلق، وعن الأمم السّالفة.
٣ - الإخبار عمّا يكون في مستقبل الزّمان، كالإخبار عن الشّيء قبل وقوعه في عهد النّبيّ ﷺ ، أو عمّا سيكون بعد ذلك.
٤ - الإخبار عمّا تكنّه النّفوس وتخفيه الضّمائر، ممّا لا يمكن أن يعلمه إلّا الله، ولا يصل إلى علم النّبيّ ﷺ إلّا بوحي الله.
ومنه الإعجاز التّشريعيّ: فيما أودع الله في كتابه من القوانين الّتي تشهد في استقامتها وعدلها وصلاحها لكلّ زمان أنّها من عند الله، وأن لا طاقة للخلق أن يوجدوا لها نظيراً، مهما بلغت العقول. ذلك أنّ التّشريع مبنيّ على تحقيق مصالح العباد في الدّارين، ولا يحيط بتلك المصالح أحد من خلق الله؛ لقصور العلم، والنّقص بالطّبع، لكنّ الله سبحانه هو الخالق، فهو أعلم بخلقه وحاجتهم وما يكون به صلاحهم وفسادهم، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.
ومنه الإعجاز العلميّ: وذلك فيما بيّن الله في هذا الكتاب ودلّ عليه من الآيات في السّماوات والأرض والأنفس، ممّا لم يكن ليحيط به علم بشر في عهد النّبيّ ﷺ من تلقاء نفسه، ثمّ يبقى النّاس يكتشفون أسراره في الكون، والقرآن قد سبق به منذ دهر بعيد تصريحاً وتلويحاً، كان يتلوه على النّاس نبيّ أمّيّ، لم يدرس علوم الفضاء ولا البيئة ولا البحار ولا طبقات الأرض ولا الأجنّة، لينبئ العالم أنّه رسول ربّ العالمين، وأنّ هذا القرآن من علم الله الّذي أحاط بكلّ شيء. وهو أكثر ما يُدخل الناس في الإسلام.
وسمّى الله تعالى القرآن العظيم بأسماء، ونعته بنعوت، منها: الكتاب، وكلام الله، والفرقان، والذّكر.
أما تسمية القرآن بالمصحف، فهي تسمية ظهرت بعد أن جُمع القرآن مكتوباً بين الدّفّتين. وجاءت من الصّحف الّتي جمع بعضها إلى بعض فأصبحت على هيئة الكتاب.
وأمّا ما ذكر الله من نعوت وأوصاف كلامه المنزل على محمّد ﷺ فكثير، فهو: هدى، وشفاء، ورحمة، وموعظة، وذكرى، وبشرى، ونذير، وبيان، وروح، ونور، ومبين، ومفصّل، ومبارك، وبصائر، وكريم، وعليّ، وحكيم، وعزيز، ومجيد، وقيّم، وأحسن الحديث، وغير ذلك من الصّفات الدّالّة على عظمته ومنزلته ورفيع قدره.
والصحابة الذين كان يتنزل الوحي على رسول الله ﷺ بعلمهم ومشاهدتهم، كان لهم الأسوة الحسنة برسول الله ﷺ بالإسراع إلى حفظ القرآن واستظهار آياته، وقد ساعدهم نزول القرآن منجّما على الحفظ. وعلموا ما كان من وقوع النسخ في القرآن، قال تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ وقال: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر، بل أكثرهم لا يعلمون﴾ وقال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما نسخ حكمه وتلاوته، كعشر رضعات. والثاني: ما نسخت تلاوته دون حكمه، كخمس رضعات، والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما. والثالث: ما نسخ حكمه، وبقيت تلاوته، وهذا هو الأكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم. . الآية﴾ والله أعلم.
وعلم قراء الصحابة أوجه القراءات التي نزل بها القرآن وقال فيها ﵊: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، على أي حرف قرأتم فقد أصبتم".
وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات (لهجات) العرب في المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات (لهجات) العرب في التعبير عن معنًى من المعاني يأتي القرآن مُنَزَّلًا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر. نحو: أَقْبِل وتعال، وهلم، وعَجِّل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وإليه ذهب أكثر العلماء ويدل له ما جاء في حديث أبي بكرة: "أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين، حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلم وتعالَ وأَقْبِل واذهب وأسرع وعَجِّل. وقد لقي رسول الله ﷺ جبريل فقال: يا جبريل إني بعثت إلى أمة أميين، منهم العجوز والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط، قال: فمرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف.
ومن حِكَم نزول القرآن على سبعة أحرف:
١ - تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لكل قبيل منهم لسان.
٢ - إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب، حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري، وأنه لا يمكن مضاهاته بأي لسان.
٣ - إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه -فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائمًا لكل عصر- ولذا احتج الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد بقراءات الأحرف السبعة.
وقد قتل يوم اليمامة سبعون من القرّاء، وقتل في عهد النبيّ ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد من القرّاء الذين عرضوه على النبيّ ﷺ ، واتّصلت بنا أسانيدهم، وأما من جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير.
والاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة، يقول ابن الجوزي شيخ القرّاء في عصره: إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف- الكتب- أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة. وقد ورد في صفة هذه الأمة: أناجيلهم صدورهم، بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتاب، ولا يقرءونه كلّه إلا نظراً لا عن ظهر قلب.
وقد أرسل أبو بكر ﵁ إلى زيد بن ثابت ﵁ بعد مقتل أهل اليمامة وعنده عمر ﵁ فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر - قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم - فقال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل، ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه، قال زيد: فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، فقلت لهما: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب (وهو جريد من النخل) وصدور الرجال، ففقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، وهي قوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ فلم أجدها إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﵁ " الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين. وكانت الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر ﵄.
ثم كان في عهد عثمان ﵁ تدوين المصحف واعتماد النسخة المدونة وإحراق ما سواها من النسخ.
فقد قدم حذيفة بن اليمان ﵁ على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق - فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.
واستشار عثمان واستفتى الصحابة، وقال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفراً؟
قلنا: فما ترى؟
قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف.
قلنا: فنعم ما رأيت.
قال- يعني علي ﵁: فقيل: أي الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأ؟
قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت.
فقال: ليكتب أحدهما، ويملي الآخر. ففعلا، وجمع الناس على مصحف قال علي: والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل.
وقد عهد عثمان اعتماد النسخة الموحدة من المصحف إلى أربعة من الصحابة هم: زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال لهم: "اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". ففعلوا، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق. منعاً لاختلاف القراءات والزيادة والنقص في كتاب الله تعالى.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملأ منا جميعاً.
أما عن ترتيب الآيات والسور فإنّ النبي ﷺ قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران، وفيه حجة لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد وليس بتوقيف من النبي ﷺ ، وهو قول جمهور العلماء، واختاره القاضي الباقلاني قال: وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس.
قال ابن بطال: لا نعلم أحداً قال بوجوب ترتيب السور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة، والحج قبل الكهف مثلاً، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوساً، فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها، وتذليلاً للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن، فهو حرام فيه.
أما عن سبب نزول بعض الآيات والسور قبل بعض؛ فقد أشارت عائشة أم المؤمنين ﵂ إلى شيء من الحكمة الإلهية في أسبقية النزول، وأن أول ما نزل من القرآن الدعاء إلى التوحيد، والتبشير للمؤمن والمطيع بالجنة وللكافر والعاصي بالنار، فلما اطمأنت النفوس على ذلك، أنزلت الأحكام، ولهذا قالت: " ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا لا ندعها " وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف.
أما عن ترتيب الآيات في كل سورة؛ فلا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى، وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها ﷺ .
وكان حفظ القرآن وتدوينه في مصحف واحد بالرسم العثماني مما اتفق عليه كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.стр. 177
من معجزاته وخصاله ﵊
يقول عن نفسه ﵊: أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ (١) ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلَتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي (٢) وَهِيَ نَائِلَةٌ مِنْكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ الْبَارِحَةَ، أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ".
وكان جميل الوجه حتى وصفوه بالبدر، وعرقه من أطيب الطيب، تنام عيناه ولا ينام قلبه، ويأخذ الهدية ولا يأكل الصدقة، ويرى المؤمومين في الصلاة خلفه، ويواصل الصيام يبيت يطعمه ربه ويسقيه، عرفه أهل الكتاب في كتبهم باسمه ووصفه ومخرجه ومبعثه، وحاجّهم مراراً ونُكسوا عن مباهلته، وصارع ركانة فصرعه، وأمر جبل أحد أن يثبت لما اهتز، وخنق إبليس حتى أحس ببرد لعابه بين إصبعيه، وأعانه الله على شيطانه فأسلم، ومن رآه في المنام فقد رآه حقاً فإن الشيطان لا يتمثل به.
وشهد الله له أنه على خلق عظيم، وكان خلقه القرآن، ومَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا لَعَنَ رَسُول اللهِ ﷺ مِنْ لَعْنَةٍ تُذْكَرُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ فَيَنْتَقِمَ للهِ، وَمَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَسَابَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَقْدَامِ، الحواشي
(١) (البِيعَة): مَعْبَد النَّصَارَى.(٢) وفي الحديث: ِلكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ قَدْ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ، فَاسْتُجِيبَ لَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ.стр. 178
وَخَصَفَ نَعْلَهُ بِيَدِهِ وَرَقَّعَ ثَوْبَهُ بِيَدِهِ، وَرَقَّعَ دَلْوَهُ وَحَلَبَ شَاتَهُ وَفَلَّى ثَوْبَهُ وَخَدَمَ أَهْلَهُ وَنَفْسَهُ، وَحَمَلَ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَرَبَطَ عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ تَارَةً وَشَبِعَ تَارَةً، وَأَضَافَ وَأُضِيفَ، وَاحْتَجَمَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَعَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَاحْتَجَمَ فِي الْأَخْدَعَيْنِ (١) وَالْكَاهِلِ، وَتَدَاوَى وَكَوَى وَلَمْ يَكْتَوِ، وَرَقَى وَلَمْ يَسْتَرْقِ، وَحَمَى الْمَرِيضَ مِمَّا يُؤْذِيهِ.
وجعل الله بعثته رحمة للعالمين، ومَا خَاطَبَهُ فِي كِتَابِهِ إِلَّا بِالْكِنَايَةِ الَّتِي هِيَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ الَّتِي لَا أَجَلَّ مِنْهَا فَخْرًا، ونهى الناس أَنْ يُخَاطِبُوه بِاسْمِهِ، وندبهم إلى تكنيته، ودافع الله عنه فبرأه في كتابه من كل ما رماه به الكفار من السحر والكهانة والجنون، وزكاه بأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمر الناس بالتأسي به، وفرض طاعته، وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وجعل أزواجه أمهات للمؤمنين لا ينكحهن أحد بعده، وقرن الله اسمه باسمه تعالى عند ذكر طاعته وأحكامه، وأقسم الله بحياته، وأفرده بسيادة ولد آدم في القيامة، وحفظه من التدين بدين الجاهلية، ومن تعريهم، ومن لهوهم، وحرست السماء من استراق السمع لثبوت بعثته وعلو دعوته (٢) ، وأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به إلى السماء، ورأى من آيات ربه الكبرى، وما زاغ بصره وما طغى، وعاد متواضعاً حريصاً على أمته مشفقاً عليها بالمؤمنين رؤوف رحيم.
وانشق الْقَمَرُ بِدُعَائِه فِلْقَتَيْنِ، وصبر على أذى المشركين وعنادهم بعدما رأوا الآيات والمعجزات، واستمع له نفر من الجن فآمنوا به، وعرض نفسه على القبائل ليبلغ دين الله، وأخبر بالمعجزات الغيبية وانتصار الروم على الفرس في بضع سنين، ولما تآمر الكفار على قتله حجبه الله عنهم فلم يروه وأنجاه الله، وهاجر إلى المدينة، فبوركت غنم مر بها في طريقه، ونصره الله في الغار وحماه من المشركين وأنزل عليه سكينته وأيده بجنود من عنده، وصد عنه لحاق سراقة بن مالك، وصبر على مشقة الدعوة وجاهد المشركين، وشكت إليه بعض البهائم فنصرها وأوصى بها أصحابها، الحواشي
(١) الأَخْدَعَانِ: هما عِرْقان فِي جَانِبي الْعُنُق. وَالْكَاهِلُ: هُوَ مَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ.(٢) كَانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ فيَسْتَمِعُونَ الكَلِمَةَ فَيَزِيدُونَ فِيهَا عَشْرًا، فَيَكُونُ مَا سَمِعُوا حَقًّا، ومَا زَادُوهُ بَاطِلًا، وَكَانَتِ النُّجُومُ لا يُرْمَى بهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَانَ أحَدُهُمْ لا يَأْتِي مَقْعَدَهُ إِلَّا رُمِيَ بِشِهَابٍ يُحْرِقَ ما أصَابَ، فشَكَوْا ذَلِكَ إلى إبْلِيسَ، فقَالَ: مَا هَذَا إِلَّا مِنْ أمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَبَثَّ جُنُودَهُ، فإذا هُمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْ نَخْلَةٍ، فأتَوْهُ فأخْبَرُوهُ، فقَالَ: هَذَا الحَدَثُ الذِي حَدَثَ في الأَرْضِ. و عنِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الرَّمْي بِالنُّجُومِ: أكَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ولَكِنَّهُ إذْ جَاءَ الإِسْلَامُ غُلِّظَ وَشُدِّدَ. وثَبَتَ تَعَدُّدُ وُفُودِ الجِنِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ الذِينَ جَاؤُوا أَوَّلًا كَانَ سَبَبُ مَجِيئِهِمْ مَا ذُكِر في الحَدِيثِ مِنْ إرْسَالِ الشُّهُبِ، وسَبَبُ مَجِئِ الذِينَ في قِصَّةِ ابنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ جَاؤُوا لِقَصْدِ الإسْلَامِ، وسَمَاعِ القُرْآنِ، والسُّؤَالِ عَنْ أَحْكَامِ الدِّينِ.стр. 179
وتسابقت إليه الإبل يوم النحر أيها ينحر أولاً بيده الشريفة، وسلم عليه الحجر والشجر قبيل بعثته، وحن إليه الجذع الذي كان يستند إليه في مسجده قبل أن يصنعوا له المنبر، وتبارك الطعام والماء بدعائه و بيده أو نفثه أو مجِّه، وأَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيَّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيَّةً (مشوية) سَمَّتْهَا فأخبرته الشاة أنها مسمومة، وتكلم الذئب شاهداً بنبوته، وسبح الحصى في يده، وقَدِم الشَّجَرُ إلَيْه إذ دعاه، ونبع الماء من بين أصابعه، وشفى الله على يده جراحاً وأعيناً ومرضى، وأخبر بأشراط الساعة وما يكون إلى قيامها.
وما ترك خيراً إلا دل أمته عليه، ولا شرّاً إلا حذرها منه، وجعلها الله خير الأمم، معصومة لا تجتمع على ضلالة، ولن تضل ما تمسكت بسنته وهديه، وشريعتها ناسخة لما قبلها، أمة شاهدة على الأمم يوم القيامة بتبليغ الرسل، وصفوفها كصفوف الملائكة، ونبيها هو أول شافع ومشفَّع، وصاحب الشفاعة العظمى، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، وأول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها، وأكثر الأنبياء أتباعاً، أوتي جوامع الكلم، وأُنزل عليه القرآن معجزة خالدة إلى قيام الساعة محفوظاً من التحريف والتبديل، تحدى الناس أن يأتوا بسورة من مثله، وهو صاحب المقام المحمود والحوض المورود.
стр. 180
الدَّعْوَةُ في مكة
وبَدَأ النبيُّ ﷺ يدْعُو إِلَى الإسْلَامِ سِرًّا لِئَلَّا يُفَاجِئَ أَهْلَ مَكَّةَ بِما يُهَيِّجُهُمْ علَيْهِ، فَجَعَلَ يَعْرِض الإسْلامَ عَلَى أَلْصَقِ الناسِ بِهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وأصْدِقَائِهِ. وكان أوَّلُ مَنْ آمنَ به عَلَى الإطْلَاقِ زَوْجُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂، ثُمَّ أسْلَمَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ابْنُ عَمِّ النبيِّ ﷺ ، ولَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ حِينَ أسْلَمَ، وكَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، ثمَّ أسلَمَ مَوْلاهُ زيدُ بنُ حَارِثَةَ الكَلْبِيّ ﵁، وهُوَ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ المَوَالِي
وسَارَعَ إِلَى الإِسْلَامِ بَنَاتُ النبيِّ ﷺ ، وأوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنْ خَارجِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مُؤَلَّفاً لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكَانَ أنْسَبَ قُريْشٍ لِقرَيْشٍ، وأعْلمَ قرَيْشٍ بِهَا وَبِمَا، كَانَ فِيهَا مِنْ خيرٍ وشرٍّ، وكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ ومَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ، ويَأْلفونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأمْرِ، لِعِلْمِهِ، وتِجَارَتهِ، وحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى الإِسْلَامِ مَنْ وثِقَ به مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ، ويَجْلِسُ إِلَيْهِ. فأسْلَمَ بِدُعَائِهِ ﵁ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ، وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. فكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ هُمُ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ، وطَلِيعَةُ الإِسْلَامِ. ثُمَّ بَدَأَ النَّاسُ يَتَسَامَعُونَ بِرِسَالَةِ الإِسْلَامِ، وسَارَعَ الفُقَرَاءُ إِلَى الدُّخُولِ في الإِسْلَامِ.
وكَانَتْ الصَّلَاةُ المَفْرُوضَةُ قَبْلَ الإِسْرَاءِ ثِنْتيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ في وَقْتِ الفَجْرِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ في وَقْتِ العَصْرِ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وقِيامُ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وعَلَى أُمَّتِهِ حَوْلًا، ثُمَّ نُسِخَ في حَقِّ الأمَّةِ وُجُوُبهُ، ثمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءَ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ. فكانُوا إِذَا أرَادُوا الصَّلاةَ خَرَجُوا إِلَى الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوا فِيهَا بِصَلاتِهِمْ عَنْ أنْظَارِ قُرَيْشٍ.
следующие страницы →