Полный текст (447 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
القضاء والقدر والأخذ بالأسباب
ولَو أَنَّكُم تَوكَّلُون على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصاً، وتَروحُ بِطاناً. احفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سَأَلْت فاسألِ الله، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، تَعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ، واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وما أصابَكَ لم يَكُن ليُخطِئَكَ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلَاّ بشيءٍ قد كَتَبَهُ الله لكَ، وإنِ اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ، لم يضرُّوك إلَاّ بشيءٍ قد كتبهُ الله عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ، واعلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ معَ العُسْرِ يُسراً. الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا صَاحِبُهَا، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ، وَلَا تُحَدِّثُوا بِهَا إِلَّا عَالِمًا أَوْ نَاصِحًا أَوْ حَبِيبًا. وإِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ، الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ، فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللهِ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللهِ، فَلْيَحْمَدْ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَلْيُفَسِّرْهَا. وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ؛ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلْيَنْفُثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثًا، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، وَلَا يُفَسِّرْهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ.
стр. 352
الإيمان تصديق وعمل وأخلاق
والإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثمَّ استقِمْ. أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَمُوتُ عَبْدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ (١) ثُمَّ يُسَدِّدُ (٢) ؛ إِلَّا سُلِكَ فِي الْجَنَّةِ. وإِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ؛ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ. إِنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً، وإنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ. لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ؛ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، لا تَغْضَبْ. البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: ما حَاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ. وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ .
ولا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: أَنْ قَدْ أَحْسَنْتَ، فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ، فَقَدْ أَسَأْتَ، ولأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ. وإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، ومَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ. مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ؛ يُحْرَمْ الْخَيْرَ كُلَّهُ، فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ.
ولَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ. تَهَادَوْا تَحَابُّوا. ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا. الحواشي
(١) قال ابن القيم: والتصديق بـ"لا إله إلا الله" يقتضي الإذعان والإقرار بحقوقها، وهي شرائع الإسلام التي هي تفصيل هذه الكلمة، بالتصديق بجميع أخباره وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ... فالمصدق بها على الحقيقة هو الذي يأتي بذلك كله، ومعلوم أن عصمة المال والدم على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبالقيام بحقها، وكذلك النجاة من العذاب على الإطلاق لم تحصل إلا بها وبحقها.(٢) دلالة على اشتراط العمل الصالح وارتباطه بالتصديق.стр. 353
ولَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ (١) أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، ولَا قَاطِعُ رَحِمٍ (٢) ، وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ (٣) ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، وَلَا مَنَّانٌ ولا نمام، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِيَ بِحَرَامٍ ولا لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ (٤) . والْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ومِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ. لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشوا (٥) ، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُمْ على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْواناً، المُسلِمُ أَخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، بِحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ. لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ: فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ، والبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا، أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ. ولَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا، وَالشَّاةَ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ، إذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ. لا ضَرَرَ (٦) ولا ضِرارَ (٧) . ألحِقُوا الفَرائِضَ بأَهلِها، فَمَا أَبقتِ الفَرائِضُ فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، والرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ، ويَحرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسبِ. ولَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُم، لادَّعى رِجالٌ أموالَ قَومٍ ودِماءَهُم ولكن البَيِّنَةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أَنْكر. و إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ. لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ، الحواشي
(١) أي: محمد ﷺ .(٢) قاطع رحم: هاجر لأقاربه فلا يصلهم ولا يزورهم.(٣) مؤمن بسحر: يعتقد أن السحر يؤثر بذاته لا بتقدير الله وإرادته.(٤) المعنى -والله أعلم- أنه لا يدخل الجنة مرتكب هذه الأعمال إلا أن يغفر الله له إذا مات غير تائب منها، كسائر الكبائر.(٥) يعني: في مزادات البيع، نهى أن يزيد أحد في سعر سلعة لا يريد شراءها.(٦) لا يَضُرّ الرجل أَخاه.(٧) (ولا ضِرار) يعني: لا يُضَارّ كل واحد منهما صاحبه ويُدْخِلُ الضرر على الذي ضَرَّهُ؛ ولكن يعفو عنه ﴿ادْفَعْ بالتي هي أَحسن، فإِذا الذي بينك وبينه عداوة كأَنه ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾.стр. 354
وأيُّما رجلٍ ظَلَم شِبْراً مِنَ الأرضِ؛ كَلَّفهُ الله أنْ يحفِرَهُ حتى يبلُغَ به سبْعَ أرَضينَ، ثم يُطَوِّقه يومَ القيامَةِ حتى يُقْضى بينَ الناسِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ. والرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ (١) ، ومَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ، ولا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَاّ بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ. ومَنْ قُتِلَ دونَ ماله فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دون أهلِه أو دون دَمِه أو دون دِينِه فهو شهيدٌ. وإِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ (٢) ، إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. و لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ. كُنْ فِي الدُّنيا كأَنَّكَ غَريبٌ، أو عَابِرُ سَبيلٍ، وازهَدْ فِي الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيمَا في أيدي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ، ومَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَلَا تُحْصِ؛ فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْك، وَلَا تُوعِ فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْك، ولَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ، سَيَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْدَى عَلَى أَحَدِكُمْ بِالْقَصْعَةِ مِنَ الثَّرِيدِ وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ؟ وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى؟ وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِكُمُ الْيَوْمَ، لَأَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ. لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ، إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ، قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً. كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا؛ فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ (٣) . الحواشي
(١) ولَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ"، وَقَالَ: "هُمْ سَوَاءٌ".(٢) سماهما (مسلمين) مع التوعد بالنار. وهذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية، أو طلب مُلك مثلاً، فأما من قاتل أهل البغي، أو دفع الصائل فقُتل، فلا يدخل في هذا الوعيد، لأنه مأذون له في القتال شرعاً.(٣) قال ابن عباس: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ.стр. 355
إنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ. يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ. تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ (١) ، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجِعُ. الحواشي
(١) اليمّ: البحر والنهر العظيم، قيل هو كلمة عربية. وقيل معرب عن السريانية وأصله فيها (يَمّا) وقال شَيْدَلَةُ: هو من القبطية، وقال ابن الجوزي: هو من العبرية، ولعله موجود في هذه اللغات. ولعل أصله عربي وأخذته لغات أخرى ساميّة من العربية وأطلق في القرآن على بحر القُلْزُم، المسمى في التوراة بحر سُوف، وهو البحر الأحمر. وعلى نهر النيل، وكلاهما لهما اتصال بأرض مصر.стр. 356
الزينة وحفظ العرض والنسل
عشر من الفطرة: قص الشارب (١) ، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم (٢) ، ونتف الإبط، وحلق العانة (٣) ، وانتقاص الماء (٤) ، والاختتان (٥) . قصوا (٦) الشوارب وأرخوا (٧) اللحى، خالفوا المجوس، خالفوا المشركين، من لم يأخذ من شاربه فليس منا. لَعَنَ اللَّهُ الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوْصِلَةَ، وَالوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ، والمتفَلِّجاتِ للحُسنِ المغَيِّراتِ خَلْقَ اللهِ (٨) .
إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ، وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً. الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ، فَإِنَّهَا مِنَ المَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، مَا مَسَّتِ الْأَرْضُ مِنَ الْإِزَارِ إِلَى مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ، مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا؛ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا. لعَنَ اللهُ الرجُلَ يلبَسُ لبِسَةَ المرأةِ، والمرأةَ تَلبَسُ لبِسَةَ الرجُلِ (٩) . غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ العَوْرَةِ (١٠) ، واحْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ (١١) ، إنا نُهِينا أن تُرى عوراتُنا، إِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ، مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَلَا دِيَةَ لَهُ، وَلَا قِصَاصَ. المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ (١٢) ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ رَبِّهَا إِذَا هِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا، وخَيْرُ مَسَاجِدِ النِّسَاءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ. لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ، إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، الحَمْوُ المَوْتُ (١٣) . لأَنْ يُطعنَ في رأسِ أحدِكُم بِمخْيطٍ مِنْ حديدٍ؛ خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمَسَّ امْرأةً لا تَحِلُّ لَهُ، الحواشي
(١) وفي رواية: (وتقصير الشارب).(٢) (البراجم): العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ، الواحدة برجمة بالضم.(٣) العانة: هي الشعر المحيط بالفرج.(٤) أي: الاستنجاء بالماء.(٥) الختان: قطع الجلدة والحشفة الزائدة التي تكون على الفرج من الذكر أو الأنثى.(٦) وفي روايات: (أحفوا) و (جزوا).(٧) وفي روايات: (وفروا) و (أعفوا).(٨) الواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر آخر، والمستوصلة: التي تطلب من يفعل بها ذلك. والوشم: غرز إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو غيره فيخضر أو يتلون بلون آخر، ومنه ما يسمى اليوم بالتاتو. والنامصة: التي تزيل الشعر من الحاجب، والمتنمصة: التي تطلب منها فعل ذلك. والمتفلجات أي: مفلجات الأسنان بأن تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات فتجعل بينها فراغات. ونهي أيضاً عن وشر الأسنان وتحديدها وبردها لتكون في مستوى واحد. ونَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ (القَزَعِ)، وهو: أَنْ يُحْلَقَ رَأْسُ الصَّبِيِّ فَيُتْرَكَ بَعْضُ شَعْرِهِ.(٩) و لعن رسول الله المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ.(١٠) (العورةِ): أصلُ إطلاقِهِا على النقصِ والخَلَل، ولما كان صاحبُ النقصِ يَكْرَهُ أن يُرى وينكشِفَ نَقْصُه، دخَلَ في معنى (العَوْرةِ) كُلُّ ما يَشْترِكُ في كراهةِ رؤيَتِهِ عقلاً أو شرعاً أو عُرْفاً. ولما كان اللهُ يَكْرَهُ أن يَكْشِفَ الرجالُ والنساءُ مواضعَ معيَّنةً مِن أبدانِهم، سُمِّيتْ عورةً، ولما كانَتِ المرأةُ العفيفةُ تكرَهُ أن يَنظُرَ إلى شيءٍ مِن جسمِها رجلٌ غيرُ زوجِها غريزةً وشَهْوةً، سُمِّيَ المنظورُ إليه عورةً. من شروط لباس الرجل أن يكون ساتراً لا يكشف العورة وهي ما بين السرة إلى الركبة، ولا يكون ضيقاً بحيث تبدو منه تفاصيل الجسم، وأن يكون فوق الكعبين، وأن يجتنب الإسراف والشهرة، ولا يتشبه بالكفار في لباسهم الخاص بهم، ولا يشبه لباس المرأة، وأن يجتنب ما ورد فيه النهي كالحرير وجلود السباع والجلود النجسة.(١١) (مِلْك اليمينِ) هنا يقصد بها (الأَمَة): وهي المرأة التي ثبت عليها الرِّق فتكون مملوكة لسيدها، ولا يثبت الرق بالاختطاف أو ببيع الأب بنته بسبب الفقر ونحو ذلك كما في الجاهلية، وإنما يثبت الرق في الإسلام بأحد طريقين:
الأول: أن يقع الكافر أسيراً في أيدي المسلمين إثر حرب بين دولة الإسلام ودولة الكفر، ويأذن إمام المسلمين باسترقاقه لمصلحة أو معاملة بالمثل مع فارق إكرام الرقيق في الإسلام، وله أن يأمر بقتل الأسير، أو إطلاق سراحه بمال أو بدون مال، حسب ما يراه من المصلحة للمسلمين، وهذه الأحكام سارية في هذا العصر وإلى يوم القيامة.
الثاني: أن يكون مستولداً من أمة مسترقة، إذا كان من غير سيدها فيكون رقيقاً- يعني العبد أو الأَمَة- حتى تتاح له فرصة فيعتق مجاناً أو بمكاتبة.
وعلى هذا فلا يثبت الرق في حرب وقعت بين طائفتين من المسلمين في أي عصر من العصور، ولا يثبت الرق على الأسير الكافر إذا أمر إمام المسلمين بقتله أو إطلاق سراحه بمال أو مجاناً، لمصلحة المسلمين، ولا يثبت الرق على العبد المعتَق، ولا على الحر. والرقيق يتملكه سيده ويباع ويشترى مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا مُعْتَرَفًا بِهِ شَرْعًا، وَكَذَا بالْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمِيرَاثُ وَغَيْرُهَا مِنْ صُوَرِ انْتِقَال الأْمْوَال مِنْ مَالِكٍ إِلَى آخَرَ.
وجاء الإسلام وأقر الرق لمصالح كثيرة، منها: أن الأسير الكافر إذا استرق وبقي بين أظهر المسلمين فإنه يبدأ حياة جديدة يتعرف فيها على أحكام الإسلام وآدابه، وعلى عدله وسماحته، فينشرح صدره للإسلام، ويحبب الله إليه الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، لا سيما إذا كان أهل الإسلام على قدر من الخلق وحسن المعاملة، فإذا خالط الإيمان بشاشة قلبه، كان ممن يتشوق الإسلام إلى مكاتبته أو عتقه مجاناً، كما دل على ذلك تشريع سائر الكفارات، ككفارة القتل الخطأ والإفطار في رمضان والحنث في اليمين والظهار وشجع على مكاتبة الرقيق وتيسير دفع ما يلزمه، وجعل عتق الرقاب من الكفارات، وأمر بالإحسان إلى الرقيق حتى تحين الفرصة لعتقه، والوصايا في ذلك كثيرة يكفى منها مراعاة شعوره، فلا يقال له: عبدى أو أمتى، بل يقال: فتاي وفتاتي، أو غلامي وجاريتي. مع إكرامه في مطعمه وملبسه كما في الحديث:" هم إخوانكم وخَوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". فلا يأمر السيد عبده أو أمته بمعصية الله ولا ينهاه عن طاعته، وعليه أن يحافظ على حياة عبده، فلا يقتله أو يجرحه، أو يؤذيه في بدنه، ولا يكلفه بأعمال شاقَّة فوق طاقته، ولا يجبره على تغيير دينه، وعليه إطعامه وكسوته وإسكانه، قدر حاجته وكفايته، وأن ينفق عليه إذا مرض أو عجز عن العمل أو كان صغيراً، وأن يسعى في إعفافه إذا كان أعزباً فيزوِّجه خشية انحرافه، ولا يجبره على الزواج بمن لا يرضاها، وإذا كان العبد متزوجًا فعليه أن يمكنه من الاستمتاع بزوجته ليلاً، ولا يجبره على تطليق زوجته.
ومما يجب معرفته من أحكام الإماء: أن من تُسبى من النساء لا تكون متعةً مشاعةً لكل أحد من المسلمين، بل هي لمن تقع في سهمه من المسلمين فقط، فهي رقيقة مملوكة لسيّد واحد منهم، لا يجوز له أن يُجبرها على معاشرة غيره من المسلمين. وشرع مِلك اليمين واسترقاق الجواري؛ حرصًا عليهن من أن يتشرَّدن فيتعرَّضن للإهانة في شرفهن وكرامتهن، ومن انتشار الفساد إذا تُركنَ بغير مُعِيل يعيلهن ولا راعٍ يرعى شؤونهن. وأبيح التسري بالإماء دون تحديد بعدد؛ فلمالك الأمة أن يطأها (يجامعها) بملكه إياها- أي: بلا عقد زواج عليها- فهذا معنى وطء الأمة بملك اليمين، وهو (التسري)، ويكون بعد الاستبراء بحيضة؛ للتأكد من عدم حصول حملٍ من زوجها قبل معاشرة مالكها لها. وشرع تسري السيد بأمته لأنها غالباً ستنضم إلى عياله وأهله، وليحصل الإعفاف لكل منهما بدلاً من أن يقعا في الحرام أو تلجأ الجارية إلى فعل الفواحش والمنكرات في المجتمع، وفي هذا معاملة كريمة لها؛ إذ إنها بذلك تعامل معاملة سيدتها، فيستمتع بها كما يستمتع الزوج بزوجته، سواء ولد له منها أم لا. والأمة إذا عاشرها مالكها فحملت منه وولدت؛ فقد صارت (أم ولد)، وأم الولد تخرج من الرق الكامل خروجاً جزئياً بمجرد الوضع للمولود، فلا يجوز بيعها لأنه يؤدي إلى التفريق بينها وبين ولدها، ثم إنها تعتق عتاقاً كاملاً وتُصبح حرة بمجرد موت سيدها. وقد تسرّى النبي ﷺ بأمته مارية القبطية، وولد له منها إبراهيم، وليست من زوجاته، وليست من أمهات المؤمنين. وروي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم ﵇، وكان التَّسَرِّي على الزوجة مباحاً في شريعة إبراهيم، وقد فعله الخليل إبراهيم في هاجر لما تسرَّى بها على سارّة، وقد حُرِّم مثل هذا في التوراة عليهم. وكذلك كان الجمع بين الأختين شائعاً، وقد فعله يعقوب ﵇، جمع بين الأختين ثم حُرِّم ذلك عليهم في التوراة.
وإذا سُبي الرجل مع زوجه ووقعا تحت ملك رجل واحد من المسلمين، فيبقى زواجهما على ما هو عليه، ولا يجوز لمالك الأمة حينئذ معاشرتها، بل عليه أن يمكنها من معاشرة زوجها ليلاً، إلا أن يفرق بينهما ببيع أحدهما لمالك آخر، فيكون هذا كالطلاق، ولَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى جَارِيَةً، وإنما يتزوجها بإذن سيدها. ولا يجوز للمسلم الحر أن يتزوج أمة إلا إذا لم يجد مهراً يتزوج به حرة مؤمنة عفيفة، فبذلك يجوز له أن يتزوج أمة بإذن سيدها، بشرط أن تكون مؤمنة، عفيفة، فلا يتزوج أمة كافرة كتابية أو غير كتابية، ولا أمة غير عفيفة، وولدها يكون رقيقاً تابعاً لسيدها.
ولما كانت الإماء تكثرُ إليهن الحاجة في الاستخدام وأمورِ المهنة وكنّ مبتذلاتٍ بكثرة الذهاب والمجيء وبالبيع والشراء وهن يحتجن في مثل هذا إلى أن كشف الوجه والرأس والكفين ولكون فرضُ الحجاب عليهن مما يشقُ مشقةً بالغة؛ كان من رحمة الله بعباده أنه لم يفرض عليهن الحجاب كما فرضه على الحرائر، ودليلُ ذلك النص واتفاق السلف، والإماء في عهد الرسول ﵊ كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون نكاحاً، وقد فرق العلماء بين الأمة البَرْزَة (وهي التي تبرز كثيراً كالرجل) وبين الأمة الخَفْرَة (وهي التي لا تظهر غالباً، وإنما تكون في البيت). وروي عن عمر أنه كان إذا رأى أَمَةُ مُختَمِرة، ضرَبها -بالدرة ضرباً خفيفاً للزجر- وقال: أتتشبهين بالحرائر؟، وهذا في إماء الاستخدام والابتذال اللاتي يبرزن ولا يفتتن بهن. وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن والإماء الحِسَان الوجوه، فلسن كالإماء المبتذلات، ويجب عليهن ستر كلَّ بدنهن عن النَّظر، لأن المقصود من الحجاب في باب عورة النظر هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة، ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الناظر الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب.
واتفق العلماء على وجوب احتجاب المرأة أمام العبيد الأجانب الذين لا تملكهم، أما بالنسبة لعبدها الذي تملكه فقد أجاز فريق من العلماء أن ينظر المملوك إلى الوجه والكفين من مولاته للحاجة فقط ما دامت مالكة له كله، فإذا زال الملك أو بعضه لم يجز النظر، وأنه بذلك لا يعد كمحارمها، فلا يجوز له الخلوة بها ولا السفر معها، ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد، ولا يحل له استمتاعها، فلم يكن محرمًا كزوج أختها؛ ولأنه غير مأمون عليها، إذ ليست بينهما نفرة المحرمية، والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية، بدليل السيد مع أمته، وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه، كالشاهد والمبتاع ونحوهما، وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرمًا يسافر بها، كغير أولي الإربة، فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها، فإنه لم يدخل في قوله ﷺ : (لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم) فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق، كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها، والمحْرَم هو: من تحرم عليه على التأبيد. وإذا تحرر العبد ولم يعد ملكًا للمرأة فلا خلاف في وجوب احتجاب المرأة منه، وأنه لا يجوز له أن ينظر إليها، بل يحرم عليه ذلك؛ لأنه صار كغيره من الرجال الأجانب، إلا إن كان من التابعين غير أولي الإربة أو من الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء.
والرق في الإسلام حكم شرعي لا يجوز إلغاؤه بالكلية وإنما تلغى أسبابه غير الشرعية، وكانت آخر وصية للنبي ﵊ (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم). وانظر إلى روعة مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"، ويقصد عتق سيدنا بلال ﵃ أجمعين. وكَانَ آخِرُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا كَانَ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" فأوصى بالإماء والعبيد والتأكيد على حسن معاملتهم. أما في الحضارة الغربية فظهرت أنظمة الطبقية وتقسيم الناس إلى رجال دين ونبلاء وعامة، وتم فيها المتاجرة بالبشر في الدعارة والجنس وبيع الأعضاء، وتم اصطياد واستعباد ذوي البشرة السوداء واقتيادهم مسلسلين في البواخر، والزعم بأن السود عبيد، وتم نهب ثروات بلدانهم، وتقطيع أرجل السود في مزارع القطن حتى يعملوا ولا يهربوا، وقد قدر البروفيسور الفرنسي "تزفيان" في كتابه "مصرع الديمقراطية" عدد من استعبدهم الغرب من الأفارقة السود بمائة مليون إنسان، ثم بعد ذلك كله ترى الغرب يتفاخر زوراً بأنه حرر الرقيق وألغى الرق!!(١٢) مِن أعظمِ أصولِ الفطرةِ: فطرةُ العفافِ، وكان آدَمُ وحواءُ يستترانِ لنَفْسَيْهِما، لا وجودَ لبَشَرٍ معهما ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.
ويتبع العفافَ شرائعُ كثيرةٌ؛ كغَضِّ البَصَرِ، وخَفْضِ صوتِ المرأةِ، وعدمِ خضوعِها به، والحجابِ، وإخفاءِ المفاتِنِ منعاً للإثارةِ، وعدمِ الاستهانةِ بالخلوةِ، والفصلِ بين الجنسَيْنِ، وتركِ الغَزَلِ، وعدمِ اتخاذِ الأصدقاءِ بين الجنسَيْنِ، وغيرها.
وكما أن التوحيدَ أصلُ العباداتِ، فالفطرةَ هي أصلُ المُرُوءاتِ. ولعِظَمِ هذا الأصلِ الفِطْرِيِّ؛ العفافِ؛ خلَقَ اللهُ في الإنسانِ الغَيْرَةَ على غيرِه. وجعل حفظ الأعراض من الضرورات، وجعل مجرَّدَ قذفِ البريءِ بالزنا، مُهلِكٌ ومُوبِق، فكيف بفعله أو إشهارِه وإذاعتِه؟!!
وشدَّدَ اللهُ على الرجُلِ في غَضِّ البصرِ لأن افتتانُه بالمرأةِ أقوى، ولأنه أجسرُ في الإقدامِ على الزنى، وشدَّدَ على المرأةِ في الحجابِ؛ حتى يَقِلَّ ما بينهما مِن تجاذُبٍ ومَيْلٍ، ولا يعني هذا أنه يجوزُ للرجلِ إبداءُ مفاتِنِه؛ فيَفْتِنُ، ولا أنه يجوزُ للمرأةِ إطلاقُ بصَرِها؛ فتُفْتَن. فإذا لم يَغُضَّ الرجلُ بصَرَه، فإنَّ المرأةَ تدفَعُ فتنَتَه بحجابِها، وإن لم تتحَجَّبِ المرأةُ فالرجلُ يدفَعُ فتنَتَها بغَضِّ بصرِه. ويجوزُ النظرُ للمرأةِ العجوزِ التي لا يفتتن بها، ويجوز نظَرُ الخاطب إلى المخطوبةِ، ونظرُ القاضي للتعرُّفِ على أحدِ الخصمَيْنِ إن كان امرأةً؛ أو لإدلاءُ المرأةِ بشهادةِ.
وكان تبرُّجُ الجاهليةِ الأولَى الذي نَهَى اللهُ عنه في قولِه: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ بين عهد نُوحٍ وإدريسَ -قبلَ وُجودِ العربِ- أنَّهُنَّ كُنَّ يُلْقِينَ الخمارَ على رؤوسِهِنَّ ولا يَشْدُدْنَه، ومع ذلك نهى اللهُ عنه. وكثيرٍ مِن نساء العربِ قبل الإسلام لم تكن المرأة فيهن تكشِفُ وجهَها إلا في الإحرامِ للنُّسُكِ، وكن يلبسن البراقع والوصاوص، لكن الشيطان أضل أهل الجاهلية من العرب فكان فيهم طوافُ العُرَاةِ حولَ الكعبةِ، وشِعْرٌ فاحشٌ، وغَزَلٌ ماجِنٌ، وتساهُلٌ بزنى الإماءِ والتكسُّبِ منهنَّ. وكانوا يُفَرِّقُون بين الحُرَّةِ والأَمَةِ بكشفِ الوجهِ، والحرائرُ لا يكشفْنَ إلا عندَ الشدائدِ والحروبِ عندَ خوفِ السَّبْيِ والأسْرِ؛ ليَرَاهُنَّ العدوُّ فيحسبهن إماءً، فيَتْرُكَهُنَّ زُهداً بهن.
ولما كان اللهُ يَكْرَهُ أن يَكْشِفَ الرجالُ والنساءُ مواضعَ معيَّنةً مِن أبدانِهم، سُمِّيتْ عورةً، ولما كانَتِ المرأةُ العفيفةُ تكرَهُ أن ينظُرَ إلى شيءٍ مِن جسمِها رجلٌ غيرُ زوجِها غريزةً وشَهْوةً، سُمِّيَ المنظورُ إليه عورةً.
وكثيرٌ مِن الكُتَّابِ يخطئ فينقُلُ أقوالَ الفقهاءِ عندَ كلامِهم على لباسِ المرأةِ في الصلاةِ: «المَرْأَةُ عَوْرةٌ إلا وَجْهَها وكَفَّيْها»، ويجعلُها في أحكامِ النظرِ، ولا يفرِّقُ بين عورةِ الصلاةِ والسَّتْرِ، وبين عورةِ النظرِ، فالمرأةُ يجبُ عليها أن تستُرَ كلَّ شيءٍ في صلاتِها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، ولو كانت في بيتِها وحدَها.
وقد نَصَّ الفقهاءُ مِن المذاهبِ الأربعةِ على أنَّ المرأةَ إن كانت في الصلاةِ وعندَها أجانبُ، أنَّها تستُرُ وجهَها، لأنَّ كشفَ وجهِ المرأةِ وكَفَّيْها في الصلاةِ ليس مِن واجباتِ الصلاةِ بالإجماعِ، ولكنَّ تغطيةَ غيرِ الوجهِ والكفينِ واجبٌ؛ فيجبُ التفريقُ بين ما يجبُ سترُه وما يجوزُ كَشْفُه؛ فللمرأةِ أن تُغطِّيَ وجهَها في الصلاةِ بسببِ مرورِ رجلٍ أو غُبَارٍ أو رِيحٍ كريهةٍ ولا تبطُلُ صلاتُها.
وحُرِّم حالَ الإحرامِ على المرأةِ مِن اللباسِ نوعَيْنِ: النِّقابَ، والقُفَّازَ؛ لأنهما مفصَّلان على الأعضاء. وتحريمُ لباسٍ معيَّنٍ لا يعني كشفَ العضوِ؛ فالحكمُ يتعلَّقُ باللباسِ لا بما تحتَه؛ فلو غطَّتِ المرأةُ وجهها أو كفَّيْها في الإحرام بثوبٍ؛ لم تَأثَمْ. لكن لو لَبِسَتْ قُفَّازاً؛ أثِمَت، فالحكمُ لِلِّباسِ لا للعُضْو.
وأجمَعَ العلماءُ مِن جميعِ المذاهبِ الأربعةِ وغيرِها: أنَّ تغطيةَ وجهِ المرأةِ الحُرَّةِ الشابَّةِ عندَ خوفِ الفتنةِ بها: واجبٌ؛ خاصَّةً عندَ مَن يُطْلِقُونَ أبصارَهم إليها، ولا تَحْترِزُ منهم إلا بتغطيةِ وجهِها.
وفَسَّرَ آية إدناءَ الجلابيبِ بتغطيةِ الوجهِ ابنِ عباسٍ ﵄ فقال: «أمَرَ اللهُ نساءَ المؤمِنِين إذا خَرَجْنَ مِن بيوتِهِنَّ في حاجةٍ أنْ يُغطِّينَ وجوهَهُنَّ مِن فوقِ رؤوسِهِنَّ بالجلابيبِ، ويُبْدِين عيناً واحدةً»، وقالت عائشةَ ﵂: «تَسْدُلُ المرأةُ جلبابَها مِن فوقِ رأسِها على وجهِها». وفي قصة الإفك قالت عائشة: "كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا , أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا , خَرَجَ بِهَا مَعَهُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا " , فَخَرَجَ سَهْمِي , فَخَرَجْتُ مَعَهُ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ .. "، ثم قالت عن صفوان بن المعطل ﵁: " .. وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ". فدل أنهن كن يستترن ويغطين وجوههن بعد نزول الأمر بالحجاب، وأمهات المؤمنين أبعد النساء من الريبة ولا يطمع فيهن أحد، ومع ذلك أمرن بالحجاب وتغطية وجوههن حتى لا يعرفن، فغيرهن من باب أولى.
ومعنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي في الزينةِ الظاهرةِ للمحارِمِ مِن النَّسَبِ والرَّضَاعِ، وليستْ للأجانِبِ؛ فالسلف لا يختَلِفُون في جوازِ كشفِ المرأةِ وجهِها للأقرَبِين؛ وإنَّما يذكُرُون الوجهَ اختصاراً لإجازةِ زينَتِه تبعاً مِن الكُحْلِ والقُرْطِ، ويذكُرُون اليَدَ اختصاراً ليدخُلَ فيها زينَتُها مِن الخاتَمِ والخضابِ والسِّوَارِ، ولا يَعْنُون الوجهَ بذاتِه، ولا اليدَ بذاتِها.
والثيابَ التي رخَّصَ اللهُ بوضعِها للعجوزِ هي ما تختَصُّ بسترِ الوجهِ، وحُكي الإجماعُ على أنَّه لا يجوزُ للعجوزِ أنْ تكشِفَ شَعْرَها للأجانِبِ مهما بلَغَ سِنُّها، ورخَّصَ اللهُ للقاعِدِ مِن النساءِ وَضْعَ جلبابِها وكَشْفَ وجهِها؛ ولكنَّه منَعَها مِن الزينةِ، ثمَّ فضَّلَ لها الستر بالجلبابِ.
ورخص في كشف الوجه للأمة والعجوز ما لم يحصل بهن فتنة وهو ما يندر، أما كشف الشعر فلم يرخص فيه لا للعجوز ولا لغيرها.
ولم يتكلَّمْ مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ في مسألةِ كشفِ المرأةِ لوجهِها لذاتِه، ولا يُعرَفُ هذا في كتبِهم ولا في مسائلِ أصحابِهم المُقَرَّبِينَ منهم، وإنما يتكَلَّمُون في مسألةِ وجهِ المرأةِ وكفَّيْها عندَ تعلُّقِها بمسألةٍ أُخرى مِن العباداتِ أو المعاملاتِ؛ كالصلاةِ والحجِّ، والعُقُودِ والخِطْبَةِ؛ وذلك لأنَّ المسألةَ عندَهم ظاهرةٌ في أنَّ الأصلَ في النساءِ الحرائرِ السَّتْرُ والعفافُ وتغطيةُ الوجهِ.
أما الأحاديث التي أشكلت على بعض المتأخرين كحديث قِصَّةُ دخول أسماءَ بنتَ أبي بكرٍ على رسولِ الله ﷺ وعليها ثيابٌ رِقَاقٌ؛ فليس له سند يحتج به. ومِن وجوهِ نكارته أنَّ أسماءَ معروفةٌ بِسَتْرِها لوجهِها وكَفَّيْها عندَ الرجالِ، والثابت بسندٍ صحيحٍ عن فاطمةَ بنتِ المنذِرِ قالَتْ: «كُنَّا نُخَمِّرُ وجوهَنا ونحنُ مُحْرِمَاتٌ مع أسماءَ بنتِ أبي بَكْرٍ».
وأما حديثُ المرأةِ الخَثْعَميَّةِ فقد صحَّ أنَّ الخَثْعَميَّةَ جاريةٌ شابَّةٌ وأنها عُرِضَتْ على النبيِّ ﷺ في حَجِّهِ ليَرَاها فيتزَوَّجَها. وهذا الوصفُ: (جاريةٌ شابَّةٌ) يُطلَقُ عادةً على الإماءِ، لا على الحرائِرِ، والأَمَةُ ليستْ مخاطَبةً بالجلبابِ وتغطيةِ الوجهِ كالحُرَّةِ. وهذا الحديث لم يكن العلماء المتقدمون يستدلون به على كشفِ المرأةِ الحُرَّةِ لوجهِها؛ وإنما يُورِدُونَه في الحكمِ المتعلِّقِ بنظرِ الرجلِ لا كشفِ المرأةِ؛ لأنَّ حكمَ تغطيةِ الوجهِ خاصٌ بالحُرَّةِ، والنظَرُ المحَرَّمُ عامٌّ للجميعِ؛ للحرةِ والأَمَةِ.
وأما حديثُ سُبَيْعةَ الأَسْلَميَّةِ وتزينها وعدتها من وفاة زوجها، فالأصلُ أنَّ سُبَيْعةَ الأسلميةَ مولاةٌ كزَوْجِها. والنبيَّ ﷺ هو الذي أنكَحَها؛ وهذا لا يكونُ في الحرائِرِ؛ فإنَّ الحُرَّةَ يزوِّجُها عادةً أهلُها، كما أنه ليس في الحديث أنَّها كانَتْ كاشفة لوجهِها؛ وإنَّما رأى أبو السنابِلِ زينَتَها، واستنكَرَ ذلك؛ يَظُنُّها في عِدَّتِها، والمعتدَّةُ بوفاةِ زوجِها مُنِعَتْ مِن الخِضَابِ، وهو في الكفِّ، ومِنَ الكُحْلِ وهو في العَيْنِ لا يستُرُه النِّقَابُ، وحيث أنَّ أبا السنابِلِ قد يكون دخَلَ عليها راغِباً بالخِطْبَةِ لها؛ وهذا جائِزٌ؛ وفي «البخاري»: «وكان أبو السنابِلِ فِيمَنْ خَطَبَها» وكون ذلك في حُجْرَتِها، ولم تكنْ بارِزةً بزينَتِها في الطُّرُقاتِ.
وأما حديث (سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ) فـ «السَّفْعَةُ» شُحُوبٌ وسوادٌ أو تغيُّرٌ، وغالباً ما يُصِيبُ كِبارَ السِّنِّ أو الجوارِيَ؛ لكثرةِ بُرُوزِهِنَّ. ويؤيد ذلك روايةِ: «مِنْ سَفِلَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الخَدَّيْنِ». يعني: مِن أَقَلِّ النساءِ شأناً؛ ليبيِّنَ أنها ليستْ مما تَفتِنُ الناظرَ إليها، وقد تكون من القواعد، والمحكم يغني عن المتشابه.
ومعنى (المَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ): أصل الإشراف وضع الكف فوق الحاجب في رفع الرأس لينظر، والمراد أن الشيطان يرفع بصره إليها ليغويها أو يغوي بها فيوقع أحدهما أو كلاهما في الفتنة ويحتمل أن يراد به شيطان الإنس وهو الفاسق فإنه إذا رآها بارزة طمح بنظره إليها فأغواها وغوى، فما دامت في خدرها لا يطمع الشيطان فيها وفي إغواء الناس بها فإذا خرجت طمع وأطمع لأنها من حبائله، وهو حث للنساء لزوم البيوت. وعن عائشة ﵂ قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى النساء اليوم؛ نهاهن عن الخروج، أو حرم عليهن الخروج، لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ فِي مُرُوطِنَا، وَنَنْصَرِفُ وَمَا يَعْرِفُ بَعْضُنَا وُجُوهَ بَعْضٍ، يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلَ؛ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ): شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا. ودخلت حفصة بنت عبد الرحمن على عائشة زوج النبي ﷺ وعلى حفصة خمار رقيق، فشقّته عائشة وكستها خماراً كثيفاً. ولما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: "يُرْخِينَ شِبْرًا"، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: "فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ". ومما بينه العلماء من شروط حجاب المرأة المسلمة: أن لا يكون زينة في نفسه مزخرفاً ومزيناً يلتفت أنظار الرجال، وأن يستوعب جميع البدن إلا ما استثني، وألا يشف عما وراءه، وأن يكون فضفاضاً -غير ضيق- لا يصف شيئاً من جسمها ولا يحدد حجم الأعضاء، ولا يكون مبخراَ مطيباَ عند الخروج من المنزل والمرور بأماكن الرجال غير المحارم، وألا يشبه لباس الرجال ولا لباس الكافرات الخاص بهن، ولا يكون لباس إسراف وشهرة، ولا يكون من من جلود نجسة كجلود السباع ونحوها. وإنَّ من عنصرية الغربيين وتخلفهم، أنهم يقرّون الحجاب اليهودي وأنّ من حق اليهودية أن تكون محجبةً، أما المرأة المسلمة فلا حق لها في الحجاب عندهم، وإذا تحجبت فهي عندهم إرهابية أو محرضة على الإرهاب، وفرنسا تضع على المرأة المسلمة غرامة إذا لم تكشف شعرها، وتحظر عليها دخول الجامعة، فأين الحرية والتنوير المزعوم والمساواة؟، ومن التناقض والعنصرية في المجتمعات الغربية أنَّ من حق الأرثوذوكس أن تكون لهم حافلات خاصة يركب فيها الإناث فقط، أما إذا فعل ذلك المسلمون؛ فيصفونه بأنه تمييز ضد المرأة، وأنه تقليد فارسي نقله العرب إلى بيئتهم الصحراوية! وينبغي للمجتمع المسلم مراعاة الحقوق الأصيلة للمرأة المسلمة التي لازات تطالب بها، ومن أهمها: تعليمها أمر دينها وما ينفعها ويقربها إلى الله، وأن تحفظ كرامتها بالإنفاق عليها من قبل ولي أمرها أو ولي أمر المسلمين، وبمنحها مسكناً ملائماً لها، وخادمة إن احتاجت لها، وإذا كان لا بد لها من أن تعمل فليكن ذلك في المكان المناسب لها، والذي لا يخدش عفتها وكرامتها، وليكن تعيينها حيث تريد أو لأقرب مكان إليه، ومنحها إجازة حمل وأمومة مدفوعة الراتب، وتمنح مكافأة لكل مولود من بيت مال المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب، وتعطى الأم -إذا أنجبت عدداً معيناً من المواليد- بطاقة أو امتيازاً يمنحها تخفيضاً أو مجانية في خدمات عديدة كالمواصلات وغيرها، وأن يُنشأ للنساء مستشفيات نسائية خاصة وحافلات خاصة ومقاعد خاصة لهن في الطائرات، وأن يُمنع ما يخدش كرامة المرأة، كصور الممثلات والمذيعات والعارضات اللاتي يجعلن زوجها يرى أجمل منها، ومكافحة تبرج ودعوات الساقطات اللاتي قد لا يخلو منهن مجتمع.(١٣) المراد بـ (الحمو) في الحديث: أقارب الزوج -غير آبائه وأبنائه- لأنهم ليسو محارم للزوجة ويتساهل البعض بخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع من الأجنبي. فإن الخلوة بالحمو قد تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم، أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها.стр. 357
لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ، لَا تَلِجُوا عَلَى المُغِيبَاتِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ، لَا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلَّا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانِ. ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَث (١) . لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ، إِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ وَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ، فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ، فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعَهَا. يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ (٢) فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ (٣) . وإِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا لِخِطْبَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْلَمُ. تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، إِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى، رفقاً بالقوارير (٤) ، اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا؛ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا، وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا، وخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ (٥) وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، لا يَفْرَكْ (٦) مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ. وِإذَا أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْ يَخْلُقَ النَّسَمَةَ فَجَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ؛ طَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعَصَبٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ أَحْضَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ (٧) ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قال: "بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا"؛ ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ وَلَدٌ؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ (٨) أَبَدًا وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ. اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، أَلَيْسَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟، ومَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا؛ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ، وإِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا؛ لَعَنَتْهَا المَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ، وَلَا تَجِدُ امْرَأَةٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا. إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ. الحواشي
(١) الحيوان المشهور بدياثته وعدم غيرته هو الخنزير الذي يأكله الغربيون فيتصفون بصفاته، فمن عاداتهم السيئة أن الفتاة عندهم يتاح لها أن تفعل الفاحشة ويعدون ذلك حرية، وأنها لا بد أن تكون مجربة فاقدة العذرية قبل الزواج، والخاطب لا بد أن يكون كذلك، وإلا جاؤوا له بعاهرة من الشارع قبل الدخول! والزوجة عندهم إذا وجدوها عذراء عابوها وقالوا إنها باردة جنسياً! وهذا من تبديل الشيطان فطرتهم، فأصبحت مفاهيمهم وأخلاقهم منكوسة مع عقيدتهم الفاسدة، -والعياذ بالله-. وقد غزا الغرب المنتكس عقيدة وأخلاقاً مجتمعات المسلمين بأفلامه المنحرفة وقنواته المنحلة التي تصور ممارسة الفاحشة ومقدماتها الفاضحة بحركات وكلمات مثيرة وصور عارية للنساء في صالات رقص، وعرض فاحشة اللواط بطريقة مثيرة وعرض الشباب عراة من الخلف ومشاهد الضم والعناق والقبلات الساخنة والملابس الفاضحة القصيرة والممزقة، والأغاني الساقطة وتناول الخمور ونشر الألفاظ السيئة، وتأصيل مفهوم الزنا والخيانة الزوجية والعلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة خارج إطار الأسرة، والشذوذ الجنسي، وتأكيد مفهوم الانغماس في قذارة الفواحش والانحراف سعياً إلى اللذة والمتعة كهدف أساس للحياة، وتدميراً للعرض والشرف، وقد كانت المرأة عندنا مصونة لا يراها أجنبي، مكفولة لا تحتاج أن تتوظف، فأصبح التقدم -عند المتأثرات بالغربيين- هو أن يراها الكفار، وأن تخلع الحجاب بمجرد أن تركب الطائرة وأن تسافر بلا محرم، وأن تفخر إذا عملت خادمة جوية أو ممرضة في مستشفى وما أشبه ذلك، وهمها الوظيفة والمال والمتعة بعيداً عن الزواج والأسرة والعفة التي صورها الإعلام الغربي المنحرف بأنها قيود للحرية والمتعة!!(٢) الباءة: النكاح، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلاً، والوطء سمي باءة أيضاً، والمعنى: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْجِمَاعَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مُؤَنِهِ وَهِيَ مُؤَنُ النِّكَاحِ فَلْيَتَزَوَّجْ. ومن نصائح قدماء الأطباء قولهم: لَا تَتَزَوَّجُوا مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا شَابَّةً، وليقلّ غَشَيَانَ النِّسَاء، والْجِمَاعُ عَلَى الْبِطْنَةِ يهْدِمُ الْبَدَنَ، وَلَا تَتَكَارَهَنَّ عَلَى الْجِمَاعِ. وَأَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي الْجِمَاعِ: أَكْلُ الْعَصَافِيرِ، وَالْإِطْرِيفِلِ، وَالْفُسْتُقِ، وَالْخَرُّوبِ. وإنَّ وَطْءَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ يُوَلِّدُ الْجُذَامَ، والْجِمَاعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ عَقِيبَهُ يُوَلِّدُ الْحَصَاةَ، وَمُجَامَعَةُ الْعَجَائِزِ تُهْرِمُ أَعْمَارَ الْأَحْيَاءِ، وَتُسْقِمُ أَبْدَانَ الْأَصِحَّاءِ.(٣) وجاء: أي كاسر للشهوة.(٤) يعني: النساء.(٥) وقد جاء الإسلام بحماية المرأة المسلمة وفرض الحجاب على نساء المؤمنين صيانة لهن، وحَثَّ على قرار المرأة في بيتها، وأوجب كفالتها والإنفاق عليها وصيانتها وحفظها وإكرامها، فلا يجوز دعوتها للتبرج ولا إحواجها للعمل مطلقاً ولا إلزامها بالإنفاق على الرجل، على عكس ما في بعض المجتمعات الكافرة التي تلزم محاكمها المرأة إذا كانت ذات مال بالإنفاق على الرجل بعد طلاقها منه!(٦) لا يبغض.(٧) وظهر مؤخراً من العلوم البشرية علم الحمض النووي DNA والجينات التي تحمل الصفات الوراثية.(٨) أي: لم يضر الولد المذكور، بحيث يتمكن من إضراره في دينه أو بدنه، وليس المراد رفع الوسوسة من أصلها.стр. 358
إِنَّ الْمُخْتَلِعَاتِ وَالْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ. ولَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا، إِلَّا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ قَاتَلَكِ اللهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا. وأَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْقَوْمِ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ، وأَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ لِيُوجَدَ رِيحُهَا؛ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ اغْتِسَالَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ. صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا، قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا. لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، ولَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ وَالحَرِيرَ، وَالخَمْرَ وَالمَعَازِفَ، ولَيَبِيتَنَّ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أَكْلٍ وَلَهْوٍ وَلَعِبٍ، ثُمَّ لَيُصْبِحُنَّ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، ولَيَكُونَنَّ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ وَذَلِكَ إِذَا شَرِبُوا الْخُمُورَ، وَاتَّخَذُوا الْقَيْنَاتِ، وَضَرَبُوا بِالْمَعَازِفِ. الثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ (١) ، وَالْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ، ولأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، ولَا يَنْكِحُ الزَّانِي الْمَجْلُودُ إِلَّا مِثْلَهُ. مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا، ومَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فصدَّقَهُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ (٢) . ومَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ، ومَنْ وَجَدْتُمُوهُ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ، وَاقْتُلُوا البَهِيمَةَ، ولَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ، وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، ومَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ. إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ. الحواشي
(١) أكثر ما يقام الرجم بالاعتراف، ونادر جداً طوال التاريخ أن يقام بالشهود.(٢) قال الترمذي: "وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى التَّغْلِيظِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَتَى حَائِضًا فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ) فَلَوْ كَانَ إِتْيَانُ الْحَائِضِ كُفْرًا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِالْكَفَّارَةِ ".
وقال في تحفة الأحوذي:"الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّغْلِيظِ وَالتَّشْدِيدِ كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْإِتْيَانَ بِاسْتِحْلَالٍ وَتَصْدِيقٍ، فَالْكُفْرُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنْ كَانَ بِدُونِهِمَا فَهُوَ عَلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ.стр. 359
خطر النفاق وسوء الأخلاق
أَربعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً وإن صام وصلَّى وزَعَمَ أنَّه مُسلمٌ، وإنْ كَانَتْ خَصلةٌ مِنهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا خَاصم فَجَر، وإذا عَاهَد غَدَرَ (١) .
خَمْسٌ بِخَمْسٍ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، و فَشَا فِيهِمُ الْمَوْتُ. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ؛ إِلَّا مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ؛ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، و كَانَ الْقَتْلُ بَيْنَهُمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ؛ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، و جَعَلَ اللهُ بَأسَهُمْ بَيْنَهُمْ (٢) . سَيَكُونُ رِجَالٌ مِنْ أُمَّتِي يَأكُلُونَ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَيَشْرَبُونَ أَلْوَانَ الشَّرَابِ، وَيَلْبَسُونَ أَلْوَانَ اللِّبَاسِ، وَيَتَشَدَّقَونَ فِي الْكَلَامِ، أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي. يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ، تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحُهُ فِي بَيْتِهِ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ؛ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الآنُكُ (٣) يَوْمَ القِيَامَةِ، وإنَّ الله تَعالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً، فَقَدْ آذنتُهُ بالحربِ. لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وإنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلام النُّبُوَّةِ الأُولى: إذا لَم تَستَحْيِ، فاصْنَعْ ما شِئْتَ. الحواشي
(١) وفي رواية: (وإذا ائتُمِنَ خَانَ).(٢) وفي الحديث: " لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الْأَعَاجِمِ"، قِيلَ: وَمَا قُلُوبُ الْأَعَاجِمِ؟، قَالَ: " حُبُّ الدُّنْيَا، سُنَّتُهُمْ سُنَّةُ الْأَعْرَابِ، مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ رِزْقٍ جَعَلُوهُ فِي الْحَيَوَانِ يَرَوْنَ الْجِهَادَ ضَرَرًا، وَالصَّدَقَةَ مَغْرَمًا". و (الْحَيَوَانُ): مُبَالَغَةٌ فِي الْحَيَاةِ، كَمَا قِيلَ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ: مَوَتَانٌ. و (مَغْرَمًا) أَيْ: يَشُقُّ عليهم أداؤها، بحيث يَعُدُّون إخراجها غرامةً يَغْرَمونها، ومصيبة يُصابونها.(٣) يَعْنِي الرَّصَاصَ.стр. 360
الدّين: النَّصِيحَة
الدين: النصيحة (١) ، لله (٢) ولكتابه (٣) ولرسوله (٤) ولأئمة المسلمين (٥) وعامتهم (٦) . الحواشي
(١) أي: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: " الحج عرفة " أي: عماده ومعظمه عرفة. والنصيحة هي فعل وبذل الخير تجاه الغير والخلوص من الشوائب وحظوظ النفس.(٢) وتكون للهِ الغني عن عباده بتوحيده وطاعته وتعود منفعتها للعبد، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ).(٣) وتكون لِكتابِ الله بتدبره وتعظيمه وحسن تلاوته والعمل به.(٤) ولِرَسولِهِ بتوقيره ونصرته وطاعته وإحياء سنته.(٥) ولأئمَّةِ المُسلِمِينَ بمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم برفق ومنهم العلماء ببث علومهم ونشر مناقبهم وتحسين الظن بهم.(٦) ولعامَّتِهم بإرشادهم لمصالحهم وحب الخير لهم.
ولا يكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم إلا من بدأ بالنصيحة لنفسه، واجتهد في طلب العلم والفقه، ليعرف به ما يجب عليه، ويعلم عداوة الشيطان له وكيف الحذر منه، ويعلم قبيح ما تميل إليه النفس حتى يخالفها بعلم، ومن تدين بالدين الحق فقد نصح نفسه.стр. 361
وجوب إنكار المنكرات
مَنْ رَأَى مِنكُم مُنْكَراً فَليُغيِّرهُ بيدِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَستَطِعْ فَبِقلْبِهِ، وذلك أَضْعَفُ الإيمانِ (١) . مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ، فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَآذَوْهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا فَاسْتَقَيْنَا مِنْهُ، وَلَمْ نَمُرَّ عَلَى أَصْحَابِنَا فَنُؤْذِيَهُمْ، فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا، هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا. الحواشي
(١) وتغيير المنكر بالقلب، لا بد أن يصحبه تمعر الوجه أو تقطيب الجبين وما أشبه ذلك، ومن المصالح المرجوة في إنكار المنكر: أن يتوب صاحب المنكر ويتغير إن شاء الله، وأن تقوم الحجة على المنكر عليه، وأن يسقط الإثم عمن أنكر عليه ويعذر بذلك إلى الله، وترتفع العقوبة عمن أنكر.стр. 362
الحسنات يذهبن السيئات
اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ. ومَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ. الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ.
стр. 363
أبواب الخير والصدقات
كُلُّ سُلامَى (١) مِنَ النَّاسِ عليهِ صَدَقةٌ، وكُلَّ يَوْمٍ تَطلُعُ فيه الشَّمْسِ تَعدِلُ بَينَ الإثنينِ: صدَقَةٌ. وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فتحمِلُهُ عليها، أو تَرْفَعُ لهُ عليها متاعَهُ صَدَقةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وبِكُلِّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وتُميطُ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ، ومَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ دَابَّةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ. وإنَّ بكُلِّ تَسبيحةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَكبيرةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَحْمِيدةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَهْليلَةٍ صدقةً، وأمْرٌ بِالمَعْروفِ صَدقَةٌ، ونَهْيٌ عَنْ مُنكَرٍ صَدقَةٌ، وفي بُضْعِ أحَدِكُم صَدقَةٌ، أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ.
ومَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ الله عَليهِ في الدُّنيا والآخرَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسلِماً، سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرة، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْد ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلتَمِسُ فِيه عِلماً، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَريقاً إلى الجَنَّةِ (٢) ، وما جَلَسَ قَومٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ الله، يَتْلُونَ كِتابَ الله، ويَتَدارَسُونَه بَينَهُم، إلَاّ نَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينَةُ، وغَشِيتْهُمُ الرَّحمَةُ، وحَفَّتْهُم المَلائكَةُ، وذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. والصَّلاةُ نورٌ (٣) والصَّدقَةُ والزكاة بُرهَانٌ (٤) ، والصَّبْرُ ضِياءٌ (٥) ، والصَّومُ جُنَّةٌ (٦) ، والصَّدقَةُ تُطْفِئُ الخَطيئَةَ كَما يُطفئُ الماءُ النارَ، وصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوفِ اللَّيلِ الآخِرِ (٧) ، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ورَأسُ الأمْرِ الإسلامُ، وعَمُودُه الصَّلاةُ، وذِرْوَةُ سَنامِهِ الجهادُ، ومِلاكُ ذلك كُلِّهِ: "كُفَّ عَلَيكَ لسانك"، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ -أو على مَنَاخِرِهم- إلَاّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم؟! الحواشي
(١) السُلامى: بضم السين: المفاصل، وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا. لا تتأتى الحركة والسكون إلا بها، فهي من أعظم نعم الله على الإنسان، وحق المنعم عليه أن يقابل كل نعمة منها بشكر يخصها فيعطي صدقته - على وجه الاستحباب - كما أعطي منفعته.(٢) وإضافة لما أنعم الله به على المسلمين من علوم القرآن والسنة -التي هي أشرف العلوم التي ترفع درجة صاحبها- فقد نبغ المسلمون كذلك في مختلف العلوم الدنيوية النافعة وأثروها بالمؤلفات والاختراعات. ومما سبق المسلمون غيرهم في معرفته: الساعات الحائطية، والبريد، والورق، والمدافع، والتكييف عن طريق الجدران، وفن الهندسة المعمارية في الأسقف والقناطر والأنفاق. وعلى تصويبات ابن الهيثم في البصريات استطاع الغرب أن يصنع النظارات، ونسبوها إلى "جون ويلسون" الإنجليزي، وكذلك الصفر والكسور العشرية والكسور الاعتيادية والأرقام العربية لم يعرفها الغرب إلا من المسلمين.(٣) (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، و "بَشِّرِ المَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى المَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ".(٤) برهان (كوهج الشمس) عَلَى إِيمَانِ فَاعِلِهَا.(٥) الصَّبْرُ الْمَحْمُودُ الذي لا جزع فيه ولا شكوى للخلق هو (ضِياءٌ) لَا يَزَالُ صَاحِبُهُ مُسْتَضِيئًا به مُهْتَدِيًا عَلَى الصَّوَابِ مع ما فيه من الحرارة والألم.(٦) أي: هو مَانِعٌ مِنْ الْمَعَاصِي بِكَسْرِ الْقُوَّةِ وَالشَّهْوَةِ.(٧) أي أنها من أبواب الخير ومما يدخل الجنة ويباعد عن النار.стр. 364
والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبائعٌ نَفْسَهُ فمُعْتِقُها (١) أو مُوبِقها (٢) . اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، و لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ.
وإنَّ الله تَعالَى قَالَ: وما تَقَرَّب إليَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إليَّ مِمَّا افترضتُ عَليهِ، ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أَحْبَبْتُهُ، كُنتُ سَمعَهُ الّذي يَسمَعُ بهِ، وبَصَرَهُ الّذي يُبْصِرُ بهِ، ويَدَهُ الَّتي يَبطُشُ بها، ورِجْلَهُ الّتي يَمشي بِها، ولَئِنْ سأَلنِي لأُعطِيَنَّهُ، ولَئِنْ استَعاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ. الحواشي
(١) إما يبيعها للهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ فمُعْتِقُها من العذاب.(٢) أو يبيعها لِلشَّيْطَانِ وَالْهَوَى بِاتِّبَاعِهِمَا فمهلكها ومُوبِقها.стр. 365
فضائل ذكر الله
الحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أو تَملأُ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، أفلا أُعَلِّمُكم شيئاً تُدرِكُونَ به مَنْ قد سَبَقَكُم، وتسبِقونَ به من بَعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ صنع مثل ما صنعتم؟؛ تُسبِّحونَ وتُكبِّرونَ وتحمَدُونَ دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مرَّة ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟؛ ذِكْرُ اللَّهِ .
ولا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكر الله (١) ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ؛ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ. ومَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ (٢) فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي - أَوْ دَعَا - اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ عَزَمَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ. ومَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ تَمْضِ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. ومَنْ قَالَ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ" -ثلاثاً-؛ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ. وسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ"، مَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ -مُوقِنًا بِهَا- فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ -وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا- فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا مَنْ قَالَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي، كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ. الحواشي
(١) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: "لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ".(٢) أي: استيقظ بصوت من استغفارٍ أو تسبيح أو نحوه.стр. 366
آداب الطعام
سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ومن نسي أن يذكر اسم الله في أول طعامه، فليقل حين يذكر: "بسم الله في أوله وآخره"، فإنه يستقبل طعاماً جديداً، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه (١) ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ. والبَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ (٢) ، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ.
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ، حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمُ اللُّقْمَةُ، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى، ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ، ولا يرفع الصَّحْفَة حتى يَلْعَقْها أو يُلْعِقْها؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ تَكُونُ الْبَرَكَةُ. ومن أكل طعاماً ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه (٣) . وإذا شرب أحدكم فلا يشرب نَفَساً واحداً، ولا يتنفس أحدكم في الإناء إذا كان يشرب منه، ولكن إذا أراد أن يتنفس فليؤخره عنه، ثم يتنفس (٤) . أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ.
وما مَلأ آدميٌّ وِعاءً شَرّاً مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدمَ أَكَلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كَانَ لا مَحالَةَ، فَثُلُثٌ لِطعامِهِ، وثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفسه. ومَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ. وإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ. الحواشي
(١) الخبيث هو الشيطان. وفي الحديث: قال إبليس: يا رب، كل خلقك قد سببت أرزاقهم، فما رزقي؟، قال: كل ما لم يذكر اسمي عليه.(٢) أي من جَوَانِبِ القَصْعَة وحَوَالَيْهَا وأَسْفَلِهَا، كما في روايات أخرى.(٣) وما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط، كان إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. والأفضل -والله أعلم- عدم نزع النخالة من الدقيق لحديث أُمِّ أَيْمَنَ بركة بنت ثعلبة ﵂ قَالَتْ: غَرْبَلْتُ دَقِيقًا فَصَنَعْتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَغِيفًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا؟ "، فَقُلْتُ: طَعَامٌ نَصْنَعُهُ بِأَرْضِنَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصْنَعَ مِنْهُ لَكَ رَغِيفًا، فَقَالَ: " رُدِّيهِ فِيهِ، ثُمَّ اعْجِنِيهِ ".(٤) ونهى عن الشرب من ثلمة (كسر) القدح أو أذنه. وأن يشرب من فم القربة أو السقاء؛ لأن ذلك ينتنه. وكان يأكل بثلاث أصابع، فإذا فرغ لعقها قبل أن يمسحها. وكان ﵊ لا يأكل متكئا، ً أي: لا يميل على أحد جنبيه. ونهى أن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه. وعن النفخ في الطعام والشراب.
ومن وصايا أهل الطب قولهم: مَنْ سَرَّهُ الْبَقَاءُ- وَلَا بَقَاءَ- فليباكر الغداء، وليعجل العشاء، وَلَا تَأْكُلُوا الْجَوْزَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، وَأَكْلُ الْقَدِيدِ الْيَابِسِ بِاللَّيْلِ مُعِينٌ عَلَى الْفَنَاءِ. وَلَا تَأْكُلَنَّ حَتَّى تَجُوعَ، وَلَا تَأْكُلَنَّ طَعَامًا، وَفِي مَعِدَتِكَ طَعَامٌ، وَلَا يَأْكُلْ مَنْ بِهِ غَمٌّ حَامِضًا. وَأَجِدْ مَضْغَ الطَّعَامِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا تَعْجِزُ أَسْنَانُكَ عَنْ مضغه، فَتَعْجِزَ مَعِدَتُكَ عَنْ هَضْمِهِ. واحْذَرْ أَنْ تَجْمَعَ الْبَيْضَ وَالسَّمَكَ أو اللَّبَنَ وَالسَّمَكَ أو اللَّبَنَ وَالنَّبِيذَ. واسْتَدِيمُوا الصِّحَّةَ بِتَرْكِ الِامْتِلَاءِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلْتَأْكُلْ عَلَى نَقَاءٍ، وَلْتَشْرَبْ عَلَى ظَمَأٍ، وَلَا تَأْكُلُوا فَوْقَ شِبَعِكُمْ، وَالْأَكْلُ الْكَثِيرُ يُفْسِدُ فَمَ الْمَعِدَةِ، وَيُضْعِفُ الْجِسْمَ، وَيُوَلِّدُ الرِّيَاحَ الْغَلِيظَةَ، وَالْأَدْوَاءَ الْعَسِرَةَ، وَمَنْ أَكَلَ بَيْضًا مَسْلُوقًا بَارِدًا، وَامْتَلَأَ مِنْهُ، فَأَصَابَهُ رَبْوٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
وَإِذَا أَكَلْتَ نَهَارًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَنَامَ، وَلتَتَمَدَّدْ بَعْدَ الْغَدَاءِ ولْتَنَمْ عَلَى إِثْرِ غَدَائِكِ سَاعَةً، وَإِذَا أَكَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَنَمْ حَتَّى تَمْشِيَ بَعْدَ الْعَشَاءِ وَلَوْ أَرْبَعِينَ أو خَمْسِينَ خُطْوَةً. وعماد طعام العرب: التمر واللبن والسمن ودقيق البر والشعير والشحوم والعسل واللحم والسمك والجراد والأقط. و"الثريد" سيد الطعام ويهيأ بسلق قطع اللحم الملقاة في الماء، وقد يضاف إليه البصل والحمص، فإذا سلق اللحم ونضج وتولد منه مرق، ألقي مع مرقه على الخبز المثرود.стр. 367
وكُلُّ مُسكرٍ حَرامٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، ومَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْخَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)، وإنَّ الله ورَسُولَهُ حرَّمَ بَيعَ الخَمْرِ والمَيتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ (١) . الحواشي
(١) ونهى النبي ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ولحم الحمار الأهلي. قال الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق). وقال تعالى: (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة، أو دماً مسفوحاً، أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقاً أهل لغير الله به).стр. 368
التداوي وحفظ الصحة
تَدَاوُوْا عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إِلَّا وَقَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَه مَنْ عَلِمَه، وجَهِلَه مَنْ جَهِلَه، إلا السام (١) . فتداووا، ولا تتداووا بحرام (٢) ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَامٍ.
وإن أفضل ما تداويتم به: الحجامة (٣) ، والقُسط البحري. وإذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم، فإن الدم إذا تبيغ (٤) بصاحبه يقتله (٥) . مَنْ أَرَادَ الْحِجَامَةَ؛ فَلْيَتَحَرَّ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. الشِّفَاءُ فى ثلاثٍ: شَرْبَةِ عسلٍ، وشَرْطةِ مِحْجَمٍ، وكَيَّةِ نارٍ توافق الداء، وما أحب أن أكتوي، وأنْهى أُمَّتى عن الْكَيِّ (٦) .
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ (٧) ؟، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. والسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب (٨) . خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامٌ مِنَ الطُّعْمِ وَشِفَاءٌ مِنَ السُّقْمِ، مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شَرِبَ لَهُ، إِنْ شَرِبْتَهُ تَسْتَشْفِي بِهِ؛ شَفَاكَ اللهُ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِشِبَعِكَ؛ أَشْبَعَكَ اللهُ بِهِ، وَإِنْ شَرِبْتَهُ لِيَقْطَعَ ظَمَأَكَ؛ قَطَعَهُ اللهُ، إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، وَهِيَ هَزَمَةُ جِبْرِيلَ (٩) وَسُقْيَا اللهِ إِسْمَاعِيلَ. وإن في الحبة السوداء شفاءً من كل داء إلا السام (١٠) . عليكم بالسنى والسنوت (١١) فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام. ومَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً عَلَى الرِّيقِ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ (١٢) حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ أَكَلَهَا حِينَ يُمْسِي؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يُصْبِحَ. كلوا الزيت وادهنوا به؛ فإنه من شجرة مباركة. تداووا بألبان البقر فإني أرجو أن يجعل الله فيها شفاء، فإنها تأكل من كل الشجر، أَلْبَانُ الْبَقَرِ شِفَاءٌ، وَسَمْنُهَا دَوَاءٌ، وَلُحُومُهَا دَاءٌ (١٣) ، ولو خرجُتم إلى إِبِل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها. الكمأة من المن الذي أنزل الله ﵎ على بني إسرائيل، وماؤها شفاء للعين (١٤) . عليكم بالإثمد فإنه خير أكحالكم؛ يجلو البصر وينبت الشعر (١٥) . إِذَا اكْتَحَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْتَحِلْ وِتْرًا. الحواشي
(١) وهو الموت. وفي رواية:"إلا الهَرَم"، وهو: الشيخوخة وكبر السن.(٢) ونهى ﵊ عن الدواء الخبيث. ولما جُرْحُ رسولِ الله ﷺ يوم أُحُدٍ ورأت فاطمة الدمَ لا يزيد إلا كَثرةً، أخذت قطعةَ حصيرٍ البَرْدِىّ، فأحرقتْها حتى إذا صارت رَماداً ألصقتهُ بالجُرحِ فاستمسك. وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنا نطلي وجوهنا بالورس (الكركم) من الكلف (وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم، وهو لون بين السواد والحمرة، وهي حمرة كدرة).
والثفاء (حب الرشاد) والكندر (اللبان) من الأدوية المفيدة. ويتجنب تناول الطعام أو الشراب وهو شديد السخونة. وعدم شرب الماء المغلي وهو ساخن، إلا ما كان فيه عسل. والحلبة مفيدة جداً ويمكن أن تؤكل مطبوخة بالتمر أو العسل أو التين. ويتطبخ معها سمن بقري لعلاج الخاصرة والكلى. وماء الحلبة المغلي يعالج الجلد المتشقق والتهاب الحلق واللوزتين. والرجلة مفيدة وتقلع الثآليل إذا حكت بها. والبصل والكراث والثوم والليمون مقاومة لكثير من الأمراض. والصبِر مفيد جداً وهو من النبات المعروف حديثاً باسم: الصبار. لكن اسم (الصبار) قديماً يطلق على التمر الهندي.
والمريض من الحمى في طور النقاهة والحفاظ على مناعته قد يمنع من الرطب والتمر والحلو، والمريض من الرمد يمنع من الإكثار منها ولا يزيد على سبع تمرات. والسفر قد يكون من أسباب الصحة.
ومن خلاصة ما نصح به قدماء الأطباء قولهم: لَا تَشْرَبِ الدَّوَاءَ إِلَّا مِنْ عِلَّةٍ، وَلَا يَتَعَالَجَنَّ أَحَدُكُمْ مَا احْتَمَلَ بَدَنُهُ الدَّاءَ. واسْتَدِيمُوا الصِّحَّةَ بِتَرْكِ التَّكَاسُلِ عَنِ التَّعَبِ. وَلَا تَحْبِسِ الْبَوْلَ، فإن طُولُ الْمُكْثِ فِي الْمَخْرَجِ يُوَلِّدُ الدَّاءَ الدَّوِيَّ. وَلَا يَنَمْ أحدكم حَتَّى يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْخَلَاءِ، وإياك وَالنَّوْمَ الْكَثِير، وَلَا يَنَمْ مَنْ بِهِ زُكْمَةٌ عَلَى قَفَاهُ، وَالنَّوْمُ عَلَى الْقَفَا يضر الذهن، وَلَا يَنَمْ صَاحِبُ الْحُمَّى الْبَارِدَةِ فِي الشَّمْسِ.
ومَنْ أَرَادَ الصِّحَّةَ، فَلْيُجَوِّدِ الْغِذَاءَ، والْإِقْلَالُ مِنَ الضَّارِّ خَيْرٌ مِنَ الْإِكْثَارِ مِنَ النَّافِعِ. وعليك بالعسل من الداخل والزيت من الخارج، وَلَا تَأْكُلُ مِنَ الْفَاكِهَةِ إِلَّا فِي أَوَانِ نُضْجِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ اللَّحْمِ إِلَّا فَتِيًّا، وَلَا تَأْكُلُ فِي الصَّيْفِ لَحْمًا كَثِيرًا، وَمَنْ شَرِبَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الشِّتَاءِ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ حَارٍّ؛ أَمِنَ مِنَ الْأَعْلَالِ، وَلَا تَقْرَب الْبَاذِنْجَانَ الْعَتِيقَ الْمُبَزَّرَ.
وَعَلَيْكُمْ بِتَنْظِيفِ الْمَعِدَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَإِنَّهَا مُذِيبَةٌ لِلْبَلْغَمِ، مهلكة للمرة، منبتة للحم، وَعَلَيْكَ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ بِقَيْئَةٍ تُنَقِّي جِسْمَكَ، وَعَلَيْكَ بِالْقَيْءِ فِي الصَّيْفِ، وَلَا يَتَقَيَّأْ مَنْ تُؤْلِمُهُ عَيْنُهُ، وَلَا تحْبِسْ فِي الْمَعِدَةِ طَعَامًا تَأَذَّيْتَ بِهِ.
وَعَلَيْكَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ (مكان الاغتسال) فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مِنَ الْأَطْبَاقِ مَا لَا تَصِلُ الْأَدْوِيَةُ إِلَى إِخْرَاجِهِ، وَمَرَّةً فِي الصَّيْفِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ فِي الشِّتَاءِ، وَخُذْ مِنَ الْحَمَّامِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْكَ، وَمَنْ دَلَكَ جِسْمَهُ فِي الْحَمَّامِ بِقُشُورِ الرُّمَّانِ أَمِنَ مِنَ الْجَرَبِ وَالْحَكَّةِ، والِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ بَعْدَ أَكْلِ السَّمَكِ الطَّرِيِّ يُوَلِّدُ الْفَالِجَ، وَأَكْلُ الْمُلُوحَةِ وَالسَّمَكِ الْمَالِحِ وَالِافْتِصَادُ بَعْدَ الْحَمَّامِ يُوَلِّدُ الْبَهَقَ وَالْجَرَبَ. ودُخُولُ الْحَمَّامِ عَقِيبَ الِامْتِلَاءِ؛ يهْدِمُ الْبَدَنَ وقد يصيب بالفَالِجٌ. وَنِعْمَ الْكَنْزُ الدَّمُ فِي جَسَدِكَ، فَلَا تُخْرِجْهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفَصْدَ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَالِافْتِصَادُ بَعْدَ الْحَمَّامِ يُوَلِّدُ الْبَهَقَ وَالْجَرَبَ، وَلَا يُسْرِعِ الْمَشْيَ مَنِ افْتَصَدَ، فَإِنَّهُ مُخَاطَرَةُ الْمَوْتِ، وَمَنِ افْتَصَدَ، فَأَكَلَ مَالِحًا فَأَصَابَهُ بَهَقٌ أَوْ جَرَبٌ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ.
ومما يقوي الْجِسْمَ: لُبْسُ الثَّوْبِ النَّاعِمِ وَلُبْسُ الْكَتَّانِ وتخفيف الرّداء، وَدُخُولُ الحمام المعتدل، وأَكْلُ اللَّحْمِ وأكل الطعام الحلو الدسم، وَشَمُّ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ، وَكَثْرَةُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ. وأَرْبَعَةٌ تُفْرِحُ: النَّظَرُ إِلَى الْخُضْرَةِ، وَإِلَى الْمَاءِ الْجَارِي، وَالْمَحْبُوبِ، وَالثِّمَارِ.
ومما يُوهِنُ الْبَدَنَ ويمرضه: كَثْرَةُ الْجِمَاعِ، وَكَثْرَةُ الْهَمِّ، وَكَثْرَةُ شُرْبِ الْمَاءِ عَلَى الرِّيقِ، وَكَثْرَةُ أَكْلِ الْحَامِضِ، والْكَلَامُ الْكَثِيرُ، وَالْأَكْلُ الْكَثِيرُ، وَالنَّوْمُ الْكَثِيرُ، وَالْحُزْنُ، وَالْجُوعُ، وَالسَّهَرُ، والْغُبَارَ، والدخان، والنّتن، وَالتخلل بالرَّيْحَانِ.(٣) الحجم: لغة المص. والمحجمة هي الآلة التي يمص بها الدم ويحجم بها المريض. والحجامة: هي ما يفعله الحجَّام وهو المصاص وسمي بذلك لأنه يمص الدم الفاسد من المحجوم عن طريق المِحْجمة أو المحجم: وهو مشرط الحجام الذي يشرط به الجلد.
والحجامة يفضل أن تكون على الريق وبعد منتصف الشهر وأفضلها يوم ١٧ أو ١٩ أو ٢١ ويحتاج إليها أكثر في وقت الحر وتفيد في قوة الحفظ والبصر وعلاج الأمراض والصداع والبلغم. وقد احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأسِهِ مِنْ صُدَاعٍ وَجَدَهُ. واحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى وَرِكِهِ (مَا فَوْق الْفَخِذ) مِنْ أَلَمٍ كَانَ بِهِ. واحْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ.(٤) باغ الدم: ثار وهاج، كما يكون الحال عند من به ارتفاع في ضغط الدم.(٥) وقال ﵊ لمن شكا وجعاً في رأسه: "اذهب فاحتجم". وشَكَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵄ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا، فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ. وقال لمن شكا وجعاً في رجليه: "اذهب فاخضبها بالحناء". وكَانَ لَا يُصِيبُ النَّبِيَّ ﷺ قَرْحَةٌ وَلَا شَوْكَةٌ وَلَا نَكْبَةٌ إِلَّا وَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ. وقد يتأثر لون البول من الصبغ بالحناء أو أكل الشمندر والزعفران وغيرها. علماً أن فحص البول قد روي عن مالك وعمر بن عبدالعزيز والزهري.(٦) في الحديث إشارة جامعة إلى أصول العلاجات الثلاث: وهي إدخال مادة دوائية تواجه السموم وتسهل خروجها كالعسل. أو إخراج واستئصال السموم والمادة الفاسدة من الجسم كما في الحجامة. أو التأثير الخارجي على العضو المصاب بمؤثر يغير حالته كما في الكي. وفيه إشارةٌ إلى أن يؤخَّرَ العلاجَ بالكي حتى تَدفَع الضرورةُ إليه، ولا يعجل التداوي به لما فيه من استعجال الألم الشديد فى دفع ألمٍ قد يكون أضعفَ من ألم الكَيّ، ولِأَنَّ الْكَيَّ فِيهِ تَعْذِيبٌ بِالنَّارِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ، وَهُوَ اللهُ وَلِأَنَّ الْكَيَّ يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ فَاحِشٌ. وفي حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب أنهم لا يكتوون. قيل: كانوا في الجاهلية يكتوون وهم صحاح حتى لا يصيبهم المرض، وحمل بعضهم النهي عن الكي على ذلك. وكما جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الْكَيِّ، فقد َجَاءَتْ الرُّخْصَةُ فِيهِ لِبَيَانِ جَوَازِهِ. وأجود الأعسال ما تغذى نحله على الأزهار وكان طيب الرائحة، حلو الطعم، صافي اللون كأقرب ما يكون إلى لون الذهب، لم يصبه ماء ولا رطوبة ولا نار ولا دخان، إذا صب امتدّ ولم يتقطع، وإذا قطر على الأرض استدار واجتمع إلى نفسه استدارة الزئبق ولم يتغبش ولم يختلط بالتراب، وإذا لطخ على فتيلة ثم أوقد فيها النار اشتعلت. لم يفلتر ولم يبستر، ولم يعرّض لضوء شمس أو ضوء شديد، أو حرارة تسخين أو غلي، ولم يحفظ في معدن أو حديد ذي صدأ أو في آنية رديئة. وقال ﵊ لمن جاءه يشكو استطلاق (إسهال) بطن أخيه: (صَدَقَ اللهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ، اسْقِهِ عَسَلًا)، فَسَقَاهُ فَبَرَأَ. قَالَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَلِ وَالْقُرْآنِ. وقال ابن القيم: "والعسل فيه منافعُ عظيمة، فإنه جلاءٌ للأوساخ التى فى العروق والأمعاء وغيرها، محلِّلٌ للرطوبات أكلاً وطِلاءً، نافعٌ للمشايخ وأصحابِ البلغم، ومَن كان مِزاجه بارداً رطباً، وهو مغّذٍّ ملين للطبيعة، حافِظ لِقُوَى المعاجين ولما استُودِع فيه، مُذْهِبٌ لكيفيات الأدوية الكريهة، منقٍّ للكبد والصدر، مُدِرٍّ للبول، موافقٌ للسعال الكائن عن البلغم. وإذا شُرِبَ حاراً بدُهن الورد؛ نفع من نهش الهوام، وشرب الأفيون، وإن شُرِبَ وحده ممزوجاً بماء؛ نفع من عضة الكَلْبِ الكَلِبِ، وأكلِ الفُطُرِ القتَّال، وإذا جُعِلَ فيه اللَّحمُ الطريّ؛ حَفِظَ طراوته ثلاثَةَ أشهر، وكذلك إن جُعِل فيه القِثَّاء، والخيارُ، والقرعُ، والباذنجان، ويحفظ كثيراً من الفاكهة ستة أشهر، ويحفظ جثة الموتى، ويُسمى الحافظَ الأمين. وإذ لطخ به البدن المقمل والشَّعر، قتل قَملَه وصِئْبانَه، وطوَّل الشَّعرَ، وحسَّنه، ونعَّمه، وإن اكتُحل به، جلا ظُلمة البصر، وإن استُنَّ به بيَّضَ الأسنان وصقَلها، وحَفِظَ صحتَها، وصحة اللِّثةِ، ويفتح أفواهَ العُروقِ، ويُدِرُّ الطَّمْثَ (الحيض)، ولعقُه على الريق يُذهب البلغم، ويَغسِلَ خَمْلَ المعدة، ويدفعُ الفضلات عنها، ويسخنها تسخيناً معتدلاً، ويفتح سُدَدَها، ويفعل ذلك بالكبد والكُلَى والمثانة، وهو أقلُّ ضرراً لسُدَد الكبد والطحال من كل حلو. وهو مع هذا كله مأمونُ الغائلة، قليلُ المضار، مُضِرٌ بالعرض للصفراويين، ودفعها بالخلِّ ونحوه، فيعودُ حينئذ نافعاً له جداً.
وهو غِذاء مع الأغذية، ودواء مع الأدوية، وشراب مع الأشربة، وحلو مع الحلوى، وطِلاء مع الأطلية، ومُفرِّح مع المفرِّحات، فما خُلِقَ لنا شئٌ فى معناه أفضلَ منه، ولا مثلَه، ولا قريباً منه، ولم يكن معوّلُ القدماء إلا عليه، وأكثرُ كتب القدماء لا ذِكر فيها للسكر ألبتة، ولا يعرفونه، فإنه حديثُ العهد حدث قريباً، وكان النبى ﷺ يشربه بالماء على الرِّيق، وفى ذلك سِرٌ بديع فى حفظ الصحة لا يُدركه إلا الفطن الفاضل" انتهى.
ويوصف الماء المغلي والعسل لأوجاع الخاصرة والكلية. وملعقة عسل صغيرة للطفل قبل النوم لمساعدته على عدم التبول أثناء النوم بالليل، أما لكبار السن فملعقة عسل مع الحليب الدافئ. وماء الشعير مع العسل لإخراج حصوات الكلى. ويعالج العسل كثيراً من الجروح والحروق دون ترك أثر بطلائه عليها.(٧) (وَحَرَ الصَّدْرِ): مَا يَحْصُلُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْكُدُورَاتِ وَالْقَسْوَة، وَقِيلَ: الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ، وَقِيلَ: أَشَدُّ الْغَضَبِ.(٨) السواك بعود الأراك هو أفضل ما استيك به لأنه يفصح الكلام ويطلق اللسان ويطيب النكهة ويشهي الطعام وينقي الدماغ وأجود ما استعمل مبلولاً بماء الورد.(٩) ضربة جبريل ﵇ في الأرض لحفر بئر زمزم. قَالَ جَابِرُ:" أَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ مَكَّةُ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو: أَنِ اهْدِ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَلَا يَتِرُكَ"، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَزَادَتَيْنِ.(١٠) السام هو الموت. والحبة السوداء (الشونيز) هي من أفضل مقويات المناعة. ومن طرق استخدامها: أن تؤخد سبع حبات أو وتراً إلى إحدى وعشرين ثم تدق في خرقة، فإما تشم باستمرار أو تنقع في ماء ليلة ثم يقطر بها في الأنف. كما أن باحثين مصريين استخلصوا مركباً رائعاً من زيت الحبة السوداء وسموه نيجلّون Nigellone على شكل نقط أو أقراص.(١١) السنا أو (السنامكي) نبات ينبت في مكة وفي غيرها، وهو مفيد جداً في تنقية الجسم من السموم، لكن الإكثار منه خطر جداً. وقيل أن السنوت هو: الشمر. وقيل: الشبت، وقيل: الكمون. وقيل غيرها. والأقرب إلى الصواب -والله أعلم- في معنى (السنوت): أنه العسل الذي يكون في زقاق السمن. ويدل عليه رواية: (ثَلَاثٌ فِيهُنَّ شِفاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السام: السنا والسنوت) فأشار إلى ثلاثة أدوية وذكر اثنين، فدل أن السنوت مركب من دوائين. واستعماله بأن يخلط السنا مدقوقاً بالعسل المخالط للسمن ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفرداً لما في العسل والسمن من إصلاح السنا وإعانته على الإسهال.(١٢) في رواية: (مَنْ أَكَلَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ عَلَى الرِّيقِ حِينَ يُصْبِحُ؛ لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ أَكَلَهَا حِينَ يُمْسِي؛ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يُصْبِحَ)، واللَّابَتَانِ: هُمَا الْحَرَّتَانِ، وَالْمَدِينَة بَيْن حَرَّتَيْنِ، وَ (الْحَرَّة): الْأَرْضُ الْمُلْبَسَةُ حِجَارَةً سَوْدَاءَ. وفي رواية: (فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ أَوَّلَ الْبُكْرَةِ عَلَى الرِّيقِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سِحْرٍ أَوْ سُمٍّ) والْعَالِيَة: مَا كَانَ مِنْ الْحَوَائِط مِنْ جِهَة الْمَدِينَة الْعُلْيَا مِمَّا يَلِي نَجْد، أَوْ السَّافِلَة مِنْ الْجِهَة الْأُخْرَى، مِمَّا يَلِي تِهَامَة، قَالَ الْقَاضِي: وَأَدْنَى الْعَالِيَة ثَلَاثَة أَمْيَال، وَأَبْعَدهَا ثَمَانِيَة مِنْ الْمَدِينَة. و (أَوَّلَ الْبُكْرَةِ) أَيْ: في الصباح الباكر. وجاء في رواية: (الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ). وتمر العجوة فيه شفاء من السموم. ومن طرق الاستشفاء به: أن تؤخذ من العجوة سبع تمرات فتدق بنواها ويدلك بها الموضع على البطن أو جهة القلب. وفي حديث: (خَيْرُ تَمَرَاتِكُمُ الْبَرْنِيُّ يُذْهِبُ الدَّاءَ، وَلَا دَاءَ فِيهِ) والبَرْنِيُّ: ضربٌ من التمر، أَحمرُ مُشْرَب بصُفْرة، كثير اللِّحاء، عَذْب الحَلاوة. والرطب عموماً مفيدة للحامل والنفساء، ومن لا تجد رطباً فتمر مبلول.(١٣) قال الحليمي: " إنه ﷺ قال في البقر ذلك ليُبْس الحجاز، ويبوسة لحم البقر منه، ورطوبة ألبانها وسمنها ".(١٤) الكمأة وتسمى: (الفقع)، وتسميها العرب: نبات الرعد؛ لأنها تكثر بكثرته، وتنفطر عنها الأرض، وهي تشبه البطاطس وليس لها شجرة. وهي من أطعمة أهل البوادي، وتكثر بأرض العرب، وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء. وقيل: سبب تكونها من اختلاط غاز احتراق البرق مع ماء المطر مع توافق مادة التربة. وللإفادة منها: تقشر وتسلق قليلاً ثم تعصر ويجمع ماؤها في قارورة ويكتحل به لشفاء العين، أو تشوى ويستقطر ماؤها. ويمكن عجن الإثمد بماء الكمأة لتعظيم الفائدة الشفائية.(١٥) يفضل الاكتحال بالأثمد قبل النوم، والأفضل أن يضاف له قليل من المسك أو من ماء الكمأ. كما أن النظر إلى الخضرة وإلى الماء الجاري يقوي البصر. ولا تمس العين باليد مباشرة، وإنما تكون اليد مبلولة بالماء لتغسل العين.стр. 369
والْمُحْرِمُ إِذَا اشْتَكَى رَأسَهُ وَعَيْنَيْهِ؛ يُضَمِّدْهُمَا بِالصَّبِرِ. شفاء عِرْقَ النَّسَا (١) : إلية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم يشرب على الريق في كل يوم جزء.
لا تكرهوا مرضاكم على الطعام، فإن الله يطعمهم ويسقيهم. والتلبينة (٢) مجمة (٣) لفؤاد المريض وتذهب ببعض الحزن (٤) . عليكن بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية (٥) ، يستعط (٦) به من العُذْرَةِ (٧) ، ويُلَدُّ (٨) به من ذات الجنب (٩) . علام تعذبن أولادكن؟؛ إنما يكفي إحداكن أن تأخذ قُسطاً هندياً فتحكه بماءٍ سبع مراتٍ ثم توجره إياه (١٠) . الحمى من فيح جهنم، فأبردوها بالماء (١١) . إِذا حُمَّ أَحدكمْ فَلْيَشُنَّ (١٢) عَليه الماءَ الباردَ ثَلاثَ لَيالٍ مِنَ السَّحرِ، الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ (١٣) . لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ (١٤) . لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ (١٥) ، فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ. الطاعُونُ (١٦) رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طائفةٍ من بنى إسرائيلَ وعَلَى مَن كان قَبْلَكم، ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبُ المَرَّةَ وَيَأْتِي الأُخْرَى، غُدَّةٌ (١٧) كَغُدَّةِ البَعيرِ يَخْرُجُ فى المَرَاقِّ (١٨) والإِبْط، فإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ، فَلا تَدْخُلوا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنْتُم بها، فلا تَخُرُجوا منها فِرَاراً مِنْهُ. الطَّاعُونُ شهادةٌ لكلِّ مُسْلِم.
غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ (١٩) . وإذا وقع الذباب في طعام أحدكم أو شرابه فليغمسه كله فيه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله، فيذهب شفاؤه بدائه. الحواشي
(١) (عِرْقَ النَّسَا): وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من جانب الوحشي على الفخذ، وربما امتد إلى الركبة وإلى الكعب، والنسا: وريد يمتد على الفخذ من الوحشي إلى الكعب.(٢) التلبينة: طعام يتخذ من دقيق أو نخالة وربما جعل فيها عسل، وسميت بذلك لشبهها باللبن في البياض والرقة، والنافع منه ما كان رقيقا نضيجاً، لا غليظا نيئاً.(٣) المجمة: مكان الاستراحة، وجم الفرس: إذا ذهب إعياؤه. والمعنى: أنها تريح فؤاده، وتزيل عنه الهم وتنشطه.(٤) وكانت عائشة ﵂ إذا مات الميت من أهلها، فاجتمع لذلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها، أمرت ببرمة (قِدر) من تلبينة فطبخت، ثم صنع ثريد (وهو أن يخلط اللحم والخبز المفتت مع المرق) فصبت التلبينة عليها، ثم قالت: كلن منها، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: " التلبينة مجمة لفؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن". وتقول: هو البغيض النافع (أي: يبغضه المريض مع كونه ينفعه كسائر الأدوية).(٥) قال ابن حجر: "وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ السَّبْعَةُ أُصُولُ صِفَةِ التَّدَاوِي بِهَا، لِأَنَّهَا إِمَّا طِلَاءٌ، أَوْ شُرْبٌ، أَوْ تَكْمِيدٌ، أَوْ تَنْطِيلٌ، أَوْ تَبْخِيرٌ، أَوْ سَعُوطٌ، أَوْ لَدُودٌ، فَالطِّلَاءُ يَدْخُلُ فِي الْمَرَاهِمِ، وَيُحَلَّى بِالزَّيْتِ، وَيُلَطَّخُ، وَكَذَا التَّكْمِيدُ، وَالشُّرْبُ يُسْحَقُ وَيُجْعَلُ فِي عَسَلٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَكَذَا التَّنْطِيلُ وَالسَّعُوطُ، يُسْحَقُ فِي زَيْتٍ وَيُقْطَرُ فِي الْأَنْفِ، وَكَذَا الدُّهْنُ وَالتَّبْخِيرُ وَاضِحٌ، وَتَحْتَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ السَّبْعَةِ مَنَافِعُ لِأَدْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَا يُسْتَغْرَبُ ذَلِكَ مِمَّنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَاللهُ أعلم". فتح الباري (ج ١٦ / ص ٢٠٦).(٦) مأخوذ من السعوط، وهو ما يصب في الأنف، بأن يدق العود ناعما، ويدخل في الأنف. أو يبل ويقطر فيه.(٧) العُذْرَة هي: اللهاة. فالقسط الهندي علاج لالتهاب اللوزتين سعوطاً أو شرباً بماء. فلا تقطع اللهاة ولكن تعالج بالقسط الهندي.(٨) اللد: صب الدواء في أحد شقي الفم.(٩) ذات الجنب: قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه ثم تفتح ويسكن الوجع وذلك وقت الهلاك ومن علاماتها الوجع تحت الأضلاع وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال، وهي في النساء أكثر.(١٠) الوجور: الدواء يوجر في وسط الفم، وتوجر الدواء: بلعه شيئاً بعد شيء، والرجل إذا شرب الماء كارهاً فهو التوجر والتكاره. وفي رواية: "ثم تسعطه إياه". يعني عن طريق الأنف.(١١) كانت أسماء بنت أبي بكر ﵄ إذا أتيت بالمرأة قد حمت؛ تدعو لها، وأخذت الماء فصبته بينها وبين جيبها، وقالت: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نبردها بالماء". ولا يجوز سب الحمى، وهي تنفي الذنوب.(١٢) أي: فليرش عليه منه رشاً متفرقاً. قال في النهاية: والشن بالمعجمة الصب المنقطع. والسن -بالمهملة-: الصب المتصل. وهو يؤيد رواية المعجمة. وبما يؤيد به أيضا أن أسماء بنت الصديق ﵂ كانت ترش على المحموم قليلاً من الماء بين ثدييه وثوبه، وهي لملازمتها للمصطفى ﷺ داخل بيته أعلم بمراده. وقال العسكري: بمهملة، وقال: بمعجمة. (ثلاث ليال من) أي: في (السَّحَر) بفتحتين، أي: قبيل الصبح؛ فإنه ينفع في فصل الصيف في القُطر الحار في الحمى العرضية.(١٣) وفي رواية: (بِمَاءِ زَمْزَمَ).(١٤) المُمْرِض: صاحب الإبل المراض، والمُصِح: صاحب الإبل الصحاح، فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة لا بطبعها، فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها. وكان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله ﷺ : أن ارجع، فإنا قد بايعناك.(١٥) الجذام: علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله، فتفسد مزاج الأعضاء حتى تتآكل. وتجذم الأصابع وتقطعها.(١٦) جاء في رواية قال: (وخز أعدائكم من الجن).(١٧) الغدة: الورم في الجسد، وهو قطعة صلبة يركبها الشحم، تكون في العنق وغيره.(١٨) المراق: ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي ترق جلودها.(١٩) قال الليث: فالأعاجم عندنا يتقون ذلك في كانون الأول.стр. 370
علاج العين والاستشفاء بالرقى
استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود (١) . عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ، فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ. اسْتَعِيذُوا بِاللهِ؛ فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا (٢) .
الْعَيْنُ تُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ (٣) .
مَا لِصَبِيِّكُمْ هَذَا يَبْكِي؟ هَلَّا اسْتَرْقَيْتُمْ لَهُ مِنْ الْعَيْنِ (٤) .
أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ (٥) وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ (٦) .
إذا اشتكيتَ من وجع؛ فضع يدك اليمنى على الذي تألم من جسدك وقل: بسم الله - ثلاثاً - وامسحه بيمينك سبع مرات وقل في كل مسحة: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (٧) . وقل: ﴿قل هو الله أحد﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات؛ تكفيك من كل شيء (٨) . ومَنْ عَادَ مَرِيضًا، لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ. ومَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ. وإِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ، فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيُسَمِّ اللهَ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَضْطَجِعَ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ وَلْيَتَوَسَّدْ يَمِينَهُ، وَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّ وَضَعْتُ جَنْبِي، وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ". إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. الحواشي
(١) ومن الفروق بين الحسد والعين:
١ - أنّ مصدر الحسد: تحرُّق القلب واستكثار النعمة على المحسود وتمني زوالها عنه أو عدم حصولها، أما العائن فمصدره الإعجاب والاستعظام، لذا فقد يصيب بالعين جماداً أو حيواناً أو زرعاً أو مالاً، وربما أصابت عينه أحد أبنائه أو أهله أو نفسه.
٢ - الحاسد يمكن أن يحسد في الأمر المتوقع قبل وقوعه، بينما العائن لا يعين إلا الموجود بالفعل.
٣ - أن الحاسد تتكيف نفسه وتتوجه لمن حسده سواء في حضرته أو غيبته، لأن الحسد أصله نفس خبيثة قوية. أما العائن فإن نفسه تتكيف عند مقابلة المعين ومعاينته.(٢) دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِعَامِرٍ: تَوَضَّأَ لَهُ، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ، وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ (طرفه الَّذِي يَلِي الْجَسَد) فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ، يُكْفِئُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ، فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْسَ بِهِ بَأسٌ. فإِذَا عُرِفَ الَّذِي أَصَابَهُ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ يُؤْمَر بِالْوُضُوءِ أو الاغتسال للمصاب. وطريقة اغتسال العائن التي شرحها العلماء هي: أَنْ يُؤْتَى بِقَدَحِ مَاءٍ، وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ عَلَى الْأَرْضِ أثناء الاغتسال، فَيَأْخُذُ غَرْفَةً فَيَتَمَضْمَضُ، ثُمَّ يَمُجُّهَا فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مَرْفِقَهُ الْأَيْسَرَ وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى، ثُمَّ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ الْيُسْرَى عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَغْسل دَاخِلَةَ إِزَارِهِ -وهو الطرف من ثوبه الذي يلي حقوه (خصره) الأيمن- وذلك بغمسه في القدح، وَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ؛ صَبَّهُ مِنْ خَلْفِهِ عَلَى رَأْسِهِ [فجأة أو بغتة] صبة واحدة يجري على جسده، ثم يكفأ (يقلب) القدح وراء المصاب على الأرض. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: (وقد جربنا أن غسل الوجه والمضمضة وغسل اليدين وحده يكفي في إزالة العين؛ إذا اتُّهم إنسان بعين ولو لم يغتسل). وإِنَّمَا يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْن إِذَا لَمْ يُعْرَف الْعَائِن أو تعذر اغساله للمصاب. وقيل أنه: يمكن أن يؤخذ الأثر من أي شيء مسه العائن من ريق أو عرق؛ لأن المقصود هو رائحة العائن لكي تطرد شيطانه المتسلط على المَعين بإذن الله، فيؤخذ مثلاً: بقايا أكله أوشربه أو ما مسه جسده من المباحات .. كمسح مقبض الباب ولو لمرة واحدة فإنها نافعة بإذن الله كما هو بالتجربة، ولا يكرر أخذ الأثر.(٣) وفي الحديث: (أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي - بَعْدَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ - بِالْعَيْنِ). قيل إنما صار هكذا لأن هذه الأمة أُيدت باليقين وفضلت به، وطريقهم إلى الله تعالى واسعة، فطولبوا بما فضلوا أن ينسبوا كل شيء يستحسنونه إلى خالقه ويبركوا، فيقولوا: تبارك الله، فإذا تركوا ذلك إعجاباً بذلك الشيء تهافت ذلك الشيء وذهب حسنه وهلك.
ويذكر بعض مختصي الرقية أنه قد يكون للعين أعراضٌ جسمية عادة ما تظهر تلك قبل القراءة أو أثناء الرقية الشرعية، ومنها:
صفار الوجه وشحوبة، وشعور المصاب بضيقة شديدة في منطقة الصدر. أو صداع متنقل، مع الشعور بزيادة الصداع أثناء الرقية الشرعية. أو الشعور بالحرارة الشديدة. أو تصبب العرق، خاصة في منطقة الظهر، ويتبع ذلك عادة قوة العين، أو ألم شديد في الأطراف. أو التثاؤب المستمر بشكل غير طبيعي وملفت للنظر. وكذلك البكاء أو تساقط الدموع دون سبب واضح. وقد تظهر أعراض التثاؤب المستمر وتساقط الدموع لدى بعض المعالِجين أو غيرهم نتيجة الرقية إن كانت الحالة المعالَجة مصابة بالعين والحسد، وأكثر ما يظهر ذلك مع بعض النساء المعالجات. وكذلك ارتجاف الأطراف وتحركها حركات لا إرادية وذلك بحسب قوة العين وشدتها، أو خفقان القلب، أو توتر العضلات، أو الشعور بالخمول بشكل عام وعدم القدرة على القيام بالعمل، أو الشعور ببرودة في الأطراف أحياناً، أو ظهور كدمات مائلة إلى الزرقة أو الخضرة دون تحديد أسباب طبية.
وقد تؤثر العين من الناحية الاجتماعية على المصاب من خلال علاقاته بالآخرين، ومن بعض تلك المظاهر: فقدان التجارة والمال، أو الكُره والبغض من الأهل والأصدقاء والمعارف، أو فقدان المنصب والوظيفة والعمل.(٤) َوعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: " رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ: (اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ). أَيْ: أُصِيبَتْ بِالْعَيْنِ. ويجب في الرقية: إخلاص النية من الراقي والمرقي، وأن يعتقد كل منهما أن الشفاء من عند الله، وأن الرقية بكلام الله سبب من الأسباب النافعة وأنها لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى. ومن شروط الرقية أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته أو بما أُثر عن النبي ﷺ من التعوذات، وأن تكون بلسان عربي مبين، أو بما يُعرف معناه، وأن لا تكون بهيئة محرمة أو بدعية كأن تكون في الخلاء مثلاً أو في مقبرة. ويستحسن فيها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، والتسمية وحمد الله والثناء عليه بتوحيده وتمجيده، والصلاة والسلام على رسول الله، ودعاء الراقي لنفسه وللمريض بأسماء الله وصفاته، وباسمه الأعظم. ووضع يد المعالِج على المكان الذي يألم منه المريض أو على رأسه، وبعد الانتهاء من الرقية الشرعية من الكتاب والسنة، يجمع المعالِج كفيه وينفث أو يتفل بهما ويمسح وجه المريض وما يلي جسده، وأما بالنسبة للنساء فبإمكان المعالِج النفث أو التفل في كفي محرمها، بحيث يقوم المحرم بمسح وجهها وما يلي جسدها. ويتجنب سؤال المريض أو أمره بتخيل صورة من أصابه بعين أو سحر أو نحو ذلك، حيث قد يحصل ذلك من عمل الشيطان وتلبيسه.
ويمكن النفث في الماء والزيت ونحوه، ولا مانع من قراءة أكثر من قارئ ونفثهم في نفس الإناء أو القارورة. ويمكن أن تكون الرقية بدون نفث، ويمكن أن تكون بذكر الله مع خلط الريق بالتراب. ولا شك أن رقية المصاب لنفسه أفضل إن كان يمكنه. وفي الحديث: "بِسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا". والمعنى: إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح؛ فيأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها منه شيء، فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح، والله أعلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ويجوز أن يُكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئاً من كتاب الله وذكره بالمداد المباح، ويغسل ويسقى، كما نص على ذلك أحمد وغيره". ولا يتبخر بالشب والأعشاب أو الأوراق وغيرها من إصابة العين لأنها ليست من الأسباب العادية لعلاج العين، وقد يكون المقصود بهذا التبخر استرضاء شياطين الجن والاستعانة بهم على الشفاء، وإنما يُعَالج ذلك بالرقى الشرعية ونحوها مما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وجاء في العلوم الحديثة أن الريق والظفر والشعر ترسل ذبذبة خاصة من جسم صاحبها حتى ولو انفصلت عنه وهو مايعرف بعلم "راديونيك" ويتفرع منه الموجة الذاتية، وهو علم يُستخدم في التشخيص والعلاج الطبي، وله مدارس متعددة في كل من بريطانيا وألمانيا وفرنسا وأمريكا، وثبت أن لكل إنسان موجه "ذبذبة" خاصة لاتشبه أي إنسان آخر كالبصمة تماماً في تميزها، وكل ماينفصل عن الإنسان من شعر أو ظفر أو ريق أو عَرَق أو دم يحمل معه هذه الموجة الخاصة! ولا يبطل هذه الموجة إلا إتلاف هذه الأشياء المنفصلة أو دفنها، وهذا مايفعله عامة الناس وهو حسن وإن لم يرد به نص لأنه من إكرام الإنسان وأيضاً يقطع تلك الذبذبة حتى لايستفيد منها السحرة.(٥) جاء فيما يخص تلبس شيطان الجن بالإنس عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا بِهِ لَمَمٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ، أَنَا رَسُولُ اللهِ "، قَالَ: فَبَرَأَ، فَأَهْدَتْ إِلَيْهِ كَبْشَيْنِ وَشَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذْ الْأَقِطَ وَالسَّمْنَ وَأَحَدَ الْكَبْشَيْنِ، وَرُدَّ عَلَيْهَا الْآخَرَ".
وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الطَّائِفِ، جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي، حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " ابْنُ أَبِي الْعَاصِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " مَا جَاءَ بِكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي، قَالَ: "ذَاكَ الشَّيْطَانُ، ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ، فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي وَقَالَ: "اخْرُجْ عَدُوَّ اللهِ"، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "الْحَقْ بِعَمَلِكَ". قَالَ عُثْمَانُ: فَلَعَمْرِي مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ. وفي رواية: فَمَا نَسِيتُ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدُ أَحْبَبْتُ أَنْ أَذْكُرَهُ.(٦) كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَوِّذُ بِهَا الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ. ويُشرع لمن وقع بصره على شيء يعجبه من نفسه أو أهله أو غيره أن يذكر الله تعالى فيقول: "تبارك الله" أو "اللهم بارك عليه" أو "اللهم بارك له" أو "تبارك الله أحسن الخالقين" وكذلك قول: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله".
والأصل أن الإنسان إذا أصيب بمرض فإن السبيل التي دعت إليه الشريعة هي الرجوع إلى أهل الطب، فإذا لم يجد العلاج الطبي فإن من المحتمل أن يكون سبب الإصابة أو المرض غير عضوي. والأفضل في جميع الأحوال الجمع بين العلاج المادي والعلاج الروحي بالقرآن والأدعية والأذكار والرقية وتقوية نفس المصاب للتغلب على ما يتسلط عليه من مؤثرات مادية أو روحية.(٧) أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، وَاللهُ يَشْفِيكَ. وفي رواية: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى رَقَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ يُبْرِيكَ، وَمِنْ كُلِّ دَاءٍ يَشْفِيكَ، وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي عَيْنٍ.(٨) كان ﵊ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا، أخذ بهما وترك ما سواهما. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَدَغَتْ رَجُلًا مِنَّا عَقْرَبٌ وَنَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنْ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنْ الرُّقَى، فَقَالَ لَهُمْ: " اعْرِضُوا عَلَيَّ "، فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: " لَا بَأسَ بِهَذِهِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ".
ولَدَغَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ، مَا تَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا لَدَغَتْهُمْ، اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ". ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَقْرَأُ بِـ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وعن عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، طَفِقْتُ أَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفِثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي». فيسن للمسلم أن يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه وجسده.стр. 371
ومَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ، وَلَا نَصَبٍ، وَلَا سَقَمٍ، وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ، إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ (١) . الحواشي
(١) وفي الصحيحين حديث الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ التي أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَنِي، قَالَ: " إِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَشْفِيَكِ، وَإِنْ شِئْتِ فَاصْبِرِي، وَلَا حِسَابَ عَلَيْكِ "، قَالَتْ: بَلْ أَصْبِرُ، وَلَا حِسَابَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ. فَدَعَا لَهَا.
ومن أهم الفروق بين أعراض الصرع العضوي و الصرع النفسي ما يلي:
١ - لا يحدث الصرع النفسي عادة أثناء النوم، و لكن ربما يحدث الصرع العضوي أثناء النوم.
٢ - إن الصرع النفسي يحدث غالبا في حضور الآخرين (من أجل شد انتباههم)، بينما الصرع العضوي قد يحدث في حضرة الآخرين أو حينما يكون المريض بمفرده.
٣ - يحدث الصرع النفسي عادة بعد ضغط نفسي أو مشكلة اجتماعية فيتفاعل الفرد لذلك الحدث من خلال حدوث الصرع.
٤ - حدوث تغير في لون الجسم أثناء الصرع العضوي حيث يصبح أكثر زرقة.
٥ - قد يصيب المريض بالصرع العضوي بعض الجروح بسبب السقوط المفاجئ على الأرض نتيجة فقدانه للوعي، لكن هذا الأمر نادر الحدوث في الصرع النفسي، بل قد ترى المريض يتماسك عند السقوط حتى لا يصاب بأذى.
٦ - من الشائع أن يفقد مريض الصرع العضوي التحكم بمخارجه، في حين أن هذا الأمر لا يحدث عادة عند مرضى الصرع النفسي.
٧ - يلاحظ أن المصروع عضوياً يصيبه غالباً بعض الدوار و اضطراب الوعي، وهو أمر ليس شائع الحدوث عند مرضى الصرع النفسي.
٨ - تكون الحركات العضوية التي تصاحب اضطراب الصرع العضوي في العادة منتظمة و ذات طابع معين، لكنها تكون غير متناسقة في الصرع النفسي و تتغير بين نوبة و أخرى.
٩ - يظهر الزبد من فم المصروع عضوياً، وهو أمر غير مشاهد عند مرضى الصرع النفسي.
١٠ - يتأثر المصروعون نفسياً بالإيحاء في حين لا يتأثر عادة مرضى الصرع العضوي بذلك على الإطلاق.
١١ - هنالك علامات قد تظهر عند رسم تخطيط المخ الكهربائي أثناء نوبة الصرع العضوي، يستطيع من خلالها المتخصص التفريق بسهولة بين هذين النوعين من الصرع.
١٢ - يقاوم المصروع نفسياً أية محاولة لفتح عينيه لكن المصروع عضوياً لا يفعل ذلك.
١٣ - يتحسن المصروع نفسياً ببطء من نوبة الصرع، بل قد تجده أحياناً يقاوم أية مساعدة لإعادة وعيه.
وبعض مرضى الصرع النفسي يعانون أيضاً من الصرع العضوي، ولذلك فإن ما ذكر هو للتفريق بين نوبة الصرع العضوي وبين نوبة الصرع النفسي، وليس بين الصرع النفسي و الصرع العضوي كمرضين.
وحالات المرض النفسي يكون لها نمط معين في السلوك والتصرف، بينما صرع الأرواح الخبيثة ليس لها نمط أو سلوك محدد. كما أن حالات المرض النفسي غالباً ما تكون أعراضها مستمرة ومتناسبة مع نوعية المرض الذي تعاني منه الحالة المرضية، بينما مرضى صرع الأرواح الخبيثة تختلف تلك الأعراض وتتذبذب من فترة لأخرى. وأيضاً فإن حالات المرض النفسي لا يظهر عليها أية أعراض أثناء الرقية الشرعية، وقد يشعرون براحة وسكينة، بينما مرضى صرع الأرواح الخبيثة تظهر عليهم تأثيرات وأعراض نتيجة الرقية الشرعية.
والأمراض النفسية قد تصيب الإنسان أحياناً نتيجة ظروف وعوامل اجتماعية مختلفة، بينما صرع الأرواح الخبيثة يكون نتيجة أسباب معينة كالإيذاء والسحر والعين والعشق ونحوه. ومن أسباب انتشار الأمراض النفسية والروحية بعد قضاء الله وقدره: ضعف الإيمان وقلة ذكر الله ودعائه والبعد عن القرآن وعدم الاهتمام بالصلاة وترك التحصن بالأوراد الشرعية وعدم الرضا بالقضاء والقدر وإهمال الرقية والتوبة مع الانغماس في المعاصي واللهو وعدم الصبر على المصائب وصعوبات الحياة، وتعلم السحر واتباع كلام السحرة والمشعوذين، ويضاف لذلك التنشئة والتربية الاجتماعية على تخويف الأطفال بالخرافات والأشباح والأكاذيب والمبالغة الشديدة في تخويفهم من الحسد والعين التي تلاحقهم في كل أمورهم. وينبغي كذلك الحذر من الخادمات اللاتي يأتين من بلاد يكثر فيها السحر والجهل؛ فبعضهن يأتين وقد غُرّر بهن لعمل السحر من أجل تسخير أهل البيت أو إشغالهم وصرفهم، أو للانتقام من التسلط وكثرة العمل، أو للتقرب إلى الشياطين، وغير ذلك.
وفي حال مرض الإنسان نفسياً أو روحياً واستنفد الأطباء المختصون جهدهم ولم يشف المريض، وغلب على الظن أن المريض مصابٌ بمس من الجن؛ فإن حضر الجني على المصاب فيؤمر بالخروج من بدن المصروع بدون ضرب ويبين له أن ذلك لا يحل له، فإن وافق فالحمد لله، وإن امتنع عن الخروج يتم نصحه بالترغيب والترهيب، فإن أصر؛ فيكون علاج المريض بالرقية، وبعض الجن يتعمد سباب وشتم الراقي حتى ينشغل بضربه وينصرف عن التركيز في قراءة الرقية. وإذا كان لابد من الضرب فلا بد أن يكون طرقاً خفيفاً، وقت حضور الجني حضوراً كاملاً، ويضرب على الأكتاف والأرداف والأطراف، إن لم يكن المريض في جسده عملية جراحية أو جرح، والمرأة ليست بحامل، مع الاحتشام ووجود المحرم وعدم الخلوة بالنساء، ويمكن للمعالج أن يضع يده (مع الرجال والمحارم فقط) عند الرقية على أماكن لها تأثيرٌ شديدٌ على الجني حسب تجربة بعض الرقاة وهي: جانبي الجبهة (الصدغين)، وأوسط الرأس، وبين الحاجبين والأنف (جذر الأنف)، وفوق منطقة أوسط البطن، وبين الإبهام والسبابة أو يمسك السبابة، والضغط على الحاجبين، وخلف الأذن. ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن الشيطان يحترق بسماع القرآن، والصحيح أن مِن الجن مَن يسمتع القرآن وينشرح صدره لسماعه وينتفع به كما قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ .. ) الآيات، ومنهم كفار لايحبون سماع القرآن ولاينتفعون به.
وعلى الراقي أن يتجنب الرقية الجماعية أو القراءة الجماعية لمفاسدها، والرقية تكون من الراقي على المريض مباشرة، ولا تكون بواسطة مكبر الصوت ولا بواسطة الهاتف، وإن كان سماع القرآن عبرها فيه خير كثير، ويشترط في الراقي النية وهي غير متحققة في مثل هذه الأجهزة. وأحياناً يمكن علاج المسحور بالعثور على ما فعله الساحر من عقد أو غيرها، وإتلافها، وهذا يكون بالبحث والتقصي ومعرفة أماكن إقامة وحركة المسحور ونحو ذلك مما يوصل حساً إلى العثور عليه، لا باستعمال الشياطين. ومن الرقية الشرعية التي تستعمل في رقي المسحور وغيره: قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، و"قل يا أيها الكافرون"، و"قل هو الله أحد"، والمعوذتين مع آيات السحر في سورة الأعراف من (١١٧ - ١١٩)، وفي سورة يونس من (٧٩ - ٨١)، وفي سورة طه من (٦٥ - ٦٨)، هذه الآيات العظيمات ينفث بها في الماء، -ويمكن أن يضيف في الماء سبع ورقات من السدر الأخضر، يدقها بحجر أو نحوه - ثم بعد ذلك يصب هذا الماء الذي قرأ فيه على ماء أكثر، ثم يغتسل به المسحور ويشرب منه بعض الشيء، كثلاث حسوات يشربها منه، ويزول السحر -بإذن الله- ويبطل ويعافى من أصيب بذلك.
ولا ينبغي للراقي ولا المريض أن يستبطئ الشفاء: لأن الرقية دعاء، وإذا استعجل الداعي الإجابة فإنه قد لا يستجاب له، وقد قال ﷺ : " يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي ". وقد تتكامل الأسباب من قراءة القرآن وتعاطي الأسباب الدوائية، ووجود الاستعداد عند المريض لتقبل العلاج القرآني أو الدوائي، ومع ذلك لا يشفى المريض! فليس لازماً أن يقع الشفاء، لأن فوق كل هذه الأسباب إرادة المسبّب وهو الله ، وقد يشاء الله بقاء المرض مع تكامل الأسباب لحكمة يريدها من تفويض الأمر لله، أو تمحيص لذنوب العبد، ومن الابتلاء لهذا العبد لأن الله يحبّه ويوزعه الصبر، ويرفع به درجاته، أو لحكمة لا يعلمها العبد.стр. 372
أسباب إجابة الدعاء ومنعه
مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا (١) . يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ يَقُولُ: دَعَوْتُ وَدَعَوْتُ وَلَا أُرَاهُ يُسْتَجَابُ لِي. ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ (٢) ، رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ. دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وهو في بَطْنِ الْحُوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إلا أنت سُبْحَانَكَ إني كنت من الظَّالِمِينَ﴾، فإنه لم يَدْعُ بها رَجُلٌ مُسْلِمٌ في شَيْءٍ قَطُّ إلا اسْتَجَابَ الله له. ومَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحاً. قال الله : "يا ابنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفَرتُ لك على ما كانَ مِنكَ ولا أُبالي، يا ابن آدمُ لَوَ بَلَغَتْ ذُنُوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استَغفَرتَني، غَفَرْتُ لكَ".
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ.
قَاتَل الله اليَهودَ، إنَّ الله لما حَرَّمَ عليهِمُ الانتفاع بشُحومَ الميتة؛ جْمَلوهُ (٣) ، ثمَّ باعُوه، فأَكَلوا ثَمَنَه، وَإِنَّ اللَّهَ إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه، الحواشي
(١) فَقَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. يعني: من الدعاء. فقَالَ ﵊: (اللهُ أَكْثَرُ)، أي: أكثر إجابة من دعائكم.(٢) وفي رواية: (على ولده).(٣) يعني: أذابوا الشحم بالتسخين.стр. 373
كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ، إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَاّ طيِّباً، وإنَّ الله تعالى أمرَ المُؤْمِنينَ بما أمرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم﴾. الرَّجُلُ يُطيلُ السَّفرَ: أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يمُدُّ يدَيهِ إلى السَّماءِ: يا رَب يا رب، وَمَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حرامٌ، وَغُذِيَ بالحَرَامِ (١) فأنَّى يُستَجَابُ لِذلكَ؟. الحواشي
(١) أي: قلبُه وسمعُه وبصرُه وفرجُه.стр. 374
قتال الطائفة التاركة للصلاة أو الزكاة
أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلَاّ الله، وأَنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلوا ذلكَ؛ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءهُم وأَموالَهُم، إلَاّ بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم على اللهِ تَعالَى (١) . الحواشي
(١) الشهادتان مع إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة تَعصِمُ دمَ صاحبها وماله في الدنيا إلا أنْ يأتيَ ما يُبِيحُ دَمَهُ، وأما في الآخرة، فحسابُه على اللهِ ، فإنْ كان صادقاً، أدخله الله بذلك الجنة، وإنْ كان كاذباً فإنَّه من جملة المنافقين في الدَّرْك الأسفل من النار. ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي: لستَ مسلطاً على إدخالِ الإيمانِ في قلوبهم قهراً ولا مكلفاً بذلك، إنَّ مرجعَ العبادِ كلهم إلى الله وحسابُهم عليه.стр. 375
الإخبار بالفتن التي ستقع للصحابة
وأشرف (١) رسول الله ﷺ على أطم (٢) من آطام المدينة، فقال: "هل ترون ما أرى؟ "، قالوا: لا. قال: " إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر ". وقال:" اللهم بارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا"، فقال رجل: وفي عراقنا (وفي نجدنا) (وفي مشرقنا) يا رسول الله؟، فقال ﵊: "هناك الزلازل والفتن، ومن هنالك يطلع قرن الشيطان (٣) ". لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين -منهم أربع نسوة- كلهم يزعم أنه رسول الله، يكذب على الله وعلى رسوله، وإني خاتم النبيين، لا نبي بعدي. وبينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فكرهتهما وأهمني شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: العنسي صاحب صنعاء (٤) ، ومسيلمة صاحب اليمامة (٥) .
وصعد رسول الله ﷺ أُحُداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد أبي وقاص ﵃ فرجف بهم، فضربه رسول الله ﷺ برجله وقال: اثبت أُحُد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.
وقال في خالد بن الوليد ﵁:"لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّه عَلَى الكُفَّار" (٦) . وقال لعدي بن حاتم ﵁: "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة (٧) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحداً إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى بن هرمز، الحواشي
(١) يعني: نظر من مكان مرتفع.(٢) الأطم: هو القصر والحصن، وجمعه آطام.(٣) قرن الشيطان وقرناه: أمته والمتبعون لرأيه، وانتشاره وتسليطه. وقيل: يحتمل أن يريد بالقرن: قوة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وكان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر ﷺ أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع، نشأت من تلك الجهة حيث حدثت وقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما ورائها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين: قتل عثمان ﵁.
وبعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديماً، كالإمام الخطابي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم. وقد جهلوا أيضا أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة، لا يستلزم أنه هو مذموم أيضاً، إذا كان صالحاً في نفسه، والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، وفي العراق من عالم وصالح، وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام: " أما بعد، فإن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسان عمله ".(٤) كانت فتنة خروج الأسود العنسي وادعائه النبوة قبل حجة الوداع في العام العاشر، ودامت أربعة أشهر، وكانت أول ردة في الإسلام، وقد أثار الأسود موضوع أخذ الزكاة من اليمن، وتمكن المسلمون من قتله في قصره، وإعلان العودة إلى الاسلام.(٥) وقد قال ﵊ لمسيلمة: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت، ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت).
والصحابة بعد وفاة الرسول ﷺ بايعوا أبا بكر الصديق على الخلافة عبر مجلس شورى من كبار الصحابة في سقيفة بني ساعدة. وظهرت ردة مسيلمة الكذاب وقبائل عديدة في خلافة أبي بكر الصديق ﵁، وامتنعت بعض القبائل عن دفع الزكاة، فأوضح الصديق للصحابة رضوان الله عليهم بقوله: "والله لأقاتلنَّ من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً- أي معزةً- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها". ووافقه الصحابة، واعتمد أبو بكر ﵁ على أهل المدينة ومكة والطائف وما حولها من قبائل في تجهيز الجيوش للقضاء على المرتدين. ونصره الله عليهم وعادت تلك القبائل إلى الإسلام. وترجع عوامل الردة إلى عدم تغلغل الإيمان في القلوب لتأخر اسلامهم وبسبب قصر الزمن الذي تم فيه تبلغ الدعوة، وطبيعة الأعراب المتسمة بالجفاء مع ضعف المستوى الثقافي مما جر إلى ضعف فقه تعاليم الدين وخاصة بالنسبة للزكاة التي اعتبرها البعض ضريبة مهينة، واستثقلوا الصلاة والعبادات الأخرى، كما أن العصبية القبلية لا زالت عميقة في تلك البلاد النائية ووسط نجد حيث ترى القبائل أنها أضخم عددا وعُددا من قريش وبالتالي فهي أولى بالزعامة، وعلى الأقل لم تكن ترضى بالخضوع لحكم قريش. ولم يشرك الصديق ﵁ أحداً من المرتدين في الفتوح الإسلامية في خلافته، بل جردهم من السلاح لأنه لم يأمنهم لحداثة عهدهم بالردة، وعقوبةً لهم بإظهار الاستغناء عنهم، ثم لأنه لم يشأ أن يكونوا طلائع الفتح الاسلامي فلا يقدمون لسكان المناطق المفتوحة المثال الصالح للجندي المسلم. وقد تم جمع القرآن في صحف بعد استشهاد كثير من قراء الصحابة في اليمامة.(٦) وفي عهد أبي بكر الصديق ﵁ تمت فتوح في العراق والمشرق وأجزاء من الشام أشهرها بقيادة خالد بن الوليد الذي لم يهزم في أي معركة، ولعل ذلك من الإعجاز النبوي في وصفه سيفاً من سيوف الله.(٧) الظعينة: المرأة المسافرة في الهودج على ظهر البعير، و الظعينة في الأصل: اسم للهودج.стр. 376
لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْبَيْتَ الْأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى وَآلِ كِسْرَى فَيَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ، إِذَا هَلَكَ كِسْرَى، فلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ، فلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ (١) ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطوف بصدقته، فلا يجد من يقبلها منه" (٢) .
وقال: "إنكم تلقون بعدي اختلافاً وفتنة"، فمر عثمان بن عفان ﵁ فقال ﵊: " يقتل فيها هذا يومئذ مظلوماً، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى، عليكم بالأمين وأصحابه" وهو يشير إلى عثمان بذلك. وقال لعثمان لما كلمه وضرب منكبه: (يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه حتى تلقاني) يقول ذلك ثلاث مرات (٣) .
وقال لنسائه وفيهن عائشة ﵅: (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟) (٤) .
وقال: الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ، سَلَامَةُ الرَّجُلِ فِي الْفِتْنَةِ أَنْ يَلْزَمَ بَيْتَهُ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، ويح عمار، تقتله الفئة الباغية (٥) . الحواشي
(١) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغيره من الْعُلَمَاء: مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ كِسْرَى بِالْعِرَاقِ، وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ كَمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ ﷺ فَعَلَّمَنَا ﷺ بِانْقِطَاعِ مُلْكِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ.(٢) وقد وقعت هذه الأمور، فقال عدي: "فهذه الظعينة تخرج من الحيرة، فتطوف بالبيت في غير جوار، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز". ففي خلافة عمر بن الخطاب ﵁ تم فتح بلاد فارس (إيران). وقد سمح للمرتدين التائبين بالاشتراك بالفتوح في زمن خلافته بعد ثباتهم على الدين وحسن إسلامهم. واتجه عمرو بن العاص ﵁ إلى بيت المقدس فحاصرها، واشترط سفرونيوس بطريق المدينة أن يتولى الصلح الخليفة عمر ﵁ بنفسه ليكون أوكد، فقدم عمر بنفسه إلى الجابية وكتب كتاب الصلح للقدس، وسلمت مفاتيحها إليه. ثم تم فتح مصر التي كانت مصدر تموين القسطنطينية عاصمة الروم. وساعد القبط المسلمين بإصلاح الطرق وإقامة الجسور وإمدادهم بالمؤونة، وكان اضطهاد البيزنطيين لهم دينياً وإجحافهم لهم بالضرائب، وصورة الحرية الدينية التي أتاحها المسلمون لنصارى الشام جعلتهم يرحبون بالمسلمين.
وقد غلبت الدولة الإسلامية في عهده الفرس والروم وحررت الهلال الخصيب ومصر، ومصرت الكوفة والبصرة والفسطاط، ومازالت في صعود وامتداد. حتى اغتاله أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة وهو يؤم المسلمين في صلاة الفجر ليلة الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ للهجرة، بعد خلافة دامت عشر سنين وستة أشهر، وكان عمره ثلاثاً وستين سنة.
وفي عهد عمر بن عبدالعزيز ﵀ عمّ الخير أرجاء بلاد المسلمين حتى أنهم لم يجدوا من يقبل الصدقة.(٣) في خلافة عثمان ﵁ اتسعت الفتوح واهتم المسلمون ببناء الاسطول البحري مستفيدين من خبرة سكان الاسكندرية، وتمكن الأسطول الاسلامي من إحراز نصر على أسطول الروم في موقعة ذات الصواري في البحر المتوسط على مقربة من الاسكندرية سنة(٣٤) هـ وقد استولى المسلمون على بعض سفن الروم فأضافوها إلى أسطولهم. وتوجه عقبة بن نافع الفهري إلى بلاد النوبة السودان لكنه لم يتمكن من التوغل فيها، ثم صالحهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وتبادل معهم الهدايا.
وتعتبر فتنة مقتل الخليفة عثمان ﵁ من أخطر الأحداث التي مرَّت بها الدولة الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة، وأصلها أن ابن سبأ يهودي من صنعاء ادعى الإسلام في خلافة عثمان، وقام ببثِّ الدعاية ضده في الحجاز والعراق والشام ومصر وكان الولاة إذا أحسوا به طردوه إلى بلد آخر. فتبادل أشياعه الرسائل التي يوضحون فيها تذمرهم وشكاواهم من عمال عثمان، وكانت هذه الرسائل تقرأ في الأمصار المختلفة، فتثير الفتن، وينشأ عند العامة تصور للسوء والفوضى والظلم الذي انحدرت إليه الدولة!! وكان ابن سبأ وراء الوفود المصرية والعراقية التي قدمت المدينة وحاصرت دار عثمان وقتلته.
ومما أثاروه من القضايا الدينية قضية تدوين المصحف واعتماد النسخة المدونة وإحراق ما سواها من النسخ. وقد كان عثمان استشار واستفتى كبار الصحابة في جمع الناس على مصحف واحد، حتى لا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف. فقالوا: فنعم ما رأيت. وتم جمع القرآن في مصحف واحد بإشراف الصحابة وتأييدهم.
ومن المسائل التي أثيرت ضد عثمان ﵁ بعد مقتله وتبناها الخوارج عدم شهوده بدراً وعدم ثباته يوم أحد وعدم اشتراكه في بيعة الرضوان، فقد سأل أحد الخوارج- قيل أنه العلاء بن عرار- عبد الله بن عمر ﵄ في المسجد الحرام بمكة عن مواقف عثمان هذه، فبَّين له ابن عمر ذلك معللاً بأن عدم شهود عثمان بدراً كان بأمر النبي ﷺ لمرض زوجته رقية، وأنه وعده: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه"، وأما فراره مع الفارين يوم أحد فقد عفا الله عنهم جميعاً، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلأن النبي ﷺ أرسله من الحديبية إلي مكة رسولاً، ووقعت البيعة بسبب حجز قريش له، وضرب النبي ﷺ بيده وقال: "هذه لعثمان" وبذلك قطع ابن عمر على الخارجي سبيل التلبيس على الناس بأمور لا يعلمون حقيقتها.
وتكلم جماعة من " قراء أهل الكوفة " بكلام قبيح في مجلس سعيد بن العاص (أمير الكوفة من جهة عثمان) فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد خرج إليك قراء من أهل الكوفة، فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم.
فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم، واجتمع بهم، ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد، فأجاب متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله ﷺ والثناء عليه، والصلاة والتسليم، فإذا هم يتمادون في غيهم، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده، ونفاهم عن الشام لئلا يشوشوا عقول الطغام، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش، كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه من نصرة الدين وقمع المفسدين، وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب. وكانوا يشتمون عثمان، وسعيد بن العاص، ثم تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان، " وكان جمهورهم من أهل الكوفة "، وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألبوا عليه، ونالوا منه ومن عثمان، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل، وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة، وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه، وأغلظوا له في القول، وطلبوا منه أن يعزل عماله، ويستبدل أئمة غيرهم من السابقين ومن الصحابة، حتى شق ذلك عليه جداً، وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة. فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، وتألف قلوب أولئك بالمال، وأمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور. ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص، ولبسوا السلاح، وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان، ويولي عليهم أبا موسى الأشعري، وكان اجتماعهم بمكان يقال له: الجرعة، وقد قال يومئذ الأشتر النخعي: "والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا"، وتواقف الناس بالجرعة، وأحجم سعيد عن قتالهم وصمموا على منعه، فرجع سعيد بن العاص إلى المدينة، وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري بذلك، فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعاً لعللهم.
ومما أثير ضد الخليفة أنه أتمَّ الصلاة بمنى أواخر خلافته خلافاً لسنة النبي ﷺ وعمل أبي بكر وعمر. وكان عثمان يتأول ذلك ويرى أن له حكم المقيم كذلك كانت عائشة ﵂ تتم الصلاة بمنى، بل إن عبد الله بن مسعود فعل ذلك وهو لا يراه صحيحاً - فقهياً - لأنه لم يشأ أن يخالف فعل عثمان - وهو الخليفة الشرعي وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
وورد في كلام لعائشة ﵂ مع الثائرين ما يحدد أهم الانتقادات التي وجهوها إلى سياسة عثمان ﵁، قالت: "اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له، إنكم عتبتم على عثمان في ثلاث خلال، في إمارة الفتى، وموضع الغمامة- تريد الحمى- وضربه بالسوط والعصا. حتى إذا مصتموه- تريد غسلتموه - موص الثوب بالصابون عددتم عليه الفقر الثلاث، حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وان كان عثمان لأحصنهم فرجاً وأوصلهم للرحم".
وبعث عثمان إلى المعارضين علي بن أبي طالب ورجلاً معه فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يُقلب، والمحروم يُعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة. كتبوا ذلك في كتاب، وأن يرد ابن عامر على البصرة، وأبو موسي الأشعري على الكوفة.
وقد أثار وفد مصر عندما استقبلهم عثمان بالمدينة حمايته الحمى، فوضَّح لهم أن عمر حماه قبله لإبل الصدقة، وأنه زاد فيه لما زادت إبل الصدقة.
وكان الوفد المصري قد ناقش عثمان ﵁ في الأمور التي أخذوها عليه، ثم "أخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطاً، وأخذ عليهم إلا يشقُّوا عصاً ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين. فبينما هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم.
قالوا: مالك؟
قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.
ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر: أن يُصلِّبهم، أو يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا علياً فقالوا: ألم تر إلى عدوِّ الله، كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحلَّ دمه فقم معنا إليه.
قال: والله لا أقوم معكم.
قالوا: فلم كتبت إلينا؟
قال: والله ما كتبت إليكم كتاباً.
فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة.
فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا.
فقال: إنهما اثنتان، أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمليتُ ولا علمتُ. وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم على الخاتم.
قالوا: قد أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق وحصروه في القصر".
وكان عثمان ﵁ يترقب وقوع الفتنة، حيث أخبره النبي ﷺ بفتنة تقع له وأنه يستشهد فيها، وكان يخرج على المعارضين يحاججهم بالقرآن والسنة ويذكرهم بمواقفه في خدمة الاسلام والمسلمين: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما".
"ولما حُصِر عثمان أشرف عليهم فوق داره ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن أُحُداً حين انتفض قال رسول الله ﷺ : اثبت أُحُد، فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم. قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسرون، فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم. ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن، فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. وأشياء عدَّدها. فانتشد له رجال، وكان يخص بمناشدته الصحابة، ويلاحظ أن مخاطبته للثائرين كانت تُحدث أثراً مؤقتاً حتى انتشر النهيُ عنه بينهم مرةً وجعل الناس يقولون: مهلاً عن أمير المؤمنين. وقام الأشتر فقال: لعله لقد مكر به وبكم. فوطئه الناس حتى لقي من الأذى والشدة. وأشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم، ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه.
واتخذ عثمان موقفاً واضحاً وحاسماً بعدم المقاومة، وألزم به الصحابة، كما رفض عثمان ﵁ التنازل عن الخلافة، لأن النبي ﷺ قد أوصاه بقوله: "يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه حتى تلقاني ".
ولما قُتل ﵁ انتضح دمه على المصحف الذي كان يقرأ فيه فوق الآية (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم).(٤) قال قيس بن أبي حازم البجلي: "لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلاً نبحت الكلاب. قالت: أي ماء هذا؟ قالوا ماء الحوأب. قالت: ما أظنني إلا أني راجعة. إن رسول الله ﷺ قال لنا: (كيف بإحداكنَّ تنبح عليها كلاب الحوأب؟!). فقال لها الزبير: ترجعين!! عسى الله أن يصلح بك بين الناس". حيث كان طلحة والزبير وعائشة ﵃ قادة المطالبين بإنفاذ القصاص بقتلة عثمان مشترطين ذلك للدخول في طاعة علي الخليفة الجديد. وهذا النص يكشف عن أمور مهمة، منها ما هو من أعلام النبوة، حيِث أخبر الرسول ﷺ بأمر غيِبي فوقع كما أخبر، ومنها تردد عائشة ﵂ في المضي إلى البصرة، ومنها أن المعارضين كانوا يرغبون في الإصلاح بين الناس مع تصميمهم على إنفاذ القصاص بقتلة عثمان.
وكان علي بين تيارين قويين، فالمشاركون والمحرضون على قتل عثمان منهم حكيم بن جبلة العبدي زعيم الثوار البصريين، ومنهم عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر من زعماء الثوار المصريين، ومنهم مالك الأشتر النخعي من زعماء الثوار الكوفيين، ومنهم محمد بن أبي حذيفة الذي غلب على مصر، ومحمد بن أبي بكر، وكلهم لهم اختلاط بجيشه وتأثير على قبائلهم، وبعضهم ترك المدينة إلى الأمصار عقب بيعة علي، فلم يكن قادراً على إنفاذ القصاص مع اختلاف الناس عليه.
وكان التيار الآخر ممثلاً بطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين، وكانوا يضغطون بقوة لإنفاذ القصاص بقتلة عثمان، ويرون أن علياً قد تخلى عن القصاص. ولم يعذروه في سياسته التي تميل إلى إماتة الفتنة وتخطيها بتأخير إيقاع القصاص حتى يستتب له الأمر ويدخل في بيعته الناس جميعاً، وليتأكد من تحديد القتلة بأعيانهم، وقال: "والله لوددتُ أن بني أمية رضوا لنفلناهم خمسين رجلاً من بني هاشم يحلفون: ما قتلنا عثمان، ولا نعلم له قاتلاً". ولما مضت أربعة أشهر على بيعة علي دون أن ينفذ القصاص خرج طلحة والزبير إلى مكة ومنها جمعوا مؤيديهم الذين بلغ عددهم سبعمائة رجل وانطلقوا إلى البصرة مستهدفين القبض على القتلة من أهلها وإنفاذ القصاص فيها وقد بلغ عددهم عند وصولهم البصرة ثلاثة ألاف رجل، وذلك لالتحاق الناس بهم في الطريق إليها، وقد أنفق عبد الله بن عامر بن كريز ويعلى بن أمية أموالاً كثيرة في تجهيز هذا الجيش بمكة، حيث قدّم يعلى بن أمية وحده أربعمائة بعير. وكان معظم أهل البصرة يؤيدون إيقاع القصاص بالقتلة.
(موقعة الجمل)
وقد وصل المعارضون إلى البصرة، وغلبوا عليها، وألقي القبض على الوالي، ثم أطلق سراحه ليلتحق بعلي. واتجه المعارضون إلى بيت المال ودار الرزق فاعترضهم حكيم بن جبلة العبدي أحد الثوار المشاركين في حصار الدار بالمدينة، ومعه سبعمائة من قومه وجرت معركة قُتل فيها حكيم بن جبلة وسبعون من قومه كانوا قد شاركوا في حصار دار عثمان ﵁ بالمدينة.
وسيطر المعارضون بقيادة الزبير بن العوام على البصرة، وقوي موقفهم باستيلائهم على بيت المال، وفيه الذهب والفضة.
وأدرك علي ﵁ خطورة الموقف، وما يمكن أن يجرَّ إليه الخلاف من تمزيق الدولة الإسلامية، فعزم على إعادة المعارضين إلى الطاعة، واستنفر أهل المدينة للخروج معه فاجتمع معه حوالي سبعمائة رجل، وتثاقل عنه عدد من كبار الصحابة إذ رأوا أنها أحداث فتنة ينبغي عدم الخوض فيها. وقد اختص النبي ﷺ بعضهم بالتحذير من المشاركة في الفتن الداخلية، فاعتذروا لعلي بذلك.
وقد حاول عبد الله بن سلام أن يثني علياً عن عزمه على الخروج من المدينة إلى العراق، فقال رجال من حول علي: دعنا فلنقتله. فأجابهم: إن عبد الله بن سلام منا رجل صالح. كما حاول الحسن بن علي ثني أبيه عن الذهاب إلى العراق وهو يبكي لما أصاب المسلمين من الفرقة والاختلاف، لكن علياً رفض ذلك، وأصر على إعادة المعارضين له إلى الطاعة محتجاً ببيعتهم له بالمدينة.
ثم إن أبا موسى الأشعري والي الكوفة لعلي التزم موقف اعتزال الفتنة وحذر الناس من المشاركة فيها، فعزل علي أبا موسى الأشعري عن الكوفة وولى عليها قرظة بن كعب.
ولم يتأثر عمار بن ياسر بملامة أبي موسى الأشعري وأبي مسعود الأنصاري له لتسرعه في الأمر، بل صعد يوم الجمعة إلى المنبر وخاطب الناس قائلا: "أما والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي". وهكذا شهد لعائشة ﵂ بالجنة، وبصَّر الناس بأن هذا امتحان لهم من الله.
وكانت المواجهة بين علي من ناحية والزبير وأصحابه من ناحية أخرى قرب قصر عبيد الله، وجرت محاولات لمنع القتال قام بها المعتزلون للقتال، وخرج كعب بن سور ناشراً مصحفه، يُذكِّر هؤلاء، ويذكر هؤلاء، حتى أتاه سهم فقتله.
وكان الصحابي عمران بن الحصين أرسل إلى بني عدي رسولاً ينصحهم باعتزال الفريقين: "إني لكم ناصح، ويحلف بالله لأن يكون عبداً حبشياً مجدعاً يرعى أعنزاً في رأس جبل حتى يدركه الموت أحب إليه من أن يرمي في أحد من الفريقين بسهم أخطأ أو أصاب فأمسكوا". فأجابوا رسوله: "دعنا منك أيها الغلام، فإنا والله لا ندع ثقل رسول الله ﷺ لشيء أبداً".
وكان الناس يحددون موقفهم من الصراع بسؤال كبار الصحابة أحياناً، وقد تأتي الفتوى ضد مصلحة المفتي، فقد سأل مماليك بقبيلة ربيعة الزبير عن موقفهم: "مع من تكون العبيد؟ قال: مع مواليهم. قلنا: فإن موالينا مع علي. قال: فكأنما ألقمنا حجراً".
وقبل نشوب القتال بثلاثة أيام نصبت خيمة بين المعسكرين، التقى فيها علي وطلحة والزبير في محاولة لإيجاد حلَّ سلمي للموقف، كما أرسل علي عبدالله بن عباس إلى طلحة والزبير يسألهما: "هل أحدث ما يوجد السخط على خلافته، كحيفٍ في حكم، أو استئثار بفيء؟ أو في كذا؟ فقال الزبير: ولا في واحدة منها".
وقد أخفق الطرفان في التوصل إلى حلٍّ خلال الأيام الثلاثة، وعرض رجل على الزبير أن يغتال علياً بعد التظاهر بالالتحاق به، فرفض الزبير ذاكراً حديث: "لا يفتك مؤمن".
وفي اليوم الرابع حدث الالتحام بين الجيشين، وتؤكد رواية صحيحة أن جيش الزبير وطلحة هو الذي بدأ القتال، وأن علياً أصدر أمره بالقتال بعد صلاة الظهر، واستمر القتال ساعات "فما غربت الشمس وحول الجمل عين تطرف ممن كان يذبُّ عنه". ويتضح الموقف المأساوي أكثر فأكثر، فيشك الزبير وهو القائد الأول بشرعية الموقف ويلاحظ عظم المصاب واختلاف الناس فينصرف عن الميدان دون أن يقاتل، ولحق به عمير بن جرموز وآخران إلى سفوان فاغتالوه. وهكذا انتهت حياة القائد الأول، وتبعه القائد الثاني طلحة بن عبيد الله فقد رماه مروان بن الحكم بسهم فقتله فدفن على شط الكلأ. وأثخنت الجراح عبد الله بن الزبير فأخذ من وسط القتلى وبه بضع وأربعون طعنة وضربة.
"وقد قتل بشر كثير حول عائشة يومئذ، سبعون كلهم قد جمع القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر".
قال أبو رجاء عمران بن ملحان العطاردي: "لقد رأيت الجمل يومئذ كأنه قنفذ من النبل، ورجل آخذ بالخطام وهو يقول:
نحن بنو ضبة أصحاب الجمل. . . ننازل الموت إذا الموت نزل
والموت أحلى عندنا من العسل. . . نبغي ابن عفان بأطراف الأسل
وكانت عائشة على جمل أحمر في هودج أحمر، وقد تكلمت في المربد لاعنةً قتلة عثمان، فلما سمع علي ذلك لعن قتلة عثمان. وكان مؤيدوها "يهتفون بقتلة عثمان" فلما نقل ذلك لعلي قال: "اللهم أحلل بقتلة عثمان خزياً".
وارتفعت أصوات الدعاء في المعسكرين. . يقول الحارث بن سويد الكوفي: "لقد رأيتُنا يوم الجمل، وإن رماحنا ورماحهم لمتشاجرة، ولو شاءت الرجال لمشت عليه، يقولون: الله أكبر، سبحان الله، الله أكبر. وترتفع أصوات تؤكد سلامة موقف المقاتلين دينياً "ليس فيها شك"- أي لا يشكون في شرعية قتالهم للطائفة الأخرى- و "ليتني لم أشهد"- موقف الندم للشعور بأنها فتنة والشك في شرعية القتال- و "ما سرني أني لم أشهد"- مؤكداً على وضوح الرؤية الشرعية في القتال إلى جانب علي-". ويتساقط القتلى من الجانبين بلآلاف، وفقد جيش المعارضين قادته. . واشتد القتال حول جمل عائشة ﵂ فأمر عبد الله بن بديل بعقر الجمل لينتهي القتال، ثم نزل مع أخيها محمد بن أبي بكر الصديق فاحتملا الهودج حتى وضعاه بين يدي علي، فأمر به فأدخل في منزل- خباء- عبد الله بن بديل.
فلم ينشب أهل البصرة أن انهزموا، فصرخ صارخ لعلي: "لا يقتل مُدبر، ولا يدفف على جريح، ومن أغلق باب داره فهو آمن، ومن طرح السلاح آمن".
وأدرك الطرفان خسارتهم، وحلَّت مراجعة النفس محل الغضب، وفتَّت الندم قلوبهم، وذابت نفوسهم حسرة على ما حدث حيث التقى المسلمان بسيفيهما في فتنة داخلية اتضحت معالمها، ولم يتمكنوا من تجنبها، فمضوا لا يغالبون أقدارهم حتى انجلت عن صرعى من خيرة المسلمين من الطرفين، دون إنجاز لصالح دنياهم أو دينهم.
بل إن الألم والندم تملكا القادة خلال القتال، قال الحسن بن علي يصور الحالة النفسية لعلي ﵁: "لقد رأيته حين اشتد القتال يلوذُ بي ويقول: ياحسن لودِدتُ أني متُّ قبل هذا بعشرين حجة- أو سنة-".
ولما رأى علي محمد بن طلحة بن عبيد الله قتيلاً قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، أما والله لقد كان شاباً صالحاً" ثم قعد كئيباً حزيناً.
وقد زاره عمران بن طلحة بن عبيد الله بعد سنين فرحب به علي قائلاً: "إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله (إخواناً على سررٍ متقابلين).
وأعاد إليه أراضيه قائلاً: "أما إنا لم نقبض أرضكم هذه السنين ونحن نريد أن نأخذها، إنما أخذناها مخافة أن ينتهبها الناس". وكثيراً ماردَّدَّ هذه الآية وأظهر محبته لطلحة والزبير رغم اختلافهما معه.
وأما الابن الثالث لطلحة فقد بايع علياً بعد الجمل مباشرة ورجع إلى أهله وماله، واطمأن المعارضون فدخلوا إلى علي وبايعوه. وهكذا كان علي باراً بأخيه الذي خاصمه وقاتله متأولاً.
وأما نظرته للزبير بن العوام فقد عقب على مقتله بقوله: "بشر قاتل ابن صفية بالنار".
ولم تكن الحسرة على ما حدث تخص بعلي ﵁، فهذه عائشة ﵂ تقول: "وددت أني كنت غصناً رطباً ولم أسر مسيري هذا". وتقول:"وددت أني كنت قد ثكلت عشرة مثل الحارث بن هشام، وأني لم أسر مسيري مع ابن الزبير"، وتقول: إنه كان قدراً.
وكانت تترحم على قتلى الطرفين إذا ذُكروا، وقد ترحمت على طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وزيد بن صوحان، والأخير كان في صفِّ علي، فقال خالد بن الواشمة: يرحمك الله تترحمين عليهم وقد قتل بعضهم بعضا والله لا يجمعهم الله في الجنة أبداً!! قالت: أَوَلا تدري أن رحمة الله واسعة وهو على كل شيء قدير. فقال خالد: فكانت أفضل مني.
وسئل علي ﵁ عن أهل الجمل فقال: "إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم وقد فاؤا وقد قبلنا منهم".
وقال عمار لعلي يوم الجمل: ما ترى في سبي الذرية؟ فقال: إنما قاتَلْنا من قاتَلَنا- أي أنه استجاز القتال دفاعاً عن النفس لأن خصومه شرعوا في قتاله- قال عمار: لو قلت غير هذا لخالفناك".
وتتضافر روايات تؤكد أن النبي ﷺ أخبر علياً بما سيكون بينه وبين عائشة وأوصاه بها خيراً، فكانت أحداث الفتنة من أعلام النبوة التي تحققت في جيل الصحابة رضوان الله عليهم.(٥) أصاب المسلمون بلاء عظيم بسبب مقتل الخليفة عثمان ﵁، إذ كان المسلمون قد مرُّوا بانتقال السلطة سلماً بعد وفاة النبي ﷺ وبعد وفاة الصديق ﵁، لكنهم الآن أمام تجربة جديدة تمثلت باستخدام العنف في تغيير السلطة ونجم عن ذلك مقتل الخليفة، وبقاء المنصب شاغراً.
ثم إن جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار بايعوا علياً، وتبعهم الناس، وكانت بيعة علي بعد سبعة أيام من مقتل عثمان. وبقيت جماعات تطالب بالقصاص من قتلة عثمان.
وكانت أخطر قضية تواجه الخليفة الجديد هي مقاضاة قتلة عثمان وإنفاذ القصاص فيهم، وكان ابن عباس قد نبَّه علياً إلى خطورة الموقف قبل توليه الخلافة بقوله لعلي ﵄: "إن الناس سيلزموك دم عثمان". فقد كانت المأساة الدامية تملأ النفوس بالحزن والندم على عدم بذل الوسع في الذود عن الخليفة وإن كان ذلك يعني عدم التقيد بأوامر عثمان بالكفِّ عن القتال.
وكانت هذه الأحداث سبباً لمعركة صِفِّين بين جيش علي وجيش معاوية، حيث رأى معاوية أنه ولي دم عثمان، لأنه صار رأس بني أمية مكانةً، والأحاديث النبوية تدل على أن عثمان يُقتل مظلوماً، بل تذكر أن النبي ﷺ أوصاه بأن لا يخلع نفسه من الخلافة، ووصف الثائرين عليه بالمنافقين. وشهد الصحابي كعب بن مرة البهزي أمام معسكر معاوية بأن النبي ﷺ قال عن عثمان بن عفان: "لتخرجنّ فتنة من تحت قدمي هذا- أو من بين رجلي هذا-، هذا ومن اتبعه يومئذ على الهدى"، واذا كان المدافعون عن عثمان كانوا على الهدى خلافاً للثائرين عليه الذين سيكونون أصحاب ضلالة، فإن الموقف في نظر معسكر معاوية ينسحب عليهم ليصبحوا أصحاب الهدى ويصبح خصمهم على ضلالة وهكذا استحلوا القتال متأولين، ولم يتبين خطؤهم إلا بعد مقتل عمار بن ياسر في صفين ومقتل المخدَّج في النهروان.
وقد وصف أبو العالية الرفاعي المعركة بقوله: "لما كان زمن علي ﵇ ومعاوية، وإني لشاب القتال أحب إليَّ من الطعام الطيب، تجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان لا يُرى طرفاهما، إذا كبَّر هؤلاء كبرَّ هؤلاء، وإذا هلَّل هؤلاء هلَّل هؤلاء. قال: فراجعتُ نفسي فقلت: أي الفريقين أنزلُهُ كافراً، وأي الفريقين أنزله مؤمناً؟ فما أمسيتُ حتى رجعت وتركتهم".
ولم ينفرد أبو العالية الرياحي بالتردد والشك ثم التوقف عن القتال، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يُصرح بحقيقة مشاعره وهو يقف إلى جوار أبيه بيده الراية ويتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين: "مالي ولصفين!! مالي وقتال المسلمين!! لوددتُ أني مِتُّ قبله بعشر سنين أما والله على ذلك ما ضربتُ بسيف ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم". وعبد الله بن عمرو بن العاص عالم محدِّث، وتعتوره الشكوك- في صحة موقفه من الفتنة دون أن يحسم الأمر مع نفسه أولاً ثم في الميدان فقد أرغمه أبوه على الاشتراك مع الجيش الشامي مذكراً إياه بحديث: "أطع أباك مادام حياً" فاشترط أن يقف معهم ولا يقاتل، فهل نسي أن الطاعة بالمعروف؟. . . بالله كيف كانت حالة عامة الجند الإسلامي!! قاتل الله الفتن تدع الحليم حيرانا.
لم يكن الطرفان يكفران بعضهما، لكن بعض الجند المتحمس في جيش علي ﵁ كان يلعن ويكفر الشاميين، فلا يلقى من قادته إلا النهر والتوضيح "قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام. فقال علي ﵁: لا تسب أهل الشام جمعاً غفيراً، فإنَّ بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال".
وقال زياد بن الحارث الصدائي- صحابي شاهد عيان-: "كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمسُّ ركبته. فقال رجل: كفر أهل الشُام. فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحقَّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه".
ولم تكن بين الجيشين أحقاد، بل كان كل طرف ينافح عما يعتقده حقاً، فلا غرابة إذا قال شاهد عيان هو عبد الرحمن السلمي: "شهدنا صفين مع علي فكنا إذا توادعنا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء". ولا غرابة إذا ما صرح عبد الله بن عمرو بن العاص أمام معاوية، ورجلان يختصمان في قتل عمار بن ياسر كل واحد يزعم أنه قتله: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية" ويستغرب معاوية من هذا التصريح فيقول: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: أطع أباك مادام حياً ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل". وهكذا تتجلى الصراحة في الحق وتتخطى المعوقات من المجاملات والمواربات. . فقد كان الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص من أقوى الحجج على أن الحق مع علي وأن معاوية بغى عليه لكن معاوية تأول الحديث: "لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عله وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو يرجع فزعاً حتى دخل على معاوية. فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قُتل عمار. فقال له معاوية: قُتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه!؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤا به حتى ألقوه تحت رماحنا".
وقد أنقذ معاوية بتأويله للنص معنويات الجند الشامي، كما أنقذ معنويات قائده عمرو بن العاص الذي تبنى هذا التأويل بعد أن كان قد تملكته الرهبة، بل مضى يتأول حديثاً آخر كان يرويه: "إن قاتله وسالبه في النار. فقيل له: هو ذا أنت تقاتله؟ فقال: إنما قال قاتله وسالبه". أي أن النص مخصص بالقاتل الفعلي وحده وإذا نفع التأويل في إقناع الشاميين، فإن مقتل عمار أذكى حماسة العراقيين فقد بان لهم بمقتله أن علياً محق، وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل النبوة. ويبدو أن النصر لاح لهم بعد قتال شديد دام ثلاثة أيام بلياليها. وقد التزم كلُّ من الطرفين بأحكام قتال البغاة، قال أبو أمامة- ﵁: "شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون مُوَلِّياً ولا يسلبون قتيلاً".
وقال أبو فاختة: "حدثني جار لي قال: أتيت علياً بأسير يوم صفين، فقال لي: أرسله، لا أقتله صبراً، إني أخاف الله رب العالمين، أفيك خير؟ بايع. وقال للذي جاء به: لك سلبه".
وسئل علي ﵁ عن قتلى يوم صفين فقال: "قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية". أي أنه يرى نفسه ومعاوية مسؤولين عما حدث وهما يحاسبان على ذلك.
ويصف شاهد عيان هو الصحابي سالم بن عبيد الأشجعي موقف علي ﵁ فيقول: "رأيت علياً بعد صفين، وهو آخذ بيدي، ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنَّا في أصحاب معاوية!؟ فقال علي: إنما الحساب عليَّ وعلى معاوية".
(قصة وثيقة التحكيم)
لما طحنت المعركة ألوفاً من الجانبين، وكلَّ الباقون من القتال، تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة فأرسل معاوية رجلاً يحمل المصحف إلى علي ويقول له: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: إنا أولى بذلك بيننا كتاب الله. ويبدو أن معظم الجند العراقي جنحوا إلى التحكيم، لكن كثيراً من القراء أنكروا عليه قبوله بالتحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل.
وقد انشق المحتجون من القراء واعتزلوا جيش علي محتجين بأنه محا اسمه من إمرة المؤمنين. وقد مثل أبو موسى الأشعري علياً، ومثل عمرو بن العاص معاوية في اجتماع الحكمين بدومة الجندل، وحضر الاجتماع جمع من الصحابة فيهم عبد الله بن عمر. ورغم اعتزال ابن عمر الفتنة، إلا أنه كان يصرح بأن الحق مع علي فيقول: "ما آسى على شيء، كما آسى أني لم أقاتل مع علي ﵁".
ولعل من عوامل اختيار أبي موسى للتحكيم مهارته في القضاء وممارسته الطويلة في هذا الميدان في عهد النبوة وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
ولا يرجع فشل التحكيم إلى شخصية أبي موسى بل إلى صعوبة حل الخلاف وإصرار الطرفين على مواقفهما السابقة، وعدم حيازة المحكمين على قوة محايدة تنفذ القرار. ومما يوضح سلامة التحكيم وحياده نص الوثيقة التي أقرها، بما في ذلك التسامح في رفض عمرو بن العاص صيغة أول وثيقة التحكيم التي تشير إلى إمرة علي للمؤمنين، لأن الشاميين لم يبايعوه على ذلك.
ولا يبت نص وثيقة التحكيم في القضية بل يوضح الإطار العام الذي يحكم المباحثات ويوضح الهدف منها وهو الإصلاح بين الأمة وعدم ردها إلى الفرقة والحرب، ويحدد زمناً لانتهائها، كما يحدد مكان التحكيم وأنه متوسط بين الكوفة والشام والحجاز، واشترطا رضا الطرفين عمن يحضر المباحثات، أما الشهود فيختار كل طرفٍ شهوده، وتلتزم الأمة بنصره قرارات التحكيم، كما يلتزم بذلك الشهود.
وقد بقيت هذه الوثيقة محفوظة حيث اطلع عليها أبو اسحق الشيباني ووصفها بقوله: "صحيفة صفراء عليها خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها، وهما ختما علي ومعاوية ونقشهما- محمد رسول الله-".
وقد اجتمع الحكمان في دومة الجندل ولم يتوصلا إلى اتفاق، وكان معاوية حاضراً اجتماع الدومة، ولم يحضر علي، ولعل لتحركات الخوارج أثراً في ذلك، فخطب معاوية في الناس قائلاً: "من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال ابن عمر: فحللتُ حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيتُ أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدماء، ويُحمل عني غير ذلك، فذكرتُ ما أعد الله في الجنان". فبقيت الأوضاع على حالها، عليّ خليفة المسلمين، ومعاوية أمير الشام ولم يبايَع معاوية ﵁ بالخلافة إلا بعد استشهاد علي ﵁ على يد الخوارج، وكانت بيعته في بيت المقدس في شهر رمضان سنة(٤٠) هـ، بعد وصول خبر استشهاد علي ﵁.стр. 377
ظهور الخوارج وقتالهم
وتَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ، سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ (١) .
وكان ﵊ عَلَى المِنْبَرِ وَالحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، فقال: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» (٢) .
وروي (٣) عنه ﵊ أنه قال: "قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات" (٤) . الحواشي
(١) أي: كقطعة لحم تترجرج وتضطرب.
وقد حصلت موقعة النهروان بين جيش علي ﵁ والخوارج، فقد كان عدد القراء الذين اعترضوا على التحكيم في صفين أربعة آلاف، وكان عروة بن حدير التميمي (وهو عروة بن أدية) يقول: "أتحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله". وهذه المقولة صارت شعار الحركة الخارجية ولذلك سموا بالمحكمة كما سموا بالخوارج لخروجهم على الخليفة الشرعي علي ﵁، كما سموا بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء قرب الكوفة حيث انشقوا عن جيش علي العائد إلى الكوفة.
وهذا التطور الأخير جعل ابن عباس يستأذن علياً في محاورتهم في إحدى اجتماعاتهم الضخمة في حروراء، موضحاً لهم أن التحكيم نص عليه القرآن وأن محو لقب أمير المؤمنين من نص وثيقة الهدنة له سابقة من السنة في حادثة الحديبية، وأن قتال علي لمخالفيه دون أن يستحل أموالهم وأعراضهم هو الحكم الشرعي الصحيح، فرجع منهم ألفان بعد أن تبين لهم الحق.
وحاول زعماءهم أن يثنوا علياً عن إرسال أبي موسى الأشعري إلى التحكيم، وأن يقودهم لقتال أهل الشام، فأبى عليهم نقض العهد مع الشاميين: "فارقنا القوم فلا يجوز نقضه".
وأرادوا مبايعة أحد زعمائهم أميراً، فلم يقبلها أحد منهم، ثم قبلها عبد الله بن وهب الراسبي، وبذلك نكثوا بيعتهم لعلي، وذلك في العاشر من شوال سنة(٣٧) هـ، ونقضوا مبدأ "الخلافة في قريش" فصار من مقولاتهم جواز خلافة غير القرشي.
وقد خرج عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي بأتباعه إلى النهروان خفية، وفي هذه الفترة قتل الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت ومعه أم ولده، كما قتلوا آخرين، فقد صاروا يكفرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله. فسار إليهم علي ﵁ بجيشه في محرم عام(٣٨) هـ.
ونظراً لأن مناطق نشاط الخوارج التي تعرضت لضياع الأمن وقطع الطرق ضمن مسؤولية علي ﵁، فقد طلب من الخوارج تسليم القتلة لإقامة الحد عليهم، فأجابوه: كلنا قتلناه. وبذلك استحل علي قتالهم، وبيَّن لجنده أجر مقاتلهم، معتمداً على حديث: "يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". ثم قال علي معقباً: "لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل"، ثم ذكر لهم العلامات التي تنطبق على الخوارج مثل وجود المخدَّج فيهم "له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟! والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم؛ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله".
وقد أرسل علي اليهم الرسل يدعونهم، فقتلوا رسوله، وعبروا إليه النهر، فأمر بقتالهم. يقول زيد بن وهب الجهني: "لما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء". واشتبك الجيشان في معركة خاطفة وغير متكافئة، انتهت بالإجهاز على الخوارج رغم ما أبدوه من جلد وشجاعة، فقد أفناهم جيش علي الكبير دون أن يصيبوا منه إلا بضعة عشر رجلاً. ولم يعش من جيش الخوارج إلا الجرحى ومن فرَّ وهم عدد يسير.
واهتم علي بالتفتيش عن المخدج ذي الثدية حتى وقف عليه، فكان شاهدا على صحة موقف علي، وآية على ضلال الخوارج.
وقد عامل علي ﵁ الخوارج معاملة البغاة، فلم يكفرهم، ومنع جنده من تعقيب فاريهم، والإجهاز على جريحهم، ولم يسبهم ولم يغنم أموالهم، ولما قيل له: "يا أمير المؤمنين أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فمن هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم. وفي رواية: قوم بغوا علينا فنصرنا عليهم. وفي رواية: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا. وهكذا صرَّح بأنهم مؤمنون ليسوا كفاراً ولا منافقين. ونصح الأمة في التعامل معهم بقوله: "إن خالفوا إماماً عادلاً فقاتلوهم، وإن خالفوا إماماً جائراً فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالاً".
استشهاد أمير المؤمنين علي ﵁
وأمام الوهن والشقاق وضعف الطاعة في جيش علي لم يجد قوة تشد من أزره، وبيّنت خطبه الأخيرة مدى ما عاناه من الملل والألم إذ كان يقول: "اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملُوني فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم ووضع يده على لحيته". فكانت هذه الإشارة بأن ثمة من يسعى لقتله، أول إعلان عما بلغه من محاولة عبد الرحمن بن ملجم المرادي قتله، وكان قد حذَّر من التآمر لقتله "جاء رجل من مراد إلى علي- وهو يصلي في المسجد- فقال: احترس فإن ناساً من مراد يريدون قتلك".
ولما طعنه ابن ملجم في صلاة الفجر صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، لم يمت حتى أوصى بقاتله خيراً: "إنه أسير فأحسنوا نُزُله وأكرموا مثواه، فإن بقيتُ قتلتُ أو عفوتُ، وإن متُ فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".(٢) بعد اغتيال الخوارج أمير المؤمنين علي ﵁، تنازل ابنه الحسن بن علي ﵄ عن الخلافة لمعاوية ﵁، ليعيد الأمة إلى الجماعة بعد أن مرت بتجارب جديدة قاسية تركت آثاراً عميقة في مخيلة الجماعة لأجيالها المتلاحقة حتى الوقت الحاضر.(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده ٦٤٨، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، وأورده الألباني في السلسلة الصَّحِيحَة: ١١٧١، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف، لكنه حسن إسناد الحديث الذي جاء في صحيح ابن حبان(٦٧٤٢) بلفظ:"أما إن أمتك ستقتله، إن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه"، وأخرجه كذلك أبو يعلى(٣٤٠٢) وقال الشيخ حسين أسد: إسناده حسن.(٤) وكان معاوية بن أبي سفيان ﵁ قد دَعَا أَهْل الشَّامِ إِلَى الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِابْنِهِ يَزِيدَ فَبَايَعُوهُ، فتولى بعده ابنه يزيد، والحسين ﵁ لم يبايع يزيد بن معاوية، بل سعى لتصحيح خطأ توريث الخلافة، ودافع عن الشورى ومبادئ الإسلام الداعمة لحق الأمة في اختيار الأصلح لها، وخرج معه إلى مكة عبدالله بن الزبير وذهبا لأجل جمع الأتباع وحث المسلمين على الوقوف في وجه الانحراف الذي أحدث في نظام الحكم وقلبه من الشورى إلى الوراثة، واستنهض الهمم لتصحيح هذا الخلل الذي استجد في عالم الإسلام وبدأت رحلة الحسين لجمع الأنصار نحو تصحيح وإعادة نظام الشورى ومنهاج الخلافة الراشدة والمبادئ الكريمة، لا كما يزعم البعض من كونه خرج طمعاً في الحكم والسلطة لأنه ينبغي أن تكون فيه وفي ذريته.
وقد نصح الصحابة الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة، ولم يكن ذلك لأنهم يرونه خارجاً على الإمام؛ بل خشية عليه من خذلان أهل الكوفة وكذبهم في نصرته لما عرفوه عنهم، وقد حملت تعابير نصائحهم هذه المفاهيم. والصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا بالحجاز ومصر والعراق والشام والذين لم يتابعوا الحسين رضوان الله عليه، فلم ينكروا عليه، ولا أثّموه، لأنه مجتهد، وهو أسوة للمجتهدين به. يقول ابن خلدون: فتبين بذلك غلط الحسين، إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه، وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه، لأنه منوط بظنه، وكان ظنه القدرة على ذلك.
وقد ظن أن الناس يطيعونه وينصرونه في إصلاح الأمر وإعادة الشورى، فلما رأى انصرافهم عنه، طلب الرجوع إلى وطنه أو الذهاب إلى الثغر، أو إتيان يزيد، ولقد تعنّت ابن زياد أمام مرونة الحسين وسهولته وكان من الواجب عليه أن يجيبه لأحد مطالبه، ولكن ابن زياد طلب أمراً عظيماً من الحسين، وهو أن ينزل على حكمه، وحُقّ للحسين أن يرفض ذلك، لأن النزول على حكم ابن زياد لا يعلم نهايته إلا الله، ولربما كان حكمه فيه القتل، ثم إن هذا العرض إنما كان يعرضه رسول الله ﷺ على الكفار المحاربين أعداء الإسلام، والحسين ﵁ ليس من هذا الصنف بل هو من أفاضل المسلمين وسيدهم، ولهذا قال ابن تيمية: وطلبه أن يستأسر لهم، وهذا لم يكن واجباً عليه. والحقيقة أن ابن زياد خالف الوجهة الشرعية والسياسية حين أقدم على قتل الحسين ﵁. فالظالم هو ابن زياد وجيشه الذين أقدموا على قتل الحسين ﵁ بعد أن رفضوا ما عرض الحسين من الصلح. وأحاديث النبي ﷺ التي يأمر فيها بقتل المفارق للجماعة لم تتناوله، فإنه ﵁ لم يفارق الجماعة، ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى يزيد، داخلاً في الجماعة، معرضاً عن تفريق الأمة، ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك، فكيف لا تجب إجابة الحسين، ولم يقاتل وهو طالب الولاية، بل قتل بعد أن عرض الانصراف بإحدى ثلاث، بل قتل وهو يدفع الأسر عن نفسه، فقتل مظلوماً.
وقضى الله أن يكون مقتل قاتله عبيد الله بن زياد في نفس يوم عاشوراء بعد ست سنين من قتله للحسين، فقتله إبراهيم بن الأشتر في الحرب، وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير وبعث به ابن الزبير إلى علي بن الحسين.
وأما يَزِيدُ بْنَ مُعَاوِيَةَ فقد وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عفان ﵁ وَلَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا كَانَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ وَلَا كَانَ مِنْ الْمَشْهُورِينَ بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَكَانَ مِنْ شُبَّانِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَلَا كَانَ كَافِرًا وَلَا زِنْدِيقًا؛ وَتَوَلَّى بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى كَرَاهَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ وَرِضًا مِنْ بَعْضِهِمْ وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَكَرَمٌ وَلَمْ يَكُنْ مُظْهِرًا لِلْفَوَاحِشِ كَمَا يَحْكِي عَنْهُ خُصُومُهُ.
وَجَرَتْ فِي إمَارَتِهِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ: - أَحَدُهَا مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ ﵁ وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَلَا أَظْهَرَ الْفَرَحَ بِقَتْلِهِ؛ وَلَا نَكَّتَ بِالْقَضِيبِ عَلَى ثَنَايَاهُ ﵁ وَلَا حَمَلَ رَأْسَ الْحُسَيْنِ ﵁ إلَى الشَّامِ، لَكِنْ أَمَرَ بِمَنْعِ الْحُسَيْنِ ﵁ وَبِدَفْعِهِ عَنْ الْأَمْرِ. وَلَوْ كَانَ بِقِتَالِهِ فَزَادَ النُّوَّابُ عَلَى أَمْرِهِ؛ وَحَضَّ الشمر بن ذي الْجَوشَن عَلَى قَتْلِهِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ؛ فَاعْتَدَى عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَطَلَبَ مِنْهُمْ الْحُسَيْنُ ﵁ أَنْ يَجِيءَ إلَى يَزِيدَ؛ أَوْ يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ مُرَابِطًا؛ أَوْ يَعُودَ إلَى مَكَّةَ. فَمَنَعُوهُ ﵁ إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، وَأَمَرَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ بِقِتَالِهِ - فَقَتَلُوهُ مَظْلُومًا - لَهُ وَلِطَائِفَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. ﵃ وَكَانَ قَتْلُهُ ﵁ مِنْ الْمَصَائِبِ الْعَظِيمَةِ فَإِنَّ قَتْلَ الْحُسَيْنِ، وَقَتْلَ عُثْمَانَ قَبْلَهُ: كَانَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفِتَنِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَتَلَتُهُمَا مِنْ شِرَارِ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. وَلَمَّا قَدِمَ أَهْلُهُمْ ﵃ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَكْرَمَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ عَلَى قَتْلِهِ. وَقَالَ: كُنْت أَرْضَى مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ. لَكِنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إنْكَارُ قَتْلِهِ. وَالِانْتِصَارُ لَهُ وَالْأَخْذُ بِثَأْرِهِ كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فَصَارَ أَهْلُ الْحَقِّ يَلُومُونَهُ عَلَى تَرْكِهِ لِلْوَاجِبِ مُضَافًا إلَى أُمُورٍ أُخْرَى. وَأَمَّا خُصُومُهُ فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْفِرْيَةِ أَشْيَاءَ.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نَقَضُوا بَيْعَتَهُ وَأَخْرَجُوا نُوَّابَهُ وَأَهْلَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا؛ وَأَمَرَهُ إذَا لَمْ يُطِيعُوهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالسَّيْفِ وَيُبِيحَهَا ثَلَاثًا، فَصَارَ عَسْكَرُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ثَلَاثًا يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ وَيَفْتَضُّونَ الْفُرُوجَ الْمُحَرَّمَةَ. ثُمَّ أَرْسَلَ جَيْشًا إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَحَاصَرُوا مَكَّةَ وَتُوُفِّيَ يَزِيدُ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ مَكَّةَ وَهَذَا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ الَّذِي فُعِلَ بِأَمْرِهِ. وَلِهَذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسَبُّ وَلَا يُحَبُّ. لَا يُخَصُّ بِمَحَبَّةِ وَلَا يُلْعَنُ. فَيَزِيدُ عِنْدَ عُلَمَاءِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ. لَا يُحِبُّونَهُ مَحَبَّةَ الصَّالِحِينَ وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ؛ وَلَا يَسُبُّونَهُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُحِبُّونَ لَعْنَةَ الْمُسْلِمِ الْمُعِينِ. وَمَعَ هَذَا فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ ظَالِمًا فَاَللَّهُ يَغْفِرُ لِلْفَاسِقِ وَالظَّالِمِ لَا سِيَّمَا إذَا أَتَى بِحَسَنَاتِ عَظِيمَةٍ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِية مَغْفُورٌ لَهُ﴾ وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُمْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ مَعَهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ﵁.стр. 378
تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللهُ لَكُمْ، ثُمَّ فَارِسَ، فَيَفْتَحُهَا اللهُ لَكُمْ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللهُ لَكُمْ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللهُ لَكُمْ. النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد. (١) وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون (٢) . وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون (٣) . الحواشي
(١) الأمنة: الأمن والأمان. والمعنى أن النجوم ما دامت باقية، فالسماء باقية، فإذا انكدرت النجوم وتناثرت في القيامة، وهنت السماء فانفطرت وانشقت وذهبت.(٢) أي: من الفتن والحروب، وارتداد من ارتد من الأعراب، واختلاف القلوب ونحو ذلك مما أنذر به صريحا، وقد وقع كل ذلك.(٣) أي: من ظهور البدع، والحوادث في الدين، والفتن فيه، وطلوع قرن الشيطان، وظهور الروم وغيرهم عليهم، وانتهاك المدينة ومكة، وغير ذلك.стр. 379
تداعي الأمم الكافرة على المسلمين
بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ يَوْمَئِذٍ؛ الَّذِينَ يَصْلُحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ. إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ (١) ، وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ (٢) ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ (٣) . يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا (٤) ، أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ اللهُ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَيَقْذِفُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ: حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ.
إِنَّ اللهَ تَعَالَى زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَإِنِّي أُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ -يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ- ولَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ، بِعِزِّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمْ اللهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا. إِنِّي صَلَّيْتُ صَلَاةَ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا، وَيُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأسَ بَعْضٍ، فَمَنَعَنِيهَا، فَقَالَ لِي رَبِّي: "يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً، فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ جُوعًا فَأُهْلِكَهُمْ بِهِ، وَلَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا وَيَسْبِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي، لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، جُعِلَ عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا فِي دُنْيَاهَا، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ. رَأَيْتُ مَا تَلْقَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي وَسَفْكَ بَعْضِهِمْ دِمَاءَ بَعْضٍ، وَسَبَقَ ذَلِكَ مِنْ اللهِ تَعَالَى كَمَا سَبَقَ فِي الْأُمَمِ، فَأَحْزَنَنِي وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُوَلِّيَنِي فِيهِمْ شَفَاعَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَفَعَلَ. الحواشي
(١) العينة: بيع ربوي، حيث يبيع البائع شيئاً للمشتري بثمن مؤجل ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بثمن أقل. وترك الربا من أسباب والنجاح، وتعزى نهضة ألمانيا واليابان الاقتصادية بعد أن دمرتها الحرب العالمية الثانية، إلى أن الناس فيهما لم يقرضوا أموالهم للبنوك باسم الإيداع، بل بنوا بها المدن والمصانع وغيرها.(٢) حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد.(٣) تلاشى مُلك بني أمية واضمحل لما تركوا سيرة عمر بن العزيز، وجعلوا الجعد بن درهم مربياً، وترجموا الفلسفات الوثنية، وأشغلوا الناس بالنقائض بين جرير والفرزدق، وأشاعوا الغناء في الحجاز، وصدق بعضهم الدعوى الزائفة التي قالها المنافقون والمبتدعة من أن طاعتهم واجبة في كل شيء، كما علل قائد الثورة عليهم (أبو مسلم الخراساني) سبب ذهاب ملكهم بأنهم أبعدوا الصديق وقربوا العدو، وقال ذلك للمنصور العباسي. وعلى ضعف تمسك المسلمين بدينهم وميلهم للدنيا وتركهم لأسباب القوة والجهاد وتفرقهم في فترات مضت؛ سقطت خلافتهم التي أنارت قلب العالم ونشرت العلم والمعرفة في عصور ظلمات أوروبا، ثم قامت على إثرها الحضارة الغربية التي اكتسبت من علوم ونبوغ المسلمين وأنظمتهم إلا أنها مزجتها بآفات العنصرية وابتدأت بالتطهير العرقي والتفنن في التعذيب وإقامة محاكم التفتيش في الأندلس (إسبانيا) وإبادة غير النصارى وسلبهم. وظهر فيها نظام الطبقية والاستئثار والعنصرية والحروب النووية المدمرة، ونوادي العراة وزواج المثليين. وفي أمريكا تقع الجرائم الكبيرة في كل وقت تقريباً، وذلك من تأثير أفلام الرعب وأفلام الجنس التي تقدمها هوليود وغيرها. وتعاني أوروبا من تفكك لغوي وتفكك عرقي وبيئة شتائية قاسية. وتجبر الولايات المتحدة الدول الأوروبية بأن تبور ١٥ % من الأراضي لكي تبقى أسعار قمحها على ما هي عليه. ومن آفات الحضارة الغربية نشر المسكرات والمخدرات، وأكل الخنزير وهو حيوان مستقذر يأكل العذرة وينشر الأمراض، ويسبب الدياثة. وله دهون ضارة، وحذرت من أكله وزارة الزراعة الأمريكية، وقال الدكتور "جايلورد هاوزر" الملقب زعيم التغذية في العصر الحديث: "لا يدخل الخنزير في أي نظام صحي". أما المسلمون فلا يأكلون الخنزير ولا المستقذرات، في حين تأكل بعض الشعوب الشرقية -كاليابانيين-: الصراصير والخنافس، وبعضهم يأكل البراز.
ومما يناقض الحرية المزعومة في بعض الدول الغربية منع المرأة المسلمة من لبس الحجاب أو لبس البوركيني. وكذلك يمنعون انتقاد عربدة اليهود وإفسادهم وإرهابهم وظلمهم واحتلالهم ونهبهم ويصنفون ذلك بأنه بغض للسامية ونشر لخطاب الكراهية، مع أن النصارى تاريخياً هم الذين اتهموا اليهود أنهم سبب الوباء الأسود، وسويسرا البلد الذي يصفونه بالحياد وليس فيه إلا ثلاث مآذن فقط؛ ومع ذلك صوّت أكثر شعبه لمنع بناء المآذن. ويطالب الغرب البلاد الإسلامية بمنح الأقليات -ويعنون الروافض والمرتدين-حقوقهم، في حين أنهم لا يعطون المسلمين ولا (المورمن) حريتهم ولا اللاتينيين الكاثوليك ولا الإميش!!
وشريعة المسلمين وعقيدتهم وأخلاقهم أعلى من الغرب الذي ينبغي أن تكون لديه عقدة النقص لتثليثه ودياثته وخرافاته وتحيزه لليهود. والغربيون المتشدقون بحقوق الإنسان يتغاضون عن مآسي المسلمين في تركسان من قبل الصينيين، وعن مآسي المسلمين في بورما من قبل البوذيين، وعن مآسي المسلمين في فلسطين والعراق وسوريا وغيرها. وكل ما يوافق الإسلام ويعارض المصالح الأمريكية يتم وضعه في قائمة الإرهاب.
وفي الغرب أكثر من ١٤٠٠ تنظيم متطرف، منها: النازيون الجدد وحليقو الرؤوس والذئاب الغبر، والألوية الحمراء، والصليبيون الجدد، وأصحاب القمصان الزرق، وفيها العديد من المنظمات والحركات السرية الهدامة كـ "الصليب الوردي" و "اليسوعية" و"أصحاب الأيكة" و"البناي برث" ونوادي "اليوغا".
وأما تنظيم داعش الذي ينسبونه للمسلمين فهو تنظيم عميل مصنوع، شهد بذلك الرئيس الأمريكي ترمب حيث قال: "إن الذي صنع داعش هو: أوباما"، وقالت هيلاري كلينتون إن الذي صنع داعش هو:"أمريكا"، وقال السيناتور الأمريكي جون ماكين: إن الذي صنع داعش هو: "بشار". فهم جميعاً متفقون على أن (داعش) مصنوعة وليست تنظيماً حقيقياً، وإنما يختلفون فيمن صنعها ويقف وراءها.
وقد اجتاحت الاشتراكية نصف الكرة الأرضية تقريباً، سافكة دماء ٨٠ مليوناً من البشر، وفق إحصاءات إعادة البناء (البرستوريكا) ثم سقطت في النهاية مستسلمة للرأسمالية اليهودية. ويركز الغرب على اتهام هتلر بالإبادة لأنه قتل اليهود، ويتغاضون عن إبادات "ستالين" و"روزفلت" و"تشرشل" و"ماوتسي تونغ". والأمريكيون أبادوا وقتلوا بوحشية المدنيين بتدمير دوسلدورف الألمانية ودمروا هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية، ودمروا الصومال والعراق وأفغانستان وغيرها.
والدول الغربية تنحاز دائماً للصهاينة وتعمل على إنهاك اقتصاد الدول الإسلامية وتفتعل قضايا الإرهاب وتشغل المسلمين بها عن الإرهاب الحقيقي وهو الإسلاموفوبيا، وأمريكا تصرح في مناسبات كثيرة وعبر عقود طويلة بأن الاعتدال هو الاعتراف بإسرائيل واحتلال الصهاينة، وأن التشدد هو رفض ذلك. وتظهر عدوانية الغرب للمسلمين في الحروب الصليبية والاستعمار العسكري ونهب الثروات والغزو الفكري والسلوكي وتدبير الإنقلابات على الحكومات الإسلامية المنتخبة ودعم الإنقلابيين الذي يوالون الغرب وينفذون مخططاته بإضعاف التدين ونشر الثقافة الغربية ونبذ التعامل بالتقويم الهجري في البلاد الإسلامية وتقديم الأفضلية للغات الأجنبية على العربية. إضافة لسعيهم المستمر في تدبير الحروب الاقتصادية وإبقاء هيمنة الدولار الذي أصبح ورقاً ولم يعد له أي تغطية حقيقية، ومنع الدول الإسلامية من التفوق العسكري أو الاقتصادي. وقد اجتهدوا في محاربة الإعلام الإسلامي المحافظ والمستقل وإغلاق العديد من قنواته، ودعم الإعلام المنحل دينياً وثقافياً. وعمدوا لتشويه ومحاربة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمعات المسلمة، والضغط على الحكومات الإسلامية لتقليص تحكيم القضاء الإسلامي إلى تحكيم القوانين الوضعية المخالفة، وتغيير المناهج التعليمية بما يوافق الأهواء الغربية، وفرض الفساد الأخلاقي والانحلال الفطري باسم الحرية والترفيه ومقاومة ما يسمونه: التشدد والوصاية.
وجاهدوا كذلك لتقليص المشاريع الإسلامية الخيرية الداعمة للعمل الخيري الإغاثي وفرض مراقبة حساباتها واتهامها والضغط لإغلاق الكثير منها. وتجريم الجهاد المشروع ومقاومة الاحتلال والعدوان كما في فلسطين وتصنيفه إرهاباً، ومحاولة عزل احتلال فلسطين والمسجد الأقصى عن بقية المسلمين وجعله مجرد قضية بين دولتين. ومسخوا العلاقات الدولية المعاصرة لتقوم على المصالح المادية للدول وليس على الحق والمبدأ. وجعلوا حق النقض "الفيتو" حكرا على الدول التي هزمت "هتلر"، ولم يغيروا ذلك منذ عقود وهو ظلم لبقية شعوب الأرض ومما يطالب الأكثر بتعديله في ميثاق الأمم المتحدة. وينادي الغربيون بمبادئ ومعايير غير منضبطة لديهم ويفسرها كل منهم على ما يهوى، ومن أمثلة ذلك: الحشمة والاعتدال والمعقولية والترشيد والشفافية والعدالة الانتقالية، والإرهاب. واستخدموا قوة الإعلام في التلاعب بالمصطلحات؛ فيسمون احتلالهم "مطلباً حكومياً"، ويسمون حربهم على الإسلام "مكافحة الإرهاب"، ويسمون إقصاء المنتخبين "قضاءً على الديكتاتورية"، ويسمون دعمهم للصهاينة "نشراً للديمقراطية"، ويسمون غزوهم لبلاد المسلمين "تحريراً"، ويسمون الدياثة "تطوراً"، ويسمون الهيمنة الاقتصادية "استثماراً"، ويسمون احتكارهم "تسويقاً"، ويسمون النهب "تنمية". وقد قال كبير فلاسفة القرن العشرين "برتراند رسل": "إن نظامي روما وموسكو -يعني الرأسمالية والشيوعية- لم يجلبا للبشرية إلا الدمار".
أما دين الإسلام الحق فقد علّم الإنسان أنه يؤدي ما عليه قبل أن يطالب بما هو له، وأن يحرص الفرد على الوصول إلى الحق سواء كان له أو عليه، وبالإسلام يسعى المجتمع إلى التراحم والتكافل والتواصل بدلا من التناحر والتنافس، ويخلص كل موظف في عمله ويتقنه ولو ضعفت الجهات الرقابية أو عُدمت أو تحيزت، ويأمن المجتمع ويطمئن، ويضع حداً لسعار الشهوة وتطور الجريمة والفساد، وينعم الناس بالإخوة الإيمانية ويتجنبون مهالك النعرات الجاهلية والتمزق الحزبي والقبلي، وبالدين ينقاد الشريف للوضيع في النسب كما انقاد كبار قريش لابن أبزى مع أنه مولى، وبالدين يجمع بين دولة العقيدة ودولة الرفاهية أي خيري الدنيا والآخرة، وعليه لو لم يكن الإسلام الحنيف بين أيدينا لكان الواجب أن نبحث عنه في أي مكان ونشتريه بأي ثمن ونستمسك به؛ لأنه يحقق السعادة والعدالة والأمن والرخاء. و (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).(٤) الأكلة: جمع آكل. والقصعة: وعاء يؤكل فيه. والمعنى أن الكفرة يدعوا بعضهم بعضاً للأخذ من بلاد المسلمين بلا مانع ولا منازع، فيأكلونها عفوا وصفوا، ويأخذون ما في أيدي المسلمين بلا تعب ينالهم، أو ضرر يلحقهم، أو بأس يمنعهم. يقول الله جل وعلا: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
ومن المهم أن يعرف المسلم كيف اجتمع اليهود والنصارى على حرب المسلمين مع أن اليهود والنصارى كانوا يعادون بعضهم البعض؟!
فاليهود ملعونون في الإنجيل عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، وعند النصارى فإن أعظم جرائم اليهود ليست مجرد الكفر بالله وشتم المسيح واتهامه بالسحر والكذب وشتم أمه واتهامها في عرضها وقتل الأنبياء وإنكار التثليث وتضليل النصارى والوعد بقتلهم فقط؛ بل يرون أعظمها: قتل ربهم المسيح (كما يزعمون)!!! (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ).
وهكذا ظلت العداوة لا تنطفئ بين الطائفتين -اليهود والنصارى-، واستمرت الكنيسة البابوية التي مقرها روما في لعن وعداوة اليهود، وقامت حملات عارمة تزعمها البابا لتنظيف المجتمعات الأوروبية من اليهود، وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر استمرت حملات التنظيف؛ فنظفت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكثير من دول أوروبا من اليهود؛ لأنهم يرونهم أخطر خلق الله وأكثرهم شرّاً -وهم كذلك-.
ومن جحيم أوروبا في عصور ظلماتها لجأ اليهود إلى كنف الأندلس وآواهم المسلمون، وبعدما احتل النصارى مدريد الإسلامية وشنوا حربهم الإبادية الشاملة على المسلمين في الأندلس شمل ذلك اليهود معهم؛ فلجئوا إلى الولايات التركية وخاصة اليونان.
ثم لما ظهرت الحركة البروتستانتية النصرانية ابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفساً لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه وضرب النصارى بعضهم ببعض؛ فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها، والبروتستانت: هي الطائفة النصرانية التي تحتج على البابا - زعيم الكاثوليك -، وتخرج عليه وتؤمن بأن البشر لا يتوسطون بين الناس وبين الله، وقالوا: إن على كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس مباشرة ويطبقه مباشرة، وترفض احتكار رجال الكهنوت لتعليم الدين وتفسير الإنجيل، وقد تأثروا في ذلك بالمسلمين إبان الحروب الصليبية؛ إذ رأوا أن المسلمين يتعاملون مع كتاب الله مباشرة، ولا يتوسط أحد بينهم وبين الله .
والذي حدث في أوروبا أنه بعد ظهور هذه العقيدة بدأ الناس يرجعون إلى الأصول التوراتية اليهودية المحرفة، وقام مارتن لوثر صاحب حركة البروتستانت بترجمة التوراة المحرفة إلى اللغة الألمانية، وكذلك الإنجليزية، وقد انتشرت الحركة البروتستانتية أكثر ما انتشرت في ألمانيا وبريطانيا وآمن هؤلاء بحرفية الكتاب المقدس وعصمة التوراة المحرفة، وأن كل حرف في التوراة المحرفة هو حق من عند الله، فآمنوا به وبضرورة تحقيقه، وأعرضوا عن تفسيرات البابا ورجاله للعلاقة مع اليهود.
وقد خرج النصارى البروتوستانت من أوروبا بروح التدين التوراتي المحرف، فلما دخلوا أمريكا تفاءلوا بأن هذا خروج كخروج بني إسرائيل من التيه ودخولهم إلى الأرض المقدسة، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة المحرفة، واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشرى بشرهم الله بها في الدنيا، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي، وكان ذلك من آثار استغلال اليهود الكتاب المحرف الذي يؤمن به اليهود والنصارى معاً، وهو القسم الأول من الكتاب المقدس الذي يتكون من قسمين يسمون كلا منهما عهداً، فالأول هو العهد القديم وهو التوراة التي تشتمل على النصوص المحرفة التي تمجد اليهود والمتناقضة مع ما في الإنجيل من لعن اليهود وعداوتهم، والآخر هو العهد الجديد وهو الأناجيل والرسائل المحرفة.
ولذلك يتعاون اليهود والنصارى على حرب الإسلام والمسلمين، ومن الناحية السياسية يتفقون على أهمية إقامة دولة موالية للغرب في قلب العالم الإسلامي بعد سقوط الخلافة تقوم بإثارة المشاكل وإشغال دول المسلمين وإضعافهم دينياً وفكرياً واقتصادياً وتفصل مشرقهم عن مغربهم وتعمل على عدم اتحادهم حتى لا تعود الخلافة الإسلامية من جديد.
وقد تعهد اليهود أن يقوموا بهذه المهام مقابل دعم النصارى لهم لتحقيق المصلحة للطرفين. كما يتفق اليهود والنصارى أيضاً من الناحية العقدية على أن قيام دولة إسرائيل وتجمّع بنى إسرائيل في فلسطين هو تمهيد لنزول المسيح المنتظر الذي يحالفه النصر ويحكم العالم ويقضي على أعدائه، كما يفسره كل منهما، وأنه ستكون هناك حرب لا هوادة فيها ببلاد الشام وهي (معركة هرمجدّون).
لكنهم يختلفون في من هو هذا المسيح المنتظر؟؛ هل هو عيسى ابن مريم كما يؤمن النصارى وأنه سيقتل اليهود والمسلمين؟ أم هو ملك يهودي من نسل داود (المسيح الدجال) كما يزعم اليهود وأنه سيقتل النصارى والمسلمين؟!
ويعتقد كل من الطائفتين أنه سينتصر بقيادة المسيح الذي ينتظره ويفني الآخرين تماماً!!.
واليهود (كتبت عليهم الذلة إلا بحبل من الله وحبل من الناس) وهم بحاجة إلى من يساندهم من الناس، ولذا ابتدع حاخامات صهيون حيلة أقرهم عليها قادة الإنجيليين النصارى وهي تأجيل الخوض في نتيجة (معركة هرمجدون) التي ينتظرها كل منهما ليهلك الآخر، وأن تظل هذه المسالة معلقة تماماً ولا يتم التطرق لها، وأن يكون التعاون بينهما على مبدأ التهيئة لنزول المسيح المنتظر بإقامة دولة تجمع بنى إسرائيل في فلسطين، فإذا نزل المسيح فعندها يُرى؛ أهو مسيح اليهود أم مسيح النصارى. لأن الخوض في نتيجة المعركة حالياً ليس من مصلحة الطائفتين معاً!! لكن المصلحة المحققة لهما تكون بأن يعملا سوياً للقضاء على العدو المشترك لهما وهو (المسلمون)!!
وهم يسعون بجهود حثيثة سياسياً وعسكرياً إلى إخضاع بلاد العرب والمسلمين للرهبة اليهودية العسكرية، وفرض الحماية الغربية على المنطقة، ثم من خلال ما يسمى بمنظورهم (عملية السلام) مع العرب؛ يسعون إلى التضييق على الدعوة الإسلامية وتغيير المناهج الإعلامية والتعليمية لمحو كل ما يثير العداء نحو اليهود، وفرض السيطرة المالية الاقتصادية ونشر الثقافة اليهودية والنصرانية ونهب ثروات المنطقة النفطية والمائية وإفساد المنطقة أخلاقياً عن طريق السياحة والآثار والترفيه، وفتح الباب لغزو الجاسوسية لأماكن ما كانت تحلم بها من قبل.стр. 380
دعوة الكفار وقتال المعتدين
إذا لقيتم العدو فادعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية، فإن أعطوا وإلا فقاتلوهم، وإنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة (١) . (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ. الحواشي
(١) من أخلاق المسلمين في الحرب: عدم قتل من لم يقاتل كالنساء والأطفال والرهبان وكبار السن والمدنيين، والوفاء بالعهود، والصدقة على الأسير، ومنع التعذيب، وتخيير الطرف الآخر قبل قتاله والنبذ إليه. والمسلمون الأوائل مع قلة العدد والعدة وفي نحو ربع قرن طبقوا الإسلام وشريعته العادلة وجاهدوا في سبيل الله ونشر دينه وأسقطوا الامبراطوريتين الفارسية والرومية وأوقفوا ظلمها واستبدادها ونشروا فيها العدل والمعرفة والقوانين والأنظمة العادلة تأكيداً للمفهوم الإسلامي (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟) وأن البقاء للأتقى، وليس للأقوى كما يزعم داروين.
وحكم عمر بن عبد العزيز لأهل سمرقند لما علم أن قتيبة بن مسلم الباهلي دخل مدينتهم غدراً. وأنكر عمرو بن عبسة على معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن يهاجم الروم قبل أن ينبذ إليهم. وأنكر أبو عبيدة أن يقام أهل الذمة في الشمس. بل قال امبراطور بيزنطي للسلطان محمد الفاتح: "لأن أرى العمائم العثمانية أحب إلي من أن أرى الصلبان البابوية". وقد شهد المؤرخ الفرنسي الشهير غوستاف لوبون بقوله:"ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب" يعني: المسلمين. ومن عدل المسلمين أنهم فرحوا بانتصار الروم النصارى على الفرس المجوس لأن النصارى أهل كتاب، كما كتب شيخ الإسلام ابن تيمية لملك قبرص يحثه على إطلاق أهل الذمة مع المسلمين. وفي المقابل فرح النصارى بانتصار المجوسي "جنكيز خان" على المسلمين، وتحالفوا مع "هولاكو ضد المسلمين.стр. 381
بقاء طائفة منصورة من المجاهدين
لَيَأرِزَنَّ الْإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا. لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتَلُ، سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فلَا خَيْرَ فِيكُمْ. لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَوَّامَةً عَلَى أَمْرِ اللهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ مَنْصُورِينَ لَا يَضُرُّهُمْ ولَا يُبَالُونَ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ نَصَرَهُمْ، حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ، يُزِيغُ اللهُ لَهُمْ قُلُوبَ أَقْوَامٍ فَيُقَاتِلُونَهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ اللهُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ ﵎ وَيَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵇، حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ (١) الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ. إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها. الحواشي
(١) قال مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ﵁: وَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ.стр. 382
أمور ستقع قبل قيام الساعة
وإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ صَنْعَاءَ -الْعَنْسِيُّ- وَمِنْهُمْ صَاحِبُ حِمْيَرَ، وَمِنْهُمُ الدَّجَّالُ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً. ولَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ وَيَأَجُوجَ وَمَأجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ (١) ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ (٢) ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ فَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، والشَّامُ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ (٣) .
أَسْرَعُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَنَاءً قُرَيْشٌ، وَيُوشِكُ أَنْ تَمُرَّ الْمَرْأَةُ بِالنَّعْلِ، فَتَقُولَ: إِنَّ هَذَا نَعْلُ قُرَشِيٍّ، كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي حِمْيَرَ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُ فِي قُرَيْشٍ وسَيَعُوُدُ إِلَيْهِمْ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ، لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ المَوَالِي يُقَالُ لَهُ الْجَهْجَاهُ (٤) . ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَنْقُصَ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ، وَتَتَقَارَبَ الْأسْوَاقُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَتَكُونُ الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَةِ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، يَخْرُجُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فلَا يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُهَا مِنْهُ، يَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ. كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا مَرِجَ الدِّينُ وَظَهَرَتْ الرَّغْبَةُ (٥) وَسُفِكَ الدَّمُ، وَظَهَرَتِ الزِّينَةُ، وَشَرُفَ الْبُنْيَانُ وَاخْتَلَفَ الْإِخْوَانُ، وَحُرِّقَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ! وَتَفْشُوَ التِّجَارَةُ، وَيَبِيعَ الرَّجُلُ الْبَيْعَ فَيَقُولَ: لَا، حَتَّى أَسْتَأمِرَ تَاجِرَ بَنِي فُلَانٍ. ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى (٦) ، وَحَتَّى يَبْنِيَ النَّاسُ بُيُوتًا يُوشُونَهَا وَشْيَ الْمَرَاحِيلِ (٧) ويَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ، إِذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ، الحواشي
(١) وروي حديث: "يَا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرُونَ أَمْصَارًا وَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ، فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا، أَوْ دَخَلْتَهَا، فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَّاءَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ أُمَرَائِهَا وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ بِهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ، وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ؛ يُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ". رواه أبو داود وصححه الألباني، ويرى بعض المحققين أنه لا يثبت رفعه، وأنه موقوف من قول عبدالله بن عمرو ﵁، ولكون أنس ﵁ قد سكن البصرة.(٢) جاء في الأحاديث عنه ﵊: "الْعَجَبُ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ هَذَا الْبَيْتَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ اسْتَعَاذَ بِالْحَرَمِ، لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَن غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ بِالْبَيْدَاءِ، سَيَعُوذُ بِهَذَا الْبَيْتِ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا عَدَدٌ وَلَا عُدَّةٌ، يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنْ الْأَرْضِ؛ خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَلَمْ يَنْجُ أَوْسَطُهُمْ، فلَا يَبْقَى مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّهَا لَبَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ. وَعَنْ بُقَيْرَةَ الهلالية - امْرَأَةِ الْقَعْقَاعِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لَجَالِسَةٌ فِي صُفَّةِ النِّسَاءِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يُشِيرُ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَيْشٍ قَدْ خُسِفَ بِهِ هَهُنَا قَرِيبًا، فَقَدْ أَظَلَّتْ السَّاعَةُ".(٣) أَي: الْبقْعَة الَّتِي يجمع النَّاس فِيهَا إِلَى الْحساب وينشرون من قُبُورهم ثمَّ يساقون إِلَيْهَا.(٤) أَصْلُ الْجَهْجَاه: الصَّيَّاح.(٥) قال ابن الأثير: (الرغبة) قلة العفة، وكثرة السؤال.(٦) أَيْ: يَبْلُغُ ضَوْؤُهَا إِلَى الْإِبِلِ الَّتِي تَكُونُ بِبُصْرَى، وَهِيَ مَدِينَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِنْ أَرْضِ الشَّام، وَهِيَ مَدِينَةُ حُورَان.(٧) (وَشْيُ الثَّوْب): نَقْشه. يَعْنِي الثِّيَابَ الْمُخَطَّطَةَ. والْمُرَحَّل: الذي قد نُقِشَ فيه تصاوير الرِّحَال، ومنه الحديث: كان يصلي وعليه من هذه المُرَحَّلات، يعني المُروط المُرَحَّلة.стр. 383
سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسَاجِدِ حِلَقًا حِلَقًا، يكون حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ، إِمَامُهُمُ الدُّنْيَا، فلَا تُجَالِسُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ للهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ، إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَمُرَّ الرَّجُلُ بِالْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ. لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأنْهَارًا، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، لَيْسَ بِهِ الدينُ، مَا بِهِ حُبُّ لِقَاءِ اللهِ، مَا بِهِ إِلَّا الْبَلَاءُ. وَيُلْقَى بيْنَ النَّاسِ التَّنَاكُرُ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَحَدًا، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَحَتَّى يُحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ (١) : سَلَاحِ (٢) . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا، حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ (٣) . أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْخُشُوعُ، حَتَّى لَا تَرَى فِيهَا خَاشِعًا. وأَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمُ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَلَاةُ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، حَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ، وَمَا أَظْرَفَهُ، وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. إِذَا اسْتَحَلَّتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمَارُ: إِذَا ظَهَرَ التَّلَاعُنُ، وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، وَلَبِسُوا الْحَرِيرَ، وَاتَّخِذُوا الْقِيَانَ، وَاكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَظْهَرَ الْفُحْشُ وَالْبُخْلُ، ويَظْهَرُ النِّفَاقُ، وَتُرْفَعُ الْأَمَانَةُ، وَتُقْبَضُ الرَّحْمَةُ، وَيُخَوَّنَ الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنَ الْخَائِنُ، وَيَهْلِكَ الْوُعُولُ، وَتَظْهَرَ التَّحُوتُ، الْوُعُولُ: وجُوهُ النَّاسِ وَأَشْرَافُهُمْ، وَالتُّحُوتُ: الَّذِينَ كَانُوا تَحْتَ أَقْدَامِ النَّاسِ لَا يُعْلَمُ بِهِمْ، إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ (٤) تَلِدُ رَبَّهَا ورَبَّتَهَا، وإِذَا رَأَيْتَ الْعَرَبَ أهل البادية الْعُرَيْب الْعَالَةَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْجِيَاعَ الصُّمَّ الْبُكْمَ رُعَاةَ الشَّاءِ رُعَاةَ الإِبِلِ البُهْم يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنيان، وَكَانُوا مُلُوكَ الْأَرْضِ ورؤوس النَّاسِ (٥) . إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تَسْلِيمَ الْخَاصَّةِ؛ أَنْ لَا يُسَلِّمَ الرَّجُلُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَعْرِفُ، وَفُشُوَّ التِّجَارَةِ، حَتَّى تُعِينَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ، وَقَطْعَ الْأَرْحَامِ، وَشَهَادَةَ الزُّورِ، وَكِتْمَانَ شَهَادَةِ الْحَقِّ، وَظُهورَ الْقَلَمِ، ومِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ أَنْ يَفْشُوَ مَوْتُ الْفُجْأَةِ. سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ شَرَطَةٌ يَغْدُونَ فِي غَضِبِ اللهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللهِ، فِي أَيْدِيهِمْ أَسْيَاطٌ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ. ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُمْطَرَ النَّاسُ مَطَرًا عَامًّا وَلَا تَنْبُتَ الْأَرْضُ شَيْئًا. الحواشي
(١) الْمَسْلَحَة: الثَّغْرُ مِنْ الْبِلَاد، وهو الْمَوْضِعُ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ هُجُومُ الْعَدُوّ.(٢) مَوْضِعٌ أَسْفَلَ خَيْبَر.(٣) فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ.(٤) الأمة: هي من ثبت عليها الرق فتكون مملوكة لسيدها.(٥) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْمَقْصُودُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَبَدُّلِ الْحَالِ، بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ عَلَى الْأَمْر، وَيَتَمَلَّكُوا الْبِلَادَ بِالْقَهْرِ، فَتَكْثُرُ أَمْوَالُهُمْ، وَتَنْصَرِفُ هِمَمُهمْ إِلَى تَشْيِيدِ الْبُنْيَانِ وَالتَّفَاخُرِ بِهِ.стр. 384
ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ، خُوزًا وَكَرْمَانَ مِنْ الْأَعَاجِمِ، صِغَارَ الْأَعْيُنِ كَأَنَّ أَعْيُنَهُمْ حَدَقُ الْجَرَادِ، عِرَاضَ الْوُجُوهِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، فُطْسَ الْأُنُوفِ، وُجُوهَهُمْ مِثْلُ الْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةُ، يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرُ، وَيَلْبَسُونَ الشَّعَرَ، وَيَتَّخِذُونَ الدَّرَقَ، حَتَّى يَرْبُطُوا خُيُولَهُمْ بِالنَّخْلِ، وَهُمْ أَهْلُ الْبَارِزِ. و يَنْزِلُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ يُسَمُّونَهُ: الْبَصْرَةَ، عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ، يَكْثُرُ أَهْلُهَا وَتَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ، عِرَاضُ الْوُجُوهِ، صِغَارُ الْأَعْيُنِ، حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ يَأخُذُونَ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَأخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَرُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُمْ الشُّهَدَاءُ. لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ، لَيَأتِيَنَّ عَلَى مُضَرَ يَوْمٌ لَا تَدَعُ لِلهِ فِي الْأَرْضِ عَبْدًا صَالِحًا إِلَّا فَتَنَتْهُ وَأَهْلَكَتْهُ، حَتَّى يُدْرِكَهَا اللهُ بِجُنُودٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَيُذِلَّهَا حَتَّى لَا تَمْنَعَ ذَنَبَ تَلْعَةٍ. ويَخْرُجُ مِنْ عَدَنِ أَبْيَنَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، يَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ، هُمْ خَيْرُ مَنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. يُوشِكُ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ قَفِيزٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قِبَلِ الْعَجَمِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ. يُوشِكُ أَهْلُ الشَّامِ أَنْ لَا يُجْبَى إِلَيْهِمْ دِينَارٌ وَلَا مُدْيٌ، مِنْ قِبَلِ الرُّومِ يَمْنَعُونَ ذَاكَ. وَمَنَعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَدِينَارَهَا، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأتُمْ، وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأتُمْ وَعُدْتُمْ مِنْ حَيْثُ بَدَأتُمْ. سَتَكُونُ مَعَادِنُ يَحْضُرُهَا شِرَارُ النَّاسِ، ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ، يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو، فَمَنْ حَضَرَهُ فلَا يَأخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ (١) مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فلَا يُنْتَفَعُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، يَمُرُّ بِهَا الرَّجُلُ فَيَضْرِبُهَا بِرِجْلِهِ وَيَقُولُ: فِي هَذِهِ كَانَ يَقْتَتِلُ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَأَصْبَحَتِ الْيَوْمَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ فلَا يَأخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا. وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. الحواشي
(١) (الْأُسْطُوَان): السَّارِيَة، وَالْعَمُود، وَشَبَّهَهُ بِالْأُسْطُوَانِ لِعِظَمِهِ وَكَثْرَتِهِ.стр. 385
ومِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الْأَهِلَّةِ، أَنْ يُرَى الْهِلَالُ لِلَيْلَةٍ، فَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، وَأَنْ تُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ طُرُقًا، وَأَنْ يَظْهَرَ مَوْتُ الْفُجأَةِ. وإنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ، الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ. وإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ الْعِلْمُ عِنْدَ الْأَصَاغِرِ، وأَنْ يَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمُهُنَّ رَجُلٌ وَاحِدٌ. بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ، ويَكُونُ فِي آخر أمتِي رجال يركبون على سُرُجٍ كَأَشْبَاهِ الرِّحَالِ (١) يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. وفِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا، ولَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ (٢) وَشِرَاكُ نَعْلِهِ (٣) وَتُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ. ويُبَايَعُ لِرَجُلٍ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، وَلَنْ يَسْتَحِلَّ الْبَيْتَ إِلَّا أَهْلُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلُّوهُ، فلَا تَسْأَلْ عَنْ هَلَكَةِ الْعَرَبِ، ثُمَّ تَجِيءُ الْحَبَشَةُ فَيُخَرِّبُونَهُ خَرَابًا لَا يُعْمَرُ بَعْدَهُ أَبَدًا، وَهُمْ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ كَنْزَهُ، اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذَا الْبَيْتِ فَإِنَّهُ قَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ، وَيُرْفَعُ فِي الثَّالِثَةِ، اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ إِلَّا ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِهِ فَيَنْقُضُهَا حَجَرًا حَجَرًا وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا وَيَسْتَخْرِجُ كَنْزَهَا. الحواشي
(١) (الرحال) جمع رحل، وهو كل شيء يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير. ولعل فيه إشارة للمركبات والسيارات الحديثة.(٢) الْعَذَبَةُ: طَرَفُ السوط.(٣) الشِّرَاكُ: سَيْرُ النَّعْلِ الذي يُمسك بالنعل عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ.стр. 386
خراب المدينة وأحداث آخر الزمان
إِذَا رَأَيْتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتْ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَايَا وَالْأُمُورُ الْعِظَامُ، والمدينة يَدَعُهَا أَهْلُهَا (١) أَيْنَعَ مَا يَكُونُ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ مُرْطِبَةً مُونِعَةً، مُذَلَّلَةً أَرْبَعِينَ عَامًا يَأْكُلُ ثَمَرَهَا عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ، حَتَّى يَدْخُلَ الذِّئْبُ فَيَعْوِيَ عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ. عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ: خَرَابُ يَثْرِبَ، وَخَرَابُ يَثْرِبَ: خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ: فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ: خُرُوجُ الدَّجَّالِ. الحواشي
(١) قد يكون سبب خروجهم وتركهم المدينة ما رَوَاه عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ في كتابه (تاريخ المدينة) قال: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ، وَأَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: " لَيَخْرُجَنَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ خَيْرَ مَا كَانَتْ، نِصْفًا زَهْوًا، وَنِصْفًا رُطَبًا. قِيلَ: مَنْ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ السُّوءِ. تاريخ المدينة لابن شبة (١/ ٢٧٧).стр. 387
ظهور مهدي من العِتْرَة
لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي، مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي (١) مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي، أَجْلَى الْجَبْهَةِ (٢) أَقْنَى الْأَنْفِ (٣) ، يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا.
يَلْبَثُ فِيكُمْ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيًا، فَإِنْ كَثُرَ فَتِسْعًا، فَتَنْعَمُ فِيهِ أُمَّتِي نِعْمَةً لَمْ يَنْعَمُوا مِثْلَهَا قَطُّ، وَلَا تَمْنَعُ السَّمَاءُ شَيْئًا مِنْ قَطْرِهَا وَلَا الْأَرْضُ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ، وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ، وَالْمَالُ يَوْمَئِذٍ كُدُوسٌ (٤) فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي، أَعْطِنِي. فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ. الحواشي
(١) عترة الرجل: أخص أقاربه، وعترة النبي ﷺ بنو عبد المطلب، وقيل: قريش والمشهور المعروف أنهم الذين حرمت عليهم الزكاة.(٢) أي: منحسر الشعر من مقدم رأسه، أو واسع الجبهة.(٣) القنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته، مع حدب في وسطه.(٤) أي: كثير فائض.стр. 388
مصالحة الروم والغزو معهم وغدرهم
سَتُصَالِحُكُمْ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، ثُمَّ تَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ فَتُنْصَرُونَ، وَتَغْنَمُونَ، وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ، فَيَقُولُ: "غَلَبَ الصَّلِيبُ". فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَقُومُ إِلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَيَجْتَمِعُونَ لِلْمَلْحَمَةِ، فَيَأتُونَكُمْ حِينَئِذٍ فِي ثَمَانِينَ غَايَةٍ تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا.
стр. 389
وقوع الْمَلْحَمَةُ الْكُبْرَى في الْغُوطَة
فَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ، فَيَقْتَتِلُونَ، فَيُكْرِمُ اللهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمْ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ (١) ، فُسْطَاطُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ الْكُبْرَى بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا (الْغُوطَةِ) إِلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا (دِمَشْقُ) خَيْرُ مَنَازِلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً (٢) ، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ، نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (٣) ، فَيَجْعَلُ اللهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ (٤) ، فَيُقْتَلُونَ (٥) مَقْتَلَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا (٦) ، حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يَخْلُفهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً، فلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ؟، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ؟. الحواشي
(١) بفتح الراء، أي: عطفة قوية ورجوع قوي بعد الفر أو صولة شديدة.(٢) يعني: يقتطع المسلمون من عسكرهم طائفة للتضحية؛ إما الاستشهاد أو النصر، ويعزمون على أن هذه الطائفة لا ترجع إلا بالنصر أو تموت.(٣) أي بقيتهم من الأشراط الثلاثة.(٤) أي: تكون الدائرة والهزيمة على الروم الكفار.(٥) المسلمون والروم الكفار.(٦) أو (لا يُرى مثلُها) أي نظيرها ومثيلها في المستقبل.стр. 390
فتح القسطنطينية
وإِذَا وَقَعَتِ الْمَلَاحِمُ، بَعَثَ اللهُ بَعْثًا مِنَ الْمَوَالِي مِنْ دِمَشْقَ، هُمْ أَكْرَمُ الْعَرَبِ فَرَسًا، وَأَجْوَدُهُ سِلَاحًا، يُؤَيِّدُ اللهُ بِهِمُ الدِّينَ. ويَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ (١) فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا (٢) مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ، فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللهِ، لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ (٣) لَا يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا (٤) ، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ هُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ مَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ، وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحاَقَ (٥) ، فَإِذَا جَاءُوهَا نَزَلُوا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ، وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ، قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أَحَدُ جَانِبَيْهَا الَّذِي فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الْآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُوهَا فَيَغْنَمُوا (٦) ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ؛ إِذْ جَاءَهُمْ الصَّرِيخُ (صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ) فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ -وَذَلِكَ بَاطِلٌ- فَإِذَا جَاءُوا الشَّامَ خَرَجَ، فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً، إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ، وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ. والْآيَاتُ خَرَزَاتٌ مَنْظُومَاتٌ فِي سِلْكٍ، فَإِنْ يُقْطَعْ السِّلْكُ، يَتَتَابَعْنَ كَمَا تَتَابَعُ الْخَرَزُ فِي النِّظَامِ. الحواشي
(١) هما مَوْضِعَانِ بِالشَّامِ بِقُرْبِ حَلَبَ.(٢) جاءت في بعض النسخ بفتح السين والباء (سَبَوْا) أي: أَسَروا مقاتلي الروم. وفي نسخ أخرى بضم السين والباء، (سُبُوا) أي: أُسِروا من الروم، ثم لعلهم أسلموا وقاتلوا مع المسلمين.(٣) من المسلمين.(٤) لا يلهمهم الله التوبة، بل يصرون على الفرار.(٥) ولعلهم أكراد الشام، وهم من نسل إسحاق النبي ﵇، وهم مسلمون.(٦) وليس المراد من هذا الفتح ما وقع بيد السلطان محمد فاتح في سنة(٨٥٧) هـ وإنما يقع هذا الفتح قبل خروج الدجال بقليل بجيش فيهم المهدي.следующие страницы →