← История

История · id 49

قصة الحياة

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (447 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المرور بمساكن ثمود في الحِجْر و نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ فِي ذهابه إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى الْحِجْرِ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فَاسْتَسْقَى النَّاسُ مِنْ الْآبَارِ الَّتِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنْهَا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ بِاللَّحْمِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، وقال: "من عمل من هذا الماء طعاماً؛ فليُلقِه". فمنهم من عجن العجين ومنهم من حاس الحيس فألقوه. فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُهَرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ بِئْرِهَا، وقال:"اكْفَؤُوا الْقُدُورَ، وَاعْلِفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ"، ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهُ النَّاقَةُ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ. وتَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَنَادَى فِي النَّاسِ الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَقَال لَهُمْ وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ: "مَا تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ؟ "، فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فقَالَ:"أَفَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟؛ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُنْبِئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللهَ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، وَسَيَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِشَيْءٍ، لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا، لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبُكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ". ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ بِرِدَائِهِ وَهُوَ عَلَى الرَّحْلِ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى أَجَازَ الْوَادِيَ وخَلَّفْهَا.

стр. 317

من الأحداث في تبوك وفي طريقم إلى تبوك كان ائْتِمَامُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ في الركعة الثانية من صلاة الفجر حيث تأخر ﵊ لِقَضَاءَ الْحَاجَةِ. وقال: "ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي"، قَالَ مُعَاذُ: فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهَا رَجُلَانِ - وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشِّرَاكِ تَبِضُّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ - فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ مَسَسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا؟ "، فَقَالَا: نَعَمْ. فَسَبَّهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتَّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهِ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ تَرَى مَا هَهُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي تَبوكٍ إِذَا تَوَضَّأَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وأخبر أنَّهَا سَتَهُبُّ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ، وَهَبَّتْ رِيحٌ شدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَألقَتْهُ بِجَبَلِ طَيْءٍ. وأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ في تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ فَسَمَّى وَقَطَعَ. وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ﵁، فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَدُوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ". فأسره خالد وأجاره من القتل ففتح له دومة الجندل، ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وكذلك صَالحَ أَهْلَ أَيْلةَ، و يَهُودُ جَرْبَاءَ على الْجِزيةِ. وكان جيش تبوك ثلاثين ألفاً، ولكن الرسول ﷺ لم يلق حرباً من الأعداء، فرجع إلى المدينة منتصراً بعد أن أقام بتبوك عشرين ليلة. وروي أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ فيها دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ ﷺ بِرِسَالَةٍ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ ﷺ إِلَى تَبُوكَ فِي رَجَبٍ، وَعَوْدَتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ.

стр. 318

العودة ومحاولة المنافقين قتل النبي ولما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك؛ أمر منادياً فنادى: إن رسول الله ﷺ أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوق به عمار ﵄، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل فغشوا عماراً وهو يسوق برسول الله ﷺ وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: "قد، قد"، حتى هبط رسول الله ﷺ فلما هبط رسول الله ﷺ نزل، ورجع عمار، فقال رسول الله ﷺ : " يا عمار، هل عرفت القوم؟ "، فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: " هل تدري ما أرادوا؟ "، قال: الله ورسوله أعلم، قال: " أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ فيطرحوه"، قال: فسأل عمار رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة؟، فقال: أربعة عشر، فقال: إن كنت فيهم، فقد كانوا خمسة عشر. فعذر رسول الله ﷺ منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ وما علمنا ما أراد القوم. فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. ونَزَلَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ ظُرُوفِ الْغَزْوَةِ، وَفَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَقَبولِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَفَضْحِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مِنْ أَشَدِّ مَا نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ حَتَّى كَانَتْ تُسَمَّى: "الفاضِحَةَ"، وَتُسَمَّى: "الْمُبعْثِرَةَ" لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرَ المُنَافِقِينَ. ورجع رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المدينة فهدم مسجد الضرار الذي بناه المنافقون كيداً للإسلام.

стр. 319

قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا قال كعب بن مالك ﵁: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك -وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام- غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير (١) قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا (٢) على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر (٣) في الناس منها، كان من خبري أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما اجتمعت عندي قبله راحلتان (٤) قط، حتى جمعتهما في تلك الغزوة، ولم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلا ورّى (٥) بغيرها، وكان يقول: "الحرب خدعة "، حتى كانت تلك الغزوة، غزاها رسول الله ﷺ في حر شديد حين طابت الثمار والظلال، واستقبل سفراً بعيداً ومفازاً (٦) وعدواً كثيراً، فجلّى (٧) للمسلمين أمرهم، ليتأهبوا أهبة (٨) غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان - فما رجل يريد أن يتغيب، إلا ظن أن سيخفى له - ما لم ينزل فيه وحي الله -، وتجهز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، فطفقت (٩) أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئاً، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون معه يوم الخميس - ولقلما كان رسول الله ﷺ يخرج إذا خرج في سفر، إلا خرج يوم الخميس - وأنا لم أقض من جهازي شيئاً، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت (١٠) بعد أن فصلوا (١١) لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئاً، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط (١٢) الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك،

стр. 320

فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلاً مغموصاً (١) عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟، فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه (٢) ونظره في عطفيه (٣)، فقال معاذ بن جبل ﵁: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله ﷺ ، فبينما هو على ذلك، رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ : "كن أبا خيثمة"، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري ﵁ وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون - قال كعب: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلاً (٤) من تبوك حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غداً؟، واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادماً، زاح عني الباطل، وعرفت أني لن أخرج منه أبداً بشيء فيه كذب، فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله ﷺ قادماً، وكان قلما يقدم من سفر سافره إلا ضُحىً، وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ثم يجلس فيه للناس، فلما فعل ذلك؛ جاءه المخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له - وكانوا بضعة وثمانين رجلاً - فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، فجئته، فلما سلمت عليه، تبسَّم تبسُّم المغضب، ثم قال: "تعال"، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: "ما خلفك؟، ألم تكن قد ابتعت (٥) ظهرك (٦)؟ "، فقلت: بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ (٧) فيه إني لأرجو فيه عفو الله، لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك،

стр. 321

فقال رسول الله ﷺ : " أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك "، فقمت، وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنباً قبل هذا، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر إليه المتخلفون، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك، فوالله ما زالوا يؤنبوني، حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟، قالوا: نعم، رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت: من هما؟، قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين، قد شهدا بدرا فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي، ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامي وكلام صاحبي، ولم ينه عن كلام أحد من المتخلفين غيرنا فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا، حتى تنكرت في نفسي الأرض، فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟، ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي، أقبل إليّ، وإذا التفتُّ نحوه أعرض عنّي فلبثت كذلك، حتى طالت عليّ جفوة الناس وما من شيء أهم إليّ من أن أموت، فلا يصلي عليّ رسول الله ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة، فلا يكلمني أحد منهم، ولا يصلّي ولا يسلم عليّ، فمشيت حتى تسورت (١) جدار حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي - فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله، هل تعلمني أحب الله ورسوله؟، فسكت، فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار،

стр. 322

فبينما أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلُّ على كعب بن مالك، فطفق الناس يشيرون له إليّ، حتى جاءني، دفع إلي كتاباً من ملك غسان - وكنت كاتباً - فقرأته، فإذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نُواسِك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته (١) بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلِّقها أم ماذا أفعل؟، قال: لا، بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟، قال: "لا، ولكن لا يقربك"، قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنتَ رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنتُهُ فيها وأنا رجل شاب؟، فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، وبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رَحُبَت؛ سمعت صوت صارِخٍ أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، قال: فخررت ساجداً، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن (٢) رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض إلي رجل فرساً، وسعى ساع من أسلم، فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ، فكسوته إياهما ببشراه - والله ما أملك غيرهما يومئذ - واستعرت ثوبين فلبستهما،

стр. 323

وانطلقت إلى رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجاً فوجاً، يهنوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس، حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله ﵁ يهرول حتى صافحني وهنّاني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة، فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ وهو يبرق وجهه من السرور - وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه:"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك "، فقلت: أمن عندك يا رسول الله؟، أم من عند الله؟، قال: "لا، بل من عند الله"، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي، صدقةً إلى الله وإلى رسوله (١)، فقال رسول الله ﷺ : " أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك "، فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، فقال رسول الله ﷺ : " يجزئ عنك الثلث "، وقلت: يا رسول الله، إن الله إنما نجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدِّث إلا صدقاً ما بقيت، فوالله ما أعلم أحداً من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا كذباً، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، وأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة، من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم، ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم، وعلى الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ، ولا نصب، ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلا، إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً، إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾،

стр. 324

فوالله ما أنعم الله عليّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا رسول الله ﷺ من المتخلفين واعتذروا بالباطل حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد، فقال ﵎: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم، قل لا تعتذروا، لن نؤمن لكم، قد نبأنا الله من أخباركم، وسيرى الله عملكم ورسوله، ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة، فينبئكم بما كنتم تعملون، سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون، يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم، فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾، قال كعب: وكنا تخلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.

стр. 325

وفاة أم كلثوم بنت محمد ﵊ وفِي شَعْبَانَ من السنة التاسعة توفيت أُمُّ كُلْثُوْمٍ ﵂ بِنْتُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .

стр. 326

وفاة كبير المنافقين ابن سلول وفي ذي القعدة توفي رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول، حيث مرض في ليالٍ بقين من شوال.

стр. 327

قدوم الوفود ومنهم نصارى نجران وجاء وَفْدُ الدَّارِيِّينَ بعد الانصراف مِنْ تَبُوكَ، وَفِيهِمْ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ وَأَخُوهُ نُعَيْمٌ. وجاء وَفْدُ ثَقِيفٍ ووَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعصَعَةَ ووَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ. وبقيت الوفود تتابع إلى رسول الله، وجاء وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَيْهِم كِتَابًا يَدْعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، وَإِلَّا آذَنَهُمْ بِحَربٍ، فَذُعِرَ أَهْلُ نَجْرَانَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فبعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفْدَهُم، وَكَانُوا سِتِّينَ رَجُلًا، فِيهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِم يَؤُولُ أَمْرُهُمْ، فدعاهم للإسلام وحاججهم، وجَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَسْلِمَا تَسْلَمَا". فَقَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَذَبْتُمَا، مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: سُجُودُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَقَوْلُكُمَا: اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا، وَشُرْبُكُمَا الْخَمْرَ"، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هُوَ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ". ونزلت بضع وثمانون آية من سورة آل عمران قرأها عليهم، فلم يقبلوا، وباهلهم فنكصوا عن المباهلة، ثم رغبوا في الصلح والجزية فجعل لهم ذمة، فَلَمَّا قَبَضَ أَهْلُ نَجْرَانَ كِتَابَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَرَادُوا الْانْصِرَافَ إِلَى نَجْرَانَ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ رَجُلًا أَمِينًا، لِيَقْبِضَ مَالَ الصُّلْحِ، وَليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"، ثم قَالَ: "قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ"، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ".

стр. 328

حج أبي بكر بالناس والبراءة من المشركين وفي ذي القعدة خرج أبو بكر للحج بالناس، فإن النبي ﷺ أقام بعد أن رجع من تبوك رمضان وشوالاً وذا القعدة، ثم بعث أبا بكر أميراً على الحج من سنة تسع ليقيم للمسلمين حجهم - والناس من أهل الشرك على منازلهم من حجهم - فخرج أبو بكر ﵁ ومن معه من المسلمين. وقد بعث ﵊ عليا ﵁ بعد أبي بكر الصديق ﵁ ليكون معه، ويتولى علي بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رسول الله ﷺ لكونه ابن عمه، من عصبته. و بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ. ولما أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِالبَرَاءَةِ؛ أَذَّنَ مَعَهُم عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.

стр. 329

السنة العاشرة من الهجرة وفاة إبراهيم ابن النبي ﵊ وفي السنة العاشرة كانت وفاة إبراهيم ابن النبي ﵊ حيث مَاتَ طِفْلًا قَبْلَ الْفِطَامِ، وكان قد وُلِد فِي ذِي القعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ بِالْعَالِيَةِ حَيْثُ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّهُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ. قَالَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضِعًا لَهُ فِى عَوَالِي الْمَدِينَةِ فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. ولما كانت وفاة إبراهيم في السنة العاشرة من الهجرة جاء رسول الله ﷺ فدعا بالصبي فضمه إليه وقبله وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف ﵁: وأنت يا رسول الله؟، فقال: " يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْيِ وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكَمِّلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ، إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ، ولولا أنه وعد صادق، وموعود جامع، وأن الآخر تابع للأول، لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل مما وجدنا". (١)

стр. 330

كسوف الشمس وصلاة وخطبة عظيمة وركب رسول الله ﷺ مركباً في يوم شديد الحر، فانكسفت الشمس وكان ذلك اليوم الذي مات فيه إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت الشمس لموت إبراهيم. فرجع رسول الله ﷺ ضحى فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ مِنَ الْعَجَلَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَسْجِدِ وَثَابَ النَّاسُ إِلَيْهِ وبعث منادياً: أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصفهم وراءه وتقدم فكبر وجهر رسول الله ﷺ بالقراءة فيها فاقترأ قراءة طويلة حتى إن رجالاً يومئذ ليغشى عليهم مما قام بهم، حتى إن سجال الماء لتصب عليهم، ثم ركع رسول الله ﷺ ركوعاً طويلاً ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، وقام كما هو ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى، ثم ركع ركوعاً طويلاً، وهو أدنى من الركوع الأول ثم رفع رأسه، كلما رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم سجد سجدتين فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى فقام قياما طويلاً وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم قام قياماً طويلاً وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعاً طويلاً وهو دون الركوع الأول، ثم سجد وهو دون السجود الأول، ثم تأخر رسول الله ﷺ وتأخرت الصفوف خلفه حتى انتهى إلى النساء، فجعل ينفخ ويبكي ويقول: لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك. ثم تقدم وتقدم الناس معه، حتى قام في مقامه، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجدات ثم جلس ففرغ من صلاته وقد انجلت الشمس فقعد على المنبر فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد، فافزعوا إلى الصلاة، فادعوا الله، وكبروا، وصلوا، وتصدقوا، حتى ينجليا، حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ أَوْ يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا. ثم قال وهو ينادي بأعلى صوته محمرة عيناه: أيها الناس يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، أظلتكم الفتن كقطع الليل المظلم، يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً.

стр. 331

فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئاً في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت، فقال رسول الله ﷺ :" ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه فعرضت علي الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، فتناولت منها عنقوداً حين رأيتموني جعلت أتقدم، فقصرت يدي عنه، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. ثم عرضت عليّ جهنم يحطم بعضها بعضاً، وذلك حين رأيتموني تأخرت، حتى لقد جعلت أتقيها مخافة أن يصيبني من لفحها، ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: لم يا رسول الله؟، قال: بكفرهن. قيل: يكفرن بالله؟، قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً؛ قالت: ما رأيت منك خيراً قط. ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قُصْبَهُ (١) - وهو الذي سيب السوائب، ورأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها، فلم تطعمها ولم تسقها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً فهي إذا أقبلت تنهشها، وإذا أدبرت تنهشها. ورأيت فيها صاحب المحجن متكئاً على محجنه في النار، يقول: أنا سارق المحجن - وكان يسرق الحجيج بمحجنه، فإن فُطِن له؛ قال: لست أنا أسرقكم، إنما تعلق بمحجني. وإن غُفِل عنه ذهب به-، والذي سرق بدنتي رسول الله ﷺ فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع. ولقد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال، يُؤتى أَحَدُكم فيقال له: ما علمك بهذا الرجل؟، فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا وآمنا واتبعنا - ثلاث مرار - فيقال: قد كنا نعلم إنك لتؤمن به، فنم صالحاً، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته. فاستعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق. والذي نفسي بيده إن الموتى ليعذبون في قبورهم عذاباً تسمعه البهائم كلها. قالت عائشة: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد ذلك صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر.

стр. 332

حجة الوداع وكانت حجة الوداع في سنة عشر، وسميت حجة الوداع لأنه ﵊ ودع الناس فيها ولم يحج بعدها. وسميت حجة الإسلام لأنه ﵇ لم يحج من المدينة غيرها، ولكن حج قبل الهجرة مرات، قبل النبوة وبعدها. وعندما أعلن الرسول ﷺ عزمه على الحج في هذا العام، قدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. وخرج من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة. وقد وقعت للنبي ﷺ في مسيره هذا ورجوعه أحداث كثيرة. وسميت حجة البلاغ لأنه ﵇ بلغ الناس شرع الله في الحج قولاً وفعلاً.

стр. 333

اكتمال إبلاغ الدين ولم يكن بقي من دعائم الإسلام وقواعده شيء إلا وقد بينه ﵊، فلما بيّن لهم شريعة الحج ووضحه وشرحه أنزل الله عليه وهو واقف بعرفة: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). وقد قال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله ﷺ : " مَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ النَّارِ، إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، ومَا تَرَكْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ عَنِ الْجَنَّةِ، إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، تَرَكْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي". وقال عمرو بن أخطب ﵁: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا كَانَ وَبِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَأَعْلَمُنَا أَحْفَظُنَا". وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مَا تَرَكَ فِيهَا شَيْئًا يَكُونُ فِي مَقَامِهِ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، فَمَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُهُ عَنْهُ، إِلَّا أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ: مَا يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ، فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ، ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ". حتى قَالَ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ لسَلْمَانَ ﵁ وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ. فَقَالَ: أَجَلْ "لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ". وقال أبو ذر ﵁: تَرَكَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الْهَوَاءِ، إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا. وقال ﵊ لأصحابه: "وَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي"، فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي".

стр. 334

السنة الحادية عشر من الهجرة وفاة النبي ﷺ واشتكى رسول الله ﷺ بعد عودته من حجة الوداع، حتى اشتد وجعه وهو في بيت ميمونة ﵂، فدعا نساءه فاستأذنهن في أن يُمرَّض في بيت عائشة ﵂. وكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي (١) مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ". واستغرق مرضه عشرة أيام. حَتَّى دَخَلَتْ أُمُّ بِشْرِ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَقَالَ: "يَا أُمَّ بِشْرٍ، مَا زِلْتُ أَجِدُ أَلَمَ الْأَكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ مَعَ ابْنِكِ بِخَيْبَرَ، تُعَاوِدُنِي كُلَّ عَامٍ، حَتَّى كَانَ هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ". (٢) وأنفق ما عنده من مال، وخلا بعثمان وأوصاه وضرب منكبه وهو يوصيه. و هَمَّ أَنْ يَكتُبَ كِتَابًا، وَأَوْصَى بإِخْرَاجُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَحَذَّرَ مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَثَنًا يُعْبَدُ، وأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ. وأمرهم أن يَصُبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنْ آبَارٍ شَتَّى، ثم تحامل وصعد المنبر وخطب آخر خطبة وأثنى على أبي بكر، وأوصى بالأنصار خيراً، وبيّن أن أسامة بن زيد أهل للإمارة على الجيش الذي جهزه. ولمَا دنا أجله وهو في حجرة عائشة ﵂ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ الشَّدِيدُ، حَتَّى تَأَذَّتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ ﵂، مِنْ شِدَّةِ مَا يَلْقَى، فَقَالَتْ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". وكَانَ آخِرُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا كَانَ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ".

стр. 335

وَبَيْنَ يَدَيْهَ ﷺ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ"، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الْأَعَلَى" وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ: "مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعَلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ. وتوفاه الله تعالى يوم الإثنين في الثاني عشر من ربيع الأول. وقد تمَّ له من العمر ٦٣ سنة. وكفن ﵊ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى الناس عليه أرسالاً، ودفن في مكان موته في حجرة عائشة ﵂. فجزاه الله تعالى عن المسلمين خير ما جزى نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله.

стр. 336

من جوامع ما أخبر به النبي أصحابه صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله، ورضي عن أصحابه، وجزاهم جميعاً عنا خير الجزاء.

стр. 337

فطرة الإنسان ما من مولود إلا يولد على الفطرة (١) على هذه الملة، حتى يبين عنه لسانه، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه أو يشركانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء (٢) هل تحسون فيها من جدعاء؟ (٣)، فإن كانا مسلمين؛ فمسلم. ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾. قال الله: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم (٤) وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأَمَرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) (٥). إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وإِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً؛ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَسَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟، فَيَجْعَلُهُ اللهُ سَوِيًّا أَوْ غَيْرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ أَجَلُهُ، فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ رِزْقُهُ، فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، فَيَكْتُبُ مَا هُوَ لَاقٍ، حَتَّى النَّكْبَةَ يُنْكَبُهَا، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُصُ، وإِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ومَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ وَابْنَهَا عِيسَى ﵉؛ ذَهَبَ يَطْعُنُ، فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ (٦). إِنَّ أُمَّهَا حِينَ وَضَعَتْهَا قَالَتْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وما مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ (٧) وَقَرِينُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ (٨).

стр. 338

التحذير من الشرك والرياء قال الله:"يا ابنَ آدم إنَّك لو أَتَيتَني بِقُرابِ الأرضِ خَطايا، ثمَّ لَقِيتَني لا تُشركُ بي شَيئاً، لأتيتُكَ بِقُرابها مغفرةً. أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي؛ تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ". مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ. ومَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ، ومَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا، أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ (١). ومَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً (٢) فَقَدْ أَشْرَكَ، والطِّيَرَةُ شِرْكٌ (٣)، مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ (٤)، لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، ومَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ؛ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ. ومَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. ومَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا قُلْتَهُ ذَهَبَ عَنْكَ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ؟ قُلِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ".

стр. 339

ركائز دين الإسلام ومعالمه الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُتِمَّ الْوُضُوءَ (١)، وَأَنْ تُقِيمَ الصَلَاةَ (٢) الْمَكْتُوبَةَ (٣)، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ (٤)، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَتَعْتَمِرَ وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، والْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِلِقَائِهِ وَبِالْبَعْثِ الْآخِرِ (بَعْدَ الْمَوْتِ) وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. والْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وتَعْمَلَ للهِ وتَخْشَى اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ (٥). والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار، كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى، مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى. إنَّ الله فَرَضَ فرائِضَ، فَلا تُضَيِّعُوها، وحَدَّ حُدُوداً فلا تَعْتَدوها، وحَرَّمَ أَشْياءَ، فلا تَنتهكوها، وسَكَتَ عنْ أشياءَ رَحْمةً لكُم غَيْرَ نِسيانٍ، فلا تَبحَثوا عَنْها، ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ، فاجْتَنِبوهُ، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منهُ ما استطعتُم (٦)، فإنَّما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كَثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهم. إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ (٧)، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ (٨)، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ، مَا مِنْ أَحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي بِمَغْفِرَةٍ مِنْهُ وَرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ، فَسَدِّدُوا (٩)، وَقَارِبُوا (١٠)، وَأَبْشِرُوا (١١)، وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ (١٢)، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ (١٣) تَبْلُغُوا (١٤)، إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ. (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا). وإنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَينَهُما أُمُورٌ مُشتَبهاتٌ، لا يَعْلَمُهنّ كثيرٌ مِن النَّاسِ، فَمَن اتَّقى الشُّبهاتِ استبرأ لِدينِهِ (١٥) وعِرضِه (١٦)، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وَقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعي يَرعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرتَعَ فيهِ، ألا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وإنَّ حِمَى اللهِ محارِمُهُ. (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ). دَعْ ما يريبُكَ إلى ما لَا يرِيبُكَ.

стр. 340

افتراق المسلمين في دينهم خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ. وَإِنَّ الْيَهُودَ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَإِنَّ النَّصَارَى افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ؛ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ.

стр. 341

لكل نبيّ حواريّون وسيَخْلُفُهُم مُبَدِّلون ومَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ. ولَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً؛ لَكَانَ فِي هذه الأمة مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ. ويَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ.

стр. 342

الإسلام محفوظ بعلماء مجدِّدِين ويَرِثُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَأوِيلَ الْجَاهِلِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَحْرِيفَ الْغَالِينَ (١). وإِنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا.

стр. 343

الأمر بالتَّمَسُّكِ بالسُّنَّة والجَمَاعَة لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، كُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَلَاةُ. وإنَّه من يَعِشْ مِنْكُم بعدي فَسَيرى اختلافاً كَثيراً، فَعَلَيكُمْ بِسُنَّتي (١) وسُنَّةِ الخُلفاء الرَّاشدينَ المهديِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ (٢)، خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً (٣) ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ، أَوَّلُ هَذَا الْأَمْرِ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَرَحْمَةً (٤)، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً يَتَكادَمُونَ عَلَيْهِ تَكادُمَ الْحُمُرِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ (٥)، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ (٦)، فَعَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ، وَإِنَّ أَفْضَلَ جِهَادِكُمُ الرِّبَاطُ وَإِنَّ أَفْضَلَ رِبَاطِكُمْ عَسْقَلَانُ. أوصيكُمْ بتَقوى الله، والسَّمْعِ والطَّاعةِ، وإنْ تَأَمَّرَ عَليكُم عَبْدٌ، ولَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ (٧)، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ. يُسْتَعْمَلُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ، فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ (٨)، فَمَنْ أَنْكَرَ، فَقَدْ بَرِئَ (٩)، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ (١٠)، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ (١١). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟، قَالَ: لَا، مَا صَلَّوْا، ما أقاموا فيكم الصلاة، فَخَالِطُوهُمْ بِأَجْسَادِكُمْ وَزَايِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَاشْهَدُوا عَلَى الْمُحْسِنِ بِأَنَّهُ مُحْسِنٌ، وَعَلَى الْمُسِيءِ بِأَنَّهُ مُسِيءٌ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْ وُلَاتِكُمْ شَيْئًا تَكْرَهُونَهُ، فَاكْرَهُوا عَمَلَهُ، وَلَا تَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وأَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ. يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ (١٢)، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا، قَذَفُوهُ فِيهَا، هُمْ رِجَالٌ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا، قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ، إِنْ كَانَ للهِ خَلِيفَةٌ فِي الْأَرْضِ (١٣) فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ،

стр. 344

وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَاهْرُبْ حَتَّى تَمُوتَ، فَإِنْ تَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ بِجِذْلِ شَجَرَةٍ (١) خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ (٢)، إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ إِذَا وُسِّدَ الَأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ. أَعَاذَكَ اللهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ؛ أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ، فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ؛ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَأُولَئِكَ قَدْ هَلَكُوا وَأَهْلَكُوا. وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ؛ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ. بَادِرُوا بِالْمَوْتِ سِتًّا: إِمْرَةَ السُّفَهَاءِ (٣)، وَبَيْعَ الْحُكْمِ (٤)، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ (٥)، واسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ (٦)، وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، وَنَشْئًا (٧) يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ، يُقَدِّمُونَ الرَّجُلَ (٨) لَيْسَ بِأَفْقَهِهِمْ وَلا بِأَعْلَمِهِمْ مَا يُقَدِّمُونَهُ إِلا لِيُغَنِّيَهُمْ غِناءً، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُمْ فِقْهًا، كِتَابُ اللهِ وَاحِدٌ، وَفِيكُمْ الْأَحْمَرُ وَفِيكُمْ الْأَبْيَضُ، وَفِيكُمْ الْأَسْوَدُ، اقْرَءُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، تَعَلَّمُوهُ وَابْتَغُوا بِهِ اللهَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُهُ نَاسٌ يُقَوِّمُونَهُ كَمَا يُقَوَّمُ السَّهْمُ، يَتَعَجَّلُونَ أَجْرَهُ، وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ، وَسَلُوا اللهَ بِهِ الْجَنَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ بِهِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَتَعَلَّمُهُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ يُبَاهِي بِهِ، وَرَجُلٌ يَسْتَأكِلُ بِهِ، وَرَجُلٌ يَقْرَأُهُ للهِ .

стр. 345

التحذير من الابتداع في الدين وإيَّاكُم ومُحْدَثاتِ الأمور، فإنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلالةٌ. مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا ما لَيس مِنهُ فَهو رَدٌّ (١).

стр. 346

أهمية صلاح القلب والنيّة ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغَةً إذا صلَحَتْ صلَحَ الجَسَدُ كلُّه، وإذَا فَسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كلُّه، ألا وهِيَ القَلبُ. وإِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، "اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ". إنَّمَا الأعمَال بالنِّيَّاتِ وإِنَّما لِكُلِّ امرئ ما نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُولِهِ فهِجْرَتُهُ إلى اللهِ ورَسُوْلِهِ، ومَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيْبُها أو امرأةٍ يَنْكِحُهَا؛ فهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليهِ. وإنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ وما استُكْرِهُوا عليهِ. وإِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ؛ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ.

стр. 347

عدل الله وغناه عن خلقه قال الله تعالى: "يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّماً فلا تَظالموا، يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلَاّ مَنْ هَديتُهُ فاستهدُوني أهدِكُم، يا عبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلَاّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فاستطعموني أُطعِمْكُم، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلَاّ مَنْ كَسوتُهُ، فاستَكْسونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهار، وأنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً، فاستَغفِروني أغفر لكُمْ. يا عِبادي إنَّكم لَنْ تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، ولن تَبلُغُوا نَفْعِي فَتَنفَعونِي. يا عِبادي لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِركُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أتْقى قَلب رَجُلٍ واحدٍ منكُم، ما زَادَ ذلك في مُلكِي شَيئاً، يا عِبادي لو أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أفْجَر قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ منكُم، ما نَقَصَ ذلك من مُلكِي شيئاً، يا عِبادي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِندي إلَاّ كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ. يا عبادي، إنَّما هِيَ أَعمالُكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثمَّ أُوفِّيكُم إيَّاها، فَمَنْ وجَدَ خَيراً، فليَحْمَدِ الله، ومَنْ وَجَد غيرَ ذلكَ، فَلا يَلومَنَّ إلَاّ نَفسَه". وإنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسيِّئاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْها، فَعَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ أَشْعَرَهَا قَلْبَهُ، وَحَرِصَ عَلَيْهَا؛ كَتَبها الله عِنْدَهُ حَسنَةً كَامِلةً، وإن هَمَّ بِها فَعَمِلَها، كَتَبَها الله عَنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعاف كَثيرةٍ، وإنْ هَمَّ بسيِّئة، فلمْ يَعْمَلها، كَتَبَها عِنْدَهُ حَسنةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا، فعَمِلَها كَتَبَها الله سيِّئة واحِدَةً أو محاها الله، ولا يَهلِكُ على الله إلَاّ هالكٌ.

стр. 348

حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات حُجِبَتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُجِبَتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا. ومَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ، ومَنْ قَضَى اللهُ عَلَيْهِ الْخُلُودَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. ولَمَّا خَلَقَ اللهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ ﵇ إِلَى الْجَنَّةِ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَجَاءَهَا وَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا، فَأَمَرَ اللهُ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَإِذَا هِيَ يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا، قَالَ: فَأَمَرَ اللهُ بِهَا فَحُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا، فَرَجَعَ إِلَيْهَا فَقَالَ: وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. ومَا سَأَلَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ اللهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَطُّ؛ إِلَّا قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ إِيَّايَ، وَلَا اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِلَّا قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنِّي.

стр. 349

الحساب على الأعمال ولَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ وجِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ. ومَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ (١) دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ. والْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي من يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ الْخَطَايَا؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ.

стр. 350

الأعمال بالخواتيم وإنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ الجنَّةِ فيما يبدو للنَّاس وهو منْ أهلِ النار، وإنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ النارِ فيما يبدو للناس، وهو منْ أهلِ الجنةِ. وإنَّما الأعمالُ بالخواتيم. اعملوا؛ فكلٌّ ميسَّر لما خُلِقَ لهُ، فأمَّا أهلُ السَّعادة، فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشَّقاوة. إِنَّ اللهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ.

стр. 351

القضاء والقدر والأخذ بالأسباب ولَو أَنَّكُم تَوكَّلُون على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصاً، وتَروحُ بِطاناً. احفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احفَظِ الله تَجِدْهُ تجاهَكَ، إذا سَأَلْت فاسألِ الله، وإذا استَعنْتَ فاستَعِنْ باللهِ، تَعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاء يَعْرِفْك في الشِّدَّةِ، واعلَمْ أنَّ ما أخطَأَكَ لم يَكُن لِيُصِيبَكَ، وما أصابَكَ لم يَكُن ليُخطِئَكَ، واعلم أنَّ الأُمَّةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلَاّ بشيءٍ قد كَتَبَهُ الله لكَ، وإنِ اجتمعوا على أنْ يَضرُّوكَ بشيءٍ، لم يضرُّوك إلَاّ بشيءٍ قد كتبهُ الله عليكَ، رُفِعَتِ الأقلامُ وجَفَّتِ الصُّحُفُ، واعلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ معَ العُسْرِ يُسراً. الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ. رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا صَاحِبُهَا، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ، وَلَا تُحَدِّثُوا بِهَا إِلَّا عَالِمًا أَوْ نَاصِحًا أَوْ حَبِيبًا. وإِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ، الرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ بِهَا ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ بِهِ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ، فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ، وَمِنْهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنْ اللهِ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يُحِبُّهَا، فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللهِ، فَلْيَحْمَدْ اللهَ عَلَيْهَا، وَلْيَقُصَّهَا إِنْ شَاءَ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَلْيُفَسِّرْهَا. وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ؛ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، وَلْيَنْفُثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثَلَاثًا، وَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، وَلَا يُفَسِّرْهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ.

стр. 352

الإيمان تصديق وعمل وأخلاق والإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. قُلْ: آمَنْتُ باللهِ، ثمَّ استقِمْ. أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَمُوتُ عَبْدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ (١) ثُمَّ يُسَدِّدُ (٢)؛ إِلَّا سُلِكَ فِي الْجَنَّةِ. وإِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ، وَسَاءَتْكَ سَيِّئَتُكَ؛ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ. إِنَّمَا النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ، لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً، وإنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَاتِ الصَّائِمِ وَالْقَائِمِ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلِ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ. لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ؛ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، لا تَغْضَبْ. البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ: ما حَاكَ في نَفْسِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ. وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ . ولا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأَخيهِ ما يُحِبُّ لِنَفسه، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: أَنْ قَدْ أَحْسَنْتَ، فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ، فَقَدْ أَسَأْتَ، ولأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ. وإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، ومَنْ قَالَ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ. مَنْ يُحْرَمْ الرِّفْقَ؛ يُحْرَمْ الْخَيْرَ كُلَّهُ، فَإِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ. ولَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ. تَهَادَوْا تَحَابُّوا. ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا.

стр. 353

ولَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ (١) أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ. ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، ولَا قَاطِعُ رَحِمٍ (٢)، وَلَا مُؤْمِنٌ بِسِحْرٍ (٣)، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَلَا مُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ، وَلَا مَنَّانٌ ولا نمام، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِيَ بِحَرَامٍ ولا لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ، ولَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ (٤). والْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، والْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ومِنْ حُسْنِ إسْلامِ المَرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ. لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشوا (٥)، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يَبِعْ بَعضُكُمْ على بَيعِ بَعضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إِخْواناً، المُسلِمُ أَخُو المُسلم، لا يَظلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَكذِبُهُ، ولا يَحقِرُهُ، بِحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسلمِ على المُسلِمِ حرامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وعِرضُهُ. لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ: فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ، اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ، والبَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا، أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ، قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ. ولَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا، وَالشَّاةَ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ، إذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ. لا ضَرَرَ (٦) ولا ضِرارَ (٧). ألحِقُوا الفَرائِضَ بأَهلِها، فَمَا أَبقتِ الفَرائِضُ فَلأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ، والرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ ما تحرِّمُ الولادةُ، ويَحرُمُ مِنَ الرَّضاعَةِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّسبِ. ولَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُم، لادَّعى رِجالٌ أموالَ قَومٍ ودِماءَهُم ولكن البَيِّنَةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أَنْكر. و إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ. لَعَنَ اللَّهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ،

стр. 354

وأيُّما رجلٍ ظَلَم شِبْراً مِنَ الأرضِ؛ كَلَّفهُ الله أنْ يحفِرَهُ حتى يبلُغَ به سبْعَ أرَضينَ، ثم يُطَوِّقه يومَ القيامَةِ حتى يُقْضى بينَ الناسِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ. والرِّبَا سَبْعُونَ حُوبًا، أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ (١)، ومَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا، إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ، ولا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ إلَاّ بِإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفسُ بالنَّفسِ، والتَّارِكُ لِدينِهِ المُفارِقُ لِلجماعَةِ. ومَنْ قُتِلَ دونَ ماله فهو شهيد، ومَنْ قُتِلَ دون أهلِه أو دون دَمِه أو دون دِينِه فهو شهيدٌ. وإِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ (٢)، إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ. و لَأَنْ أَمْشِيَ عَلَى جَمْرَةٍ، أَوْ سَيْفٍ، أَوْ أَخْصِفَ نَعْلِي بِرِجْلِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمْشِيَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ. كُنْ فِي الدُّنيا كأَنَّكَ غَريبٌ، أو عَابِرُ سَبيلٍ، وازهَدْ فِي الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيمَا في أيدي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ، ومَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ؛ جَمَعَ اللهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ اللهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وجَعَلَ اللهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَلَا تُحْصِ؛ فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْك، وَلَا تُوعِ فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْك، ولَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ، وإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ، سَيَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْدَى عَلَى أَحَدِكُمْ بِالْقَصْعَةِ مِنَ الثَّرِيدِ وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِمِثْلِهَا، كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمْ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ؟ وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى؟ وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ وَأَنْتُمْ عَلَى دِينِكُمُ الْيَوْمَ، لَأَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ. لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةُ تَمَاثِيلَ، إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ، قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً. كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا؛ فَتُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ (٣).

стр. 355

إنَّ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ. يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ. تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا كَمَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ فِي الْيَمِّ (١)، فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا تَرْجِعُ.
следующие страницы →