وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجِيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقَلَين: أولهما كتابُ الله فيه الهُدَى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب الله ورغَّبَ فيه، ثم قال: «وأهلُ بَيتِي أُذَكِّرُكُمُ الله في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي، أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي» .... الحديث. (١)
قوله: «أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي» أي: (اذكُرُوا الله، اذكُرُوا خَوفَهُ وانتقَامَه إنْ أضعَتُم حقَّ آل البيت، واذكُروا رحمتَه وثوابَه إنْ قُمْتُمْ في حقِّهِم). (٢)
«اعرفوا لهم حقَّهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب
стр. 317
التوكيد، وإلا فكُلُّ إنسانٍ مُؤمِنٍ له حقٌّ على أخيه، لا يحقُّ له أن يعتدِيَ عليه، ولا أنْ يَظلِمَهُ؛ لكِنْ لآلِ النبيِّ ﷺ حَقٌّ زَائِدٌ على حُقُوقِ غَيرِهِمْ مِن المسلمين». (١)
«فالمراد بالتذكير فيهم: حفظ رُتبَتهم في الإسلام، وتعظيمُهم، وحبُّهم في الدِّين، وصونُ عظيمِ عِزِّهم في الأمة، وتقديمُهم على غيرِهم في: المجلس، والكلامِ، والخطابِ، والمشيِ، والقعودِ، والقيامِ؛ وبذلُ الأموال لهم، ونُصرَتُهم في مقابل أعدائهم، والتمسُّكِ بهم إنْ كانوا أهلَ العِلْمِ والتقوى». (٢)
فالحديث بمجموع رواياته «تضمَّن الحثَّ على المودَّةِ لهم، والإحسانِ إليهم، والمحافظةِ بهم، واحترامِهم، وإكرامِهم، وتأدِيَةِ حُقُوقِهِم الواجبة والمستحبَّة، فإنهم مِن ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ، مِن أشرَفِ مَن وُجِد على وَجْهِ الأرضِ، فَخْرَاً وحَسَبَاً ونَسَبَاً، ولا سِيَّما إذا كانُوا متَّبعِينَ للسُّنَّة النبويَّةِ الصَحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّة، كما كَانَ علَيهِ سَلَفُهُم كالعبَّاسِ وبَنِيه، وعَليٍّ وآلِ بَيتِه وذَوِيْهِ ﵃.
وكذا يَضمَنُ تَقدِيمَ المتأهِّلِ مِنهُم لِلْوِلايَاتِ عَلى غَيرِهِ ... إلخ». (٣)
стр. 318
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». (١)
فآل هاشم من المصطفَين، وهُم مع أمهات المؤمنين مِن الداخلين في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - تبعاً. (٢)
وقد تظافرت الأدلة الشرعية في فضائل آل البيت من الأزواج والذرية والأقارب، منها ما ورد عاماً فيهم بالوصية والعناية بهم، ومنها ما ورد في
стр. 319
فضل فرد منهم. (١)
وهي نصوص مبثوثة معتنى بها من علماء السنة والجماعة، ضمَّنوها كتبهم في الاعتقاد، والسنة النبوية، في أبواب الفضائل، إضافة إلى الكتب المفردة في الصحابة، والآل منهم، وثَمَّةَ كُتُبٌ مُفرَدَةٌ في فضائل بعضهم ... ــ كما سيأتي في المبحث الرابع من هذا التمهيد ـ.
هذا، وقَد اتَّبَعَ سلَفُ الأمة بدءاً من أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحب الكرام ﵃ وصيةَ النبيِّ ﷺ بالعنايةِ والرِّعايةِ لآلِ البيتِ ﵃.
فهذا خليفةُ رسُولِ الله، الصِّدِّيقُ أبو بكر ﵁ يقول: «ارْقُبُوا محمَّدَاً ﷺ في أهلِ بَيْتِهِ».
أي: احفظُوه فيهم، فلا تُؤذُوهُمْ، ولا تُسِيؤوا إليهِم.
стр. 320
ويقول أبو بكر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ... ». (١)
ثم خليفةُ خليفةِ رسولِ الله ﷺ : الفاروقُ عمرُ بن الخطاب ﵁ اعتنى بآل البيت عنايةً فائقة، من ذلك: أنه بدأ بهم لمَّا وضَعَ الديوان للعطاء؛ محبَّة لهم، واحتراماً وتقديراً ومعرفة بمكانتهم، وامتثالاً لأمرالنبي ﷺ برعايتهم. (٢)
وهكذا السلَفُ الصالحُ جيلاً بعد جيل، إلى زماننا هذا ـ ولله الحمدُ والمِنَّةُ على الهدايةِ والسُّنَّةِ ـ. (٣)
لما ذكر ابنُ كثير ﵀ حال الشيخين أبي بكر وعمر مع آل البيت ﵃ قال: (فحالُ الشيخينِ ﵄ هو الواجبُ على كلِّ أحَدٍ أن
стр. 321
يكون كذلك؛ ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄، وعن سائر الصحابة أجمعين). (١)
قال علَّامةُ العراق الشيخ: محمود شُكري الآلوسي (ت ١٣٤٢ هـ) ﵀ ضمن عَرضٍ شامِلٍ لاعتقادِ أهلِ «نَجْد = اليمامة»: (وجميعُ أهلِ نَجْدٍ على اختلافِهم في القبائل كما أنهم يعتقدون ما سبق، كذلك يعتقدون في الآل والأصحاب، ما وردَت به السُّنَّة والكتابُ، ويؤمنونَ بما ورد في شأنهم من الفضائلِ، وما رُوي عنهم من الشمائلِ، غيرَ أنهم طوَوا بِسَاطَ المماراة في آل رسولِ الله ﷺ وأصحابِه، وتركوا العصبيةَ التي هِيَ مِن أوتار الباطلِ وأطنابِه، فأولئك الآلُ الكرامُ هم الذين يتميَّزُ بحُبِّهِم إيمانُ المرءِ من نِفَاقِهِ، والذين وَرِثوا النورَ المبين عمَّن خصَّهُ الله بإشرَاقِهِ.
فالصلاةُ بهم تمامُها، وبالصلاةِ عليهم خِتَامُهَا، ورَحِمُهُم مَوصُولَةٌ بِرَحِمِ المكَارِمِ وذِمَامِهَا، وأولئكَ السادَاتُ مِن الأصحابِ الذين خلَطَهُمْ بجِلْدَتِهِ، وألَظَّ بهم في شِدَّتِهِ، أحبُّوا فيه وأبغَضُوا، وأنفَقُوا له وأقرَضُوا، وفُرِضَ عليهم الصبرُ معَهُ عَلى البأسَاءِ فما أعرَضُوا.
ولكُلٍّ من هذين الفريقين مقامٌ مَعلومٌ، وسَهْمٌ في السبق والفضيلةِ غيرُ مَسْهُوم.
стр. 322
ولم يَزلْ أمراؤهم وعلماؤهم يأمرون بالأخذِ على ألسنةِ السفهاء من الخوضِ فيما شجَرَ بين آلِ النبي وأصحابِه، وإظهارِ العصبيةِ التي تُزحزح الحقَّ عن نِصابه، وتُرجِعُهُ على أعقَابِه، وليسَ مستَنَدُها إلا مُغَالاة ذوي الجهل، وربما نَشَأَ منها فِتنةٌ، والفتنَةُ أشدُّ من القتل، فأولئكَ السادَات هُم النجُومُ الذين كان بهم الاقتداءُ، وبهم كانَ الاهتِدَاءُ، وقُصَارَى المسلِم في هذا الزمَان أن يتعلَّقَ منهم سبباً، ويأخذَ عنهم دِينَاً وأدَبَاً، لايبلُغ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيفَهُ، ولو أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذهَبَاً، نَعَم لايُغالُون في حبِّهم كحُبِّ أهلِ البِدَعِ والضَلَالَةِ، فذلِكَ الذي ما أنزَلَ الله بِهِ مِن سُلطَانٍ، ولا اقتَضَتْهُ الرِّسَالَةُ). (١)
стр. 323
إن المسلمين والمسلمات من آل البيت الذين شاهدوا النبيَّ ﷺ دخلوا الفضائل من أبواب عدة:
باب فضائل الصحابة عموماً، وباب فضائل آل البيت، وباب الفضائل الخاصة ببعضهم: كخديجة، وعائشة، وفاطمة، وعلي، والحسنَين، وغيرهم.
زيادة على حقهم في الإسلام، فلكل مسلم حقٌّ على إخوانه المسلمين.
وأما آل البيت من التابعين ومَن بعدهم، فلهم حق الإسلام والقُربى، ولِكُلٍّ دَرَجَةٌ منهم بِحَسبِ صلاحِه ونفعه الأمة بعِلْمٍ أو عَمَلٍ.
قال الشيخ: عبدالرحمن السِّعْدِي (ت ١٣٧٦ هـ) ﵀: (فمَحبَّةُ أهلِ بيتِ النبيِّ ﷺ وَاجِبةٌ من وُجُوهٍ، منها:
أولًا: لإسلامهم، وفضلهم وسوابقهم.
ومنها: لما تميَّزوا به من قُرْبِ النبي ﷺ واتصالهم بنسبه.
ومنها: لما حث عليه ورغب فيه.
ولما في ذلك من علامة محبة الرسول ﷺ ... ). (١)
إنَّ محبةَ آلِ البيت، وتعظيمَهم من محبةِ النبي ﷺ ، قال القاضي عياض اليحصبي (ت ٥٤٤ هـ) ﵀: (ومِنْ تَوقِيرِهِ -
стр. 324
صلى الله عليه وسلم - وبِرِّهِ: بِرُّ آلِه، وذُرِّيتِه، وأمهاتِ المؤمنين: أزواجِه، كما حضَّ عليه ﷺ ، وسلَكَهُ السلَفُ الصالح ﵃). (١)
ولو لم يرد في فضلهم نصوص شَرعيَّةٌ، لكَانَتْ الفِطرَةُ والطِّبَاعُ والعَادَةُ جَارِيَة على رعاية حقوقهم ومحبتهم، فمن له اتصال بالمحبوب محبوب.
قال الشيخ: محمد بن عمر الحضرمي الشهير بِـ «بَحْرق» (ت ٩٣٠ هـ) ﵀ (٢) بعد بيان بعض الأدلة في آل البيت: (وناهيكَ بذلك فخراً لأهلِ البيتِ، لما يتضمَّنُهُ ذلك من شرَفِ مَنصِبِهم، وإيجابِ حُبِّهم واحترامهم، وتأدية حقوقهم، والإحسان إليهم، والمحافظة على ذلك كله، والتحذير من ضده؛ إكراماً لسيد المرسلين، وخاتم النبيين ﷺ ، وإذا كانت
стр. 325
العقول والعادات، بل والشرائع تقتضي إنزال الناس منازلهم، واحترام أبناء الفضلاء، ومن نُسِب إليهم، سواء اتَّصَل المأمور بذلك منهم بإحسان أم لا، حتى أمر الله وليَّه الخَضِر، ونجِيَّه موسى ﵉ بمراعاة مَن كان أبوهما صالحاً، فما ظنُّكَ بمَنْ يُدلِي إلى مَن أرسلَهُ الله رحمةً للعالمين، ومَنَّ بِهِ عَلى المؤمنين، وأنقذهم من خُسرانِ الدنيا والآخرة ...
إلى أن قال ﵀ ــ وما أحسنَ قولَه هذا ــ: وإذا كانَتْ أبناءُ الرَّجُلِ الرئيس، بَلْ وعشيرَتُه، بَلْ وغِلْمَانُهُ وأتبَاعُهُ، بَلْ وقَبيلَتُهُ، بَلْ وأهلُ بَلَدِهِ، بَلْ وأهْلُ قُطْرِه، بَلْ وأهلُ عصرِهِ، قَدْ يَسُودُون بسيادتِه، ويشرُفونَ بِشَرَفِ رئاسَتِهِ، ويفتَخِرُونَ عَلى مَن سِوَاهُم بفَضلِهِ، ويعلُونَ بِعُلُوِّ مَنصِبِهِ ونُبْلِه، فهَل أحَدٌ أجَلُّ قَدرَاً، وأعظمُ مَرتَبَةً وفَخْرَاً ممن ينْتَسِبُ أهلُ البيتِ إليه؟ !
إلى أن قال ﵀: وقد كانت قلوبُ السلَفِ الأخيارِ، والعلماءِ الأحبَارِ، مجبولةٌ على حُبِّهِم واحتَرامِهِم، ومَعرِفَةِ ما يجِبُ لهم طبعاً، فمِصْدَاقُ ذلك تعظيمُ وحُبُّ كلِّ مَن يُنسَبُ إليه بقُربةٍ أو قَرَابَةِ أو صُحْبَةٍ، أو اتِّبَاعِ سُنَّةٍ، إذْ كُلُّ ما يُنسَبُ إلى المحبوبِ مَحبُوبٌ. (١)
стр. 326
من أخبار السلف في تعظيم آل البيت:
رُوي عن عبدالله بن حَسَنِ بنِ حَسَنِ بنِ علي بن أبي طالب ﵀ قال: أتيتُ عمر بن عبدالعزيز ﵀ في حاجة، فقال لي: إذا كانت لكَ حاجةٌ، فأرسل لي، أو اكتُبْ، فإني أستحي من الله أنْ يراكَ على بابي. (١)
ذُكِر أن الخليفة العباسي الواثق طلب من الإمام أحمد أن يجعله في حِلِّ ... ـ بعدما أصابَه من الضرب والقَيدِ بسبب فتنة القول بخلق القرآن ـ
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (لقد جعلتُكَ في حِلِّ وسَعَةٍ مِن أوَّل يومٍ؛ إكرَاماً لِرسولِ اللهِ ﷺ ؛ لِكَونِكَ مِن أهلِه). (٢)
قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل ﵀: (رأيتُ أبي إذا جاءَه الشيخُ والحدَثُ من قريش، أو غيرهم من الأشراف، لا يَخرُج مِن باب المسجد حتى يُخرِجَهُم، فيكونوا هُم يتقدَّمُونَه، ثم يخرُجُ بَعدَهُم). (٣)
стр. 327
أقوال أئمة الاعتقاد في آل البيت:
قال أبو جعفر الطحاوي (ت ٣٢١ هـ) ﵀: (ونُحبُّ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، ولا نُفْرِطُ في حُبِّ أحَدٍ مِنهُم؛ ولا نَتَبَرَّأُ مِن أحَدٍ منهم، ونُبغِضُ مَنْ يُبغِضُهُمْ، وبِغَيرِ الخَيرِ يذكُرُهم، ولا نَذكُرُهم إلا بِخَيرٍ.
وحُبُّهُم دِيْنٌ وإيمَانٌ وإحسَانٌ، وبُغْضُهُمْ كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ ... ثمَّ ذكر الطحاويُّ الخلفاءَ الراشِدِينَ، والعشرَةَ المبشَّرِينَ بالجنة، ثُمَّ قَال:
ومَنْ أحسَنَ القولَ في أصحَابِ رسُولِ الله ﷺ ، وأزوَاجِهِ الطاهِرَاتِ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ، وذُرِّيَّاتِه المقَدَّسِينَ مِنْ كُلِّ رِجْسٍ؛ فَقَدْ بَرِئَ مِنْ النِّفَاقِ). (١)
قال أبو بكر الآجري (ت ٣٦٠ هـ) ﵀: (باب إيجاب حبِّ بني هاشم أهلِ بيت النبي ﷺ على جميع المؤمنين.
واجبٌ على كلِّ مؤمن ومؤمنة محبةُ أهلِ بيتِ رسول الله ﷺ ... بنو هاشِمٍ, عليُّ بنُ أبي طالب وولدُه وذُرِّيَّتُهُ, وفاطمةُ وولَدُهَا وذُرِّيَّتُهَا, والحسَنُ والحسَينُ وأولادُهُمَا وذُرِّيَّتُهُمَا, وجعفرُ الطيَّارُ ووَلَدُهُ وذُرِّيَّتُهُ, وحمزَةُ ووَلَدُهُ, والعبَّاسُ ووَلَدُهُ وذُرِّيَّتُهُ , ﵃ , ...................
стр. 328
هَؤلاءِ أهلُ بيتِ رسولِ الله ﷺ , (١)
واجبٌ على المسلمين
стр. 329
محبَّتُهم وإكرامُهم واحتمالهم، وحُسن مداراتهم, والصبرُ عليهم, والدعاءُ لهم, فمَن أحسن مِن أولادِهم وذرارِيهم, فقد تخلَّق بأخلاق سلفِهِ الكرام الأخيار الأبرار, ومَن تخلَّق منهم بما لا يَحسُن مِن الأخلاق, دُعِيَ له بالصلاح والصيانة والسلامة, وعاشَرَهُ أهلُ العقل والأدب بأحسن المعاشرة، وقيل له: نحنُ نجلُّكَ عن أن تتخلَّقَ بأخلاق لا تُشبِهُ سلَفَكَ الكرام الأبرار, ونغارُ لمثلِكَ أن يتخلَّقَ بما تعلَمُ أنَّ سلفَكَ الكرام الأبرار لا يَرضَون بذلك, فمِن محبَّتِنَا لكَ أنْ نُحبَّ لكَ أنْ تتخلَّقَ بما هُو أشبَهُ بكَ, وهي الأخلاق الشريفة الكريمة, والله الموفق لذلك). (١)
وقال الآجري في موضع آخر بعد ذكره «حديث غدير خُم»: (واجبٌ على كل مسلم أن يتمسَّكَ بكتاب الله , وبسنة رسوله ﷺ , وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين , وبمحبَّتِهم وبمحبةِ أهلِ بيته الطيبين, والتعلُّق بما كانوا عليه من الأخلاق الشريفة, والاقتداء بهم ﵃ , فمَن كان هكذا , فهو على طريق مستقيم). (٢)
стр. 330
قال أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) ﵀: (ومن تعظيم النبي ﷺ تعظيم أهل بيته، وتعظيم أولاد المهاجرين، والأنصار، وجاء عنه ﷺ أنه قال: «قدِّمُوا قريشاً، ولا تقدَّمُوها». وما ذاك إلا أنه ﷺ منهم). (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀ في عقيدته الواسطية بعد بيان فضل الصحابة ﵃:
(ويحبُّونَ أهلَ بيتِ رسولِ الله ﷺ ، ويتولَّونَهُم، ويَحفظُونَ فيهم وَصِيَّةَ رسُولِ الله ﷺ ؛ حيثُ قالَ يومَ غَديرِ خُم: «أُذَكِّرُكمُ اللهَ في أهل بيتي، أُذَكِّرُكمُ اللهَ في أهل بيتي».
وقال أيضاً للعبِّاس عمِّه, وقد شكَا إليه أنَّ بعضَ قريش يَجفُو بَنِي هاشِمٍ؛ فقال: «والذي نفسي بيده؛ لا يؤمنون حتى يحبوكم للهِ ولقرابتي».
وقال: «إنَّ اللهَ اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم».
ويَتَولَّونَ أزواجَ رسُولِ الله ﷺ أُمَّهَاتِ المؤمنين. ويُقِرُّونَ: بأنَّهُنَّ أزوَاجُهُ في الآخِرَةِ، خُصُوصَاً: «خديجةَ» أمَّ أكثرِ أولادِه، وأوَّلَ مَنْ آمَنَ
стр. 331
بِهِ وعَاضدَهُ على أمرِهِ، وكان لها منْهُ المنزِلَةَ العَلِيَّةَ.
«والصدِّيقَةَ بنتَ الصِّدِّيقِ» التي قال فيها النبيُّ ﷺ : «فَضْلُ عائشةَ على النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطعَامِ».
ويَتبرَّؤونَ مِن: طريقةِ «الروافِضِ» الذين يُبغِضُونَ الصحَابةَ ويَسُبُّونَهُمْ.
وطَريقَةِ «النَّواصِبِ»، الذين يُؤذُونَ «أهلَ البيت»، بقَولِ أو عَمَلٍ.
ويُمسِكُونَ عمَّا شجَرَ بينَ الصحَابَةِ. ويقُولُونَ: إنَّ هذهِ الآثارَ المروِيَّةَ في مَسَاوِيهِم:
منها: ما هُوَ كَذِبٌ.
ومنها: ما قَدْ زِيدَ فيه ونُقِصَ، وغُيِّر عَن وَجْهِهِ.
وعامَّةُ الصحيحِ منه: هُم فيهِ مَعذُورُونَ: إمَّا مجتهِدُونَ مُصِيبونَ.
وإمَّا مجتهِدُونَ مخطِئُونَ.
وهُمْ مَع ذلك لا يعتِقُدُونَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن الصحَابَةِ مَعصُومٌ عَن كبَائِرِ الإثمِ وَصغَائِرِهِ.
بَلْ تجُوزُ عَلَيهِم الذنُوبُ في الجمْلَةِ.
ولهمْ من السَّوابِقِ والفَضَائِلِ ما يُوجِبُ مَغفِرَةَ مَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ ... ـ إنْ صَدَرَ ـ، حتَّى إنَّه يُغفَرُ لهمْ مِن السيِّئَاتِ مَا لا يُغفَرُ لمنْ بَعدَهُم، لأنَّ لهُم من الحسَناتِ التي تمحُو السَّيِّئاتِ ما لَيسَ لمن بَعدَهُمْ ....
стр. 332
إلى أنْ قَالَ ﵀:
ومَنْ نظَرَ في سِيْرَةِ القَوْمِ (١) بِعِلْمٍ وعَدْلٍ وبَصِيرَةٍ، ومَا مَنَّ الله عليهم بِهِ مِن الفَضَائِلِ؛ عَلِمَ يَقينَاً أنَّهُم خَيرُ الخَلْقِ بَعْدَ الأنبِيَاءِ، لا كَانَ ولَا يَكُونُ مثلَهُم، وأنَّهُمْ الصَّفْوَةُ مِن قُرونِ هذِهِ الأمَّة التِي هِيَ خَيرُ الأُمَمِ، وأكرَمُهَا عَلى الله). (٢)
قال الشيخ: محمد العثيمين ﵀: (أي: ومِن أصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ أنهم يحبُّونَ آلَ بيتِ رسُولِ الله ﷺ ؛ يحبُّونَهم لأمرَين:
стр. 333
للإيمانِ، وللقَرابةِ من رسولِ الله ﷺ ، ولا يكرهُونَهم أبدَاً ..... فنحنُ نحبُّهم لِقَرَابَتِهِم من رسُولِ الله ﵊، ولإيمانِهمْ بالله.
فإنْ كفَرُوا؛ فإننا لا نُحِبُّهم، ولَو كانوا مِن أقارِبِ الرسولِ ﵊؛ فأبو لهبٍ عمُّ الرسولِ ﵊ لا يجوزُ أن نُحبَّه بأي حالٍ من الأحوالِ، بَلْ يجبُ أنْ نكرَهَهُ؛ لِكُفرِهِ ولإيذائِهِ النَّبيَّ ﷺ ، وكذلك أبو طالب؛ يجبُ علينا أن نكرَهَهُ لِكُفْرِهِ، لَكِنْ نُحِبُّ أفعالَهُ التي أسدَاها إلى الرسول ﵊ من الحماية والذبِّ عنه.
فعقيدةُ أهلِ السُّنِّةِ والجماعة بالنسبَةِ لآلِ البيت: أنهم يحبُّونَهُم، ويتولَّونَهُمْ، ويَحفَظُونَ فيهم وصيةَ الرَّسُولِ ﷺ في التذكير بهِم، ولا يُنزِلُونَهُمْ فوقَ مَنزِلَتِهُمْ، بل يتبرؤون ممن يغلُونَ فيهم، حتَّى يُوصِلُوهُم إلى حَدِّ الألُوهِيَّةِ؛ كما فعَلَ عبدُالله بن سَبَأٍ في عَليِّ بنِ أبي طالب حينَ قال له: ... أنتَ الله! والقصةُ مَشهُورَةٌ). (١)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: في حديثه عن الصلاة على آلِ النبيِّ ﷺ : (فهذه الصلاةُ لجميعِ آلِ محمدٍ لا تختصُّ بصالحِيهم، فَضلاً عن أنْ تختصَّ بمِن هُو مَعصُومٌ، بَلْ تتناوَلُ كُلَّ مَن دخَلَ في آلِ محمد، كما أنَّ الدعاءَ للمؤمنين والمؤمناتِ، والمسلمينَ والمسلماتِ يتناوَلُ كُلَّ
стр. 334
مَنْ دَخَلَ في الإيمان والإسلام، ولا يلزَمُ مِن الدعاءِ لِلمؤمنينَ عُمُومَاً، ولَا لِأهلِ البيتِ عُمُوماً، أنْ يكونَ كُلٌّ مِنهُمْ بَرَّاً تَقِيَّاً، بَل الدُّعاءُ لهم؛ طَلَبَاً لإحسان الله تعالى إليهم، وتَفضُّلِهِ عليهم؛ وفَضلُ الله ـ سبحانَهُ ـ وَإِحسَانُهُ يُطلَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ، لِكنْ يُقالُ: إنَّ هذا حَقٌّ لِآلِ محمَّدٍ أَمَرَ الله بِهِ.
ولا ريبَ أنَّ لآلِ محمد ﷺ حقَّاً على الأمة، لا يَشرَكُهُم فيه غيرُهم، ويستحقون من زيادةِ المحبةِ والموالاة مَا لا يستحقُّه سائرُ بُطونِ قريش، كما أنَّ قُريشَاً يستحقُّونَ من المحبة والموالاة ما لا يَستَحِقُّه غيرُ قريشٍ من القبائل، كما أنَّ جِنسَ العربِ يستحِقُّ مِن المحبةِ والموالاةِ ما لا يَستَحِقُّه سائرُ أجناس بني آدم. وهذا على مذهبِ الجمهور الذين يَرونَ فضلَ العَرَبِ على غيرِهم، وفضلَ قُريشٍ على سائرِ العرب، وفضلَ بني هَاشمٍ على سَائر قُريشٍ. وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمدَ، وغيرِه). (١)
وقال ابنُ تيميةَ (ت ٧٢٨ هـ) ﵀: (وأما مَن قتلَ «الحسين»، ... أو أعانَ على قتلِه، أو رَضِي بذلك، فعليه لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعين؛ ... لا يقبلُ الله منه صرفَاً ولا عَدْلاً ...
وذكرَ أن محبة أهل البيت فرضٌ واجبٌ يؤجر عليه، فإنه قد ثبت عندنا في «صحيح مسلم» عن زيد بن أرقم ... ثم ذكر حديث غدير خم، والوصية
стр. 335
بآل البيت). (١)
وذكر ابن تيمية أنَّ مَن أبغض آل البيت فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً). (٢)
وقال: (واتِّبَاعُ القرآنِ واجِبٌ على الأمة؛ بل هو أصلُ الإيمان وهُدَى الله الذي بعثَ بهِ رسُولَه، وكذلكَ أهلُ بيتِ رسُولِ الله ﷺ تجبُ محبَّتُهم، وموالاتُهم، ورِعَايَةُ حقِّهم. وهذان الثقلان اللذان وصَّى بهما رَسُولُ الله ﷺ ... ). (٣)
قال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ﵀: (ولا تُنكر الوصاةُ بأهلِ البيت، والأمرُ بالإحسانِ إليهم، واحترامُهم وإكرامُهم، فإنَّهم من ذُرِّيةٍ طَاهِرَةٍ، من أشرَفِ بَيتٍ وُجِدَ على وَجْهِ الأرض، فَخرَاً وحَسَبَاً ونَسَبَاً، ولا سِيَّما إذا كانوا مُتَّبِعِينَ للسنة النبويةِ الصحيحةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّةِ، كما كانَ عليه سَلَفُهُمْ، كالعبَّاسِ وبَنِيهِ، وعَليٍّ وأهلِ بَيتِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ﵃ أجمعين). (٤)
* * *
стр. 336
إنَّ أهلَ السُّنَّةِ والجماعةِ لَيرَونَ الحقَّ لآل البيت: حَقَّ الإيمان، والصُّحْبَةِ، وحَقَّ القَرَابَة والسَّبْقِ لِلْخَيرِ، ويُنزِلُونَهُم مَنزِلَتَهُم الحقيقية الشَّرعِيَّة.
يُحبُّونَهُمْ جميعاً، ويُوقِّرُونَهُم كلَّهم مِن دُونِ إفرَاطٍ ولَا تَفرِيطٍ، فَهُمْ في هذا البابِ: «آل البيت» وَسَطٌ بين الفِرَقِ الضَّالة، بين طرفَين ضالَّين: غَالِينَ وجَافِينَ، بين مُفْرِطِينَ ومُفَرِّطِينَ:
١. الخوارج، والنواصب (١) الذين كفَّروا أو فسَّقوا آلَ البيت، وناصبُوهم العِدَاء.
стр. 337
٢. الرافضة الذين غَلَوا في محبَّتِهِم لآلِ البيت (١)،
حتى اعتقَدُوا فيهم عِلْمَهُمْ الغَيْبَ! وعِصمَتَهُم من الخطأ! وسُؤالَهم مِن دُونِ الله، وغَيْرَ ذلِكَ كَثِيرٌ. (٢)
وما حبُّهم لآلِ البيتِ إلا كَذِبٌ وتنَاقُضٌ، لأنَّهم لا يُوالُون إلا عَدَداً
стр. 338
يسيراً من آل البيت، ويُكفرِّون الباقين، أو يُفَسِّقُونَهم، فَهُمْ أهلُ جَفَاءٍ (١) وادِّعَاء. (٢)
فأسعد الناس بالأخذ بوصية النبي ﷺ في آل البيت هم: أهل السُّنَّةِ والجمَاعَةِ.
قال صديق حسن خان القنوجي البخاري (ت ١٣٠٧ هـ): ... (والتجربة شاهدة بأنه ليس في الدنيا من خَلَفَهُم خِلَافَةً حَسَنَةً كما أرادَ ... رسُولُ الله ﷺ إلا عِصَابَةُ السُّنَّةِ وأهلُ الحدِيثِ.
بخِلافِ الخوارجِ، فإنَّهم خذَلُوا العِترة، وكذلكَ الروافض، فإنَّهم نافَقُوهُم معَ ادِّعاء المحبَّةِ والتعظِيمِ، وقَدْ كَذَّبَ فِعْلُهُم قَولَهُمْ). (٣)
قلت: بل كذَبَتْ أقوالُهُم كلُّهَا وناقضَ بعضُهَا بَعضَاً، وكذا الأفعالُ.
стр. 339
هذا، وإنَّ استحقاقَ آلِ البيت التكريمَ والرعايةَ مَشرُوطٌ بأمُورٍ:
الإسلام، فمن لم يكن منهم مسلماً، فلا محبة ولا تقدير، كعَمِّ النبي ﷺ : أبي لهب، وأبي طالب، ومَن مات على الكفر من آل هاشم.
وكذا حفظُهم حدودَ الشريعة، واستقامَتُهُم على السُّنَّةِ المطهَّرَةِ، فمَنْ اقترَفَ حَدَّاً؛ أقيمَ عليه، والنبيُّ ﷺ يقول: «لو أنَّ فاطمة بنتَ محمد سرقَتْ، لَقَطَعْتُ يدَها». (١)
ومَن نقصَ في الاستقامة وتعظيمِ الشريعة فلَهُ المحبةُ والتقديرُ والاحترامُ بحسَبَ نصِيبِهِ من الشريعة والسُّنَّةِ، محبَّةً تلِيقُ بحاله ـ لِبَقَائِهِ في الإسلام ـ، معَ نُصْحِهِ وتَذكِيرِهِ بما يَنبَغِي أنْ يَتَحَلَّى به. (٢)
والإنسانُ يَفضُلُ بإيمانِه وتقواه لا بآبائه ولو كانوا من بني هاشم. (٣)
стр. 340
قال النبي ﷺ لابنتِه فاطمة، وعمَّتِه صفية، وآلِه الأقربين: ... «اعملوا ما شئتم لا أُغني عنكم من الله شيئاً. أنقِذُوا أنفسَكم من النار». (١)
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَن بطَّأَ بِهِ عملُهُ؛ لم يُسرِعْ بهِ نسبُه». (٢)
قال ابن الأثير: (مَن أخَّرَهُ عملُه السيئُ وتفريطُه في العملِ الصالح؛ لم يَنفعْهُ في الآخرَة شرَفُ النَّسَبِ). (٣)
قال النووي: (مَن كان عملُه ناقصاً لم يلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغى أن لايتَّكِل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل). (٤)
قال ابن رجب: (معناه أن العمل هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ... (سورة الأنعام، آية ١٣٢)، فمَن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى، لم يسرع به نسبه، فيبلغه تلك الدرجات، فإنَّ اللهَ تعالى رتَّبَ الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ ... يَوْمَئِذٍ ... وَلَا ... يَتَسَاءَلُونَ﴾ (المؤمنون، ١٠١)
стр. 341
وقد أمر اللهُ تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال: قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ... فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ الآيتين (سورة آل عمران، آية ١٣٣ ـ ١٣٤) إلخ كلامه ﵀. (١)
* * *
стр. 342
فالخلاصة:
١. آل البيت، هم: أزواج النبي ﷺ ، وأولاده، وبنو هاشم.
٢. الصحابة منهم، له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، والصحبة، وآل البيت.
٣. أهل السنة والجماعة يُوجِبُون محبة آل البيت، ويرون أنها من محبة النبي ﷺ ، ويتولَّونهم جميعاً، بخلاف الرافضة الذين يتولون بعض آل البيت، ويُكفِّرون ويُفسِّقُون آخرين. وكذا النواصب.
٤. يرون موالاتهم ونصرتهم، ونشر فضائلهم، والدفاع عنهم، والذبِّ عن أعراضهم.
٥. يتبرأُ أهلُ السنة والجماعة من الجافين عن آل البيت، وهم: النواصب، والغالين وهم: الرافضة.
٦. يعتقد أهل السنة والجماعة أنَّ لآل البيت فضائل وخصائص وكرامة وشرفاً وسيادة، وليسوا بمعصومين كما تدَّعِيهِ الرافضة. (١)
٧. يعرفون لهم الفضائل والحقوق الواجبة من خُمُس الخُمُس من الفيء
стр. 343
والغنيمة، والصلاة عليهم تبعاً للصلاة على النبي ﷺ . (١)
٨. يتولون أزواج النبي ﷺ ويترضون عنهن جميعاً، فهُنَّ أزواجه في الدنيا والآخرة، ومن آلِ بيتِ النبيِّ ﷺ على الصحيح.
٩. لا يُغالون في آل البيت، فلا يرفعونهم فوق قدرهم المشروع، ولا يدَّعون لهم العصمة، فهم بَشَرٌ يُصِيبُونَ ويُخطِئون، وفيهم البرُّ والفاجر، ويتولَّونَ كلاً منهم بحسب إيمانه وصلاحه واتِّبَاعه لسُنَّةِ النبي ﷺ ، ولا يبخسونهم ما آتاهم الله من فَضلِهِ.
١٠. تفضيلُ آلِ البيت تفضيل جملة، لا يعني فَضلُهم في جميع الأحوال، وعلى كُلِّ الأشخاص، فقد يُوجَد مِن غَيرِهم مَن هو أفضلُ منهم لاعتبَارَاتٍ أخرَى من الصلاح والتقوى والنفعِ للأمة. (٢)
مسألة: تخصيص أحد من الصحابة من آل البيت بعبارة: (﵇) (١) والتزام ذلك.
ذكر أهل العلم أن التزام هذا الدعاء عند ذكر بعض آل البيت: كفاطمة،
стр. 346
وعلي، والحسن، والحسين، وذريتهم، من شعار الرافضة، ولا يصح تخصيص أحد من الصحابة بذكر معيَّن، فقد تتابع السلف الصالح على الترضي على الصحابة أجمعين، والترحم على غيرهم.
قال ابن كثير ﵀ في مَعرِض حديثه عن الصلاة والسلام على غير الأنبياء: (وقد غَلَبَ هذا في عبارةِ كثيرٍ من النُّسَّاخِ للكُتُبِ، أنْ يُفْرَدَ عليٌّ ﵁ بأنْ يقال: «﵇» مِن دون سائرِ الصَّحَابة، أو: «كرَّمَ الله وجهَه»؛ وهذا وإنْ كان معناهُ صَحِيحاً، لكنْ يَنبغي أن يُسَاوَى بَينَ الصَّحَابةِ في ذلك؛ فإنَّ هذا مِنْ بَابِ التعظيم والتكريم، فالشَّيخَانُ وأميرُ المؤمنين عثمان، أولى بذلك منه ـ ﵃ أجمعين ـ). (١)
قال الشوكاني ﵀: (وقد جرَتْ عادَةُ جمهورِ هذه الأمة، والسوادِ الأعظمِ مِن سَلَفِهَا وخَلَفِهَا على الترضي عن الصحابة، والترَحُّمِ على من بعدهم، والدعاء لهم بمغفرة الله وعفوه ... ). (٢)
وفي «فتاوى اللجنة الدائمة»: لا أصلَ لتخصيص ذلك بعليٍّ ﵁، وإنما هُو مِنْ غُلُوِّ المتشيِّعَةِ فيه. (٣)
стр. 347
وأشار العلامة العثيمين ﵀ إلى تخصيص الرافضة علياً بقولهم: ... «كرَّم الله وجهه»، وذكر أنَّ الترَضِّي أبلَغُ، ... ثم قال:
(وأما استعمالُ بعضِ العلماء ﵏ لها؛ فلأنَّه قد يكون في وسَطٍ شيعي، ويريد أنْ يروِّج كتابَه، فيقول: هذه كلمةٌ حقيقيةٌ، فإنَّ اللهَ كرَّم وجهَه؛ لأنه من الصحابةِ، فيقولها مِن أجل التأليفِ والإقبالِ على مؤلَّفَاتِه، كما يصنع ذلك أحياناً الشوكانيُّ ﵀). (١)
والذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن النهي عن ذلك إذا التُزِمَ هذا الأمر عند ذكر الصحابي دوماً، أمَّا أنْ يُذكَرَ «﵇» أو «﵍» أحياناً، فلا بأس به، لوروده في كثير من كتب أهل السنة والجماعة.
وأما القول بأنه تَصَرُّفٌ من النُّسَّاخ، فيَردُّهُ كثرةُ وُرُودِهِ في دَوَاوِينَ أهل السُّنَّة ومصنفاتهم، مما يُستَبْعَدُ أن يكون جميعُه مِن تَوارُدِ النسَّاخِ دُونَ نَكِيرٍ من العُلَماء.
أشار إلى هذا الاستبعاد السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) أثناء حديثه عن آداب الشيخ المحدِّث، ومنها: الترضي عن الصحابة عند ورود ذِكْرِهم
قال ﵀: (وكذا يقعُ في كثير من الأصول القديمة، حتى في ... «أحمد» و «أبي داود»: (عن علي ﵇). تاركاً لذلك في أبي بكرٍ، وغيرِه
стр. 348
ممن هو أفضلُ منه؛ بل يقع ذلك في فاطمة الزهراء أيضاً.
وعندي توقُّفٌ في المقتَضِي للتخصيص بذلك، مع احتمال وقوعِه ممن بعدَ المُصنِّفين، ولكنَّهُ بَعِيدٌ). انتهى (١)
ومن أمثلة وروده في دواوين السنة: ما جاء في «صحيح البخاري» وهو أكثرُ كتابٍ في السُّنَّةِ اعتنَى به العلماءُ ضبطاً وتحريراً لألفاظه، حتى الألفاظ التي لا تؤثِّر في المعنى، ومع ذلك ورد في كثير من نسخه وشروحه في مواضع عند ذكر فاطمة قوله: (﵍) وليس ذلك التزاماً في كل موضع. (٢)
стр. 349
فائدة:
الترضي على الصحابي (﵁) أفضلُ وأكملُ من قولِ: (﵇)؛ لأنَّ الرضا مرتبة عظيمة. قاله الإمام ابن عثيمين ﵀ (١)
وقال أيضاً في شرحه لِـ «صحيح البخاري»: (قولُه: «﵉» هذا لعلَّه من النُّسَّاخِ، وليس من البخاري ﵀؛ لأن قوله ﵄ أفضل من قوله ﵉؛ لأن الرِّضَا فيه سَلامٌ وزِيَادَة، والسلامُ فيه نَفْيُ المكرُوهِ فقَط، بخلاف الرضا، فإنَّه يُثْبِتُ أمراً زائدَاً على السَّلَامِ). (٢)
* * *
стр. 350
المبحث الرابع:
عناية أهل السنة والجماعة بجمع مرويات ... آل البيت وفضائلهم .
تنوعت عناية المحدِّثين بمرويات وفضائل آل البيت، فمنهم مَن:
١. أفردَ في آل البيت كلِّهم أو فردٍ منهم كتاباً مستقلاً ـ وهذا المقصود في هذا المبحث ـ.
٢. ومنهم من ضمَّن كتابَه مروياتهم أو المرويات فيهم، إمَّا:
أ) ... بترتيب «المسانيد = مرويات كل صحابي على حِدة»، مثل:
«مسند أحمد»، و «المعجم الكبير» للطبراني، وغيرهما، فنجد مثلاً في ... «مسند الإمام أحمد»: «مسند علي» (٢/ ٥)، و «مسند آل البيت» (٣/ ٢٤٤) فذكر: الحسن، والحسين، وعقيل، وجعفر، وعبدالله بن جعفر، ثم ذكر (٣/ ٢٨٧) مسند العباس وبَنِيه.
وفي (٤٠/ ٩) ذكر مسند النساء، ومنهن: أمهات المؤمنين، وفاطمة، وغيرهما.
وانظر أيضاً: «المسند المصنَّف المعلَّل» د. بشار عواد وجماعة.
стр. 351
ب) أو ضمَّنَ كتابَه المصَنَّفِ على الموضوعات والأبواب:
فنجد مثلاً في «صحيح البخاري»: كتاب المناقب، رقم (٦١)، وفيه أبواب منها: مناقب قريش، وبعده: كتاب فضائل الصحابة رقم (٦٢)، يبدأ من الحديث رقم (٣٦٤٩)، من أبوابه: باب في مناقب علي، وباب في جعفر، وآخر في العباس، وخديجة، وفاطمة، وعائشة، والحسن والحسين إلخ.
زيادة ما ورد ضِمْنَ بابِ فَضلِ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، وباب مناقب المهاجرين وفَضْلِهم.
وكذلك «صحيح مسلم» فيه: كتاب فضائل الصحابة، رقم (٤٤)، ضمَّنَهُ فضائلَ غالبِ الصحابة، ومن الآلِ: أهل بيت النبي ﷺ ، وأمهات المؤمنين: خديجة، وعائشة، وأم سلمة، وزينب.
وأيضاً: علي، والحسنين، وفاطمة، وجعفر، وعبدالله بن جعفر، وابن عباس، وغيرهم.
وكذا «جامع الترمذي»: كتاب المناقب: ذكر أبواباً في مناقب آل البيت من أمهات المؤمنين، والذرية، وآل هاشم.
وغير ذلك من كتب السنة النبوية المطهرة.
стр. 352
ج) ومنهم من ضمَّنَ أحاديث وفضائل آل البيت كتابَه المفرد في ... «فضائل الصحابة»، مثل:
الإمام أحمد، والدراقطني، وغيرهما.
وأوسعُ كتاب في هذا الباب: «الأحاديث الورادة في فضائل الصحابة ﵃ في الكتب التسعة، ومسندي البزار وأبي يعلى، والمعاجم الثلاثة للطبراني» د. سعود بن عيد الصاعدي. طبع في (١٢) مجلداً، ثم طبع مستدرك في ثلاثة أغلفة ـ ط. عمادة البحث العلمي في الجامعة الإسلامية في المدينةالنبوية ــ ط. الثانية (١٤٣٥ هـ). (١)
د) ومنهم من ضمَّنَ فضائلهم كتابَه في التراجم العامة، أو تراجم الصحابة خاصة، مثل:
كتاب: «الطبقات الكبرى» لابن سعد، و «معرفة الصحابة» لابن مندة، وأبي نعيم، و «معجم الصحابة» لابن قانع، و «الاستيعاب» لابن عبدالبر، و «أُسد الغابة» لابن الأثير، و «جامع السير» لابن ناصر الدين الدمشقي، و «الإصابة» لابن حجر، وغيرها.
стр. 353
والكتب المفردة في آل البيت، أو فردٍ منهم كثيرة جداً، منها: المطبوع، ومنها المخطوط المعلومُ مكانه، ومنها مالا يُعلَم وجود نسخ منه.
إنَّ جَمعَ عناوينها يحتاج إلى كتاب مستقل، والقصد هنا التمثيل بنماذج منها، لبيان اعتناء أهل السنة والجماعة قديماً وحديثاً بآل البيت؛ لذا سأقتصر على ذكر الكتب العلمية المطبوعة دون استقصاء لها. (١)
وسأتجاوز ذكر بعض الكتب المعاصرة الثقافية التي تجاوزت العلم والتوثيق والتحرير، وعرضَتْ التراجم عَرْضَاً قصَصِياً تشويقياً لاتخلو من زيادات من قِبَلِ المؤلِّف؛ لِتَكمِيلِ عناصر القِصَّة! !
стр. 354
يمكن تقسيم الكتب المفردة إلى أربعة أقسام:
الأول: الكتب المفردة العامة في آل البيت ﵃.
الثاني: الكتاب المفردة في أزواج النبي ﷺ أمهاتِ المؤمنين.
الثالث: الكتب المفردة في ذرية النبي ﷺ .
الرابع: الكتب المفردة في بني هاشم.
تنبيه: المؤلَّفَاتُ المفردة في «فاطمة»، سبق ذكرها في التمهيد: المبحث الأول.
القسم الأول: الكتب المفردة العامة في آل البيت ﵃. (١)
منهم من يَقصُرُ ذلك على أصحاب الكِساء: علي، وفاطمة، وأولادهما. وآلُ البيتِ أشمَلُ بكَثيرٍ من أصحابِ الكساء. (٢)
وفيما يلي ترتيب الكتب على الحروف الهجائية.
стр. 355
١. «إتحاف الصَّدِيق بعلاقة آل البيت بالصِّدِّيق» ط. جمعية الآل والأصحاب في البحرين.
٢. «إتحاف العقول في أخبار آل بيت الرسول ﷺ » ... أ. د. قاسم حسن آل شامان السامرائي، ط. دار الكتب العلمية في بيروت، ط. الأولى (١٤٣٤ هـ).
٣. «أحاديث الفضائل العامة لأهل البيت جمعاً وتخريجاً» ... للشيخ: عبدالفتاح محمود سرور، ط. مبرة الآل والأصحاب في الكويت، ط. الأولى (١٤٣٤ هـ).
٤. «إحياء الميت بفضائل أهل البيت» للسيوطي، له طبعة قديمة في القاهرة (١٣١٢ هـ). وطبع بتحقيق: أحمد صقر الحسيني ط. دار المدينة المنورة في المدينة (١٤٢٠ هـ).
وطبع الكتاب في إيران كثيراً، منها: بتحقيق: كاظم الفتلي، ط. منظمة الإعلام الإسلامي في طهران (١٤١٥ هـ).
وطبع أيضاً في بيروت. وله طبعة بتحقيق محمود شريعة زادة ١٩٩٠ م.
٥. «الإبانة لما لأهل البيت ﵈ من المناقب والمكانة» ... د. ناصر الحمد، ط. كنوز اشبيليا في الرياض، ط. الأولى (١٤٣٣ هـ).