كأنها المصطفى في سمتها وإذا ... مرت فأشبه إنسانٍ بمشيته
كانت له البنت والأم الرؤوم لما ... يلقاه من قلبها الحاني ورقته
أحبَّها وارتقى أبناؤها نُزلًا ... في روحه لا يُسامى في مكانته
تعلمت منه أفنان الصفات وما ... تحيد طرفة عينٍ عن وصيته
تقواه، إخلاصه، إشراق طلعته ... وفاءه، وزلالاً من رَوِيَّته
إحسانه، لطفه، آدابه، وشذا ... ما بثَّه في البرايا من هدايته
حياءُه، طُهره، بستان رقَّتِه ... طيب التعامل فيه، صِدقُ نيَّتِه
تطل كالبدر في دنياه تسطع في ... سمائه وهي عطرٌ في معيته
حتى إذا حارب الأعداء كان لها ... حضورها المتجلي في سريته
أما نظرت إلى الزهراء في أُحُدٍ ... كم نالها من رزاياه وشدته؟
ثم انبرت في خضم الهول مسرعةً ... لكي تداوي أباها من إصابته
إذا رآها كأنَّ الأرض باسمةٌ ... له ففي وجهها أسرار بهجته
يقوم إن أقبلت أنسَاً يعانقها ... يضمُّها وهي في شوقٍ لضمته
يصغي إليها يُحيِّيها يؤانسها ... وترتوي وهي جَذْلَى من مودته
تدنو إلى رأسه الزاكي تقبِّلُه ... وراحتاها حريرٌ فوق وجنته
يَهُبُّ إن نالها ضيمٌ ويغضب مِن ... إغضابها لا يجارى في حميته
بكت حنانَاً وإشفاقَاً لمنظره ... لما رأته يعاني يوم وعكته
كانت تظن أباها لن يغيب فما ... في بالها أنها شكوى منيته
أشار فاقتربَتْ منه فساررها ... فأشرقَ الوجه يحكي عن بشارته
стр. 282
يا أول الناس إقبالاً عليَّ إلى ... جنان ربي ومَن يحظى برحمته
بشراك خير نساء العالمين ويا ... أعز إنسانةٍ تأوي لجنته
وحَلَّ ما حلَّ بالزهراء من كمَدٍ ... لهول ما كان من خطبٍ ولوعته
مات الحبيب رسولُ الله سلوتها ... وخيَّمَ الحزن فتَّاكاً بحرقته
وأصبح العيش في الدنيا يؤرِّقها ... وكيف تصفو حياةٌ بعد غيبته؟
ضاقت على قلبها الدنيا بما رحبت ... لو جاز شرعاً لنامت فوق تربته
فاختارها الواحد الباري ليسعدها ... برفقة الوالد الحاني وصحبته
يا روعة الطهر يا عطر النبوة يا ... ثوب الحياء الذي يسمو بروعته
يا منهل الفضل يا معنى العفاف ويا ... سباقةً لرضا الباري وطاعته
يا خير ما حفظ الرحمن من نسبٍ ... وحُقَّ لي الفخر أني من سلالته
عِزٌّ لشاعرك الأوفى إذا سطعت ... أنوار خير الصبايا في قصيدته
هذي نسائم وُد غامرٍ وهوىً ... من مولعٍ صادقٍ في حب سادته
ما أعذب الشعر في آل النبي وما ... ألذَّه مثل شهدٍ في خليته
هذا فؤادٌ هَواكم سِر فرحته ... وحبكم ورضاكم من سجيته
* * *
стр. 283
٣٢. منظومات لترجمة فاطمة ﵂ - (١)
لقد بحثتُ كثيراً عن قصائد، أو منظومات في فاطمة ﵂، ولم أجد شيئاً ـ سالماً من الغلو ـ إلا ما ذَكرته سابقاً.
واستكتبتُ بعضَ مَن أثق بجودة شعره أو نظمه، ميسراً لهم ذلك بمختصر جداً لترجمتها، ولم أتمكن مِن الحصول إلا مِن اثنين:
١ ــ من فضيلة الشيخ الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري (٢) فقد طلبتُ منه نظماً في فاطمة ﵂، وأرسلتُ له مختصراً من هذه ... الترجمة (٣)، فاستجاب لذلك ورحَّبَ ـ أحسن الله إليه وجزاه خيراً ـ، ثم نظمَها في مئة بيت، وأرسلها إليَّ (٤)، وهي التالية:
стр. 284
متن الأرجوزة الفاطمية المسماة:
«السنن العاصمة في مناقب فاطمة ﵍»
للشيخ الفقيه الأديب د. جبران بن سلمان بن جابر سحَّاري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناظم
الحمد لله الذي علَّمنا ... مذاهب الأسلاف إذ فيها الغِنى
فمن طريقِهم أتانا الدينُ ... مؤصّلاً شعارُه التبيينُ
ما فيه من ميلٍ عن الآثارِ ... ولا تكلفٍ لمن يماري
وهذه الأرجوزة المُرتّبة ... فيما لبنت أحمدٍ من مَرْتبة
صلى عليه ربُّنا وسلَّما ... وآله وصحبه ومَن سما
تحوي صحيح الفضل أضحت عاصمة ... في سيرة «الزهراء» وهي «فاطمة» (١)
بنتُ النبيِّ المصطفى المطهّرة ... زوجُ ابنِ عمه المسمى «حيدرة» (٢)
أتت على منهج أهل السنةِ ... وحبهم للآلِ خير عترةِ (٣)
سألنيها الفاضلُ «المديهشُ» ... وهو اللبيبُ الفاحصُ المفتشُ
стр. 285
عن هذه الفضائل المسطورة ... في الكتب النافعة المنشورة
فلم أجد بُداًّ من امتثالي ... سؤالَه فهو أخو أفضال
اسمها ونسبها وكنيتها ولقبها
«فاطمةُ» اسمها من الفطْم الجلي ... وهو انفصالٌ عن رضاعٍ فاعقل
نسبُها إلى الرسول الهاشمي ... محمدٍ لنسل عدنانَ نُمي
من ولدِ اسماعيلَ للخليلِ ... يعودُ في التحقيق يا خليلي
كنيتها: «أم أبيها» كم لها ... من شرفٍ بهِ يطاول السُّها
وقيل: أم الحسنين أيضاً ... أفاده ابن حجرٍ خذ فيضاً
لقبُها: الزهراءُ والبتولُ ... كم لهجت بذينك الفحولُ
الأول الضياء والإنارة ... من البياض فاحفظ العبارة
وأما البتول فمن التبتُّلِ ... وذاك الانقطاع لله العلي
وقيل: إن اللقبين انطلقا ... من قبل الشيعةِ ثم صُدّقا
من بعض أهل السنةِ الأخيارِ ... إذ ليس فيهما من استنكار
والحقُّ عندنا هو المعتبرُ ... يُقبل ممن قاله فحرّروا
والدُها ووالدتها
والدها أفضلُ خلقِ الله ... محمدٌ هو ابن عبدالله
القرشيُّ الهاشميُّ العربي ... سيّدُ نسلِ آدمٍ خيرُ نبي
وأمها: خديجةٌ خيرُ النساء ... في هذه الأمةِ ذات الائتسا
وكلُّ أولادِ النبيِّ منها ... سوى ابنه ابراهيم فاحفظنها
стр. 286
أولُ من آمن ثم صدقه ... وثبتتْ، به مضت لورَقة (١)
أفضالها فاقت بها أناما ... والله قد أقرأها السلاما
مولدها زماناً ومكاناً
قد وُلدت فاطمةُ الأبيَّة ... من قبل بعثةِ النبيْ السنيَّة
بخمسةِ الأعوام في المرجّحِ ... في بيته بمكةٍ فصحح
ترتيبها بين أخواتها
ترتيبها الرابع فهي الصغرى ... من البنات للنبيِّ طُراًّ
من بعد زينبٍ كذا رقيّة ... وأم كلثومٍ حوتْ مزيّة
قد دخلت في الدين من قبل البلوغ ... واتبعت والدها شأن النبوغ
نشأتها
ونشأت في بيت خير الخلقِ ... وخيرِ أمٍّ بالهدى والحقّ
ورضعت بوادر العبادة ... والعلم والأذكار والزهادة
صفتها وشمائلها
صفاتها قد أشبهت أباها ... في المشي والسمت وما قد فاها
به من الكلام والهداية ... من شابه النبيَّ حاز الغاية
لها من الشمائل الأثيرة ... الشرف الأعلى وحسن السيرة
стр. 287
ملازمتها لأبيها ودفاعها عنه
كم لازمت والداها النبيّا ... وعنه ردّت مارقاً أذيّا
وسبّت الفاعل للفجورِ ... إذ دفعت عنه سلا الجزور
وطبّبت جراحه وأوقفت ... دما يسيل منه ثم سترت
مقامه إذ رام الاغتسالا ... في «الفتح»، من برِّ حوتْ خصالا
وبقيت كل حياتها معه ... ولحقت بنصف عامٍ مسرعة
هجرتها
تقدمت راغبةً في الهجرة ... وعُمرها نحو ثمان عشرة
من بعد هجرة النبي المصطفى ... بسبعة من الشهور فاعرفا
محبة المسلمين لها
أحبها أهل الهدى والملة ... من كلِّ مسلمٍ كذا الأجلة
وحبها دينٌ وإيمانٌ غدا ... على الجميع واجباً مؤكدا
وقد غلا الشيعةُ والأراذلُ ... في حبها وأمرهمُ لسافلُ
إذ كذبوا وزوّروا كل بِنا ... في وصفها وهيَّ عنهُ في غنى
زوجها
وزوجها عليٌّ ابنُ عمِّ ... والدها صاحبُ فضلٍ جمّ
رابع خير الخلفاء الراشدين ... فدى أباها، حبُّه والله دينْ
في السنة الثالثة الهجرية ... تزوجا فنعمتِ الذريّة
стр. 288
من علاقتها مع زوجها
فصبرت وصابرت وخدمتْ ... وسبحت وكبرتْ وهلّلتْ
وامتثلت قول النبي الخاتمِ ... بأن ذا خيرٌ لها من خادم
أولادها
وأنجبت لزوجها الأولادا ... الحسن الذي بصلحٍ سادا (١)
ثم الحسين بعده مُحسّنُ ... وزينبٌ وأم كلثوم افطنوا
فالحسن الذي غدا شبيها ... للمصطفى محمدٍ أبيها
وعقَّ عنهما النبيُّ كبشا ... كبشاً وبالسعد غدا أبشَّا (٢)
عقبها
ونسلها من حسنٍ مع الحسين ... وزينبٍ وصيتهم في الخافقين
أولئك الأشراف فيما اشتهرا ... وسادةٌ بهم يقرُّ الكُبَرا
علمها
وعلمها وفقهها في السننِ ... سار جلياًّ للحصيف الفطن
قد حفظت عن النبيِّ الهادي ... من الحديث جملة الأعداد
لم يرو عنه غيرُها من ولدِه ... حديثها فيه علوُّ مُسنِده
стр. 289
مسنَدُها حوى لها ثمانية ... وأربعين (١) واضحاتٍ دانية
لم تنقطع لغير ذاك البتة ... روى لها أصحابُ كُتْبٍ ستة
فأنسٌ عنها روى كذا ابنها ... هو الحسين وعليٌّ زوجها
وأم رافعٍ وأم سلمة ... عائشةٌ، حديثهم ما أعظمه!
ففي الصحيحين لها ثلاثةُ ... والسننِ الأربع قل: أربعةُ
وعند أحمدٍ فأربعٌ أتت ... وأربعٌ مع الثلاثين انجلت
في سائرِ الكُتْبِ وفي علم السيَر ... مع التواريخ حديثٌ مستَطر
عنها حديثان بلا إسنادِ ... استُدركا في كتبٍ أفراد
فتمت العدةُ خمسين سوى ... اثنين (٢) فاحفظ منه ما عدلٌ روى
فضائلها وخصائصها
وقد حوت فضائلاً كثيرة ... مسطورةً في كتبٍ للسيرة
فإنها قد بُشّرتْ بالجنةِ ... سيدةُ النساءِ تاجُ العفة
صابرةٌ ديِّنةٌ وخيِّرة ... صيِّنةٌ قانِعَةٌ مستغفرة
الكذب على فاطمة
وهكذا كلُّ ذوي فضلٍ وجب ... فليس ينجو من مبالغٍ كذَب
فكذبُ الرافضة الكثيرُ ... قد عمّ آل البيت يا خبيرُ
стр. 290
فاخترعوا من الأباطيل الهُرا ... وزوَّروا وأكثروا المستنكرا
وابتدعوا في وصفها مناقبا ... مع الغلو؛ كن لها مجانبا
طلبها الميراث وعلاقتها بأبي بكر الصدّيق ﵄
وطلبت ميراثها من النبي ... ولم تكن تعلمُ قبل الطلب
أن أباها ليس موروثاً كما ... أخبرها الصدّيقُ قولاً مُحكما
فوجدت في نفسها وهجرتْ ... حتى وفاتها وهذا قد ثبتْ
وقيل: قد أقنعها الصديقُ ... قبل وفاتها وذا خليقُ
من بعده بايعه عليُّ ... قدرُهما في أمتي عليُّ
ما نُظم في مدحها من الشعر
في مدحها التشريف للمحابرِ ... كما أتى للحافظ «العساكرِ» (١)
كذاك «إقبالٌ» على ما اشتهرا ... من نظمه أرجوزةً مفتخرا (٢)
كذاك للمعاصرين مسلكُ ... في نظم بعض فضلها يُستدركُ (٣)
حزنها على وفاة أبيها
وحزنت على وفاة المصطفى ... وكربُها قد شاع فيما وصِفا
وقد نعتْ في تلكم المصيبة ... خير الأنام إنها لبيبة
стр. 291
وصيَّتها
وقيل: قد أوصت بأن تُدفنَ في ... ليلٍ لحرصها على السترِ اعرف
وفاتها
وفاتها بعد أبيها المصطفى ... بستة الأشهر فيما عُرفا
سنة إحدى عشرة فلتعلم ... في ثالث من رمضانَ الأعظم
يوم الثلاثا، زوجُها غسّلها ... صلى عليها والبقيع أدخلا
للدفن ليلاً فيه فالوصية ... نافذةٌ من حرةٍ أبيّة
وعمرها إذ ذاك في العشرين ... بعد ثمانٍ من رحى السنين
قبرها
وقبرُها وسْط بقيع الغرقدِ ... بلا خلافٍ فاستمع واستفد
مَن ترجَم لفاطمة ﵍
ترجمها جمعٌ من الأعلامِ ... كالذهبيِّ الحافظ الإمام
وثَم مَن أفردها كالحاكمِ ... ثم السيوطيِّ بثغرٍ باسم
ثم الصلاة والسلام السرمدي ... على النبيِّ المصطفى محمد
وآله وصحبه ومن سلك ... سبيله ما دار نجمٌ في الفلك (١)
* * *
стр. 292
٢ ــ منظومة أخرى، كتبها لي فضيلة الشيخ الفاضل اللغوي: محمود بن محمد بن محمد بن هارون بن الصالح بن سيدي أبي بكر الإدريسي الحسَنِي ... ـ حفظه الله ورعاه ـ. (١)
منظومة في فاطمة ﵂
عظُم المرامُ فهل يُساعِفُ خاطري ... بنظيمِ دُرٍّ من ثناءٍ عاطِر
أم هل لشعر أن تُحيطَ بحورُه ... بخصائص الزهراء أخت الطاهر
ومحاسنٍ شاد المنزَّلُ أصلَها ... فزَكَتْ وأَغْنَتْ عن سموط جواهر
نُبِّئْتُها فوق الحصى تَعدَادُها ... يذر المفوَّه كالعييِّ الحائر
إنَّ المهابةَ ألجمَتْهُ مفحَماً ... بالعيِّ عن خوضِ الخضَمِّ الزاخر
ماذا يقول عن البتول أما كفى ... شرفاً لها يومُ الكساءِ الساتر
مجدٌ تأثَّل في ذؤابة هاشمٍ ... وأتَمَّ أحمد نظمَ شملِ مآثر
هي بضعة المختار سَيِّدةُ النسا ... فَرعٌ لدَوح مكارمٍ ومفاخر
وبأنها خير النساء وأُمُّها (٢) ... صحَّ الحديثُ عن النبي الحاشر
стр. 293
زهرَا تَفتَّقَ نورُها مُتألِّقَاً ... من دارة البدر المنير الزاهر
وهي البتول علَتْ على كُلِّ النسا ... في الفضل والحسب المنيف الباهر
لقبَان من هذا ومن هذا جلا ... عنوانُ طهرِ بواطنٍ وظواهر
إنْ كان أهلُ الرفض مُبتَكرَيْهِمَا ... فمِنَ البداهة لا صياغةِ ماهر
ولها إذا عُدَّ الفخَارُ بسيِّدِيْ ... شُبَّانِ دارِ الخلدِ تَاجُ مَفَاخِر
وبِذَين كانت تكتَنِي وبِبِكْرِها ... وبأمِّ والدها السراجِ الباهر
بنت الأمين محمد وخديجة ... خير النساء وأمِّ نسل الحاشر
أي أمِّ كلثوم وزينبَ قاسمٍ ... ورقيةٍ أمِّ الحسين الزاهر
أبنا خديجة حلقة ذهبية ... لم يُدْرَ منها أوَّلٌ من آخر
وإذا جَنَحْتَ إلى فضائل أمِّها ... أَخَذَتْ بأطراف الفخار السائر
من مثل أم المؤمنين خديجةٍ ... نُبْلاً وأخلاقاً وحُسنَ مآثر
فالمجدُ والشرف الرفيع لمن غَدَتْ ... لمحمد سكنا وأيّ مناصر
واستبشرت بالوحي أولَ مؤمن ... بنبوة الهادي الأمين موازر
جبريلُ أقرأَها السلامَ تحيةً ... من ربها مصحوبةً ببشائر
بيتٌ من القصب المجوَّف ما بِه ... صخب ولا نصب كهمِّ الناظر ... به
وبمكةٍ من قبل بعثة أحمدٍ ... بسنين خمسٍ في عديد مصادر
ميلادُ فاطمة وغيرُ محقَّقٍ ... تحديدُ شهر بل أُفَيكة آثر
وبمهبط الأنوار حضنِ المصطفى ... ظلَّتْ تُعلَّل بالضياء الباهر
فتألقَتْ منها مشابهُ أحمدٍ ... وشمائلٌ تُزرِي بنفح أزاهر
стр. 294
هدياً وسمتاً مشيةً ما أخطأت ... من مشية الهادي نُقَارةَ ناقر
كم هَشَّ مقبلةً إليها مَرْحَبَاً ... بنتي وناجاها بغيب صائر
والله أكرمها سنين حياته ... بجواره فاستاثرت بمآثر
من برِّه من نصره بمواقف ... تركت لها حسن الثناء السائر
فهي التي قد زحزحتْ عنه السلا ... وَتَلَتْ شتائم للفريق الكافر
وهي التي عند اغتسال المصطفى ... لدخول مكة كنَّنَتْهُ بساتر
وغداة أُحْدٍ كَمْ سعَت في نسوة ... بالما إلى أُسْدِ العراك الدائر
واذكر جميل بلائها إذْ أوقَفَتْ ... نزف الدماء من الجبين الطاهر
وهناك ناولها أبوها سيفَه ... نَقِّي الدماءَ عن الحسام الباتر
هذا اسم فاطمة كثير تردد ... بحديث أحمد لاهتمام ظاهر
ولربما نُعِتَتْ ببنت محمد ... رمزاً لصدق عواطف ومشاعر
وأتت مهاجرةً لبضعة أشهر ... من هجرة المختار خير مهاجِر
مع أمِّ كلثوم وسودةَ أمِّنا ... وأسامةٍ وأبيه حِبِّ الحاشر
في آل صاحبه أبي بكر أبي ... غُرَر السوابق والثناء العاطر
لله درُّ ابن الربيع فقد وفى ... لنبينا عِدَةَ الكريم الشاكر
تسريح زينب بِنتِهِ فتَجَهَّزَتْ ... مع حَمْوِهَا عَنَقَاً لدار الحاشر
وسرَتْ مُهاجِرَةً ويا قُبحاً لما ... فعل الكفور من الجفاء السافر
نخَسَ البعيرَ بها فألقت حملها ... مما دهاها من البعير النافر
مَن حام حول حمى النبي فإنه ... للهلك ساعٍ والبَوارِ الحاضر
стр. 295
يا آلَ أحمدَ حقُّكُم نصَّاً أتى ... في سورة الشورى فهل مِن ذاكر
عهداً علينا واجبَاً إذْ كان من ... حب الرسول موثقاً بأواصر
ولحبكم في المسلمين بأسرهم ... بادٍ على بادٍ رأيت وحاضر
ومودةُ القربى لديهم طاعة ... وعقيدة ودليل يُمْنٍ وافِر
وبِكُتْبِهم مأثورة مسطورة ... تُرْوَى وتُدْرَسُ كابراً عن كابر
قد زاغ طائفتان فيه روافض ... ونواصب باؤوا بصفقة خاسر
فالناصبيُّ مجاهر بعداوة ... والرافضيُّ بعكسه في الظاهر
دَسَّ القوادح في مدائحَ زاهياً ... ومباهياً بهوَى الغلوِّ السافر
ومتى تخَلَّتْ أمَّةٌ عن سنة ... سلكَتْ بُنَيَّات الطريق الجائر
إن العَشاءَ هَوَى بهم في هوَّةٍ ... لو يبصرون فلا لعا للعاثر
أيروِّجُونَ ببنت أحمد بدعةً ... باءَتْ حُشودُهُم بِتَجْرٍ خَاسِر
علَتِ البَتولُ على المجرَّةِ هل ترى ... ما فوقها مِن مُرتَقَى ومَظَاهِر
وغَلت فما ترضى لها زوجاً سوى ... بدر تكَامَلَ في سماء مفاخر
من هاشمٍ طرفاه في بحبوبة ... حيث المجادةِ والفخارِ الفاخر
ذاك ابن عم نبينا وأخوه ذو ... لبَّاه أول مؤمن ومناصر
بادي السيادة والفروسة والهدى ... إن الفرات من المحيط الزاخر
رَبِّع به الخلفاء فهُوَ نديدهم ... وقرينهم في سؤدد ومآثر
حبر المنزل أي راسٍ راسخٍ ... في العلم كان من الطراز النادر
وقضيَّةٌ مَّا لا أبا حسنٍ لها ... مثل يَصُكُّ صدَاه كُلَّ مكابر
стр. 296
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كنتَ تعرفُ زاكياتِ عواطر
ويح الحسود فكم له من نعمة ... كالنشر في محسوده لمآثر
عدد الحصى مشهورة مشهودة ... طفحَتْ بمسندها ألوفُ مصادر
من كان مولًى للرسول فإنه ... مولَى عليٍّ من حديث الحاشر
صهر النبي وسيف مولانا علَى ... أعدائه ليث الحروب الزائر
شهد المشاهدَ غيرَ غزوة عسرةٍ ... خلَفَاً على آل النبي الطاهر
فغدا كما هارونَ من موسى أخا ... لنبينا أمسى بحظ وافر
وبتفلةٍ ميمونةٍ من أحمد ... في عينه حلَّ الشفا ببواصر
واختصَّهُ ربي براية خيبر ... قُرنَتْ بغُرِّ مناقب ومآثر
حبُّ الإله علا وحبُّ نبيه ... وبشارة أخرى بفتح ظاهر
وبمرحب ضاقت معاقل خيبر ... دوَّى بها صوتُ الهزبر الكاسر
هذا عليٌّ بالفوارس نازل ... ومعجل ليهود عقبى الكافر
اللهُ أكبر أيُّ حصنٍ قد هوى ... في خيبر فَغَدَا كأمس الدابر
بجيوش أحمد فتيةٍ من طيبة ... كأسود بيشةَ في قناً وبواتر
هذا الذي اختارته بنت محمد ... زوجاً بذروة سؤدد ومآثر
رضي الحبيب به وبارك داعيا ... لهما دعاءً واعداً ببشائر
فتسلسلت ذريَّةٌ نبويةٌ ... علوية منها منائر سائر
سبطا الرسولِ ومحسنٌ مع زينبٍ ... وبأم كلثومٍ تمامُ أزَاهِر
درجوا بلا عقِبٍ جميعاً ما عدا ... ريحانتَي خيرِ العباد الحاشر
стр. 297
وكذاك زينبُ أعقبت ذريةً ... في باذخِ الشرف الرفيع الظاهر
أبناء عبدالله فلذة جعفر ... أي نجله قُطْب السخاء الزاخر
ثم الشريف لآله طراً جرى ... لقباً تواتر في الزمان الغابر
وبنو عبيد وحدَهم خصُّوا به ... ذُريَّةَ السِّبْطَين دون معاشر
من سائر القربى وكم من عثرةٍ ... للباطنية لا تقال لعاثر
ولهم أضافوا مع شريفٍ سيِّداً ... مقرونة بسماه عند الذاكر
كلٌّ جرى إطلاقه عُرفاً على ... آل الحسين وصنوِهِ في الغابر
بنقول أهل العلم جارٍ والقضا ... في رسمهم لصكوكه ومحاضر
من خص صنفاً عن سواه بسيِّد ... تَركَ الصوابَ إلى طريق جائر
يا ليته إذْ لَجَّ في تفريقه ... ردَّ القضية للحديث السائر
بسيادة الحسن الرضى وبِلَمِّه ... لشتات أمَّةِ جدِّه المتناثر
لا لا تُفضِّلْ بين آل محمد ... لمناطق أو لاختلاف عشائر
فبوصفهم قُربى النبي وآله ... أحكامُهُمْ لا باصطلاح معاشر
فهنالك الشرف المضيء بأصله ... تقوى الإله ولا صعودَ لفاجر
وبَني البتول مَيَّزوا بعمامة ... أو شطفة خضراء دون مشاطِر
فبتلك أو بعصائب خُضْر على ... تلك العمائم زِيُّهُم في الآخر
ولَنُورُ أحمَدَ ساطعاً بجباههم ... أجلى لباغي قرائن وأمائر
والهاشميُّ وِلايةً في عرفهم ... وَسْمُ المُوَالي والحليفِ الناصر
رجعى لفاطمة وهات ما روى ... عنها الأئمة من حديث الحاشر
стр. 298
فهي التي قد لازمته حياتَها ... ليس البعيد كالقريب الحاضر
أحرى حَرِيٍّ أن تحدث ما تشا ... ببواطن من أمره وظواهر
فروى ابنُها أعني الحسينَ وبنتُه ... وأبوه عنها في جموع أكابر
وكذا الجماعة قد رووا في كتبهم ... عنها الحديث كابراً عن كابر
هذا ومسندها تناهى سبعة ... في سبعة أخرى بعدٍّ حاصر
قد خرج الشيخان منه ثلاثة ... وتفرق الباقي خلال مصادر
يا ليتها عاشت طويلاً نرتوي ... مما تُروِّي عن أبيها الحاشر
رضي الإله عليكم من صفوة ... خلقت شموس هداية للسائر
فلأنتمُ آل النبي أحقُّ مَن ... راجت بهم دُرَرُ الثناء السائر
ولأنتم أولى الورى بفواضل ... وفضائل ومكارم ومآثر
صلى الإله على أبيك نبيِّهِ ... وعلى الصحاب مُهَاجرٍ ومُنَاصِر
والزوجِ ما سار الحجيج ملبِّياً ... ومهلِّلاً بطوائر ومواخر
وكذاك ما صلى عليه مسلِّماً ... عَبدٌ فآب بها بخير وافر
* * *
стр. 299
٣٣. لطائف في موضع باب فضائل = مناقب فاطمة، أو ترجمتها.
١ ــ موضع باب مناقبها:
كثيرٌ من أهل الحديث بدأوا في مصنفاتهم بفضائل ومناقب فاطمة، قبل غيرها من النساء.
بدأ الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) ﵀ في كتابه «فضائل الصحابة» بفضائل العشرة المبشرين بالجنة، ثم بعدهم (٢/ ٧٥٤) فضائل فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم الحسن والحسين ... إلخ.
وأما في «مسنده» فقد بدأ الإمام أحمد في مسانيد النساء بمسند عائشة أم المؤمنين، وقد استغرق أربع مجلدات ـ ط. الرسالة ـ من مجلد ٤٠ إلى ٤٣). ويبدو أنه بدأ بها لكثرة أحاديثها ﵂.
ثم بعدها: مسند فاطمة ﵂ في أول مجلد (٤٤/ ٩ ـ ٢١). (١)
стр. 300
والإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ﵀ في «صحيحه» في كتاب المناقب، قدَّمَ بابَ مناقبِ فاطمة قبلَ مناقبِ عائشة.
وهي ـ أعني فاطمة ـ أول امرأة يَردُ لها بابٌ في كتاب المناقب.
وأما خديجة فأورد فضلَها بعد ذلك بعشرين باباً ضمن كتاب مناقب الأنصار: باب تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂.
أما الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ) ﵀ في «صحيحه» فمن المعلوم أنه وضع في صحيحه كتباً، ولم يضع أبواباً، وإنما وضعَها مَن بعدَه مِن الشراح، كالقرطبي والنووي. وإن كانت أحاديث الإمام مسلم مرتبة على الأبواب دون تسميتها.
فقد ذكر كتاب فضائل الصحابة، وأورد أحاديث في فضائل غالب العشرة المبشرين بالجنة، ثم الحسن والحسين، ثم أهل البيت، ثم زيد بن حارثة وأسامة، ثم عبدالله بن جعفر، ثم خديجة، ثم عائشة، ثم فاطمة، ثم أم سلمة أم المؤمنين، ثم زينب أم المؤمنين، ثم أم أيمن ... إلخ
والإمام الترمذي (ت ٢٧٩ هـ) ﵀ في «جامعه» ذكر: باب ما جاء في فضل فاطمة بنت محمد ﷺ . وهو أول باب في مناقب امرأة من كتاب المناقب.
ثم بعدها: خديجة، ثم عائشة، ثم أزواج النبي ﷺ -
стр. 301
والطبراني (ت ٣٦٠ هـ) ﵀ في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٣٩٦)، قال: (ما انتهى إلينا من مسند النساء اللاتي روَين عن رسول الله ﷺ ، خرَّجْتُ أسماءَهُنَّ عَلى حُروفِ المعجَمِ، وبدَأَتُ بِبَنَاتِ ... رسُولِ الله ﷺ وأزواجِهِ؛ لِئَلا يتقَدَّمَهُنَّ غيرُهُنَّ.
وكانَتْ فاطمةُ أصغرَ بناتِ رسُولِ الله ﷺ ، وأحبَّهُنَّ إليه؛ فبَدَأتُ بِهَا لِحُبِّ رسُولِ الله ﷺ إيَّاها.
والآجري (ت ٣٦٠ هـ) ﵀ في «الشريعة» بدأَ بفضائل الخلفاء الراشدين، ثم (٥/ ٢١١٣) كتاب فضائل فاطمة، ثم كتاب فضائل الحسن والحسين، ثم كتاب جامع فضائل أهل البيت.
وأبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ هـ) ﵀ قال في «معرفة الصحابة» (٦/ ٣١٨٥): (بَدَأنَا بِذِكْرِ بنَاتِهِ، ثمَّ أزواجِهِ، ثمَّ سائرِ الصحابيات بعدَهن ... ـ رضوان الله عليهنَّ ـ على حُروفِ المعجم، حَسبَ ما انتَهى إلينا، وأحطْنَا بِهِ عِلْمَاً، والله ولي التوفيق.
بدأنا بِذِكْرِ فاطمة ﵂؛ إذْ كانَت عُضْوَاً من أعضائِهِ، وكَانَت مخصوصة مِن بَين أولادِهِ بمَحَبَّتِهِ لها، كانَتْ أصغرَ بنَاتِهِ سِنَّاً، بشَّرَهَا النبيُّ ﷺ أنَّها أولُ أهلِهِ لُحُوقَاً بِهِ، وكَانَتْ مِن خَيرِ نِسَاءِ العالَمِين، وسيِّدَةِ نِسَاءِ هذه الأمة، ونساءِ أهلِ الجنة، كانَتْ المحصنَةَ الطاهرَةَ الزهرَاءَ البَتُول، يَغضَبُ الله لِغَضَبِهَا ويَرضَى لِرضَاهَا .... ).
стр. 302
وبدأ أبو نعيم الأصبهاني ـ أيضاً ـ في كتابه «حلية الأولياء» (٢/ ٣٩) في قسم النساء قبل أمهات المؤمنين وبقية بنات النبي ﷺ والصحابيات ﵅.
وأما أبو عبدالله الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) ﵀ فذكرها في أول كتاب معرفة الصحابة من «المستدرك» (٣/ ٦٤)، وفي ط. الميمان ... (٦/ ٥) ذكر مناقب الخلفاء الراشدين: أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي.
ثم (٣/ ١٥٨) مناقب أهل البيت، ثم (٣/ ١٦٤) مناقب فاطمة. ثم الحسن والحسين.
ثم أورد أبواباً كثيرة في مناقب الصحابة والصحابيات.
ثم في (٤/ ٤٥): ذكر بنات رسول الله ﷺ بعد فاطمة، فذكر مناقب: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم.
فهو ﵀ فرَّق بين أبواب بنات الرسول ﷺ ، وجعل فاطمة وولديها بعد علي ومناقب آل البيت.
ولم يعجبني هذا التفريق.
ومِثلُ الحاكمِ: المحبُّ الطبري (ت ٦٩٤ هـ) ﵀ فقد ذكر في ... «ذخائر القربى» (ص ٢٦١) أولاد النبي ﷺ ، وفصَّل فيهم. إلا فاطمة فقال في (ص ٢٦٩) في الفصل المختص بها: (تقدمت أحاديث هذا
стр. 303
الفصل في القسم الأول، دعت إليه ضرورة التأليف).
ذكرها في القسم الأول المتضمن أبواباً في القرابة وفضل آل البيت ... (ص ٦٤).
قلت: لم يظهر لي ضرورة أو حاجة البدء بعلي وفاطمة والحسن والحسين. والتفريق بين بنات النبي ﷺ .
البغوي (ت ٥١٦ هـ) ﵀ في «شرح السنة» ذكر مناقب خديجة، ثم فاطمة، ثم عائشة.
٢ ــ موضع ترجمتها:
كثيرون بدأوا بها في النساء، ومنهم مَن بَدأ بها في حرف الفاء، ومنهم من قدَّمها على جميع الفواطم، ولم يُرتِّبها على الحروف التي التزمها.
من اللطائف:
أنَّ الإمام أحمد (ت ٢٤١ هـ) ﵀ ذكر النساء اللاتي رَوين عن النبي ﷺ فبدأ بفاطمة، وذكر نَسَبَها، ثم أزواج النبي ﷺ ، ثم بقية النساء:
قال عبدُالله بن الإمام أحمد: (وجدَتُ في كتابِ أبي: مَن روَى عن رسولِ الله ﷺ من النساء:
فاطمةُ بنتُ محمدٍ رسولِ الله ﷺ سيِّدِ المسلمين وإمامِ
стр. 304
المتقين ورسُولِ ربِّ العالمين محمدِ بنِ عبدِالله بن عبدِالمطلب بنِ هاشم بن عبدِمناف بن قُصَي بنِ كلاب بن مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَي بنِ غالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنَانَةَ بنِ خُزَيْمَةَ بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياسَ بنِ مُضَر.
وأزواجُ النبيِّ ﷺ : عائشة ..... إلخ. (١)
وكذلك ابنُ أبي خيثمة (ت ٢٧٩ هـ) ﵀ قال:
تسمية مَن روى عن النبي ﷺ من بنات هاشم، فبدأ بفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم صفية بنت عبدالمطلب ... إلخ. (٢)
وابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) ﵀ في «الطبقات الكبرى» (٨/ ١٩) بدأ في باب النساء بذكر خديجة، ثم بناتِها بناتِ النبي ﷺ ، وبدأ بفاطمة، ثم زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم أمامة، ثم عمات النبي ﷺ .
والدولابي (٣١٠ هـ) ﵀ في «الذرية الطاهرة» ذكر خديجة، ثم أولاد النبي ﷺ بالترتيب: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.
ومن اللطائف:
ذكر ابن حبان (ت ٣٥٤ هـ) ﵀ في «الثقات» لابن حبان (٣/ ٣٣٤): مَن روى عن النبي ﷺ من النساء، من ابتدأ اسمها على
стр. 305
الفاء. فابتدأ بفاطمة ﵂.
وابن عبدالبر (ت ٤٦٣ هـ) ﵀، وابنَ الأثير (ت ٦٣٠ هـ) ﵀ أوردا ترجمة فاطمة فيمن يبدأ اسمها بحرف الفاء، ثم في الفواطم، ترتيبها باسم والدها، فجعلا الترتيب التالي فيمن اسم والدها يبدأ بحرف الراء، فاطمة بنت رَسول الله ﷺ .
أما ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ) ﵀ في «الإصابة» فابتدأ بها في الفواطم. وكذلك فعل في زينب قدَّمها على جميع الزيانب. أما رقية فمع ترتيب اسم والدها «م» = «محمد»، وأما أم كلثوم فبدأ ببنت النبي ﷺ فيمن اسمها أو كنيتها أم كلثوم.
وأبو موسى الرعيني المالقي (ت ٦٣٢ هـ) ﵀ في كتابه «الجامع لما في المصنفات الجامع من أسماء الصحابة الأعلام أولي الفضل والأحلام»، فقد ذكر (٦/ ٣٥٦) فاطمة بنت محمد، بهذا الترتيب.
وذكر أنه سبقت ترجمتها في بناته ﵅ (١)
стр. 306
المزي (ت ٧٤٢ هـ) في «تهذيب الكمال» للمزي (٣٥/ ٢٤٧) بدأ بها في الفواطم: فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتبعه في ذلك فروعه: ... «تهذيب التهذيب» (١٢/ ٤٤٠)، و «تقريب التهذيب» (ص ٧٧٠) كلاهما لابن حجر.
الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) في «سير أعلام النبلاء» ذكرها في المجلد الثاني، بعد خديجة، وفاطمة بنت أسد ـ أم علي ـ، ثم فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ثم عائشة، ثم بقية أمهات المؤمنين، ثم زينب، ورقية، وأم كلثوم بنات النبي ﷺ .
التقي الفاسي (ت ٨٣٢ هـ) في «العقد الثمين» (٨/ ٢٨٣) ذكرها في أول حرف الفاء.
ويحيى العامري الحرضي اليمني (ت ٨٩٣ هـ) في «الرياض المستطابة» (ص ٣٢٨)، بدأ بها في النساء.
السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) في «التحفة الطيفة» (٩/ ٣٤٨) ذكرها في حرف الفاء، ثم بدأ بها في الفواطم: فاطمة الزهراء ابنة رسول الله ﷺ ، وبعدها الفواطم على ترتيب الاسم الثاني = والدها.
وكذلك فعل في زينب بنت رسول الله ﷺ ، ابتدأ بها في الزيانب، وكذا رقية، وأم كلثوم، والأخيرة وضعها في الكنى.
فقَّدَمَهُنَّ كلَّهنَّ على مشاركاتهن في الاسم الأول.
стр. 307
الخلاصة:
هذه علامة من العلامات الكثيرة الصريحة الدالة على حب أهل السنة والجماعة لفاطمة ﵂ وبنات النبي ﷺ ، وآل البيت.
فمع التزام عدد منهم الترتيب على الحروف إلا أنه يخالف ذلك في بنات النبي ﷺ ، ومع قلة أحاديث فاطمة ﵂ فإن بعض العلماء بدأ بذكرها وتقديمها على غيرها، والمسألة كلُّها ترتيب فحسب.
لكن المحبة الشرعية العظيمة في قلوب علماء أهل السنة، جعلتهم يعتنون بآل البيت حتى في الترتيب، ففي النساء يبدأون ببنات النبي ﷺ ، وأزواجه ﵅.
стр. 308
٣٤. من ترجم لفاطمة ﵂ -:
كثيرون جداً، فأحاديث سيرتها، وفضائلها موجودة في كتب السُّنَّة النبوية، والاعتقاد، والتاريخ والتراجم، وثمَّة مَن أفرد سيرتها أو فضائلها في كتاب ـ كما سبق في المبحث الأول ـ والمقصود هنا: كتب التراجم، والتاريخ، وبعض شروح الحديث:
«الطبقات الكبرى» لابن سعد (٨/ ١٩ ـ ٣٠)، «الطبقات الصغير» لابن سعد (١/ ٤٤)، «الثقات» لابن حبان (٣/ ٣٣٤)، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٦/ ٣١٨٥)، «الإنباء بأنباء الأنبياء» لمحمد بن سلامة القضاعي ... (ت ٤٥٤ هـ) (ص ١٣٧)، «الاستيعاب» لابن عبدالبر (٤/ ١٨٩٣ ـ ١٨٩٩)، وعنه: [«نهاية الأرب في فنون الأدب» للشهاب النويري ... (ت ٧٣٣ هـ) (١٨/ ٢١٣)].
«المقدمات الممهدات» لابن رشد (ت ٥٢٠ هـ) (٣/ ٣٥٢)، «تاريخ دمشق» لابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) (٣/ ١٥٥ ـ ١٦٢)، «تلقيح فهوم أهل الأثر» لابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ) (ص ٣١ ـ ٣٢)، «أسد الغابة» لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ) (٦/ ٢٢٠ ـ ٢٢٦)، «تهذيب الكمال» للمزي (ت ٧٤٢ هـ) ... (٣٥/ ٢٤٧)، «سير أعلام النبلاء» (٢/ ١١٨)، «تاريخ الإسلام» ... (٢/ ٢٩) للذهبي، وعنه: [«محاسن الوسائل في معرفة الأوائل» لمحمد بن
стр. 309
عبدالله الشبلي الدمشقي (ت ٧٩٦ هـ) (ص ٢٧٩ ـ ٢٨٤)، و «التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة» للسخاوي (٩/ ٣٤٨ ـ ٣٥٠)].
«بهجة النفوس والأسرار» لعفيف المرجاني (ت بعد ٧٧٠ هـ) ... (٢/ ١٠٠٨)، «طرح التثريب» للعراقي (ت ٨٠٦ هـ) (١/ ١٤٩)، ... «العقد الثمين» للتقي الفاسي (ت ٨٣٢ هـ) (٨/ ٢٨٣)، «جامع الآثار في السير ومولد المختار»، لابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) (٣/ ٤٧٨ ـ ٥١١)، «إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع» للمقريزي (ت ٨٤٥ هـ) (٥/ ٣٥١)، «الإصابة في تمييز الصحابة» ... (٨/ ٢٦٢)، «تهذيب التهذيب» لابن حجر (١٢/ ٤٤٠)، «تقريب التهذيب» (ص ٧٧٠).
«سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» للصالحي (ت ٩٤٢ هـ) ... (١١/ ٣٧)، «سلم الوصول إلى طبقات الفحول» لحاجي خليفة ... (ت ١٠٦٧ هـ) (٣/ ٩) رقم (٣٥١٠)، «كشف اللثام شرح عمدة الأحكام» للسفاريني (ت ١١٨٨ هـ) (٦/ ٣١٤)، «الروضة الفيحاء في أعلام النساء» لياسين بن خير الله بن محمود بن موسى الخطيب العمري ... (/)، «مهذب الروضة الفيحاء في تواريخ النساء» لياسين بن خير الله بن محمود العُمري (ت ١٢٨٢ هـ) (ص ١٤٦).
стр. 310
«الدين الخالص» لصديق حسن خان (ت ١٣٠٧ هـ) (٣/ ٤٨٥ ـ ٤٨٧)، «الدر المنثور في طبقات ربات الخدور» لزينب بنت علي العاملي ... (ت ١٣٣٢ هـ) (ص ٣٥٩)، «الأعلام» للزركلي (ت ١٣٩٦ هـ) ... (٥/ ١٣٢)، «أعلام النساء» لعمركحالة (٤/ ١٠٨ ـ ١٣٢)، «الروضة الغناء في أعلام النساء»، تأليف: إدارة البحث في مؤسسة الرسالة ... (٢/ ٣٨٥ ـ ٣٩٢)، «موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة» إعداد: مجموعة من الباحثين المختصين في جامعات العالم، ط. الجمعية العلمية السعودة لعلوم العقيدة (٥/ ٢٢٤١ ـ ٢٢٥١).
وقد سبق بيان من أفرد في ترجمتها كتاباً: مِن أشهرهم:
الحاكم (١)، ثم السيوطي في «الثغور الباسمة في مناقب فاطمة»، وعبدالستار الشيخ في «فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وأم الحسنين» ـ ط. دار القلم ـ (١٤٣٦ هـ).
стр. 311
وأخيرا:
الكتاب الذي بين يَديك:
«فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - سيرتها، فضائلها، مسندها ـ دراسة حديثية تاريخية موضوعية ـ».
أسألُ اللهَ أن يجعل خِتامَه مِسْكَاً، ويبارك فيه، وينفع به المسلمين، وييسر طباعة مختصره:
«المختصر من أخبار فاطمة بنت سيد البشر - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -».
اللهمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَمَنْ اتَّبَعَهُمْ بِإحْسَانٍ.
* * *
стр. 312
المبحث الثالث:
عقيدة أهل السنة والجماعة في آل بيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.
آل بيت النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - هم: مَن تحرُم عليهم الصدقة (١) وهم على الصحيح: أزواجُه، وذرِّيتُه، وأقاربُه المسلمون من بني هاشم بن عبدمناف. (٢) وقيل: وبني المطلب بن عبد مناف أيضاً. (٣)
стр. 313
وقد دلَّ على فَضْلِهِم: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ سلَفِ الأمَّةِ.
قال الله ﵎ عن أُمَّهَاتِ المؤمنين:
عن عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ غداةً، وعليه مِرْطٌ مُرَحَّل، من شَعْرٍ أسود، فجاء الحسَنُ بنُ علي فأدخلَه، ثم جاءَ الحُسَين فدخل معه، ثم جاءت فاطمةُ فأدخلَها، ثم جاء عليُّ فأدخلَهُ، ثمَّ قال: ﴿إِنَّمَا ... يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ ... عَنْكُمُ الرِّجْسَ ... أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ... ﴾ (١)
وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيباً، بماء يُدعى «خُمَّاً» (٢)
بين مكة والمدينة، فحمد الله
стр. 316
وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أما بعد، ألا أيها الناس فإنما أنا بَشَرٌ يُوشِكُ أن يأتي رسولُ ربي فأُجِيب، وأنا تاركٌ فيكم ثقَلَين: أولهما كتابُ الله فيه الهُدَى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به»، فحثَّ على كتاب الله ورغَّبَ فيه، ثم قال: «وأهلُ بَيتِي أُذَكِّرُكُمُ الله في أهلِ بَيتي، أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي، أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي» .... الحديث. (١)
قوله: «أُذَكِّرُكُمُ الله في أهل بيتي» أي: (اذكُرُوا الله، اذكُرُوا خَوفَهُ وانتقَامَه إنْ أضعَتُم حقَّ آل البيت، واذكُروا رحمتَه وثوابَه إنْ قُمْتُمْ في حقِّهِم). (٢)
«اعرفوا لهم حقَّهم، ولا تظلموهم، ولا تعتدوا عليهم، هذا من باب
стр. 317
التوكيد، وإلا فكُلُّ إنسانٍ مُؤمِنٍ له حقٌّ على أخيه، لا يحقُّ له أن يعتدِيَ عليه، ولا أنْ يَظلِمَهُ؛ لكِنْ لآلِ النبيِّ ﷺ حَقٌّ زَائِدٌ على حُقُوقِ غَيرِهِمْ مِن المسلمين». (١)
«فالمراد بالتذكير فيهم: حفظ رُتبَتهم في الإسلام، وتعظيمُهم، وحبُّهم في الدِّين، وصونُ عظيمِ عِزِّهم في الأمة، وتقديمُهم على غيرِهم في: المجلس، والكلامِ، والخطابِ، والمشيِ، والقعودِ، والقيامِ؛ وبذلُ الأموال لهم، ونُصرَتُهم في مقابل أعدائهم، والتمسُّكِ بهم إنْ كانوا أهلَ العِلْمِ والتقوى». (٢)
فالحديث بمجموع رواياته «تضمَّن الحثَّ على المودَّةِ لهم، والإحسانِ إليهم، والمحافظةِ بهم، واحترامِهم، وإكرامِهم، وتأدِيَةِ حُقُوقِهِم الواجبة والمستحبَّة، فإنهم مِن ذُرِّيَّةٍ طَاهِرَةٍ، مِن أشرَفِ مَن وُجِد على وَجْهِ الأرضِ، فَخْرَاً وحَسَبَاً ونَسَبَاً، ولا سِيَّما إذا كانُوا متَّبعِينَ للسُّنَّة النبويَّةِ الصَحِيحَةِ الواضِحَةِ الجَلِيَّة، كما كَانَ علَيهِ سَلَفُهُم كالعبَّاسِ وبَنِيه، وعَليٍّ وآلِ بَيتِه وذَوِيْهِ ﵃.
وكذا يَضمَنُ تَقدِيمَ المتأهِّلِ مِنهُم لِلْوِلايَاتِ عَلى غَيرِهِ ... إلخ». (٣)
стр. 318
وعن واثلة بن الأسقع ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم». (١)
فآل هاشم من المصطفَين، وهُم مع أمهات المؤمنين مِن الداخلين في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - تبعاً. (٢)
وقد تظافرت الأدلة الشرعية في فضائل آل البيت من الأزواج والذرية والأقارب، منها ما ورد عاماً فيهم بالوصية والعناية بهم، ومنها ما ورد في
стр. 319
فضل فرد منهم. (١)
وهي نصوص مبثوثة معتنى بها من علماء السنة والجماعة، ضمَّنوها كتبهم في الاعتقاد، والسنة النبوية، في أبواب الفضائل، إضافة إلى الكتب المفردة في الصحابة، والآل منهم، وثَمَّةَ كُتُبٌ مُفرَدَةٌ في فضائل بعضهم ... ــ كما سيأتي في المبحث الرابع من هذا التمهيد ـ.
هذا، وقَد اتَّبَعَ سلَفُ الأمة بدءاً من أبي بكر وعمر وعثمان وبقية الصحب الكرام ﵃ وصيةَ النبيِّ ﷺ بالعنايةِ والرِّعايةِ لآلِ البيتِ ﵃.
فهذا خليفةُ رسُولِ الله، الصِّدِّيقُ أبو بكر ﵁ يقول: «ارْقُبُوا محمَّدَاً ﷺ في أهلِ بَيْتِهِ».
أي: احفظُوه فيهم، فلا تُؤذُوهُمْ، ولا تُسِيؤوا إليهِم.
стр. 320
ويقول أبو بكر ﵁: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ الله ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي ... ». (١)
ثم خليفةُ خليفةِ رسولِ الله ﷺ : الفاروقُ عمرُ بن الخطاب ﵁ اعتنى بآل البيت عنايةً فائقة، من ذلك: أنه بدأ بهم لمَّا وضَعَ الديوان للعطاء؛ محبَّة لهم، واحتراماً وتقديراً ومعرفة بمكانتهم، وامتثالاً لأمرالنبي ﷺ برعايتهم. (٢)
وهكذا السلَفُ الصالحُ جيلاً بعد جيل، إلى زماننا هذا ـ ولله الحمدُ والمِنَّةُ على الهدايةِ والسُّنَّةِ ـ. (٣)
لما ذكر ابنُ كثير ﵀ حال الشيخين أبي بكر وعمر مع آل البيت ﵃ قال: (فحالُ الشيخينِ ﵄ هو الواجبُ على كلِّ أحَدٍ أن